المنطقة العربية

تجدد المقاومة في الضفة الغربية: السمات والمسارات

مقدمة:

قضى الله سبحانه بأنه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)[1]. ولأولي الألباب -من كلِّ لونٍ وجنسٍ عبر الزمان والمكان- في المقاومة حياة. والحياة عند أولى النهى عقيدة وجهاد. إلَّا أن”المقاومة” مفهومًا وممارسة تتعرَّض لعدد من محاولات التشويه والسخرية والتندُّر من بعض من يلمزونها صراحةً وتلميحًا بإشارتهم إلى ما يُسَمَّى “محور المقاومة” وما اقْترفه من يصفون أنفسهم بأنهم أصحاب هذا المحور وحاملو لوائه من جرائم في سوريا والعراق ولبنان واليمن. كما تتعرَّض المقامة لمحاولات الاحتكار والاختطاف من جانب بعض الأنظمة والتنظيمات التي أشرْنا آنفًا أنها تسْعى لوصْف نفسها بأنها “المقاومة” حصْرًا وقصْرًا وقسْرًا.

ويشاء الله عز وجل أنه في أشدِّ ساعات الظُّلمة والظُّلم التي تعيشها الأمة أن يُقَيِّضَ للمقاومة المجاهدة من يرفع لواءها بحق، فتتجدَّد المقاومة في موجات متلاحقة على يد أجيال متعاقبة.

جاء التجدُّد الحالي للمقاومة في الضفة الغربية والوضع الفلسطينى في أحرج حالاته وأشدِّها ضيقًا، وهو في أسوأ حالاته، ليس بسبب الانقسام فحسْب، بل لغياب منظمة التحرير الفلسطينية وتهميشها المتعمَّد [من جانب السلطة]، وغياب فصائل العمل الوطني، التي لا تكاد تظهر إلَّا في مناسبات ذكرى انطلاقتها، وضعف المجتمع المدني وتهميشه، بعد تحويل معظم الاتحادات والنقابات والمبادرات النضالية إلى منظمات غير حكومية، تسْتلم تبرُّعات لميزانيَّاتها الكبيرة من الخارج، وغياب الممارسات الديمقراطية تمامًا وغياب المبادرات الجماعية، وأشكال النضال الجمعي، الذي ظهر جليًّا في رَدِّ الفعل المحدود على قرار ترامب حول القدس وقطع المساعدات، ونقل السفارة إلى القدس. كما أن جزءًا كبيرًا من المثقَّفين وصنَّاع الرأي والكتَّاب أصبحوا يعتاشون على علاقتهم مع السلطة، وانكفأوا عن الانخراط في العمل السياسي المبدع، خوفًا من عقاب أو طمعًا في مزايا، كما غابت المنابر السياسية والإعلامية المستقلَّة خارج إطار السلطة[2].

ويأتي هذا التقرير ليناقش تجدُّد المقاومة في الضفة الغربية محاولًا بيان سمات هذه المقاومة الجديدة ومساراتها. ولذلك يتناول النقاط التالية: الأسباب المباشرة لتجدُّد المقاومة بالضفة الغربية – سمات المقاومة الجديدة متَّخِذًا من مجموعة عرين الأسود نموذجًا – استراتيجية المقاومة الجديدة وتكتيكاتها – استراتيجية الكيان الصهيوني في مواجهة المقاومة الجديدة.

أولًا- الأسباب المباشرة لتجدد المقاومة بالضفة الغربية:

يمكن الإشارة لعددٍ من الأسباب المباشرة المتفاعلة مع بعضها، والتي مهَّدت الطريق لاشتعال شرارة المقاومة من جديد في الضفة الغربية على النحو التالي:

  1. عدم قيام السلطة الفلسطينية بحماية المواطنين: عمليًّا، لا توفِّر السلطة الفلسطينية حماية للمواطنين من الاعتداءات التي يتعرَّضون لها من قبل جيش الاحتلال أو من المستوطنين، فجيش الاحتلال لا ينكِّل فقط بالمواطنين على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، بل يمتدُّ ذلك إلى داخل المدن والقرى والمخيَّمات، خصوصًا عندما يقوم جيش الاحتلال باستباحتها والدخول لها، دون أن تحرِّك قوى الأمن الفلسطينية ساكنًا، وبالتالي لا تقوم السلطة بأيِّ خطوة عملية لمواجهة الاعتداءات والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال، وتكتفي بإصدار بيانات للتنديد بتلك الجرائم، الأمر الذي شَكَّلَ دافعًا للمقاومين والمواطنين على حَدٍّ سواء للدفاع عن أنفسهم أمام الاعتداءات الإسرائيلية[3].
  2. الزبائنية السياسية: لم تكن السلطة الوطنية الفلسطينية بعيدة عن الأسس التي بُنيت عليها بعض الدول العربية بعد استقلالها، والقائم على الزبائنية السياسية، وعلى ضعف وإقصاء وتهميش المؤسَّسات الدستورية وتبعيَّتها، وهيمنة وتغوُّل وتفرُّد السلطة التنفيذية والحزب الواحد، واعتبار الشرعية مستمدَّة من (السلطة) ذاتها لا من المتعاقدين (المواطنين). واليوم يُنظر للنظام السياسي الفلسطيني أكثر من أيِّ وقتٍ مضى على أنه نظام يعتمد “الزبائنية” في طريقة حكمه لدرجة أن المجتمع أصبح زبائنيًّا.
  3. المفاوضات كخيار أوْحد للحل: لم تَعُدْ خطابات وتصريحات الرئيس الفلسطيني وكبار مسؤولي السلطة الوطنية الفلسطينية، سواء في الأمم المتحدة أو أمام الوفود الدولية، أو حتى في الاجتماعات التنظيمية، بأن المفاوضات هي السبيل والخيار الوحيد لإنهاء حالة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والطريق الوحيد لإقامة الدولة الفلسطينية، مقنعة أو (مستساغة) عند الفلسطينيين، بل الأخطر من ذلك أن القيادة الفلسطينية اعتبرَت المفاوضات هي استراتيجية وحيدة، وأن أيَّ فعلٍ لشخصٍ أو لجماعةٍ خارج هذا الخيار ستقوم السلطة بمواجهته، هذا في الوقت الذي تؤكِّد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أنه لا يوجد (شريك) فلسطيني من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات، وأن السلطة تدعم (الإرهاب)، فيما تتمسَّك القيادة الفلسطينية بالمفاوضات كآليةٍ وأداةٍ وحيدةٍ للحلِّ مع الاحتلال، هذا الوضع لم يَعُدْ مقبولًا عند الفلسطينيِّين، الذين يُكابدون يوميًّا الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرَّة ، ويشعرون بعجْز السلطة عن حمايتهم.
  4. استمرار الانقسام، وعدم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية: قد تكون مرحلة الانقسام من أخطر المراحل التي مَرَّتْ بها القضية الوطنية الفلسطينية[4]، وربما تكون الأصعب كذلك، فبكثيرٍ من التفاؤل رَحَّبَ الفلسطينيون بالمرسوم الرئاسي بشأن إجراء الانتخابات الذي صدر في 15 يناير 2021 كبادرة أملٍ بعد 15 عامًا من الانقسام، تعطَّلت فيها الحياة السياسية وتمَّ تدمير المؤسسات الدستورية، لكن هذا التفاؤل لم يَدُمْ طويلًا، إذ تمَّ إلغاء الانتخابات ليتأكَّد أنه لا مواعيد مقدَّسة لدى النظام السياسي، بل اختارت العديد من الفصائل أولوية ترتيب أوضاعها الداخلية على حساب المصلحة العامة، وتصديرها أزماتها الداخلية للشارع الذي يُعاني بالأساس، وشراء الوقت انحيازًا لمصلحتها في البقاء ولو شكلًا على حساب مصلحة المواطنين في تجديد الشرعيات وإفراز قيادات منتخبة تعمل على حلِّ الإشكاليات المتراكمة في المستويات كافة، الأمر الذي يعكس أنانية قد ترتقي إلى مستوى الفساد السياسي، إذ يتمُّ إعلاء المصلحة الحزبية الخاصة على العامة وعبر مقدَّرات الدولة.

الانتخابات هي استحقاق دستوري وقانوني دوري وليست منَّة من أحد، وإن غياب سمة الدورية عن الانتخابات يعنى تجاهلًا للقانون الأساسي ومخالفةً للعُرف الديمقراطي، وانتهاكًا للمادة الثانية من القانون الأساسي الفلسطيني التي تؤكِّد أن الشعب مصدر السلطات، كما راهن البعض على أن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية قد تكون المدخل الأفضل لإنهاء الانقسام، والاتفاق على برنامج سياسي، وعلى تعزيز الشراكة السياسية بين مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.

  1. التنسيق الأمني: هو واحد من القضايا الخلافية الكبيرة بين الفلسطينيِّين، ففي الوقت الذي ترى قيادة السلطة أن التنسيق هو (التزام وضرورة)، التزام بفعل اتفاقية أوسلو والاتفاقيات الأمنية الموقَّعة مع دولة الاحتلال، وضرورة باعتبار ذلك مرتبط بتدفُّق السلع والمواد الأساسية، وبالتحويلات الطبية وبحُرية الحركة والتنقُّل لقيادة السلطة، وبمنح العمَّال الفلسطينيِّين مزيدًا من التصاريح للعمل داخل دولة الاحتلال، بالإضافة إلى قضايا أخرى مثل تحرُّك قوات الأمن الفلسطينية خارج مناطق (أ)، في المقابل يرى معظم الفلسطينيِّين أن أقل ما يقال عن التنسيق الأمني مع الاحتلال أنه (خيانة)، وذلك بسبب سياسة السلطة تجاه خصومها السياسيِّين، والتضييق عليهم سواء بالملاحقة أو الاعتقال. إذ يَعتبر غالبيةُ الفلسطينيِّين ملاحقةَ المقاومين واعتقالَهم عملٌ مرفوضٌ ومدانٌ وغير مقبول وطنيًّا[5].
  2. حيوية الشعب الفلسطيني، واستعداده للتضحية: ليس من المبالغة القول بأن التضحيات التي قدَّمها الشعب الفلسطيني منذ أول مستوطنة صهيونية أُقيمت في قرية ملبس (بتاح تكفا) عام 1878، وحتى اللحظة، تؤكِّد على أن النضال الوطني الفلسطيني بكافَّة أشكاله، يأتي في إطارٍ من التعقيدات الفريدة من نوعها إذا ما قُورن بظروف كفاح الشعوب المستعمَرة من أجل نيل حريتها واستقلالها نظرًا للطبيعة الخاصة للدولة الاستعمارية الاستيطانية والإجلائيَّة.

لذلك فإن مقاومة الشعب الفلسطيني بأشكالها المختلفة، هي دليل وتأكيد على عدم إذعانه للمحتل، من جهة، وعدم قدرة الاحتلال على تطويع وتدْجين الشعب الفلسطيني ومقاومته من جهة ثانية، بل إن الأمر يتعدَّى ذلك وهو الأهم في أن إرادة الشعب الفلسطيني أقْوى وأصْلب من أن تُكسر، صحيح أن موازين القوى المادِّية تميلُ لصالح الاحتلال فهو قوَّة لا يُستهان بها، ولكن الاحتلال وعلى الرغم من جبروته وبطشه بالفلسطينيِّين، لم يستطع هزيمة الفلسطينيِّين، فحتى هذه اللحظة لا يزال الاحتلال يبحث عن فلسطيني يمكن أن يوقِّع معه على اتفاقية إنهاء الصراع، وما دام الأمر كذلك، فإن المعنى الوحيد هو استمرار المقاومة والنضال الفلسطيني، يُضاف لذلك تجدُّد أشكال النضال والمقاومة وكأنها “جينات”، ففي الغالب الأعم عندما تسأل شابًا أو شابة فلسطينية عن النموذج بالنسبة لك، فإن الإجابة تنحصر في أسير أو شهيد أو مطارَد أو مقاوِم أو فدائي، فلا حديث هنا عن مطرب أو ممثل أو فنان. هذا دليل آخر على حيوية الشعب الفلسطيني وإصراره على الصمود والمقاومة.

  1. إدارة الظهر للشباب وقضاياهم: يوصف المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتيٌّ، حيث هناك 1.17 مليون شاب وشابة ضمن الفئة العمرية (18-29) سنة في فلسطين، يشكِّلون أكثر من خُمْسِ المجتمع الفلسطيني؛ أي 22٪ من إجمالي السكَّان، وذلك حسْب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في العام 2022. اليوم.. كلُّ من هو بعمر (32) عامًا من الشباب الفلسطينيِّين لم يُشارك بأيِّ انتخابات تشريعية أو رئاسية، كما يواجه الشباب الفلسطيني تهميشًا واضحًا في المشاركة السياسية، وفي عملية صنع القرار والتي تقلُّ عن 1٪، حيث لعبت التحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ونمط توزيع القوة في المجتمع إلى جانب بعض المُعيقات التشريعية دورًا أساسيًّا في ذلك. واليوم كما في الأمس يشكِّل الشباب أكثرية من الناحية العددية، إلَّا أنهم أقلية بمفهوم التأثير السياسي. كما تزداد نسبة البطالة بين صفوف الشباب، حيث وصلت نسبتُها 62٪ بين الإناث و33٪ بين الذكور. هذا يولِّد نوعًا من البحث عن حلول فردية للخلاص في ظلِّ انسداد الأفق أمامهم، ويتمازج ذلك مع إدراك عميق وواع بأن المشكلة الأساسية لتحقيق الشباب لذواتهم هو وجود الاحتلال، وهذه هي الخميرة الأولى لروح المقاومة.
  2. تأصُّل المشاعر الوطنية: لم تُفلح أيٌّ من جهود الدول المانحة أو (الراعية) لعملية التسوية ومعها دولة الاحتلال، وبعض الفلسطينيِّين عبر برامجها ومشاريعها وخططتها، أن (تدجِّن) الفلسطينيِّين، وتُقنعهم من أن (إسرائيل) جادَّة في عملية التسوية، وبالتالي بناء علاقات حُسْنِ جوارٍ معها، فسلوكُ وممارسة الاحتلال على الأرض لا تشير بأيِّ حال من الأحوال إلى أن (إسرائيل) جادَّة أو ربما معنيَّة بالتسوية، بل إنها تبْطش بالفلسطينيِّين، ولا تريد لهم أكثر من (كيان) مفصَّل على المقاس الإسرائيلي يضْمن سطوتها وسيطرتها على الأراضي الفلسطينية. لذلك فإن ثمَّة العديد من الدلائل التي تُشير إلى أن الروح النضالية تزداد حضورًا وعنفوانًا وتتَّضح بشكلٍ كبيرٍ بين صفوف الشباب، لا سيما وأن الخمودَ والخمولَ السياسي الفلسطيني الرسمي والفصائلي، خلقَ فراغًا يملؤه الآن الشباب على وجه التحديد، غالبيَّتهم خابتْ آمالُهم وتطلُّعاتهم من سلوك وأداء السلطة.

بأي شكل كان، فإن ازدياد المشاعر الوطنية وانبعاثها لدى الشباب، لم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد أصيل للدور الذي لعبته الحركة الوطنية والإسلامية في مختلف مراحل النضال الوطني الفلسطيني ، كما أن المناخ السائد في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو مناخ وطني -نضالي- كفاحي. هذا إلى جانب تأثير المقاومة في قطاع غزة على الروح الوطنية للفلسطينيِّين في الضفَّة[6].

ثانيًا- سمات المقاومة الجديدة :عرين الأسود نموذجًا

“عرين الأسود” بات المصطلح الأكثر شهرة في الشارع الفلسطيني ووسائل الإعلام خلال الأشهر الماضية، مع تصاعد العمليات النوعية التي ينفِّذها مقاوموها ضدَّ جنود الاحتلال “الإسرائيلي” ومستوطنيه في الضفَّة الغربية المحتلَّة، تحديدًا بمدينة نابلس. وشكَّلت مجموعات “عرين الأسود” تحوُّلًا نوعيًّا في أداء المقاومة الفلسطينية في الضفَّة الغربية من حيث شموله لنواحٍ عديدة، وبحالة فريدة خرجت عن النسق المألوف، فيما تصدر بياناتها إلى الجمهور عبر تطبيق تليجرام. وتحظى “عرين الأسود” بحالة دعم ومساندة شعبية كبيرة جدًّا، كونها أصبحت المجموعة التي تصنع الأخبار اللحظية بعد موجة عمليَّاتها الأخيرة ضدَّ قوَّات الاحتلال والمستوطنين، لا سيما وأنها باتت تنشط في العديد من مدن وبلدات الضفَّة وخاصة في البلدة القديمة بمدينة نابلس. وفي ظلِّ تنامي مجموعة “عرين الأسود” في نابلس؛ ضاعفَ الاحتلالُ من التحريض عليها، وطالب السلطةَ بأن تقوم بدورها في “ضبط الحالة الأمنية” مهدِّدًا بإعادة اجتياح المدينة.

  • نشأة “عرين الأسود”

كانت نابلس تشهد تجمُّعًا لعدد من المقاومين من أبناء المدينة وقُراها يتمركزون في البلدة القديمة منها، وقد بدأ الحديث عنهم في وسائل الإعلام وفي الشارع بعد اعتقال الاحتلال للشخصية الأكبر عمرًا ووزنًا فيهم “عبد الرحمن شاهين” بعملية خاصة غابت عن المدينة منذ سنوات، وذاع صيتُ المجموعة المسلَّحة في فبراير 2022 بعد أن اغتال الاحتلال الإسرائيلي ثلاثة شبَّان من البلدة القديمة هم (أدهم مبروكة ومحمد الدخيل وأشرف المبسلط)، وكانوا ضمن نواة بدأت بتنفيذ عمليات إطلاق نار في محيط نابلس وقد نجا من محاولة الاغتيال العضو الرابع في المجموعة “إبراهيم النابلسي”، نتجَ عن ذلك توسعةُ دائرة المجموعة وانضمَّ لها عددٌ أكبر من المطارَدين من فصائل ومناطق مختلفة.

وقد نشأت عرين الأسود كنتيجة للمواجهات بين الفلسطينين والجيش الإسرائيلي في مناطق الضفة الغربية، وتحديدًا في نابلس التي تعتبر مقرًّا للمجموعة. تتميَّز هذه المجموعات بأنها تَسَامَتْ على الانقسام السياسي الفلسطيني، ولا تُعَدُّ تابعةً لأيِّ فصيلٍ من الفصائل، إلَّا أنها تقبل ضمن صفوفها أفرادًا نشطين تحت فصائل أخرى. قام بتأسيس المجموعة كلٌّ من: (محمد العزيزي – كميل عبادي – إبراهيم النابلسي – عبد الرحمن صبح – مصعب اشتية). وتعود نواة التشكيل إلى كتيبة نابلس والتي تشكَّلت في أوائل 2022 أسوة بكتيبة جنين، وهدفها كان قيادة وتنظيم مرحلة الاشتباك والمواجهة مع القوَّات الإسرائيلية في كلٍّ من نابلس ومخيم جنين.

وفي تعريفها تعتبر مجموعة عرين الأسود نفسها مجموعةً مسلَّحةً عابرةً للفصائل، وأعضاؤها اجتمعوا على المقاومة ومواجهة الاحتلال، وقد شارك في العرض العسكري عشرات المسلَّحين بشعارٍ ولباسٍ واحد. بعد إعلانها وتبنِّيها عمليات نوعية في الضفَّة الغربية ركَّز الاحتلالُ في إعلامه على ربط المجموعة بحركة حماس، حيث صدرت العديد من التقارير التي تربط المطارَد القسَّامي مصعب اشتية في تشكيل المجموعة وتمويلها وخروجها إلى النور، وقد اتهم الإعلام العبري “مصعب اشتية” بتمويل المجموعة بأكثر من مليون دولار أمريكي وشراء سلاح ومعدَّات قتالية وذخيرة، بالإضافة إلى مساعدات مالية للمطارَدين. في 19 سبتمبر 2022 اعتقلَت قوة خاصة من الأجهزة الأمنية الفلسطينية المطارد مصعب اشتية وحوَّلته فورًا إلى سجن أريحا، على إثر ذلك اندلعتْ مواجهاتٌ واسعةٌ في مدينة نابلس بين الشرطة والمتظاهرين استُشهد فيها مواطن فلسطيني وأُصيب آخرون، واستمرَّت المواجهات يومين إلى حين الاتفاق بين مؤسَّسات المدينة والسلطة على وقْفها مقابلَ التعهُّد بالإفراج عن مصعب اشتية وهذا ما لم يتم[7].

  • بيان الانطلاق

في 2 سبتمبر 2022، وأثناء تأبين الشهيدين محمد العزيزي (أبو صالح) وعبد الرحمن صُبح، خرج مقاتلو “العرين” بكامل عدَّتهم وعتادهم في صورةٍ منظَّمة. كما أُعلن ميثاق العرين وبرنامجه المقاوِم على لسان أحد الملثَّمين، ليكْشف “أن دماء الشهيدين محمد العزيزي (23 عاما) مؤسِّس العرين “المشتبك المخفي”، ورفيقه عبد الرحمن صُبح “أسد الاشتباكات” التي سالتْ بين أزقَّة البلدة القديمة كانت الجذوة والصحوة التي أحْيت روحَ المقاومة المتجذِّرة فيها أصلًا”[8].

وأكَّد البيان أن غطرسة الاحتلال بقتل وسفك دماء الفلسطينيِّين تفرض عليهم كمقاومين “معارك متجدِّدة” قد لا يتوقَّع الاحتلال شكلَها ولا يقرأ طبيعتَها مسبقًا، خاصةً أن هذه المقاومة “المنظَّمة والمدارة ذاتيًّا” قادرةٌ كلَّ يومٍ على تجديد الدماء بعروق المقاومين بأشكال وأساليب كثيرة”.

وتبنَّت المجموعة نهجًا يقوم على القتال الموحَّد تحت راية “لا إله إلا الله.. محمد رسول الله” اتَّخذ “العرين” شعارًا له، وتميَّز بتمجيده للمقاومة وقادتها من كلِّ الفصائل كالشهيد ياسر عرفات “مؤسس خلايا المقاومة” في حي الياسمينة بالبلدة القديمة، والشهيد أحمد ياسين وأبو علي مصطفى وفتحي الشقاقي وغيرهم من قادة النضال الفلسطيني.

ولخَّصَ بيانُ العرين نهجَه المقاوم بتأكيده السير قُدُمًا وعدم ترك البندقية تحت أيِّ ظرف وتوجيهها نحو الاحتلال ومستوطنيه ومن يساندهم من العملاء فقط، وأن هذه البندقية لن تطلِق رصاصةً بالهواء، وغير ذلك يُعَدُّ خروجًا عن الصَّفِّ ولا يمثِّلهم كعرين، كما أنهم يرفعون الغطاء ويدينون كلَّ من يستخدم اسمهم لمطالبة التجَّار بالمال بحجَّة دعم المقاومة.

ووجَّه البيانُ رسالةً “للإخوة بالأجهزة الأمنية” لتؤكِّد وحدةَ الصَّفِّ الفلسطيني وسلامة نهجهم المقاوم وسلاحهم الموجَّه صوب الاحتلال وحده وأن غير ذلك ليس منهم. ودخلت “عرين الأسود” في مواجهة علنيَّة استمرَّتْ يومين مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي اعتقلت مصعب اشتية ابن العرين وأحد عناصر كتائب القسَّام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) و”المطارَد الأخطر” والمطلوب الأوَّل للاحتلال.

  • عمليات المجموعة

تبنَّت مجموعةُ عرين الأسود العديدَ من العمليات النوعية التي أَدَّتْ إلى سقوط قتلى ووقوع إصابات في قوَّات الاحتلال الإسرائيلي. وفقَ اعترافِ الاحتلال فقد ازدادت وتيرة العمليات في شهر سبتمبر 2022، حيث بلغت عمليَّات إطلاق النار على أهداف الاحتلال (75) عملية، (30 و28) عملية منها في جنين ونابلس على التوالي.

في فبراير 2022 اشتبكَ سائد الكوني (22 عامًا) وعددٌ من رفاقه مع جنود الجيش الإسرائيلي، ممَّا أدَّى لاستشاهده وإصابة ثلاثة من رفاقه الذين انسحبوا بسلام. وقامت السلطات الإسرائيلية باحتجاز جثمان الكوني ورفضت تسليمَه لذويه. لاحقًا، نَعَتْ “عرين الأسود”، ببيان لها الكوني ووصفتْه بـ”المقاوم البطل” وأكَّدت الحدثَ واستشهادَه بعد اشتباكٍ مع جنود الجيش الإسرائيلي.

وفي 24 يوليو 2022 استُشهد العضوان البارزان في المجموعة محمد العزيزي وعبد الرحمن صبح في اشتباك مع قوات الاحتلال ونجا من محاولة الاغتيال المستهدفين الرئيسين المطاردين إبراهيم النابلسي ومصعب اشتية، وفي التاسع من أغسطس عام 2022 استُشهد إبراهيم النابلسي في اشتباك مع قوات الاحتلال رفقة الشهيد إسلام صبح، خلال حفل تأبين الشهيدين محمد العزيزي وعبد الرحمن صبح أُعلن عن إطلاق مجموعة عرين الأسود كجسم عسكري جامع لعناصر المقاومة من الفصائل الفلسطينية في نابلس[9].

في الخامس من أكتوبر 2022 اعتقلت قوَّات الاحتلال المقاوم سلمان عمران وهو أسير محرَّر من حركة حماس، بعد نفاد ذخيرتِه إثْر خوضِه اشتباكًا مسلَّحًا استمرَّ لساعات في قرية دير الحطب شرق نابلس. وتنسب سلطات الاحتلال للمقاوم عمران، الانتماء لمجموعة عرين الأسود والمشاركة في عمليات إطلاق نار استهدفت قوات الاحتلال والمستوطنين وإصابة عدد منهم[10].

وفي العاشر من أكتوبر نفَّذت المجموعةُ عمليةَ إطلاق نار على حاجز عسكري غرب مدينة نابلس قُتِلَ فيها جندي في جيش الاحتلال. وفي فجر الثالث والعشرين من أكتوبر اغتال الاحتلالُ المقاومَ تامر الكيلاني وهو أسير محرَّر من الجبهة الشعبية وأحد قادة مجموعة عرين الأسود بعبوَّة جانبية في البلدة القديمة في نابلس. وفي فجر الخامس والعشرين من أكتوبر استُشهد القائد في مجموعة عرين الأسود وديع الحوح وهو من حركة فتح أثناء اشتباك مسلَّح مع قوة خاصَّة اقتحمت البلدة القديمة.

وبعدها، توالَت العمليات المشابهة في مناطق متفرِّقة من الضفَّة الغربية، وتبنَّت مجموعات العرين وعبر بياناتها عمليات إطلاق نار واشتباكات عديدة استهدفت بها الجيش الإسرائيلي والمستوطنين. وفي 16 أكتوبر 2022 نفَّذت مجموعةُ “عرين الأسود”، عملية نوعية في منطقة نقطة المربعة الفاصلة بين طريق يستهار الالْتفافي وقرية تل استهل قرب نابلس. وبحسب بيان المجموعة، فقد تمَّ إلقاءُ قنبلةٍ يدويةٍ غير محلية الصُّنع، مؤكدين أنهم حقَّقوا إصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي، وأن القنبلة وقعت بين خمسة جنود إسرائيليِّين ألحقها إطلاقُ وابلٍ مكثَّف من الرصاص نفَّذه مسلَّحو “عرين الأسود”، وأكَّدت المجموعة في بيانها أن كلَّ العناصر انسحبتْ بسلام بعد تنفيذ العملية النوعية[11].

كما وجَّهت عرين الأسود في بيان مقتضب، تحية لأهالي مدينة نابلس الصامدين على الحصار، قائلة: “نعدهم بضربات تشْفي الصدور”. كما وجَّهت رسالة لأهالي القدس قائلة: “أمَّا أهلنا في القدس المحتلَّة وفي سلوان وشعفاط ومخيم شعفاط الأبية.. في كل بقعة من بقاع القدس نريد منكم ليلة سوداء على العدو بحجم إجرامه، لماذا القدس؟ لأن القدس أوَّل الرصاص وآخره.. أوَّل البدايات وأوَّل النهايات[12].

  • الحظر على وسائل التواصل

في 15 أكتوبر وبعد طلبات من السلطات الإسرائيلية بحظر حسابات “عرين الأسود”، أغلقت إدارات عددٍ من مواقع التواصل الاجتماعي، الحسابات الخاصة بمجموعة “عرين الأسود” في الضفة الغربية، وذلك بعد نشرها رسائل ومقاطع فيديو توثِّق عملياتها الأخيرة. واستجابت إدارة تطبيقات “تيك توك” و”فيسبوك” “وإنستجرام”، في حين لم تستجب لهذا الطلب شبكة “تليجرام”[13].

  • شعار عرين الأسود

تضمَّن شعار مجموعات عرين الأسود العديد من العناصر ذات القيمة الكبيرة في المجتمع الفلسطيني، ومن أهمِّ هذه العناصر: أولًا: اسم “عرين” وهو يرمز لمأوى الأسود، ثانيًا: قبة الصخرة المشرفة، وهي ترمز إلى القدس البوصلة، ثالثًا: البندقية، وهي ترمز للطريق والنهج الأصوب، رابعًا: الفتى والمقلاع والخريطة، كلنا مطالبون بالدفاع عن أرضنا بلا استثناء ولن نعدم الوسيلة في ذلك[14].

وفيما يخصُّ موقف السلطة برام الله والذي كشفته “القناة 12” العبرية، خلال شهر أكتوبر، عن عرض السلطة برام الله على المقاومين دمجهم في أجهزتها الأمنية، بالإضافة إلى شراء أسلحتهم، لكن كان الرفض واضحًا من المقاومين، فيما طلبوا من رئيس السلطة برام الله محمود عباس بمقاومة الاحتلال، ردًّا على اغتيال قوات الاحتلال شهداء جنين (محمد ألونة – محمد أبو ناعسة – أحمد علاونة – عبد الرحمن خازم)[15].

ولسلامة البوصلة وطهارة السلاح؛ اتَّفق محلِّلون سياسيُّون على أن مجموعات “عرين الأسود” التي حدَّدت البوصلة نحو القدس والسلاح نحو المحتل الغاصب، جلبت بذلك دعم والتفاف الجماهير من حولها. وأن طبيعة مكونات مجموعات العرين التي لم تقتصر على حزب أو فصيل بعينه من أحزاب المقاومة العاملة في فلسطين، جعلت الجميع يدعمها ويشجِّعها ويقف في صفها.

فما هي استراتيجية مجموعة عرين الأسود وكتيبة جنين ومجموعات المقاومة الجديدة التي ظهرت في الفترة الأخيرة ونفَّذت الهجمات ضدَّ الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلَّة؟ وما هي معالم الاستراتيجية الصهيونية في مواجهتها؟

ثالثًا- استراتيجية المقاومة الجديدة:

وضعت مجموعة عرين الأسود عددًا من العناصر التي توضِّح من خلالها استراتيجيَّتها في المقاومة، ويتَّضح من خلال تلك العناصر أنها تحاول تجاوز الانقسام الفلسطيني وتجاوز عجز السلطة، واعتبار أن رفع السلاح هو الحل المتاح أمام الفلسطينين الآن، ومن تلك العناصر ما يلي:

1- عدم الانتماء تنظيميًّا لأيٍّ من حركات المقاومة الفلسطينية التقليدية كفتح أو حماس أو الجهاد أو الجبهة الشعبية ونحوها فهي مجموعات عابرة لتنظيمات المقاومة التقليدية الشهيرة المعروفة، فهي تضمُّ بين جَنَبَاتِها أيَّ فلسطيني يريد أن يقاوم الاحتلال أيًّا كان انتماؤه.

2- عدم القطيعة اللوجستية مع أيٍّ من منظَّمات المقاومة الشهيرة، فهم يقبلون التمويل والتسليح من كلِّ جماعةٍ مقاومةٍ تمدُّ لهم يدَ العون[16].

3- التشجيع والترويج لعمليات المقاومة المسلحة الفردية عبر الهجمات ضد أهداف صهيونية كحواجز قوات الاحتلال أو بعض المستوطنين. وقد رصد المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عشرين عملية هجومية بإطلاق نار خلال شهر ونصف فقط ضد مواقع صهيونية عسكرية واستيطانية في الضفة الغربية.

4- استقْطاب الشباب ومدهم بالأسلحة لتنفيذ هجمات المقاومة بشكل فردي وعفوي، وهذا مكَّنهم من تنفيذ عددٍ كبيرٍ من الهجمات في وقت قصير نسبيًّا[17].

5- تصوير عمليات المقاومة المسلَّحة أثناء تنفيذها وبثها على نطاق واسع عبر مواقع السوشيال ميديا مما يلهب مشاعر سائر الشباب الفلسطيني وينشر بينهم فكرة المقاومة ويدفعهم للحاق بركب مجموعات المقاومة المسلَّحة الجديدة بتنفيذ عمليات فردية[18].

وتتلخَّص تكتيكات العمل المقاوم وأدواته وأساليبه عند هذه المجموعات الجديدة في كلمة واحدة وهي “البساطة”، فعمليات المقاومة المسلَّحة لا تتطلَّب سوى سلاح فردي ناري أو أبيض بجانب موبايل لتصوير العملية وبثها بثًّا مباشرًا «Live» أثناء التنفيذ غالبًا إن أمكن، أما لو لم يتمَّ بثها مباشرة «Live» فيجرى تاليًا النشر على السوشيال ميديا لكل ما يتاح بعد ذلك من فيديوهات وصور للعملية[19].

أمَّا الهدف الذي يجري الهجوم ضده فعادة يكون هدفًا واضحًا، إما أن يكون حاجزًا أمنيًّا إسرائيليًّا أو مركبة عسكرية في الأراضي المحتلَّة أو تجمُّعًا أو مركبةً للمستوطنين في الضفَّة الغربية أيضًا، فهم لا يستهدفون هدفًا سريًّا أو حصينًا.

واستخدام السوشيال ميديا هو من أبرز تكتيكات هذه المجموعات المقاومة، فمواقع السوشيال ميديا لا يجري توظيفُها في الترويج للمقاومة واستراتيجيَّاتها الجديدة فحسْب، بل إن هذه المواقع كثيرًا ما تحلُّ محلَّ الروابط والاتصالات التنظيمية التقليدية التي كانت معتادةً في مجموعات المقاومة التقليدية أو القديمة. إن استخدام السوشيال الميديا واعتماد بساطة التكتيكات والأساليب واعتماد العمليات الفردية السهلة. كل هذا يهدف لتحويل المقاومة الجديدة إلى تيار شعبي جارف يقوم به جماهير الشباب الفلسطيني في كل بقعة من الأراضي المحتلَّة، بغضِّ النظر عن انتمائه السياسي أو الفكري أو الإمكانات التسليحيَّة التي يمتلكها[20].

والدليل على نجاح استراتيجية وتكتيك مجموعات المقاومة الجديدة حتى الآن أنها كسبت تأييدًا شعبيًّا واسعًا بين الجماهير الفلسطينية وهذا واضح في خروج الجماهير بالآلاف في جنازات شهداء المقاومة، وهذا كله سبَّب صداعًا لإسرائيل، لأنها تخشى من صحوة شعبية فلسطينية واسعة ضدَّها.

وهذا التأييد الشعبي سيجعل الشباب أكثر حماسًا للانخراط في صفوف المجموعات المسلَّحة، وتنفيذ المزيد من عمليات المقاومة المسلَّحة ضدَّ أهداف إسرائيلية، لا سيما وأن شهداء المقاومة اكتسبوا شهرة كبيرة في الإعلام الفلسطيني والعربي، وأصبحوا رمزًا للبطولة الفلسطينية ضد إسرائيل. ويعتبر عبد اللطيف القانوع المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن “عرين الأسود امتداد طبيعي للمقاومة في قطاع غزة” مؤكِّدًا أن “عرين الأسود في نابلس يمثِّل كلَّ ألوان الطيف الفلسطيني، وهو تجربة وليدة وناجحة أربكتْ حساب الاحتلال الصهيوني”[21].

رابعًا- استراتيجية الكيان الصهيوني:

لقد فوجئ الاحتلال الصهيوني بنشوء هذا التيار المقاوم الجديد وبادر إلى صَكِّ استراتيجية لمواجهة هذه المقاومة الجديدة المتصاعدة تعتمد على عدد من العناصر الرئيسية وهي:

  • الحصار: مع تفتيش كل مركبة تخرج أو تدخل، كما حدث بمحاصرة نابلس وجنين، وأدَّى هذا الى انتقال الاشتباكات مع المقاومة من المستوطنات والطرق إلى مداخل المدينة، ممَّا منح الاحتلال قُرْبًا أكثر لجمع المزيد من المعلومات الاستخباراتية كما لم يكن من قبل.
  • المداهمات والاعتقالات: كما حدث ويحدث في مختلف الأراضي المحتلة، والهدف من الاعتقالات جمع المعلومات عن مجموعات المقاومة الفلسطينية، ومع هذا فإن الاحتلال الصهيوني اعترف في أكثر من مناسبة أن الاعتقالات والمداهمات لم تحسِّن الوضعَ الأمنيَّ كثيرًا بالنسبة لجنود الاحتلال والمستوطنين[22].
  • التصفيات المستهدفة لعناصر المقاومة المهمة: كما حدث مع تامر الكيلاني وقادة عرين الأسود، فالاحتلال يرى أن محاولة اعتقال هذه العناصر المقاومة قد ينتج عنه مقتل مزيد من الجنود الصهاينة فصار يعمد لقتلهم بأقل خسائر بين صفوفه ويحاول تجنُّب إصابة الفلسطينيِّين الآخرين كي لا يؤجِّج مزيدًا من مشاعر الغضب الشعبي الفلسطيني[23].
  • تكثيف المتابعة الاستخباراتية: وجاء هذا التكثيف عبر التوسُّع في استخدام التجسُّس الإلكتروني واختراق هواتف المقاومين حتى إن بعض الصحف الإسرائيلية زعمت أن برنامج بيجاسوس هو الذي ساعد قوات الاحتلال في تحديد مكان قادة عرين الأسود واغتيالهم في نابلس.
  • مساومة قادة المقاومين عبر السلطة الفلسطينية: حيث عمدت سلطات الاحتلال الصهيوني إلى دفع السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس أبو مازن للتواصل مع بعض قادة مجموعات المقاومة الجديدة وعرضت عليهم تسليم سلاحهم وتحديد إقامتهم داخل الضفَّة الغربية المحتلَّة لفترة قصيرة ثم دمجهم بعد ذلك ضمن أجهزة القوى الأمنية الفلسطينية، وألحَّتْ عليهم السلطة الفلسطينية في ذلك[24].

ومابين نهاية شهري فبراير ومارس 2023 عُقِدَ لقاءان في العقبة في الأردن وشرم الشيخ في مصر وُصِفَا بأنهما قمتين أمنيَّتين برعاية أمريكية كان الهدف الأساسيى منهما ما يُسَمَّى بخفض التصعيد، والمقصود مواجهة تصاعد المقاومة في الضفة في شهر رمضان، وقد رفضت معظم الفصائل الفلسطينية هذين اللقاءين الأمنيَّين ومخرجاتهما وأبرزها إنشاء ما سُمِّيَ “آلية للحدِّ من العنف” التى تُسَوِّي بين المجازر التي ترتكبُها إسرائيل في جنين ونابلس، واستُشهد فيها ما يقرب من المائة فلسطينى منهم سبعة عشر طفلًا[25]، وبين المقاومة التي يقوم بها الفلسطينيُّون دفاعًا عن أنفسهم.

والخلاصة أن مجموعات عرين الأسود صنعتْ حالةً وطنيةً شاملةً لجميع التجمُّعات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، الأمر الذي استحقَّ تحليل الظاهرة واستنباط دلالاتها وآثارها الإيجابية. ويجمع غالبية المتابعين على أننا أمام ولادة جيلٍ فلسطينيٍّ جديدٍ، يُعيد بناء الوطنية الفلسطينية وبرنامجها السياسي وحركتها التحرُّرية الشاملة، على امتداد الوطن والشتات.

وثمَّة رأي يذهب إلى أن ظاهرة عرين الأسود جزء من مقاومة شعبية أكبر وأهم، فالمقاومة الشعبية المتنوِّعة والمتشعِّبة التي سطرها الشارعُ الفلسطينيُّ على امتداد الأشهر والسنوات الماضية؛ خصوصًا الأعوام الثلاثة الماضية، قوَّضت أهمَّ المبادئ والأدوات الصهيونية الاستراتيجية، مثل مبدأ الجيش والمنظومة الأمنية التي لا تُقهر، ومبدأ التفوّق الصهيوني، واستراتيجية الحروب أو الضربات الاستباقية، واستراتيجية الاحتلال بالوكالة أو الوكيل الأمني. ويلفت هذا الرأي الانتباهَ إلى أن نجاح المقاومة الشعبية في ذلك أدَّى إلى نجاح آخر لا يقلُّ أهميةً ومحوريةً، يتمثَّل في قدرتها على إيجاد فضاء اجتماعي وأمني وسياسي فلسطيني خارج سيطرة الاحتلال، أتاحَ الفرصةَ أمامَ ظهور حالة / حالات عسكرية جديدة، صنعها شبَّان كتيبة جنين وعرين الأسود. بمعنى آخر؛ عرين الأسود من ظواهر المقاومة الشعبية الأوسع والأعم، واستمرارها بالاسم ذاته أو بأسماء وأماكن وهيئات أخرى مرهون حتمًا باستمرار المقاومة الشعبية؛ لا العكس. وهذا يضعنا أمام تحدٍّ ذاتيٍّ فلسطينيٍّ خاص، يتطلَّب منَّا التمييز بين أولوية النضال العسكري من ناحية، وضرورته أو أهميته من ناحية ثانية، فهناك فرق كبير بينهما، فرق أهملتْه مجمل أو غالبية تجارب المقاومة الشعبية الفلسطينية وحركتها التحرُّرية، عبر انتصارها لأولوية النضال العسكري، بل وأُحاديته، بدلًا من التركيز على أهميته في سياق نضالي أوسع[26].

والأقْرب إلى الدِّقَّة القول بأن الجمع أولى من هذا التفريق، بمعنى الجمع بين طرفي المقاومة، عسكرية وغير عسكرية، فكلاهما يعزِّز الآخر ويحميه، فالعمل العسكري المقاوم ضروري، والمقاومة غير العسكرية لازمة ولا غنى لأحدهما عن الآخر، في إطار من توزيع الأدوار وملاءمة الظروف، وكل ميسَّر لما خُلق له. وهنا من اللائق الكف عن استخدام صيغة أفعل التفضيل عند المقارنة بين هذين النوعين من المقاومة كالزعم بأن المقاومة الشعبية أهم من العسكرية أو العكس. فالعمل العسكري يحمي فعاليات المقاومة الأخرى ويردع العدو أحيانًا عن استمرار استهدافها، فيخف ضغطه عليها بحسب الظروف حتى لا تتحوَّل إلى مرحلة أعلى من العمليات التي تستهدف موارده البشرية والاقتصادية، ومن جانب آخر فإن المقاومة الشعبية غير العسكرية توفر الحاضنة المجتمعية للمجاهدين وتوفر لهم الدعم المادي والمعنوي. ولذلك فإن الصهاينة يستهدفون النوعين بشكل متزامن حينًا وفي أوقات مختلفة حينًا آخر.

خاتمة:

المقاومة حياة، وتجدُّدها تجدُّدٌ للحياة، وهي ليست انتحارًا ولا محاولةً للانتحار كما يدَّعي عَرَّابُو التطبيع وساداتهم ومموِّلُوهم الإقليميُّون والدوليُّون، بل هي علاجٌ لليأس الفردي والجماعي عندما تضيق الدائرة ويظن الجميع أو معظمهم ألَّا سبيلَ إلَّا الاستسلام لواقع الحال وموازين القوة المادية المختلَّة بين المحتلِّ المتغطرس بقوَّته والمقهورين والمستضعفين من الفلسطينيِّين.

يتعافى الفلسطينيُّون من القهر بالمقاومة، فالاستسلام يشوِّه الروحَ ويُمرض النفس بل والجسد، ومن هنا يأتي التعافي بالمقاومة العفويَّة والمنظَّمة، العسكرية وغير العسكرية. وللتنظيمات ضروراتها وللمقاومين خياراتهم، فإذا تواءمَت التنظيمات مع اتفاقيات خفض التصعيد المجبرة عليها لتوفير الحدِّ الأدنى من مقوِّمات الحياة للفلسطينيِّين الذين يعيشون في غزة، واستسْلمت السلطةُ الفلسطنية لما يُسَمَّى بالتنسيق الأمني، فإن المجاهدين المقاومين ليسُوا بملزمين بذلك.

كما أن ريادةَ المقاومة ليست قَدَرًا مؤبَّدًا، بل هي امتحان بالتجربة والممارسة، فليس لتنظيم أو سلطة أن يحتكر المقاومة ويحصرها بأعماله، فإن تولوا فسوف يستبدلهم الله، يقول الله عز وجل: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)[27].

المقاومة الجديدة عابرة للفصائل والتنظيمات، يجمعهم الجهاد والنضال، وهو ما عبَّر عنه الشهيد فتحي الشقاقي بكلمات موجزة صادقة منذ ما يربو عن ربع قرن، حين قال: “وحدة الخط النضالي وصلابته أسْبق من وحدة الإطار” مع احترازه من تحوُّل الخلاف إلى صراع بقوله: “نؤكِّد أن خلافنا الأيديولوجي والسياسي مع أي طرف أو جزء من أجزاء شعبنا الفلسطيني لا يمكن حسْمه إلَّا بالحوار الفكري والسياسي، بعيدًا عن العنف، فالعنف فقط ضدَّ العدوِّ الصهيوني”[28]، والمقاومة أول بشائر الإصلاح والنهضة شريطة العمل على الأرض بالعرق والدم. فالشقاقي يذكِّرنا بأن النهضة “هي متغيِّر على أرض الواقع وفي داخله، ولإنجاز مشروعها لا بدَّ أن تضرب الأمة وقادتها وزعمائها في ملامح هذا الواقع بمثابرة واستعداد عميق للتضحية، وإيمان واسع بأن ظهرها على الجدار. وكما ضرب النحَّات في الصخر، فإن كلَّ متغيِّر مهما صغر في الواقع، يأخذنا قدمًا إلى مرحلة التشكيل المبدع في صورته الأخيرة، ولكن في مراحل عديدة سيكون دمنا هو البديل عن عرق النحات”[29].

إن تجدُّد المقاومة في الضفَّة الغربية وفي فلسطين من الممكن أن يكون بدايةَ موجةٍ جديدةٍ من المقاومة وخطوةً على طريق النصر ضدَّ العدوِّ الصهيوني؛ لأن “مسألة تحرير فلسطين هي مسألة مشروع ينظِّم إمكانات الأمة ويردُّ على حرب العدو الشاملة بحرب شاملة ثقافية وفكرية واقتصادية وفكرية وأمنية وعسكرية. ويبقى دورُ المجاهدين في فلسطين، وهو إحياءُ فريضة الجهاد ضدَّ العدوِّ ومشاغلته واستنزاف طاقاته وكشف وجهه البشع، وتدمير ما يستطيعون من قدراته وإدامة الصراع حيًّا حتى وحدة الأمة وتحقيق النصر، والتصدِّي لمؤامرات تصفية القضية التي يوجِّهها الغرب”[30].

وهكذا يمضي مجاهدو عرين الأسود وغيرها من موجات المقاومة في الضفَّة الغربية وكافَّة ربوع فلسطين، يردِّدون مع الشهيد المقاوم الشاعر فتحي الشقاقي كلمات من قصيدته “الاستشهاد: حكايات من باب العمود”:

تلفظني القدس إن كنت نسيت

تلفظني الفاء

تلفظني اللام

تلفظني السين

تلفظني الطاء

تلفظني الياء

تلفظني النون

تلفظني كل حروفك يا فلسطين

تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون

إن كنت غفرت

أو كنت نسيت

 

____________________________

الهوامش

[1] سورة البقرة: 179.

[2] عبد الحميد صيام، صفقة القرن بين خياري الانتحار والانتصار، فلسطين اليوم، 19 مايو 2019، تاريخ الاطلاع: 28 فبراير 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/23IRD

[3] انظر رصدًا لهذه الأسباب في: د. عمر رحال، تحوُّل توجهات الفلسطينيين في الضفة الغربية إزاء المواجهة مع الاحتلال، ورقة مقدَّمة إلى مؤتمر “تحوُّل توجُّهات الفلسطينيِّين في الضفَّة الغربية إزاء المواجهة مع الاحتلال”، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان، كانون الأول / ديسمبر 2022.

[4] اتَّضحت معالم الانقسام الفلسطيني مع انتخابات 2006، للمزيد حول الانقسام انظر ما يلي:

– أشرف عثمان بدر، إنهاء الانقسام الفلسطيني بين الفشل والأمل، المستقبل العربي، العدد 449، يوليو 2016.

– إبراهيم أبراش، جذور الانقسام الفلسطيني ومخاطره على المشروع الوطني، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 87، ربيع 2009.

[5] د. عمر رحال، تحوُّل توجهات الفلسطينيين في الضفة الغربية إزاء المواجهة مع الاحتلال، مرجع سابق.

[6] المرجع السابق.

[7] وسام أبو شمالة، السلطة تعتقل المطارد مصعب أشتيه.. الدلالات والتداعيات، موقع الميادين، بتاريخ 20 سبتمبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/pPiFm

[8] عاطف دغلس، تنظيم “عرين الأسود”.. من هم المقاومون الجدد في فلسطين؟، الجزيرة.نت، 25 سبتمبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/3MusKQj

[9] المرجع السابق.

[10] من هو المطارد سلمان عمران؟، وكالة سما الإخبارية، بتاريخ 5 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/WKjLi

[11] “عرين الأسود” تتبنى “عملية نوعية” قرب نابلس وتكشف تفاصيلها، وكالة وطن للأنباء، 16 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/RMEUi

[12] “عرين الأسود” تعلن تنفيذ عملية نوعية استهدفت جنودًا إسرائيليِّين قرب نابلس، روسيا اليوم، 16 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 15 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/dzzAx

[13] “عرين الأسود” تدعو إلى اشتباك واسع مع الاحتلال في الضفة الغربية، موقع الراية، 15 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/HKj9r

[14] أهم المعلومات عن مجموعات عرين الأسود.. تعرَّف إليها، فلسطين أون لاين، 18 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/aWRF9

[15] المرجع السابق.

[16] عبد المنعم منيب، استراتيجية عرين الأسود، جريدة الأمة الإلكترونية، 16 نوفمبر 2022، تاريخ الاطلاع: 5 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/TVOUr

[17] المرجع السابق.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] المرجع السابق.

[21] فصائل فلسطينية: أبطال “عرين الأسود” امتداد طبيعي للمقاومة (فيديو)، الجزيرة مباشر، 26 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 26 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/QQCwZ

[22] إسرائيل تعلن اعتقال 3 عناصر من “عرين الأسود”، وكالة الأناضول، 26 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 28 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/LJZNr

[23] ما الخيارات المتاحة أمام إسرائيل لمواجهة “عرين الأسود” الفلسطينية؟، الجزيرة.نت، 24 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 26 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/znNUc

[24] عبد المنعم منيب، استراتيجية عرين الأسود، مرجع سابق.

[25] تعرَّف إلى أبرز توصيات الاجتماع الخماسي في شرم الشيخ بشأن فلسطين وإسرائيل، الجزيرة.نت، 19 مارس 2023، تاريخ الاطلاع: 27 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/3gtk0

[26] حيان جابر، أهم من عرين الأسود، العربي الجديد، 8 نوفمبر 2022، تاريخ الاطلاع: 15 مارس 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/rWX7I

[27] سورة محمد: 38.

[28] فتحي الشقاقي، رحلة الدم الذي هزم السيف، الأعمال الكاملة، (القاهرة: مركز يافا، 1997)، ص 355.

[29] المرجع السابق، ص 377.

[30] المرجع السابق، ص 391.

 

فصلية قضايا ونظرات – العدد التاسع والعشرون – أبريل 2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى