الجبهات الداخلية: التفاعل السياسي والاقتصادي في واشنطن وتل أبيب وطهران

في صباح الثامن والعشرين من فبراير عام 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عددًا من الضربات الجوية المُركَّزة ضد إيران؛ استهدفت بالأساس القيادة الإيرانية وعددًا من المرافق العسكرية والمدنية المهمة لضبط سيطرة النظام على البلاد. نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على غرار ما تم في يونيو 2025؛ حيث كانت الولايات المتحدة تخوض مفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق، ثم تبين أن التفاوض لم يكن سوى غطاء للتعمية عن خططها للحرب. حققت الضربات نجاحًا تكتيكيًّا واضحًا، باغتيال عدد من القيادات الإيرانية وفي مقدمتها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية؛ وعلى الرغم من ذلك فإن هذا النجاح لم يقُد إلى انهيار النظام أو انتفاض المعارضة الإيرانية كما توقع الرئيس الأمريكي، مقتنعًا بتقدير رئيس الورزاء الإسرائيلي ومدير مخابراته[1]. كان رد الحرس الثوري بهجمات عنيفة ضد إسرائيل وكافة القواعد الأمريكية في الإقليم بمثابة مفاجأة للطرفين الأمريكي والإسرائيلي؛ حيث لم يتوقعا أن يستوعب النظام الإيراني عملية قطف الرؤوس، وأن تكون لديه القدرة على الرد[2].

يقول المفكر الإيطالي “نيكولا ميكيافيللي”: “تبدأ الحروب متى تشاء، ولكنها لا تنتهي متى يحلو لك[3]“؛ وهذا تحديدًا ما حدث مع الرئيس الأمريكي، الذي بدأ هذه الحرب كعملية عسكرية محدودة بلا خسائر ستقود حتمًا إلى تغيير في سلوك النظام الإيراني على غرار ما حدث في فنزويلا في يناير 2026 بعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي؛ لقد امتدت الحرب لنحو أربعين يومًا قبل التوصل إلى هدنة بجهود إقليمية قادتها باكستان على أمل إعطاء المفاوضات والدبلوماسية فرصة لإنهاء الحرب. قام كل طرف خلال فترة الحرب بضرب الآخر بقوة على أمل استسلامه كما تمنت الولايات المتحدة، أو ردعه كما هدفت إيران. ويعد إغلاق مضيق هرمز بمثابة نقلة استراتيجية في الصراع، فقد استطاعت إيران بإغلاق المضيق تحييد العديد من الدول الأوروبية التي سبق لها الإعلان عن دعمها للحرب مثل ألمانيا وفرنسا[4]، وأحرجت الولايات المتحدة التي بدت عاجزة بكل ما تمتلكه من تفوق عسكري عن تعديل هذا الوضع وفتح الممر المائي للملاحة.

وبينما تُكتَب هذه السطور، وقعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم تؤسس لنهاية الحرب، ولكن ما زالت إسرائيل تحاول تقويض فرص نجاح هذا الاتفاق بشكل دفع بعض المسئولين الإسرائيليين إلى الدخول في مواجهات كلامية مع نائب الرئيس الأمريكي حول حقيقة دعم الولايات المتحدة لإسرائيل إذا ما توصلت لاتفاق مع إيران لا يراعي المصالح الإسرائيلية؛ على رأسها عدم تمكين النظام الإيراني من رفع العقوبات وتسييل أصوله المجمدة وحماية حزب الله من الحرب. ورغم كل ذلك فإن احتمالات العودة إلى الحرب قائمة بسبب محاولات إسرائيل المتكررة لإعادتها عن طريق لبنان.

وهنا لا بد من التذكير بأن مواقف الأطراف الثلاثة تشكلها الأوضاع الداخلية بها؛ الأمر الذي يطرح سؤال هذه الورقة حول أثر هذه الحرب على الأوضاع الداخلية لأطراف الحرب؟ فسواء تجددت العمليات العسكرية وامتد الصراع لوقت أطول أم تم التوصل لاتفاق قصير أو طويل الأجل، فإن هذه الحرب ستترك آثارًا عميقة؛ ستحاول هذه الورقة رصد اتجاهاتها باستخدام الجهود النظرية المتراكمة في مجال أثر الحروب على الوضع الداخلي في الدول.

وتنقسم هذه الورقة إلى أربعة أجزاء رئيسية: الأول يلقي نظرة على الأدبيات السابقة والإطار النظري للورقة، والثاني يتناول أثر الحرب على الداخل الأمريكي وانتخابات التجديد النصفي، والثالث يدور حول الداخل الإسرائيلي وانتخابات الكنيست، والرابع حول مستقبل النظام الإيراني؛ بالإضافة إلى خاتمة.

حظيت ظاهرة الحرب باهتمام مركزي من قِبل باحثي العلاقات الدولية على مدار القرنين الأخيرين، وكان هناك تركيز واضح على رصد الأسباب التي تقود إلى الحروب ومنها الأوضاع الداخلية في الدول المتحاربة التي تكون الحروب نتيجة لتطوراتها وضغوطها[5]؛ ومنها على سبيل المثال غزو الدول الرأسمالية الدول النامية في القرن الثامن عشر للحصول على مزيد من المواد الخام والأسواق التي تخدم النظام الرأسمالي[6]. وفي إطار أوسع لفهم قرارات السياسة الخارجية ومن ضمنها قرار الحرب، توصل الباحثون إلى ثلاثة مستويات للتفسير: المستوى الداخلي، إلى جانب مستويي النظام الدولي والفرد القائد. وبهذا استقر البُعد الداخلي ليس فقط بوصفه سببا في القرارات الخارجية ولكن أيضا بوصفه مستوى للتفسير[7].

لكن الالتفات إلى البعد الآخر للعلاقة بين الحرب والأوضاع الداخلية -أي تأثير الحروب على الأوضاع الداخلية للبلاد- استغرق بعض الوقت لتقديم صورة مكتملة للتفاعل بينهما، والتركيز على التأثير المتبادل بين الظاهرتين؛ حيث أشار باحثون إلى ما يعرف بـ”endogeneity” في البحث العلمي؛ أي أن التأثير متبادل بين الحرب والأوضاع الداخلية، بحيث يجب على الباحثين الحذر عند التعامل معهما كمتغير مستقل وآخر تابع، فقد يكون المتغير التابع مفسرًا أيضًا للمتغير المستقل[8].

في هذا الإطار، ظهر عدد من النظريات حول تأثير الحرب على الأوضاع الداخلية؛ الأولى قدمها تشارلز تيلي والمشهورة بنظرية بناء الدولة؛ أي أن الحرب تُنشىء الدول. يقول “تيلي” : “الحرب تُنشىء الدولة، والدولة تُنشىء الحرب[9]“. تمثل هذه المقولة تعبيرا دقيقا عن العلاقة التفاعلية بين الظاهرتين، ويفسرها “تيلي” بأن الحرب تُعد تهديدًا للمجتمع البشري لا يقوى على مواجهته إلا بتنظيمه في شكل دولة بها مؤسسات بيروقراطية تجمع الضرائب وتقيم جيشًا قويا لحماية سكانها[10]. في المقابل، فإن مؤسسات الدولة تحظى بالعديد من الامتيازات التي توحد المجتمع خلفها بسبب تهديد الحرب؛ وهذا ما قد يدفعها في بعض الأحيان إلى استدامة وضع الحرب[11].

في المقابل، قدمت “ثيدا سكوكبول” نظريتها “البنيوية المؤسسية[12]” المعاكِسة تمامًا لنظرية “تيلي”؛ حيث أوضحت أن الحروب قد تضع مؤسسات الدولة تحت ضغوط لا تُحتمل تقود إلى تفكيكها وتدميرها. طبقًا لسكوكبول، فإن الحرب قد تقود إلى فشل مؤسسات الدولة في القيام بمهامها، وتمهيد الأرض من أجل ثورة مجتمعية ضد النظام السياسي القائم[13].

كذلك تعد نظرية “البقاء السياسي” أحد أقرب النظريات لنظرية “تيلي”؛ حيث إنها ترى الأثر الإيجابي للحرب على المجتمع. فهذه النظرية لـ”جميس فارون”[14] ترى أن قرار الحرب من الأساس يكون لدوافع داخلية سياسية لدى متخذه، ومنها القضاء على أي اختلافات وتوحيد المجتمع لمواجهة لحظات التهديد الداخلي، وأنه حتى بعد انتهاء الحروب يكون لها تأثير إيجابي على أي خلافات كانت قائمة[15].

وركز بعض الباحثين على الآثار الاقتصادية المؤسسية للحروب؛ حيث حاول كلٌ من “جون بروير”[16]، و”دوجلاس نورث”[17]، و”باري وينجاست”[18] تقديم بعد غير مرئي لأثر الحرب على المؤسسات الاقتصادية. فذكروا أن المؤسسات الاقتصادية للدول التي تحارب تطور مهارات خاصة للتكيف مع ضغوط الحروب ودعم مجتماعاتها[19].

وأخيرًا، رأى الباحثون أن الحروب تزيد من قبضة الدولة على المجتمع وبالتالي تتراجع الديمقراطية والحريات لصالح الديكتاتورية والعنف. وأشهر من دشن هذا الاتجاه هو “هارولد لاسول”، الذي حذر من تحول الدول الديمقراطية إلى الديكتاتورية بفعل الحرب[20].

يصعب الاعتماد على نظرية واحدة مما سبق عرضه لتفسير تأثير الحرب على الداخل في البلدان الثلاثة محل التناول في هذا التقرير، وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أكبر من كونها حربًا بين طرفين إقليميين (إيران- إسرائيل) وداعم أحدهما العالمي (الولايات المتحدة)، ولكنها حرب على مستقبل الإقليم بالكامل؛ حيث نجد إنها قد امتدت لتطول لبنان وعددًا من دول الخليج العربي. وبذلت السعودية على سبيل المثال جهودًا لعدم امتداد الحرب إلى اليمن، ودخول الحوثيين الحرب إلى جانب ايران لما يحمله ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق باب المندب[21]. وثاني هذه الأسباب هو الاختلافات العميقة بين الداخل الإيراني والإسرائيلي والأمريكي قبل وأثناء وبعد الحرب؛ فعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران كان لدى كل منهما أهداف متعلقة بالداخل بغض النظر عن مدى وجاهتها، وعلى الجانب الآخر أصبح على إيران إدارة الداخل تحت وطأة الحرب. ثالثًا أن ما سبق ترك في البلدان الثلاثة آثارًا بعضها إيجابي وآخر سلبي بدأت تتغير متفاعلة مع سير العمليات العسكرية ووقف إطلاق النار.

بناء على ما سبق، سيتم الاعتماد على إطار نظري مختلف في كل حالة. ففي الحالة الأمريكية، يمكن التركيز على النظريات المتعلقة بأثر الحرب على شعبية الحكومة داخليًا والدعم الشعبي الذي ستحصل عليه. أما في الحالة الإسرائيلية، فإن الإطار النظري يعتمد على النظريات المتعلقة برغبة رأس السلطة التنفيذية بالقضاء على الخلافات الداخلية. وأخيرًا في الحالة الإيرانية، يمكن الاعتماد على إطار نظري يجمع ما بين أثر الحرب على قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على إدارة الداخل والصمود والقيام بوظيفة الدفاع، ومدى تعرضها للتحلل لدرجة الانكسار كما راهنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي ضوء أن سؤال الديمقراطية والحريات كان مطروحًا بقوة قبل الحرب في الداخل الإيراني[22]، فإن نقاش اتجاهات النظام المستقبلية في التعامل مع الداخل يعد أمرًا محوريًا خاصةً مع وجود قيادة جديدة للبلاد تتسم بتوجهات أكثر تشددًا.

عندما قرر الرئيس الأمريكي ضرب إيران في نهاية فبراير 2026، كان تصوره للحرب -كما كشفت تصريحاته اللاحقة- مبنيًّا على أمور منبتة الصلة بالواقع الإيراني؛ حيث إنه كان محاطًا بتفاؤل مصدره النجاح في اختطاف الرئيس الفنزويلي، وتعديل سلوك النظام الفنزويلي لصالح الولايات المتحدة، حتى وإن أصبحت الولايات المتحدة تبيع النفط الفنزويلي وتصادر جزءًا من إيراداته. فهذه العملية لم تواجِه معارضة داخلية أو خارجية تُذكر تحتج بالقانون الدولي وأهمية عدم خلق ممارسات تؤدي إلى تقويض النظام الدولي القائم، بل احتفى أنصار “ترامب” بمقاربته المتفردة والجريئة تجاه فنزويلا[23].

ظنَّ “ترامب” أن إيران مثل “فنزويلا” ستخضع بمجرد قطع رأس النظام الإيراني واغتيال المرشد الأعلى للنظام والقيادة العسكرية والأمنية للبلاد[24]. عزز من هذه الوضعية خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي زار واشنطن واجتمع بالقيادة الأمريكية مدعومًا بخطة من رئيس المخابرات الإسرائيلية تقدِّر أن اغتيال المرشد سيقود إلى انتفاضة شعبية وسقوط نظام الجمهورية الإسلامية[25]، الأمر برمته صادف هوى في نفس “ترامب” لاعتباره انتصارًا ثمينًا بخسائر شبه معدومة طبقًا للسيناريو المأمول. عامل آخر عزز من هذه الوضعية، هو مرور عام على رئاسة “ترامب” دون تحقيق وُعُوده الاقتصادية بتقليل التضخم وزيادة فرص العمل؛ حيث كشفت التقارير الاقتصادية أن فرص العمل في تناقص بعد عام من إدارة “ترامب” وأن التضخم يتزايد[26]، الأمر الذي زاد من رغبة “ترامب” في تحقيق إنجازات أخرى لا سيما بعد تعثر سياساته الاقتصادية المتعلقة بفرض الرسوم الجمركية أمام السلطة القضائية الأمريكية[27].

إذا كان هدف “ترامب” من الحرب على إيران هو تحقيق إنجاز سياسي سريع بأقل تكلفة ممكنة، يمكن تخيل المأزق الذي يواجهه بعد أن طالت الحرب إلى ما يقرب من أربعين يومًا، ثم التوصل إلى وقف إطلاق نار في الثامن من إبريل دون تحقيق الأهداف المرجوة، بل والخروج بأزمات جديدة بعد فرض إيران سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تمر منه 30% من الأسمدة في العالم، و20% من النفط العالمي[28].

في ضوء ما سبق، فإن التركيز على مؤشرات من قبيل استطلاعات الرأي العام والمظاهرات الشعبية ومواقف المعارضة السياسية في الكونجرس والانتخابات المحلية -إن وُجدت- يعد أمرا رئيسيًّا على الصعيد السياسي. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن معدل التضخم وأسعار الطاقة مؤشرات مهمة لأثر الحرب على الداخل الأمريكي، وكيف أثر ذلك في توجهات الرأي العام تجاه دعم الرئيس الأمريكي.

  • الأثر السياسي للحرب على الداخل الأمريكي:

قبل البدء في رصد هذا الأثر طبقًا للمؤشرات سابقة الذكر، لا بد من الإشارة إلى الوضع السياسي السابق على الحرب، والذي يشير بوضوح إلى تراجع الحزب الجمهوري في العديد من الولايات ومن ضمنها الولايات الجمهورية. فبعد أن استطاع السيطرة على الكونجرس والرئاسة في انتخابات عام 2024، شهد الحزب الجمهوري تراجعًا في كل الانتخابات المحلية التي عُقِدت خلال عام 2025، حتى في الانتخابات التي فاز بها فإنه واجه مقاومة قوية من الحزب الديمقراطي، وخسر الانتخابات في ولايات اعتادت على التصويت للجمهوريين؛ مثل منصب عمدة “ميامي” بولاية فلوريدا الذي خسره الجمهوريون بعد ثلاثة عقود من السيطرة عليه، وكذلك مقعد بكونجرس ولاية “أيوا” المعروفة بتوجهاتها الجمهورية، بالإضافة إلى أمثلة عديدة[29]. ورغم ذلك فلا يمكن الجزم بسبب هذا التراجع؛ هل هو سياسات ترامب الاقتصادية، أم توجهات وسياسات إدارته العنيفة تجاه الهجرة. ولكن الثابت أن “ترامب” ذاته شعر بهذا التراجع وحاول فصل ذاته عنه مؤكدًا أن هذه مشكلة تخص الحزب وحده[30]، ثم عاد وحذر الناخبين في يناير الماضي من خطورة خسارة انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس في نوفمبر القادم، وما يمثله ذلك من تهديد له بالعزل[31].

مع بدء الحرب على إيران، وفشل الحسم في الأيام الأولى، خسرت إدارة “ترامب” في تقديم رواية سياسية موحدة للرأي العام حول الحرب؛ حيث إنها كانت تخطط للاحتفال بالنجاح الكبير بشكل لا يتيح مساحة لطرح سؤال: لماذا خاضت الولايات المتحدة هذه الحرب؟ فشلت الإدارة في تبرير الحرب بشكل واضح، مما تسبب في معارضة تجاوزت نصف الأمريكيين للحرب في بدايتها؛ حيث لم تقنعهم حجج تهديد إيران للأمن القومي الأمريكي، وقرب امتلاكها للسلاح النووي[32]. ورغم التزايد التدريجي في معارضة الحرب في استطلاعات الرأي واقترابها من 60%[33]، فإنها لم تتحول إلى معارضة سياسية واضحة على غرار المظاهرات ضد الحرب على العراق، والحرب في فيتنام؛ ويعود ذلك بالأساس إلى غياب الانغماس البري وقلة الخسائر الحربية الأمريكية على صعيد الجنود، مما حدَّ من شعور الكثير من الأمريكيين بالحرب، ونقل معارضتها إلى مستوى النخبة والنقاش السياسي.

ركز النقاش السياسي على أمرين: الأول هو درجة التأثير الإسرائيلي على القرار الأمريكي، الذي وصل إلى مرحلة توريط الولايات المتحدة في حرب إقليمية. فعلى الرغم من أن تطويع السلوك الإيراني مصلحةٌ أمريكيةٌ استراتيجية في الإقليم، فهناك خلاف حول السبيل لتحقيق ذلك. وهذه المسألة تحديدًا طفت للنقاش داخل الحزب الجمهوري وبين أعضاء حركة “ماجا”، ونجم عنها استقالة “جو كنت” مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي برر استقالته بأن الحرب تخرق مبدأ “أمريكا أولا” الذي تعتنقه حركة “ماجا” المؤيدة للرئيس. رأى البعض أن ذلك مؤشر مهم على انشقاقات في الحركة خاصة أن “كنت” لم يكن الوحيد الذي عارض الحرب داخل الحركة وأن آخرين، مثل الإعلامي “توكر كارلسون”، يعارضون الحرب و”ترامب” والنفوذ الصهيوني في عملية صنع واتخاذ القرار الأمريكي[34]. رد “ترامب” بأن نفوذه في الحركة قوي للغاية مشيرًا إلى استطلاعات الرأي داخل الحركة التي تشير إلى دعم وصل إلى 90% في بداية الحرب، ثم زاد إلى 100% لاحقًا[35].

والواقع أن فهم تأثير الحرب على حركة “ماجا” مسألة معقدة للغاية؛ فالحركة أشبه بالطائفة غير الديمقراطية الناشئة في مجتمع ديمقراطي، وبالتالي عند الخلاف من الوارد اتباع أعضاء مثل “كنت” و”كارلسون” آليات المجتمع الديمقراطي في التعبير العلني عن رأيهم، رغم أن الحركة ذاتها بحكم طبيعة تنظيمها ستلجأ إلى حجب خلافاتها الداخلية عن العلن والتعامل مع استطلاعات رأي لمنصة مثل سي إن إن بشكل متحفظ[36]. يوضح ذلك نتيجةُ استطلاع رأي آخر تشير إلى انخفاض عدد المصوتين الأمريكيين الذين يعرِّفون أنفسهم بأنهم أعضاء بحركة ماجا من 30% خلال عام 2025 إلى 27%؛ أي أن هناك عدد من المصوتين خرجوا بهدوء من الحركة. لذلك يجب انتظار انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم لاختبار هذه الحقيقة[37].

والأمر الآخر هو صلاحية الرئيس الأمريكي في خوض الحرب منفردًا دون تخويل من الكونجرس ممثل الشعب، وهي قضية ممتدة لعقود؛ فعلى الرغم من أن الدستور الأمريكي منح الرئيس سلطة التصرف لمواجهة التهديدات لمدة ستين يومًا دون تصريح من الكونجرس، إلا أن سلطة إعلان الحرب تظل لدى الكونجرس. والنقاش حول هذه المسألة يشهد جدلا تاريخيًا بغض النظر عن حزب الرئيس؛ فالرئيس الديمقراطي “باراك أوباما” تعرض للانتقادات من جانب الجمهوريين للمشاركة في حملة الناتو العسكرية على ليبيا عام 2011 دون تصريح من الكونجرس[38]. لذلك دفع الديمقراطيون عدة مرات منذ اندلاع الحرب بمشروع قانون يقيِّد من سلطات ترامب في خوض الحروب، وهو ما تصدى له الجمهوريون على أمل إعطاء الوقت الكافي لإدارة “ترامب” لتحقيق نتائج إيجابية من الحرب، وهذا أيضًا تغير حديثًا بقيام مجلس النواب بتمرير مشروع قانون بأغلبية ضئيلة خلال شهر يونيو ليقيد عودة الرئيس إلى الحرب دون إذن الكونجرس، وهو ما يحتاج موافقة مجلس الشيوخ قبل إرساله إلى الرئيس للتوقيع[39].

عمومًا، يمكن القول إن الأثر السياسي للحرب بقي محدودًا في ظاهره لأنه لم يقُد إلى تحركات جماعية فورية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه لم يخلِّف أثرًا جماهيريًّا أوسع لم يُختبر بعد؛ ومرجِع ذلك هو استطاعة إدارة “ترامب” اتخاذ قرارات من شأنها أن تحد من الأثر الاقتصادي للحرب وتأجيله، ولكن الأثر المستقبلي -كما سيتم التفصيل لاحقًا- سيظل حتميًا.

  • الأثر الاقتصادي للحرب على الداخل الأمريكي:

يمكن وصف الأثر الاقتصادي للحرب على إيران بالمتنامي والتدريجي على المدى المتوسط؛ فقد وصل سعر برميل البترول إلى 115 دولار بعد أن كان يدور حول 73 دولار قبل الحرب، وزاد سعر جالون البنزين على المواطن الأمريكي بنسبة تقترب في المتوسط من 50%، وهو ما يؤدي إلى توقعات بزيادة التضخم في البلاد خلال العام الجاري إلى 4%، بعد أن كانت تشير إلى 2% قبل الحرب. كل ذلك قبل بدء موسم حصاد محاصيل الخريف التي تأثرت زراعتها بأسعار الأسمدة التي قفزت بعد إغلاق المضيق بسبب الحرب؛ حيث تمر 30% من أسمدة العالم منه، الأمر الذى دفع 44 جمعية أمريكية إلى إرسال خطاب إلى ترامب تطالب بدعم فوري وإلا انعكست زيادات الأسعار على المحاصيل نفسها.

من جانبها، اتخذت إدارة “ترامب” عدة إجراءات لتخفيف آثار الحرب الاقتصادية؛ منها استخدام مخزون الولايات المتحدة الاستراتيجي لتقويض الارتفاعات في الأسعار، كذلك رفع العقوبات عن قطاع النفط الروسي، والسماح لإيران ببيع نفطها خلال الفترة من بداية الحرب إلى 13 أبريل، حين أعلنت الولايات المتحدة فرض حصار على إيران لإجبارها على توقيع اتفاق يحقق المصالح الأمريكية. إلى جانب ما سبق، تعمد الرئيس الأمريكي إطلاق تصريحات من حين لآخر -بعضها ليس له أساس من الصحة- لإيهام الأسواق بأن الحرب في طريقها إلى الانتهاء وأن فتح المضيق بات قريبًا[40]. كل هذه الإجراءات حدَّت من آثار الحرب الاقتصادية؛ حيث توقع البعض وصول برميل البترول لسعر المائتي دولار، ولكن هذا لم يحدث بفعل تفاؤل الأسواق بقرب انتهاء الحرب، الذي لم يحدث إلى الآن رغم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي يُختبر يوميًا.

رغم ما سبق، فإن بعض الآثار الاقتصادية ستمتد لفترة أطول، وهي الآثار المتعلقة بتوقع تقييد المرور من المضيق وتحصيل رسوم عليه، وكذلك ارتفاع أسعار الأغذية في موسم الحصاد في الخريف القادم. تدرك إدارة “ترامب” هذه الحقيقة، ولذلك بدأت في تصوير أن هناك قطاعات داخل الولايات المتحدة مستفيدة من الوضع الراهن، ومنها قطاع البترول وكذلك شركات الأسلحة التي حصلت على تعاقدات للمدى المتوسط والبعيد لتعويض مخزون الأسلحة الأمريكية[41].

بالنظر إلى الآثار الاقتصادية والسياسية للحرب بجانب ما كانت عليه الأوضاع ما قبل الحرب على إيران، نستطيع استنتاج أن الحرب خلفت أثرًا سلبيًا واضحًا على حظوظ الحزب الجمهوري في الحفاظ على أغلبيته في غرفتي الكونجرس الأمريكي، لا سيما أنها أغلبية ضئيلة في مجلس النواب (أربعة مقاعد) وكذلك مجلس الشيوخ (ست مقاعد)[42]. وبغض النظر عن الشرخ الذي أحدثته الحرب في حركة “ماجا” وتحديدًا ما يخص شعارها “أمريكا أولا”، وبافتراض أن الحركة ما زالت متماسكة وداعمة لترامب، فهي تمثل حوالي 30% من المسجلين للتصويت في الولايات المتحدة؛ أي أن ترامب يحتاج لبقاء جزء من الديمقراطيين في منازلهم يوم الانتخابات للحفاظ على أغلبية الجمهوريين، وهو ما يصعب تحقيقه في ضوء اتباعه لسياسات جدلية زادت من الاستقطاب في ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية[43]؛ الأمر الذي قد يجعل إسرائيل سببًا في الإطاحة بالجمهوريين في نوفمبر 2026، كما فعلت ذلك بالديمقراطيين في نوفمبر 2024.

 يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر عام 2023 شبح المحاسبة الداخلية للتقصير في حفظ الأمن الإسرائيلي. ولم يجد سبيلا لوقف هذه المحاسبة وتوحيد الداخل سوى الهروب إلى الأمام بخوض كافة المواجهات التي أجلتها إسرائيل مع ما تراه تهديدًا، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو إيران. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن مواجهة إيران تحظى بشعبية كبيرة داخل إسرائيل؛ فبينما فرضت أي مواجهة مع “حزب الله” في لبنان ثمنًا باهظًا على سكان الشمال الإسرائيلي، وأثارت الإبادة في غزة انتقادات دولية وداخلية بسبب عدم احترام قوانين الحروب مما أضر بالصورة الدولية لإسرائيل[44]، فإن تكلفة الحرب على إيران لم تكن معروفة بالنسبة للإسرائيليين، فضلا عن أن الرأي العام رأى أنها الحرب التي يجب على إسرائيل خوضها للقضاء على أي دعم لحزب الله وحماس[45]؛ الأمر الذي جعل من بداية الحرب مع إيران لحظة التفاف وطني حول حكومة يمينية متطرفة. ورأى الكثيرون أن نتنياهو لم ينجح فقط في استهداف إيران للمرة الثانية في أقل من عام، وكذلك في اغتيال قيادات النظام وعلى رأسهم المرشد، بل إن النجاح الأكبر تمثل في إقناع الولايات المتحدة في الدخول إلى الحرب للمرة الثانية خلال ثمانية شهور[46]. كانت هذه هي الأجواء التي أحاطت ببداية الحرب، ولكن الأوضاع اختلفت مع تطوراتها على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية؛ ولرصد هذه التطورات يمكن الاعتماد على مؤشرات مثل استطلاعات الرأي والمظاهرات والتغطية الصحفية، ومعدلات التضخم، والأولويات الاقتصادية.

  • الأثر السياسي والأمني للحرب على الداخل الإسرائيلي:

ساهمت الحرب في توحيد الجبهة الداخلية والالتفاف حول رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ حيث تم وقف نقاش قانون منع تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين) مبدئيًا في الكنيست الإسرائيلي، وكذلك توقفت جلسات التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن قضايا الفساد. انعكست هذه الإجراءات الرسمية في استطلاعات رأي مؤيدة للحرب وصلت إلى 81% خلال أسبوعها الأول وبلغت بين اليهود أكثر من 90%، بينما أيدتها نسبة ضئيلة من العرب (تتراوح بين 26% و35%)[47]. ويرى الإسرائيلون أن هذا الدعم لم يكن موجهًا إلى رئيس الوزراء بقدر ما كان تعبيرًا عن الثقة في جيش الدفاع، استفاد منه رئيس الوزراء. بعبارة أخرى، فإن نظرية الالتفاف حول العَلَم سيطرت على المشهد الإسرائيلي بداية الحرب.

تغير الأمر بسبب الرد الإيراني غير المتوقَّع؛ حيث استطاعت إيران امتصاص الضربة الأولى والرد، بالإضافة إلى دخول حزب الله على خط المواجهة بعد أسبوع واحد من بدء الحرب وبقدرات أعلى مما توقعته إسرائيل، بشكل أثار أسئلة حول مدى صحة ما روجت له إسرائيل من القضاء على قدرات “حزب الله” منذ اغتيال أمينه العام “حسن نصر الله”[48]. وهنا تظهر فجوة المعلومات والبيانات، فعلى الرغم من وجود بعض البيانات عن ما ألحقته إيران من أضرار بإسرائيل، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج عملت على السيطرة على المعلومات الصادرة بشأن هذه الحرب؛ فالمعلن فقط أن الحرب أدت إلى مقتل 26 جنديا وعسكريا إسرائيليا وإصابة ما يقرب من 7,790 عنصر ما بين مدني وعسكري[49]. إلى جانب الدمار الكبير الذي أصاب عددًا من المنشآت الاستراتيجية والمدنية ووصل إلى التهديد بضرب المنشآت النووية الإسرائيلية. كل ذلك انعكس بوضوح على عدم الرضا عن إدارة الحرب من المستوى السياسي؛ حيث عبر 63% من الإسرائيليين عن أن الحرب صارت أسوء مما توقعوا، ورأى 59% أن إنهاءها على الوضع القائم لا يتوافق مع المصالح الأمنية الإسرائيلية[50].

انعكست تلك الإحصائيات على الوضع السياسي بمجرد التوصل لوقف إطلاق نار في الثامن أبريل؛ بعودة الجدل حول قانون تجنيد “الحريديم” والتحقيقات مع رئيس الوزراء مرة أخرى[51]، بالإضافة إلى ازدياد غضب سكان الشمال بسبب هجمات “حزب الله”، فعلى الرغم من التوسع الإسرائيلي في غزو الأراضي اللبنانية إلا أن ذلك لم يضمن الأمن لسكان الشمال حتى الآن.

على الصعيد الأمني، تكشف التغطية الإعلامية الإسرائيلية الجدل حول مسألتين رئيسيتين؛ الأولى الاعتمادية على الولايات المتحدة وحدود القدرات الإسرائيلية، فإسرائيل لم تستطع مواجهة إيران دون الدعم الأمريكي على الصعيدين السياسي والعسكري، خاصة على مستوى إمدادها بالأسلحة المتطورة وأنظمة الدفاع الجوي القادرة على التعامل مع الصواريخ والمُسيَّرات الإيرانية. امتد هذا النقاش من إسرائيل إلى الولايات المتحدة في ضوء التفاوض في الأخيرة على مذكرة تفاهم جديدة لتقديم المساعدات إلى إسرائيل لمدة عشر سنوات؛ حيث توجد العديد من الأصوات الأمريكية -أغلبها في يسار الحزب الديمقراطي- تطالب بوقف تقديم المساعدات إلى إسرائيل لأسباب كثيرة منها انتهاك القانون الأمريكي الذي يمنع تقديم المساعدات إلى أنظمة متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان[52]، ولكن السبب الأكثر شيوعًا هو تزايد التضخم في البلاد وحاجة المواطن الأمريكي إلى الدعم؛ لذلك يطالب البعض بوقف المساعدات إلى إسرائيل من منطلق “أمريكا أولا” وهو شعار حركة “ماجا”[53].

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يهدف إلى إنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية من خلال تحويل المساعدات إلى برامج تعاون واستثمار[54]. وسرعان ما اتضح أن مشرعي الكونجرس يودون تفكيك المساعدات الأمريكية العسكرية إلى إسرائيل من كتلة مالية واحدة إلى عدة مكونات وصهرها ضمن قانون الاعتمادات الوطنية الدفاعية NDAA، وهو ما يعني عدم وقف تلك المساعدات أو تقليلها ولكن إخفائها[55]. وبعيدًا عن كل هذه التفاصيل، فإن مسألة الاعتمادية على الولايات المتحدة تثير الفجوة بين حدود القدرات الإسرائيلية وطموح رئيس الوزراء المعلن بالهيمنة وإعادة رسم شرق أوسط جديد، في وقت يعجز عن مواجهة منافسه الرئيسي في الإقليم دون دعم أمريكي.

في ذات السياق، فإن مسألة حدود القدرات الإسرائيلية نالت حظًا كبيرًا من النقاش؛ فعند مقارنة حجم الدمار وعدد القتلى في إيران مقارنة بإسرائيل نجد أن إسرائيل دمرت ثلث القدرة الصاروخية الإيرانية، وقضت على ما يقرب من 155 قطعة بحرية مقاتلة، إلى جانب القتلى من العسكريين والمدنيين خاصةً على المستوى القيادي[56]. إلا أن النظام الإيراني رأى الحرب من منظور التهديد الوجودي؛ فلم يكن لديه خيار سوى تحمل الضربات الأمريكية-الإسرائيلية. بينما تساءل الإسرائيليون عن قدرات بلادهم على الردع والدفاع بعد نجاح القدرات الصاروخية الإيرانية في اختراق الدفاعات الإسرائيلية والأمريكية على السواء[57]؛ وعلى الرغم من ندرة المعلومات عن المبانى التي تم تدميرها، ولكن الأرقام المعلنة تشير إلى 26 وفاة وأكثر من 7900 إصابة.

إجمالا يمكن القول إن الداخل الإسرائيلي الذي بدا ملتفًّا حول قيادته في مطلع الحرب، لم يتحمل حجم الأضرار السريعة التي ألحقتها إيران به، ولكنه قرر أن يلقي اللوم على المستوى السياسي في البلاد مع تجنب لوم المؤسسة العسكرية، على الرغم من النقاش حول حدود القدرة الإسرائيلية الدفاعية والعلاقة الاعتمادية على الولايات المتحدة.

  • الأثر الاقتصادي للحرب على الداخل الإسرائيلي:

لم تمثل إسرائيل استثناءً فيما يتعلق بأثر الحروب على اقتصاد الدول المتحاربة؛ حيث تكشف المؤشرات الكلية والجزئية للاقتصاد الإسرائيلي عن أثر سلبي للحرب، شعر به ساكنو الكيان الإسرائيلي بشكل فوري، وأثر ذلك على رؤيتهم للحرب وإدارة الحكومة الإسرائيلية. ورغم ذلك يظل الأداء الإجمالي للاقتصاد الإسرائيلي إيجابيا خلال هذا العام حتى مع استمرار المواجهات مع حزب الله، ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين: الأول هو هيكل الاقتصاد الإسرائيلي المقاوم للصدمات، والثاني هو حجم الدعم والمساعدات الخارجية التي تحصل عليها إسرائيل.

على صعيد الإحصائيات الاقتصادية فقد ازداد التضخم في إسرائيل بعد الحرب من 1.8% إلى 1.9%[58]، وكذلك انخفضت توقعات نمو الاقتصاد من 5% إلى 3%. وعلى صعيد المؤشرات الجزئية، نجد تراجعًا في الإنفاق الفردي بسبب الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل بنسبة 4%. وكذلك تراجع نصيب الفرد من الناتج القومي بنسبة 4%[59]. أثرت الحرب على مختلف القطاعات الاقتصادية شأن دول المنطقة، من غياب الاستقرار وهروب بعض الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع أسعار الطاقة، وغياب الأمن وبالتالي توقف قطاعات السياحة والترفيه. وبالتالي يمكن القول إن الاقتصاد الإسرائيلي تأثر سلبًا بالحرب، ولكن مؤشراته ما زالت بالإيجاب رغم كل التحديات. والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى هيكل الاقتصاد الإسرائيلي القائم في جزء كبير منه على قطاع التكنولوجيا، الذي لم يتأثر بإغلاق مضيق هرمز وتوقف سلاسل الإمداد. هذا بالإضافة إلى الحفاظ على الديْن العام في معدل آمن تحت 70%[60]، والسيطرة على معدلات التضخم على مدار عقود بحيث لا يزيد عن 3%[61].

السبب الثاني هو حجم المساعدات الخارجية التي تحصل عليها إسرائيل لأسباب سياسية ودينية من حكومات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، أو حتى على المستوى المحلي والولايات داخل الولايات المتحدة، إلى جانب الجاليات اليهودية حول العالم، والتي تدعم إسرائيل لأسباب ليس لها علاقة بالاقتصاد. والدعم هنا لا يتوقف على الدعم الاقتصادي ولكن أيضًا الدعم العسكري الذي يقلل من عبء الإنفاق العسكري على عاتق الحكومة[62]، وكذلك تقديم تسهيلات مالية مثل ضمانات قروض تمكن الحكومة الإسرائيلية من الاستدانة من الأسواق بأسعار فائدة منخفضة.

لكن تظل أكبر خسائر إسرائيل هي انهيار نموذج واحة الاستثمار الذكي، الذي طالما روجت له إسرائيل. فمنذ عام 2006، تمتعت إسرائيل داخليًا بقدر من الاستقرار الأمني دفعت الحكومة لتقديم البلد كنموذج جاذب للاستثمار والأيدي العاملة الماهرة خاصة في قطاعات التكنولوجيا. ولكن هذا النموذج انهار في السابع من أكتوبر؛ حيث أصبحت إسرائيل في حالة حرب دائمة، وبالتالي أصبح اقتصادها في حالة إعادة تشكل[63].

كل الآثار السياسية والأمنية والاقتصادية للحرب على الداخل الإسرائيلي تهدد بوضوح فرص رئيس الوزراء الحالى في إعادة انتخابه في الانتخابات البرلمانية القادمة في أكتوبر القادم. ولكن الخبرة أثبتت أن “نتنياهو” لديه القدرة على تحمل هذه الصدمات وعقد الصفقات والتوازنات بما يمكِّنه من الاستمرار وتحصين نفسه من قضايا الفساد ومسئولية الفشل في السابع من أكتوبر. ولكن جزء كبير من هذه القدرة ستحدده نتيجة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الجارية وكذلك القتال على الجبهة اللبنانية.

على عكس ما روجت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأسابيع الأولى للحرب، فإن الداخل الإيراني اتجه إلى الالتفاف حول العَلَم والدولة ولو مؤقتا في مواجهة عدوان خارجي ضرب خلال أيامه الأولى مدرسة ابتدائية فخلَّف قتلى من الأطفال والمُعلِّمين[64]. افترضت النظرية التي قالت إن الحروب تقود إلى الالتفاف حول العلم أن الحكومات تهرب من أزماتها الداخلية باختلاق مشاكل خارجية، وفي الحالة الإيرانية فإنها كانت تواجه أزمة داخلية قادت إلى مظاهرات واسعة تم السيطرة عليها أمنيًا خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025[65]، ثم جاء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي بعد توعد أمريكي واضح بدعم المتظاهرين والتدخل العسكري ثم التراجع عن ذلك بعد وقف بعض الإعدامات من النظام الإيراني بادعاء أمريكي أنه تم إيقافها بسبب تهديدات الرئيس “ترامب”[66]. وكان الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الذي تبنى إعلاميًا مقولة تغيير النظام ودعم المعارضة المسلحة[67]، دعمًا لرواية النظام الإيراني الذي اتهم المعارضة بالعمل لصالح الخارج، مما قاد إلى الالتفاف حول العلَم والتأجيل المؤقت للتعامل مع أزمة النظام الداخلية.

كما يستدعي أثر الحرب على الداخل الإيراني نظريةَ مستقبل الديمقراطية وأزمة النظام الهيكلية أكثر من أي نظرية أخرى؛ فقد صمد النظام ولم ينكسر إلى الآن، ولكن يبدو جليًا حتى في تصريحات المتظاهرين أن أثر الالتفاف حول العلم مؤقت ومرهون بنهاية الحرب[68]. وعليه سيتم النظر في عدة مؤشرات سياسية واقتصادية وأمنية؛ منها التظاهرات السياسية، والسيطرة على الإعلام، وتوجهات رأس النظام الجديدة، والأوضاع الاقتصادية أثناء الحرب والمتوقع بعدها.

  • الأثر السياسي والأمني للحرب على الداخل الإيراني:

يمكن القول إن الحرب خلَّفت ثلاثة آثار سياسية وأمنية رئيسية في الداخل الإيراني؛ وهي تأجيل تفاقم أزمة النظام الداخلية، والتفاف مؤقت للداخل الإيراني حول العلم، وأخيرًا صعود نخبة أكثر تشددًا من الحرس الثوري وإحكام سيطرتها على المجتمع. كان اندلاع الحرب بمثابة طوق نجاة سياسي لنظام الجمهورية الإسلامية الذي ما لبث أن روج لكون المظاهرات التي شاعت في البلاد نهاية عام 2025 بمثابة مؤامرة يديرها الخارج[69]، خاصةً أن الأيام الأولى للحرب شهدت استهداف مدرسة ابتدائية وقتل طلبة، بالإضافة إلى ما لحق ذلك من استهداف بنى تحتية مدنية وأمنية لإفقاد النظام السيطرة على الشارع؛ قاد ذلك إلى الالتفاف والتماسك لدعم القيادة الجديدة، خاصةً بعد اغتيال المرجعية الدينية الأولى في البلاد؛ ولكن تصريحات المتظاهرين ضد الحرب كانت واضحة في أنهم يدعمون القيادة إلى حين انقضاء الحرب ومواجهة الخطر[70].

ما سبق لا يستطيع تخطي حقيقة أن الحرب طرحت أسئلة جوهرية على المناصرين للنظام في ظل الانكشاف الأمني الواضح الذي ضاعف من خسائر النظام على المستوى القيادي، وكذلك استباحة المجال الجوي للبلاد في الأيام الأولى من الحرب، مما جعل من سقوط النظام هو الاحتمال الأقرب، وأن صموده اللاحق مثَّل مفاجأة بكل المقاييس. الأمر الذي طرح سؤالا على مناصري النظام الذين يدعمون توجهاته في معارضة الهيمنة الإقليمية للولايات المتحدة وإسرائيل حول كفاءة النظام في حماية البلاد بعد كل هذه السنوات من تحمل العقوبات الدولية والظروف الاقتصادية القاسية للبلاد، وهل تبني السياسيات الإقليمية السابقة وبناء التحالفات مع الكيانات من دون الدول كان ناجحًا في بناء نظام ردع دولي وإقليمي؛ والإجابة كانت بالسلب.

يدفع الأثران السابقان في اتجاه الإصلاح والتعامل بجدية مع أزمة النظام الداخلية بعد الحرب، ولكن يناقض ذلك الأثرُ الثالثُ الذي قاد نحو تصعيد نخبة جديدة من الحرس الثوري أشد تمسكًا برؤيتها السياسية وترفض تقديم أي تنازلات داخلية أو خارجية، وترى أن ما أنجزته على صعيد الحرب يمدها بالمزيد من الشرعية التي تمكنها من فرض رؤيتها بالمستقبل، وعدم الاستجابة لأية طلبات مستقبلية[71]. ورغم ذلك فإن القيادة الجديدة تدرك أن إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية ورفع العقوبات الاقتصادية هو المفتاح الرئيسي للحصول على الشرعية المطلوبة؛ لذلك فإنها حريصة للغاية في المفاوضات مع الولايات المتحدة على رفع هذه العقوبات.

عمومًا يمكن القول إنه ما إذا نجح النظام في رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد، فإن الحرب ستكون قد خلَّفت أثرًا سياسيًا متناقضًا؛ فمن ناحية تكون عمَّقت أزمة النظام خاصةً على الصعيد الأمني مما يستدعي إصلاحًا فوريًا، ولكنها في ذات الوقت صعَّدت نخبة أكثر تشددًا أقصى ما يمكن أن تقدمه هو الدعم الاقتصادي للمجتمع.

  • الأثر الاقتصادي للحرب على الداخل الإيراني:

بدا الأثر الاقتصادي للحرب كبيرًا على الداخل الإيراني، ولذلك سببين أساسيين الأول يتعلق بمعاناة الاقتصاد الإيراني بشكل دائم على مدار عقود من العقوبات الدولية والأمريكية، والتي تم تعزيزها بعد عودة إدارة ترامب إلى السلطة في يناير 2025 من خلال اتباع استراتيجية الضغط الاقتصادي الأقصى[72]. والسبب الثاني هو استهداف العدوان الأمريكي-الإسرائيلي للبنية التحتية للطاقة في إيران من خلال استهداف مجمع غاز جنوب “البرس” المسئول عن إنتاج 50% من الغاز الإيراني، والذي يحتاج إصلاحات تقدَّر بقيمة 91 مليار دولار[73]. وتشير المؤشرات الكلية والجزئية إلى أن الأثر الاقتصادي للحرب كان عنيفًا على المواطن الإيراني؛ فعلى سبيل المثال نجد أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 6% حتى الآن خلال عام 2026، وأن التضخم قفز من 60% من قبل الحرب إلى 68%[74]. كذلك فإن إدارة النظام الإيراني تمرر العبء الاقتصادي إلى كاهل المواطن مباشرة مستغلة حالة الحرب؛ حيث شهدت أسعار الطاقة قفزة كبيرة باتت هي المسئولة عن الجزء الأكبر من قفزة التضخم.

رغم الأرقام السابقة إلا أنه شاعت قراءات المتناقضة عن الأثر الاقتصادي للحرب. روجت بعض التقارير إلى أن الحرب منحت إيران تعليقًا مؤقتًا للعقوبات على شراء النفط الإيراني من 20 مارس إلى 13 أبريل لتسمح بدخول 140 مليون برميل من النفط الإيراني إلى السوق العالمي، وبالتالي يزيد العرض من النفط ويقل سعر البرميل عن 100 دولار[75]، وهي خطوة أمريكية كانت محسوبة نجحت بالفعل في السيطرة على سعر النفط خلال هذه الآونة. كذلك أشارت بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة سمحت للسفن الصينية بالإبحار إلى الموانىء الإيرانية على الرغم من الحصار المفروض عليها منذ 13 أبريل، بينما تشير الإحصائيات إلى أن التجارة بين الصين وإيران انخفضت إلى الخُمس عن ما قبل الحرب لتصبح 400 مليون دولار[76].

إجمالا؛ فإن الخسائر الاقتصادي الإيرانية جراء الحرب بلغت ما يقرب من 140 مليار دولار، ثلثيها متعلق بالبنية التحتية للطاقة في إيران[77]. ويمكن القول إن الحرب كما تسببت في المزيد من سيطرة المحافظين على السياسة والأمن فإنها بررت الأمر نفسه في الاقتصاد، ونقلت أعباء الحرب الثقيلة إلى كاهل المواطن، مما يهدد مستقبلا بسخط مجتمعي وتمردات إذا ما استمر النظام دون أفق سياسي واقتصادي لحل أزمته الداخلية المتفاقمة. ولا يعبر عن فهم النظام لذلك أكثرُ من حرصه على رفع العقوبات الاقتصادية وتحريك الأصول المجمدة في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة.

على الرغم من أن الآثار الداخلية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران اختلفت من حالة إلى أخرى، إلا أنها وضعت الحكومات في البلدان الثلاثة في اختبارات صعبة يُعد أصعبها في طهران؛ فالحرب ضغطت على العديد من مَواطن الضعف والأزمات الداخلية؛ وأهمها سؤال جدوى استمرار السياسيات الحالية بعد انهيار نظام الردع الذي استثمرت فيه إيران لسنوات، وتفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل ضاغط على المواطن الإيراني. أما في إسرائيل فالحرب وفَّرت فرصة لخصوم رئيس الوزراء لمحاولة التخلص منه في الخريف القادم، لا سيما إذا قادت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية إلى اتفاق يحترم مصالح النظام الإيراني. وأخيرًا، فإن الرئيس الأمريكي يواجه تهديدًا حقيقيًّا لمحاولات عزل جادة تتعلل بحالته الصحية وخروجه على القانون والدستور وشبهات بالفساد، إذا ما فقد الحزب الجمهوري الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس. الأمر الذي يعد طبيعيًا في حالة الحرب الإيرانية بعد أن فشل كل طرف في تحقيق كل أهدافه، ولكن يظل بقاء النظام الإيراني في حد ذاته إنجازًا لصالحه، وإخفاقًا استراتيجيًّا لأعدائه.

لكن بالنظر إلى المستقبل، فمن غير المتوقع التوصل لاتفاق نهائي ينهي الخلاف الأمريكي-الإيراني استراتيجيًا، خاصةً أن النخبة الإيرانية ترى نفسها منتصرة، وبالتالي فإنها تدفع الولايات المتحدة نحو قبول كافة شروطها في مقابل تقديم تنازلات في قضية التخصيب النووي التي شهدت تاريخيا ترددًا إيرانيًا بشأن قرار امتلاك سلاح نووي. في المقابل، فإن النظام الإيراني يواجه تحديًّا حقيقيًّا من داخله ليس فقط من معارضيه ولكن أيضًا من داعميه بشأن جدوى سياساته الإقليمية؛ وهناك صعوبة كبيرة في أن يكتفي الداخل الإيراني بأي مكافآت اقتصادية تغني عن النقاش السياسي لمستقبل البلاد.

في الحالة الأمريكية، فإن خسارة الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي تبدو حتمية في ظل المعطيات الحالية التي قادت إلى تآكل شرعية ترامب شخصيًا. ولكن الأهم لمستقبل منطقتنا هو التوتر المتصاعد مع ممثل حركة ماجا في الإدارة “جي دي فانس” والمرشح المنتظر للجمهوريين في انتخابات 2028، الأمر الذي يشير إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لن يختفي ولكنه في تناقص.

وأخيرًا، فإنه مع التسليم بالموقف السيء الذي يواجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإنه يستحيل توقع مستقبله بالنظر إلى مسيرته السياسية منذ طوفان الأقصى؛ فقد استطاع الخروج من مأزقه السياسي والجنائي أكثر من مرة بتوظيف الحروب الإقليمية للهروب من الأوضاع الداخلية. وبالتالي فإن رغبة الولايات المتحدة في إنهاء الحرب مع إيران، ليس بالضرورة خبرًا سارًّا للإقليم؛ حيث ستزداد خطورة “نتنياهو” على الإقليم عمومًا وعلى غزة ولبنان بشكل خاص.


المراجع

محاضر العلاقات الدولية بمركز دراسات الصراع والسلام بجامعة بول ستيت بولاية إنديانا في الولايات المتحدة.

[1] Mark Mazzetti et al., How Trump Decided to Go to Warm, The New York Times, March 2, 2026, available at: https://h1.nu/1yxkt

[2] Annika Ganzeveld and Nicholas Carl, “Iran Update Special Report: US and Israeli Strikes, February 28, 2026,” Institute for the Study of War, March 1, 2026, available at: https://h1.nu/1yxkN

[3] Niccolo Machiavelli, History of Florence (S.l.: Outlook Verlag, 2023).

[4] Nathalie Tocci, How Can Europe Shape the Iran War’s Aftermath? Brookings, May 20, 2026, available at: https://h1.nu/1t0QA

[5] Jack S. Levy, The Causes of War and the Conditions of Peace, Annual Review of Political Science 1, no. 1, June 1998, p. 139-65.

[6] Yale R. Magrass and Charles Derber, Glorious Causes: The Irrationality of Capitalism, War and Politics, (New York: Routledge, 2019).

[7] Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics, (Long Grove, Ill: Waveland Press, 2010).

[8] Charles Tilly, Coercion, Capital and European States, AD 990 – 1990, (Cambridge (Mass.) u.a: Blackwell, 1990).

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] Ibid.

[12] Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China, (Cambridge: Cambridge University Press, 2016).

[13] Ibid.

[14] James D. Fearon, “Rationalist Explanations for War,” International Organization 49, no. 3, 1995, p. 379-414.

[15] Richard Ned Lebow, “Miscalculation in the South Atlantic: The Origins of the Falkland War,” Journal of Strategic Studies 6, no. 1, March 1983, p. 5-35.

[16] N.A.M. Rodger, “War as an Economic Activity in the ‘Long’ Eighteenth Century,” International Journal of Maritime History 22, no. 2, December 2010, p. 1-18.

[17] Douglass North, Institutions and Economic Growth: A Historical Introduction, in: Jeffry A.Frieden, David A.Lake, International Political Economy: Perspectives On Global Power And Wealth, (London and New York: Routledge, 4th ed., 2000).

[18] Robert H. Bates et al., Analytic Narratives, (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2020).

[19] Patrick K. O’Brien and Nuno Palma, “Not an Ordinary Bank but a Great Engine of State: The Bank of England and the British Economy, 1694-1844,” The Economic History Review 76, no. 1, September 2, 2022, p. 305-29.

[20] Jay Stanley, “Harold Lasswell and the Idea of the Garrison State,” Society 33, no. 6, September 1996, p. 46-52.

[21] Jerusalem Post Staff, “Saudi Arabia Working to Keep Houthis out of Iran War,” The Jerusalem Post, March 23, 2026, available at: https://h1.nu/1yxlz

[22] Ali Alfoneh, “Iran’s 2025-26 Protests in Perspective,” AGSI, March 2, 2026, available at: https://h1.nu/1yxlS

[23] Tom Phillips, “Trump ‘reaping Bitter Fruit’ of Thinking Iran Intervention as Easy as Venezuela, Says Former Diplomat,” The Guardian, April 10, 2026, available at: https://h1.nu/1yxlZ

[24] Ibid.

[25] Mark Mazzetti et al., Op. Cit.

[26] Kennedy Andara, Amina Khalique, and Natalie Baker, “A Year in Review: How the Trump Administration’s Economic Policies Made Life Less Affordable for Americans,” Center for American Progress, February 23, 2026, available at: https://h1.nu/1yxm9

[27] Kimberly Clausing and Maurice Obstfeld, “What the Supreme Court’s Tariff Ruling Changes, and What It Doesn’t,” The Peterson Institute for International Economics (PIIE), February 23, 2026, available at: https://h1.nu/1t0RV

[28] Ahmed Nabil, “Populism and Self-Sabotage: Beyond the Weaponization of the Hormuz Strait,” THE PUNDIT, April 19, 2026, available at: https://h1.nu/1yxmt

[29] Julia Manchester, Republi cans Spooked by String of Disappointing Elections, The Hill, December 12, 2025, available at: https://h1.nu/1yxnZ

[30] Aaron Pellish, Dasha Burns, and Alec Hernandez, “Trump and Republicans Admonish Others for Their Election Losses,” Politico, November 5, 2025, available at: https://h1.nu/1yxo2

[31] Michelle Stoddart, “Trump Warns Republicans They Have to Win Midterms or He’ll ‘Get Impeached,’” ABC News, January 6, 2026, available at: https://h1.nu/1yxod

[32] Matt Loffman, “Majority of Americans Oppose Military Action in Iran, New Poll Finds,” PBS, March 6, 2026, available at: https://h1.nu/1yxop

[33] Dana Blanton, “Fox News Poll: As Economic Pain Deepens, Disapproval of Trump Hits New High,” Fox News, May 20, 2026, available at: https://h1.nu/1t0U6

[34] Joseph Kent, “Resignation Letter from National Counterterrorism Center Director Joseph Kent,” The American Presidency Project, March 17, 2026, available at: https://h1.nu/1yxpl

[35] Daniel Dale, “Fact Check: No, Trump Doesn’t Have a 100% Approval Rating among Republicans | CNN Politics,” CNN, May 6, 2026, available at: https://h1.nu/1yxpC

[36] أحمد نبيل، خطاب ترامب وانتخابات التجديد النصفي: الوجه الداخلي للحرب، مركز ايجيبشن انتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية، 5 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://h1.nu/1t0Vl

[37] William A. Galston and Elaine Kamarck, “Maga Republicans Won the Party but May Lose the Future,” Brookings, June 4, 2026, available at: https://h1.nu/1yxpT

[38] BBC, “White House: US ‘Can Act in Libya without Congress,’” BBC News, June 15, 2011, available at: https://h1.nu/1yxq1

[39] Jesse Weinberg, “House War Powers Resolution Passes in Symbolic Vote against Trump,” INSS, June 7, 2026, available at: https://h1.nu/1yxq4

[40] Aimee Picchi, Megan Cerullo, and Mary Cunningham, “Here’s What the Trump Administration Is Doing to Lower Oil and Gas Prices. Is It Working?,” CBS News, March 20, 2026, available at: https://h1.nu/1yxqb

[41] Archie Mitchell, “The Companies Making Billions from the Iran War,” BBC News, May 8, 2026, available at: https://h1.nu/1t0VZ

[42] أحمد نبيل، خطاب ترامب وانتخابات التجديد النصفي، مرجع سابق.

[43] المرجع السابق.

[44] أحمد نبيل، الاستراتيجية الإسرائيلية في فلسطين عبر عام ثانٍ من العدوان: مكوناتها وخصائصها، قضايا ونظرات، العدد 39، أكتوبر 2025، متاح على الرابط التالي: https://h1.nu/1sgOD، ص 42 – 53.

[45] Mora Deitch et al., “The Israeli Public and the Campaign against Iran: Survey Results – June 2025,” INSS, June 22, 2025, available at: https://h1.nu/1t0We

[46] Tamar Hermann, “A Majority of Jewish Israelis Believe That the Iran War Goals Are Attainable; Majority of Arab Israelis Believe They Are Not,” The Israel Democracy Institute, March 12, 2026, available at: https://en.idi.org.il/articles/63704

[47] Ibid.

[48] Clionadh Raleigh, “Raleigh Report – March 2026,” ACLED, May 29, 2026, available at: https://h1.nu/1yxri

[49] Zeynep Dierks, “Number of Casualties during the U.S.-Israel Attacks on Iran by Country 2026,” Statista, May 28, 2026, available at: https://h1.nu/1yxrn

[50] Times of Israel Staff, “Israelis Upset by Iran Ceasefire, Pessimistic about War’s Outcome, Poll Shows | The Times of Israel,” Times of Israel, April 17, 2026, available at: https://h1.nu/1yxrK

[51] Ariela Karmel, “Contentious Proposals Dominate Planned Legislative Blitz as Knesset Readies to Resume | The Times of Israel,” Times of Israel, May 7, 2026, available at: https://h1.nu/1yxs1

[52] Nathalie Allison, Netanyahu Backs Republican Effort to End U.S. Military Aid to Israel – The Washington Post, Washington Post, June 3, 2026, available at: https://h1.nu/1t0XH

[53] Baba Umar, “TRT World – Maga Circles Slam Trump for Joining ‘Israel’s War’ on Iran, but US Leader Retorts ‘Maga Is Trump,’ TRT World – Breaking News, Live Coverage, Opinions and Videos, March 4, 2026, available at: https://h1.nu/1yxsh

[54] Nathalie Allison, Op. Cit.

[55] Austin Campbell, “Congress Is Trying to Permanently Integrate U.S. and Israeli Defense Tech,” The Intercept, June 8, 2026, available at: https://h1.nu/1t0XW

[56] Chandrashekar Srinivasan, “Trump’s Iran ‘knocked out’ Claim Blown up by US Intel on Missiles, Drones,” NDTV, April 3, 2026, available at: https://h1.nu/1t0Y4

[57] Marc Lynch, “Why Israel’s Post-Oct. 7 Security Doctrine Has Failed,” Foreign Policy, 15 April 2026, available at: https://h1.nu/1yxsA

[58] Steven Scheer, “Israel Inflation Eases to 1.9% but Unlikely to Entice Rate Cut amid Iran Conflict,” Reuters, April 15, 2026, available at: https://h1.nu/1yxsF

[59] Steven Scheer, “Israel’s Economy Shrinks in First Quarter but Seen Rebounding after Iran War,” Reuters, 17 May 2026, available at: https://h1.nu/1yxtC

[60] Asaf Zagrizak, “Bank of Israel Slams Amended Gov’t Budget,” The Jerusalem Post, 12 March 2026, available at: https://h1.nu/1t0Zr

[61] Steven Scheer, Op. Cit.

[62] Robert Tait, “Which Countries Supply Israel with Arms and Why Is Biden Reluctant to Stop?,” The Guardian, April 9, 2024, available at: https://h1.nu/1yxu4

[63] Tomer Fadlon, Esteban Klor, and Ofer Shelah, “Implications of Continuing the War on Israel’s Economy-Three Scenarios,” INSS, August 19, 2024, available at: https://h1.nu/1yxu9

[64] Babak Dehghanpisheh and Marin Scott, “Iranians Grieving over School Missile Strike Express Rage at U.S., Trump,” NBCNews.com, March 24, 2026, available at: https://h1.nu/1yxuo

[65] Amnesty International, “What Happened at the Protests in Iran?,” Amnesty International, January 26, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-5

[66] Bridget Brown et al., “Trump Thanks Iran for Halting Executions as Allies Discourage Us from Striking,” AP News, January 16, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-n

[67] Alex Vatanka, “Why Iran’s Militant Kurds Stayed out of the US-Iran War – Middle East Institute,” Middle East Institute, March 31, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-s

[68] Kelly Shannon, “Don’t Overlook How Ordinary Iranians View the War,” Atlantic Council, April 8, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-v

[69] Simon Cordall, “Iran Accuses Foreign Intelligence of Being behind Protest Movement,” Al Jazeera, January 14, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-A

[70] Kelly Shannon, Op. Cit.

[71] Elisa Ewers and Ariane Tabatabai, “How the Iran War Confirmed, Contradicted, and Complicated U.S. Policy,” Council on Foreign Relations, April 15, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-H

[72] The White House, “Fact Sheet: President Donald J. Trump Restores Maximum Pressure on Iran,” The White House, February 5, 2025, available at: https://h1.nu/1t0-K

[73] Global LNG Hub, “South Pars Strike Exposes Structural Fragility in Global Gas and LNG Markets: Global LNG Hub”, March 19, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-T

[74] Anniek Bao and Holly Ellyatt, “These Charts Show How Iran’s Economy Is in Freefall,” CNBC, April 23, 2026, available at: https://h1.nu/1t0-X

[75] Roxanna Vigil, “Trump Gambled by Easing Oil Sanctions on Iran and Russia. Will It Pay Off?,” Council on Foreign Relations, April 3, 2026, available at: https://h1.nu/1yxvz

[76] Dalga Khatinoglu, “Iran’s Services Imports Surge as Goods Trade Slumps,” Iran International, June 5, 2026, available at: https://www.iranintl.com/en/202606044637.

[77] Maariv Online, “Iran Estimates War Losses at up to $145 Billion after Weeks of Fighting, The Jerusalem Post, April 9, 2026, available at: https://h1.nu/1yxvG

نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026

د. أحمد نبيل صادق

محاضر العلاقات الدولية بمركز دراسات الصراع والسلام بجامعة بول ستيت بولاية إنديانا في الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى