ندوات ومؤتمرات

محاولة لفهم المجتمع المصري رؤية سياسية

ملتقى الحضارة الرابع
“محاولة لفهم المجتمع المصري: رؤية سياسية”

 

28/05/2008

 

عقد اللقاء الرابع لملتقى الحضارة في الأربعاء الموافق 28 مايو 2008، ودار حول المدخل السياسي المنهاجي لفهم المجتمع المصري، تحت عنوان: “محاولة لفهم المجتمع المصري: رؤية سياسية”. في محاولة من المتحدث -أ. مدحت ماهر- لإسقاط مداخل واقترابات النظم المقارنة على المجتمع المصري كسبيل لفهم وتفسير أحوال المجتمع، ومن ثم القدرة على إصلاحه. وفي المقابل استدعاء مداخل التراث الإسلامي حول أمور الحكم والسلطة، في رؤية مقارنة لأحوال المجتمع المصري.

من هذا المنطلق، بدأ اللقاء بطرح تساؤل مهم: كيف نفهم السياسية؟ والذي يعبر في ذاته عن حاجة إلى إعادة النظر في مفهوم السياسة وإعادة تعريفه، كسبيل للتعامل مع جدلية العلاقة بين الواقع وفهمه.

 

ويمثل المنهج –في هذا الصدد- أداتنا لفهم الواقع، انطلاقًا من مداخل واقترابات النظم المقارنة؛ فالمنهج هو الصراط، هو السبيل من بين سبل عدة، فليس كل منهج قويم في ذاته.

وتتفاوت الأمور في محاولة فهمها، ما بين أمر صغير من قبيل “اللمم” وأمر كبير “جلل”. ولا شك في أن أمر السياسة يعد من الأمور الكبرى العظيمة التي تحتاج فهمًا عميقًا لما يتسم به من التعقيد، حتى أن الناس تفاوتوا في محاولة فهمه مشكلين أربعة أنماط أساسية:

1-   فهم العامة (الشعب)، من منطلق كون السياسة معنية بأمر الأمة.

2-   فهم الحكام (أولو الأمر)؛ الأولى بالفهم، ومن ثم الأولى بالعمل.

3-   فهم الخاصة (المثقفون).

4-   فهم الأكاديميين المتخصصين (الممنهجين).

وينصب موضوعنا على كيفية فهم الأكاديميين للواقع السياسي، باعتبار امتلاكهم المناهج التي يمكن أن تساعدهم على فهم أفضل لذلك الواقع، قد يكون أفضل من فهم الساسة أنفسهم له.

وبالنظر إلى واقع المجتمع المصري، نجد أن بداية النشأة الحقيقية للعلوم السياسية ارتبطت بنشأة الدولة الحديثة في مصر منذ الحملة الفرنسية التي مثلت نقطة تحول في المجتمع المصري.

ثم جاء عصر محمد علي فأحدث تغييرًا جذريًا في نظام الحكم والدولة في مصر، حيث أدخل الدواوين ومجالس الشورى. تلاه عصر إسماعيل بما أدخله من صياغات لقوانين جديدة، وتفعيل لمجلس النواب، وإدخال المحاكم المختلطة، ثم جاء الاستعمار فأسس للنظام البيروقراطي في مصر.

ورغم ما صاحب كل عصر من تلك العصور من تغير جذري، كان المصريون يُبدون تكيفًا وتواءمًا شديدًا مع تلك التغيرات.

فنشأة العلوم السياسية في مصر لم تبدأ مع بداية تدريسها عام 1960 بإنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بل تمتد –كما يرى البعض- إلى أواخر عشرينيات القرن العشرين، حيث درس البعض قانون السياسة خارج مصر.

وكان أول كتاب صدر عن العلوم السياسية في مصر كتابًا مترجمًا صدر عام 1912، حمل هذا الكتاب سمات نظريات واقترابات العلوم السياسية التي استمر تدريسها في مصر بعد ذلك؛ متمثلة في سمات ثلاث أساسية.

أولها النزعة العلمانية في العلوم، وثانيها النظر إلى السياسة باعتبارها نظام الحكم (حاكم، محكوميين، مجتمع مدني). وسيطرت -في هذا الإطار– فكرة الديمقراطية التي تجعل السلطة للشعب في مواجهة أي قوة وإن كانت إلهية. أما السمة الثالثة فتمثلت في سيطرة مفهوم الصراع على النظريات السياسية.

فعلى الرغم من أن المناهج الحديثة للعلوم السياسية حققت أهداف المنهج من وضوح، تنظيم، ضبط، تشارك في المعلومة. إلا أنها انتابتها بعض النواقص نتجت عن غياب البعد المعنوي لدى تلك العلوم. حيث جردت المناهج الحديثة السياسة من المقاصد، ومن العامل النفسي في فهم الحاكم والمحكوم. كما أنها اتسمت بالجزئية الشديدة، وبالوصائيه.

في المقابل ركزت الكتابات التراثية في مسألة الحكم على الجانب المعنوي وعُنيت به، فنجد –على سبيل المثال- أن ابن تيميه يطيل الحديث عن “النفسانيات” وتأثيرها في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فيهتم بعلم النفس السياسي وعلم نفس القائد.

كما اهتم التراثيون بخصال الحاكم وسلوكه، بل أيضًا بخصال الحاشية المحيطة به. ففي ذلك تحدث الطرطوشي عن أن الحاكم ليس فردًا، وأنه لا يخلو من جلساء بمعرفة صفاتهم نفهم سلوك الحاكم وسياسته، وأن له أعوانًا بقدر سيطرة الحاكم عليهم تكون سيطرته على أمور الحكم.

تحدثوا أيضًا عن الدستور الحاكم، وما ينبغي أن يكون عليه، وما يجب أن يتوافر فيه من شروط. وعن أن المقصد الأعلى للسياسة هو الإصلاح بمعناه الشامل، إصلاح معاش الناس لمعادهم. فجلب المنافع ودفع المضار واجب على الحاكم تجاه لمحكومين.

ولم يكن اهتمام التراثيين بالحاكم فحسب، بل إنهم اهتموا أيضًا بالرعيه وواجباتهم تجاه الحاكم، فتحدثوا عن ظلم الرعيه لراعيهم، بل إن الراعي مظلوم أكثر من الرعيه لمسئوليته عنهم جميعًا. لذا، أوجب الله على الرعيه النصح للحاكم، خاصة العلماء منهم، كوسيلة للإصلاح. كما يمكن أن يكون الإصلاح بالإدبار عن الحاكم، أو بالتوجه إلى الناس.

فالتراثيون ميزوا بين مقاصد السياسة ووظائفها؛ ولم يجعلوا من وظائف السياسة وآلياتها ووسائلها هدفًا في ذاتها، واهتموا بمناطات الأمور وكلياتها بدلاً من الإغراق في الجزئية الشديدة المفرطة، فتمكنوا من الوصول إلى التعميم المؤدي إلى إطار كلي يساعد على فهم الحالات الجزئية.

ختامًا، فإن طرق ومناهج فهم السياسة تتعدد، ينطلق كل منها من إطار مرجعي معين يشكل رؤية صاحبه للعالم والكون. يمثل وجود ذلك الإطار أمرًا لازمًا لفهم الواقع، ومن ثم أساسًا للتفاهم والتوافق.

 

مداخلات الحضور:

دارت مداخلات الحضور حول دور المنهج في فهم وتفسير الواقع السياسي، العلاقة بين المناهج الغربية والمناهج التراثية، إضافة إلى بعض التساؤلات.


(2) العلاقة بين المناهج الغربية الحديثة والمناهج التراثية:

– إن المناهج الغربية تنزع إلى الإجرائية بشدة في تعاملها مع الظواهر فتختزلها في مؤشرات وأرقام، دون الاهتمام بمعاني الأمور ورغم أن الغربيين أنفسهم بدأوا مرحلة مراجعة لتلك المناهج وانتقادها، إلا أننا لانزال نتمسك بها.

– إن العلم الغربي اهتم في دراسته للسياسة بتحقيق النفع والمصلحة، فعنى بوضع آليات للتنفيذ أكثر من عنايته بالتجريد والتعميم، نتج عن ذلك فجوة بين الواقع العملي والواقع الأكاديمي.

– إن الصلة ليست منبتة بين المناهج والنظريات الغربية وبين التراث كمرجعيه، ومن ثم تقوم العلاقة بينهما على الرجوع للتراث وما قبله من أصول (القرآن والسنة)، ثم الانطلاق منه إلى العلوم الحديثة.

– هل العلاقة بين العلوم الحديثة والتراث –في إطار تفسير الواقع السياسي- تقوم على إعادة بناء علوم انطلاقًا من المرجعية الإسلامية، أم استنباط مناهج من التراث الإسلامي، أم تطعيم العلوم والنظريات الغربية بالإسلامي؟

– هل هناك آليات لضبط التعامل مع إشكالية العلاقة بين التراثي والغربي، دون التحيز نحو التراثي؟

– كيف يفهم العوام السياسة؟ وكيف ينتقل الخطاب المنهجي العلمي إلى العامة؟

– هل غياب إطار مرجعي متفق عليه في المجتمع المصري يعني غياب جماعة وطنية؟

– هل يكفي في عملية بناء مناهج إسلامية لفهم الواقع السياسي الرجوع إلى التراث الإسلامي فحسب، أم لابد من الرجوع للأصول المتمثلة في القرآن والسنة؟

 

أخيرًا، جاء تقيب أ. مدحت على المداخلات والتساؤلات على النحو التالي:

–   فيما يتعلق بالاختلاف بين التراثي والغربي، فإنه يتمثل في أن التراثي يشترك معي في المرجعية والهوية والمفاهيم. بينما ينظر الغربي إلى السياسة نظرة دنيوية بحتة، فيفصلها عن الآخرة وعن الدين.

–   أما عن وضع القيم من العلوم الغربية، فإن تحديد ذلك يقتضي التمييز بين القيم والأخلاق. فلا يوجد علم خالٍ من القيم، ولكن الأمر يتعلق بالقيم الحاكمة للواقع في كل مجتمع.

–   وبالنسبة لتعدد واختلاف المداخل المجالية في فهم الواقع السياسي، فقد تناول التراث الإسلامي الواقع السياسي من مداخل عدة. فعلى سبيل المثال استخدم التراثيون علم نفس السياسة لفهم العلاقة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

–   واهتم التراثيون –في هذا الإطار- بالتنشئة السياسية للحاكم والمحكوم. كما اهتموا بما قبل السياسة، فتحدثوا عن “الإنسان”، على عكس العلوم الغربية التي ركزت على كيفية تحويل الأمور إلى إجراءات وآليات.

–   وتعد مسألة النمذجة في دراسة الواقع من المجالات التي قدم فيها التراثيون جهدًا مهما؛ فقد تحدثوا -على سبيل المثال- عن النموذج العضوي في دراسة الدولة، باعتبار الدولة جسدًا الحاكم رأسه.

–       وفيما يخص فهم العامة للسياسة، فهو فهم تلقائي يختصر جهد الأكاديميين.

ولكنه يحتاج إلى منهج لكي يتحول إلى وسيلة للمشاركة السياسية الإيجابية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى