البينية والمنظور الحضاري المقارن في العلم والواقع
تقرير اللقاء التمهيدي الأول لمنتدى الحضارة - الموسم الثالث

عقد “مركز الحضارة للدراسات والبحوث” اللقاء التمهيدي الأول لـ “منتدى الحضارة” في مطلع موسمه الثالث، وذلك استكمالًا للمسيرة المعرفية التي دشنها المنتدى في مواسمه السابقة، حيث طاف الموسم الأول حول موضوعات “جديد العلم والعالم” و”موقع الأمة في العالم”، بينما ركز الموسم الثاني على تشابكات الثقافة والسياسة والاجتماع في “مجتمعات العالم الإسلامي” عبر رصد تأثير هذا التدخل على فاعلية المسلمين.
ويأتي هذا اللقاء التدشيني للموسم الثالث ليطرح موضوعًا شائكًا وممتدًا تحت عنوان: “البينية في العلوم والحياة من منظور حضاري مقارن” أو “البينية والمنظور الحضاري المقارن في العلم والواقع”. ويهدف اللقاء إلى تسليط الضوء على الإشكالات الفلسفية والواقعية المرتبطة بـ “البينية”، ومناقشة ما إذا كانت الحقول البينية قد أسهمت فعليًا في فهم أفضل للظواهر المعقدة والمركبة في عالمنا المعاصر، أم إنها فرضت أطرًا جامدة جديدة.
وقد شرف اللقاء بتصدير الأستاذة د. “نادية محمود مصطفى”-رئيس المركز، بكلمة رئيسية تستعرض حكاية البينية ومسار التحول المعرفي عبر عقود، تلتها كلمة مكملة للدكتور “مدحت ماهر الليثي”-مدير المركز، تؤصل لفكرة “الفصل والوصل بين العلوم” وأهمية إيجاد ميزان حاكم للعلوم يضبط مسارها لتكون نفعية وتؤسس لحياة ومستقبل أفضل. كما رُتبت أربع مداخلاتٍ متخصصة لعدد من الأساتذة: (د. أماني غانم، د. شريف عبد الرحمن، د. أميرة أبو سمرة، د. سماح عبد الصبور)، لإثراء النقاش حول أبعاد الموجات الحالية للبينية في الفكرين الغربي والإسلامي، قبل فتح باب الحوار والمناقشة أمام السادة الحضور لاستعراض وتقييم منجز البينية في الواقع العلمي والعملي.
(كلمة الأستاذ أحمد خليفة – منسق المنتدى):
افتتح أ. أحمد خليفة (منسق المنتدى) مقدمًا تأطيرًا بانوراميًا لمسيرة المنتدى في الموسم الأول والثاني، ثم شرع في بلورة الإشكالية المركزية للقاء، موضحًا أن التحضير لموضوع “البينية” أثار جملة من النقاشات والجدالات العميقة حول موقعها من فلسفة العلوم؛ متسائلًا عما إذا كانت البينية تمثل محاولة جادة لكسر عزلة “التخصصات الجامدة ذات الحدود الصلبة” والاستعاضة عنها بأطر مندمجة تتزاوج فيها العلوم ومناهجها لفهم القضايا المعقدة.
كما طرح أسئلة تقييمية نقدية حول المنجز الواقعي للبينية: هل نجحت الحقول البينية في تقديم فهم أعمق للظواهر المعقدة والمركبة في عالمنا؟ أم إنها تحولت إلى مجرد مجالات فرضت حدودًا وأطرًا جامدة جديدة أعاقت تحقق مشروع البينية المأمول؟
واختتم أ. خليفة كلمته بربط هذا النقاش بالرؤية الكلية للمركز، مؤكدًا أن البينية لم تكن مجرد موضوع عابر، بل هي المنطلق التأسيسي لـ “مدرسة المنظور الحضاري”؛ وهو ما يتجلى بوضوح في المشروع الرائد للمدرسة “العلاقات الدولية في الإسلام”، والذي قدم دمجًا عمليًا بين العلوم الشرعية والسياسية والمفاهيم التراثية، وصولًا إلى أحدث إصدارات المدرسة المعنية بالمداخل المنهجية المقارنة.
الكلمة الرئيسية للأستاذة د. نادية محمود مصطفى:
“البينية من منظور حضاري مقارن: حكاية تحول معرفي”
أتت كلمة أ.د. نادية محمود مصطفى لتقديم “البينية في المنظور الحضاري” كحكاية تحول معرفي ممتدة عبر أربعة عقود، انتقلت فيها من النموذج الوضعي الغربي إلى المنظور الحضاري الإسلامي. وترى أن البينية ليست مجرد ترف أكاديمي أو تعريفات مجردة، بل هي مخرج حتمي لمواجهة أزمة العلم والعالم الناتجة عن المركزية الغربية الخانقة والتخصص الدقيق الذي فتت المعرفة. وطرحت د. نادية مفهوم “البينية المزدوجة ثقيلة الوطأة” التي تزاوج بين المراجعة النقدية للعلم الغربي وبين استلهام فقه الأصول والتراث، سعيًا لإنتاج “علم نافع” ينفع المجتمعات والأمة ويخدم قيم العدالة والحرية والإنسانية. وجوهر هذا الطرح هو العودة إلى “طبائع الأمور”، وإلى الموسوعية التي ميزت الحضارة الإسلامية، حيث يبرز المنظور “الحضاري” في جوهره بوصفه فعلا بينيا يربط بمرونة بين الأصل والواقع، وبين القيم والمادة، لإضعاف الحدود القسرية بين التخصصات وإنتاج معرفة متكاملة.
وقد انتظمت المداخلة حول عدة محاور تحليلية مركزية، موضحة فيما يلي:
الانطلاق من “الحكاية الممتدة” وتجاوز التنظير المجرد
أوضحت د. نادية أنها لن تقدم تعريفات ومفاهيم وأهداف وتحديات نظرية مجردة حول العنوان، بل ستنطلق من “حكاية ممتدة” للبينية مع العلم من منظورات مقارنة. وبيّنت أن هذه الحكاية ذائعة على صعيد مجالات معرفية عدة (خاصة علم السياسة والعلوم الاجتماعية والإنسانية). وفي المقابل، هناك حكاية أخرى للمنظور الحضاري مع البينية من زاوية وخبرة مختلفة، مؤكدة أن هذه الحكاية الأخيرة هي التي تحتاج إلى بلورة وتأصيل أكبر مقارنة بالحكاية الغربية الشائعة. وشددت على أن كِلا الجانبين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ “واقع العالم” والحركة والتطبيقات العملية، وليس بالعلم النظري بمعناه الواسع فقط.
وقد استندت في مقاربتها إلى مسيرتها الشخصية مع علم العلاقات الدولية وعلم السياسة قبل -وخلال وبعد- مرحلة “التحول المعرفي” الممتدة عبر أربعة عقود (منذ عام 1985 وحتى الآن)، وهي التجربة التي تخلقت داخل ثلاث حواضن أساسية: (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والتفاعل الممتد مع خبرة مركز الحضارة للدراسات والبحوث عبر ثلاثة عقود).
تعقيد مفهوم “البينية” وإشكالياته اللغوية والمنهجية
أشارت د. نادية إلى أن ما يُسمى بـ “البينية” أو “المنظور البيني” قد يبدو اليوم واضحًا لدرجة ما، مستذكرةً الكتاب الرائد الذي صدر عن أعمال السمينار العلمي لقسم العلوم السياسية عام 2012 (بإشراف وإدارة د. أميمة عبود إبان رئاسة د. نادية للقسم)[1]. لكنها استدركت مؤكدة أنه كلما تعمق الباحث في الكتابة والتفكير والاختبار، بدا الأمر أكثر تعقيدًا وتركيبًا.
وأوضحت أن الدلالة اللغوية ليست بسيطة، مستحضرة الفروق الدقيقة في السوابق اللغوية الغربية المستخدمة في هذا السياق مثل (Inter, Intra, trans-, Cross, Multi). وبيّنت أن الأمر مركب من حيث المستويات، والدوافع، والتحديات، وخرائط الإنجاز عبر نصف قرن من تاريخ تطور علم السياسة، وعند الحديث في البينية سنجد أن الجميع ينطلق من تخصص.
وطرحت حزمة من التساؤلات التفكيكية لتحديد ماهية البينية خاصة عند الحديث عن منظور حضاري: هل هي مجرد موضوع مشترك للاهتمام بين عدة حقول كالاقتصاد والسياسة؟ أم هي مجرد تعاون حول قضية عملية لاكتشاف حلول؟ أم بحث في تأثير موضوع معين على آخر في حقل ما؟ أم هي اشتباك منهجي ونظري لاكتشاف المشترك؟ أم استعارة مناهج حقل لتطبيقها في آخر؟ أم إنها تفاعل منظم لإنتاج مجال جديد؟ وفي هذا السياق، استدعت مقولة الدكتورة منى أبو الفضل التي كانت تُفضل تسمية علم السياسة بـ “مجال الدراسات الحضارية”.
“التحول المعرفي” والبينية المزدوجة ثقيلة الوطأة
ذكرت د. نادية أن مدخلها الأساسي هنا هو: لماذا جمعنا بين البينية ومنظور حضاري مقارن؟ كما لو كان المنظور الحضاري المقارن ليس من البينية، ونتساءل عن العلاقة بينهما. ولخصت د. نادية حكايتها مع العنوان بأنها قصة “تحول معرفي” من النموذج المعرفي الغربي الوضعي إلى الحضاري الإسلامي، مرورًا بالتيارات النقدية الغربية والتراثية النقدية. وهي محصلة الاشتباك مع عملية مراجعة العلم السائد الوضعي الغربي بتياراته النقدية، وأوضحت أنها لمست ذلك طوال تدريسها لنظرية العلاقات الدولية لأكثر من ثلاثة عقود، بحثًا عن المشترك بين “النقدي” و”المنظور الحضاري الإسلامي”. يتم كل ذلك في ظل وإطار اشتباك مع الواقع؛ واقع العالم بمركزيته الغربية، وواقع العالم من مركزية الأمة الإسلامية. فعبر العقود الأربعة كان هناك عمل في خبرة مركز الحضارة وفي خبرة مدرسة المنظور الحضاري، وهي تتفاعل من ناحية مع علم العلاقات الدولية الغربي بعمليات مراجعته، وتتفاعل من ناحية أخرى مع عمليات القراءات الجديدة الاجتهادية في الأصول وفي التراث تاريخًا وفكرًا.
ومن خلال المقارنة، يُلاحظ أنها “بينية مزدوجة ثقيلة الوطأة“؛ تنطلق من فقه الواقع (فقه العالم والعلم الغربي)، ومن فقه أصول الأمة، ومن فقه التراث الذي يجمع بين التاريخ وفكر الأمة، ثم تعود إلى العلم والعالم مرة أخرى. وكل هذا له مبررات ودوافع، تتمثل في الحاجة إلى منظور حضاري إنساني جديد للعالم على ضوء حالة العلم ذاته الذي اعترف منظروه أنه في حالة أزمة، والعالم أيضًا في حالة أزمة نتيجة المركزية الحضارية الغربية الخانقة وأحادية النموذج المعرفي، فضلًا عن الحاجة إلى التعددية والبينية. كل هذا من أجل الوصول إلى العلم النافع، الذي ليس علم سلطة، بل علم مجتمعاتي وقيمي إنساني، وليس ماديًا جامدًا فقط، علم يسعى إلى تغيير عالمي نحو مزيد من العدالة والحرية والإنسانية. بعبارة أخرى، ليس علمًا للسلطة يكرس لها من خلال السلوكية حصرًا، ويُقصد بالسلطة هنا السلطة الرسمية وليس سلطة الشعوب أو الأمم.
وقد ترتب على ذلك ظهور منتجات علمية عديدة تحت مسميات جديدة؛ كالتاريخ الدولي، والفكر الدولي، والاجتماع التاريخي الدولي، والنظرية السياسية الدولية، والاقتصاد السياسي العالمي. ويُقصد بذلك ما أُنتج على صعيد دائرة إنتاج العلم الغربي، وأيضًا على صعيد ما أُنتج عنهم من مدرسة المنظور الحضاري بأوعيتها المختلفة، والتي لا تعدو كونها تجليات متعددة للبينية.
ويؤكد أن الخيط الناظم بينها جميعًا هو البينية، كما ذُكر، بوصفها نتاجًا لمراجعة العلم الوضعي المادي، ونتاجًا للنقدية وما بعد الحداثة في الدوائر الغربية التي دعت نحو العودة إلى طبائع الأمور من حيث شمولية دراسة الظواهر، ومن حيث العلاقة ما بين التخصصات، حتى من قِبل الحضارة الغربية الأقدم من الاتجاه السلوكي الوضعي، وأن المنظور الحضاري يضم في قلبه هذه البينية. لكن يظل هناك تمايز بين البينيتين؛ البينية النقدية الغربية كنتاج للنقدية الغربية، وبين البينية في قلب المنظور الحضاري الإسلامي والذي هو أيضًا نتاج لها. ولعل لقاءات هذا الملتقى العشرة التي تُعقد طوال العام دائمًا تعكس ذلك.
جدلية الوصل والفصل: بين الموسوعية الإسلامية والتشظي المعرفي الغربي
كل ما سبق يمثل ذلك عودة لطبائع الأمور. فعلى سبيل المثال، حين كان يُدرَّس لهم في السنة الأولى، كان يُقال لهم إن علم السياسة يريد أن يكون علمًا مستقلًا، ولكنه خرج من رحم القانون والتاريخ وتاريخ الفلسفة والاقتصاد، ويجب أن يكون له استقلاله وتميزه كعلم مستقل. وهذا يقتضي بطبيعة الحال منهجية جديدة في نطاق التخصص الشديد الذي ترتب على السلوكية وتشظي وتجزئة المعرفة، بعيدًا عن القول بوحدة المعرفة المطلقة، وذلك في ظل تيار الوضعية أولًا ثم الواقعية والسلوكية ثانيًا. وهذا الأمر لا يعني إطلاق حكم سلبي على تلك الإنجازات في ظل هذه المستويات، فقد كان لها إنجازاتها، ولكن مراجعتها من داخل تلك الدوائر ومن أنفسهم ومن غيرهم جعلتهم يقولون إن علم السياسة أو علم العلاقات الدولية قد وصل إلى أزمة، وإن أحد سبل الخروج منها -والتي لها تجليات كثيرة- هو البينية. لماذا؟ لأن هناك حاجة إلى الرجوع إلى التاريخ والفلسفة والثقافة والاقتصاد مرة أخرى،
بسبب تحولات مفهوم علم السياسة في تعريفاته من كونه علم السلطة والدولة فقط إلى علم أوسع من حيث الفواعل والقضايا والعمليات، بحيث أصبح الإنسان في قلبه، أو الأمم، أو الحضارات، وجامعها أمور لا يمكن دراستها من واقع المنهجية السلوكية الوضعية الواقعية فقط في علم السياسة أو حتى الاقتصاد أو غيره. فهناك الآن في حالة “ما بعد المركزية الغربية” في العلم، حالة من قبول تعددية المنظورات والجدال بينها حتى داخل المنظورات الغربية نفسها، وحالة من الدعوة إلى منظورات غير غربية تمت الاستجابة لها خلال أكثر من عقدين ماضيين من بؤر أو مراكز حضارية مختلفة، وكانت كل إسهاماتها عبارة عن تطبيق للبينية ودعم لآليات تطور السياسة وتحليلاتها.
وفي المقابل، أكدت أن الحضارة الإسلامية لم تعرف -في تشكلها ومراحل ازدهارها- تلك الحدود الصلبة الفاصلة بين التخصصات، بل عرفت دائمًا ظاهرة (الموسوعية) و “العالم الموسوعي” الذي يدمج بين معارف مختلفة من الطب والفلك والعلوم السياسية والدينية والتاريخ والعمران؛ إلا أن مراحل تراجع الحضارة الإسلامية رافقها نوع من الجمود المعرفي، تمثل بالأخص في التشعيب والتعميق في النصوص الموروثة عن الأجيال السابقة، مما وسع الشقة بين المعارف التي كانت متقاربة ومتداخلة ومتساندة من قبل. فلم يعد المسلمون ينتجون جديدًا لا بالمعنى الموسوعي ولا حتى بالمعنى التخصصي الدقيق.
وبالتالي إعادة النظر في أصول ومصادر التراث برؤية نقدية تجديدية لإنتاج معرفة اجتماعية جديدة كانت تقتضي عودة للبينية بوصفها مسارًا تجديديًا في إنتاج المعرفة الإسلامية المتكاملة من ناحية، أو التكامل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية من ناحية أخرى، والتكامل أيضًا بين فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية وبعضها البعض من ناحية ثالثة، فضلًا عن التكامل فيما بين فروع المجال الواحد كالعلوم السياسية من ناحية رابعة. ويبقى هنا استخدامهم لكلمة “التكامل”، أو الحديث عن كلمة الاندماج المعرفي (Integration)، والتي تجمعها درجات من البينية.
الماهية والتطبيق: البينية كأداة منهجية وجوهر للرؤية الحضارية
أوضحت د. نادية أن البينية لغةً ومصطلحًا ومفهومًا علميًا تعبر عن أكثر من شيء في الواقع، وهذا ما يُراد استكشافه خلال هذا السيمينار بلقاءاته المختلفة، والتي سيشارك فيها أساتذة وخبراء وشباب باحثين من مجالات تخصصية تتجه إلى أمور ومجالات أخرى غير علم السياسة، ليقدم كل منهم خبرة ونموذجًا من نماذج البينية في حالة عملية وليست مجرد كلام نظري. هي تواصل، وتفاعل، ودمج، وتكامل، أو إنتاج معرفة جديدة أو ابتكار أجندات بحثية، أو حلول لقضايا معقدة ومركبة نتيجة الأبعاد المختلفة للظواهر. ليس هناك نموذج معين، ولكن كما يُنقل عن الورقة المعرفية لـ “جان مورا”، فإن البينية بصفة عامة وسهلة هي مجرد إضعاف للحدود الموضوعة قسرًا بين التخصصات. وتظل المرونة مدخلًا هامًا، وموضوعًا مشتركًا محتملًا لتبادل المنهجيات والنظريات ضمن شبكة ومنظومة من المتغيرات.
وقد قدمت مدرسة المنظور الحضاري ذلك مع التركيز عليه، دون إبعاد المدارس الغربية التي تكلمت عن البينية وكان لها نماذج كثيرة فيها، بل كان يتم استحضارها دائمًا في المقارنات بوصفها أداة منهجية هامة لم يتم التخلي عنها إطلاقًا في أي عمل. وعبر أربعة عقود منذ التأسيس ثم التشغيل والتفعيل المقارن للمنظور الحضاري، برزت الكثير من الخبرات البينية في أعمال فردية وجماعية، نظرية وتطبيقية، عبر بحوث ودورات وندوات لم تكن بعيدة عن المقارنة مع الغربي أبدًا. ولا يقتصر فهرس أعمال مدرسة المنظور الحضاري المنشورة وغير المنشورة، والدورات والمواد التي يشرف عليها الأساتذة، على تخصص واحد، بل يشمل كافة التخصصات في العلوم الاجتماعية والشرعية. وإن كان منطلقهم الغالب هو علم السياسة، إلا أن ساحتهم تظل أرحب من ذلك، لإيمانهم بأن فهم السياسة بطريقة أفضل يكون في رحاب وتفاعل مع علوم أخرى شرعية وغيرها، كما تشير إلى ذلك د. منى أبو الفضل. ودعت د. نادية إلى قراءة المقدمة الخاصة بمشروع “التأصيل النظري للدراسات الحضارية”[2]، حيث يبرز مجددًا مفهوم “الحضاري” لمن يسأل عنه ويظن أن الحضارة تعني مجرد “المدنية”. وتدعو تلك الأعمال المكتوبة عبر عقود لمعرفة أن جوهر “الحضاري” هو “بيني”، ليس فقط بين حقول معرفية، بل بين أصل وواقع، ميزان وموزون، جزء وكل، داخل وخارج، قيم ومادة. وهي بينية تقوم على أصول ومناهج وقواعد وليست افتئاتًا أو تلفيقًا، لأن الحديث هنا بمنطق العلم.
حصاد ثلاثة عقود: التجسيد العملي للبينية وتجديد الأجندة البحثية
واستعدادًا لمرور ثلاثين عامًا على المركز، أعلنت عن إعادة تنظيم الأجندة البحثية من حيث طبيعة الأوعية التي قدمها المركز وأساسها مشروع العلاقات الدولية في الإسلام ثم مشروع النظم المقارنة فحولية أمتي في العالم وفصلية قضايا ونظرات، والكتب والدورات وهذا الملتقى وموضوعاته السابقة وتنوع المحاضرين فيه، وآخر هذه الأعمال موسوعة المداخل المنهجية من منظور حضاري مقارن التي هي نتاج مشروع الأجرأة، وكلها تمثل تجسيد حي لهذه البينية، ولتشمل شبكة واسعة من الموضوعات المُلحة وتشمل: التعليم، التربية، التنمية المستدامة، الثورات، حقوق الإنسان، التدخلات الخارجية، دورة الأمم والحضارات، التحول في النظم السياسية، الحرب والسلام، اللجوء والهجرة، الإعلام الدولي، المرأة، طوفان الأقصى، القدس، الصهيونية، الإغاثة الإنسانية، الحروب الأهلية، التكوينات المجتمعية، والدين والثقافة، والأمة والدولة (القومية، الإسلامية، التنافسية)، والاقتصاد السياسي العالمي، والتسابق على التسلح؛ وهي كلها أمثلة تندرج ضمن منظومات متكاملة.
الآفاق البحثية للبينية وتساؤلاتها منهجية
وتتجه الإرادة حاليا للاقتراب من خبرات ونماذج أخرى للبينية، تحاول كل منها أن تجيب وفق خبرتها على مجموعة من الأسئلة المكتوبة في نهاية الورقة المفاهيمية؛ سيستهدف المنتدى الإجابة عنها، منها: ما قصة نشأة الحقل البيني ودواعي ظهوره؟ وما مظاهر التحيز المعرفي في نشأته؟ ما هي مصادره التأسيسية ومفاهيمه ومقولاته؟ ما الخطوات والمسارات التي على الباحثين أن يسلكوها لإنجاز “بحثي بيني” من منظور هذا الحقل؟ وكيف يتم اختبار البينية من واقع دراسة قضية مُحددة؟ ما أبرز القضايا الواقعية التي يساعدنا هذا الحقل البيني في فهمها؟ وكيف؟ وما أبرز الإشكاليات المتعلقة بهذا الحقل؟ وما صلة هذا الحقل بالمنظور الحضاري الإسلامي وبإسهام المسلمين في إنتاج المعارف والعلوم؟ وطرحت تساؤلًا إبستمولوجيًا ختاميًا حول الانتقال بين الحقول (كالتاريخ والسياسة، والجغرافيا والسياسة): هل ستتولد من هذه الخبرات مجالات جديدة كـ “الدراسات الحضارية”؟ أم سنظل حبيسي التخصصات بحدود مرنة تُستدعى وقت الحاجة؟
واختتمت أ.د. نادية مصطفى مداخلتها بالإشارة إلى التحديات المنهجية الهائلة التي واجهت هذا العمل عبر العقود، سواء بصفة فردية خلال تدريس المقررات أو البحوث البينية منذ بداية المسيرة، أو في نطاق العمل الجماعي، وهي تحديات تتعلق بالتاريخ والفكر والقيم وأمور أخرى، راجيةً أن يكون هذا الملتقى بلقاءاته المتتالية ساحة علمية فكرية حضارية مقارنة للنقاش وتبادل الخبرات من مواقع تخصصات مختلفة.
(عقب أ. أحمد خليفة بشكر د. نادية مصطفى على كلمتها والتي كانت عبارة عن حكاية عن قصة البينية والمنظور الحضاري، ويبدو أنها حكاية ممتدة بدأت مع التأسيس وتستمر في فترات التشغيل والتفعيل التي يعيشها المنظور في هذه اللحظة، بدأت مع النقد الحضاري ونقد المعرفة السائدة الغربية وحالة التحول المعرفي التي كانت سائدة في فترتي السبعينيات والثمانينيات، إلى أن وصلنا إلى المنظور الحضاري وما يقدمه من إنتاج هو -كما أوضحت أستاذتنا- بيني بالأساس ولكن بمعنى مختلف، وبمنهجية وناظم معرفي يدمج بين الواقع وما قدمه العلم الغربي والتراث الإسلامي والفقه والتاريخ وتاريخ الأمة ومفاهيمها المختلفة)
الكلمة المكملة للدكتور مدحت ماهر الليثي:
“البينية وأصول الفقه الحضاري: نحو إعادة رسم شجرة العلوم”
انتقلت الكلمة إثر ذلك إلى د. مدحت ماهر ليقدم مداخلة تأسيسية مكملة لطرح الأستاذة د. نادية مصطفى، حيث انطلق من الإقرار بعجز أدوات “التخصص الدقيق” المنغلقة عن استيعاب الواقع المعاصر، وصولًا إلى تقديم أطروحة عملية لضبط مسار العلوم، واستهل د. مدحت ماهر كلمته منطلقًا في طرحه من النقطة التي انتهت إليها د. نادية مصطفى، حيث قسّم رؤيته لواقع العلوم ومفهوم “البينية” إلى عدة محاور أساسية:
أزمة التخصص الدقيق وتعقيدات الواقع السياسي
أشار د. مدحت إلى أن المجال السياسي، الذي يمثل التخصص الدقيق للباحثين في هذا الإطار، يفيض بالأحداث الجسام التي تتسارع يوميًا كبروق ورعود مستمرة، مما يجعل عدسات الراصدين وأقلامهم تلهث وراء هذا الفيض الكبير على تنوعهم. وأوضح أنه رغم هذا التنوع، يبدو أن الباحثين يتحركون داخل “بحيرة صغيرة جدًا” بسبب قيود التخصص الدقيق. وأكد أن الواقع المعاصر لم يعد يقبل النظرة أو التحليل السياسي الضيق الذي يصر على فصل الجانب السياسي عن الجوانب الاقتصادية، أو الثقافية (بما تشمله من أبعاد دينية وعقدية وقيمية وشرعية)، أو الاجتماعية (التي تتضمن مفهوم الأمة والأمم باعتبار الأمة اجتماعًا حضاريًا)، أو حتى الجوانب النفسية. وشدد على أن العالم يعيش حالة نفسية جديرة بالتحليل، خاصة في العالم العربي والإسلامي في ظل الأحداث الجارية كـ “الطوفان” ومتابعة الحرب على إيران، مما يستدعي تحليلًا نفسيًا سياسيًا عميقًا.
التطور المنهجي للظواهر وتعريف “البينية” حضاريًا
أضاف د. مدحت أن مجال السياسة لم يعد يشهد ذلك الفصل الحاد بين ما هو داخلي وما هو خارجي، وهو ما بشرت به د. نادية مصطفى ومدرستها، وكذلك د. حامد ربيع من قبل، حيث صار هذا التداخل معلومًا بالضرورة بعد جدل طويل خاضه السلوكيون في هذا الشأن. ولفت الانتباه إلى أن تاريخ الظواهر وجغرافيتها وأساليب التعبير عنها تجاوزت مساحة البحث العلمي الأكاديمي المنفرد، لتُطرح عبر الآداب والفنون ووسائل الإعلام الجديدة.
وبناءً على ذلك، اعتبر د. مدحت أن النظم والتشبيك والجمع بين الوجوه المتعددة للقضية الواحدة أصبح مطلبًا ملحًا، مما يفرض تحديات وضغوطًا مضادة على التخصصية الجامدة. وعرّف “البينية” من المنظور الحضاري بأنها: عملية إعادة وصل لما انقطع وتقطع، وجمع لما تفرق، وتركيب لما تفكك وتشرذم؛ أي أنها بمثابة “إعادة صلة الأرحام” بين مجالات وأنواع القضايا الحياتية والبحوث العلمية التي تدرسها بعناية ومنهجية.
أصول الفقه الحضاري وتسكين قضية “البينية”
انتقل د. مدحت لربط البينية بالأطروحة المهمة التي قدمها الأستاذ د. سيف الدين عبد الفتاح تحت اسم “أصول الفقه الحضاري”[3]، معتبرًا إياها جذرًا لما يمكن تسميته بـ “علم للعلوم” الذي يحقق التجسير بين العلوم التي انقطعت فروعها عن شجرتها.
وطرح تساؤلًا حول كيفية تسكين واستيعاب قضية البينية وفق سباعية أصول الفقه الحضاري، وكيف يمكن تفعيلها في العلوم والشؤون الحياتية. وأكد أن إجابة هذا السؤال تمثل تعبيرًا متجددًا عن الذاتية الحضارية، بحيث لا يتم تلقي البينية كشأن يخص الآخرين أو التجاوب معهم بألسنتهم، بل كمشاركة فعالة وأصيلة في مراجعة حالتي العلم والعالم وتطوير البحث الاجتهادي. وأوضح أن البينية تقع حاليًا بين مساحتي التنظير والدعوة إليها في فلسفة وتاريخ العلوم، وبين المبادرات العملية لإنشاء حقول تسد الفجوات، ضاربًا المثل بأهميتها العملية في مجال الطب، حيث يصعب على طبيبة الأسنان اليوم فتح عيادة بنجاح دون إلمام بعلوم أخرى كالإدارة والمحاسبة.
سباعية “أصول الفقه الحضاري” كمنظور للعلم
استعرض د. مدحت سباعية “د. سيف الدين عبد الفتاح”، التي قُدمت على طريقة المتون لتسهيل حفظها، وتتكون من سبعة أعمدة أساسية: (عقيدة دافعة، شرعة رافعة، قيم حاكمة، سنن قاضية، وعاء أمة جامعة، ظاهرة كلية هي الحضارة الجامعة، وكل ذلك تحتاجه مقاصد حافظة). وأعرب عن أسفه لأن هذه السباعية خُذلت من قِبل الباحثين، مؤكدًا جدارتها بأن تكون مرجعية حاكمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية.
وفصّل د. مدحت انعكاس هذه السباعية على العلم، موضحًا أنه لا يوجد علم بلا “عقيدة” (أي رؤية الباحث للوجود التي تحكم مدركاته ويجب اختيار الأليق منها)، ولا علم بلا “شرعة” (تحدد منهجًا وما يجب وما يحرم في البحث)، ولا علم بغير “قيم” إيجابية أو سلبية تحكمه. كما أكد على ضرورة النظرة الكلية لـ “السنن” وقوانين الحركة الإنسانية بجانب الأسباب الجزئية، وأن البحث العلمي لا يتطور إلا من داخل وعاء “أمة” تمثل المعطى القيمي للموروث، وأنه لا يخلو نشاط إنساني من “مقاصد” تعيد توجيه العلوم لخدمة صلة الإنسان بالله، وبالنفس، وبالكون.
المسار التاريخي للعلوم بين التشبيك والتفتيت
أكد د. مدحت أن البينية تنطلق من فكرة أن العلوم المتنوعة لها منبع وجذر واحد، وتتفرع بحسب المتطلبات الواقعية، رافضًا فكرة الانعزال التام للتخصصات. وسرد التطور التاريخي لتصنيف العلوم وعقد مقارنة بين التراثين الإسلامي والغربي في ذلك:
ففي الحضارة الإسلامية تحاورت العلوم وتضاربت أحيانًا، ومع تكاثرها ظهرت محاولات عديدة لإحصاء العلوم وتشجيرها وظهرت كتب “العلوم الجوامع” لترتيبها والتوفيق بينها، وكانت الغاية من التصنيف هي الوصل وليس الفصل، فقد جمع القدماء بين الطب والفلسفة وسموها “حكمة”. بدءًا من جهود الكندي والفارابي والخوارزمي وجابر بن حيان، وصولًا إلى ابن خلدون، ثم توالت الموسوعات الشاملة (كطاش كبري زاده وحاجي خليفة) التي عرضت موضوعات وقواعد العلوم. واعتبر د. مدحت أن “علم الفقه” في الحضارة الإسلامية هو خير مثال للبينية، فهو بمثابة “علم الاجتماع والعمران الأكبر” لأنه يستدعي علومًا طبية، واقتصادية، ونفسية، وسياسية، وحتى هندسية وتقنية لتنزيل الأحكام.
أما في الحضارة الغربية، فقد أوضح أن الفكرة الأرسطية سيطرت طويلًا باعتبار الفلسفة “علم العلوم”، حتى جاء عصر التخصصات بقوة في الفلسفة الغربية الحديثة مع ديكارت ثم أوجست كونت الذي قسّم العلوم وعظّم العلوم الطبيعية، مما أدى إلى تفتت الفلسفة وتكريس التخصصية وبناء “أسوار حديدية” بين التخصصات. التي انتقدها الفيلسوف “نيتشه” واصفًا المتخصصين بـ “القطعان”. وأشار إلى أن هذه التخصصية استحكمت بسبب الجامعات التي تحولت إلى جزر متفرقة بسبب متطلبات السوق.
تحديات الذكاء الاصطناعي والدعوة لتأسيس “علم العلوم”
ربط د. مدحت بين التفتيت التخصصي الغربي وبين التحدي المعاصر المتمثل في الذكاء الاصطناعي؛ مشيرًا إلى أن هذا التطور التقني حقق للمشروع التخصصي الغربي ما يريده من قدرة على تحليل البيانات، وهو ما يفرض فرصة وضرورة لعودة التفكير في الإنسان وما يميزه عن الآلة.
وفي ختام كلمته، دعا د. مدحت ماهر إلى تأسيس وإحياء “علم العلوم” كجذر معرفي يغرس مقاصد المعرفة ومنهجيتها الكلية. وطالب بإعادة النظر في التعليم الأساسي والسنوات الأولى للتعليم الجامعي ليُقدم هذا التأسيس بجدية. كما دعا إلى إعادة رسم شجرة العلوم من خلال تأليف مراجع توضح (القواعد، والمقاصد، والفوائد) لكل علم، ليتسنى للطلاب تعلم “أصول فقه الإنسان والعمران” قبل الانخراط في التخصص الدقيق، مما يعيد تأكيد الأصول المعرفية ويؤسس لعلاقات تعارفية بين التخصصات، بهدف تشكيل واقع أصلح للحياة والعالم.
(عقّب أ. أحمد خليفة مثنيًا على طرح د. مدحت، ولخّصه في تسليط الضوء على تكامل العلوم في الحضارة الإسلامية (شجرة العلوم) مقارنةً بالتفتيت المعرفي الغربي الذي فصل بينها. وأشاد بربط “البينية” بـ “سباعية أصول الفقه الحضاري” لتكون أساسًا ناظمًا للعلوم يخدم الإنسان، مؤكدًا على أهمية الدعوة لتأسيس “علم للعلوم” يدرسه الطالب ليُلم بجذور المعرفة، وقواعدها، ومقاصدها الكلية قبل الانخراط في التخصص الدقيق.).
وهذه المحاور التي استعرضها د. مدحت في كلمته لم تكن مجرد رؤية نظرية عابرة، بل هي انعكاس لورقة بحثية أعدها لهذا اللقاء، حيث سعى من خلالها إلى تقديم تصور معرفي ومحاولة لتجاوز الجدل الفلسفي حول “البينية” إلى طرح نماذج تطبيقية لإعادة هيكلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومقترحًا تأسيسيًا لإحياء “علم العلوم” ورسم شجرته. وفيما يلي ملخص لأبرز ما تضمنته هذه الورقة من تأصيل وتفصيل لآليات التجسير المعرفي وفق رؤية المنظور الحضاري:
“أصول الفقه الحضاري” كإطار حاكم للمعرفة
قدم د. مدحت في هذا الجزء إطارًا نظريًا متكاملًا مستمدًا من طرح “أ. د. سيف الدين عبد الفتاح”، ترتكز على سبعة أعمدة (سباعية) تؤطر أي علم أو عمل:
- عقيدة دافعة: تمثل هوية العلم، وتوفر الرؤية الكلية واليقين، وبدونها لا قيمة لأي علم.
- شرعة رافعة: هي المرجعية التي توجب أو تحرم مباحث وممارسات معينة، وتضبط مسار العلم ليكون عمرانيًا.
- قيم حاكمة: هي الموازين والمعايير التي توجه العقل والسلوك، ولا يمكن تصور علم خالٍ من القيم (كعدل أو جور).
- سنن قاضية: هي القوانين الكلية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع، والعقل السنني يتجاوز الأسباب المادية ليؤمن بمسبب الأسباب.
- أمة جامعة: هي الوعاء الإنساني للعلوم؛ فالباحث لا يعمل في فراغ، بل ينتمي لكيان ومجتمع يتأثر به ويؤثر فيه.
- حضارة فاعلة: هي الثمرة والمنتوج الكلي لجهود الأمة وعلومها، فالعلم يغذي الحضارة ويتغذى منها.
- مقاصد حافظة: هي رأس حربة البينية وقاعدتها التخطيطية، التي توجه العلوم لخدمة الغايات العليا.
خريطة العلوم وتصنيفها من منظور “المقاصد”
يمثل هذا الجزء من الورقة الإضافة التنظيرية الأساسية بها، حيث يعيد د. مدحت هيكلة تصنيف العلوم بناءً على تلبيتها لـ “مقاصد الشريعة” (حفظ الدين، النفس، النسل، العقل، المال)، لتصبح شبكة العلوم متضامنة:
- علوم حفظ الدين: تشمل بجانب علوم الدين، العلوم السياسية والعسكرية، والفلسفة، والمنطق، وقيم الهوية، والأمن الفكري.
- علوم حفظ النفس: تتسع لتشمل الطب، والهندسة المعمارية، وعلوم البيئة والمياه، والاقتصاد، والأمن السيبراني، وعلم النفس.
- علوم حفظ النسل: يقودها علم الاجتماع، وتشمل قوانين الزواج، والتربية، والعمران المدني، والإعلام.
- علوم حفظ العقل: تتضمن المنطق، والثقافة العامة، والإعلام، واللغة، والقانون، والأمن السيبراني.
- علوم حفظ المال (المسخرات): تتكامل فيها علوم الاقتصاد، والزراعة، والصناعة، والتقنيات، والبيئة، والإدارة والتخطيط.
المقترح العملي (نحو علم لعلوم العمران الإنساني)
اختتم د. مدحت ورقته بتقديم نموذج تطبيقي لهيكلة المعرفة لتكون بينية وحضارية، مقسمًا إياها إلى ثلاثة مستويات (تفكير شجري):
- الجذر المعرفي: وهو مخصص لغرس الرؤية الكلية، ويشمل (مقومات العقيدة، خصائص الشريعة، الأخلاق، ومنهج البحث).
- الجذع (التجسير بين العلوم الرئيسة): يضم مجالات الحياة الكبرى (السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، الثقافة). ويتم التجسير بينها من خلال مقارنة ثلاثية أساسية لكل علم: (قواعده، مقاصده، فوائده). فمثلًا مقاصد السياسة هي الحكم الصالح وبناء الأمة، بينما مقاصد الاقتصاد هي توفير الموارد والعدل في التوزيع.
- الفروع والعلوم الوسيطة: وهي شجرة التخصصات الدقيقة (كالتاريخ، القانون، الإعلام، الرياضيات، التقنية، البيولوجيا) التي تتحرك وتتفاعل بين الجذوع المختلفة.
وخلص د. مدحت في ورقته إلى أن تطبيق هذا “العلم” سيعيد ربط المقاصد بالفوائد بالقواعد، ويقيم علاقات تعارفية بين الأمم، ويحصن المعرفة لتعود إلى أصولها الإلهية والقيمية والسننية.
المداخلات والتعقيبات الأساسية:
عقب الكلمتين الأساسيتين، انتقل اللقاء إلى استعراض أربع مداخلات علمية مخصوصة ومُعدة سلفًا، قدمت مقاربات نقدية وتطبيقية وتقييمية لمفهوم “البينية” في حقول معرفية متنوعة، وجاءت على النحو التالي:
المداخلة الأولى للدكتورة أماني غانم (البينية بين التوظيف الغربي والتأسيس الحضاري)
الموجة الحالية للبينية في الأدبيات الغربية
تطرقت د. أماني إلى الموجة الحالية التي تدعو إلى “البينية” في أدبيات المنظور الغربي (سواء في العلاقات الدولية، أو علم السياسة، أو العلوم الاجتماعية)، مشيرة إلى أن هذه الدعوات جاءت كاستجابة مباشرة لتعقيدات المشكلات المعاصرة في عالم اليوم. وأكدت أن هذه الموجة ليست الوحيدة، بل إن مصطلح البينية مر بمراحل وأجيال تمتد بداياتها إلى أوائل القرن العشرين، مركزة حديثها مبدئيًا على المنظور الغربي تمهيدًا لعقد مقارنة بينه وبين المنظور الحضاري الإسلامي.
الجيل الثاني من البينية وأثره على الأكاديمية العربية
أوضحت د. أماني أن الأدبيات تهتم بشكل خاص بـ “الجيل الثاني” الذي مَثَّل قطيعة هيكلية مع فكرة البينية؛ وهو الجيل الذي تلا فترة الحرب العالمية الثانية واقترن بهيمنة الولايات المتحدة وانتقال الثقل العالمي إليها. وصاحب ذلك ظهور تيار “الواقعية” كنموذج إرشادي (بارادايم) مغلق أدى إلى عزل علم السياسة عن سياقاته الثقافية والروحية. ولفتت الانتباه إلى الانعكاس الخطير لهذا الانغلاق التخصصي عند انتقاله إلى بلادنا العربية؛ حيث أضفى الشرعية على فصل علم السياسة عن التراث، مما جعل الباحث العربي يخشى استدعاء “المكون الحضاري” في أبحاثه خوفًا من أن يُوصف بـ “عدم العلمية”.
الجيل الثالث وتقييمات الأكاديمية الغربية له
أشارت إلى أنه مع نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وما صاحبها من تغيرات عالمية، تمت إعادة النظر مجددًا في علم السياسة، ليؤرخ لـ “الجيل الثالث” من البينية تحت مسميات متنوعة تختلف في مضامينها وتقييماتها، مثل: (البينية، تعدد التخصصات، والعمل عبر التخصصات). واستعرضت التقييمات المتباينة لهذا الجيل داخل الأكاديمية الغربية؛ فبينما يراه البعض بابًا جديدًا لتكامل المعرفة وتجاوز المركزية الغربية، يوجه له آخرون انتقادات تتعلق بالمنهجية والصرامة العلمية، معتبرين أنه يتناقض مع المفهوم العلمي، ويتسم بالضحالة وغياب المنهج الواحد.
النقد غير الغربي للتوظيف الغربي للبينية
انتقلت د. أماني لعرض موقف الكتابات غير الغربية، موضحة أنها لا تهاجم فكرة “البينية” في حد ذاتها، بل تهاجم “التوظيف الغربي” لها في موجاتها الحالية، والذي لا يزال سجين موازين القوى المعرفية. ووصفت هذه البينية الغربية بأنها “بينية وظيفية وتقنية لا تأسيسية”؛ تُجمع وتُستدعى لحل مشكلة محددة وتنتفي الحاجة إليها بمجرد انتهائها، كما أنها تدعي العالمية في حين أنها تفرض التجربة الغربية وتتسم بالتراتبية.
البينية كجوهر في المنظور الحضاري الإسلامي
في المقابل، أكدت د. أماني أن الهدف من البينية في المنظور الحضاري ليس وظيفيًا، بل يعني البحث عن “الخيط الناظم” الذي يربط الكون بالعلوم بالدين والأخلاق. وأوضحت أن الحضارة الإسلامية كانت بينية بطبعها منذ بدايتها، ضاربة المثل بالعالم المسلم “ابن سينا” الذي كان طبيبًا وفقيهًا وفيلسوفًا في آن واحد، وبـ “ابن خلدون” الذي دمج التاريخ بالاجتماع والاقتصاد لتأسيس “علم العمران”. وشددت على أن البينية في المنظور الحضاري الإسلامي ليست مجرد خيار، بل هي انعكاس وتجلٍ لمبدأ “التوحيد”.
التحديات المعاصرة ودوافع استدعاء البينية الآن[4]
طرحت د. أماني تساؤلًا جوهريًا حول حتمية “البينية” في اللحظة الراهنة، معتبرةً أن الدعوة إليها تمثل فرصة لتحرير العقل غير الغربي للعودة إلى فطرته في دمج المعارف ومواجهة “ديكتاتورية التخصص” والتبعية الحضارية التي فرضتها المركزية الغربية. وأوضحت أن استدعاء البينية اليوم -رغم أصالتها في النموذج الإسلامي- ليس من باب التفاخر بالماضي، بل لإعادة الضبط المنهجي؛ فمن غير المنطقي التمسك بمنهج (ضيق التخصص) أدرك أصحابه في الغرب قصوره وعادوا للبينية. كما شددت على ضرورة تقديم بديل معرفي للأزمة الغربية الحالية، والتحقق من صلاحية المفاهيم الحضارية مثل “العمران” عبر تحويلها إلى نظريات حية قادرة على استيعاب معطيات اليوم والمنافسة عالميًا. وختمت هذا المحور بالتأكيد على أن إثبات شمولية العقلانية الإسلامية (التي تربط الغيب بالواقع والروح بالمادة) يكسر الشعور بـ “الدونية المعرفية” ويقر الندية في الفضاء الأكاديمي.
معوقات تبني المنظور الحضاري (المقاومة والتبعية)
حللت د. أماني العوائق التي تواجه هذا المسار، مشيرةً إلى “المقاومة الداخلية” في الأوساط العربية والإسلامية التي تنظر لاستدعاء التراث بحذر شديد بسبب عقدة الارتباط بالواقع السياسي، في حين يدرسه الباحث الغربي كنموذج معرفي (برادايم) مجرد دون خوف. ولفتت إلى “الهيمنة الغربية المدرسية” في الجامعات العربية، حيث يرى الأكاديميون المنغمسون في المدارس الغربية في المنظور الحضاري تهديدًا لهويتهم العلمية. كما انتقدت التعددية الغربية التي تُستخدم أحيانًا كـ “إستراتيجية احتواء” لإغناء حقولهم دون تهديد مركزيتهم، بينما يبالغ الباحث العربي في التمسك بالنموذج الغربي لإثبات جدارته. ونبهت إلى الخلط بين التراث كـ “تاريخ” وبينه كـ “منهج”، موكدةً أن المطلوب هو “استلهام المنهج” (الاستصحاب) وليس مجرد “العودة للماضي” (الاستنساخ).
إستراتيجيات التعامل المنهجي في الكتابة والتحليل
اقترحت جملة من القضايا لابد من مواجهتها وتفكيكها عند الكتابة، وفي مقدمتها مناقشة “الاغتراب المعرفي” للأكاديمي العربي، وتفكيك “التبعية المنهجية” عبر إثبات أن رفض المنظور الحضاري داخليًا يعود لقوة التبعية لا لضعف المنظور ذاته. ودعت إلى مواجهة الوهم القائل بأن التحدث بلغة الحضارة أو القيم الإسلامية يجعل الدولة تبدو راديكالية؛ فالواقع يثبت أن دولًا مثل الصين والهند وروسيا تمسكت بتراثها ووظفته كأداة قوة في علاقاتها الخارجية. وطالبت بـ “توسيع وحدة التحليل” واعتبار “المكون الحضاري” متغيرًا علميًا لا يمكن تجاهله لفهم سلوك الدول، بصفته مخزنًا للأعراف وكابحًا للأزمات يفسر صمود المجتمعات رغم الحروب والإبادات.
آفاق البحث وتطوير المفهوم
اختتمت د. أماني ورقتها بتحديد بوصلة العمل المستقبلي، مؤكدةً أن المطلوب هو تطوير المفهوم لا اجتراره، وتحويل الكنوز التراثية إلى أدوات معاصرة. وطرحت رؤية لتوسيع “مقاصد الشريعة” لتتحول إلى “مقاصد إنسانية عالمية” قادرة على معالجة أزمات العصر الكبرى، مثل أزمات المناخ، والظلم الاقتصادي، واختراقات الهوية.
المداخلة الثانية: د. شريف عبد الرحمن (البينية، الحوسبة الاجتماعية، وإبستمولوجيا السؤال)
البينية كحالة وجودية وتجربة شخصية
تحدث د. شريف عن خصوصيته كمتحدث في هذا الملتقى، موضحًا أنه شخص “منغرس” في البينية بحكم مساره الأكاديمي والمهني. فقد أوضح أنه رغم تخرجه في قسم العلوم السياسية، إلا أنه التحقت بعد ذلك بقسم “الحوسبة الاجتماعية”، وهو ما جعل البينية بالنسبة له ليست مجرد سؤال أو ترف فكري، بل “سؤال وجود” ووضعًا حياتيًا يتعايش معه بشكل يومي.
دلالات التسميات الغربية للعلوم مقارنة بالتصور الحضاري الإسلامي
انتقل د. شريف لمناقشة ملاحظة طالما استوقفته، وتتعلق باختلاف النسق الذي تُنظم به أسماء العلوم الغربية، مقسمًا إياها إلى فئات ذات دلالات مختلفة:
- العلوم المنتهية بالمقطع (Ology): مثل السوسيولوجيا، والتي أوضح أنها ولدت في مرحلة متأخرة، وكان الهدف من هذه التسمية إثبات “انضباطية” هذه العلوم وتأكيد “منطقها الكامن”.
- العلوم المنتهية بالمقطع (ICS): والتي يغلب عليها الطابع “التطبيقي”.
- علوم ذات نسق مختلف: مثل علم الكيمياء.
وفي المقابل، أوضح د. شريف أنه بالنظر إلى التشكيل الحضاري الإسلامي، لا توجد مثل هذه التركيبات والفواصل اللغوية الصارمة، مرجعًا ذلك إلى أن العلوم جميعًا في المنظور الحضاري تسعى للبحث عن “اليقين”، حيث يتساوى في ذلك السعي علم كالكيمياء مع علم كالفقه. وخلص من هذه المقارنة إلى أن “روح البينية منغرسة أكثر في تصورنا الحضاري”.
الذكاء الاصطناعي والانتقال إلى “فلسفة التساؤل”
تناول د. شريف في محوره مداخلته الأخير قضية الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على البحث العلمي. وأعرب عن تصوره بأن المرحلة الحالية تشهد تحولًا جذريًا من “فلسفة العرض” إلى “فلسفة الطلب أو التساؤل”. وشدد على أن ما يميز الباحث البشري في العصر الحالي هو “قدرته على التساؤل”؛ موضحًا أن محركات الذكاء الاصطناعي لا تمتلك القدرة على التساؤل ولا تشعر بـ “النقص الواعي” الذي يحفز البحث. وأكد أن السؤال بطبيعته هو أمر “بيني” ومنفتح على حقول معرفية كثيرة، مقترحًا أن إعادة الاهتمام بـ “إبستمولوجيا السؤال” قد يكون هو الميزة الحقيقية للباحث المعاصر. واختتم مداخلته بوصف الواقع الحالي بأنه واقع تحول فيه “العلم إلى آلة”، وتحول “كل شيء في حياة الإنسان إلى محتوى”، مما أدى إلى انزياح الحواجز تمامًا.
المداخلة الثالثة: د. أميرة أبو سمرة (البينية والتوتر البنيوي في العلاقات الدولية)
في مداخلتها سعت د. أميرة أبو سمرة إلى إسقاط النقاش النظري حول مفهوم “البينية” على حقل معرفي محدد، ومهدت د. أميرة لطرحها بالإشارة إلى أنها اختارت الانطلاق من مساحتها التخصصية المتمثلة في حقل “العلاقات الدولية”؛ متخذةً منه نموذجًا تحليليًا لاستكشاف مسارات التقاطع بين أدب البينية والعلوم الاجتماعية بشكل عام، لتقدم من خلاله قراءة كلية حول طبيعة التحولات التي طرأت على هذا الحقل وكيفية تعاطيه تاريخيًا ومؤسسيًا مع المناهج والتخصصات المعرفية الأخرى.
مسار البينية وتطورها التاريخي في العلاقات الدولية
أوضحت د. أميرة أنها اختارت الانطلاق من دائرة تخصصها الأصلية المتمثلة في حقل “العلاقات الدولية”، معربة عن تصورها بأن أدب البينية في هذا الحقل يتقاطع بشكل عام مع العلوم الاجتماعية. واستعرضت التطور التاريخي للحقل؛ مشيرة إلى أنه في النصف الأول من القرن العشرين ساد نمط عابر للتخصصات، تلاقت فيه إسهامات التاريخ والاقتصاد حول إشكاليات كبرى مثل “الحرب والسلام”. ومع صعود الوضعية والواقعية، انتقل الحقل إلى نموذج تخصصي ضيق، ليعود في الثمانينيات ويشهد تعددية منهجية ونظرية تزامنت مع بروز اتجاهات “ما بعد وضعية”.
التوتر البنيوي وإشكالية الاستقلالية في الحقل
لفتت د. أميرة الانتباه إلى أن حقل العلاقات الدولية يعاني مما وصفته بـ “توتر بنيوي”، مفسرة ذلك بأن الحقل يتموضع من الناحية المؤسسية داخل “علم السياسة”، في حين أنه ينفتح على تخصصات أخرى مستخدمًا مفاهيم تتجاوز هذا العلم، وهو ما يطرح تساؤلًا إشكاليًا: هل يُعد حقل العلاقات الدولية فرعًا أم مجالًا مستقلًا بذاته؟ وأشارت في هذا السياق إلى وجود نظرة تشاؤمية ترى أن البينية داخل هذا الحقل تخضع لصراعات القوى المادية.
مستويات الحضور البيني في العلاقات الدولية
في مقابل النظرة التشاؤمية، أكدت رؤيتها لوجود “بينية حاضرة” تتجلى في أربعة مستويات رئيسية:
- مستوى الانفتاح العابر للمناهج.
- مستوى الانفتاح داخل التخصص الواحد، وذلك عبر مقتربات “ما بعد وضعية” تقوم بتبادل المفاهيم.
- مستوى عابر للتخصصات ينفتح على مجالات مثل الأنثروبولوجيا والفلسفة بهدف فهم التحيزات.
- مستوى عابر للرؤى المعرفية.
الخلاصات وضرورة استعادة التراث
خلصت د. أميرة إلى أن التوجه الحالي يسير نحو فضاءات بحثية وإشكاليات عابرة للموضوعات، لا تقيدها حدود ضيقة، بل تقيدها “حساسيات نقدية مشتركة”. وختمت مداخلتها بإضافة نقطة جوهرية تؤكد أن البينية لم تبدأ في القرن العشرين، معتبرة أن هذه الحقيقة تستدعي استعادة التراث الحضاري للشعوب.
المداخلة الرابعة: د. سماح عبد الصبور (فلسفة البينية: النفعية الأداتية مقابل النقدية التأملية)
استهلت د. سماح عبد الصبور مداخلتها بتوضيح أن طرحها يتركز حول الإجابة عن سؤال جوهري وهو: “لماذا البينية؟”، وذلك من خلال ثلاثة محاور أساسية:
البينية من منظور التخصص (الظاهرة الدولية)
أوضحت د. سماح أن استدعاء البينية من داخل التخصص يفرضه واقع الظاهرة الدولية؛ فكونها ظاهرة “متغيرة” و”واعية” يجعل من البينية ضرورة ملحة. وأكدت أن البينية في هذا السياق لا تُعد مجرد “أداة” إجرائية، بل هي “هدف” أساسي لتحقيق شرعية العلم وضمان دقة دراسته وفهمه.
رؤية العلوم الطبيعية للبينية (نموذج مجلة نيتشر)
انتقلت د. سماح لتوضيح كيف تنظر العلوم الطبيعية إلى هذا المفهوم، مستندة في ذلك إلى ما تنشره مجلة “نيتشر” (Nature). وأشارت إلى أن هذا القطاع العلمي يتبنى رؤية “أداتية وظيفية” للبينية؛ حيث يُنظر إليها باعتبارها كفيلة بحل المشكلات المعقدة التي يستعصي حلها عبر التخصص الواحد. كما لفتت الانتباه إلى أن العلوم الطبيعية ترى في النهج البيني وسيلة لتعزيز قدرات الإبداع ورفع مستويات الإنتاجية البحثية.
فلسفة البينية والتمايز بين الرؤية النفعية والنقدية
فصلت د. سماح في الجوانب الفلسفية للبينية، مفرقة بين نمطين:
- البينية الأداتية النفعية: وهي التي تهدف لخدمة سياسات القوى الكبرى وتؤدي في الغالب إلى تهميش المعرفة المحلية.
- البينية النقدية التأملية: وهي التي تذهب إلى عمق التساؤلات حول من يحدد طبيعة المشكلة أصلًا ولماذا، وتبحث عن الدافع الأخلاقي ومدى خدمة البشرية من وراء هذا الدمج المعرفي.
أهمية الرؤى الحضارية
اختتمت د. سماح تقريرها بالتأكيد على أن كلًا من “البينية” و”التخصص” يمتلك فائدته الخاصة، مشددةً على ضرورة الوعي بأن المراجعات البينية في سياق المعرفة الغربية تظل مرتبطة بسياسات وتحيزات معينة. ومن هذا المنطلق، أبرزت الأهمية البالغة لتبني البينية من منظور الرؤى الحضارية المختلفة لتجاوز تلك التحيزات. واختتمت كلمتها بتوجيه الشكر الجزيل للحضور.
مداخلات الحضور واتجاهات النقاش
عقب الانتهاء من المداخلات المخصوصة، فُتح باب النقاش العام، والذي شهد تفاعلًا كبيرًا ومداخلات ثرية (حوالي 14 مداخلة) من نخبة من الخبراء والأكاديميين والباحثين، عكست اهتمامًا عميقًا بإشكاليات “البينية” على المستويين النظري والتطبيقي:
مداخلة السفير معتز أحمدين: البينية الحضارية والذكاء الاصطناعي
أوضح السفير أن الذكاء الاصطناعي يظل مجرد “أداة” لتسهيل البحث وليس نهاية له. وأكد أنه نظام يخطئ ويصيب وقابل للمراجعة، مشددًا على ضرورة اعتباره وسيلة مساعدة وليس بديلًا بأي حال عن العقل البشري. وأشار إلى أن القيم موجودة في كل حضارة، حتى في الحضارات المادية التي تتحدث عن “النظام الدولي المبني على القيم”، مؤكدًا أن هذه القيم تظل موجودة حتى وإن تمت ممارستها بنفاق أو وفق معايير مزدوجة. وخلص السفير معتز إلى أن البينية تنسحب أيضًا على العلاقة بين الحضارات. ودعا إلى عدم نبذ أي شيء، بل الأخذ من الحضارات الأخرى، والبناء عليها، وتوجيه النقد لقصورها، ومن ثم تقديم الإسهام الذاتي، معللًا ذلك بأن الحضارات تتشارك في “السنن” و”المقاصد”.
مداخلة د. أحمد علي سالم: القرآن الكريم كنموذج تأسيسي ورائد لـ “البينية”
أشار بشكل مباشر ومحدد إلى أن القرآن الكريم يُعد كتابًا رائعًا في تجسيده لمفهوم “البينية”، واصفًا إياه بأنه كتاب “عجيب” يمتلك قدرة فريدة على نقل القارئ وربطه بمجالات متعددة. وأوضح د. أحمد أن من عجائب هذا الكتاب أنه يأخذ القارئ، ضمن المساحة القصيرة جدًا المتمثلة في “السورة الواحدة” أو حتى “الصفحة الواحدة”، في رحلة إلى عوالم وعلوم مختلفة، مؤكدًا أن هذه العلوم تترابط فيما بينها بطريقة عجيبة وفريدة. وقدم أمثلة دقيقة ومحددة على هذا التشابك المعرفي داخل النص القرآني؛ حيث بيّن أن القارئ يجد في السياق ذاته حديثًا ينتقل بسلاسة بين تخصصات متباينة، يبدأ بالحديث عن “السماوات والأرض”، ثم يعقبه وصف لـ “الحالة النفسية”، ثم ينتقل إلى سرد “أحداث التاريخ”، وينتهي بتقديم “توجيهات قانونية وعملية”. ووجه دعوة للحضور والباحثين بضرورة الاقتراب من كتاب الله وتدبره من “منظور بيني”، موضحًا أن الغاية من هذا الاقتراب هي التعلم واكتساب المنهجية الصحيحة لكيفية الربط بين العلوم والموضوعات المختلفة.
مداخلة د. زينات أبو شاويش: وحدة المعرفة وتقاطعات حقل الإعلام المعاصر
أوضحت أنها اشتبكت بصورة فعلية وعملية في مجال العلوم البينية من خلال مسارها الأكاديمي؛ حيث درست علومًا متنوعة شملت الفقه، والنقد الأدبي، والدراسات الإسلامية، والترجمة. وبيّنت د. زينات أن جوهر مداخلتها ينصب على تأكيد أن المنظور البيني ينطلق أساسًا من مبدأ “وحدة المعرفة”. وأوضحت أن هذا المبدأ يقوم على ركيزتين متلازمتين: جعل “الوحي” مرجعية حاكمة، وجعل “العقل” أداة فاعلة. وانتقلت لتسليط الضوء على تخصصها، مؤكدة أن الإعلام يُعد في الوقت الراهن من أخطر مجالات التأثير. وفسرت ذلك بأن حقل الإعلام يشهد تقاطعًا وتشابكًا مكثفًا بين التكنولوجيا من جهة، وعلوم متعددة كعلم النفس، والاقتصاد، والسياسة، والعلوم التقنية من جهة أخرى. وأعربت د. زينات عن سعادتها بالطرح الذي قدمه د. مدحت ماهر حول مفهوم “الموسوعية الإسلامية”، وأضافت إليه مثالًا تطبيقيًا بارزًا يتمثل في كتاب “الحيوان” للجاحظ؛ حيث أوضحت أن هذا الكتاب لم يقتصر على صنف معرفي واحد، بل تحدث فيه مؤلفه عن معارف متعددة. وطرحت تساؤلات جوهرية موجهة لباحثي الإعلام، متسائلة عن موقعهم الحالي من مسألة الربط بين العلوم الاجتماعية والعلوم التقنية. كما تساءلت عما إذا كان الباحثون سيكتفون بالبقاء ضمن نطاق “العلوم البينية الاجتماعية” كحالة أولية، أم سيتجاوزون ذلك.
مداخلة د. كريم حسين: نحو “بينية” تجمع بين المدارس الفكرية وأدوات السلطة
طرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة العلاقة بين المدرستين العلميتين؛ المدرسة “السلوكية” التي يرى أنها تكرس جهودها لخدمة النظم السياسية والسلطة، والمدرسة “النقدية الحضارية” التي تتوجه نحو خدمة المجتمع والإنسان. ودعا د. كريم إلى البحث في إمكانية إيجاد حالة من “البينية” والتقاطع بين هاتين المدرستين بدلًا من الانفصال بينهما. وأوضح أن الهدف الأسمى للعلم يكمن في “التطبيق والعمران”، مؤكدًا أنه لا يمكن تنزيل العلم إلى أرض الواقع بشكل عميق ومؤثر دون وجود تفاعل حقيقي مع السلطة. وحذر من أن حالة “القطيعة” مع السلطة أو “الخوف” منها تؤدي بالضرورة إلى تفويت فرص ثمينة لتطبيق المنجزات العلمية. وقدم مثالًا تطبيقيًا يوضح أهمية هذا الربط، وهو ظاهرة “جرائم الثأر في الصعيد”؛ حيث بيّن أن تفسير هذه الظاهرة لا يكتمل إلا بمنظور بيني يجمع بين علم السياسة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا (لفهم أثر هجرات القبائل). وأشار إلى أن هذا النهج هو الوحيد الكفيل بربط الجوانب الجنائية بالتاريخية والمجتمعية للظاهرة. وخلص د. كريم إلى أن وجود “بينية” بين الرؤية الحضارية وبين السلطة هو أمر في غاية الأهمية؛ مفسرًا ذلك بأن السلطة لا تستطيع أداء رسالتها دون الاتصال بالتاريخ والمجتمع، وفي المقابل، لا يمكن للمدرسة الحضارية أن تُحدث تأثيرًا حقيقيًا في الواقع دون علاقة مع السلطة. ووصف هذه العلاقة بأنها “معادلة صعبة لكنها ضرورية”، معتبرًا أن الاكتفاء بالنظرة الأحادية في هذا السياق يمثل نوعًا من “السذاجة”.
مداخلة د. عمرو عثمان: أصول الفقه كمركز للبينية وجدلية العلاقة بين التخصص والتركيب المعرفي
أوضح أن المصنفات التي تعبر بوضوح عن البينية في الدراسات الإسلامية، والتي تقع في مركز النظرة الإسلامية للعلم، هي مصنفات “أصول الفقه”. وأشار إلى أن هذا الحقل يتناول مباحث متنوعة تشمل: اللغة، والإبستمولوجيا (علم المعرفة)، والفلسفة (سواء الدينية اللاهوتية أو الأخلاقية كبحث الحسن والقبيح)، وعلم الكلام، والمنطق، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والهيرمينوطيقا (تفسير النصوص)، والأنطولوجيا. كما أكد أن فكرة “المقاصد” تطورت أصلًا داخل هذا الحقل البيني، لافتًا الانتباه إلى أن كثيرًا من علماء العلوم الشرعية كانوا يمارسون القضاء، مما جعلهم مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع الذي يعيشون فيه. وتطرق د. عمرو إلى خلفيته الأكاديمية بوصفه خريج النظام الأمريكي فيما يُعرف بـ “تعليم الفنون الحرة” (Liberal Arts Education)، واصفًا إياه بالنظام البيني بطبيعته؛ حيث يدرس الطالب تخصصًا معينًا، لكنه يخصص قرابة ربع عدد الساعات المعتمدة (نحو 30 ساعة من أصل 120) لدراسة تخصصات مختلفة ومتنوعة. وأبدى تحيزه لهذا النظام البيني، مشددًا في الوقت ذاته على أن البينية لا تلغي التخصصية، بل تفترض وجود التخصص كشرط مسبق لها.
وفصّل في تباين احتياج العلوم للتخصص؛ ففي العلوم الطبيعية، رأى أن التخصصية ضرورة قصوى للتقدم والتطور، حيث لا يُتصور وجود باحث يقدم إسهامات أصيلة في الكيمياء والفيزياء معًا، إلا في حالات استثنائية لنخبة العلماء الحاصلين على جوائز نوبل، مستشهدًا بنموذج د. أحمد زويل الذي كان أستاذًا في الكيمياء والفيزياء في آن واحد. أما في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فرغم حاجتها الماسة للبينية أكثر من غيرها، إلا أنه لا يُتوقع من غالبية الباحثين الاشتغال بالعلوم البينية، بل يفترض أن تظل الغالبية في التخصصات الدقيقة، مع وجود نسبة من النخبة (تتراوح بين 15-20%) تمتلك القدرة على الجمع بين التخصصات في دراسات محددة. وسجل ملاحظة نقدية حول الفرق بين المصطلحات؛ موضحًا أن وجود فريق بحثي يتكون من أعضاء متخصصين في مجالات مختلفة يندرج تحت “الدراسات متعددة التخصصات” (Multidisciplinary)، وليست بينية بالمعنى الخالص. أما “البينية” (Interdisciplinary)، فهي تتمثل في قيام الشخص نفسه أو الفريق بتوظيف أفكار ومناهج ومفاهيم من علوم اجتماعية وإنسانية مختلفة وصهرها في دراسة واحدة.
كما قدم مثالًا تطبيقيًا من عمل المؤرخ، موضحًا أنه يمر بمرحلتين كبيرتين: المرحلة التخصصية: وهي العمل المباشر مع الوثائق والمصادر، وتحتاج لعلوم مساعدة (رديفة) مثل: الكوديكولوجي (علم المخطوطات)، وعلم النقوش، والتعامل مع الخطوط والمصادر. ثم المرحلة البينية: وهي مرحلة التحليل والتفسير والتعليل، وهنا ينفتح المؤرخ على سائر العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي مرحلة مفتوحة تزداد كفاءتها بزيادة علم المؤرخ واتساع أفقه. وأكد على أن العلاقة بين التخصصية والبينية يجب أن تظل دائمًا علاقة جدلية وتكاملية، وضرورة تزامن منهجي الاستقراء والاستنباط معًا لتحقيق المعرفة المرجوة.
مداخلة الأستاذة شيماء مصطفى: إشكاليات المنهج وعقبات التكامل في العلوم الإنسانية
أشارت إلى أن فكرة التكامل والبينية ليست وليدة اليوم، بل هي فكرة قديمة تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا منذ إسهامات “الفاروقي” وما تلاها من محاولات عديدة هدفت لإنضاج الفكرة وإخراج منتج حقيقي. ولفتت الانتباه إلى أن جُلّ هذه المحاولات، رغم كثرتها، قد توقفت للأسف عند “عتبة الرؤية”؛ حيث ظل التركيز منصبًا على الرؤية الكونية، وعلوم الآلة، والتراث، دون التمكن من تجاوز هذه العتبة التأسيسية إلى مراحل أكثر تقدمًا. وطرحت إشكالًا جوهريًا يتعلق بأساس فكرة “البينية”، مؤكدةً أن التكامل يستلزم بالضرورة وجود “منهج” واضح. ورأت أنه لا يمكن الحديث عن تكامل العلوم وهي لم تتكون لها في الأصل مناهج متميزة نابعة من الإطار الثقافي والحضاري الخاص بها. وفرقت في هذا السياق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، مشددةً على أن الأخيرة تحديدًا تعاني من أزمة حقيقية؛ إذ لا يمكن الحديث عن تكاملها وهي في ذاتها لم تتشكل بعد بملامح مستقلة وأصيلة.
واعتبرت أن غياب المنهج هو المشكل الرئيس الذي أدى إلى حالة من العجز أو الوقوف عند نقطة ثابتة في كم هائل من الدراسات. واستشهدت في هذا الصدد برسالة دكتوراه للدكتور عبد الحليم مهور باشا بعنوان (التأصيل الإسلامي لعلم الاجتماع: مقاربة إسلامية المعرفة)، واصفةً إياها بالطرح النقدي الرائع لعلم الاجتماع. وأوضحت أن هذا العمل تتبع الجهود منذ “الفاروقي” وصولًا إلى “د. منى أبو الفضل”، ومع ذلك انتهى إلى استنتاج أن البحث لا يزال يراوح مكانه عند العتبة والنقطة ذاتها. وأوضحت أن معظم المناهج الحالية في العلوم الإنسانية هي مناهج “مستنبطة” من العلوم الغربية، ومحملة بمحركاتها الفلسفية التي ولدت معها. ورأت -بناءً على ملاحظتها الشخصية- أن التعامل مع هذه المناهج بنظرة نقدية أو مقارنة والاشتباك معها في مساحة التكامل لا يؤدي في النهاية إلا إلى إعادة الباحثين إلى نقطة الصفر؛ حيث تظل النتائج تدور حول الحديث عن “التراث” وضرورته دون تجاوز ذلك إلى بناء حقيقي، مما يجعل المجهودات تعود دائمًا إلى نفس النقطة دون إنجاز منهجي فارق.
مداخلة الأستاذ محمد الديب: أبعاد البينية بين تعقيدات الحياة اليومية، وأزمات الأكاديمية، وأصالة التراث
أوضح أن حصر النقاش حول البينية في الإطار الأكاديمي، وتحديدًا في نطاق العلوم السياسية، يتسبب في حالة من الضيق والتضييق، مرجعًا ذلك إلى انعدام مجال الممارسة العملية في هذا النطاق، بينما البينية في جوهرها تدفع نحو الممارسة. وأشار إلى أنه رغم حضور البينية وتطورها المستمر في العلوم السياسية على مستوى تحليل وفهم الظواهر، إلا أنه من الضروري توسيع دائرة تطبيقها لتشمل باقي العلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع والتاريخ وغيرها. ودعا إلى طرح البينية كـ “آلية للتفكير” لا تقتصر على الأكاديميين فحسب، بل تمتد لتشمل المستوى الإنساني الفردي والدوائر الاجتماعية الضيقة، مع توسيعها تدريجيًا. وشدد على أن البينية كمنهج للنظر في الحياة لم تعد نوعًا من الرفاهية أو مسألة متقدمة يُلجأ إليها اختياريًا، بل غدت “ضرورة” يفرضها تعقيد الظواهر اليومية التي يواجهها الإنسان العادي. وضرب مثالًا عمليًا بمسألة “اختيار مدرسة للطفل”؛ موضحًا كيف أن هذا القرار البسيط بات تتلاقى فيه جوانب متعددة (اقتصادية، وثقافية، وسلوكية، وأمنية مرتبطة بترك الطفل في مكان قد يتعرض فيه لأشياء معينة)، مما يبرهن على أن الحاجات البسيطة أصبحت معقدة بفعل تعقيد الواقع ذاته.
وطرح تساؤلات منهجية حول المستوى المستهدف عند الحديث عن تفعيل البينية، مقسمًا إياها إلى ثلاثة مستويات محتملة: هل المطلوب أن يُلم الباحثون بمناهج متعددة مستمدة من حقول معرفية مختلفة، نظرًا لأن تعقيد الظاهرة بات يتطلب ذلك؟ أم أن المطلوب هو جمع عدد من الباحثين والأكاديميين من تخصصات مختلفة للتحاور والتلاقي المعرفي لدراسة ظاهرة ما؟ وفي هذا المستوى، أثار إشكالية حقيقية تتعلق بالأكاديمية العربية والمصرية تحديدًا، متسائلًا عن مدى وجود “لغة تواصل علمي مشتركة” بين باحثين من تخصصات مختلفة، أم أن الأمر تكتنفه الصعوبة نظرًا لأن لكل فرد مصطلحاته وطريقته الخاصة في التفكير والنظر للأمور والظواهر؟ أم أن الهدف هو كسر القيود بين البحث الأكاديمي (بمستوييه السابقين) وبين الواقع بغرض التأثير فيه، سواء على مستوى السياسات الرسمية أو على المستوى الشعبي والمجتمعي؟
وانتقد تضييق الأفق الذي يحدث عند الاقتصار في المقارنة على العصر الحالي أو المقارنة مع الغرب، داعيًا إلى النظر في المعرفة الإسلامية في أصلها (خطاب الوحيين من قرآن وسنة) وصولًا إلى كتابات المسلمين في القرون الأولى، متسائلًا عما إذا كانت هذه الكتابات تخصصية أم منفتحة. وتفاعلًا مع إشارة د. زينات لكتاب الجاحظ، رأى أن “الأدب” بشكل عام يُعد مدخلًا مبدعًا للتكامل والبينية، وأن الأدب العربي في القرون الأولى كان من معالم نشأة “الإنسانيات” لدى المسلمين. واستدل بأن كتب كبار الكُتّاب، مثل “الجاحظ” و”ابن قتيبة”، اجتمعت فيها السياسة، والأدب، والفقه، والعقيدة، والزندقة، وأشياء أخرى كثيرة، مما يؤكد أن البينية كانت حاضرة بقوة خصوصًا في وقت توهج الحضارة الإسلامية. وطرح تساؤلًا حيويًا حول شخصية “ابن خلدون”؛ مشيرًا إلى أنه رغم كثرة الحديث عن نظرياته وأفكاره ومنهجه، يبقى السؤال الأهم الذي يمس واقعنا هو: كيف تكوّن ابن خلدون منهجيًا؟ وكيف تشكلت عقليته التي كتبت “المقدمة”؟ مؤكدًا أن الإجابة عن هذا التساؤل ستكون هي “المفتاح” لما ينبغي أن يكون عليه الباحث المسلم المعاصر.
مداخلة أ. أحمد البوهي: البينية كجسر نحو “العقل العملي” واستدعاء تراث “الآداب السلطانية”
أوضح أن الفائدة الكبرى لـ “البينية” تكمن في قدرتها على نقل المعرفة من حيز الأكاديمية الصرفة إلى ساحة العمل والممارسة. ولفت الانتباه إلى إشكالية متكررة تتمثل في إغفال الباحثين عن أن الغاية الأساسية من إنتاج العلوم وإصدار الأبحاث هي “العمل” ذاته. كما عقد أ. أحمد مقارنة دقيقة بين المدارس الأكاديمية الغربية؛ حيث لاحظ أن الدراسات الإنسانية الأوروبية -والتي استمدت منها الأكاديمية العربية معظم تقاليدها- تتجه غالبًا نحو الدراسة الأكاديمية الصرفة بهدف إثراء الحقل المعرفي (وهو أمر يراه جيدًا). إلا أنه في المقابل، أكد على الحاجة الماسة لاستعارة “العقل العملي” البارز في النظام الأمريكي، والذي يطرح دائمًا تساؤلات ملحة حول جدوى المعرفة وماذا سُيفعل بها عمليًا. وأكد أن أي تطبيق عملي في الواقع يستوجب بالضرورة مقاربة “بينية”، إذ لا يوجد واقع عملي يقتصر على “السياسة الصرفة” أو “الاقتصاد الصرف” بمعزل عن بقية العوامل.
وفرّق بين مفهوم البينية السائد من المنظور الغربي (Interdisciplinary)، والذي يقتصر غالبًا على أخذ مناهج من علوم متعددة لتوظيفها في الأبحاث، وبين “البينية” التي يحتاجها الباحثون بشدة من المنظور الحضاري الإسلامي. وأوضح أن البينية المنشودة هنا تتمثل في صناعة “جسر” يربط بين العلوم الإسلامية الأصيلة والعلوم الغربية. وضرب أمثلة تطبيقية من مجال تخصصه (العلوم السياسية)، مشيرًا إلى وجود كتابات تراثية رائعة تُعنى بالسياسة العملية، وتُعرف بـ “مرايا الأمراء” أو “الآداب السلطانية” وأن هذه المؤلفات كانت ترشد الأمير أو السلطان إلى كيفية التعامل، وتنظيم الدولة، وإدارة الشؤون المالية، وتنظيم الاستخبارات. وسرد أمثلة محددة من هذا التراث، شملت: كتاب “سياست نامه” لنظام الملك، كتاب “سراج الملوك”، كتاب “بدائع السلك في طبائع الملك”.
مداخلة الأستاذ حمزة المجيدي: إشكالية التحدث خارج التخصص وحتمية المقاربة البينية للإشكاليات المركبة
طرح إشكالًا جوهريًا يتعلق بمفهوم البينية كـ “جسر بين العلوم”؛ حيث أوضح أنه بمجرد أن يأتي متكلم أو باحث ليتحدث في فن أو علم آخر من غير تخصصه الدقيق، فإنه يُقابل بهجوم من الآخرين بمقولته: “اسكت فأنت لا تعلم”. وربط الأستاذ حمزة هذا الرفض بما أسمته د. سماح بـ “البينية الأداتية”، معتبرًا أن هذا الإقصاء يمثل إشكالًا يعكس أزمة حقيقية في الثقافة الإسلامية. وتساءل عن كيفية معالجة هذا الإشكال العويص الذي يتقلب فيه الباحثون، مبررًا تساؤله بلغة المنطق؛ حيث بيّن أن الإشكاليات المطروحة اليوم هي إشكاليات “معقدة ومركبة”. وأكد أنه لا يمكن الإجابة عن إشكال اجتماعي من الناحية الاجتماعية فحسب، بل يتطلب الأمر تضافر جهود تخصصات عدة؛ فالواقع يحتاج إلى مؤرخ، وأنثروبولوجي، ورجل قانون، وفي بعض الأحيان يحتاج إلى مهندس للإجابة عن تلك الإشكاليات العملية. وللتدليل على فكرته، ضرب الأستاذ حمزة مثالًا تطبيقيًا بـ “إشكال الماء”؛ موضحًا أنه لا يمكن الاكتفاء بحديث “التقنيين” فقط، والذين قد يحصرون الأزمة في اقتراح معالجتها في حدود 10 سنوات. وأكد أن أزمة الماء هي في جوهرها “إشكال حضاري” يمتد لخمسين سنة فما فوق، مما يحتم العودة إلى الماضي واستدعاء “المؤرخ” لينبه الباحثين والمجتمع إلى أمور وأحداث قد مضت وتؤثر في فهم الأزمة الحالية. وأكد على أن إشكالية رفض الحديث خارج التخصص تمثل أزمة كبيرة جدًا، وتتجلى بوضوح تام في الساحة النقدية وما يُكتب اليوم؛ فكلما كتب كاتب في فن غير فنه، يتم إقصاؤه والتحذير منه بعبارة: “لا تلتفتوا إليه فإنه لا يدري”.
مداخلة الأستاذ هشام جعفر: تعقيدات الواقع المعاصر، تحديات الذكاء الاصطناعي، وسياقات توظيف “البينية”
اقترح أنه كان من الأجدى عند تصميم هذا الموسم التركيز على حدث واقعي مثل “الحرب الإيرانية”، ليكون بمثابة اختبار عملي لمعرفة ما إذا كانت “البينية” -سواء انطلقت من منظور حضاري أو من منظورات غربية- قادرة حقًا على إسعاف الباحثين في فهم ما يجري. واستعار الأستاذ هشام “الكلمة المفتاحية” من مداخلة د. أماني غانم، مؤكدًا أننا نقف اليوم بصدد “تعقيد” في القضايا والموضوعات يرافقه “قصور في الفهم” لدى كل من المنظورات الحضارية والغربية على حد سواء. وعلل ذلك بأن العالم يعيش الآن في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ فإذا كان الربع الأول قد شهد مجرد تشكل لملامح الظواهر، فإن الربع الثاني يشهد ظواهر أكثر تعقيدًا، وتركيبًا، وتشابكًا، وجِدّة. وتساءل في ظل هذا التعقيد: هل يمكن للبينية أن تسعفنا في التعامل مع هذا الواقع؟ وهل تُحدث البينية تجديدًا في “الوحدات التحليلية” المستخدمة، أم أنها تكتفي بالإبقاء على الوحدات القديمة وتكتفي بإحداث شكل من أشكال التشارك لاحقًا؟
وتطرق إلى أثر التطور التقني، معلنًا اختلافه الكلي مع ما طرحه “السفير معتز” واتفاقه التام مع ما ذهب إليه “د. شريف” بشأن الذكاء الاصطناعي. وأكد أن هذا الموضوع يستحق مزيدًا من الاهتمام، معتبرًا أن القضية الجوهرية تكمن في ضرورة “إعادة صياغة السؤال والباحث”؛ لأن التفاعل العميق مع الذكاء الاصطناعي هو ما يمكن أن يوفر للباحث المقاربة البينية اللازمة لفهم الظواهر. وللتدليل على التركيبية والتعقيد، ضرب مثالًا من واقع عمله الحالي على كتاب متعلق بالحرب الإيرانية؛ حيث برزت وحدات تحليل جديدة غيّرت تعريفات الأشياء المألوفة، وأصبحنا أمام امتزاج بين ظواهر مختلفة تتقاطع فيها “عقيدة آخر الزمان” (الآتية من خلفيات دينية متعددة وبطموحات دينية) مع ما أسماه مبدئيًا بـ “حرب خوارزمية” تعتمد على الذكاء الاصطناعي، متسائلًا عن كيفية مواجهة ظواهر من هذا النوع.
وأبدى أ. هشام رأيه في “السباعية” (أصول الفقه الحضاري) التي طرحها د. مدحت، مؤكدًا أهميتها البالغة، لكنه اعتبرها تمثل “الوجهة” والأساس الذي يجب أن يحكم الباحث، وليست هي “المنهج والأدوات” التي يُفهم بها الواقع. وفي سياق الأدوات والمفاعيل، طرح مفهوم “التقاطعية” (Intersectionality) -معتذرًا إن كان لا يندرج تحت البينية- موضحًا أن هذا المفهوم يقدم وجهة مختلفة لدراسة العلوم المرتبطة بفكرة العدالة؛ فهو يبحث في “اللاعدالة” وكيفية تشكلها وتفكيكها عبر سياقات وعلوم مختلفة (سواء تجلت في العرق، أو في سلوك السلطة، أو في سوء توزيع الثروة والدخل والفرص بوصفها مشكلة قائمة). وأوجز تفكيره في هذا المحور حول نقطتين أساسيتين يجب أن تكونا مجالًا للبحث: الأولى هي “العدالة وكيف تُبنى”، والثانية هي “المشترك الإنساني” أو “الفطرة”، وكيف يتم التعامل معه عالميًا في ظل القضايا المعقدة.
ووجّه نقدًا لغياب الحديث عن “السياقات” التي تتخذها البينية. واتفق مع القول بأنه لا يمكن بأي حال فصل “موجات البينية” عن السياقات التي تخدمها، سواء أكانت سياقات سلطة، أو صعود قوة، أو تحقيق مصالح. وشدد على ضرورة وضع اليد على هذه المسألة، محذرًا من أن “الرأسمالية” في طبعتها التكنولوجية الحديثة تمتلك قدرات هائلة تمكنها من خدمة واستهلاك أي طرح يُقدم لها، لدرجة قدرتها على استيعاب الانتقادات الموجهة إليها (حتى من مدرسة ما بعد الاستعمار وغيرها)، ومن ثم إعادة إنتاجها وتوظيفها على أرضيتها ووفق مقاسها الخاص.
مداخلة د. جميلة تيلوت: تحرير مصطلح “البينية” وإشكاليات التجسير المنهجي
أكدت على ضرورة تبيين حدود مصطلح “البينية”، محذرة من الخلط الدائر بينه وبين “الموسوعية”؛ حيث أوضحت أن موسوعية العالِم لا تقتضي بالضرورة انتهاجه للمنهج البيني. وضربت للتدليل على ذلك مثالين من التراث الإسلامي: (ابن رشد: وصفته بأنه كان عالمًا موسوعيًا، لكنه احترم حدود التخصص؛ فعندما كتب في “علم الكلام” كتب كمتكلم، وعندما ألّف “بداية المجتهد” كتب بمنهج الفقهاء، وحتى في تلخيصه لكتابات أرسطو لم يدّعِ تبني منهج بيني). (الغزالي: أشارت إلى كتابه “المستصفى”، موضحة أنه وضع له مقدمة منطقية صرفة ثم ولج إلى علم الأصول مازجًا إياه ببعض المباحث، دون أن يكون البعد البيني حاضرًا بمعناه المنهجي). كما أوضحت أن مسألة البينية تثير إشكالًا عويصًا حول تحديد حدود العلم من جهة، وحدود التجسير والنهج “العبر مناهجي” (Transdisciplinarity) من جهة أخرى؛ مبيّنة أن بعض القضايا تتطلب تخصصًا دقيقًا، بينما تستوجب إشكالات أخرى معالجة من زوايا متعددة. واستدعت تجربتها الأكاديمية مع طلبة ماجستير “الدين والثقافة والهجرة” بجامعة محمد الخامس، حيث كانت تُدرس مادة “أنماط التدين” لطلبة ينتمون لخلفيات متنوعة (العلوم الاجتماعية، الأنثروبولوجيا، والإسلاميات). وبيّنت كيف برز الإشكال على مستوى “المصطلح” عند تحديد ظاهرة دينية؛ فبينما يتداول طلبة علم الاجتماع مصطلح “الطقوس” (Ritual) في مجالهم، يستخدم باحثو الإسلاميات مصطلح “الشعيرة”. ولحل ذلك، حاولوا جعل مصطلح “الشعيرة” دالًا على الجوانب المرتبطة به، ضاربة المثل بشعيرة “الصيام” في المغرب، والتي ترتبط بمجموعة من الطقوس في الأكل واللباس التقليدي وغيرها. ولفتت إلى وجود تحفظ كبير بين التخصصات في استعمال المصطلحات، مما يستدعي “تسييج” هذه المساحات تجنبًا للوقوع في المحظور. وشددت على أن الظواهر الدينية تستلزم بالضرورة تعدد التخصصات؛ فعالم الاجتماع يفتقر للمعرفة الدينية لفهم الظواهر (لاسيما في السياق العربي الإسلامي)، وفي المقابل يحتاج العالِم المسلم إلى العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية لاستيعاب العادات والتقاليد والسياقات، وما يطرأ عليها من تحولات وطفرات، ومن هنا تنبع الحاجة الحقيقية للبينية.
وأكدت أن البينية لا تعني تلاشي المعرفة أو أن يتحدث المرء بغير علم (مستشهدة بالمثل المصري “يفتي في كل شيء”)، بل تعني الحديث بعلم، وإدراك الباحث لمتى يتحدث داخل حدود تخصصه، ومتى ينطلق للحديث في الإطار “العبر مناهجي”. واعتبرت أن عملية التجسير مهمة جدًا شريطة أن تُمثل “إثراءً” للمعرفة وليس “تلاشيًا” لها. ومن موقعها كأستاذة في علم “المقاصد”، انتقدت د. جميلة الإشكالات الكبيرة التي يعاني منها هذا التخصص بسبب غياب “الأنساق المعرفية” عمومًا، مما يجعل الكل يتحدث في كل شيء. وبلورت تساؤلًا جوهريًا حول كيفية جعل البينية أساسًا معرفيًا لإنتاج وبناء علم ينفع الأمة، وتجاوز الكلام الذي لا ينفع أو الذي يغلب ضرره على نفعه. واختتمت مداخلتها بالتأكيد على أن الغاية الأساسية هي الالتزام بالمناهج المعرفية القابلة للتطور لاحقًا لتشكيل ما يُسمى بـ “الأنساق والباراديغمات الفكرية التحليلية”، وذلك بالاستناد إلى ركيزتين: “الرؤية التوحيدية الإسلامية”، و”الحكمة الإنسانية” التي طورها الإنسان عبر التاريخ الحديث.
مداخلة الأستاذ سامح راشد: غياب “البينية” بين أزمة التنشئة التعليمية وقصور دوائر صنع القرار
أوضح أن هناك خللًا ملموسًا يتمثل في غياب “البينية” أو التقاطع المعرفي أو حتى الروح الموسوعية، ليس فقط لدى الباحثين، بل في “العقل الجمعي المصري” على وجه التحديد. وأرجع هذا الخلل إلى افتقاد هذا النهج التكاملي في التنشئة المعرفية للجيل الناشئ من التلاميذ والطلاب في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي. واعتبر الأستاذ سامح أن هذه القضية “تأسيسية” ويجب الانتباه إليها وإدراجها ضمن نقاشات المشروع في اللقاءات المقبلة، محذرًا من الاكتفاء بالحديث عن مستويات “فوقية” بينما تعاني القاعدة المجتمعية من خلل بنيوي في هذا الجانب. وقدم مثالًا واقعيًا من تجربته الشخصية مع أبنائه؛ حيث أشار إلى أنه لاحظ افتقاد “تقاطع العلوم” في نمطي التعليم اللذين خاضهما أبناؤه (أحدهما في التعليم الحكومي المصري والآخر في التعليم الدولي). وأكد أن هذا الغياب للروح البينية يظهر بجلاء في المرحلة الثانوية، والتي تشهد تعديلات سنوية مستمرة وأنظمة جديدة دون معالجة هذا القصور الجوهري. وانتقل الأستاذ سامح لتحليل الوضع عند قمة الهرم، أي عند مستوى “اتخاذ القرار”، موضحًا أن البينية مفتقدة هناك أيضًا في مصر وفي دول أخرى. وأشار إلى أن متخذ القرار قد يمتلك مستشارين في تخصصات منفردة (اقتصادي، اجتماعي، عسكري.. إلخ)، لكن ما يغيب هو مفهوم “المجلس الاستشاري” التكاملي الذي يمارس العصف الذهني. وأكد أن المستشارين في المؤسسات المصرية غالبًا ما يعملون “كلّ على حدة”، مما يحول دون حدوث تقاطع وتلاقح للأفكار في دوائر صنع القرار، ملمحًا إلى وجود تفاصيل كثيرة في هذا الصدد “تُعرف ولا تُقال”. ولفت الانتباه إلى أن هذا القصور يمتد إلى التعليم الأكاديمي في بعض كليات العلوم السياسية (سواء في جامعة القاهرة أو غيرها)، مؤكدًا حاجتها للتطوير. واستشهد بمسيرته الدراسية؛ حيث أوضح أنه رغم دراسة تخصصات مثل “صنع السياسة الخارجية”، و”العلاقات الدولية”، و”النظم السياسية”، إلا أن هذه الفروع لم تكن تتناول أو تغطي التقاطع المعرفي المطلوب على المستوى “الفوقي” أو “السلطوي” في عملية صنع واتخاذ القرار. واختتم الأستاذ سامح راشد مداخلته بالتأكيد على ضرورة إلقاء الضوء مستقبلًا على هذين المستويين: “القاعدة” المتمثلة في التنشئة التأسيسية، و”القمة” المتمثلة في مؤسسات صنع القرار.
مداخلة الأستاذ د. فتحي ملكاوي (تعليق مكتوب)
أوضح د. فتحي ملكاوي أن معظم الأنظمة المعرفية وحقول التخصص في جامعاتنا قد تأسست بالأساس على “النمط الغربي”. ونتيجة لذلك، بُنيت ممارسات التعليم الجامعي بشكل كلي على فكرة “التخصصات” المستقلة. وأكد أن العلاقات والروابط بين التخصصات المختلفة لم تكن غائبة في القديم، وتحديدًا في ساحة العلوم الإسلامية والعلوم الفلسفية. وبيّن أن أي علم من العلوم قديمًا كان يُعد “فرعًا” منبثقًا من “رؤية مرجعية كلية” (والتي أسماها برؤية العالم أو النموذج الإرشادي)، مشددًا على أن هذه الرؤية الكلية تُمثل عنصرًا أصيلًا ومكونًا داخل كل علم. وخلص د. ملكاوي من هذا الطرح إلى نتيجة منهجية حاسمة، مفادها أن تنامي الاهتمام بالحديث عن “البينية” لا يمثل، ولا ينبغي أن يكون، بديلًا عن “الدراسات المتخصصة” ودورها الحيوي في تقدم العلوم.
مداخلة الأستاذ عمر سمير (تعليق مكتوب)
فيما يخص “الذكاء الاصطناعي”، و”الآلة”، وميزة تفرد الإنسان المتمثلة في القدرة على “التساؤل” أو امتلاك مهارة “السؤال الواعي”. طرح الأستاذ عمر تساؤلًا نقديًا عميقًا حول التداعيات العكسية للتقنية، مستفسرًا عما إذا كانت الآلة وآليات إنتاج المعرفة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تساهم فعليًا في زيادة ما أسماه بـ “الغباء البشري”. وتساءل عما إذا كان هذا الاعتماد سيصل بالكثير من الناس، بل وربما بـ “الباحثين” أنفسهم، إلى درجة العجز وعدم القدرة على طرح الأسئلة الأكثر تناولًا وبديهية في كل موضوع يدرسونه. واختتم تعليقه بتساؤل عن كيفية تجاوز هذا التحدي التقني والمعرفي الخطير من خلال الاستناد إلى “المنظور الحضاري”.
التعقيب الختامي ومسار العمل المستقبلي
في ختام هذا اللقاء الزاخر، قدمت د. نادية مصطفى تعقيبًا ختاميًا؛ أعربت فيه عن تقديرها العميق للمستوى المتميز للحضور، مشيرةً إلى أن الجدول المقترح لاستضافة الأساتذة يعكس تنوعًا كبيرًا مع الاحتفاظ باحترام التخصصات. وتطرقت د. نادية إلى التساؤلات المطروحة حول أنماط البينية ومستوياتها؛ سواء بين روافد الحقل المعرفي الحديث، أو بينه وبين العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، أو في تقاطعه مع العلوم الشرعية، مؤكدةً على ما أثاره بعض الأساتذة، من أن البينية تُعد سمتًا وطبيعة وجوهرًا أصيلًا في العلوم الإسلامية، سواء في كل علم على حدة كالفقه، أو في العلاقة فيما بينها، أو في كيفية دراستها للظواهر. وأشادت بانتقال المداخلات من التنظير إلى مناقشة ظواهر وقضايا ومشاكل حياتية ملحة، مبرزةً أهمية تطبيق البينية في مجالات الحياة المختلفة وفي منظومتي التعليم ما قبل الجامعي والجامعي، مع التشديد على التزام المنتدى بمواصلة الاشتباك مع الواقع وقضاياه وحاجته إلى البينية. وبناءً على الحضور الكثيف منذ بداية الجلسة، والجدية والعلمية التي اتسمت بها النقاشات، أبدت د. نادية تفاؤلها الكبير بأن يكون هذا الموسم ثريًا ومثمرًا.
وقد اختتم أ. أحمد خليفة اللقاء بشكر جميع الأساتذة والباحثين على إثرائهم للنقاش، معلنًا رفع الجلسة واعدًا الحضور بتوثيق كل ما قيل في تقرير شامل ليكون لبنة لجهود مدرسة المنظور الحضاري المستمرة.
تسجيل اللقاء الأول | الموسم الثالث: https://youtu.be/iSt11YV_k0I
[1] إكرام بدر الدين (تقديم)، نادية محمود مصطفي (إشراف علمي)، أميمة عبود (تحرير)، المنظور البيني والعلاقات البينية في علم السياسية: إعادة نظر وقراءة جديدة، أعمال سيمنار قسم العلوم السياسية للعام الجامعي (2010-2011)، القاهرة: قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، 2012
[2] مني أبو الفضل (تحرير)، نادية محمود مصطفى (تحرير)، التأصيل النظري للدراسات الحضارية، دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، المجلد الأول، 2008.
[3] سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، دار السلام للنشر والتوزيع والترجمة، 2022.
[4] نظرا لضيق الوقت لم تستكمل د. أماني مداخلاتها؛ لذا كان من المهم أن نستعرض ما تبقي لها منها من خلال ورقتها، خاصة تناولها أسئلة مهمة في سياق موضوع الللقاء والذي يبدأ من هذا الجزء.






