آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلامي

الإسلام في أفريقيا من الإرث الاستعماري إلى تحديات العولمة

مقدمة:

يعد الإسلام أحد المكونات الرئيسية للموروث الحضاري الأفريقى. وقد حسبه على مزروعي أحد أبعاد ثلاثة تشكل الميراث الثلاثى لأفريقيا. وعليه فإن التأكيد على الذات الحضارية الأفريقية يمثل خطوة واعية لوضع أفريقيا على طريق النهضة والتعامل الصحيح مع واقع ومتغيرات العالم من حولها. أليست أفريقيا بحق كما وصفها مفكرنا الأشهر جمال حمدان هى: ” جبهة زحف الإسلام واحتياطى توسعه في المستقبل “؟! (1)
وليس بخاف أن حال أفريقيا والمسلمين بها وإن كانت له خصوصية غير منكرة إلا أنه لا يخالف المشكلات والعوائق التي تواجه المسلمين في مناطق العالم الأخرى. يعنى ذلك أن أبعاد التصور الذي نطرحه في هذا السياق لواقع أفريقيا الإسلامية عبر قرن من الزمان لابد و أن تشتمل على العناصر الثلاثة التالية:
1- قضية التاريخ و التأريخ: إذ لا يخفي أن إعادة قراءة التاريخ الأفريقى نظما و ثقافات وطرائق حياة أمر لازم لاستنهاض مكنونات أفريقيا الحضارية والتخلص من عمليات التشوية المستمرة التي تعرض لها. لقد دخل الإسلام أفريقيا منذ أربعة عشر قرنًا، وإذا أخذنا بتعريف جغرافي معين يرفض انتهاء حدود أفريقيا عند البحر الأحمر لأمكن القول بأن الإسلام ولد في أفريقيا. وعلى أى الأحوال فقد دخل الإسلام أفريقيا حوالى عام (600م) حينما هاجر نفر من مسلمي مكة إلى الحبشة فرارًا بدينهم إلى أحضان ملك عادل.
وتشهد إفريقيا اليوم ونحن ندخل الألفية الثالثة من الميلاد أكبر عدد من المتحدثين باللغة العربية، وإلى جانب ذلك فهى تمثل بحق دون سائر قارات الأرض الأخرى، القارة المسلمة. وقد كان تأثير الإسلام على التطور الاجتماعي في أفريقيا عظيمًا وملموسًا على الرغم من تجاهل ذلك في دراسات العالم الإسلامي. ولا يخفى تأثير الإسلام على المجتمعات الأفريقية في نواحى اللغة والعادات والملبس والسلوك الاجتماعي والفنون والموسيقى والمعمار والفلسفة والأخلاق وما شاكل ذلك. ألم تمثل المدن الإسلامية العريقة مثل جاو وتمبكو وكانو وزرايا وسوكوتو مراكز للتجارة ومنارات للتعليم. لقد كانت جامعة تمبكتو في أوج عزها خلال القرن السادس عشر الميلادى تضم مائة وخمسين مدرسة ومكتبة ضخمة تضم العديد من المقتنيات العامة والخاصة.
لقد كان من أبرز علماء تمبكتو الشيخ أحمد بابا الذي ألف ما يربو على أربعين كتابًا باللغة العربية لا يزال بعضها مقروءًا حتى اليوم. وفي القرن الثامن عشر قدمت لنا تمبكتو أيضًا أحد أعلام الصوفية المعدودين وهو سيدى المختار الكونتى الذي قدم للمكتبة الإسلامية نحو ثلاثمائة مجلد. وعلى صعيد آخر أسهمت سوكوتو في أواخر القرن التاسع عشر بدور بارز في نهضة إفريقيا الإسلامية. فقد قام الشيخ عثمان بن فودى بتأسيس الخلافة الإسلامية في مدينة سوكوتو، كما أنه أسهم بتقديم نحو مائة وخمسون مؤلفًا ومخطوطًا (2).
إننا لا يمكن أن نفهم الواقع الراهن دون عودة إلى الجذور التاريخية. فمع مقدم الاستعمار الأوروبي بذلت محاولات منظمة لاجتثاث الأفريقى من جذوره وإبعاده عن تراثه تحت دعاوى متعددة منها الحداثة والتحضر وتجاوز التخلف وما شاكل ذلك.
وعلى الرغم من رحيل المستعمر بردائه العسكرى وتحقيق الاستقلال السياسي الذي نادى به كوامى نكروما فإن فترة ما بعد الاستقلال شهدت ترديًا واضحًا وصل إلى حد الانهيار في كثير من الحالات حتى أضحت مشكلة الفهم بالنسبة للواقع الأفريقي تستعصي على كافة المقتربات والأطروحات النظرية التي قدمها النموذج المعرفي الغربي من أجل التفسير والتحليل.
واستنادًا إلى ذلك فإن هذا المكون التاريخى سوف تتم معالجته في هذا التصور من خلال العناصر الآتية:
(أ‌) خبرة ما قبل الاستعمار و لاسيما الممالك الإسلامية كتلك التي تأسست في غرب إفريقيا (غانا ومالى و الصونغاى).
(ب‌) الاحتكاك الأوروبي بأفريقيا وغزوها عسكريًا و أثر نظم الإدارة الاستعمارية على المواريث الحضارية الأفريقية و لاسيما المناطق الإسلامية.
(ج) خبرة ما بعد الاستقلال وعلاقة الظاهرة الدينية بالظاهرة السياسية في الواقع الأفريقى. ويمكن في هذا السياق إبراز الرؤية المقارنة في إطار حركة الدولة والمجتمع والتاريخ.
2- قضية العوامل الدولية والخارجية: حيث يتم التركيز على الدور الذي قامت به القوى الدولية المختلفة عبر مراحل زمنية طويلة من أجل التخلص من التراث الحضاري الأفريقى وذلك عبر أساليب و أدوات متعددة يمكن أن نميز في إطارها بين مستويين:
المستوى الأول: وهو المستوى الرسمى حيث يبرز في هذا الخصوص دور القوى الاستعمارية السابقة (فرنسا وبريطانيا و إيطاليا وبلجيكا و ألمانيا) بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
المستوى الثانى: وهو المستوى غير الرسمى وفيه يتم تحليل دور المنظمات و الجمعيات غير الحكومية والتي تقوم بدور رئيسى في عمليات الإحصاء الثقافي للمجتمعات الأفريقية وتغيير طرائق حياتها ومن أمثله ذلك جمعيات التنصير والتبشير المختلفة، ومجلس الكنائس العالمى.
2- قضايا النظام الدولي الجديد ومدلولاتها في الخبرة الأفريقية المعاصرة. وهنا تطرح مجموعة من الإشكاليات مثل:
§ العولمة في السياق الأفريقي.
§ قضايا التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان.
§ قضايا الهوية الثقافية والنظام الأفريقى الأمثل.
§ أبعاد العلاقة بين الداخلي والخارجي.
أضف إلى ما سبق فإن دراسة واقع المسلمين في أفريقيا لا تخلو من صعوبات منهاجية وإجرائية. ولعل أبرز تلك الصعوبات ما يرتبط بتحديد نماذج الدراسة هل نتحدث عن مجتمعات إسلامية أو جاليات إسلامية أو ربما أقليات إسلامية إن صح التعبير وتحديد هذه النماذج يعتمد بدرجة كبيرة على المعيار العددى والاحصائى. وهو الأمر الذي يجعله محفوفًا بالمخاطر ؛ فالواقع الأفريقى يعانى من عدم دقة الإحصاءات السكانية وربما عدم توافرها في كثير من الأحيان. وكذلك تغاير نسب السكان سواء بالزيادة أو النقصان في الدول الأفريقية. ومن الناحية الإجرائية يمكن القول بأنه إذا زادت نسبة المسلمين عن 50 % في أى دولة أفريقية اعتبرت دولة إسلامية حتى لو وقفت السلطات الحاكمة في هذه الدولة من الدين موقف الحياد أو بمعنى آخر تبنت العلمانية. هذا التحديد الإجرائي للدولة الإسلامية في أفريقيا يقودنا إلى وجود ثلاثة نماذج للظاهرة الإسلامية في علاقتها بالسلطة الحاكمة في الدول الأفريقية:
1- النموذج الأول: وهو يتمثل في وجود أغلبية مسلمة تعيش في ظل دولة إسلامية.
2- النموذج الثاني: وهو يبرز عندما يكون المسلمون أغلبية في المجتمع بيد أن النخبة الحاكمة تأخذ بالمفهوم العلماني للدولة.
3- النموذج الثالث: ويتمثل في وجود المسلمين كأقلية في الدول الأفريقية.
واستنادًا إلى المحددات الإجـرائية والمنهاجية السابقة فإن هذا الجزء ينقسم إلى ثلاثة مطالب أساسية:
يدور أولها حول عوامل انتشار الإسلام وخريطته قبل مفهوم الاستعمار الأوروبي ثم يتناول بالتحليل والدراسة إشكاليات الإرث الاستعماري. أما المطلب الثاني فإن يدور حول البعد الدولى سواء على الصعيد الرسمى أو غير الرسمى وما يطرحه من تحديات ومعوقات أمام حركة الإسلام في أفريقيا. ويدور المطلب الثالث حول تحديات الدولة القومية والدعوة الإسلامية ومخاطر العولمة وذلك على النحو التالى:

المطلب الأول
عوامل الانتشار وتحديات الاستعمار

أولًا: عوامل انتشار الإسلام في أفريقيا:

ينبغى أن نؤكد منذ البداية أن الإسلام دخل أفريقيا منذ عهد النبوة حينما هاجر بعض الصحابة إلى الحبشة. ومنذ ذلك العهد وعملية أسلحة أفريقيا متواصلة الحلقات حيث اشتملت على العديد من السبل والوسائل. و إذا توقفنا عند حدود المرحلة الأولى التي امتدت حتى بدايات الاحتكاك الأوروبي بأفريقيا ثم تكريس عملية التكالب الاستعماري عليها بمقتضى مؤتمر برلين 1884 – 1885 لاستطعنا أن نحدد العوامل الخمسة الآتية (3):
1- الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا حيث ترتب عليه تحول سكان الشمال الأفريقى إلى الإسلام. ومع ذلك فإن هذه الوسيلة لم تستخدم في أفريقيا جنوب الصحراء. فانتشار ” دعوة الإسلام في أفريقيا لم تقم على القسر، وإنما قامت على الإقناع الذي كان يقوم به دعاة متفرقون لا يملكون حولًا ولا طولًا إلا إيمانهم العميق بدينهم “.
2- العوامل الشخصية ومنها ما قام به التجار المسلمون من دور واضح في نشر الدعوة الإسلامية. فقد كانت الطرق التجارية الموصلة بين المراكز الإسلامية في شمال القارة والبلاد الواقعة فيما وراء الصحراء هي المسالك الحقيقية التي انتقل من خلالها الإسلام إلى قلب أفريقية. وبالإضافة إلى التجارة فقد قام عدد من العلماء والفقهاء برحلات سياحية إلى أفريقية حيث عرضوا علمهم على الأفارقة كافة كما أنهم تعلموا اللغات الأفريقية وكتبوا بها.
3- الهجرات: لعبت تحركات القبائل وهجراتها دورًا عظيمًا في نشر الإسلام في أفريقيا. ولعل أهم هذه الهجرات شأنًا هجرات القبائل العربية التي دخلت مصر في أعقاب الفتح العربي لها واستقرت في وادى النيل. وقد كان للهجرات التي تمت عبر الصحراء الأفريقية بين الشمال والجنوب دور كبير في نشر الإسلام. وقد كان قوام هذه الهجرات قبائل ” البربر ” سكان الشمال الذين تبنوا الإسلام منذ عهد مبكر. وعلى الرغم من أنهم كانوا يستوطنون الشمال فإن الكثيرين منهم قد أخلوا مكانهم للعرب الفاتحين واندفعوا هم صوب الجنوب حيث حملوا معهم دعوة الإسلام.
4- طبيعة الدين الإسلامي: ونقصد بذلك ما يتسم به الدين الإسلامي من سمات جعلته قريبًا من أفئدة الأفارقة، بالإضافة إلى موقفه من بعض القضايا التي تهم الأفارقة كقضية الرق وكذلك نظام المعاملات والأحوال الشخصية، فالإسلام دين سهل وواضح ليس فيه أسرار أو طقوس معقدة، ولا يستدعى الأمر من المرء حتى يكون مسلمًا إلا أن يقول الشهادتين وبعدها يصبح مسلمًا له من الحقوق وعليه من الواجبات مثلما لإخوانه المسلمين. وقد ساعدت البيئة الثقافية والاجتماعية في إفريقيا على انتشار الإسلام بالإضافة إلى عدم قدرة المسيحية على منافسة الإسلام في هذا المجال.
5- الطرق الصوفية: لقد لعبت هذه الطرق دورًا مهمًا في جذب كثير من الأفارقة إلى الإسلام. فقد كان الشيخ ومريدوه ينزلون على القبيلة ويقيمون بها حلقات الذكر وينشدون الأناشيد والتراتيل الدينية والشيخ تكسوه حالة من وقار والمريدون يظهرون له أسمى آيات الطاعة والولاء، يتلمسون منه البركة والدعوات الصالحات فتتوافد على الشيخ جموع الراغبين في دخول الإسلام. ولعل من أبرز الطرق الصوفية التي لعبت دورًا هامًا في نشر الإسلام في غرب أفريقيا، الطريقة القادرية التي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلانى، والطريقة التيجانية التي تنسب إلى الفقية الجزائرى أبى العباس أحمد بن محمد بن المختار.

ثانيًا- خريطة انتشار الإسلام وظهور الممالك الإسلامية:

إن ظهور ممالك إسلامية مزدهرة ولاسيما في غرب أفريقيا قد شكل وبحق أحد أبرز ملامح التطور السياسي والاجتماعي في التاريخ الأفريقي الحديث والمعاصر. ونحن ندين بمعلوماتنا عن هذه الفترة للكتاب والرحالة العرب أمثال ابن حوقل والبكري والمسعودي وابن بطوطة وغيرهم (4).

1- إمبراطورية غانا:
تعد أول إمبراطورية أفريقية تتوفر عنها معلومات موثقة بفضل كتابات المعلمين العرب وفي مقدمتهم ابن حوقل والبكرى. لقد أنشأ شعب السوننكى دولة غانا القوية في منطقة السافانا الواسعة بين السنغال والنيجر. وامتدت سيطرة غانا لتشمل الشعوب المجاورة. وطبقًا لكتاب تاريخ السودان الذي كتب في تمبكتو حوالى عام (1650م) فإن غانا شهدت اثنين وعشرين ملكًا قبل فترة الحكم الإسلامي عام (622) واثنين وعشرين ملكًا بعد دخول الإسلام.
وقد كتب اليعقوبى في عام (872م) أن ” ملك غانا هو ملك عظيم. وأن في مملكته مناجم من الذهب، وأنه يخضع لحكمه عددًا كبيرًا من الممالك ” منها ممالك سوداء في الجنوب كممالك تكرور و سوسو، وفي الشرق بلاد دلتا النيجر الوسطى. ومنها كذلك إمارات والاتا وآوداغوست البربرية.
2- إمبراطورية مالى:
وقد نشأت على يد الماندنجو، وهى شعوب زنجية تقطن سهل مادنكا الواقع بين السنغال والنيجر. وعلى الرغم من أن النشأة التاريخية لدولة الماندنكا ترجع إلى قبيل عام ألف ميلادية فإن منسى موسى المعروف باسم موسى الأسود يعد المؤسس الحقيقي لإمبراطورية مالي حيث تمكن من إخضاع تمبكتو وامتد حكمه خلال الفترة من 1312 إلى 1337م.
ومن أبرز إسهامات منسى موسى لتاريخ مالى تلك المكانة العالية والصيت الذائع الذي حققه في العالم الإسلامي وربما يعزى ذلك أساسًا إلى رحلة الحج التي كان يقوم بها للأراضى المقدسة في الحجاز خلال الفترة من 1324-1326. إذ أحيطت رحلته بمظاهر الفخامة والأبهة حيث كان يرافقه نحو ستين ألفًا من ندمائه وخدمه يلبسون أزهى الثياب ويحملون معهم ما يقدرون على حمله من الذهب. وكان الملك أنى غدا أو راح يضرب به المثل في الجود والكرم.
وقد تمكن المؤرخ العربى والرحالة الكبير ابن بطوطة من زيارة مالى عام (1532) حيث قدم وصفًا مستفيضًا عن حياة تلك الإمبراطورية التي كانت في ذلك الوقت قد تجاوزت قمة مجدها وعزها.
ومثلما كان نظام الحكم في إمبراطورية غانا فإن مالى كانت تخضع لحكم ملوك ينتمون لأسر حاكمة قوية، وقد تمكن هؤلاء الملوك من حكم مختلف أرجاء الإمبراطورية التي أطلق عليها الأقاليم من خلال حكام محليين كانوا ينتمون بدورهم إلى أسر حاكمة مهمة في مناطقهم الإقليمية. يعنى ذلك أن ملك مالى كان يقوم بتفويض سلطته للحكام في الأقاليم المختلفة الذين يدينون له بالولاء والطاعة وهكذا تمكنت مالى من المحافظة على استقرارها ووحدتها ردحًا طويلًا من الزمان.
3- إمبراطورية الصونغاي:
ربما كانت هذه الإمبراطورية أكثر إحكامًا من حيث تنظيمها السياسى مما كان عليه الحال في عهد إمبراطورية مالى. وقد وصلت هذه الإمبراطورية عصرها الذهبى عام 1493م عندما استولى على السلطة محمد تورودو الذي اتخذ لنفسه اسم الآسكيا محمد.
لقد كان هذا الإمبراطور تقيًا ورعًا حيث اتخذ إجراءات مشددة للحفاظ على الأخلاق العامة وتعاليم الإسلام. فكلف رجالًا أمناء بمهام العسس الليلى حيث كانوا يلقون القبض على كل رجل يتحدث ليلًا إلى امرأة لا تمت إليه بصلة رحم. كما أنه قام في عام 1496 برحلة حج شهيرة إلى الحجاز أعادت إلى الأذهان رحلات منسى موسى الشهيرة. وقد اشترى في مكة بيوتًا خصصها لحجيج السودان. وحينما عاد إلى الوطن انهمك في نشر الإسلام بين شعب الموسى ولعله من المفيد أن نشير إلى المستوى الثقافي الراقي الذي وصلت إليه الصونغاي.
فقد ذكر ليون الأفريقى([*]) أنك كان يوجد في تمبكتو عدة قضاة وأطباء وكهان كانوا يتقاضون رواتبهم من الملك الذي كان يرعى الأدب. وكان يباع فيها كثير من الكتب المخطوطة الآتية من بلاد البربر، وكانت هذه التجارة تدر من الأرباح أكثر مما تدره أية تجارة أخرى.
ثالثًا: إشكاليات الإرث الاستعمارى:
لقد تدافعت القوى الاستعمارية الأوروبية جميعًا على أفريقيا بهدف تأسيس إمبراطورية استعمارية لكل منها. وهي العملية التي أطلق عليها في نهاية القرن التاسع عشر اسم التكالب الاستعماري على أفريقيا “The Scramble for Africa “. ومع اختلاف النظم والسياسات الاستعمارية فإن ثمة مجموعة من الملامح العامة مثلت قاسمًا مشتركًا للحركة الاستعمارية في أفريقيا لعل من أبرزها (5):
1- أن جميع الدول الاستعمارية رفعت شعار الأبوية السياسية. أى أنها جاءت إلى أفريقيا بزعم تحقيق مهمة عالمية حضارية، وهى نشر المدنية بين الأفارقة. ويبدو أن البعثات التبشيرية أسهمت بشكل بارز في تعضيد هذا الاعتقاد. لقد نشرت إحدى البعثات التبشيرية بيانًا حماسيًا لأعضائها في إحدى جرائد ساحل الذهب (غانا حاليًا) جاء فيه ” إلى الأمام يا جنود المسيح حيث بلاد الكفر والوثنية، كتب الصلوات في جيوبكم ما هي إلا بنادق في أيديكم، خذوا البشرى السعيدة حيث أماكن التجارة، انشروا الإنجيل مع البندقية “.
وحينما تحولت المحميات الأفريقية إلى مستعمرات فإن الدول الأوروبية لم تأخذ هذا الشعار النظرى بمحمل الجد حيث أفصحت عن وجهها الحقيقى في استغلال ثروات وخيرات القارة الأفريقية. ويبدو أن فرنسا كانت أكثر الدول الأفريقية جدية في رفع هذا الشعار. ففي وقت مبكر من عام 1884 تم تأسيس الأليانس فرانسيز أو (التحالف الفرنسى) كأداة للهيمنة التعليمية الثقافية. وقد دعمته الحكومة الفرنسية. على أن الفرنسيين ركزوا في الواقع على انتقاء أقلية صغيرة من الأفارقة يمكن إخضاعها بالكامل لعملية الاستيعاب الثقافي كى تصبح مؤهلة لمساعدة فرنسا في إدارة المستعمرات الشاسعة التي تمتلكها في أفريقيا.
2- إن الحركة الاستعمارية في أفريقيا واجهت. بعد انكشاف أهدافها الحقيقية مقاومة عنيفة من الأفارقة، ففي غرب إفريقيا لم يتمكن الاحتلال الفرنسي من التوسع عبر غامبيا وكازامانس إلا بعد القضاء على مقاومة مامادو لامين درامى (1885-1887). كما أن شعب آبى في شرقى كوت ديفوار عبر عن مقاومته للاحتلال بشكل بطولى استمر نحو 27 عامًا خلال الفترة من (1891-1918). وفي شرق أفريقيا اندلعت ثورة الماجى ماجى عام 1890. أضف إلى ذلك فإن شعوب السوزو والزولو قاومت بشكل بطولى كافة مظاهر الهيمنة الاستعمارية في الجنوب الإفريقى خلال أعوام الثمانينات من القرن التاسع عشر.
3- لقد أفضت عملية التدافع الأوروبي على احتلال واستعمار أفريقيا إلى خلق ظاهرة الدولة الحديثة. إذ سعت الدول الأوروبية إلى وضع أسس السلطة الاستعمارية فأنشأت الهياكل الإدراية، والبنى الأساسية اللازمة لتحقيق هذا الغرض. وبالتالى فإن الدولة الأفريقية المعاصرة في معظم الحالات هي نتاج استعماري أى أن أساسها مصطنع ولا تعبر عن واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وفقًا لمفهوم الدولة القومية. فالإقليم وهو وعاء الدولة ليس إلا نتاج تحديد تعسفي من السلطة الاستعمارية في إطار منظومة توازن القوى التي حكمت عملية تخاطف إفريقيا. كما أن مجتمع الدولة الأفريقية يموج بالعديد من الجماعات المتمايزة في ثقافاتها ولغاتها وأديانها ومن ثم انتفت إرادة التعايش الجماعى في سياق هذه الدولة المصطنعة ولذلك فإن ظاهرة الدولة الأفريقية التي أنشأها الاستعمار هي تعبير قانونى أكثر من كونها حقيقة واقعية واجتماعية.
4- ارتبط بمحاولات الدولة الأوروبية الاستعمارية خلق الهياكل الإدارية والبنى الأساسية السابقة الإشارة إليها ظهور دول مصطنعة Artificial States وبحدود مصطنعة. فقد رسمت حدود المستعمرات على خرائط في أوروبا بما يتمشى مع المصالح الاستعمارية، وبالتالى فإنها لم تراع الظروف الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الأفريقية ولذلك فإن مشكلات الحدود الأفريقية تعتبر من أبرز مواريث الحكم الاستعمارى.
5- أدى الغزو الاستعماري لأفريقيا إلى تنامى الروح الوطنية الأفريقية. فمنذ المراحل الأولى لغزو القارة عبرت روح المقاومة الوطنية الأفريقية عن نفسها دائمًا و دون انقطاع تحت أشكال مختلفة جانبها التوفيق أحيانًا ولفها غموض الرؤية أحيانًا أخرى. ولكنها بقيت متأججة حتى عاد لأفريقيا الاستقلال الذي فقدته. وبالتالى ليس صحيحًا ما رددته الأدبيات الاستعمارية من انعدام الشعور الوطنى لدى الأفارقة.
لكن السؤال المطروح ونحن في هذا السياق التاريخى يرتبط بتأثير الاستعمار على الظاهرة الإسلامية في أفريقيا. نستطيع ومنذ البداية أن نشير إلى عدد من الملاحظات الهامة التي نجدها ضرورية للإجابة على مثل هذا التساؤل:
(أ‌) إذا كان الإسلام في جوهره بالنسبة للشعوب الأفريقية هو دين أفريقى انتشر بقوته الذاتية وخصائصه الدفينة، وهو أكثر الأديان صلاحية واقترابًا من الواقع الأفريقى فإن المسيحية على الطرف الآخر مثلت الدين الاستعماري فهى امتداد للغرب المتعصب صاحب مفاهيم الاستعلاء الحضاري. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الظاهرة الإسلامية في أفريقيا غير العربية فإن الإسلام كجوهر لنظام حضاري ولمنظومة قيمية لا يزال بمقدوره أن يمارس دورًا هامًا في عملية النهضة والتطور للشعوب الأفريقية من خلال طرح أيديولوجية ملائمة تعبر عن الواقع المعاش للإنسان الأفريقى في نهاية القرن العشرين.
(ب‌) القضية الأساسية في أفريقيا غير العربية والمرتبطة بالإسلام ليست قاصرة فقط على عملية الإحياء الديني من حيث العودة بالعقيدة إلى مرحلة النقاء الأول ولكنها تشتمل كذلك على عملية نشر الدعوة، فالإسلام في مواجهته للمسيحية والديانات التقليدية قد أثبت نجاحًا هائلًا من حيث التمسك به في الوعى والضمير الأفريقى وربما يعزى ذلك إلى عدد من المتغيرات لعل من أبرزها:
– النظرة إلى الإسلام في الإدراك الأفريقى على أنه ليس دينًا أجنبيًا وربما يرتبط ذلك بمسالك الدعوة إليه، كما أشرنا آنفًا، حيث أن كبار الدعاة للدين الإسلامي هم من الأفارقة، الأمر الذي جعل من الإسلام في أعين الأفارقة مجرد دعـوة ذاتية وداخلية تنبع من تقاليد التعامل العقائدى الأفريقى.
– الإسلام وهو دين الفطرة يتميز بالبساطة واليسر وعدم التعقيد. ومن هذه الناحية يعد الإسلام أكثر الأديان السماوية وضوحًا وسلاسة.
– اتفاق كثير من مبادئ الإسلام مع أسلوب الحياة التقليدية الأفريقية. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى قضية تعدد الزوجات. يرتبط بذلك مرونة الإسلام وهو ما يتضح من قدرته على التطويع والتطبيع إزاء الواقع الأفريقى.
– تأكيد الإسلام على قيم العدالة والمساواة. إذ لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح. ولا شك أن هذه القيم تتفق ومتطلبات الواقع الأفريقى.
(ج) إذا كانت مسالك الإسلام في أفريقيا متعددة ومتشعبة حيث انتشر بفضل التجارة عبر الصحراء وتوغل بفضل الأفارقة أنفسهم ممن آمنوا بدعوته واتخذوه قاعدة لانتشارهم فإن سلسلة حروب الجهاد الإسلامي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي بدأها كل من إبراهيم موسى والإمام إبراهيم سورى من غينيا،وتضمنت كذلك فتوحات عثمان بن فودى من سوكوتو، و الحاج عمر في المنطقة الواقعة بين السنغال والنيجر، ومحمد أحمد المهدي في السودان، ومحمد عبد الله حسن خلال العشرين عامًا الأولى من القرن العشرين في الصومال قد اكتسبت هذه الحروب أهميتها استنادًا إلى جانبين:
أولهما: أنها أدت إلى قيام دولة أفريقية إسلامية امتدت من المحيط الأطلسى حتى البحر الأحمر وتصدت بقوة للغزو الأوروبي وهو الأمر الذي شكل جذور المقاومة الوطنية للاستعمار في أفريقيا. أما الجانب الثاني فيتمثل في أنها طرحت ولاسيما في شمال وغرب أفريقيا رؤى إصلاحية وتجديدية تهدف إلى تنقية الإسلام والعودة به إلى الأصول وبصفة خاصة من خلال الفقه المالكى وذلك في مواجهة تأويلات الطرق الصوفية التي انتشرت على نطاق واسع في المجتمعات الإسلامية الأفريقية. ويلاحظ أن هذه الطرق وعلى رأسها القادرية والتيجانية والمريدية مارست دورًا فاعلًا في المجتمع الأفريقى سواء فيما يتعلق بمجال نشر الدعوة أو ممارسة دور سياسى نشط في علاقتها بالسلطة الحاكمة.
(د‌)إزاء انتشار الإسلام في مواجهة الأديان التقليدية والمسيحية في أفريقيا خضع تحليل الظاهرة الإسلامية لعملية دعاية في الكتابات الأوروبية المتخصصة حيث بدأ الحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر عن ظاهرة الإسلام الأسود. فالكاتب الفرنسى فريلخ يؤكد على وجود إسلام أسود في غاية التحيز يخالف كل الاختلاف إسلام البحر الأبيض المتوسط أو إسلام منطقة الشرق الأوسط، إنه إسلام خضع لعملية إعادة صياغة وتفكير فأضحى أكثر توافقًا مع الخصائص النفسية للأجناس السوداء. وقد تجاوب بعض المفكرين الأفارقة مع تلك الطروحات ومن هؤلاء السنغالى البرت نجوما الذي دفع بعدم وجود أى علاقة عربية أو شرقية مع إسلام إفريقيا الذي يستمد مصادره الحقيقية من التقاليد المحلية القديمة للأرض الأفريقية.
ومن جهة أخرى سعت النخب الأفريقية الحاكمة في الدول الأفريقية الإسلامية بعد الاستقلال إلى محاولة تحييد المتغير الديني من خلال فرض دساتير علمانية تفصل بين الدين والدولة وتؤكد على حرية الأديان والمعتقدات الأفريقية. وفي دول يسودها الإسلام دأب حكامها على التأكيد على مبدأ التسامح الديني في المجتمعات الأفريقية. ولنضرب على ذلك مثلًا السنغال حيث أن أغلب سكانها (نحو 95%) من المسلمين فإن الرئيس الأول لها بعد الاستقلال طيلة عقدين كاملين ليوبولد سيدار سينجور كان مسيحيًا كاثوليكيًا، بل الأكثر من ذلك فإن خليفته الرئيس عبده ضيوف وهو مسلم تزوج من امرأة مسيحية من طائفة الروم الكاثوليك.
§ نظم الإدارة الاستعمارية وآثارها على واقع الظاهرة الإسلامية:
اختلفت نظم الإدارة الاستعمارية في أفريقيا بشكل واضح، ومن ثم تركت آثارًا متباينة. فقد أدرك البريطانيون والألمان بشكل عام أن مستعمراتهم تمثل وحدات كاملة، ومن ثم تعاملوا مع كل منها بشكل منفصل. ومن جهة أخرى فإن الفرنسيين والبرتغاليين نظروا إلى مستعمراتهم على أنها تمثل جزءًا لا ينفصل عن الدولة الأم يعنى ذلك ببساطة شديدة أنها مجرد مقاطعات فيما وراء البحار لقد اتبعت فرنسا نظام الحكم المباشر الذي يعتمد على مركزية فرنسية واضحة في إدارة مستعمراتها. وإلى جانب ذلك طبقت سياسة ثقافية استهدفت نشر قيم وتراث الثقافة الفرنسية. وقد بدأ تطبيق هذه السياسة في بادئ الأمر طبقًا لمبدأ الاستيعاب Assimilation أو الفرنسة الجماعية وهى تقوم على فرض اللغة والحضارة والمفاهيم والمنظمات الفرنسية على الحياة الأفريقية حتى يصبح الأفارقة فرنسيين في كل شئ فيما خلا لون جلودهم.
يعنى ذلك اعتبار الأفارقة في المستعمرات مواطنين فرنسيين لهم نفس الحقوق والواجبات. وبالفعل اعتبرت فرنسا كل الأفارقة الذين ولدوا في سانت لويس وجورى والروفسك وداكار مواطنين فرنسيين.
بيد أن التجربة أثبتت فشل خطة الفرنسيين في تحويل الأفارقة إلى فرنسيين (الفرنسة الجماعية)، كما أظهرت كذلك فشل الفرنسيين في حكم غرب إفريقيا الفرنسي كجزء من فرنسا. وعليه فسرعان ما تبنت فرنسا سياسة جديدة أطلق عليها اسم فرنسة النخبة أو المشاركة. وقوام هذه السياسة تدعيم أواصر التعاون بين الإدارة الاستعمارية الفرنسية وبعض الأفراد والهيئات المحلية لخلق نخبة إفريقية مثقفة قادرة على قيادة مجتمعها وتصبح بمثابة الوسيط بين الرسالة الحضارية الفرنسية والشعب الأفريقى المتخلف.
وعلى الرغم من اختلاف السياسات الاستعمارية كما بينا ذلك سلفًا فإن المرحلة الاستعمارية التي خضعت لها لإفريقيا يمكن تقسيمها استنادًا إلى اعتبارات اقتصادية واجتماعية إلى ثلاث مراحل متشابكة ومترابطة وهي:
§ المرحلة الأولى: والتي تغطى الفترة الممتدة من عملية تأسيس المستعمرات الأوروبية في أفريقيا خلال العشرين عامًا الأخيرة من القرن التاسع عشر وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى. وقد واجهت قوات المستعمر مقاومة عنيفة ولاسيما من جانب بعض زعماء الحركات الإسلامية في غرب أفريقيا أمثال الحاج عمر الفوتى وسامورى تورى ورابح بن الزبير.
§ المرحلة الثانية: والتي تغطي الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. فقد بدأت بتفكك الإمبراطورية الألمانية في أفريقيا. وتقسيمها وفقًا لنظام الوصاية الذي أقرته عصبة الأمم بين بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وجنوب أفريقيا. وقد اتسمت هذه المرحلة بتكريس الوجود الاستعماري في أفريقيا خدمة لمصالحة. حيث تم خلق البنية الأساسية اللازمة لتسهيل التجارة مع العالم الخارجى. ومع ذلك فإن فترة الكساد العالمى (1929-1931) والمجهود الحربي الذي فرض على أفريقيا أدى إلى زيادة الأوضاع سوءًا في المستعمرات الأفريقية. وعلى سبيل المثال فقد أدت المجاعات في كانم والجابون والنيجر وفولتا العليا إلى وفاة خمسة عشر ألفًا في عام 1931.
وإذا انتقلنا إلى المرحلة الثالثة لوجدنا أن الحرب العالمية الثانية أظهرت أهمية المستعمرات الأفريقية كمصدر أساسي في الحصول على المواد الخام. ومن ثم فإن هذه المرحلة اتسمت بنهب الثروات الأفريقية على نطاق واسع واستغلال أفريقيا اقتصاديًا لصالح الأوروبيين.
وأيًا كان الأمر فإنه على الرغم من وجود آثار عامة للنظم الإدارية الاستعمارية في أفريقيا مثل خلق مشكلة الحدود السياسية بين المستعمرات، وربط أفريقيا بمنظومة علاقات الغرب وخلق نظم التفرقة العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان الأفريقية فإن النظم الاستعمارية المختلفة تركت مع ذلك آثارًا متباينة حتى أننا نستطيع أن نقارن بين خبرات متعددة كالفرنكفونية (الناطق بالفرنسية) والأنجلوفونية (الناطق بالإنجليزية) واللوزيفونية (الناطق بالبرتغالية).
إن فلسفة الاستعمار الفرنسى القائمة على التوحد من خلال الإدارة المباشرة والاستيعاب الثقافي أسهمت في خلق رابطة انتماء وولاء لفرنسا في مستعمراتها الأفريقية. ولذلك نجد أن المستعمرات الفرنسية باستثناء غينيا صوتت في دستور ديجول لصالح البقاء في الجامعة الفرنسية، أى أنها كانت ضد الاستقلال عن فرنسا. وعلى صعيد آخر فقد أفضت السياسة البرجماتية البريطانية إلى ظهور النزعات الإقليمية والاثنية. كما أن إعطاء الاستعمار البريطانى تنازلات كبيرة لصالح المستوطنين البيض أثار مشكلات جمة في حركة التحرير الوطنى الأفريقى ولنذكر في هذا الصدد خبرة الماوماو في كينيا ونظام التفرقة العنصرية في جنوبي أفريقيا.
ولعل أخطر ما واجه الظاهرة الإسلامية في أفريقيا من جراء السياسات الاستعمارية هو الآثار الثقافية. ففي تنجانيقا على سبيل المثال رفضت البعثات التبشيرية المسيحية استخدام اللغة السواحيلية في المدارس على أساس أنها تحض على نشر القيم الإسلامية.
ويؤكد ذلك المعنى أن الإدارة الاستعمارية الألمانية حينما استخدمت في البداية اللغة السواحيلى كلغة للتعامل التجارى الحكومي وحثت الأوروبيين على تعلمها احتجت البعثات التبشيرية في أوغندا نجحت الحملات التبشيرية ضد السواحيلية على أساس نفس الاعتبارات. فأحد رجال الدين المسيحى الأوغنديين رغم تأييده لفكرة وجود لغة واحدة تجمع شعوب أفريقيا الوسطى أصر على أن لا تكون تلك اللغة هي السواحيلى يقول في ذلك:
” إذا كان وجود لغة واحدة لأفريقيا الوسطى هو أمر مرغوب فيه بإخلاص بالغ فإن الرب حرم أن تكون هذه اللغة هي السواحيلى. أهى الإنجليزية ؟ نعم.. أما السواحيلى فلا فالأولى تعنى الإنجيل والمسيحية أما الثانية فتعنى الإسلام “(6).
وفي السودان تمثلت السياسات اللغوية التي تبنتها الإدارة الاستعمارية في فرض اللغة الإنجليزية كلغة رسمية واستبعاد العربية مع تشجيع اللغات المحلية.

المطلب الثاني
مشكلات الدولة والدعوة في مرحلة الاستقلال

أولًا: مشكلات الدولة:

حملت مرحلة ما بعد الاستعمار مجموعة من التحديات، مثَّل بعضها امتدادًا لمرحلة الاستعمار، وكان البعض الآخر نتاجًا لانتهاء مرحلة الاستعمار وطبيعة الكيانات السياسية الناجمة، وطبيعة النخب السياسية الحاكمة وممارساتها.

ويكشف الجدول رقم (1) عن بعض تلك التحديات والمشكلات الخاصة

جدول رقم (1)
واقع الظاهرة الإسلامية في أفريقيا

المصدر: تم الاعتماد على المصادر التالية:
.
– T. Robert Famighetti (ed.), The World Almanac, 1999 (New Jersey: World Almanac Books, 1999).
– Europa Publication: Africa South of the Sahara (Europa Publication Limited, 29nd editing, 2000).
– John Esposito: Islamic Revivalism (Washington D.C.: Islamic Affairs Programs, 1985), pp 8:9.
– إدارة التوعية الإسلامية بوزارة الحج والأوقاف السعودية: ” حول الأقليات الإسلامية في أفريقيا “، في الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الأقليات المسلمة في العالم: ظروفها المعاصرة، آلامها وآمالها (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 1986). ص ص 902: 906.
– خديجة النبراوى: تاريخ المسلمين في أفريقيا ومشكلاتهم (القاهرة: النهار للطبع والنشر، 1998)، ص ص 42: 47.
– د. سليمان خاطر: “أثر الضوابط الجغرافية في انتشار الإسلام وتوزيع أقلياته”، في بحوث المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول (السعودية: وزارة التعليم العالي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المجلد الرابع، 1404هـ، 1984م) ص ص 6:70.
تكشف مطالعة الجدول رقم (1) ومصادره المثبتة عن مجموعة متنوعة من التحديات يتعلق بعضها بالبحث الأكاديمي في واقع المسلمين بالقارة، ويتعلق البعض الآخر بمواريث الاستعمار. وذلك على التفصيل التالى:

أ-مشكلات البحث في واقع المسلمين:
تمثل مسألة تحديد نطاق انتشار الإسلام وتوزيع المسلمين في أفريقيا واحدة من أعقد المسائل وأكثرها حساسية في كثير من الأحيان، وذلك انطلاقًا من أن الاستناد إلى المعيار العددى وتعدادات السكان تواجه مشكلات تتمثل في عدم دقة الإحصاءات السكانية في معظم الأحيان، وعدم توافرها في بعض البلدان الأفريقية، أو عدم أخذ متغير الدين في الاعتبار عند إجراء التعداد، اتساقًا مع العلمانية التي أخذت بها كثير من النظم السياسية الأفريقية عند الاستقلال كأداة لتجنب حساسيات البعد الديني و ما قد يحدثه من توترات على نحو ما تشير خبرة نيجيريا (7).
وقد أسفرت العوامل سالفة الذكر متضافرة مع الخبرة الاستعمارية وما شهدته من ميل القوى الاستعمارية إلى التقليل من حجم وعدد المسلمين في المناطق الخاضعة، عن تضارب الأرقام والإحصاءات فيما يتصل بتعداد المسلمين وتوزيعهم في معظم الدول الأفريقية على نحو ما يكشف العمود رقم (3) من الجدول رقم (1) حيث تكاد نسبة المسلمين في كل دول القارة تكون موضع خلاف يصل في بعض الأحيان إلى تفاوتات صارخة في تقدير نسبة المسلمين على نحو ما تشير النسب الخاصة بدول مثل (أنجولا، بوتسوانا، بوروندى، الرأس الأخضر، أفريقيا الوسطى، كوت ديفوار، إثيوبيا، غانا، غينيا، كينيا، مدغشقر، مالاوي، موزمبيق، ساوتومى وبرنسيب، سيراليون، أوغندا، الكنغو الديمقراطية…).
ويرجع ذلك التفاوت في التقديرات في جانب منه إلى الفقر سالف الذكر في الإحصاءات الحيوية لدى كثير من دول القارة، وتباين المصادر الأكاديمية في توجهاتها وأدواتها في حساب أتباع المعتقدات المختلفة (8).
وفي ضوء ما سبق يصبح من الصعوبة بمكان الاعتماد على المعيار العددي في بيان الدول الإسلامية والذي يذهب أنصاره إلى اعتبار الدول التي يزيد تعداد سكانها عن 50% دولًا إسلامية، والتي يقل تعداد المسلمين فيها عن 50% دولًا غير إسلامية، وفق المعايير الخاصة ببيان هوية الدولة. إلا أن تطبيق ذلك المعيار يؤدى إلى وجود نسبة ضئيلة من الدول الأفريقية التي تدخل في نطاق ذلك المعيار، وتكاد تنحصر في مجموعة الدول العربية الأفريقية التي أعلنت دستوريًا عن إسلاميتها على اختلاف بينها فيما يتصل بدوافع ذلك الإعلان ومداه وتوقيته (9)، ومن تلك البلدان التي تندرج في هذا الإطار مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، السودان، موريتانيا، الصومال، جزر القمر،…
والجامع المشترك بين هذه الدول – باستثناء السودان – أن نسبة المسلمين بها تصل إلى أكثر من 90% من السكان(10)، الأمر الذي يفسر عدم تصاعد حدة الصراع حول ذلك التوجه الدستورى على نحو ما شهدت دول أخرى كالسودان ونيجيريا.
وبالنظر إلى قصور المعيار الدستورى عن شمول وبيان الدول الإسلامية بالقارة فقد عزف الباحثون عن استخدامه كمعيار أساسي، واعتباره معيارًا مساعدًا إلى جانب أحد المعيارين الآخرين وهما عدد المسلمين، والانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي الذي يمثل المعيار الثالث في بيان الانتشار الإسلامي في القارة.
وعلى الرغم من وضوح وانضباط معيار الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي فإنه لا يخلو بدوره من مشكلاته الخاصة التي من أهمها عدم شموله لنطاق انتشار الإسلام، واستناده إلى إرادات النظم والحكومات ورغبتها في الانضمام إلى المنظمة بصرف النظر عن حجم انتشار الإسلام وعدد المسلمين و أوضاعهم بالدولة العضو الأمر الذي يدلل عليه انضمام دولة مثل موزمبيق إلى المنظمة وعدم انضمام دول مثل اريتريا، أثيوبيا، تنزانيا على الرغم من أن نسبة المسلمين في كل من الدول الثلاث على حدة تفوق نسبة المسلمين في موزمبيق على أفضل التقديرات.
وذهب نفر من الباحثين إلى أن التعرف على عدد المسلمين ونسبتهم داخل كل دولة يظل أفضل المعايير عند دراسة أوضاع المسلمين وواقعهم على أن يتم التركيز على طبيعة ثقل وفاعلية المسلمين داخل الدول التي يوجدون فيها، وطبيعة علاقتهم بالنظم الحاكمة ومؤسساتها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وانعكاسات ذلك كله على واقع المسلمين وفاعليتهم في مجتمعاتهم، وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين نماذج ثلاث عامة بشأن الدول الأفريقية (11):
النموذج الأول: ويتمثل في وجود أغلبية مسلمة تعيش في ظل دولة إسلامية تعلن – ولو ظاهريًا – أنها تستمد وجودها وشرعيتها من الإسلام.
وتقدم الدول الأفريقية العربية أمثله واضحة على هذا النموذج، وإن اختلفت خصائص وغايات كل دولة وتطبيقاتها للنموذج في هذا الصدد باختلاف الميراث التاريخي والواقع الاقتصادي الاجتماعي للدولة. وإن اتفقت جميعها – باستثناءات طفيفة ولفترات محدودة – على حظر العمل السياسي الإسلامي، مع تضييق فضاء العمل الاجتماعي والاقتصادي أمام نشطاء الحركات الإسلامية.
النموذج الثانى: وفيه يكون المسلمون أغلبية من حيث العدد، إلا أن النخبة الحاكمة تنص في دستور البلاد على علمانية الدولة، بمعنى إعلان النظام السياسى حياده تجاه الظاهرة الدينية، الأمر الذي يعد في جانب منه أحد مواريث الاستعمار وترتيبات القوى الاستعمارية بشأن استقلال الدول الأفريقية حيث حرصت القوى الغربية على تسليم السلطة للقوى الوطنية العلمانية والنخب السياسية الموالية، على الرغم من الدور الجهادى والنضالى للعديد من القوى الإسلامية في العديد من حركات التحرير على نحو ما تشهد به خبرة دول ساحل الصحراء (تشاد – النيجر – مالى…) وكذلك السنغال وغينيا، واريتريا.
النموذج الثالث: ويتمثل في وجود المسلمين كأقلية ؛ على تفاوت في ثقل وفاعلية تلك الأقليات الإسلامية حجمًا وكيفًا على نحو ما تشهد خبرة معظم الدول الأفريقية غير الإسلامية بالمعيار العددى، وفي هذا الصدد تمثل خبرة المسلمين في كل من جنوب أفريقيا وبوتسوانا حيث أدى الثقل الاقتصادي للأقلية الإسلامية في الدولتين متضافرًا مع التركز الإقليمى لها إلى فاعلية سياسية للمسلمين تمثلت في تولى البعض منهم مناصبًا سياسية محلية وعلى المستوى الوطنى بنسبة تزيد عن نسبة المسلمين في المجتمع، وهو الأمر الذي مثل انجازًا للأقلية الإسلامية في هاتين الدولتين، وطرح تحديًا فيما يتصل بطبيعة علاقة المسلمين بغيرهم من الجماعات الأخرى بالمجتمع على نحو ما سيرد البيان (12). ومن الأمثلة الدالة في مقام الحديث عن الأقليات الإسلامية الأقلية الإسلامية في رواندا التي استطاعت أن تنأى بنفسها كطرف محايد عن الصراع الأثنى بين جماعتى الهوتو والتوتسى في البلاد، وذلك بفضل عدم تورط مسلمي رواندا في أعمال القتل التي شهدتها البلاد، الأمر الذي جعل المناطق الإسلامية بالبلاد مناطق آمنة نسبيًا مقارنة بغيرها من أقاليم البلاد.

ب-المشكلات الناجمة عن مواريث الاستعمار
أسفرت الحقبة الاستعمارية عن مجموعة من المشكلات الهيكلية للدول الأفريقية بصفة عامة، والإسلامية منها بصفة خاصة ويمكن تلخيص أهم مظاهر تلك المشكلات فى:

1-تعدد الدول وعدم اتساقها الحدودى (13):
على العكس من سياسات المرحلة الاستعمارية التي شهدت بعض محاولات ضم عدد من الوحدات الأفريقية في صورة اتحادات أكبر تابعة للدولة الاستعمارية، شهدت مرحلة التحرير والاستقلال العديد من عمليات التجزئة والتفتيت، كان للمناطق الإسلامية النصيب الأكبر من عملية التجزئة.
وتمثل الإمبراطورية الفرنسية في غرب أفريقيا النموذج الواضح لعملية التفتيت والتجزئة، حيث أسفر تحلل هذا الجزء من الإمبراطورية عن قيام 13 دولة أفريقية هى: السنغال – موريتانيا – غينيا – السودان الفرنسى (مالى حاليًا)- ساحل العاج – فولتا العليا (بوركينافاسو حاليًا) – داهومى (بنين حاليًا) – النيجر. والتي كانت في مجموعها تمثل ما كان يعرف بأفريقيا الغربية، مضافًا إليها الدول الأربع تشاد- الكنغو برازفيل – الجابون – أوبنجى شارى (أفريقيا الوسطى حاليًا)، التي كانت تكون ما يعرف بأفريقيا الفرنسية الاستوائية، فضلًا عن استقلال الجزء الذي اختصت به فرنسا من مستعمرة توجولاند الألمانية، تحت مسمى دولة توجو(14).
ويمكن القول أنه ليس هناك رقعة مماثلة في المساحة بها هذا العدد الكبير من الوحدات السياسية التي تفتقر في معظمها إلى مقومات الدولة سواء من حيث المساحة أو الكثافة السكانية والموارد (15). وإن كانت تجدر الإشارة إلى أن عددًا مماثلًا من الدول يكاد يتقاسم كل من منطقة حوض النيل (مصر – السودان – رواندا – بوروندى – أوغندا – أثيوبيا- إريتريا – الكنغو الديمقراطية – كينيا – تنزانيا).
وكذا حوض نهر النيجر (الكاميرون – نيجيريا – بنين – توجو – بوركينافاسو- غانا – ساحل العاج – ليبيريا – سيراليون – غينيا – غينيا بيساو- غامبيا). ولقد جاءت حدود معظم الدول الأفريقية الإسلامية عند الاستقلال بعيدة عن الاتساق اللازم للوفاء بمقتضيات الدولة الاستراتيجية على الأصعدة المختلفة (اقتصاديًا – اجتماعيًا – أمنيًا…).
فبالنظر إلى الخريطة يتضح أن معظم الدول الأفريقية الإسلامية في الجزء الشرقى والجنوبى من القارة تميل إلى أن تأخذ محورًا طوليًا وهو ما يتضح في دول مثل السودان، الصومال، أوغندا، موزمبيق، بينما تميل أغلب الوحدات في النصف الشمالى إلى الاستعراض كما هو الملاحظ في ليبيا – النيجر – أفريقيا الوسطى – مالى – بوركينافاسو – غينيا، وعلى جانب آخر توجد دول عبارة عن سرائح متعامدة على الساحل من ذلك بنين وتوجو وغانا.
ولعله مما يوضح ظاهرة عدم الاتساق الجغرافي للدول الأفريقية ومثالبها أن دولة مالى يقترب شكلها من ” رباط العنق ” الأمر الذي يجعلها تختنق في الوسط على نحو يكاد يترك على الجانبين كتلتين شبه منفصلتين يسهل – نظريًا – فصلهما عن بعضهما البعض. وبالمثل تقدم الصومال مثالًا آخر، حيث تتخذ حدودها شكل رقم 7 فهى مفرطة الطول شديدة الضيق، الأمر الذي يضعف التماسك الداخلى ويعطى ميزة استراتيجية للعدو الخارجى لاسيما في ظل تعمق مثلث هرر والأوجادين الواقع تحت سيطرة أثيوبيا في قلب الصومال كإسفين يسهل من خلاله شطر الصومال، كما أن دولة موزمبيق هي الأخرى يمكن القول أن لها طولًا وضيقة العرض على نحو يمثل تكرارًا لعنصر الضعف سالف الذكر عن إمكانية شطرها من جانب دول الجوار (16) وتقدم حدود السنغال – غامبيا نموذجًا آخر لمظاهر عدم الاتساق الحدودى التي ورثتها الدول الأفريقية عن الاستعمار، حيث تمتد غامبيا من الشرق إلى الغرب حول الجزء الصالح للملاحة من نهر غامبيا لمسافة 300 ميل على شكل أصبع ضيق لا يزيد اتساعه من الشمال إلى الجنوب عن سبعة أميال بمساحة إجمالية أربعة آلاف ميل مربع فقط للدولة كلها التي تقع في قلب جمهورية السنغال وتشطرها إلى شطرين شمالى وجنوبى (17).

2-ظاهرة الدول الحبيسة (18):
تعتبر تلك الظاهرة أحد الملامح الأساسية المميزة لقارة أفريقيا التي تستأثر بنحو 15 دولة حبيسة أى ما يزيد عن ربع عدد دول القارة وهى (مالى – النيجر – بوركينافاسو – تشاد – أفريقيا الوسطى – أوغندا – زامبيا – زيمبابوى – مالاوى – بتسوانا – ليسوتو – سوازيلاند- رواندا – بوروندى – أثيوبيا) والجدير بالنظر – بعيدًا عن عقلية المؤامرة – أن معظم الدول الحبيسة إما دول أفريقية ذات غالبية إسلامية و مجاورة لدول ساحلية ذات أقليات إسلامية كبيرة مثال (مالى – النيجر – بوركينافاسو – تشاد – أثيوبيا – أوغندا) أو دول أفريقية ذات أقليات إسلامية ضئيلة، تجاور دولًا ذات وجود إسلامي فاعل (مالاوى، زيمبابوى, زامبيا).
فلا يخفى أن استقلال المستعمرات الفرنسية في إطار الوحدتين الرئيسيتين للمستعمرات الفرنسية (المستعمرات الفرنسية الغربية، المستعمرات الفرنسية الاستوائية) كان يعنى بالضرورة امتداد النطاق الإسلامي – بفعل الثقل السكانى إلى جل بقاع القارة واختراق حاجز النطاق الاستوائي. الأمر الذي لم يحظ بعد بالدراسة الواجبة فيما يتصل بأثر الدولة الحبيسة في حجب انسياح الظاهرة الإسلامية في القارة، لاسيما في ظل ما أسفر عنه التقسيم السياسي الاستعماري للقارة من تمزيق للكيانات الاجتماعية بتشكيلاتها المختلفة (جماعات اثنية، عرقية، قبائل…) بين أكثر من دولة أفريقية (19).
بينما يرتكز الوجود المسيحى في المنطقة الهضبية منها، وفي الجنوب يتركز الوجود الإسلامي في جنوب أفريقيا في بعض المناطق الساحلية لاسيما في منطقة الكيب ومقاطعة كوازولوناتال (20)، وتعرف شرق أفريقيا أيضًا ظاهرة التركز الساحلى للمسلمين على نحو ما تشير خبره كل من كينيا وتنزانيا، وموزمبيق في الجنوب الشرقى (21).
وعلى الرغم من أن ظاهرة التركز الساحلى للمسلمين في كثير من الدول تعود إلى عوامل تاريخية تتعلق بالطبيعة التجارية للمسلمين الأوائل في هذه البلدان فإن الممارسات الاستعمارية قد حرصت على الحد من ظاهرة الامتداد الإسلامي إلى داخل البلاد في تلك المناطق، وقامت بالفصل الفعلى عبر المراسيم الإدارية والقوانين بين المناطق الإسلامية وغيرها من المناطق في بعض الوحدات والمستعمرات الخاضعة على نحو ما تشير خبرة كل من السودان ونيجيريا،…
وإذا كانت ظاهرة التركز الإقليمى للمسلمين تسمح لهم في كثير من الأحيان بتشكيل كتلة تصويتية يعتد بها في الانتخابات المختلفة، فإنها من ناحية أخرى ترسخ ظاهرة الفصل الاستعماري سالفة الذكر وتعمق الفجوة بين المسلمين وغيرهم من مواطنى البلاد الأمر الذي كانت – ومازالت – تداعيات سلبية على نحو ما تكشف الدعوات المتصاعدة من آن إلى آخر في بعض البلدان الأفريقية للتخلص من الأقليات الإسلامية ومصادرة أملاكها باعتبارهم ليسوا من أهل البلاد الأصليين. وهو أمر يرجع في جانب منه لبعض الممارسات الانعزالية والاستعلائية من جانب بعض أبناء الجاليات الإسلامية لاسيما في غرب أفريقيا وشرقها، ويرجع للممارسات القهرية ضد المسلمين على نحو ما تشهد خبرة الاورومو، الصوماليين في أثيوبيا، ومسلمي إريتريا، وليبريا وسيراليون (22)…

4-تكريس التبعية والتخلف:
وتتبدى علاقة القوى الاستعمارية بتلك الظاهرة في العديد من الملامح والممارسات. فعلى الصعيد الاقتصادي رسخت القوى الاستعمارية علاقات التبعية الاقتصادية بمستعمراتها السابقة عبر مجموعة من الممارسات أبرزها ربط البنية الأساسية وشبكة المواصلات والاتصالات بالدولة المستعمرة، ومستلزمات الانتاج الزراعى والصناعات الأولية التي تقوم الدولة التابعة بتصديرها إلى الدولة الأم مقابل اعتماد شبة تام من الأولى على الأخيرة في سد احتياجاتها من الآلات والأدوات الصناعية والخبرات الفنية في المجالات المختلفة فضلًا عن ارتباط عملات الكثير من الدول الأفريقية بعملة الدولة المستعمرة على نحو ما تشير خبرة غرب أفريقيا.
وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي استطاعت القوى الاستعمارية خلق نخب ثقافية واجتماعية مرتبطة بالثقافة الغربية عبر السياسات التعليمية والبعثات التبشيرية علاوة على النخب الاقتصادية المصلحية الأمر الذي أسفر عن ازدواجية ثقافية في معظم الدول الأفريقية الإسلامية ما بين نخب حاملة للثقافة الغربية وعلومها، وهى نخب علمانية في معظمها، وجماهير متمسكة بالثقافة التقليدية مع شعور بالنقص لافتقارها للمهارات والخبرات المتوافرة لدى المتغربين من أبناء جلدتهم (23).
وعلى الصعيد السياسى، وفي ضوء الواقع الاقتصادي الاجتماعي سالف الذكر، عمدت القوى الاستعمارية إلى تسليم السلطة عند رحيلها إلى الجماعات الموالية لها، خاصة في الحالات التي تم فيها الاستقلال بغير كفاح مسلح ويفسر ذلك عدم استناد العديد من دساتير الدول الأفريقية الإسلامية وقوانينها إلى المبادئ الإسلامية، والأكثر من ذلك قبول دول ذات أغلبية إسلامية كالسنغال، كوت ديفوار، سيراليون، حكم رؤساء مسيحيين تعاونهم نخب تلقت تعليمها على يد الإرساليات المسيحية، في ظل حقيقة دعم القوى الغربية بعامة لهذا التوجه(24).

ج- المشكلات الناجمة عن ممارسات النظم الأفريقية:
مع استقلال الدول الأفريقية أعلنت النخب الحاكمة الجديدة عن أهداف رئيسية تعهدت بتحقيقها تعلقت في مجملها بعملية بناء “الأمة” بالمفهوم الوطنى وفي إطار الرقعة الجغرافية التي استحوذت عليها النخبة الحاكمة وليس بالمفهوم الإسلامي ولا القوميالغربى، و”عملية التنمية” (25).
وقد اعتمدت الدول الأفريقية في سعيها لتحقيق هذين الهدفين على عدد من السياسات والأبنية تفاوتت فيما بينها ما بين الحكم المركزي السلطوي واللامركزية، إلا أن الجامع المشترك بين كافة تلك السياسات والممارسات هو أنها جميعًا استمدت من خبرة المجتمعات الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي وفق الخبرة التاريخية والتحالفات والارتباطات الدولية.
وعبر أربعين عامًا من الممارسات القائمة على التطبيقات المشوهة للخبرات والنماذج الغربية في المجتمعات الإسلامية الأفريقية، لازم الفشل كافة التجارب الأفريقية بعامة والإسلامية بخاصة الساعية لتحقيق الأهداف سالفة البيان في ظل ما سلف بيانه من عيوب هيكلية في تكوين ونشأة الكثير من الدول الأفريقية وافتقارها إلى الحدود الدنيا من المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللازمة لقيام الدولة (26). حيث أدى تمسك الدول الأفريقية بكيانها ووجودها الهش استنادًا وارتكانًا إلى الدعم والرعاية الخارجية إلى تفويت فرصة إقامة كيان جامع للدول الأفريقية الإسلامية بالقارة، حيث لم يكن مثل هذا الطرح قائمًا لدى العديد من النخب الحاكمة في الدول الإسلامية بعامة و الأفريقية بخاصة.
وقد أدى غياب – أو تغييب – المفهوم الجامع للأمة الإسلامية والتمسك بفكرة السيادة إلى بروز مشكلات حادة في النطاق الإسلامي من القارة تمثلت في العديد من الصراعات الحدودية التي شهدتها البلدان الأفريقية الإسلامية، حيث يلاحظ المرء أن مناطق التماس بين الدول الأفريقية الإسلامية شمال وجنوب الصحراء كانت أكثر مناطق النزاعات الحدودية على نحو ما تشهد خبرة نزاعات كل من (الجزائر – تونس) (الجزائر – المغرب) (المغرب – موريتانيا) (مصر – السودان) (موريتانيا – السنغال) (مالى – بوركينافاسو) (ليبيا – تشاد) (توجو – غانا) (الكاميرون – نيجيريا)، (مالاوي – تنزانيا)، (مالي – موريتانيا)، (النيجر- بنين)، (الصومال – أثيوبيا) (الصومال – كينيا)، (السودان – كينيا)، (السودان – أوغندا) والملاحظ أن معظم تلك الصراعات كان أحد أطرافها دولة أفريقية إسلامية بأى من المعايير سالفة البيان، الأكثر من ذلك أن كثير منها دارت بين دولة أفريقية عربية و أخرى غير عربية، الأمر الذي يشير من طرف خفي إلى أثر تلك الحدود الموروثة عن الاستعمار متضافرًا مع ممارسات النخب الحاكمة في تعميق هوة الخلاف بين الشعوب الإسلامية الأفريقية والعربية (27).
وعلى صعيد التنمية فإنه على الرغم من الخطط الطموحة بشأن الاقتصاد الوطنى للدول الأفريقية بعامة و الإسلامية منها بخاصة، إلا أنه سرعان ما تبين فشل تلك التوقعات والمبالغة في الطموحات حيث تكشف مؤشرات التنمية البشرية عن تدنى الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية لمعظم الدول الأفريقية الإسلامية لاسيما تلك الواقعة جنوب الصحراء، والتي تكاد جميعها تقع في فئة الدول الأقل دخلًا والأكثر فقرًا في العالم. فمن بين 25 دولة أفريقية عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي هناك 12 دولة تقع بين أكثر الدول تخلفًا في العالم وهى (بنين، بوركينافاسو، تشاد، جزر القمر، غينيا، غينيا بيساو، مالى، سيراليون، الصومال، السودان، أوغندا، غامبيا،…) بينما تقع بقية الدول في قائمة الدول منخفضة ومتوسطة الدخل (28).
ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الأخذ بمؤشرات دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة والذي يقوم على أساس ترتيب الدول تنازليًا وفق مجموعة من المؤشرات التي تعكس (درجة التعليم، متوسط الدخل، العمر المتوقع، معدلات وفيات الأطفال، الرعاية الصحية…)، حيث تأتي معظم الدول الأفريقية الإسلامية جنوب الصحراء في ذيل قائمة ذلك الدليل (29).
وقد فاقم من خطورة وضع الدول الأفريقية الإسلامية الاقتصادي اعتماد معظم اقتصادات تلك الدول على تصدير عدد محدود من السلع الأولية والمعادن الأمر الذي جعل تلك الاقتصادات رهن إرادة الدول الصناعية الكبرى المستوردة لتلك السلع في ظل علاقة شبه احتكارية على نحو ما يكشف الجدول رقم (2).

جدول رقم (2)
حركة التجارة الخارجية في أفريقيا الإسلامية

المصدر:
Medline Lass (ed.) “Africa at a glance 1995 –1996” (Pretoria: African Institute of South Africa, 1995), pp 69-70.
حيث يبين من الجدول (2) أن جميع الدول الأفريقية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي تندرج بدرجة أو بأخرى في إطار الدول المتخلفة المعتمدة على سلعة أو مجموعة بعينها من السلع الأولية.
وتكشف الأعمدة الخاصة بالدول الرئيسية المصدرة والمستوردة عن حقيقة أخرى هي ضعف التبادل الاقتصادي بين الدول الإسلامية بصفة عامة و الأفريقية بصفة خاصة حيث أنه باستثناء دول ساحل العاج والمغرب والكاميرون والصومال وجيبوتى التي تظهر على استحياء في قائمة الدول المستوردة والمصدرة لا يكاد يكون هناك ذكر لأى تجارة بين الدول الإسلامية وبعضها البعض.
· وعلى ذات الصعيد الاقتصادي تقف مشكلة الديون كحجر عثرة أمام جهود التنمية التي تسعى إليها الدول الأفريقية، حيث أدت رغبة الدول الأفريقية وطموحاتها في تحقيق مشروعات التنمية إلى لجوء معظم تلك الدول إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية الحكومية والخاصة لتمويل هذه المشروعات، ورغم إخفاق مشروعات التنمية التي قادتها النخب الحاكمة في الدول الأفريقية فإن تلك النخب قد أسرفت في الاقتراض الخارجى في محاولة لمواجهة أعباء العجز في النقد الأجنبي الناجم عن اختلال موازين المدفوعات، وقد ساعد على ذلك رغبة البنوك الأجنبية في إعادة تدوير ما قدر بنحو 131 مليار دولار من ودائع الدول البترولية لديها (30).
وفي حين اقترضت دول مثل نيجيريا بكثافة للتوسع في صناعاتها البترولية وبناء عاصمة جديدة، فإن كثير من الحكومات الأفريقية قد استخدمت مواردها وقروضها من النقد الأجنبي في بناء ترسانات عسكرية وشراء عقارات في أوروبا والسلع الاستهلاكية الغالية، وإنشاء قاعات مؤتمرات حديثة واستيراد أحدث السيارات. الأمر الذي فاقم من أزمة الديون وعبئها بالنسبة للدول الأفريقية خاصة مع إحجام مؤسسات التمويل عن منح المزيد من القروض للدول الأفريقية ثم تطور الأوضاع منذ أواخر الثمانينات ومطلع التسعينيات إلى فرض شروط اقتصادية وسياسية قاسية على الدول المدينة فيما عرف باسم مشروطية برامج التكيف الهيكلي التي تزعمها صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي كان لها آثار اقتصادية واجتماعية سلبية على العديد من دول القارة (31).

ثانيًا- واقع الدعوة ومشكلاتها
توضح بيانات الجدول رقم (1) أن التنافس الديني القائم في القارة هو بين الإسلام الذي يمثل دين الأغلبية بصفة عامة في القارة وبين المسيحية بطوائفها ومذاهبها المختلفة والتي تأتى في المرتبة الثانية في القارة. ويبين من الجدول كذلك أن قطاعًا يعتد به من سكان القارة مازال يتبع المعتقدات التقليدية الأمر الذي يجعل من هؤلاء الاتباع مجالًا للدعوة الإسلامية وعمليات التنصير المختلفة في ظل حقيقة أنه في كثير من البلدان يمكن أن يمثل هؤلاء الاتباع العامل المرجح لأى من العقيدتين السماويتين.
وعلى حين تشهد النظم الحاكمة في كثير من الدول الأفريقية تراجعًا في قدراتها وتآكلًا في شرعيتها، فإن الدراسات تشير إلى تزايد مطرد في أعداد المسلمين. فتشير إحدى الدراسات إلى أنه ما بين عام 1900 وعام 1952 زادت نسبة المسلمين من شعب الهوسا بشمال نيجيريا من 50% إلى 80%، كما تحولت جماعة السيرير Serer السنغالية من أتباع المعتقدات التقليدية والمسيحيين اسمًا إلى الإسلام، كما تزايد انتشار الإسلام في المناطق الداخلية في كل من غينيا، ساحل العاج، توجو، بنين وهى المناطق التي تشهد انتشارًا حثيثًا للإسلام حاليًا كما تشهد الظاهرة الإسلامية انتشارًا وتقبلًا في كثير من مناطق الكاميرون وتشاد والنيجر، وموزمبيق حيث استطاعت العقيدة الإسلامية التغلغل والانتشار على الرغم من ممارسات وسياسات جبهة الفريليمو الحاكمة المناوئة للدين والتي حدت من نفوذ المذاهب المسيحية المختلفة، حيث اضطرت الجبهة للتخفيف من حدة وسائلها عند التعامل مع الظاهرة الإسلامية تجنبًا لحدوث رد فعل عنيف من جانب المسلمين (32). وتشير بعض الدراسات إلى اكتساب الإسلام أنصار له في بقاع جديدة من زامبيا وزيمبابوى وناميبيا بفضل جهود المؤسسات والجمعيات الإسلامية لاسيما الجنوب أفريقية والتي زادت جهودها وأنشطتها بعد انتهاء الحكم العنصري في جمهورية جنوب أفريقيا، علاوة على جهود المؤسسات الإسلامية الأخرى.
على الرغم من المؤشرات الإيجابية سالفة البيان، فإن طريق الدعوة الإسلامية لم يخل من عقبات ومعوقات وسلبيات يمكن إجمال أهم ملامحها فيما يلى:

أ- استمرارية نفوذ المعتقدات التقليدية:
حيث تشير الدراسات إلى أن بعض مسلمي الدول الأفريقية جنوب الصحراء ما زالوا يمارسون بعض الطقوس الخاصة بالمعتقدات التقليدية لاسيما فيما يتصل بعادات مثل استرضاء أرواح السلف والأجداد والاعتقاد في نفعهم وضرهم، وتقديم الهدايا والقرابين لتلك الأرواح، علاوة على بعض العادات الخاصة بالزواج والموت (33). وبصفة عامة تشير إحدى الدراسات إلى أن الإسلام في أفريقيا يتسم ببعض الخصائص الخاصة تجسدها طبيعة وخصائص الإسلام في جمهورية النيجر وتحديدًا بين قبائل الجيرما Djerma ملئ بالسحر وتلعب فيه الأوهام، والتعاويذ دورًا كبيرًا. في حين يختلط مسلموا الهوسا و التيجانية ومعتنقو المعتقدات التقليدية في الوسط ويتداخلون، في حين تتمسك جماعة الكانوري في الشرق بإسلامها الذي حافظت عليه لقرون منذ كانت جزءًا من مملكة ” البورنو” (34).
وتقدم نيجيريا نموذجًا مشابهًا، حيث الشمال يكاد يكون مسلمًا بأكمله في حين يختلط المسلمون واتباع المعتقدات التقليدية في الوسط، بينما الجنوب يشتمل على خليط من المسلمين والمسيحيين والتقليديين، ومثل ذلك بتفاوتات بسيطة يمكن أن يقال عن الكاميرون وتشاد والسودان وغيرها من الدول الأفريقية الإسلامية جنوب الصحراء (35).
وتتمثل خطورة ذلك المظهر والتوزيع فيما يؤدى إليه من تشوه وتشوش في العقيدة على نحو يسفر في جميع الأحيان عن مفارقات وأوضاع غير شرعية كزواج المسلمة من مشرك أو مسيحي وقبول الأسرة (المسلمة) تغيير الابن لعقيدته، لاسيما في مناطق التماس والتداخل بين الجماعات الدينية المختلفة (36).

ب- عمليات التنصير والارتداد:
حيث تشير الدراسات إلى تصاعد اهتمام المؤسسات الكنسية على اختلاف مذاهبها وطوائفها بدعم حركة التنصير في أفريقيا ومواجهة ظاهرة الإحياء الإسلامي التي شهدتها بلدان مثل (كينيا، تنزانيا، سيراليون، ساحل العاج، نيجيريا) فضلًا عن حصارها في منابعها الأصلية في المنطقة العربية. حيث عبر بعض الساسة الأمريكيين عن قلقهم من تصاعد الأصولية الإسلامية في الشمال الأفريقى في مطلع التسعينيات،محذرين من إمكانية اندفاعها جنوبًا بما يؤثر على مصالحهم بالقارة (37).
وعلى الرغم من اتجاه بعض الباحثين إلى التقليل من المخاوف المتعلقة بالمد الأصولي الإسلامي في أفريقيا، فإن الشواهد تشير إلى أن ثمة إجراءات تتخذ للحيلولة دون البروز الجدى للمد الإسلامي في الساحة عبر التضييق من الفضاء الاجتماعي بالمعنى الواسع أمام العمل الإسلامي في مختلف دول القارة على نحو ما تشهد خبرة كل من الجزائر في الشمال وموريتانيا وساحل العاج وسيراليون وليبيريا والكاميرون في الغرب وكينيا وإثيوبيا واريتريا وتنزانيا والسودان في الشرق…
مع تقديم كافة سبل الدعم المادي والمعنوي لجهود التنصير للقيام برسالتها والتي استفاد القائمون عليها من خبرات واخفاقات المراحل السابقة حيث اتخذت عمليات التنصير أشكالا ووسائلًا جديدة تمثلت بالأساس في الحرص على الاستتار خلف عامة إغاثية، تعليمية، ترفيهية، صحية، وعدم الاقتصار على العمل التبشيري المباشر، علاوة على الحرص على أن يحمل عبء التنصير جماعة من أبناء المجتمع المستهدف للتغلب على واحدة من أكبر العقبات التي حالت طويلًا بين أبناء القارة والاستجابة للقساوسة من أبناء أوربا (38)، يساعد على ذلك توارى خبرة التجربة الاستعمارية لدى الأجيال الجديدة من أبناء الدول الأفريقية بعامة والأفريقية الإسلامية بخاصة الذين لم يعاصروا آلام تلك الحقبة، ولم يشهدوا سوى عسف وظلم نظمهم الوطنية، الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بالانفصال والعودة إلى أحضان الدولة الاستعمارية السابقة على نحو ما تشهد خبرة جزيرة “انجوان” بجمهورية جزر القمر. وتشير بعض البيانات إلى أن تلك الممارسات التنصيرية قد نجحت في تحويل بعض المسلمين إلى النصرانية، وعلى الرغم من تهوين مصادر البيانات من وقع الحدث بدعوى أنه تم استغلال حاجة المسلمين وفقرهم و إغرائهم للارتداد عن دينهم، فإن الأمر لا يخلو من دلالة تتمثل في ضرورة مراجعة ما يذكر من أنه يصعب تحويل مسلم عن عقيدته أو مسيحى عن عقيدته وأن ساحة التنافس بين العقيدتين هي اتباع المعتقدات التقليدية، يزيد من أهمية تلك المراجعة ما أشار إليه بعض الطلاب الأفارقة الدارسين بمصر من بروز اتجاه بين الأفارقة يدعو للتخلص من الديانات الوافدة إلى القارة والعودة من جديد للمعتقدات التقليدية الأفريقية(39).

ج- تشتت الجهود الإسلامية وتضاربها:
فإلى جانب ضعف إمكانات المؤسسات الدعوية الإسلامية – مقارنة بالمؤسسات التنصيرية – تعانى الدعوة الإسلامية من ظاهرة تشتت جهود الدعوة وعدم التنسيق بينها الأمر الذي يزيد من ضعف تلك الجهود ويقلل من فاعليتها وثمارها فعلى الرغم من وجود مؤسسات إسلامية ذات تراث كبير وعريق في الدعوة الإسلامية مثل الأزهر الشريف، وجامع الزيتونة، والقيروان، وكذا مؤسسات إسلامية فاعلة مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض ومنظمة الدعوة الإسلامية بالسودان، ولجنة مسلمي أفريقيا الكويتية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالسعودية، المنتدى الإسلامي علاوة على جهود منظمة المؤتمر الإسلامي والحركات الصوفية و الجماعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية المحلية داخل كل دولة إسلامية، فإن الواقع يشير كما سلف الذكر إلى أن كثير من الجهود الإسلامية تعانى من عدم الدقة في التخطيط وعدم التنسيق على نحو يؤدى إلى إهدار الجهود والإمكانات. هذا علاوة على السلبيات الناجمة عن ممارسات بعض القائمين على أمر الدعوة الإسلامية، والتي يلخصها رئيس جماعة الدعوة في نيجيريا في حديث له مع جريدة ” المسلمون ” حيث يقول ” إن أفريقيا في حاجة إلى دعاة يدعون إلى الإسلام بسلوكهم لا بأقوالهم، ويتاجرون في الدنيا ليربحوا الآخرة كما فعل الصحابة الأولون و انتقد رئيس جماعة الدعوة تركيز النخب الإسلامية الأفريقية على الجدل النظري وإهمالهم العلوم الطبيعية لصالح العلوم النظرية، وكذا ميلهم لتجريح بعضهم بعضًا والتشهير ببعضهم البعض، وعزوف الكثيرين من الدعاة عن الذهاب إلى أفريقيا جنوب الصحراء بدعوى الخوف من الأمراض شظف العيش، الأمر الذي جعل صورة العربى الآن منفرة بعد أن كان قديمًا محط اهتمام الأفارقة. فالدعاة المبعوثون من الدول العربية إلى أفريقيا – من وجهة نظره – أصبحوا مجرد موظفين يذهبون بتكليف رسمى، وحينما يأتون إلى أفريقيا فإنهم يحملون معهم المهاترات والخلافات والانشقاقات التي تذهب ببساطة الإسلام ووضوحه، أكثر من ذلك، أنه يرى أنه قد ينجح داعية فيجئ من يحل محله فيجعل شاغله الأول التشكيك فيما قاله سلفه وهدم ما بناه “(40). وتتواتر البيانات والمعلومات الصحفية والشفاهية عن خلافات شبه يومية بين أنصار الصوفية وأعضاء الجماعات الإسلامية السلفية الأمر الذي ينال من صورة الوحدة الإسلامية ويضعف من قوة العمل الإسلامي.

د. التهديد النابع من العلمانية الغربية:
تكاد الدراسات المعنية بالظاهرة الإسلامية في الغرب والشرق تجمع على أن أخطر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي بصفة عامة هي ظاهرة العلمانية الغربية و ليست عمليات التنصير، وإن كانت الأولى يمكن أن تكون مدخلًا جيدًا للثانية خاصة مع سيادة مفاهيم العولمة وانتهاء الخصوصية الثقافية، وتتبدى آثار عملية التغريب في المجتمعات الأكثر تقدمًا في أفريقيا، حيث يعبر الدكتور على مزروعي عن تلك الظاهرة بقوله أنه ” من المستحيل أن تكون مسلمًا، ومسيحيًا في وقت واحد، ولكن من الطبيعى جدًا أن تكون مسلمًا ومتغربًا في آن واحد ” (41) ويستشهد في ذلك بأن دول الشمال الأفريقى هي أكثر الدول إسلامية بمعيار العدد السكاني ونسبة المسلمين وهى في ذات الوقت أكثر دول القارة تمثلًا للغرب وتأثرًا به، وفي خطورة ذلك يقول مزروعي: ” أنه عندما يفتن الشباب بموسيقى الديسكو والملاهى، فإن عقيدتهم تصبح مهددة بصورة أكبر من الحالة التي يستمعون فيها إلى مبشر مسيحى “(42)…

المطلب الثالث
واقع الظاهرة الإسلامية وتحديات العولمة في أفريقيا

أولًا: الهيئات والتنظيمات الإسلامية القارية في أفريقيا:

توجد على الساحة الأفريقية تنظيمات إسلامية جامعة تهدف إلى دعم حركة الدعوة الإسلامية في أنحاء القارة. ومن أبرز هذه التنظيمات: منظمة الدعوة الإسلامية، ومنظمة الإسلام في أفريقيا، والمركز الإسلامي الأفريقى والمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي (43).

1- منظمة الدعوة الإسلامية:
أنشئت في ليبيا عام 1972 بهدف نشر اللغة والثقافة العربية و الإسلامية في أفريقيا، ويمكن تحديد أهم أهداف هذه المنظمة بشكل عام على النحو التالى:
– نشر اللغة العربية، لغة القرآن الأصلية.
– تشجيع المسلمين على تبنى العربية كلغة رسمية.
– تفسير القرآن بشكل مبسط يسهل على العامة فهمه.
– العمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
– نشر الموسوعات الإسلامية وتنظيم وعقد المؤتمرات.
– تدريب الدعاة المسلمين و إرسالهم للخارج بهدف تدريب الآخرين.
وقد قامت المنظمة بتوفير المنح الدراسية على المستوى الجامعى، كما مولت بناء المساجد و أسهمت في بناء مشروعات البنية الأساسية في العديد من الدول الأفريقية.

2-منظمة الإسلام في أفريقيا:
أنشئت في العاصمة النيجيرية أبوجا عام 1989 وهى منظمة دعوية تهدف إلى نشر الإسلام. وقد تشكلت لجنتها التنفيذية الأولى من ممثلين من نيجيريا والنيجر وجامبيا وموريتانيا والسنغال وتونس وليبيا وتنزانيا والسودان والمجلس الإسلامي لأوروبا، ويتضح من ميثاق هذه المنظمة أنها هيئة غير حكومية مستقلة تخدم الأمة الإسلامية في أفريقيا على وجه الخصوص وفي العالم أجمع. وهى تنص على أن أهدافها تتمثل فى:
– دعم وتعزيز وتنسيق العمل الدعوى في مختلف أنحاء أفريقيا والعمل كذلك على نشر المعرفة الإسلامية في القارة.
– دعم وتشجيع وتعليم وتنمية الشباب المسلم وضمان أن تتبوء المرأة مكانها الصحيح في المجتمع طبقًا لتعاليم الشريعة.
– العمل على ترجمة ونشر الأعمال الإسلامية إلى مختلف اللغات الأفريقية.
– العمل على تشجيع تعلم اللغة العربية في مختلف أنحاء أفريقيا.
– العمل من أجل احترام حقوق الإنسان وكرامته، والعمل كذلك بشتى السبل من أجل تحقيق العدالة والحرية في العالم أجمع.

3-المركز الإسلامي الأفريقي:
أنشئ في مدينة أم درمان السودانية عام 1967 وذلك بهدف تدريب الشباب الأفريقى من مختلف البلدان وذلك ديوان الدراسات العربية والإسلامية وذلك بغية خلق نخبة ذات توجه عربي إسلامي ولاسيما في أفريقيا الشرقية. وقد عمل المركز منذ البداية على محاربة الإرث الاستعماري المتمثل في بث روح الكراهية للعروبة و الإسلام في قلوب الأفارقة وعلى الرغم من إغلاق هذا المركز على يد النميرى عام 1969 إلا أنه افتتح مرة أخرى عام 1977 حيث تم تزويده ببنية أساسية ملائمة وذلك بفضل التمويل الذي قدمته السعودية ودول الخليج العربية. لكن سرعان ما توقف هذا الدعم بسبب موقف السودان من حرب الخليج الثانية عام 1991. على أن المركز في شكله الجديد قد ركز على الجوانب البحثية والدراسية في مجال العربية والإسلام والنشاط الدعوي. وفي عام 1992 قامت حكومة الإنقاذ بتحويل المركز الإسلامي الأفريقى إلى جامعة إفريقيا العالمية حيث تم حذف كلمة الإسلامي من اسم هذه الجامعة.

4-المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي:
لقد انعقد هذا المؤتمر لأول مرة عام 1991 في الخرطوم على يد الدكتور حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية في السودان، وقد تأسس هذا المؤتمر على قاعدة الأمم الإسلامية التي تقودها السودان، ومن ثم ضم المؤتمر أقطاب الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي أمثال السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية. وقد انعقد المؤتمر الثاني عام 1993 أيضًا في الخرطوم بحضور نحو ستمائة مندوب. وفي هذا المؤتمر أعيد انتخاب الترابى رئيسًا وتم تشكيل مجلس أمناء حيث أعطيت نسبة 30% من إجمالى المقاعد لأفريقيا.
وعلى أى الأحوال فإن الخلاف الذي وقع بين الترابى وحكومة الرئيس البشير والذي أدى إلى خروج الترابى نفسه من التحالف الحاكم بل ووضعه رهن الاعتقال يطرح التساؤل حول مدى أهمية هذا المؤتمر وطبيعة الدور المحوري الذي لعبه الترابي في تأسيسه.

ثانيًا: الهيئات والتنظيمات الإسلامية الوطنية في أفريقيا:

يلاحظ من الخطاب الإسلامي في أفريقيا خلال حكم الدولة القومية أن وضع التنظيمات والحركات الإسلامية هو مختلف من دولة لأخرى. فإذا كانت الحركات الإسلامية ذات الطابع الاصلاحى قوية ومؤثرة في دول مثل الجزائر ومصر فإنها ليست كذلك في دولة مثل السنغال التي يزيد عدد المسلمين فيها عن (90%) من إجمالي السكان، وفي نيجيريا التي يزيد عدد مسلميها عن 50(%) يوجد صراع وتوتر بين الجماعات الإسلامية من جهة وبين هذه والجماعات المسيحية من جهة أخرى. وفي تنزانيا التي يشكل المسلمون فيها أقلية كبيرة تصل إلى نحو (40%) من إجمالى السكان تكتسب حركات الإسلام السياسى قوة وتأثيرًا بحيث تدفع إلى مزيد من التوتر في العلاقات الإسلامية المسيحية.
وعلى أية حال سوف نحاول إعطاء صورة موجزة عن الجانب التنظيمى والمؤسسى للحركات الإسلامية الأفريقية ابتداء من عقد السبعينيات من القرن العشرين. ما هي طبيعة هذه التنظيمات الوطنية الرسمية وغير الرسمية ؟
على الرغم من أن بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية ذات الطابع الإصلاحي والاجتهادي مثل جماعة الإخوان المسلمين قد نشأت في الربع الأول من القرن العشرين فإن هذه التنظيمات ترتبط بشكل أساسي بمرحلة ما بعد الاستعمار في أفريقيا. لقد انتشرت هذه التنظيمات في السبعينيات واستمرت في الظهور خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات. ويرى البعض أنها توجهت بالأساس ضد الممارسات الصوفية التقليدية والتنظيمات الكنسية المسيحية السائدة من جهة وضد التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الوطنى الرسمى من جهة أخرى.
لقد حاولت الحكومات الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال الحصول على دعم الزعماء الدينيين وإضفاء نوع من الشرعية على نظام الحكم العلماني فقامت بإنشاء تنظيمات دينية وطنية إسلامية ومسيحية على السواء. وكان من المفترض أن تقوم هذه التنظيمات بالمساعدة على تحقيق السياسات الحكومية في فرض السلام والتجانس بين معتنقي الأديان كافة.
ففي نيجيريا على سبيل المثال تم تأسيس ” المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ” خلال نظام حكم أوباسنجو عام 1977 وذلك تحت رئاسة سلطان سوكوتو. وكانت الغاية من وراء إنشاء هذا المجلس هي توفير قنوات للحوار والنقاش مع ممثلي المجتمع المسلم، على أن يكون هذا المجلس محط أنظار المسلمين كافة فيكون دليل قيادتهم ووحدتهم. وخلال الجدل الذي ثار بعد ذلك حول انضمام نيجيريا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي قام الرئيس بابنجيدا بإنشاء ” لجنة استشارية للشئون الدينية ” بعضوية مسلمين ومسيحيين يختارهم الرئيس بنفسه،وكان الهدف المتوخى من وراء إنشاء مثل هذه اللجنة هو تقديم المشورة والمساعدة على الفهم من أجل توفير الحلول لمختلف القضايا التي تثير الشك والعداء وعدم الثقة. وفي شرعه أفريقيا قامت الحكومات بدعم وتأييد التنظيمات الدينية الوطنية مثل ” المجلس الأعلى للمسلمين في تنزانيا ” و المجلس الأعلى لمسلمي أوغنده، وجمعية مسلمي رواندا، وجمعية مسلمي مالاوي.
على أن الحركات الإسلامية الإصلاحية قاومت هذا النهج الحكومي الذي يحاول إضفاء نوع من الشرعية على الوضع السياسى القائم. وإذا كانت الطرق الصوفية قد تم تمثيلها في هذه التنظيمات الدينية الرسمية فإنه نادرًا ما تم اختيار الزعماء الدينيين الاصلاحيين لعضوية هذه المنظمات. وكما هو معروف فإن القاعدة الأساسية في أفريقيا في مرحلة ما بعد الاستعمار هي حظر قيام أحزاب سياسية على أسس دينية. وعلى سبيل المثال فإن السيد / أحمد خليفة نياس عندما قام عام 1979 بتأسيس حزب الله في السنغال تم حظره على الفور واعتقال نياس نفسه.
والملاحظة الجديرة بالانتباه هي اختلاف خبرة شرق أفريقيا عن غربها. ففي حين تتميز الظاهرة الإسلامية في غرب أفريقيا بالنقاء الحضاري حيث تنبع القيادات الإسلامية من الأصول الأفريقية فإن الوضع ليس كذلك في شرق أفريقيا حيث ما فتئ القادة الدينيون يزعمون بأنهم من أصول عربية، بل وقرشية على وجه التحديد وهو ما يشكل أحد مصادر التوتر بين العروبة والأفريقانية. فإذا كان الإسلام قد انتشر في كينيا على أيدى التجار اليمنيين الذين استقر بعضهم هناك فإن لحظات التوتر وعدم الاستقرار تدفع إلى اتهام مسلمي كينيا بأنهم ليسوا مواطنين خلصًا على الرغم من أنهم يشكلون ثلث سكان البلاد. ولا أدل على ذلك من أنه حينما رشح أحد المسلمين نفسه في انتخابات الرئاسة عام 1993 قامت السلطات الكينية بسحب جواز سفره والجنسية الكينية منه بدعوى أنه من أصل يمنى.

ثالثًا: العولمة: تحديات ومخاطر

بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة باعتبارها القطب الأوحد المسيطر على العالم بدأ الحديث عن أطروحات جديدة مثل أمركة العالم التي تفرض مفاهيم السلام بمدلولها الأمريكى Pax Americana، ونهاية التاريخ وانتصار المشروع الرأسمالي الليبرالي، وتبلور قوى و آليات العولمة الجديدة. فما هو تأثير ذلك التحول في منظومة النظام الدولى على واقع الظاهرة الإسلامية في أفريقيا ؟ و ما هي المخاطر والتحديات التي يستبطنها ذلك التحول؟

1- الخوف من الإسلام واعتباره العدو الاستراتيجى الجديد للغرب
لقد أشار الخطاب الاستراتيجى الغربي في أكثر من موضع أن اختفاء الشيوعية باعتبارها العدو الرئيسي للمشروع الرأسمالي الغربي لا يعنى عدم وجود مخاطر أخرى. وفي هذا السياق طرح مفهوم الإسلام السياسى أو ما يطلق عليه بعض المحللين في الغرب اسم الأصولية الإسلامية. وقد ظهر ذلك جليًا بالنسبة للحالة الأفريقية فقد وقف الغرب على الرغم من مناداته بالديمقراطية وحرية المشاركة السياسية مع قرار الجيش الجزائرى بإلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1991. وعلى صعيد آخر فقد تم احتواء النظم الراديكالية مثل السودان وليبيا بحجة أنها تدعم الإرهاب. وقد حاولت الولايات المتحدة استخدام سياسة الاحتواء ضد هاتين الدولتين من خلال فرض طوق من العزلة الدولية عليها من جهة وتشجيع نمط من القيادات الأفريقية الجديدة الموالية للولايات المتحدة والمدافعة عن مصالحها من جهة أخرى. وقد ساندت الولايات المتحدة والدول الغربية الحكومات الأفريقية التي تتعرض لحظر ما أسمته الاصولية الإسلامية مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا.

2- العولمة ومخاطر الغزو الثقافى
إن العولمة تاريخيًا ترتبط بالغزو الثقافى، ويكفي أن نتذكر ما فعله المهاجرون الأوائل في القارة الأمريكية بالهنود الحمر أو ما فعله المستعمر الأوروبي في أفريقيا. وعلى أيه حال فإن القول بأن العولمة تفضى إلى انهيار الدولة القومية وتعمل على تأسيس هوية عالمية ينطوى على مخاطر جمة بالنسبة لأفريقيا وبالنسبة للمجتمعات الإسلامية على وجه التحديد. إن ذلك يعنى ببساطة العودة لعهد الاسترقاق و سحق الهويات القومية مقابل هوية الغرب المنتصر بعد الحرب الباردة.
إن النظام العالمى الجديد الذي يروج له الكثيرون يعاني من تناقضات كثيرة فالولايات المتحدة التي تمثل القطب الأوحد لا يمكن لها أن تقبل بقيام مؤسسات هذا النظام بتأدية وظائفها العالمية بشكل يضمن العدالة للجميع. ولعل تقاعس الأمم المتحدة في القيام بواجبها في كثير من مواقف الصراعات والأزمات الدولية إنما يؤكد على أن القطب العالمى الجديد يسعى لتحقيق مصالحه هو.

3-العولمة ومخاطر التفكيك
الإشكالية الأخرى التي تنطوى عليها عمليات العولمة في مواجهة أفريقيا هي حظر التفكيك ضد كل شئ بما في ذلك الإنسان نفسه. فهى موجهة ضد الأسرة والقبيلة والدولة والأمة. وما من شك في أن الهوية الأفريقية تعانى أزمة حادة منذ بدايات عصر التحديث. فالنخب الحاكمة والمثقفة والتي تلقت تعليمها في دول الشمال أو دول الجنوب تشارك الغرب قيمه وتقاليده الثقافية و إن كانت في نفس الوقت تحرص على مشاركة مجتمعاتها المحلية طقوسها التقليدية والثقافية. ولاشك أن هذا الانشطار في الهوية الأفريقية هو أخطر من ذلك الانقسام بين الريف والحضر.

4- العولمة ومخاطر التهميش
إن ثالوث العولمة المتمثل في تكتل دول النافتا (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، ودول الاتحاد الأوروبي، وتجمع دول المحيط الهادي يدفع إلى تهميش معظم مناطق الجنوب ومن بينها أفريقيا. وعليه فإن القارة الأفريقية خضعت لشروط مجحفة سواء من جانب المؤسسات الدولية المانحة أو في إطار منظمة التجارة العالمية.
إن سعى قوى العولمة لتحقيق حرية التجارة الخارجية وحرية تدفق رؤوس الأموال أدى إلى فرض شروط ثلاثة على النظم السياسية الأفريقية في سياق منظومة برامج التكيف الهيكلى. وهذه الشروط هى:
– المزيد من الخصخصة.
– حرية الأسواق الداخلية.
– انتشار وتعميق ثقافة السوق.
ولا يخفي أن حرية التجارة بين أطراف غير متكافئة: بين الدول الأوروبية وبين أفريقيا سوف تفضى إلى تكريس التخلف والتبعية الأفريقية.

5- العولمة ومخاطر عدم الاندماج القومي
ارتبطت العولمة في أفريقيًا بإحياء نزعات التطرف والعنف والانتماءات الأولية بما يهدد بتفكيك الدول القومية داخليًا. وتزداد هذه المشكلة حدة في البلدان التي تعانى أزمة تكامل قومي مثل الصومال والسودان وليبريا وسيراليون ورواندا وأوغندا وغيرها. ويمكن تفهم حقيقة المخاطر المترتبة على هذه المشكلات على ضوء أمرين هامين:
أولهما: التدخل الدولى الانسانى حيث أصبح حق التدخل في شئون الدول الأخرى مرتبطًا بالعولمة الأمريكية تحديدًا.
ثانيهما: مراقبة الاضطهاد الديني في العالم من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

خـاتمة:

ليس بخاف أن واقع المسلمين في أفريقيا يعاني اليوم من أوجه ضعف بالغة قد ترتبط بطبيعة الإرث الاستعماري من جهة وبحقيقة تحديات العولمة الجديدة من جهة أخرى، فالمجتمعات الإسلامية الأفريقية تعاني من تخلف اقتصادي واجتماعي، كما أنها تفتقر إلى نموذج القيادات الحركية الواعية، فضلًا عن أنها أهملت وظيفتها الكفاحية التي تعبر عن إرادتها الإسلامية.
وقد أضافت قوى العولمة الجديدة تحديات ومخاطر جديدة قد تنال من وحدة وتماسك المجتمعات الإسلامية في أفريقيا بما يهددها بالتفكك والانقسام والتهميش.
ومع ذلك فإن الإطار الثقافي والديني الذي تتمسك به المجتمعات المسلمة في أفريقيا قد يكون حصنًا متينًا في مواجهة هذه التحديات ولنضرب مثالًا على ذلك العلاقة بين الإسلام ومرض فقدان المناعة المكتسبة (المعروف باسم الإيدز). فطبقًا لبعض الدراسات يمكن القول أنه على الرغم من انتشار هذا المرض بشكل وبائي في أفريقيا بحيث يصاب به المسلم وغير المسلم فإن نسبة الإصابة به في المسلمين تعد أقل من مثيلتها في غير المسلمين. ويرى بعض الباحثين أن ذلك يعزى بدرجة أساسية إلى منظومة القيم الإسلامية.
وعليه فإنه يمكن الحديث عن ضرورة تحقيق النموذج البديل للواقع المعاش في أفريقيا اليوم والذي يعتمد على الخبرة التاريخية ويأخذ السياق الحضاري والديني لهذه المجتمعات بعين الاعتبار. وتأتى أهمية هذا النموذج في أنه يستند إلى مرجعية تخلق لدى الأفريقى الإحساس بالثقة في الذات. فالإسلام بطبيعته يشعر من ينتمى إليه بأنه أكثر سموًا ونبلًا من ذلك الذي لا ينتمى إليه. يعنى ذلك أنه لا مجال للنزاعات العرقية والطائفية في إطار هذا النموذج الحضارى. فهل يمكن طرح ذلك البديل في إطار الرؤية الاستشرافية لواقع المسلمين في أفريقيا خلال القرن الواحد والعشرين ؟!
*****

هوامش الدراسة و مصادرها:

(1) جمال حمدان العالم الإسلامي المعاصر، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1977.
(2) يمكن مراجعة المصادر الآتية:
Umar Al- Nagar, the Pilgrimage Tradition in West Africa, Khartoum, 1972., N. Leuitzion, Islam in West Africa: Religion, Society and Politics to 1800 Brookfield, Variorum, 1994. E. Saad, Social History of Timbuktu: the Role of muslim Scholars and Notables, 1400-1900, Cambridge, 1983, I. Sulaiman, A Revolution in History: the Jihad of Usman dan Fodio, London, 1987 and J.R.Willis (ed.), Studies in West African Islamic History, vol.1, the Cultivators of Islam, London: F. Cass, 1979.
(3) انظر وراجع: أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، الجزء 6، ط4، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1983، حسن أحمد محمود، الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، ط3، دار الفكر العربي، القاهرة 1986. عبد الرحمن أحمد عثمان، الهجرات السياسية و أثرها في انتشار الإسلام في أفريقيا: دراسة تاريخية، المركز الإسلامي الأفريقى، الخرطوم، 1991.
(4) انظر:
Basil Davidson, A History of West Africa 1000-1800, London: long man, 1977.
وانظر أيضًا: جوزيف –كى –زيربو، تاريخ أفريقيا السوداء، جـ1، ترجمة يوسف شلبي/ الشام، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1994.
(5) راجع، حمدى عبد الرحمن، قضايا في النظم السياسية الأفريقية، القاهرة، مركز دراسات المستقبل الأفريقى، 1998.
(6) انظر: حمدى عبد الرحمن، التعددية وأزمة بناء الدولة في أفريقيا الإسلامية، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقى، 1996.
(7) حول تلك الخبرة وأزمة التعداد في نيجيريا انظر:
صبحي قنصوة، “المسلمون ومشكلات التعددية الدينية في نيجيريا “.، في جمعية الدعوة الإسلامية: الإسلام والمسلمون في أفريقيا (طرابلس: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1998)، ص 389.
(8) سليمان خاطر، “أثر الضوابط الجغرافية في انتشار الإسلام وتوزيع أقلياته”.، في جامعة الإمام محمد بن سعود: بحوث المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول (المملكة السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود، المجلد الرابع، 1984)، ص 62. وانظر على سبيل المقارنة الإحصاءات الحيوية الواردة عن القدرات التنموية في العالم الإسلامي في الجزء الخاص بها من هذه الحولية.
(9) سليمان خاطر، مرجع سبق ذكره، ص ص 61:62 وانظر أيضًا: د. حمدى عبد الرحمن: التعددية وأزمة بناء الدولة في أفريقيا الإسلامية، مرجع سابق، ص ص 17:18.
(10) سليمان خاطر، مرجع سبق ذكره، ص 61.
(11) حمدى عبد الرحمن، مرجع سبق ذكره، ص ص 17: 18.
(12) Saroj. N. Parratt, “Muslims in Botswana “, in African Studies (Johannesburg: Witwatersrand University Press, 1989), pp 78:79.
(13) محمد عاشور مهدي، الحدود السياسية وواقع الدولة في أفريقيا (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقى، 1997، ص ص 82:85.
(14) د. جمال حمدان، أفريقيا الجديدة (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، ص ص 69:108.
(15) المرجع السابق، ص 73.
(16) المرجع السابق، ص ص: 75:78.
(17) محمد عاشور، مرجع سبق ذكره، ص ص 85:84، وانظر أيضًا: خديجة النبراوى: تاريخ المسلمين في أفريقيا ومشكلاتهم (القاهرة: النهار للطبع والنشر والتوزيع، 1998) ص ص 171: 173.
(18) جمال حمدان، مرجع سبق ذكره، ص ص 86: 92، وانظر محمد عاشور، مرجع سبق ذكره، ص ص 85: 86.
(19) المرجع السابق، ص ص 109: 111، خديجة النبراوى، مرجع سبق ذكره، ص 173.
(20) انظر في ذلك:
جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر (القاهرة: دار الهلال، كتاب الهلال، عدد،512 أغسطس 1993)، ص ص 34: 38.
Eduardo Serpa, ” Islam in Sub- Saharan Africa”, in Africa insight (Johannesburg: The African Institute of South Africa, vol.22, No.4, 1992), pp. 235:237.
(21) لمزيد حول مسلمي جنوب أفريقيا و أحوالهم انظر: إبراهيم نصر الدين، ” المسلمون في أفريقيا: دراسة حالة جنوب أفريقيا واريتريا “، في مركز الدراسات الحضارية: الأمة في عام: تقرير حولى عن الشئون السياسية والاقتصادية الإسلامية [ القاهرة: مركز الدراسات الحضارية، 1415هـ (1994-1995)]. ص ص 177: 186. عمر الصديق عبد الله: ” أضواء على أوضاع المسلمين واللغة العربية في جنوب أفريقيا “، في الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الأقليات المسلمة في العالم: ظروفها المعاصرة، آلامها، آمالها (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي؛ المجلد الثانى 1986)، ص ص 948:949.
David Chidester: Religions of South Africa (London: Routledge, 1992), pp 151:168.
(22) إبراهيم نصر الدين، محاضرات في مشكلات سياسية في العالم الإسلامي (القاهرة معهد الدراسات الإسلامية، 1981)، ص ص 43: 46، ولمزيد حول الإسلام في شرق أفريقيا انظر: د.عبد الرحمن زكى، الإسلام والمسلمون في شرق أفريقيا (القاهرة: مطبعة يوسف، 1965). سبنسر ترمنجهام: الإسلام في شرق أفريقيا، ترجمة محمد عاطف النواوى (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط 1، 1973).
(23) تتصاعد تلك الدعوات من آن لآخر في البلدان ذات الأقليات الإسلامية مثل تنزانيا، كينيا، رواندا، أثيوبيا، أوغندا، ليبريا، سيراليون، أثيوبيا، جنوب أفريقيا على اختلاف بين تلك الدول في أسباب تصاعد تلك الدعوات وبواعثها، انظر على سبيل المثال: الممارسات القمعية ضد المسلمين في بعض البلدان سالفة البيان فى:
– عبد الفتاح إسماعيل، “زنجبار: إمبراطورية القرنفل “، مجلة منار الإسلام، (أبو ظبى: وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف، العدد الخامس، مارس 1982)، ص ص 44: 61.
– حسين المحسى، ” رواندا ذات الألف هضبة وهضبة “، منار الإسلام (العدد 11، سبتمبر 1981)، ص 73.
– محمد خميلو: ” دراسة عامة عن الأقلية الإسلامية في ليبريا “، في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص 827.
– نجيب عبد الله: ” المسلمون في كينيا بين الماضى والحاضر “، في جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، مرجع سبق ذكره، ص ص 183: 187.
– سليمان عزيز كروتا، ” أوضاع المسلمين في أوغندا “، في جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، مرجع سبق ذكره، ص ص 162: 163.
– وراجع كذلك الأوراق المقدمة عن أوضاع المسلمين في كل من أثيوبيا ورواندا في نفس المرجع السابق، لاسيما الصفحات، 220: 228، ص ص 244: 261، ص ص 369: 371.
(24) حول الجدل بشأن أثر الاستعمار على الشعوب الإسلامية مع التطبيق على المستعمرات الفرنسية انظر: محمد عاشور مهدي، ” الاستعمار الفرنسى والهوية العربية الإسلامية: الدوافع – المراحل السمات والآثار”، في جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، مرجع سبق ذكره، ص ص 136: 142. ولمزيد انظر:
A. Adu. Boahen:” Colonialism in Africa its Impact and Significant,”, in Boahen (ed.), General history of Africa: Africa Under Colonial Domination 1880-1935 (Unesco: 1985), pp. 785: 809.
(25) Serpa, op. cit., p 235. وانظر برؤية خاصة لهذا الوضع:
على مزروعي، ” الدين والسياسة: المسيحية و الإسلام في الخبرة السياسية الأفريقية “.، ترجمة محمد عاشور، في على مزروعي: قضايا فكرية: أفريقيا والإسلام والغرب. ترجمة صبحي قنصوة وآخرون (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقي، 1998)، ص ص 102: 106.
(26) محمد عاشور: الحدود السياسية…، مرجع سبق ذكره، ص 217، ولمزيد انظر صادق رشدى: أفريقيا والتنمية المستعصية: أى مستقبل ؟ ترجمة مصطفى مجدى الجمالي (القاهرة: مركز البحوث العربية، 1995).
(27) إبراهيم نصر الدين:” مشكلة بناء الدولة في أفريقيا ” في الهيئة العامة للكتاب: الجذور التاريخية للمشكلات الأفريقية المعاصرة (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1995)، عز الدين شكرى: أزمة الدولة في أفريقيا “، السياسة الدولية (القاهرة: الأهرام، عدد 110 أكتوبر 1992)، ص 59.
(28) محمد عاشور مهدي، ” الحدود والقيود في العلاقات العربية الأفريقية “، مجلة شؤون عربية (القاهرة: جامعة الدول العربية، عدد 98، يونيو 1999)، ص ص 142: 157. وانظر أيضًا: د.خديجة النبراوى، مرجع سبق ذكره، ص ص 170: 178.
(29) المرجع السابق، ص 144. وراجع كذلك: تقرير التنمية البشرية لعام 2000م وكذا انظر الملحق الاحصائى فى:
African Development Bank:”African Development Report. (Oxford: Oxford University Press, 1999.
(30) دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2000م. وانظر خديجة النبراوى: مرجع سبق ذكره، ص ص 143: 157.
(31) محمد عاشور، الحدود السياسية….، مرجع سبق ذكره، ص ص 227: 228.
(32)المرجع السابق، ص ص 242: 243.
(33) Serpa, op. cit., 237.
(34) عبد الله نجيب، ” مشكلات المسلمين في أفريقيا “.، منبر الإسلام (القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عدد 9، رمضان 1405هـ، يونيو 1985م)، ص ص 121: 122.
ولمزيد حول المعتقدات التقليدية في أفريقيا وعلاقتها بغيرها من الديانات انظر الأعمال الواردة فى:
Jacob K. Olupona (ed.), African Traditional Religions in Contemporary Society. (New York: Paragon House, 1991).
محمد عبد القادر أحمد: المسلمون في غينيا (القاهرة: مطابع سجل العرب، 1986)، ص ص 108: 118.
(35) Serpa, op. cit., 237.
(36) Ibid
(37) محمد عبد القادر أحمد،مرجع سبق ذكره، ص ص 108: 118.
(38) Serpa, op. cit., p.241.
(39) انظر في ذلك:
-Ramadan S. Belhag, Yassin A. Elkabir, Christianity in Africa Missionaries and change (Tripoli: The African Society of Social Sciences, 1986).
-Edward Fasholé, et al. (eds), Christianity in Independent Africa (London: Rex Collings, 1978).
سليمان حامد كمارا، ” كتاب المسلمين وقضية التنصير في أفريقيا “.، منار الإسلام (العدد 5، ديسمبر 1987)، ص ص 110: 121.
كوفي عبد الرحمن، ” القاديانية تغزو أفريقيا “، منار الإسلام (العدد 3، نوفمبر 1986).
(40) مانع بن حماد الجهنى:” التنصير في أفريقيا: الأهداف والوسائل وسبل المواجهة “، البيان (لندن: المنتدى الإسلامي، عدد 153، أغسطس 2000م)، ص ص 58: 67.
-محمد عبد الأعلى، ” المسلمون الجدد في كينيا..هل يعودون إلى النصرانية مرة أخرى بسبب الضغوط الكنسية “، المستقبل الإسلامي (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، عدد 82، مايو 1998م)، ص ص 10: 11.
-عبد الفتاح سعيد،”مجلس الكنائس العالمى يوجه نشاطه نحو أفريقيا “، منار الإسلام (عدد 9 أبريل 1988)، ص ص 116: 121.
-عبد الفتاح سعيد، ” المسلمون في السنغال يصارعون ضد تزييف هويتهم “، منار الإسلام (العدد 12، يونيو 1990)، ص 39.
(41) تتفق آراء هؤلاء الطلاب مع ما أوردته بعض الدراسات من تصاعد مطالبة بعض الأفارقة بالعودة إلى المعتقدات التقليدية والتخلى عن الديانات (الوافدة) إلى القارة على اعتبار تلك الديانات (لاسيما المسيحية) كانت قرينة الاستعمار، انظر:
Joseph Omosade Awolalu, ” The Encounter Between African Traditional Religions and other Religions in Nigeria “, in Awolalu et al. (eds)., op. cit., pp 115: 116.
(42) لمزيد انظر الأعمال الواردة في جمعية الدعوة الإسلامية، مرجع سبق ذكره.
(43) جريدة المسلمون، 13/8/1993م، وانظر في ذات الاتجاه:
-عبد الفتاح سعيد، المسلمون في السنغال، مرجع سبق ذكره، ص ص 39: 40.
-سليمان حامد كارا، مرجع سبق ذكره، ص ص 120: 121.
-كونى عبد الرحمن، مرجع سبق ذكره، ص 81.
-عبد الفتاح سعيد، مجلس الكنائس، مرجع سبق ذكره، ص ص 120: 121.
(44) Ali Mazrui, The Africa: A triple Heritage (London: BBC. Publications, 1986).
(45) نقلًا عن:Serpa, op. cit.,p. 240
(46)انظر:
Eva Evers Rosander and David Westerlund, African Islam and Islam in Africa: Encounters between Sufis and Islamists, Ohio, Ohio University Press, 1997 and, L. Brenner (ed.), Muslim identity and Social Change in Subsaharan Africa, London: Hurst, 1993.
-David Westerland, Reaction and Action: Accounting for the Rise of Islamism, in Ibid, pp 317-318.
– Hamdy Abdel – Rahman, Globalization and Cultural identity in Africa, a paper presented at the African Association of political Science Biannual meeting, Dukar, 1999.

[*] هو جان ليون 1483-1554 ولد في غرناطة ودرس في فاس وسافر في جميع أنحاء بلاد السودان إلى أن استقر بمصر ثم في صقلية عام 1517 ثم وقع في أسر أحد القراصنة الصقليين فقدم إلى البابا ليون العاشر الذي جعله يعتنق المسيحية. وبعد أن أصبح أستاذًا في جامعة بولونيا انتهى به المطاف إلى تونس والعودة إلى الإسلام. ومن أبرز مؤلفاته وصف أفريقيا عام 1526، وقد صدر في فرنسا عام 1956 عن ميزون نوف

نشر في “الأمة في قرن” الكتاب الثالث، 2002

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق