ذاكرة المسلمين في الأندلس: الموريسكيون بين أدب الرواية والشهادة الحية

تسعى هذه الورقة إلى قراءة تجربة مسلمي الأندلس بعد السقوط، باعتبارها واحدة من أهم التجارب التاريخية التي تتجلَّى فيها علاقة التأثير المتبادل بين الذات بالآخر، والمتمثِّل في محاولات طمس هوية أصيلة وتشكيل هوية جديدة زائفة، وكيف أدَّى ذلك إلى خلق هُويات مضطربة وتائهة تبحث عن جذورها وأصولها في ذاكرة جماعية وتاريخية كادت أن تنسى. إن تجربة مسلمي الأندلس “الموريسكيين” واحدة من أكثر التجارب الإنسانية ثراء من حيث دلالات وتمثُّلات مفاهيم من قبيل: الذات، والآخر، والذاكرة، والجماعة، والانتماء، والهُوية. وهي كلُّها مفاهيم تقع في قلب اهتمام مشروع “مرايا ونوافذ حضارية” والذي تخرج هذه الورقة في إطاره. تعتمد الورقة ثلاثة أعمال تتكامل فيما بينها محاولة استعادة تجربة مسلمي الأندلس بعد السقوط، وذلك من زوايا نظر مختلفة:

1) ثلاثية غرناطة[1] لرضوى عاشور (1994) وهي رواية عربية في ثلاثة أجزاء تتبع مسيرة عائلة مسلمة من سقوط غرناطة عام 1492 حتى الترحيل الجماعي في مطلع القرن السابع عشر. تُعَدُّ الثلاثية من أبرز الأعمال الروائية العربية التي تُعيد تأهيل ذاكرة الأندلس من منظور داخلي إنساني لا من منظور المؤرخ الخارجي.

2) الموريسكي[2] لحسن أوريد (2011) وهي رواية مغربية مكتوبة بالفرنسية ومترجمة إلى العربية، تستند إلى الشخصية التاريخية لشهاب الدين أحمد البسيلي، العالم الأندلسي في عهد السلطان المنصور الذهبي. تدور الرواية حول نفس مسلمة مهجَّرة تعيش على حافة هُويتين، وتُقدم تشريحًا دقيقًا للمعاناة الداخلية للفرد الذي يتشظَّى بين انتماءات متعارضة.

3) لقاء مرئي بعنوان “التراث الأندلسي في إسبانيا” في بودكاست مغارب[3] -بشهادة الباحثة والأديبة “أديبة روميرو”، وهي من سليلات المسلمين في شمال أفريقيا. يُضيف اللقاء بُعدًا معاصرًا حيًّا لا تستطيع الرواية وحدها أن توفِّره: صوت إنسان يحمل هذه الذاكرة في حاضره، ويُجيب عن السؤال الذي تتركه الروايتان مفتوحًا: هل الهوية المقاوِمة نجت؟ وكيف تبدو اليوم؟

تقوم منهجية تناول الموضوع على ثلاثة مستويات متكاملة:

المستوى الأول- القراءة البينية: لا تُقرأ الأعمال الثلاثة بمعزل عن بعضها، بل تُوضع في حوار متبادل. فالرواية التاريخية والرواية الشخصية والشهادة الحية تُكمل كل منها النقص في الأُخرتين، وتكشف حين تُجمع عن أبعاد لا يُتيحها النص المفرد.

المستوى الثاني- الإطار النظري: تستلهم القراءة فكرة الفيلسوف بول ريكور التي تُعيد تعريف الرواية بوصفها فعل استعادة وبناء للذاكرة[4]. إلى جانب مفهوم “الذاكرة الجماعية” كما أرسى دعائمه عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس[5]. ومن هذين المنطلقين تُسائل القراءةُ الأعمالَ: كيف تتحول الرواية إلى فعل مقاوم للنسيان؟ وكيف يُحوِّل الأدبُ الهزيمةَ التاريخيةَ إلى حضور إنساني لا يُطفأ؟

المستوى الثالث- الأسئلة المحورية: تنظم القراءة نفسها حول جملة من الأسئلة الكبرى: كيف تصمد الهوية حين تُراد لها الإزالة؟ ما الدور الذي تضطلع به اللغة والجسد والمرأة والمكان في حفظ الذاكرة الجماعية؟ وكيف تمتد آثار المأساة التاريخية إلى الحاضر في صورة صدمة جيلية وهويات مضطربة تائهة تبحث عن جذورها؟

وتنتهج القراءة في تناولها أسلوب القراءة المتوازية؛ إذ تعقد المقارنات بين النصوص على محاور موضوعية (المكان – الجسد – اللغة – المرأة – الآخر) لا على محور السرد الزمني وحده، مما يُتيح رؤية الأنماط المتكررة والتباينات الدالة في آنٍ واحد.

أرسى عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس مفهوم “الذاكرة الجماعية”، محاجًّا بأن الذاكرة ليست فردية بطبيعتها، بل تُبنى دائمًا داخل إطار اجتماعي وجماعي يُحدد ما يُتذكَّر وما يُنسى[6]. ولا تحيا الذاكرة الجماعية -وفق هالبفاكس- إلَّا ما دامت الجماعة التي تحملها حية؛ فإذا تفرَّقت أو ذابت في غيرها أو أُكرهت على النسيان، بدأت ذاكرتها في التآكل والتشوُّه والانقطاع. وهذه بالضبط هي المعضلة التي وجد الموريسكيُّون أنفسَهم أمامها بعد الترحيل القسري من الأندلس: جماعة انتزعت من أرضها ومكانها وتاريخها المُعاش، ووُضعت أمام سؤال: هل يُمكن أن تستمر الذاكرة بلا أرض؟ وهل للهوية أن تصمد بلا مكان؟

وقد وجد الأدب في هذه المعضلة مادة خصبة. فالرواية -كما يُبَيِّنُ بول ريكور في تحليله للسَّرد والزمن- هي فعل إعادة بناء للذاكرة عبر الفعل الروائي والتخيُّل؛ تَرُدُّ الحاضر إلى التاريخ وتُعيد التاريخ إلى الحاضر[7]. ومن هذا المنطلق تكتسب ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور والموريسكي لحسن أوريد طابعًا يتجاوز الأدب إلى ما يمكن تسميته “الأرشفة الروائية”، ما يعني استعادة ذاكرة جماعية مهدَّدة بالاندثار وإعادة تجسيدها في صيغة سردية تُعيد التجارب والأفراد المنسيِّين إلى الحاضر وفضائه التداولي والمعاش.

وكما نلاحظ في مطلع رواية الموريسكي لحسن أوريد، يقف شهاب الدين أفوقاي في منزل صهره ببلاد المغرب، وتدور في رأسه كلمات عربية قديمة لا يكاد يفهمها. يردِّدها كأنها طقسٌ غامض يُؤدَّى، لا لغة مُعبرة، وكأن هُويته ممزَّعة بين تاريخ منسي وحاضر غريب. ومن هنا تنفتح الصورة الكبرى التي تجمع بين ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، والموريسكي لحسن أوريد، وبودكاست مغاربة مع أديبة روميرو.

هذه الأعمال الثلاثة، على اختلاف سياقاتها، تلتقي عند سؤال واحد: كيف تصمد الهوية حين تواجه الإبادة؟ فـثلاثية غرناطة والموريسكي يعالجان هذا السؤال عبر الرواية التاريخية، بينما يضيف البودكاست بعدًا ثالثًا وهو الحاضر المعيش، حيث تظل الذاكرة الأندلسية حاضرة في الشهادة والسرد المعاصر.

في هذا الأفق، تُشكل هذه الأعمال مرآةً تعكس الأنا الموريسكية وهي تتشظَّى تحت وطأة القهر، وتفتح نافذةً على الآخر الذي يتحوَّل أحيانًا إلى لغةٍ مفروضة، وطقسٍ مشوَّه، وتاريخٍ مكتوب من جهة واحدة. وبين المرآة والنافذة تتشكَّل حكاية الموريسكيِّين: حكاية من حاولوا أن ينجوا بالهمس لا بالسيف، بالتخفي والتواري، والسعي لحفظ الهوية في أضعف صورها: اللغة، والكتب، والبيت، والجسد.

سقطت غرناطة عام 1492 وانتهى معها آخر وجود إسلامي رسمي في شبه الجزيرة الأيبيرية. لكن السقوط السياسي لم يكن نهاية الحكاية؛ بل كان بداية فصل آخر أشد مرارة. فالمسلمون الذين بقوا -وعُرفوا بالموريسكيين بعد إجبارهم على التنصُّر- دخلوا في مواجهة طويلة الأمد مع سلطة مسيحية تريد محو هُويتهم، ونتجت عن هذه المواجهة واحدة من أقوى تجارب المقاومة الثقافية في التاريخ الإنساني.

“لا أنا أريد الرحيل، ولا أي واحد من هؤلاء الناس يريد ترك داره، ولكننا سنرحل. جميعًا سنرحل!”[8]

ثلاثية غرناطة: الذاكرة المحاصرة بين الجدران

حين تفتتح رضوى عاشور روايتها بسقوط غرناطة وبكاء أبي عبد الله الصغير على عرشه الضائع، فإنها تضع القارئ منذ البداية أمام مشهد قاس: الهزيمة السياسية ليست نهاية الحكاية، بل بداية معركة أشد قسوة، هي معركة الحفاظ على الهوية. وتغدو عائلة أبي جعفر: ابنه حسن، ثم هشام، ثم علي، حاملة راية هذه المعركة؛ فكل جيل يورث الجيل الذي يليه شيئًا من الهوية، غير أن هذا الموروث يتآكل مع كل محطة انتقال جديدة.

تنسج الكاتبة بين هذه الشخصيات ومفردات المقاومة اليومية خيطًا روائيًّا متقابلًا: فالمرأة التي تُعَلِّمُ أطفالها سور القرآن في الخفاء، تُعلمهم في الوقت نفسه كيف يُخفون ما تعلموه أمام الآخرين. والرجل الذي يحمل الاسم المسيحي في الشارع، ثم يعود إلى اسمه العربي بين أهله، يعيش انقسامًا يوميًّا بين ظاهره وباطنه. أما المخطوط العربي المحفوظ تحت الأرض أو في جدران البيت، فلا يُقرأ بقدر ما يُصان، لأن صون الشيء هو آخر أشكال حفظ وجوده.

وهنا تعكس المرآة الذات في لحظة الاضطراب بين المتناقضات: أهو المسيحي الجديد أم المسلم المتخفِّي؟ ولا تجيب الكاتبة عن هذا السؤال مباشرة، بل تضع القارئ أمام سؤال أعمق: هل الهوية ما نعلنه، أم ما نبقيه حيًّا في السر حين يظن الآخر أنه انتصر؟ وقد بلورت الثلاثية هذا التوتُّر حين يبوح الراوي بعمق هذه المعضلة، إذ يصف أحد أبناء الأجيال المتأخرة وهو يُطالع وثائق عائلته العربية: يريد أن يتيقَّن أن ذاكرته محفوظة، إذ الذاكرة هنا ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي مقاومة فعلية لإرادة النسيان. وفي مشهد الترحيل القسري، حين لا يجد عليٌّ مناصًا من مغادرة الأندلس، يصرخ: ولا أنا أريد الرحيل، ولا أي واحد من هؤلاء الناس يريد ترك داره، ولكننا سنرحل، جميعًا سنرحل!

وهذا المقطع يجسِّد بدقة حالة الاقتلاع بوصفها جريمة في حق الهوية. ولعل أكثر المشاهد دلالةً في الثلاثية تلك اللحظات التي تُمارس فيها شخصية ما إسلامها / شعائرها بيقين صامت لا بخطاب معلن: جدة تُلَقِّنُ حفيدتَها سورةً قصيرة وتصمت قبل أن تنتهي، رجل يحرق مخطوطته بيده قبل أن تصل إليها المحاكم وفي عينيه شيء يشبه الانتصار لا الهزيمة. هذه الإيماءات السردية الصغيرة هي التقنية الروائية عند الكاتبة؛ فالمقاومة عندها ليست حربًا مستعرة، بل ممارسات يومية في الحياة العادية.

“فالمورسيكي، في نحو من الأنحاء، هو “نحن” المرحَّلون من ثقافتنا الأصلية، ومن دُفعنا إلى ثقافة المهجر، وتوزعنا بين الاثنين”[9]

الموريسكي: الذات بين ثقافتين

يذهب حسن أوريد إلى مساحة أكثر حساسية وتعقيدًا. شخصيته المركزية «أفوقاي» -المستندة إلى شهاب الدين أحمد البسيلي، العالم الأندلسي في عهد السلطان المنصور الذهبي- الذي يعيش انقسامًا هُويَّاتيًّا في حياته اليومية / العادية. نشأ أفوقاي على معرفة وثيقة بالمسيحية واليهودية، وبات قادرًا على مجاراة خصومه في المناظرات، وعاش متمسكًا بالأحكام المسيحية لا عن قناعة، بل عن خوف.

وما يقدِّمه الكاتب هنا هو تشريح دقيق للنفس الموريسكية من الداخل: فالتسليم الظاهري لم يكن تسليمًا كاملًا أبدًا. وفي مشهد بليغ من الرواية، حين يُسأل أفوقاي إن كان يكتب بالعربية فيجيب بالإيجاب، تنكشف لحظة مقاومة رمزية شديدة الدلالة؛ إذ تظل العربية، تلك اللغة التي كان يُراد لها أن تُنسى وتُمحى، حاضرة في وجدانه وفي يده معًا. وفي مقطع آخر، يصف أوريد مأساة الفرد الموريسكي بأنه لم يكن مسلمًا ولا مسيحيًّا، بل كائنًا عالقًا في منطقة رمادية لا يتحدَّد فيها انتماء صافي. وهنا تتبدَّى اللغة العربية بوصفها ملاذًا أخيرًا هشًّا، لكنه حاضر على أي حال.

ويُبرز أوريد كذلك أن المأساة الكبرى للموريسكيين تمثَّلت في أنهم لم يكونوا وحدة دينية متماسكة؛ فبعضهم حافظ على قدر من الممارسة الدينية، بينما أصبح أغلبهم مسيحيين جدد تشكَّلت هُويتهم من بقايا الإسلام وتأثيرات المسيحية وبعض الطقوس المختلطة. وهذا التعدُّد الداخلي جعلهم موضع ريبة من الطرفين معًا: من إسبانيا الكاثوليكية، ومن بعض دوائر الفضاء الإسلامي في المغرب العربي.

صوتان لمأساة واحدة، حين نضع الروايتين جنبًا إلى جنب نكتشف أن كلًّا منهما يُجيب عن سؤال يتركه الآخر مفتوحًا. تسأل رضوى عاشور: كيف تُورث الهوية الجماعية جيلًا بعد جيل في ظل القمع؟ وتجيب عبر السرد الممتد من سقوط غرناطة إلى الترحيل النهائي، تُوَثِّقُ فيه التاريخ بأدوات الخيال الروائي.

أمَّا أوريد فيسأل: ماذا يحدث داخل النفس الفردية التي تحيا هذا الصراع لحظة بلحظة؟ وتجيب روايته من خلال سبر الأغوار النفسية لشخصية عاشت التجربة: فأفوقاي ليس رمزًا لجماعة فحسب، بل هو إنسان مثقل بالتناقض واضطراب الانتماء الملتبس. لا يريد الكاتب لقارئه أن يُحِبَّ هذه الشخصية ولا أن يُدينها؛ بل أن يفهم تعقيدها الإنساني.

  • الآخر في الروايتين: المرآة والنافذة

يمثل الزمن الروائي حاضر المأساة لا ماضيها، ثمة قرار روائي مشترك يتَّخذه الكاتبان، رغم اختلاف أسلوبيهما: كتابة الماضي بزمن مضارع. فهما لا يكتبان عن الموريسكيين من مجلس المؤرخ، بل يكتبان بنبرة المعايش. يرمي هذا الاختيار في الأسلوب وطريقة السرد إلى محاولة دفع القارئ إلى معايشة الماضي كأنه يجري أمامه، ومن ثم التشبُّع بروح التجربة والشعور بمآسيها.

وهذا ما يجعل حلقة البودكاست “التراث الأندلسي في إسبانيا مع حفيدة الموريسكيين” استكمالًا لواقع ما حدث للموريسكيين ودليل على أنه حتى بعد كل هذا القمع ما تزال الهوية الإٍسلامية الأندلسية حاضرة بشكل ما؛ فأديبة روميرو حين تتكلم عن الموريسكيين لا تتكلَّم بلغة مؤرخ أو قارئ للتاريخ، بل بلغة من لا يزال يعيش آثار وتبعات هذا التاريخ ويحمل ذاكرته وتبعاته. تتباين كذلك صورة الآخر بين الأعمال الثلاثة:

أ) يأتي الآخر بوصفه العدو القاتل في رواية ثلاثية غرناطة، إذ ترسم رضوى عاشور صورة الآخر بوصفه قوة غاشمة أحادية الوجه، ممثلة في محاكم التفتيش والجنود الإسبان الذين يمارسون العنف الممنهج. الآخر هنا هو نافذة مغلقة لا تعكس شيئًا سوى الفناء والموت. تخدم هذه الصورة الوحشية غرض الرواية في توثيق الهوية الجماعية تحت الإبادة، حيث لا مجال للحوار مع جلاد لا يرى فيك إلا عدوًّا يجب محوُه.

ب) الآخر بوصفه فضاءً للمثاقفة، يذهب حسن أوريد بمفهوم الآخر إلى فضاء أكثر تعقيدًا ورحابة. فرغم أن الرواية لا تُغفل توحُّش محاكم التفتيش التي طردت الموريسكيِّين خارج أراضيهم، فإنها تفتح نافذة على وجهٍ مختلفٍ للآخر الأوروبي. حين يرحل شهاب الدين أفوقاي إلى فرنسا وهولندا، يلتقي بآخر مختلف؛ آخر يُقدر علمه، ويحاوره كعالم، ويستمع إلى لغته بإنصات. الآخر هنا لم يعد هو المحقِّق الذي يبحث عن علامات الوضوء ومظاهر الاحتفال بالأعياد، بل المفكر الذي يرى في الموريسكي جسرًا حضاريًّا. هذا التباين يوضح مأساة أفوقاي؛ فهو يجد احترامًا لذاته في أرض الآخر “الفرنسي والهولندي”، بينما يُطرد من أرضه التي وُلد فيها.

وفي النهاية، يأتي الآخر بوصفه مرآة الحاضر، إذ يضيف البودكاست عبر شهادة أديبة روميرو شكلًا ثالثًا من التباين، حيث يتَّسع مفهوم الآخر ليشمل حتى المسلم. فحلقة البودكاست تضيء جوانب غابتْ عن الروايتين، وهي صدمة اللقاء بالمسلمين في شمال أفريقيا بعد الترحيل، حيث لم يكن الاستقبال دائمًا ودِّيًّا، بل شابهُ الحذر والريبة تجاه هؤلاء المسيحيِّين الجُدد الذين يحملون عادات غريبة. كما يظهر الآخر الغربي في البودكاست بوصفه الأرشيف الذي أعاد اكتشاف الموريسكيِّين اليوم، وهو آخر يمنح الموريسكي المعاصر أدوات لفهم جذوره. وما يُضيفه البودكاست هنا ليس مجرد توثيق تاريخي، بل شهادة تكشف أن الآخر الغربي اليوم يُعيد اكتشاف الموريسكيين عبر الأبحاث الأكاديمية والأرشيفات المفتوحة. وبين الآخر الذي طرد والآخر الذي يُعيد الاعتبار، تقف الهوية الموريسكية في مرآة مزدوجة: بين الماضي والحاضر.

تتجلَّى مقاومة الموريسكيين في أشكال متعدِّدة تتخطَّى حدود الفعل العلني، إذ تتسرَّب إلى تفاصيل الحياة اليومية من المكان والجسد واللغة وشبكات التضامن. وفيما يلي نستعرض هذه التجليات عبر القراءة البينية في الروايتين والبودكاست محل الدراسة:

  • المقاومة المكانية والاجتماعية: الاسم والبيت والعتبة

إن المقاومة لا تعيش في الكتب والخطابات؛ بل كثيرًا ما تسكن في تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة. ففي ثلاثية عاشور يتحول البيت إلى مكان سري وكأنه مخبأ للمقاومة، ما يجري داخله يختلف تمامًا عما يجري خارجه. فالزوج يُسمى دييجو في الشارع ويتحوَّل إلى محمد حين يُغلق الباب، والزوجة تلبس الثوب الإسباني في الخارج وتعود إليها ملابسها الأصيلة داخل الجدران. والبيت بهذا المعنى ليس مجرد مسكن، بل هو آخر حدود السيادة الهوياتية المطموسة.

وأوريد في روايته يجسد هذه الثنائية من زاوية الصراع النفسي الداخلي، فأفوقاي يتساءل في لحظات كثيرة أيُّهما هو الحقيقي، شهاب الدين أم الشخص الذي تعلم كيف يحاكي الكاثوليكية. والجواب الروائي يلمح إلى أن كليهما حقيقي وكليهما مؤلم، الهوية المطموسة لا تختفي تمامًا، لكن ثمن الحفاظ عليها باهظ.

أمَّا الاسم فله دوره الخاص في هذا الصراع الهُوياتي. فالاسم العربي الممنوع، الذي يُعاد استدعاؤه في السر، في الدعاء، وفي وصية المحتضر، وفي همس الأمهات، هو أكثر من مجرد تسمية؛ إنه إعلان بأن أصحابه مستمسكون بهويَّتهم. وفي الثلاثية يمرُّ الاسم العربي بوصفه أثرًا ذا قوة رمزية عالية، وفي شهادة أديبة روميرو في البودكاست يُلاحظ المستمع كيف أن ذكر الأسماء العربية القديمة لعائلتها يُحَرِّكُ في صوتها شيئًا يشبه الحنين إلى وطنٍ لم تره قط.

  • شبكات التضامن السري:

لا تعيش المقاومة منفردة؛ فالموريسكيون طوَّروا شبكات تضامن سرية للتواصل فيما بينهم. وفي رواية أوريد يبرز كيف أن المسلمين في القرى المنعزلة كانوا غير قادرين على ممارسة شعائرهم الدينية إلا خفية، وهو ما دفعهم إلى التجمُّع في جلسات تبدو اجتماعية بينما هي في حقيقتها لقاءات دينية مقنَّعة. وتصف رواية رضوى عاشور، بدورها، لحظات يتعرَّف فيها موريسكي إلى آخر بإشارة معينة، أو كلمة بعينها، أو طريقة في السلام، وهو ما يفهمه من كان جزءًا من الشبكة، ويمر على سمع الغريب دون أن يثير شكًّا.

وهذه الشبكات هي ما يمكن أن نعدَّه لونًا من التديُّن الشعبي السري، وهي ظاهرة تُوازي ظواهر مشابهة في تاريخ الأقليات المضطهدة في تجارب أخرى، كظاهرة المارانو (يهود إسبانيا الذين تنصَّروا ظاهريًّا وحافظوا على يهوديَّتهم سِرًّا)، أو ظاهرة الكاكوري كيريشيتان (المسيحيين المتخفين) في اليابان. وما يميز الحالة الموريسكية هو امتدادها وعمقها، إذ ظلت هذه الشبكات تعمل قرابة قرن كامل بعد سقوط غرناطة، وحين جاء الترحيل الجماعي عام 1609-1614 وأُبعد الموريسكيون عن شبه الجزيرة الأيبيرية، حملوا معهم إلى دول المغرب العربي بذورًا من تلك الهوية المقاوِمة.

  • المقاومة الجسدية: الشعائر الدينية

ثمَّة بُعد آخر تتقاطع فيه الروايتان وحلقة البودكاست بعمق وهي ظاهرة الممارسة الدينية التي استمرَّت حتى حين فقد أصحابها القدرة على فهم معناها. ففي ثلاثية عاشور نرى أبناء الأجيال المتأخِّرة يؤدُّون صلاتَهم السرية أو يقرؤون آيات قرآنية نصفها ضاع ونصفها بقِي، لكن البقية تكْفي. وفي رواية أوريد يصف الكاتب حال الموريسكيِّين بأنهم لم يكونوا متمسِّكين بالدين من حيث العقيدة بقدر ما كانت الممارسة الدينية هي الوعاء الأخير لما تبقَّى من الهُوية الإسلامية، إذ كانت الطقوس تتشابك مع ما حولها من تأثيرات حتى لا يفرِّق بينها إلا من كان يعلم.

يشبه هذا ما يُسمِّيه الأنثروبولوجيُّون بالذاكرة الجسدية[10]؛ الجسد يؤدِّي ما نَسِيَهُ العقل، ومن ذلك: الوقوف عند الفجر بخشوع لا يُفسر، والإحجام التلقائي عن مآكل بعينها، وطريقة الغسل قبل الأكل. هي شظايا من ذاكرة دينية حفظها الجسد حين أُكره العقل على النسيان. والأعجب من ذلك ما يكشفه البودكاست فبعض سليلي الموريسكيِّين اليوم يكتشفون هذه الجذور حين يبدؤون بالبحث في تاريخ عائلاتهم، فيجدون أن أجدادهم كانوا يصلون بطريقة غريبة أو يرفضون أكل أشياء بعينها دون سبب واضح، ولا يفهمون سبب ذلك إلا حين يدركون أنهم أحفاد موريسكيِّين اضطروا إلى التنصُّر.

  • الجسد كأرشيف للذاكرة:

ثمَّة مشهد يتكرَّر بأشكال متعدِّدة في كلتا الروايتين؛ إنسانٌ يقف وحدَه في لحظة من الليل أو الفجر، يحرك شفتيه بكلمات لا يسمعها أحد. في ثلاثية عاشور، تُصور رضوى هذه اللحظات بتحفُّظ روائي؛ فلا تقول صريحًا إن الشخصية تصلي، بل تصف الوضعية الجسدية، وحركة اليدين، وانحناء الرأس، وتترك للقارئ أن يستنتج. وهذا التحفُّظ ليس عجزًا روائيًّا، بل تعبير عن الواقع التاريخي، فالموريسكي تعلَّم ألَّا يُعلن ما يفعله حتى حين يكون وحيدًا، لأن الوحدة نفسها ليست آمنة في عالم تملؤه عيون الجواسيس ويُثاب فيه الجار على الإبلاغ عن جاره.

أمَّا أوريد فيذهب إلى هذا الفضاء بطريقة مختلفة، فأفوقاي يصف في مقاطع داخلية بليغة كيف أن جسدَه يتذكَّر ما نَسِيَهُ عقلُه. يصف الوقوف في مواجهة الشمس عند الغروب فيشعر بشيء يسحبه نحو الانحناء، لكنه يكبح هذا النداء خشية من يراه. وهذا الكبح اليومي المتكرِّر هو في حَدِّ ذاتِه شكلٌ من أشكال الشهادة على الهُوية المقْموعة، أن تمنع جسدك من أن يفعل ما تعلَّمه واعتادَ عليه، يعني أن هناك حالة من الشَّدِّ والجذب والصراع الداخلي المستعر.

يعرف الأنثروبولوجيُّون ذلك بالذاكرة التجسيديَّة وهو ما يتجلَّى هنا بوضوح، فجسد الموريسكي صار أرشيفًا حيًّا؛ تفاصيل الوضوء استمرَّت طقسًا اجتماعيًّا دون أن يُعرف اسمُها، والإحجام الغريزي عن مآكل بعينها ظلَّ علامةً لمن يعرف كيف يقرأ. وحين جُمع الموريسكيُّون في مدن المغرب وتونس، تعارفوا بهذه اللغة الجسدية الصامتة، فقد حفظ الجسد ما أبادتْه يَدُ الآخر الغاشمة.

  • المقاومة اللغوية: اللغة المنسية

تستحق اللغة العربية في هذه الأعمال الثلاثة أن تُخَصَّصَ لها قراءة مستقلَّة. ففي رواية أوريد يُولي الكاتب اللغة العربية مكانةً مشابهة لمكانة شخصية روائية مستقلة. فأفوقاي يُعانق العربية بشكل متقطع: أحيانًا تأتيه الكلمات سلسةً وكأنه لم يفارقها، وأحيانًا تتعثَّر في لسانه وكأن بينهما قطيعة. وهذا التذبذُب في العلاقة باللغة يجسِّد بدقَّة ما يحدث للغة المهدَّدة بالإقصاء، إنها لا تفارق دفعة واحدة، بل تتراجع تدريجيًّا، تنسحب من الحياة العامة إلى الخاصة، ومن الخاصة إلى السرية، ومن السرية إلى الأحلام.

ورضوى عاشور تجسِّد هذا التراجع التدريجي في بنية الثلاثية نفسها: الجيل الأول يتكلَّم العربية بثقة، والثاني يتكلَّمها في البيت دون الشارع، والثالث يتذكَّر منها مفردات وعبارات، حتى نصل إلى جيل يحمل اسمًا عربيًّا لكنه لا يعرف معناه. وهذا التآكل اللغوي هو دلالة على تبعات ما تتعرَّض له أيُّ أمَّة من إبادة عرقية وثقافية.

في قلب هذه التجربة المأساوية، تتشكَّل واحدة من أعجب ظواهر تاريخ المقاومة الثقافية؛ ظاهرة الألخاميادو. وتأخذ هذه الظاهرة أهمية استثنائية لأنها ليست مجرد حالة لغوية، بل هي رد فعل مقاوم لمحاولة الإبادة الثقافية. ففي بيئة حُظرت فيها اللغة العربية بمراسيم رسمية وتم مصادرة المخطوطات وأُحرقت، ابتكر الموريسكيُّون حلًّا إبداعيًّا، وهو كتابة لغاتهم الأيبيرية (الإسبانية أو البرتغالية) بالحروف العربية. وهذا الابتكار ليس بسيطًا بأيِّ حال، بل هو في حقيقته عملية مقاومة ثقافية؛ إذ أخذوا أداة المحتل (اللغة الإسبانية) وألبسوها حُلَّةَ الهُوية المحتلَّة (الحرف العربي).

والنتيجة كانت نصوصًا غريبة ومدهشة في آنٍ واحد؛ مخطوطات تبدو من بُعد عربية، لكنك حين تقرأها تجد فيها كلمات إسبانية. تضمَّنت هذه المخطوطات أدعية إسلامية وقصصًا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم تُروى بلسان قشتالي وبروح قرآنية، إلى جانب سجلات يوميَّة تُدَوِّنُ فيها الأسر الموريسكية تفاصيلها البسيطة بتلك اللغة الهجينة التي عجزت محاكم التفتيش عن فَكِّ شفرتها.

روائيًّا، لم يُشر أوريد ولا عاشور إلى مصطلح الألخاميادو التقني مباشرة، لكنهما جسَّدا الظاهرة ببراعة. عاشور تلمح إليها حين تصوِّر الكتابة السرية، والنصوص الدينية المدسوسة، والرسائل التي لا يفهمها من يعترضها لأنها تجمع بين ما لا يُجمع. وأوريد من جهته يشير إلى هذا الفضاء اللغوي الهجين الذي عاش فيه أفوقاي، ذلك العالم الذي يقع على حافة اللغتين؛ حيث يتنقل البطل بين عربية مكسورة وإسبانية مصطنعة، واجدًا في هذا التنقُّل هُويته. وما يُضيفه بودكاست مغارب عبر شهادة أديبة روميرو هو أن هذه الظاهرة لم تنتهِ عند حدود القرن السابع عشر. فذرية الموريسكيِّين في المغرب وتونس والجزائر لا يزالون يحملون في لهجاتهم كلمات أندلسية أصلها لاتيني أو روماني قديم. يوظِّفون هذه الكلمات دون أن يعلموا أنها آخر أصداء تلك اللغة الهجينة التي حافظ عليها أجدادهم.

  • المرأة الموريسكية حارسة الذاكرة

لا يمكن قراءة هذا الأدب دون الوقوف عند الدور المحوري الذي يُسنده كلا الروائيين إلى المرأة الموريسكية في حفظ الهوية وتوارثها. ففي ثلاثية عاشور تحضر المرأة بوصفها العمود الفقري الحقيقي لاستمرار الهوية، لا الرجل. فالرجل يواجه مباشرة، يمثل أمام محاكم التفتيش، ويضطر إلى الردة العلنية، بينما تعيش المرأة في فضاء البيت الداخلي الأكثر حمايةً (نسبيًّا) من رقابة التفتيش، فتتحول إلى خزينة الذاكرة الحيَّة.

وأوريد من جهته يُعيد هذا الدور بطريقة مختلفة، نساء الرواية يقلن بصمتهنَّ أكثر ممَّا يقول الرجال بكلامهم. فالأم التي تودِّع ابنها وهو يغادر الأندلس تعطيه شيئًا ملفوفًا في قماش، مخطوطةً كانت أو تعويذةً أو قطعة قماش صُلِّيَ عليها، دون أن تُسَمِّيَ ما تُعطيه. وهذا الصمت أشدُّ وضوحًا من أي خطاب، المرأة تعلِّم ابنها دون كلمات أن ما يحمله له قيمة دون الحاجة إلى اسم، وأن اسمه لا يُقال بصوت عالٍ.

ويكتسب هذا البُعد عُمْقًا إضافيًّا حين نستمع في بودكاست مغارب كيف أن أديبة روميرو تستعيد الذاكرة الموريسكية في عصرنا عبر شهادات نساء من سليلات الموريسكيين في شمال أفريقيا. فالنساء في تلك الشهادات هن الحامل الأول لتفاصيل لا تُعرف أصلًا، وصفة طعام تختلف عن وصفات الجيران دون سبب واضح، تمريرة يد مخصوصة عند النوم تشبه الدعاء، أو أغنية مجهولة اللغة كانت تغنِّيها الجدَّة. وحين تبحث الباحثات في هذه التفاصيل يجدْن في أغلب الأحيان أن أصلَها عربي أو أندلسي؛ ذاكرة نقلتها أنثى إلى أنثى، جيلًا بعد جيل، دون أن يُسأل عن سببها أو أصلها.

لا تقف المأساة الموريسكية عند حدود الوقائع التاريخية، بل تمتد تداعياتها إلى الحاضر على شكل صدمات متوارثة وهُويات مضطربة تبحث عن جذورها. وفي هذا القسم نستكشف هذا الامتداد عبر شهادات حية يقدِّمها البودكاست جنبًا إلى جنب مع ما توضِّحه الرواية.

  • أديبة روميرو وصوت الحاضر: قراءة نقدية في البودكاست

تضيف حلقة بودكاست مغارب بُعدًا معاصرًا لا تستوعبه الرواية التاريخية، وهو الشهادة الحية للإنسان الذي لا يزال يحمل الذاكرة الجماعية وتاريخها. فأديبة روميرو: الباحثة والأديبة التي ترصد هوية الموريسكيين المعاصرين، تقدِّم شهادةً تُجيب على السؤال الذي تتركه الروايات مفتوحًا، هل الهوية المقاومة نجت؟ وكيف تبدو اليوم؟

ترى أديبة أنها نجت، لكنها نجت بشكل مشوَّه ومضطرب في أحيان كثيرة. ثمة عائلات في شمال المغرب تحتفظ بعادات لا تعرف أصلها، وأسماء لا تدرك معناها، ومصطلحات في لهجتها المحلية تأتي من الروماني القديم أو الإسبانية الوسيطة. وهذا التوارث اللاواعي هو أبلغ دليل على أن المقاومة نجحت بشكل ما، الهوية لم تُحفظ كاملة نقية، لكنها لم تختفِ كلِّيًّا. تحوَّلت الهُوية الى عادات، وتحوَّل الدين إلى ثقافة متوارثة.

وما يكشفه البودكاست أيضًا هو البُعد الشعوري لهذه القضية في الحاضر، فالحديث عن الأندلس بالنسبة للمسلمين المعاصرين ليس حديثًا تاريخيًّا عابرًا؛ إنه يحرِّك شيئًا عاطفيًّا عميقًا يصعب وصفه بدقَّة، نوع من الحنين إلى ماضٍ بعيد، وغضب من ظلم لم يُنْسَ.

غير أن اللقاء لا يقف عند حدود توثيق الذاكرة وتاريخ الهوية، بل يفتح بابًا لا تخوض الرواية فيه؛ باب نقد الرواية ذاتها. فحين تتكلَّم أديبة روميرو عن جوانب من التجربة الموريسكية التي غابت أو تعذَّر تمثيلها روائيًّا كالتفكُّك الديني الداخلي للجماعة، والتبايُن بين الموريسكيِّين في درجة تمسُّكهم بهُويتهم الإسلامية، وصعوبة الاستقبال في الفضاء الإسلامي نفسه بعد الترحيل فإنها تُعيد مَوْضَعَةَ الروايتيْن في سياقهما الأوسع. رضوى عاشور تميل في ثلاثيَّتها نحو موريسكيٍّ محافظ على هُويته، بطولي في مقاومته، وهو اختيار روائي مشروع لكنه ينتقي جزءًا من الواقع. وأوريد من جهته يُصور الانهيار الهُوياتي بعيون أفوقاي المثقَّف المتأمِّل، وهو بدوره منظور خاص لا كلي. الشهادة الحية في البودكاست إذن ليست مجرد تأييد لما قالتْه الروايات، بل هي مساءلة هادئة لحدودها، وإضاءة لما ظَلَّ في هامش السَّرد الأدبي. هذا التوتُّر الخلَّاق بين الرواية والشهادة هو ما يجعل القراءة البينيَّة لهذه الأعمال الثلاثة مكمِّلًا بعضه لبعض.

  • الماضي الذي لا يمضي: الصدمة الجيلية واكتشاف الجذور

ربما أعمق ما تقدِّمه هذه الأعمال الثلاثة معًا هو أنها تُثبت أن بعض المآسي التاريخية لا تنتهي بانتهاء وقائعها، بل تتحوَّل إلى حالة نفسية جماعية تنتقل بين الأجيال بطرق مختلفة ومتنوِّعة. وما يُسَمِّيه علماء النفس بالصدمة الجيلية[11] يجد في التجربة الموريسكية نموذجًا فارقًا فالخوف الذي عاشه الموريسكي عام 1502 وهو يُجبر على الاختيار بين الترحيل والتنصُّر لم يمت بموته، بل انتقل إلى أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده في صورة حذر غريزي مصدره غير معروف.

ورضوى عاشور تجسِّد هذا الانتقال بمشاهد من الثلاثية حين تصف أطفالًا يقلِّدون خوف أهليهم دون أن يعرفوا سببه، أو يؤدُّون حركات يومية بحذر مفرط كأنهم ورثوا الانتباه القلق من أجداد لم يلتقوا بهم. وأوريد يدخلنا في تلك الحالة النفسية مباشرةً عبر راويه الذي يعيش بيقظة متواصلة، فلا تكاد المسافة بين الأمان والخطر في وجدانه تتجاوز خطوة.

وحلقة البودكاست بدورها تكشف عن هذا الإرث في صوت أديبة روميرو، فالجيل الذي يُعيد اكتشاف جذوره الموريسكية يصف في أغلب الأحيان شعورًا بأنه كان يعرف دون أن يعلم، وأن ثمة شيئًا في تربيته أو بيته أو عادات أسرته كان مختلفًا دون تفسير، ولا يكتشف السر الكامن وراء هذا إلا بعد البحث والتفتيش في الماضي والجذور.

  • الأدب وإعادة بناء الوعي الحضاري

ثمَّة سؤال جوهري تطرحه المقارنة بين الروايتين: لماذا تكتب رضوى عاشور المصرية وحسن أوريد المغربي عن الموريسكيين؟ هل ثمة دافع مشترك بين الروائيين؟

يتمثَّل الجواب في أن كتابة هذه الروايات ليست توثيقًا تاريخيًّا فحسب، بل هي فعل استعادة وتخليد لهوية جماعية. فـرضوى عاشور، التي كانت شديدة الانتباه للصلة بين الفقد الأندلسي والوضع العربي المعاصر، كتبت ثلاثيَّتها وعينها على نموذج معاصر نُعايشه في فلسطين: احتلال ومقاومة ومحاولات لحفظ الذاكرة الجماعية.

وأوريد المغربي يكتب من موقع أكثر خصوصيَّة؛ فالمغرب هو الأرض التي استقبلت الموريسكيِّين المهجَّرين، والمدن المغربية كـالرباط وتطوان وتلمسان تحمل في عمارتها وأحيائها الأندلسية إرث هؤلاء القادمين. والرواية عنده لم تكن لاستعادة ماضٍ غابر، وإنما هي كشفٌ عمَّن هم المغاربة أنفسهم، ذلك الدم الأندلسي الذي يجري في عروق عائلات كثيرة دون أن تعلم.

كما عملت الروايتين على تصحيح تصوُّر خاطئ ناتج عن الخطاب الغربي وسرديَّته حول الوجود الإسلامي في الأندلس باعتباره احتلالًا ومن ثم كان سقوط الأندلس وطرد المسلمين منها، تحريرًا واستعادةً. فالسردية الغربية السائدة، ترسَّخت عبر مصطلح الريكونكيستا ودراسات الاستشراق الكلاسيكي، التي بَنَت الوجود الإسلامي في الأندلس بوصفه شذوذًا تاريخيًّا يستوجب التصحيح. وفي مقابل هذا التأطير، تضع رضوى عاشور القارئ داخل الذاكرة الإسلامية فالسقوط ليس تحريرًا، بل مأساة بشرية تُختزل فيها قرون من التعايش والإبداع والهوية المركَّبة. وأوريد من جهته يُعيد تأهيل الشخصية الموريسكية التي أقصاها الخطاب الغربي بوصفها مرة عدوًّا سابقًا لا يُؤتمن، ومرة بوصفها مسلمًا غريبًا لا يُعترف به. فأفوقاي في الرواية رجلٌ كامل الإنسانية، شاهدٌ على أن المسألة لم تكن يومًا دينية خالصة، بل كانت في جوهرها مسألة سلطة وهوية وحق في الوجود. وهكذا يُصبح الأدب شكلًا من أشكال المقاومة المعرفية لسلطة التاريخ المكتوب.

  • الأدب باعتباره فعلًا مقاومًا:

ما الذي يُنجزه هذا الأدب، روايات رضوى عاشور وأوريد والأصوات التي يستعيدها البودكاست، على مستوى الوعي الحضاري؟

أولًا- يُعيد هذا الأدب تعريف الهزيمة. فالتاريخ الرسمي يقدِّم سقوط الأندلس بوصفه نهاية، لكن حين نقرأ ثلاثية غرناطة والموريسكي ندرك أن النهاية كانت بداية لشكل آخر من الوجود، الوجود الخفي، المقاوم، المُصر على أن يترك أثرًا.

ثانيًا- يعرِّفنا الأدب بالجماعات والأشخاص الذين عاشوا في ذلك الزمان، عبر أسماء وقصص وحياة معيشة. فأفوقاي ليس مجرد اسم في كتاب تاريخ، بل كان تجسيدًا لإنسان يحيا بتناقضاته من خوف وشجاعة، وضعف، وطموح، وأحلام. وعائلة أبي جعفر في غرناطة هي قصة إنسانية متكاملة. واستعادة هذه الأبعاد الإنسانية هي استعادة لإنسانية التجربة وحرارتها.

ثالثًا- يكشف هذا الأدب أن التاريخ لا ينتهي حيث يقف المؤرخون. فشهادة روميرو في البودكاست تُثبت أن مغارب اليوم يحملون أندلس الأمس بطرق لم تُكتشف بعد: في الأسماء، وفي اللهجات، وفي الطقوس الغامضة. وهذا يفتح الباب أمام سؤال: ماذا تكشف لنا الذاكرة الجماعية والحضارية من ماضينا وكيف نتعامل معه؟

إن التجربة الأندلسية التي يُعيد هذا الأدب بناء وعينا بها ليست تجربة المسلمين وحدهم، وإنما هي نموذج إنساني عام لما يحدث حين تُهدد هوية جماعة بالإبادة الثقافية. فالحضارة الأندلسية كانت مشروعًا إنسانيًّا استثنائيًّا؛ إذ شارك فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في تجربة عيش مشترك فريدة تاريخيًّا. وحين سقطت غرناطة سقط معها نموذج كامل للتعايش بين الاختلاف. والموريسكيُّون في مقاومتهم لم يكونوا فقط يحافظون على إسلامهم، بل كانوا يحافظون على جزء من ذلك النموذج الإنساني المركَّب. فذاكرتهم الهجينة، الإسلام والمسيحية واللغة الأيبيرية والحروف العربية، هي في حقيقتها صدى ذلك التعدُّد الحضاري الذي مَيَّزَ الأندلس. والمقاومة الهُوياتية هنا كانت في الوقت نفسه مقاومة للاختزال، وللتنميط، والإكراه، والقسر. في نهاية هذه الجولة البينيَّة في الأعمال الثلاثة، ندرك أن الهُوية الموريسكيَّة لم تُمْحَ بالكامل؛ بل استطاعت بشكل ما التنكُّر في الخفاء. لبست ثياب المحتل ولم تتحوَّل على شاكلته، وردَّدت كلماته ولم تؤمن بها، وَمَشَتْ في شوارعه ولم تَنْسَ طُرُقَها القديمة. وهذا الفرق الدقيق بين المحو والتنكُّر هو قلب ما تقوله هذه الأعمال الثلاثة. فالمرآة التي يضعها هذا المشروع أمامنا تعكس وجهًا لا يعرف نفسه كاملًا، إنسانًا مجزَّأً، لغةً مهجَّنة، شعيرة مشوَّهة. لكن النافذة التي يفتحها هذا الأدب تطلُّ على شيء أشد إيمانًا بالحياة، فالهُوية أصلب من المراسيم، والذاكرة أعمق من الترحيل، وأن كل ما يُجبر إنسانًا على أن ينساه ينتظر في مكان ما في دعاء همس، في أغنية لا يُعرف أصلها، في حرف عربي كُتبت به كلمة إسبانية.

أخيرًا، إن ما تصنعه الرواية والشهادة الحية معًا حين تلتقيان أنهما يُعيدان للمنسيِّ ذكرَه، وللمطموس شكلَه، وللصوت الخافت صداه في أروقة التاريخ الإنساني الكبير.


باحث في العلوم السياسية.

[1] رضوى عاشور، ثلاثية غرناطة، (القاهرة: دار الشروق، 1994).

[2] حسن أوريد، الموريسكي، ترجمة عبد الكريم الجويطي، (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2011).

[3] بودكاست مغارب، حلقة: التراث الأندلسي في إسبانيا مع حفيدة المورسكيين، تقديم محمد الرماش، ضيافة أديبة روميرو سانشيز، منصة أثير (الجزيرة)، 25 نوفمبر 2023، تاريخ الاطلاع: أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=p_QtHma-3-w

[4] انظر: بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي، (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2006).

[5] انظر: موريس هالبفاكس، الأطر الاجتماعية للذاكرة، ترجمة: ناهد عبد الحميد إبراهيم، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2026).

[6] انظر: موريس هالبفاكس، الذاكرة الجمعية، ترجمة: لطفي عيسى، (الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2023).

[7] بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، مرجع سابق.

[8] رضوى عاشور، ثلاثية غرناطة، مرجع سابق، ص 345.

[9]حسن أوريد، الموريسكي، مرجع سابق، ص 9.

[10] انظر مثلًا: بول كونرتون، كيف تتذكر المجتمعات، ترجمة: متيم الضايع، (الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2024).

[11] تُعرَّف الصدمة العابرة للأجيال في علم النفس بأنها انتقال الآثار النفسية لصدمة تعرضت لها جماعة أو أسرة إلى الأجيال اللاحقة، حتى مع غياب التعرض المباشر للحدث الأصلي.

عبد الله حسام

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى