تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي: أزمة الطاقة ومسارات التجارة

مقدمة:
تعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إحدى أكثر الأزمات الجيوسياسية تأثيرًا على بنية الاقتصاد العالمي في العقد الحالي، ليس بسبب طابعها العسكري فحسْب، ولكن أيضًا لكونها تتموضع داخل أكثر الأقاليم حساسية في منظومة الطاقة والتجارة الدولية، فالمواجهة اندلعت في بيئة تتشابك فيها الممرَّات البحرية الحيوية، مع مراكز إنتاج الطاقة العالمية، بما يجعل أي اضطراب فيها قابلًا للانتقال سريعًا إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية[1].
لقد أفرزت الحرب تداعيات اقتصادية امتدَّت إلى ما هو أبعد من الأسواق المالية، إذ تزايدت الضغوط على الاقتصادات العالمية بفعل اضطراب أسواق الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات. وانعكس ذلك في ارتفاع معدَّلات التضخُّم داخل عددٍ من الاقتصادات الكبرى نتيجة زيادة أسعار النفط والغاز ووقود الطائرات والبنزين، الأمر الذي دفع بعض الحكومات إلى التدخُّل للحدِّ من آثار ارتفاع الأسعار.
كما عزَّزت الحرب المخاوف المرتبطة بتباطؤ النمو الاقتصادي، واستمرار الضغوط التضخمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس على ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتزايد توقُّعات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. وفي الوقت نفسه، دفعت اضطرابات الإمدادات الدول المستوردة للنفط إلى تنويع مصادر التوريد والبحث عن بدائل، مع ارتفاع صادرات النفط الأمريكية وظهور مسارات شحن جديدة، في حين ظلَّ خطرُ تراجُع المخزونات وإعادة تصاعد أسعار النفط قائمًا إذا استمرَّت الأزمة دون تسوية.
كما أظهرت الأسواق تفاوتًا في الاستجابة، إذ استعادت الأسهم الأمريكية مكاسبها بدعم من قطاع الذكاء الاصطناعي وربحية الشركات، بينما واجهت الأسواق الأوروبية ضغوطًا أكبر نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، بما يعكس اختلاف قدرة الاقتصادات على استيعاب تداعيات الحرب[2].
لقد أكَّدت الحرب أن الاقتصاد لم يعد مجرد متغيِّر تابع للصراع، بل أصبح جزءًا من آليَّاته وأدواته، سواء عبر توظيف أوراق الضغط الاقتصادية في التفاوض السياسي، أو من خلال تأثير المخاطر الجيوسياسية على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين والاستقرار المالي. وعلى ذلك، يتناول هذا التقرير المسارات التي أدَّت من خلالها الحرب إلى صدمات اقتصادية عالمية واسعة النطاق عبر قنوات الطاقة والتجارة، عبر مناقشة عدَّة قضايا، أبرزها: موقع الاقتصاد في مرحلة ما قبل الحرب بوصفه جزءًا من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، ودور مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، ثم آليات انتقال الصدمة المتعلقة بالطاقة إلى الاقتصاد العالمي عبر الأسعار والتضخُّم وسلاسل الإمداد. كما يتناول تداعيات الحرب على الاقتصادات الإقليمية والدولية، خصوصًا في آسيا وأوروبا والدول النامية، وصولًا إلى إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة العالمية، وتحول الطاقة والممرات البحرية إلى أدوات في هندسة موازين القوة في النظام الدولي.
أولًا- مشهد ما قبل الحرب: الاقتصاد في قلب المفاوضات الملغمة
أ) المفاوضات المأزومة تحت تهديد السلاح
قُبيل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، كانت واشنطن وطهران قد أنهتا لتوُّهما جولة مفاوضات غير مباشرة بينهما بشأن البرنامج النووي الإيراني من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، رغم إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إحراز “تقدُّم جيد” وتأكيد الوسطاء العُمانيِّين استمرار المشاورات على المستوى الفني خلال الأسبوع التالي، وذلك دون ظهور مؤشِّرات واضحة على حدوث اختراق في القضايا الجوهرية، وفي مقدِّمتها حق إيران في تخصيب اليورانيوم ومستقبل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما سعت طهران ومسقط إلى إبقاء أجواء التفاوض إيجابية في محاولة للحفاظ على مسار الحوار وتجنُّب التصعيد العسكري.
كانت واشنطن تطالب بضمانات دائمة تحُول دون امتلاك إيران القدرة على إنتاج سلاح نووي، بما يشمل قيودًا صارمة على تخصيب اليورانيوم وآليات رقابة تحقق منها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلًا عن طرح ملف البرنامج الصاروخي الباليستي ضمن المباحثات المستقبلية. في المقابل، كانت طهران ترفض التخلِّي نهائيًّا عن حقِّها في التخصيب أو تفكيك منشآتها النووية أو نقل مخزونها من اليورانيوم إلى الخارج، وأكدت أن برنامجها النووي والصاروخي يندرجان ضمن حقوقها السيادية والدفاعية، مع استعدادها لقبول تخصيب منخفض المستوى تحت إشراف دولي.
أُجريت هذه المفاوضات في ظلِّ تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، بعدما عزَّزت الولايات المتحدة وجودَها العسكري في الشرق الأوسط بحاملات طائرات وقاذفات وغوَّاصات، ما أبْقى احتمالَ اللجوء إلى القوة العسكرية قائمًا إذا تعثَّرت الجهود الدبلوماسية[3].
ب) الاقتصاد وسياسة العصا والجزرة في إدارة المفاوضات
كان البُعد الاقتصادي أحد المحاور الجوهرية في المفاوضات الإيرانية الأمريكية قُبيل العدوان على طهران، إذ سعت الولايات المتحدة إلى التوصُّل إلى اتفاق سريع، بينما جعلت إيران من رفع العقوبات الاقتصادية بصورة كاملة وتوفير ضمانات تحول دون تكرار الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات شرطًا أساسيًّا لأي تسوية. وقد تمثَّلت العقدة الرئيسية في المفاوضات في غياب عرض أمريكي ملموس بشأن رفع العقوبات، وضمان تنفيذ الالتزامات الأمريكية مستقبلًا، وهو ما أبْقى الملف الاقتصادي في صلب الخلاف بين الطرفين.
في ذلك السياق، لم يقتصر الاقتصاد على كونه هدفًا للمفاوضات، بل تحوَّل إلى أداة لتعزيز استدامة أي اتفاق محتمل، فقد سبق أن طرحت الولايات المتحدة السماح للشركات الأمريكية الكبرى بدخول السوق الإيرانية والاستثمار في المشروعات الاقتصادية الضخمة باعتباره ضمانة تحُول دون انسحاب الإدارات الأمريكية اللاحقة من التفاهمات، مستفيدة من النفوذ الذي تتمتَّع به تلك الشركات داخل الكونجرس[4].
في المقابل، أبدت إيران استعدادًا لمنح الشركات الأمريكية فُرَصًا للاستثمار في مشروعاتها النووية السلمية، بما في ذلك المشاركة في إنشاء محطات نووية جديدة، في إطار ترتيبات اقتصادية مرتبطة بالتفاهم النووي، بما عكس سعي طهران إلى إعادة صياغة المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة بمنطق اقتصادي يتوافق مع أولويات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر تقديم الاتفاق “المتفاوض بشأنه آنذاك” باعتباره فرصة لتعزيز الاقتصاد الأمريكي بدلًا من الانخراط في مواجهة عسكرية مكلِّفة.
وفي هذا الإطار، روجت طهران لما وصفته بـ”فرصة التريليون دولار” التي يتيحها الاقتصاد الإيراني، مشيرة إلى إمكان مشاركة الشركات الأمريكية في مشروعات كبرى، بما يحوِّل الاتفاق من مجرد تسوية سياسية إلى شراكة اقتصادية تحقق مكاسب للطرفين.
ورغم ما توفِّره السوق الإيرانية من فرص في قطاعات النفط والغاز والتعدين والاقتصاد الرقمي، وما أبدته دول الخليج من استعداد لدعم التعاون الاقتصادي، فإن نجاح أي انفتاح اقتصادي كان مرتبطًا بقدرة الجانبين على بناء اتفاق مستقر يوفر ضمانات سياسية واقتصادية كافية للشركات والمستثمرين[5].
كما كان التنافس على الاقتصاد الإيراني جزءًا من البيئة المحيطة بالمفاوضات، في ظل انزعاج القوى الأوروبية من تهميش دورها وخشيتها من استئثار الولايات المتحدة بالمكاسب الاقتصادية داخل السوق الإيرانية، بينما سعت كل من روسيا والصين نحو الحفاظ على حصتيهما وعلاقاتهما الاقتصادية مع طهران في حال التوصُّل إلى اتفاق. في المقابل، حرصت إيران على طمأنة شركائها بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة لن يكون على حساب علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية معهم، بما عكس حقيقة أن مستقبل الاقتصاد الإيراني كان أحد أهم رهانات المفاوضات التي سبقت الحرب[6].
ج) توظيف إيران لمضيق هرمز كورقة ضغط على هامش المفاوضات
قبيل الحرب مباشرة، كانت إيران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، إذ تزامن تصاعد التهديدات العسكرية بين الجانبين مع عودة المضيق إلى واجهة المشهد بوصفه نقطة اختناق حيوية لأسواق الطاقة العالمية، وقادرًا على نقل التوتُّر من المستوى السياسي إلى صدمة اقتصادية دولية. ويستند هذا الدور إلى الأهمية الجيواقتصادية للمضيق الذي يعبره يوميًّا -قبيل الحرب- نحو 21 مليون برميل من النفط، إلى جانب أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا، بما جعله شريانًا رئيسيًّا لأمن الطاقة، خاصة بالنسبة للدول الآسيوية والأوروبية، وعزَّز من قيمته كورقة ضغط في أوقات الأزمات.
أشارت التقديرات حينَها إلى أن توظيف إيران لهذه الورقة لا يقتصر على التهديد بإغلاق المضيق، بل يشمل امتلاك وسائل عملية لتعطيل الملاحة البحرية، من بينها الألغام البحرية، والزوارق السريعة المزودة بالصواريخ والطوربيدات، والطائرات المسيَّرة الانتحارية، وتقنيات التشويش على أنظمة الملاحة، خاصة وأن طهران لوَّحت مرارًا باستخدام المضيق كورقة ضغط، كما حدث خلال أحداث عام 2019 حين استهدفت عددًا من الناقلات.
في نفس الوقت يكتسب المضيق أهمية خاصة بالنسبة لصادرات إيران من النفط ووارداتها من السلع الأساسية، وهو ما جعل هذه الورقة ذات تأثير متبادل رغم أهميتها الإستراتيجية[7].
د) حالة الترقُّب في الأسواق العالمية
في هذا السياق كانت الأسواق العالمية تترقَّب نتائج جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في جنيف، باعتبارها عاملًا مؤثرًا في اتجاهات عدد من القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها أسواق الطاقة، إذ كان المستثمرون يقيِّمون احتمالات تجنُّب مواجهة عسكرية قد تعطل إمدادات النفط من الشرق الأوسط، ولا سيما من إيران، ثالث أكبر منتج للخام في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، فضلًا عن ترقُّب المتعاملين انعكاسات نتائج المفاوضات على أسعار الخام، وتوازن العرض والطلب، وأمن الإمدادات العالمية.
ولم يقتصر هذا الترقُّب على قطاع الطاقة، بل امتدَّ إلى أسواق الذهب والمعادن النفيسة والعملات والأسواق المالية، في ظل ارتباط نتائج المفاوضات بمستوى المخاطر الجيوسياسية واتجاهات السياسة التجارية الأمريكية، فنجاح المسار الدبلوماسي كان من شأنه أن يخفِّف الإقبالَ على الملاذات الآمنة ويحد من الضغوط على أسعار الطاقة، بينما يؤدِّي تعثُّره أو تصاعد التوتُّرات إلى تعزيز الطلب على الذهب، وزيادة تقلُّبات الأسواق، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين المرتبطة بالمخاطر في منطقة الشرق الأوسط، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي العالمي[8].
تكشف المعطيات السابقة أن الاقتصاد كان حاضرًا في جميع مسارات الأزمة قبل اندلاع الحرب، سواء باعتباره محورًا رئيسيًّا في المفاوضات النووية، أو أداةً للضغط المتبادل بين واشنطن وطهران، أو من خلال ارتباط أمن الطاقة العالمي بمضيق هرمز، فضلًا عن حالة الترقُّب التي سيطرت على الأسواق العالمية انتظارًا لمآلات المسار الدبلوماسي.
وقد عكست هذه المؤشِّرات إدراكًا واسعًا بأن أي انهيار للمفاوضات أو انزلاق نحو المواجهة العسكرية ستكون له تداعيات اقتصادية دولية واسعة النطاق. غير أن الانتقال المفاجئ من مرحلة التفاوض إلى الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران في 28 فبراير 2026 نقل هذه المخاوف من نطاق التوقُّعات إلى واقع فعلي، لتدخلَ الأسواق العالمية مرحلةً جديدةً اتَّسمت بتصاعُد المخاطر الجيوسياسية، واهتزاز أسواق الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتجدُّد الضغوط التضخُّمية، وهي التداعيات التي يتناولها المحور التالي بالتحليل، من خلال رصد انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ثانيًا- الحرب وأزمة الطاقة العالمية: من اضطراب الأسواق إلى إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة
أ) مركزية الخليج العربي في منظومة الطاقة الدولية
تنبع خطورة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران من وقوعها في قلب أكثر مناطق العالم أهمية بالنسبة لإنتاج وتصدير الطاقة، فعلى الرغم من التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك توسُّع إنتاج النفط الصخري الأمريكي وتنامي مصادر الطاقة المتجدِّدة، ما تزال منطقة الخليج العربي تحتفظ بموقع محوري في معادلة أمن الطاقة العالمي.
يشغل الخليج العربي موقعًا محوريًّا في منظومة الطاقة الدولية، مستندًا إلى امتلاكه نحو 33% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة للنفط و21% من احتياطيات الغاز الطبيعي، إلى جانب إنتاجه ما يقارب 16,2 مليون برميل من النفط يوميًّا، بما يجعله أحد أهم مراكز تأمين إمدادات الطاقة للأسواق العالمية. ولا تقتصر أهمية المنطقة على إنتاج النفط والغاز، بل تمتد إلى توظيف الغاز الطبيعي في صناعات استراتيجية، وفي مقدمتها إنتاج اليوريا والأمونيا، الأمر الذي يربط أمن الطاقة الخليجي بالأمن الغذائي العالمي، ويعزِّز من دور المنطقة بوصفها ركيزة أساسية لسلاسل الإنتاج الصناعية والزراعية الدولية.
كما ترتبط مركزية الخليج في نظام الطاقة العالمي بأهمية ممرَّاته البحرية التي تعبر من خلالها نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز والمواد الأولية، ما يجعل استقرارها شرطًا لاستمرار انسياب التجارة العالمية وكفاءة سلاسل الإمداد. وقد أظهرت التطوُّرات الجيوسياسية الأخيرة أن أيَّ اضطراب في إنتاج الطاقة أو مسارات تصديرها ينعكس مباشرة على أسعار النفط والمواد الأولية، وتكاليف الشحن والتأمين، ومعدلات التضخم، والسياسات النقدية، واستقرار الأسواق المالية العالمية. ومن ثم، فإن دور الخليج في منظومة الطاقة يتجاوز كونه منطقة منتجة للموارد الهيدروكربونية، ليغدو ركيزةً أساسيةً للاستقرار الاقتصادي العالمي، بحكم تشابُك قطاع الطاقة فيه مع المنظومات الصناعية واللوجستية والتجارية والمالية على المستوى الدولي[9].
ومن منظور الاقتصاد السياسي الدولي، فإن هذه الحقائق تمنح المنطقة أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ تتحوَّل إلى مساحة حيوية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى المستهلكة للطاقة والمنتجة لها في الوقت ذاته.
ب) مضيق هرمز بوصفه نقطة الاختناق الأهم في الاقتصاد العالمي
يُعَدُّ مضيق هرمز أحد أهم الممرَّات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يفصل بين شبه الجزيرة العربية وإيران، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 54 كيلومترًا فقط، فيما تقتصر قنوات الملاحة المخصصة لعبور السفن على ممرين بعرض 3,7 كيلومتر لكلٍّ منهما، يفصل بينهما نطاق أمان، وهو ما يجعل حركة الملاحة فيه شديدة الحساسية لأي اضطرابات أمنية أو عسكرية.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية للمضيق من كونه أكبر نقطة اختناق لتجارة الطاقة العالمية، إذ عبره خلال عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم. كما تمثِّل محدودية البدائل المتاحة لتجاوز المضيق عاملًا يزيد من أهميته، حيث تعتمد غالبية الدول الخليجية المنتجة للنفط على هذا الممر لتصدير إنتاجها إلى الأسواق العالمية؛ الأمر الذي يجعل لأي تعطيل لحركة الملاحة فيه انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي[10].
وتتضاعف أهمية المضيق بسبب قابليته للتحول إلى أداة ضغط جيوسياسية في أوقات التوتُّرات والصراعات، إذ إن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، كما تمنح السيطرة الجزئية أو القدرة على تعطيل الملاحة عبره الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها إيران، قدرة على التأثير في التوازنات الاقتصادية والسياسية الدولية، بما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتأثيرًا في النظام العالمي للطاقة[11].
وتتجاوز أهمية مضيق هرمز مجرد كونه ممرًّا لنقل الطاقة، إذ يمثِّل أحد أبرز نقاط الاختناق البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، فأيُّ تعطُّل لحركة الملاحة فيه، ولو لفترة قصيرة، يؤدِّي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، وتأخير وصول الشحنات، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز عالميًّا. وتزداد حساسية هذا الممر بسبب محدودية البدائل المتاحة، إذ لا تستطيع خطوط الأنابيب القائمة في السعودية والإمارات سوى استيعاب جزءٍ من الصادرات، بينما تظلُّ معظم الإمدادات الخليجية معتمدة على المرور عبر المضيق.
وتبرز الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للمضيق أيضًا من خلال اعتماد الأسواق الآسيوية عليه بصورة كبيرة، إذ تتَّجه إليه غالبية صادرات النفط العابرة للمضيق، وفي مقدِّمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تستحوذ مجتمعة على معظم الكميات المنقولة. وفي المقابل، تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج مع تنامي إنتاجها المحلي، إلا أن استقرار مضيق هرمز يظل عاملًا حاسمًا لاستقرار أسواق الطاقة الدولية ككل، نظرًا لارتباط أسعار النفط العالمية وتدفُّقات التجارة البحرية بأمن هذا الممر الاستراتيجي[12].
وقد أعاد التصعيد العسكري في محيط مضيق هرمز إلى الواجهة سوابق تاريخية استُخدم فيها المضيق أداةً للضغط الاستراتيجي خلال فترات التوتُّر الإقليمي، وفي مقدِّمتها مرحلة “حرب الناقلات” في ثمانينيَّات القرن العشرين، عندما تعرَّضت السفن التجارية وناقلات النفط لهجمات متكرِّرة؛ ما استدعى تدخُّلًا عسكريًّا دوليًّا لتأمين الملاحة.
استحضرت تطوُّرات الحرب الأخيرة مشاهد حرب الناقلات، في ظلِّ تصاعد الهجمات على السفن واعتراض الصواريخ والطائرات المسيَّرة في عدد من دول الخليج، إلى جانب تنامي المخاوف من تهديد الملاحة عبر الألغام البحرية أو الزوارق السريعة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز الوجود البحري وطرح سيناريو مرافقة ناقلات النفط عسكريًّا. وقد عكست هذه التطوُّرات استمرارَ الأهمية الجيوسياسية للمضيق[13].
ج) آليات انتقال الصدمة النفطية إلى الاقتصاد العالمي
لا تقتصر آثار الحرب على ارتفاع أسعار النفط الخام، بل تنتقل الصدمة عبر عدة قنوات مترابطة:
- صدمة العرض الناتجة عن انهيار التدفقات عبر مضيق هرمز
تتمثَّل أولى آليات انتقال الصدمة في الانهيار الحاد في جانب العرض النفطي العالمي نتيجة شبه توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث انخفض عدد السفن اليومية العابرة من نحو 129 سفينة إلى 6 سفن فقط في مارس 2026، أي تراجع يقارب 95%، مع استمرار الأداء المنخفض عند 9-11 سفينة خلال الأشهر التالية. وتزامن ذلك مع هبوط السعة الأسبوعية للشحن من 22,9 مليون طن متري إلى نحو مليون طن، بما يعكس انخفاضًا يتجاوز 95% في التدفُّقات النفطية واللوجستية. وقد أسَّس هذا الانكماش الحاد في المعروض صدمة مباشرة في الأسواق العالمية للطاقة[14].
- تصاعد تكاليف المخاطر والتأمين كقناة تضخيم للصدمة
انتقلت الصدمة عبر آلية تسعير المخاطر، حيث ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بأكثر من 1000% خلال فترة قصيرة، إذ قفزت من 0,1-0,3% إلى 2,5-5% من قيمة السفينة. وبالنسبة لناقلات النفط العملاقة، بلغت التكلفة الإضافية للرحلة الواحدة بين 2,5 و7,5 ملايين دولار، بينما وصلت في ناقلات متوسطة إلى 80-120 ألف دولار لكل رحلة قصيرة الأجل مما ضاعف تكلفة التجارة النفطية عالميًّا وأعادت تسعير المخاطر في سلاسل النقل البحري[15].
- صدمة الإمدادات المباشرة وتراجع الإنتاج في الدول المنتجة
توضح أحدث تقديرات الوكالة الدولية للطاقة أن المعروض العالمي من النفط سيتراجع خلال 2026 بمقدار3,9 ملايين برميل يوميًّا ليبلغ متوسط الإنتاج نحو 102,4 مليون برميل يوميًّا، قبل أن يرتفع مجدَّدًا في عام 2027 إلى110,3 ملايين برميل يوميًّا مع تعافي الإنتاج. وأوضحت أن الإنتاج العالمي في مايو قد انخفض إلى 94,5 مليون برميل يوميًّا، أي أقل بنحو 13,6 مليون برميل يوميًّا مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب[16].
في قطر، فُرضت حالة القوة القاهرة على إنتاج غاز مُسال يبلغ 77,4 مليون طن سنويًّا[17]، ما يعكس انتقال الصدمة من النقل إلى الإنتاج الفعلي.
ورغم أن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يفتح المجال أمام استئناف صادرات النفط الإيرانية وإعادة تنشيط صادرات الخليج، فإن الوكالة توضح أن استمرار القيود التشغيلية والسياسية، مثل إزالة الألغام البحرية وإعادة تنظيم مسارات النقل، يجعل وتيرة التعافي عرضة للمخاطر[18].
- تقلبات الأسعار العالمية: بين التضخم ومؤشرات الاتفاق
انعكست اختلالات العرض مباشرة على الأسعار العالمية، حيث ارتفع سعر خام برنت بنسبة 41% خلال أسابيع، من 72,5 دولارًا إلى 118,4 دولارًا للبرميل، وبلغ ذروته عند 126,4 دولارًا في أبريل 2026. وامتدَّت هذه الصدمة إلى الاقتصاد الكلي، إذ ارتفع التضخم في الولايات المتحدة إلى 3,8%، وفي الفلبين إلى 7,2%، وفي تركيا إلى 32,4%، ما يوضح انتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى التضخُّم العالمي عبر قنوات الأسعار[19].
ومع تزايد التوقُّعات بإمكانية التوصُّل إلى اتفاق يُنهي الحرب بشكل نهائي، انخفض سعر خام بحر الشمال بأكثر من 40 دولارًا للبرميل ليستقرَّ قُرب 82 دولارًا للبرميل خلال الفترة بين مايو ومنتصف يونيو. وأسْهم الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقَّت، إلى جانب زيادة صادرات الخليج والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وضعف الطلب العالمي، في دفع خام برنت إلى التداول قرب 81 دولارًا للبرميل، وهو مستوى يقل بنحو 37 دولارًا عن الذروة التي سجلها في أبريل[20].
- انتقال الصدمة إلى سلاسل الإمداد والصناعة والأمن الغذائي
امتدَّت الآثار إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث ارتفعت تكاليف مدخلات الإنتاج عالميًّا إلى أسرع وتيرة منذ نوفمبر 2022، وتباطأَ النموُّ العالميُّ إلى ما بين 2 و2,5% بدلًا من 3%، كما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 5% خلال شهرين فقط، وقفزت أسعار الزيوت والأعلاف بنسبة 10%، وارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية بين 40% و60%، مع احتمال زيادة تجاوز 50%، مما يعكس انتقال الصدمة من الطاقة إلى الصناعة والزراعة والأمن الغذائي في حلقة تضخيم مترابطة[21].
- انتقال الصدمة إلى الأوضاع المالية والاستقرار الاقتصادي العالمي
أفضت الصدمة النفطية كذلك إلى ضغوط واسعة على الأوضاع المالية للدول، ولا سيما الاقتصادات المستوردة للطاقة، التي واجهت ارتفاعًا في فاتورة الواردات وعجز الموازنات والحسابات الجارية، إلى جانب تزايد الضغوط التضخمية والاجتماعية. كما دفعت حالة عدم اليقين الحكومات والشركات إلى إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية، وتأجيل بعض الاستثمارات، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة. وفي المقابل، حفزت الأزمة تسارُع الاستثمارات في الطاقة المتجدِّدة، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز سياسات أمن الطاقة، بما يعكس انتقال الصدمة من مجرد اضطراب مؤقَّت في أسواق النفط إلى عامل مؤثِّر في إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية والطاقة العالمية على المديين المتوسط والطويل[22].
ومن ثم فإن الحرب لم تهدِّد أسواق الطاقة فحسْب، بل مثَّلت عامل ضغط على مجمل الاقتصاد العالمي.
د) استنزاف المخزونات النفطية العالمية
شهدت المخزونات النفطية العالمية انخفاضًا متسارعًا خلال الأشهر الأولى من الأزمة، حيث تراجعت المخزونات المرصودة في مايو بنحو 143 مليون برميل، بما يعادل 4,6 ملايين برميل يوميًّا، مقارنة بانخفاض بلغ 74 مليون برميل في أبريل. وبلغ متوسط السحب من المخزونات منذ بداية الحرب نحو 3,8 ملايين برميل يوميًّا، توزَّعت بين 2,4 مليون برميل من النفط الخام و1,4 مليون برميل من المنتجات النفطية. كما انخفضت المخزونات الاستراتيجية الحكومية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمقدار 163 مليون برميل لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1990، نتيجة تسارع عمليات السحب الطارئ لتهدئة الأسواق[23].
ه) تعطُّل تجارة الغاز الطبيعي المسال وتداعياتها
لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على تجارة النفط، بل يمتد دوره إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث تمر عبره الغالبية الساحقة من صادرات قطر والإمارات، ففي عام 2025 بلغت صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال أكثر من 112 مليار متر مكعب، بينما صدَّرت الإمارات نحو 7 مليارات متر مكعب، ليمثِّل إجمالي الغاز المار عبر المضيق ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا.
وتعتمد قطر والإمارات بشكل شبه كامل على المضيق لتصدير الغاز، إذ تمرُّ عبرَه نحو 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات، في ظل غياب مسارات بديلة قادرة على إيصال هذه الكميات إلى الأسواق العالمية. وتستحوذ الأسواق الآسيوية على نحو 90% من هذه الصادرات، بينما تستقبل أوروبا ما يزيد قليلًا على 10%، وهو ما يجعل اقتصادات آسيا الأكثر تعرُّضًا لتداعيات أي تعطيل في الملاحة.
ويؤدِّي أيُّ إغلاق للمضيق إلى صدمة قوية في سوق الغاز الطبيعي المُسال، عبر فقدان الأسواق العالمية أكثر من 300 مليون متر مكعب يوميًّا من الإمدادات، وهي كمية تعادل ضعف متوسط تدفقات الغاز التي كانت تمر عبر خط أنابيب نورد ستريم عام 2021. ونظرًا لأن معظم محطات إسالة الغاز في الدول المصدرة الأخرى تعمل بالقرب من طاقتها القصوى، فلن يكون من الممكن تعويض هذه الكميات خلال فترة قصيرة[24].
و) نحو إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة العالمية لإعادة توزيع المخاطر
تكشف الحرب الإيرانية-الأمريكية، بتصعيدها العسكري المباشر وانخراط إسرائيل، عن تحوُّل جوهري في بنية نظام الطاقة العالمي، إذ لم تعد أسواق النفط والغاز محكومة بمعادلات العرض والطلب وحسْب، بل أصبحت رهينةً لمخاطر الجغرافيا السياسية وتعطُّل مسارات النقل. ويبرز هنا تحوُّل مفاهيمي من “أمن الإمدادات” إلى “أمن المسارات”، أي إن الإشكالية لم تَعُدْ في توافر موارد الطاقة بقدر ما أصبحت في ضمان وصولها عبر ممرات آمنة في بيئة عالية الاضطراب.
على المستوى التشغيلي للأسواق، أدَّت حالة التصعيد إلى ارتفاع فوري في تكاليف النقل والتأمين البحري، إذ ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط بشكل تلقائي مع كل موجة توتُّر، ما ينعكس على أسعار الشحن وسلاسل الإمداد حتى دون وقوع هجمات مباشرة. وتُظهر تجارب موازية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر أن التهديد المحدود كفيل بإعادة توجيه حركة التجارة نحو مسارات أطول مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف أسابيع إضافية إلى زمن الإمداد ويضاعف التكلفة اللوجستية. وتؤكد هذه التحولات أن المخاطر اليوم لم تعد مرتبطة بانقطاع الإمدادات وحدها، بل باضطراب هندسة النقل ذاتها.
استجابةً لهذا الواقع، تتسارع عملية “إعادة هندسة جغرافيا الطاقة” عبر تطوير ممرات بديلة لتقليل الاعتماد على المضايق الحسَّاسة، ففي الخليج، برز خط أنابيب شرق-غرب في السعودية كمسار استراتيجي لنقل النفط إلى البحر الأحمر متجاوزًا هرمز بالكامل، إلى جانب خط الفجيرة في الإمارات الذي يتيح تصدير الخام خارج الخليج مباشرة.
وعلى المستوى الأوسع، أعادت أوروبا توجيه وارداتها من الغاز بعد أزمة أوكرانيا نحو الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر، مع تعزيز الإمدادات من النرويج والجزائر، فيما تتَّجه مشروعات شرق المتوسط إلى تحويل المنطقة إلى عقدة إسالة وإعادة تصدير. تعكس هذه التحولات، المدفوعة بالأزمات، انتقال نظام الطاقة إلى نموذج متعدد المسارات أكثر تعقيدًا لكنه أقل استقرارًا، حيث تتراجع مركزية الجغرافيا لصالح شبكات بديلة متشابكة، دون أن يلغي ذلك استمرار المخاطر بل يعيد توزيعها[25].
ثالثًا- الحرب ومسارات التجارة العالمية: المضائق البحرية وسلاسل الإمداد تحت الضغط
أ) الممرات البحرية الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي
تشكِّل الممرَّات البحرية في الشرق الأوسط أحد الأعمدة الحاكمة للتجارة الدولية، إذ تمرُّ عبرَها نسبة معتبرة من تدفُّقات السِّلع بين آسيا وأوروبا. وتبرز في هذا السياق مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس باعتبارها نقاط اختناق استراتيجية في شبكة النقل البحري العالمي، إذ ترتبط بها حركة الطاقة والسلع الأولية وسلاسل الإنتاج الصناعي. ويؤدي أي اضطراب أمني أو عسكري في هذه الممرَّات إلى انعكاسات فورية على كفاءة التجارة العالمية من حيث الزمن والتكلفة والاستقرار التشغيلي، بما يعكس هشاشة البنية اللوجستية المعتمدة على المسارات البحرية القصيرة[26].
ب) مضيق باب المندب: البوابة الجنوبية للتجارة بين آسيا وأوروبا ودروس حرب غزة
يمثِّل مضيقُ باب المندب نقطةَ ارتكازٍ حيويةٍ تربطُ البحرَ الأحمرَ بالمحيط الهندي، ويعدُّ بوابةً جنوبيةً رئيسيةً لحركة التجارة العالمية المتَّجهة نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية. وقد ازدادت أهميَّته الاستراتيجية مع تصاعد التوتُّرات الإقليمية، باعتباره جزءًا من منظومة الممرَّات التي تُستخدم لنقل الطاقة والسلع عبر خطوط الشحن الدولية، ومن ثم فإن أي تهديد للملاحة فيه ينعكس مباشرة على تدفُّقات التجارة، إذ يدفع شركات النقل إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية والبحث عن بدائل أطول وأكثر تكلفة، بما يضع ضغطًا إضافيًّا على سلاسل الإمداد العالمية.
وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر خلال الفترة 2023-2025 إبان حرب طوفان الأقصى أن الممرَّات البحرية الحسَّاسة يمكن أن تتحوَّل بسرعة إلى نقاط تعطيل واسعة للتجارة الدولية عند تصاعد المخاطر الجيوسياسية، فقد أدَّت التهديدات الأمنية واضطرابات الملاحة إلى تغيير مسارات عددٍ كبيرٍ من السُّفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما تسبَّب في إطالة زمن الشحن وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين. كما كشفت الأزمة عن اعتماد مفرط في النظام التجاري العالمي على مسارات محدودة، وعن محدودية قدرة سلاسل الإمداد على امتصاص الصدمات المفاجئة في مناطق العبور الاستراتيجية[27].
ج) سلاسل الإمداد العالمية في مواجهة موجة اضطراب جديدة
أدَّت الحربُ إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد للسلع الأساسية وغير المرتبطة بالطاقة، حيث تسبَّب تغيير مسارات السُّفن وناقلات الحاويات في زيادة تكاليف النقل وإطالة فترات التسليم، كما ساهمت اضطرابات الحركة الجوية في مراكز رئيسية بالخليج في الضغط على قطاع السياحة وتعقيد العمليات التجارية. ويضاف إلى ذلك تعطُّل شحنات الأسمدة، حيث يمر نحو ثلثها عبر مضيق هرمز، ما يُثير مخاوف بشأن الأمن الغذائي[28].
وتؤكِّد التقديرات الدولية أن هذه الاضطرابات تؤثِّر على كفاءة الإنتاج الصناعي عالميًّا، خاصة في القطاعات المعتمدة على “التوريد في الوقت المحدد”، مثل الصناعات الإلكترونية والسيارات والغذاء[29].
د) ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
أدَّت إعادة توجيه مسارات النقل البحري إلى ارتفاع واضح في تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب زيادة زمن التسليم. وتنعكس هذه الزيادات مباشرةً على أسعار السلع الأولية وسلاسل الإنتاج، بما يعمِّق الضغوطَ التضخُّمية عالميًّا ويزيد من تكلفة التجارة الدولية[30].
ومع ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي، اتَّجهت شركات النقل والتأمين إلى فرض علاوات مخاطر إضافية، كما لجأت بعض الشركات إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول، بما رفع التكلفة الإجمالية لسلسلة النقل. وقد انعكس ذلك في ارتفاع أسعار عدد من السلع في الأسواق العالمية، نتيجة انتقال تكلفة الشحن إلى المستهلك النهائي، بما يعزز الضغوط التضخُّمية على الاقتصاد العالمي[31].
رابعًا- الحرب والاقتصادات الأوروبية والآسيوية والنامية: صدمة الطاقة وكشف الاختلالات الهيكلية
تتَّجه غالبية صادرات النفط العابرة لمضيق هرمز نحو الأسواق الآسيوية، التي تستحوذ على نحو 80% من إجمالي الشحنات النفطية. وتعد الصين والهند أكبر المستوردين، إذ استقبلتا معًا نحو 44% من صادرات النفط الخام المارَّة عبر المضيق خلال عام 2025، كما تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
وفي المقابل، تمثِّل أوروبا وجهةً محدودةً نسبيًّا لصادرات النفط العابرة للمضيق، إذ لم تتجاوز الكمِّيَّات المتَّجهة إليها نحو 600 ألف برميل يوميًّا، أي ما يعادل حوالي 4% فقط من إجمالي صادرات النفط الخام عبر هرمز. ومع ذلك، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة سيؤثر على السوق الأوروبية بصورة غير مباشرة من خلال ارتفاع الأسعار العالمية وتزايد المنافسة على الإمدادات البديلة[32].
أ) الصراع ومفاقمة أزمة الاقتصادات الأوروبية في خضم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية
شكَّلت الحرب بين إيران والولايات المتحدة ضغطًا إضافيًّا على الاقتصاد الأوروبي في لحظة حسَّاسة ما زالت فيها القارة تتعامل مع ارتدادات أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أثار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز مخاوف من تعطل إمدادات الطاقة والأسمدة وارتفاع فاتورة الاستيراد، بما انعكس في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وإعادة توجيه السفن عبر مسارات أطول مثل رأس الرجاء الصالح، بما يؤدِّي إلى تأخير سلاسل الإمداد ورفع تكلفة نقل السلع والمواد الخام إلى الأسواق الأوروبية، خاصة في الاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد على الطاقة المستوردة.
وتظهر المؤشرات الكلية حجم هذا الضغط بشكل مباشر، إذ تتوقع المفوضية الأوروبية تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1,1% بدلًا من 1,5% سابقًا، بالتوازي مع ارتفاع التضخم في الاتحاد الأوروبي من 1,9% إلى 3,1%، وفي منطقة اليورو من 2,1% إلى 3%، كما تراجعت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوى في ثلاث سنوات بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد تكاليف المعيشة. وتتعرَّض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والصلب والأسمدة والألومنيوم، لضغوط تشغيلية قد تدفعها إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار[33].
ويؤدِّي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء، الأمر الذي يغذي الضغوط التضخمية ويحد من القدرة الشرائية للأسر الأوروبية. وتزداد المخاطر بالنسبة لدول مثل ألمانيا وإيطاليا، اللتين تعتمدان بصورة كبيرة على واردات الغاز الطبيعي المسال بعد تراجع الإمدادات الروسية، بما يهدد بإبطاء النشاط الصناعي وتراجع معدلات النمو الاقتصادي.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الأسواق المالية والتجارة الخارجية، حيث تؤدِّي حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى تقلُّبات في أسواق الأسهم والسندات، وتراجُع ثقة المستثمرين، وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة، كما تتأثَّر التجارة الأوروبية مع آسيا والشرق الأوسط نتيجة اضطراب خطوط الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن[34].
وتُشير هذه التداعيات إلى أن صدمة الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز أعادت إبراز هشاشة الاعتماد الأوروبي على الاستيراد، إذ تستورد دول الاتحاد نحو 97% من احتياجاتها النفطية وما يقارب 90% من الغاز، مع اعتماد واسع على الغاز الطبيعي المسال الذي يشكِّل قرابة 38% من إجمالي الواردات. يجعل هذا الانكشاف الهيكلي أيَّ اضطراب في الإمدادات، حتى لو كان مؤقَّتًا، قادرًا على توليد صدمات سعرية مباشرة، وهو ما انعكس في ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 60% والنفط بأكثر من 50%، ما عَمَّقَ الضغوطَ على ميزانيَّات الأُسر والشركات وأعاد تسريع دورة التضخُّم إلى مستويات تتجاوز المستهدفات النقدية للبنك المركزي الأوروبي.
كما كشفت الأزمة عن تكاليف اقتصادية مباشرة تتحمَّلها الاقتصادات الأوروبية، إذ تُقدَّر الخسائر اليومية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 500 مليون يورو، إضافة إلى زيادة فاتورة الاستيراد بنحو 27 مليار يورو خلال أول شهرين من الحرب، ما يفاقم العجز الخارجي ويضغط على السياسات المالية. وفي هذا السياق، يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد السياسة النقدية عبر رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قد تصل إلى 2,25%، بما يضيف عبئًا إضافيًّا على تكلفة الاقتراض للأسر والشركات. ومع استمرار اضطراب الإمدادات عبر الممرَّات البحرية وتزايد المخاطر الجيوسياسية، تتعزَّز احتمالات دخول الاقتصاد الأوروبي في حلقة تباطؤ ممتدة، تتداخل فيها صدمة الطاقة مع ضعف الإنتاج الصناعي وتراجع الاستثمار، بما يحد من قدرة القارة على استعادة مستويات نمو ما قبل الأزمة في المدى القريب[35].
ب) اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ الأكثر معاناة
تشير التقديرات إلى أن اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ تُعَدُّ الأكثر تعرُّضًا لتداعيات الحرب على إيران، نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج العربي عبر مضيق هرمز. ووفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد تتكبد المنطقة خسائر إنتاجية تصل إلى 299 مليار دولار، بما يعادل 0,8% من ناتجها المحلي الإجمالي، مع تعرُّض ملايين الأشخاص لخطر الانزلاق إلى الفقر. ويعود ذلك إلى الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وما يرافقها من ضغوط تضخمية وتباطؤ في النشاط الاقتصادي.
وتتفاقم هشاشة الاقتصادات الآسيوية بسبب اعتماد نموذجها التنموي على استيراد الطاقة منخفضة التكلفة لدعم الصناعات التصديرية كثيفة الاستهلاك للطاقة، فمع مرور نحو 90% من النفط العابر عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، وقد أدَّى اضطراب الملاحة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والصناعات البتروكيماوية وسلاسل الإمداد، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعات نمو اقتصاد آسيا ورفع تقديراته لمعدلات التضخم خلال عامي 2026 و2027، مع استمرار المخاوف من تعرُّض إمدادات الطاقة لمزيد من الاضطرابات.
وفي مواجهة هذه التداعيات، تبنَّت الدولُ الآسيويةُ سياسات متفاوتة للحدِّ من آثار أزمة الطاقة، شملت توسيع الاعتماد على الفحم والطاقة النووية في اليابان وكوريا الجنوبية، وتقليص استهلاك الوقود والطاقة عبر إجراءات لترشيد الاستهلاك في دول أخرى، إلى جانب تعزيز المخزونات الاستراتيجية وتنويع مصادر الإمداد. إلا أن هذه التدابير تظل قادرة على تخفيف حدَّة الصدمة دون إلغائها، إذ يبقى استمرار الحرب أو تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز عاملًا يفرض ضغوطًا هيكلية على الاقتصادات الآسيوية، ولا سيما الصين التي تتحمَّل جانبًا كبيرًا من التداعيات الجيو-اقتصادية المرتبطة بالأزمة[36].
ج) التداعيات على الاقتصادات النامية: ارتفاع الأسعار ومخاطر انعدام الأمن الغذائي
تُعَدُّ الاقتصادات النامية الأكثر تعرُّضًا لتداعيات اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، نظرًا لاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء والمواد الخام والسلع الوسيطة، فقد أدَّى ارتفاع أسعار النقل والتأمين إلى زيادة تكلفة الواردات، بما انعكس على مستويات الأسعار المحلية، خاصة في السلع الغذائية الأساسية، كما تواجه هذه الاقتصادات تحديات إضافية تتمثَّل في ضعف القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وارتفاع هشاشة ميزان المدفوعات أمام تقلُّبات التجارة العالمية[37].
ومن المتوقَّع أن يترتَّب على ذلك ارتفاعٌ حادٌّ في أسعار الغاز العالمية، واحتدام المنافسة على الشحنات الفورية، خاصة بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، كما ستواجه الدول الأكثر اعتمادًا على الغاز القطري والإماراتي، مثل بنجلاديش والهند وباكستان، تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها، الأمر الذي قد ينعكس على أمن إمدادات الكهرباء، ويؤدِّي إلى خفض الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعة الأسمدة والبتروكيماويات، فضلًا عن اضطرار العديد من الدول إلى تطبيق برامج لترشيد الاستهلاك وتقليص الطلب الصناعي للحفاظ على استقرار منظومات الطاقة[38].
كما تتزايد في هذه الدول مخاطر انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في البلدان منخفضة الدخل حيث تمثِّل الأغذيةُ نسبةً مرتفعةً من الاستهلاك، ويؤدِّي ذلك إلى آثار اجتماعية واقتصادية أكثر حدَّة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة[39].
خامسًا- الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران واحتمالات تعافي أسواق الطاقة العالمية
أوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الاتفاق المؤقَّت بين الولايات المتحدة وإيران يمثِّل نقطةَ تحوُّل مهمَّة في سوق النفط العالمية، إذ يُتيح إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الصادرات النفطية الإيرانية تدريجيًّا بعد رفع القيود الأمريكية. وقد بدأت بالفعل تدفُّقات النفط عبر المضيق في التعافي خلال يونيو، مرتفعة من نحو 9,6 ملايين برميل يوميًّا في مايو إلى قرابة 12 مليون برميل يوميًّا.
ومع ذلك، أكَّدت الوكالة الدولية للطاقة أن التعافي الكامل سيظل مرهونًا بإزالة الألغام البحرية وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد والنقل. وتشير تقديرات الوكالة إلى أن عام 2027 قد يشهد فائضًا ملحوظًا في السوق العالمية، مع ارتفاع الإمدادات إلى نحو 110 ملايين برميل يوميًّا مقابل طلب يبلغ 105,3 ملايين برميل يوميًّا، وهو ما قد يوفِّر فرصةً لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية وتعزيز أمن الطاقة العالمي[40].
في نفس الوقت، تظلُّ البدائل المتاحة لتجاوز مضيق هرمز محدودة من حيث الطاقة الاستيعابية والجاهزية التشغيلية، فالإمارات تمتلك خط أنابيب أبو ظبي للنفط الخام الممتد إلى ميناء الفجيرة بطاقة تقارب 1,8 مليون برميل يوميًّا، إلا أن الجزء غير المستغل لا يتجاوز نحو 700 ألف برميل يوميًّا. أمَّا السعودية، فتعتمد على منظومة خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتدَّة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والتي تبلغ طاقتُها التصميمية 5 ملايين برميل يوميًّا، مع إعلان رفعها إلى 7 ملايين برميل يوميًّا، رغم أن هذا المستوى لم يُختبر بصورة مستدامة. وتشير التقديرات إلى وجود طاقة فائضة تتراوح بين 3 و5 ملايين برميل يوميًّا فقط، وهو ما يعني أن القدرة الإجمالية للخطوط البديلة لا تتجاوز 3,5-5,5 ملايين برميل يوميًّا، أي أقل بكثير من حجم النفط الذي يمرُّ عبر المضيق. أمَّا مشروع خط أنابيب جاسك الإيراني، الذي تبلغ طاقته التقديرية مليون برميل يوميًّا، فما يزال غير مشغَّل بصورة تجارية، وبالتالي لا يمثِّل بديلًا فعليًّا للصادرات الإيرانية.
وتعني محدودية البدائل أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيؤدِّي إلى اضطرابات واسعة في سوق النفط العالمية، خاصة إذا استمرَّ لفترة طويلة، فمن المرجَّح أن تشهد الأسعار ارتفاعًا حادًّا، مع ظهور نقص فعلي في الإمدادات نتيجة تعطُّل صادرات دول الخليج، فضلًا عن تعذُّر الاستفادة من الجزء الأكبر من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية العالمية، التي تتركَّز أساسًا في السعودية وتجاوزت أربعة ملايين برميل يوميًّا خلال الربع الأخير من عام 2025.
ولا يقتصر التأثير على الدول المستوردة مباشرة من الخليج، بل يمتد إلى السوق العالمية بأكملها، نظرًا لأن أسعار النفط تتحدَّد في سوق عالمية مترابطة. ولذلك، فإن أيَّ اضطراب في المضيق سينعكس سريعًا على تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج الصناعي في مختلف الاقتصادات، حتى تلك التي لا تعتمد بصورة مباشرة على نفط الخليج[41].
ويعني ذلك أن مؤشِّرات تعافِي أسواق الطاقة العالمية ومن ورائها الاقتصاد العالمي ستبقى رهينة التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا فيما يتعلَّق بمسارات الحرب والدبلوماسية بين إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة ثانية.
خاتمة:
تكشف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أن الصراعات المسلَّحة في الشرق الأوسط لم تعد ذات آثار إقليمية فحسب، بل أصبحت مصدرًا مباشرًا لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي عبر قنوات الطاقة والتجارة، فقد كان الاقتصاد حاضرًا في جميع مراحل الأزمة، بدءًا من المفاوضات النووية التي ارتبط نجاحها برفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي، مرورًا بتوظيف مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، وصولًا إلى انتقال المواجهة العسكرية إلى صدمات واسعة أصابت أسواق النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، والنقل البحري، والتضخُّم، والاستقرار المالي العالمي.
وقد جعلت مركزية الخليج العربي ومضيق هرمز في منظومة الطاقة الدولية من أي اضطراب في الملاحة أو الإمدادات عاملًا قادرًا على إحداث آثار متسلسلة تمتدُّ من ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، ثم انتقال الضغوط إلى الإنتاج الصناعي والأمن الغذائي والنمو الاقتصادي.
كما كشفت الأزمة عن تفاوت قدرة الاقتصادات على استيعاب الصدمة؛ إذ كانت الاقتصادات الآسيوية الأكثر تعرُّضًا بحكم اعتمادها الكبير على نفط الخليج، بينما واجهت أوروبا ضغوطًا إضافية نتيجة استمرار تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية، في حين تحملت الاقتصادات النامية العبء الأكبر بسبب ارتفاع تكاليف الواردات والغذاء والطاقة وضعف قدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية.
كما سرعت الحرب التحول في بنية نظام الطاقة العالمي، من التركيز على أمن الإمدادات إلى التركيز على أمن الممرَّات البحرية، ودفعت الدول إلى إعادة هندسة جغرافيا الطاقة عبر تنويع مصادر الإمداد، وتطوير خطوط الأنابيب البديلة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، والتوسُّع في الاستثمار في الطاقة المتجدِّدة. ومع ذلك، يظلُّ نجاحُ هذه البدائل محدودًا في ظلِّ استمرار الاعتماد الكبير على مضيق هرمز، بما يعني أن استقرار أسواق الطاقة العالمية سيبقى مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية في الخليج.
وفي هذا السياق، يمثِّل الاتفاق المؤقَّت بين واشنطن وطهران فرصة لتخفيف حدة الاضطرابات واستعادة جزء من التوازن في أسواق الطاقة، إلا أن التعافي الكامل يظل مشروطًا باستدامة التهدئة، وتأمين الملاحة البحرية، وإعادة بناء سلاسل الإمداد. ومن ثم، تؤكد هذه الأزمة أن الجغرافيا السياسية للطاقة ستظل أحد المحددات الرئيسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، وأن إدارة المخاطر المرتبطة بالممرَّات البحرية الاستراتيجية أصبحت عنصرًا أساسيًّا في سياسات الأمن الاقتصادي للدول خلال المرحلة المقبلة.
قائمة المراجع
[1] عماد الزوري، الخليج العربي شريان طاقة العالم في مرمى النيران، الجزيرة نت، 11 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4412iFJ
[2] 100 يوم على حرب إيران: كيف تأثرت الأسواق العالمية والاقتصاد؟، سي إن بي سي عربية، 7 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia1
[3] Patrick Wintour and Andrew Roth, US-Iran nuclear talks end without a deal as threat of war grows, The Guardian, 26 February 2026, available at: https://bit.ly/QaDaia2
[4] عماد أبشناس، مفاوضات أمريكا وإيران: ماذا قيل في الغرف المغلقة؟، الجزيرة نت، 4 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia3
[5] عباس اللواتي، تحليل لـCNN: إيران تغازل ترامب بفرصة الـ”تريليون دولار”.. لكن هل يُثري الاتفاق النووي أمريكا؟، سي إن إن بالعربية، 1 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia4
[6] عماد أبشناس، مفاوضات أمريكا وإيران: ماذا قيل في الغرف المغلقة؟، مرجع سابق.
[7] ماذا سيحدث لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟، الجزيرة نت، 1 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia5
[8] الذهب والنفط يصعدان وترقب لمحادثات أمريكا وإيران، الجزيرة نت، 26 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia6
[9] الخليج العربي.. مركز اقتصاد عالمي يجمع الطاقة والمعادن وغيرها، اتحاد المصارف العربية، 2 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia7
[10] Strait of Hormuz Factsheet, IEA, available at: https://bit.ly/QaDaia8
[11] آسية إبراهيم، كيف أعادت الحرب على إيران تشكيل توزيع القوة عالميا؟، الجزيرة نت، 19 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia9
[12] The Strait of Hormuz is the world’s most important oil transit chokepoint, EIA, 21 November 2023, available at: https://bit.ly/QaDaia10
[13] معركة الألغام في هرمز.. هل تعيد سيناريو “حرب الناقلات”؟، الجزيرة نت، 11 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia11
[14] أسواق الطاقة العالمية بين اضطراب الإمدادات وتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، رئاسة مجلس الوزراء المصري، 26 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia12
[15] المرجع السابق.
[16] Oil Market Report – June 2026, IEA, 17 June 2026, available at: https://bit.ly/QaDaia13
[17] أسواق الطاقة العالمية بين اضطراب الإمدادات وتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، مصدر سابق.
[18] Oil Market Report – June 2026, Op. cit.
[19] أسواق الطاقة العالمية بين اضطراب الإمدادات وتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، مصدر سابق.
[20] Oil Market Report – June 2026, Op. cit.
[21] أسواق الطاقة العالمية بين اضطراب الإمدادات وتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، مرجع سابق.
[22] المرجع السابق.
[23] Oil Market Report – June 2026, Op. cit.
[24] Strait of Hormuz Factsheet, Op. cit.
[25] منال سخري، كيف تعيد حرب إيران تشكيل خريطة الطاقة العالمية؟، منصة الطاقة، 9 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia14
[26] مغاوري شلبي، التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، السياسة الدولية، 8 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://www.siyassa.org.eg/News/22339.aspx
[27] المرجع السابق.
[28] توبياس أدريان وآخرون، كيف تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على الطاقة والتجارة والتمويل؟، صندوق النقد الدولي، 31 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia15
[29] مغاوري شلبي، التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، مرجع سابق.
[30] توبياس أدريان وآخرون، كيف تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على الطاقة والتجارة والتمويل؟، مرجع سابق.
[31] مغاوري شلبي، التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، مرجع سابق.
[32] Strait of Hormuz Factsheet, Op. cit.
[33] كيف تأثر الاقتصاد الأوروبي بأزمة مضيق هرمز؟، الجزيرة نت، 31 مايو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia16
[34] أحمد صلاح، ارتدادات متشابكة: كيف تؤثر حرب إيران في السياسة والأمن والاقتصاد الأوروبي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia17
[35] كيف كشفت حرب إيران عن نقاط ضعف اقتصادات أوروبا؟، الجزيرة نت، 9 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia18
[36] خالد مجدوب، حرب إيران.. لماذا اقتصادات آسيا الأكثر تضررًا؟ (تقرير)، وكالة الأناضول، 20 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/QaDaia19
[37] مغاوري شلبي، التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، مرجع سابق.
[38] Strait of Hormuz Factsheet, Op. cit.
[39] توبياس أدريان وآخرون، كيف تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على الطاقة والتجارة والتمويل؟، مرجع سابق.
[40] Oil Market Report – June 2026, Op. cit.
[41] Ibid.
نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026








