الولايات المتحدة وأوروباتقارير ودراسات

بريطانيا ما بعد البريكسيت: الهوية، الاستراتيجية، الاقتصاد

مقدمة:

ظلَّت بريطانيا عبر تاريخها الطويل تحتفظ بعلاقة مخصوصة بالقارة الأوروبية، ومنحَها موقعُها الجغرافي بوصفها جزيرة، قربًا من أوروبا وبُعْدًا عنها في آن، وجعلها ذات مكانة استراتيجية هائلة بالنسبة لأوروبا كلها. وجاءت تفاعلات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، طوال أربعين سنة، خير مثال على هذه العلاقة الملتبسة، فمنذ انضمام بريطانيا إلى المجتمع الاقتصادي الأوروبي (European Economic Community) عام ١٩٧٣ وحتى تصويتها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي عام ٢٠١٦، ظلَّت أكثر الأعضاء بُعْدًا عن الاتحاد، العضو الذي يجتهد في منع مزيد من التقارب والتكامل[1]، ويسْعى في كل مناسبة إلى التفلُّت من قواعده وتشريعاته[2]، وظلَّت الوحيدة التي ترفض الانضمام إلى منطقة الشنجن لحرية الانتقال بين دول الاتحاد وترفض الانضمام إلى منطقة اليورو وعملتها الموحدة[3]، وتمانع تشكيل ترتيبات أمنية واستراتيجية أوروبية إلى جانب حلف شمال الأطلسي[4]، وحتى قبل أن تعقد بريطانيا الاستفتاء على مغادرة الاتحاد، عمل ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، على إقناع مجلس الاتحاد الأوروبي أن بريطانيا ليست ملزمة بأي توسيع لسلطات الاتحاد السياسية وأن شعار “اتحاد أقرب فأقرب” لا ينطبق على بريطانيا[5].

فإذا نظرنا إلى هوية البريطانيين، وجدناهم يشاركون أوروبا دينها وثقافتها وأثرًا من لغاتها وعاداتها وعرقيَّاتها، وهم مع ذلك، يفتخرون ببلادهم وتاريخها العريق ومجدها الذي لم تبلغه أمة أوروبية غيرها حتى أمست الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، فلا يحتمل أكثرهم رؤية بلادهم جزءًا من كل أو مجرد دولة تابعة لاتحاد كغيرها من الدول تلتزم قوانينه وتنصاع لتشريعاته. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد، كان هذا الفخر القومي والغيرة على الهوية البريطانية من موجات المهاجرين وتحكُّم الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فوق القومية في قوانين البلاد وتشريعاتها، هي الدافع الأكبر وراء تصويت أغلبية البريطانيين على مغادرة الاتحاد في استفتاء السادس والعشرين من يونيو عام ٢٠١٦، وهم يردِّدون شعار حملة الترك “لنستعد السيطرة مجددًا”[6].

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد ظلَّت بريطانيا قوة منعزلة عن قوى أوروبا وصراعاتها وتقلُّباتها، حتى إذا عظمت قوة إحداها، كانت هناك تعدل ميزانها وتمنع تغلُّب واحدةٍ منها، وهو ما حدث مع كلٍّ من نابليون وهتلر. إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تفكُّك إمبراطوريَّتها، تراجعت قوة بريطانيا، ودخلت مع أقرانها الأوروبيين في الفلك الأمريكي وقبِلت أن تكون قوة في حلف شمال الأطلسي تحت القيادة الأمريكية، وبدأت تعتاد دورها الجديد في النظام العالمي، حتى بلغت تبعيَّتها للولايات المتحدة أوْجها حين تبعت بريطانيا أمريكا في غزو العراق عام ٢٠٠٣، على الرغم من معارضة المجتمع الدولي برمَّته ودون تصريح من مجلس الأمن.

وعلى الجانب الآخر، ظلَّت بريطانيا تعارض مزيدًا من توسيع التعاون بين أعضاء الاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، ونأتْ بنفسها وسياساتها الخارجية عن الارتباط بالاتحاد مفضِّلة نوعًا من التعاون الخفيف الذي لا يقطع صلاتها بحلفائها الأوروبيين ولا يلزمها بأعباء أكبر فيما يتعلق بالأمن والدفاع الأوروبي ولا يمنعها من تتبُّع سياستها المستقلَّة وتقوية علاقاتها بحلفائها غير الأوروبيين[7]. وبعد التصويت بمغادرة الاتحاد الأوروبي عام ٢٠١٦، اعتقد البعض أنه بإمكان بريطانيا الحفاظ على نفس القدر من التعاون الخفيف مع دول الاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، ولكن من خارج الاتحاد ودون تحمُّل التكاليف الباهظة لمزيد من التكامل والتعاون[8]. فهل تستطيع بريطانيا الإبقاء على هذا التوازن بعد مغادرتها الاتحاد؟

فإن كانت الهوية والاستراتيجية البريطانية في مفترق طرق بعد ترك الاتحاد الأوروبي، فالاقتصاد ليس بأقل منهما مفصلية، ولا يخفى أن الاقتصاد البريطاني المتداعي ورغبة الناس في أي تغيير قد يفلح في قلب أحوالهم، هو ما دفع بريطانيا إلى الانضمام للمجتمع الاقتصادي الأوروبي عام ١٩٧٣[9]، وكذلك شكَّلت المخاوف الاقتصادية أعمدة رئيسية في حملة التصويت بنعم في استفتاء الثالث والعشرين من يونيو عام ١٩٧٣، التي خاضتها الأحزاب المؤيدة لترك الاتحاد الأوروبي[10]. وبالطبع ظلَّ الخوف من موجات المهاجرين وما يعقبها من خفض في الأجور وفقدان البريطانيين لأعمالهم أحد أهم المخاوف المتعلقة بالهوية والاقتصاد معًا.

فهل شهدت بريطانيا التقدُّم والانتعاش الاقتصادي المنشود بعد خروجها نهائيًّا من الاتحاد الأوروبي، أم أن هذا ما كان إلا سرابًا بدَّدته حقيقة صعوبات الانفصال ومرارات العزلة؟

في هذا التقرير، نناقش آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (أو ما بات يُعرف بـ “البريكسيت”) بعد أكثر من خمسة أعوام كاملة من تصويت البريطانيين بنعم في استفتاء عام ٢٠١٦ التاريخي الذي وضع بريطانيا على أول طريق مغادرة الاتحاد الأوروبي بعد أربعين عامًا عاصفةً من العضوية المضطربة به، ونركز على ثلاث مسائل رئيسية هي: هوية البريطانيين، واستراتيجية السياسة الخارجية وسياسات الأمن والدفاع للدولة البريطانية، وأخيرًا أثر البريكسيت على الاقتصاد البريطاني.

أولًا- البريكسيت والهوية القومية البريطانية

ربما كانت نتيجة استفتاء البريكسيت معبِّرة عن الانقسام الشديد بين الشعب البريطاني على انتماء بريطانيا الأوروبي، فقد صوَّت ٥١٪ فقط على مغادرة الاتحاد[11]، كشفت هذه الأغلبية البسيطة عن اختلاف المجتمع البريطاني حول الهوية القومية البريطانية، هذا الاختلاف الذي نتج عن محاولة خلق سردية وطنية موحَّدة بعد الحرب العالمية الثانية للتخفيف من آثار التراجع الإمبراطوري البريطاني وتأخُّر موقع بريطانيا وأهميَّتها أمام قوة القطبين الأمريكي والسوفييتي[12]، وعلى الرغم من تأسيس حملة ترك الاتحاد الأوروبي على مزاعم عدَّة، إلا أن النقاشات التي دارت حول التصويت في استفتاء البريكسيت كانت عادة ما تنتهي إلى نقاش حول الهوية القومية البريطانية وماذا يعني كوننا بريطانيين أو أوروبيين[13]. في هذا الجزء، سنناقش علاقة الهوية الوطنية البريطانية وتصوراتها المختلفة بنتيجة التصويت في استفتاء البريكسيت، وما يعنيه هذا بالنسبة لمستقبل الهوية القومية والأوروبية للبريطانيين.

قبل الحرب العالمية الثانية، انتشرت بين البريطانيين رواية الهوية الوطنية القائلة بخصوصية الأمة البريطانية، هذه الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس التي نذَرت نفسها لإخراج الشعوب المتخلِّفة في المستعمرات من ظلام التأخُّر والاستبداد والفساد إلى أنوار التقدُّم والتمدُّن الأوروبي[14]. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فلم يعد من الممكن الحفاظ على هذه السردية الوطنية، وقد بدأت الإمبراطورية في التفكُّك وتعرَّضت لجرح غائر إذ لم تستطع الانتصار على النازيين إلا بعد تدخُّل القوى العظمى الصاعدة، لذلك كان لا بدَّ من خلق هوية وطنية جديدة تناسب وضع بريطانيا الجديد في العالم، وهنا افترقت سردية الهوية الوطنية إلى سرديَّتين يتبنَّى كلٌّ منهما حزب من الحزبين البريطانيين الكبيرين، المحافظين والعمال؛ فالعمال الذين وصلوا إلى سدَّة الحكم في الفترة التي أعقبت الحرب مباشرة، فأرادوا خلق هوية وطنية تستند إلى دولة الرفاه الاجتماعي، وفقًا لأيديولوجيتهم السياسية الاشتراكية[15]، إلا أن عنصر الفخر القومي الإمبراطوري ظل قابعًا في سردية الهوية الوطنية إلى جانب أو في خلفية العناصر الجديدة، وكان لزامًا على الطبقة السياسية أن تبحث عن فرص أخرى لتفعيل دور بريطانيا في العالم، بعضهم رأي ضالَّته في مستعمرات بريطانيا القديمة، والتي باتت تعرف بدول الكومنولث. فالمخرج قد يكون في الدور القيادي الأبوي الذي من الممكن أن تلعبه الدولة الجديدة في حياة هذه الشعوب الفقيرة المتأخرة، إلا أن نزعة الاستقلال الهندية المتَّقدة، بالإضافة إلى تراجع الدور البريطاني إثر أزمة السويس عام ١٩٥٦، نَثَرَ هذه الأحلام البريطانية الكومنولثية في الريح. ولم يعد أمام بريطانيا إلا هويتها الأوروبية واتصالها الديني والثقافي والعرقي بجيرانها الأوروبيين، لتلعب دورًا أكبر على الساحة العالمية، لذلك كان للهوية دور كبير، إلى جانب العوامل الاقتصادية المذكورة آنفًا، في قرار بريطانيا بالانضمام إلى المجتمع الاقتصادي الأوروبي عام ١٩٧٣[16].

بيد أن هذه الهوية الأوروبية الجديدة، التي ترى بريطانيا جزءًا من كل أوروبي كبير، كان محتَّمًا عليها أن تصطدم بالهوية البريطانية الإمبريالية القديمة، التي ترى بريطانيا إمبراطورية عظيمة لا ينبغي لها أن تنصاع لأحد من خارجها، وظلَّت هاتان الهويَّتان تتنازعان في بريطانيا طوال أربعين سنة من العضوية في الاتحاد الأوروبي. ولما حانت ساعة الخروج، تكرَّرت النقاشات حول الهوية الإمبراطورية البريطانية والدور العالمي لهذه الأمة الاستثنائية وما التبس بهذه الهوية من كراهية المهاجرين والتوجُّس من كلِّ ما من شأنه أن يلوِّث هذه الهوية البريطانية الصافية[17]. ومن هذا تصريح نايجل فراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة وقائد حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي أدلى به في إحدى مؤتمرات الحزب عام ٢٠١٤، بأن البريطانيين لم يعودوا يسمعون اللغة الإنجليزية في كثير من الأماكن في البلاد مثل كثير من المستشفيات والأسواق، ومن ثم سأل مناصريه: “هل هذا هو المجتمع الذي نريد أن نتركه لأبنائنا؟”[18].

وجرَّت هذه النقاشات بطبيعة الحال الاعتراضات الشعبوية الثائرة على المؤسَّسات الاقتصادية والسياسية الأوروبية والبريطانية وطبقة النخبة التي تديرها في اتجاه مزيد من التكامل الأوروبي على اعناق الطبقة المتوسطة المتضرِّرة من هجرة العمالة وانخفاض الأجور والتنافس في سوق العمل[19]. قد تبدو هذه الاعتراضات اقتصادية للوهلة الأولى، إلا أن مشكلات الهوية تقبع في القلب منها. وهنا بيت القصيد، فمؤيدو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي خلطوا في اعتراضاتهم ونقاشاتهم بين الأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية، وبات من الممكن على الجميع إخفاء نواياهم الحقيقية من دعم التصويت بنعم في استفتاء البريكسيت، فبينما استخدم كثير منهم حججًا اقتصادية، إلا أنهم كانوا يضمرون دوافع تتعلَّق بخوفهم على هويتهم البريطانية من الذوبان حتى باتت مسائل السياسة العادية توضع في قالب وجودي هوياتي والعكس بالعكس[20]، مما ساعد كذلك على ربط مسائل الهوية الأوروبية بمشكلات الهجرة واعتراضات الشعبويِّين ونظرتهم إلى النخبة المتعلِّمة والمتنفِّذة باعتبارهم ذوي هوية أوروبية، أي أنهم أوروبيون أكثر من كونهم بريطانيين وأنهم يفضلون مصالح الاتحاد الأوروبي حتى وإن تعارضت مع مصالح الطبقات المتوسطة البريطانية[21].

وفي ظلِّ هذا النزاع على الهوية، نشأت تسوية بين الحزبين السياسيَّين مفادها فرض قيود صارمة على الهجرات الجديدة مع التأكيد على استيعاب الأقليات في الداخل وحقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقبول التعدُّدية الثقافية للهوية البريطانية، لذلك كان ضغط الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فوق القومية على بريطانيا لتخفيف هذه القيود على الحركة ودفعها باتجاه مزيد من التكامل الاقتصادي مع أعضائه سببًا في تأجيج المشاعر القومية المتعلِّقة بالهوية البريطانية، وظنَّ البعض أن الخروج من الاتحاد واستعادة السيطرة على قوانين البلاد، خاصة فيما يتعلَّق بالهجرة، سوف يحلُّ هذا النزاع الداخلي حول الهوية البريطانية.

والمفارقة هنا هو أن مؤسِّسي المجتمع الأوروبي الاقتصادي، الذي تطوَّر فيما بعد ليصبح الاتحاد الأوروبي، كانوا يهدفون في الأساس إلى تجنُّب الصراعات والنزاعات القومية بين دول القارة والتي أنتجت حربين عالميَّتين في عقود معدودة، فقد كانوا يرون أن التعاون الاقتصادي بين دول القارة سوف يؤدِّي فيما بعد إلى مزيد من الاندماج السياسي التدريجي حتى تتجذَّر هوية أوروبية واحدة تتخطَّى الهويات القومية وتجنِّب أوروبا الوقوع في حرب جديدة تؤجِّجها نار الغيرة القومية والتنافس على النفوذ والسيطرة. باختصار، كان الاتحاد الأوروبي حلًّا اقتصاديًّا لمشكلة تتعلَّق أساسًا بالهوية[22]؛ إلا أن الطابع الاقتصادي القائم على التسويات والتوازنات سرعان ما انحرف بالاتحاد عن هذه الغاية وأفقد مؤسَّساته كثيرًا من قدرتها على إدارة دفَّة التكامل والوحدة السياسية المنشودة، وأدَّى ضعف إحساس البريطانيِّين بالهوية الأوروبية إلى تصويت أغلبهم بنعم في استفتاء البريكسيت عام ٢٠١٦[23].

ويبدو أن هذا الانقسام في الهوية بين البريطانيِّين، بين أولئك المعتزِّين بقوميَّتهم وتاريخ أمَّتهم البريطانية العريقة، وأولئك الذين يرون أنفسهم مواطنين أوروبيين ينتمون إلى دين وثقافة وعرق أوروبي أوسع من بريطانيا العظمى، لم ينقضِ بانقضاء الاستفتاء، وعلى عكس ما كان يأمل البعض، من أن الاستفتاء حول البقاء أو مغادرة من الاتحاد الأوروبي سوف يحسم هذا النزاع على الهوية البريطانية، فقد أسهم استفتاء البريكسيت في توسيع هُوَّةِ الانقسام على الهوية بين البريطانيين، بل أدخل فيه من لم يكن يَعبأ به أو بالسياسة من عامة الناس، وربما كان جون كيرتس، أستاذ السياسة بجامعة ستراثكليد، أفضل من عبَّر عن هذا الانقسام في المجتمع البريطاني حين عنون تقريره عن هذه المسألة بقوله “كيف أصبحت بريطانيا بلدًا من المغادرين والباقين” في إشارة إلى ما توصَّل إليه بحثه من شدَّة انقسام الناس في بريطانيا حول هُويتهم البريطانية أو الأوروبية بعد عام كامل من التصويت في استفتاء البريكسيت. هذا الانقسام الذي ظهر حتى عند أولئك الذين لم ينتموا لأي حزب أو أيديولوجية سياسية ولم يكن لهم اهتمام بهذه المسائل من قبل[24]، ولعل ذلك الانقسام سوف يبقى لزمن بعيد.

ثانيًا- الاستراتيجية البريطانية بعد البريكسيت

لم يكن العداء الروسي، تحت قيادة الرئيس بوتين، للغرب وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ليخفى على المحلِّلين الاستراتيجيِّين والمراقبين السياسيِّين، إلا أن هذا الغزو الشامل الذي قام به الجيش الروسي لأوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير عام ٢٠٢٢، لم يتنبَّأ به أحد على هذا النحو، مثل هذا الغزو محطة مفصلية ويمثِّل خطرًا داهمًا للمعسكر الغربي، لا سيما أوروبا، وبالطبع بريطانيا، وعبء مجابهة هذا التهديد يقع بالأساس على عاتق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو إطار دفاعي يجمع أوروبا وتركيا وأمريكا وبريطانيا، سواء كانت هذه الأخيرة عضوًا في الاتحاد الأوروبي أم لا. إلا أن هذا لم يمنع الدول الأعضاء في الاتحاد من محاولة خلق ترتيبات دفاعية وأمنية خاصة بها، كي تخفِّف اعتمادها على الولايات المتحدة في ضمان أمنها ولتصبح قادرة على السير في سياستها الخارجية بشكل أكثر استقلالية[25].

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الأثر الذي خلَّفته بريطانيا بتركها للاتحاد بعد البريكسيت، مع ما لها من أهمية استراتيجية ضخمة، خاصة وهي أكثر دول أوروبا تمتُّعًا بإمكانات دفاعية متميزة، لا سيما النووية منها، وهي مع كل ذلك من أكبر المساهمين في ميزانية الاتحاد[26]، كذلك، فقد كانت أوروبا توفر لبريطانيا ذخرًا استراتيجيًّا يزيدها تمكُّنًا وقوةً على الساحة العالمية، خاصة إذا أرادت النأي بسياساتها الخارجة والدفاعية عن الولايات المتحدة في المستقبل، ألم تكن “استعادة السيطرة” إحدى أهم شعارات المطالبين بترك الاتحاد الأوروبي؟ فهل حقَّق البريكسيت هذا الاستقلال حقًّا، أم أنه أضعف قوة بريطانيا ونفوذَها في العالم وزاد من أعبائها الاستراتيجية؟ هذا ما سوف نناقشه في هذا الجزء من التقرير.

لم يغب جانب السياسة الخارجية البريطانية ومشكلات الدفاع والأمن عن النقاشات التي دارت قبل وبعد استفتاء البريكسيت، فقد جاء كل طرف من أطراف حملة المغادرة أو البقاء بحجج تدعم موقفه تتعلق بقوة بريطانيا على الساحة الدولية وقدرتها على سَنِّ سياساتها الخارجية الخاصة بها وأثر المغادرة أو البقاء على استراتيجيتها الدفاعية. في هذا الإطار، لم ينكر أي من الطرفين أهمية التعاون مع دول أوروبا في دعم قوة بريطانيا على الساحة العالمية، إلا أن الخلاف الرئيس دار حول ما إذا كان هذا التعاون أكثر جدوى من داخل الاتحاد أم من خارجه.

ففي ظل الأطر التعاونية الأوروبية المتعلِّقة بتلك المجالات مثل السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي (EU’s Common Foreign and Security Policy) المعروفة اختصارًا بـ (CFSP) أو السياسة الدفاعية والأمنية المشتركة (Common Security and Defence Policy) المعروفة اختصارًا بـ(CSDP)، تتمتَّع بريطانيا بميزات كبيرة مثل التعاون في تحمُّل تكاليف البحث والتطوير للصناعات الدفاعية وتوزيع أعباء المشاركة في عمليات حفظ السلام وتنسيق عمل القوات المشتركة وغيرها من الميزات التي لا يمكن أن تحقِّقَها دولة منفردة مهما بلغت قدراتها[27].

رأى مناصرو حملة مغادرة الاتحاد الأوروبي أن بريطانيا يمكنها أن تحافظ على علاقات التعاون مع دول أوروبا الباقية، ولكن من خارج الاتحاد، كي تحافظ في نفس الوقت على استقلال سياستها الخارجية وتتجنَّب التكاليف الأمنية والاستراتيجية التي قد تفرض عليها إذا بقيت عضوًا في الاتحاد[28]، وقد عبَّرت الحكومة البريطانية في غير ما موضع عن رغبتها الحثيثة في الحفاظ على التعاون مع دول أوروبا في مجالات حيوية، لا سيما مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، طالما لم يتعارض هذا التعاون مع مصالح بريطانيا[29]، وعبَّرت كذلك في ورقة أصدرتها عام ٢٠١٧، بأنها تثَّمن التعاون مع دول أوروبا في مجالات العلاقات الخارجية والأمن وأنها قادرة على مداومة قدر لا بأس به من هذا التعاون، ولكن من خارج الاتحاد[30].

أما المدافعون عن بقاء بريطانيا في الاتحاد، فرأوا أن بقاء بريطانيا في الاتحاد يوفِّر لها هذه الميزات دون أن ينفي استقلالها وحريَّتها في انتهاج السياسة الخارجية التي تراها، فطبيعة هذه الترتيبات السياسية الخارجية والدفاعية الأوروبية مثل الـ(CSDP) والـ (CFSP) لا تتطلب مركزية صارمة في اتخاذ القرارات ولا تفرض على أعضاء الاتحاد أعباء لا يرغبون في تحمُّلها[31]، كذلك رأى هؤلاء أن خروج بريطانيا من الاتحاد سوف يدفع الدول السبعة والعشرين المتبقية إلى استبعاد بريطانيا من أطرها التعاونية في كافة المجالات، ومنها تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن، فلا يعقل أن يقبل بقية الأعضاء أن تتمتَّع بريطانيا بمميزات هذه الأطر التعاونية دون أن تتحمَّل أدنى تكاليفها. وقد عبَّر كثير من صانعي السياسة الأوروبيين عن هذا المعنى بالتحديد، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال إن بريطانيا لا يمكنها الحصول على خير الخيرين وتجنُّب شرِّ الشرَّين، فهذا يغري غيرها بالمغادرة ويجانب العدل والإنصاف بالنسبة لأولئك الذين بقوا في الاتحاد ويتحمَّلون تكاليفه[32]؛ وعلى الرغم من أنه كان يقصد في هذه المناسبة تحديدًا الجوانب الاقتصادية من الاتفاق، إلا أن ما ينطبق هناك ينطبق هنا، فهو مسلك عام يبدو أن بعض الساسة الأوروبيِّين عازمون على سلوكه، أي جعل خروج بريطانيا من الاتحاد صعبًا وقاسيًا لكي تصبح مثلا لا يرغب أحدٌ في تكراره[33].

لا يرتاب أحد في أن البريكسيت سوف يكون ذا أثر ما على السياسة الخارجية لكلٍّ من أوروبا وبريطانيا واستراتيجيَّتيْهما في مجالات الأمن والدفاع، إلا أنه من المبكر جدًّا تقييم حجم هذا الأثر وفي صالح أي طرف يكون، وهل يستطيع كلا الطرفين التوصُّل لتسوية يكون من شأنها تخفيف هذا الأثر. فبعد أن أتمَّت بريطانيا خروجها من الاتحاد بشكل نهائي، ما تزال كثير من المسائل عالقة يسودها الغموض بين الجانبين، لا سيما في مسائل الأمن والدفاع والسياسات الخارجية[34]، ولا يجب أن تصرفنا وحدة المعسكر الغربي في مجابهة روسيا وتضافره على فرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها بعد غزوها أوكرانيا، عن الانتباه لما تعنيه مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي من عواقب وآثار، ويبدو أن الأمر سيؤول لما حذَّر منه الرئيس ماكرون، فسوف تميل الكفَّة لصالح بريطانيا على الأرجح، فإذا كان لدول الاتحاد الأوروبي طموح في الخروج من التبعية الأمريكية في مسائل الأمن والدفاع، التي يفرضها عليها اعتمادها على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فلن يكون أمامها مناصٌ من التعاون مع بريطانيا، فهي التي تمتلك قدرات فريدة خاصة في مجالات الاستخبارات والتواجد العسكري العالمي، الذي تفتقر إليه دول أوروبا، ناهيك عن قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، ربما كانت فرنسا هي الدولة الوحيدة القادرة على ملء مكان بريطانيا في الترتيبات الأمنية والدفاعية الأوروبية، فهي الدولة النووية الوحيدة الباقية، وربما دعمتها القوة الاقتصادية والتكنولوجية الألمانية، إلا أنهما لن يستطيعا القيام بأعباء هذا الطموح دون معاونة بريطانيا.

أما بريطانيا، فهي كما كانت دائمًا، جزيرة منعزلة عن مناطق التوتُّر في شرق ووسط أوروبا، وهي أكثر دول أوروبا تحصُّنًا من التهديد الروسي وأكثرها صلةً بالعالم غير الأوروبي مثل أمريكا وأستراليا وكندا، وأكثرها اكتفاءً بقدراتها الدفاعية والأمنية، ولذلك فهي أكثرها قدرةً على تحقيق الاستقلال في سياستها الخارجية وأقلها افتقارًا إلى الولايات المتحدة، ورغم كل ذلك، فلا يمكنها أن تثق في قدراتها تمامًا دون تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وهذا ما يجعلها راغبة في الحفاظ على نوعٍ من التعاون مع أوروبا، وكما سبق القول، فبريطانيا أبدت استعدادًا صريحًا على التعاون مع دول أوروبا، لذلك من المتوقَّع أن يتوصَّل الطرفان لصيغة مُرضية للتعاون بينهما، ولكن هذه الصيغة سوف تكون لبريطانيا فيها اليد العليا غالبًا في فرض شروطها التفاوضية[35].

ثالثًا- الاقتصاد البريطاني بعد البريكسيت

كما ذكرنا آنفًا، اختلطتْ حُجَجُ المدافعين عن مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي وكذلك حُجَجُ أولئك الذين أرادوا البقاء، حتى الْتبست الحجج الاقتصادية بتلك المتعلقة بالهوية بغيرها من الحجج الأخرى، إلا أن الاقتصاد كان حجر الزاوية في العديد من الحملات الدعائية لكلا المصوتين بنعم ولا في استفتاء البريكسيت عام ٢٠١٦. وكغيره من المسائل، كان لكلٍّ منهما حججه الاقتصادية الخاصة به في دعم وجهة نظره.

فقد ادَّعى داعمو البريكسيت أن مغادرة الاتحاد سوف تخفِّف أعباء بريطانيا المالية وتجعلها تنفق ما كانت ملتزمة به للاتحاد الأوروبي إلى مصالح الشعب البريطاني مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، كذلك ادَّعى كثيرٌ منهم أن مغادرة الاتحاد سوف تساعد التعليم البريطاني على التقدُّم والرُّقي[36]، ناهيك عن اللعب على مخاوف كثير من الناس من أن تحرير حرية الحركة سوف يدفع ملايين المهاجرين إلى دخول بريطانيا ومزاحمتهم في أرزاقهم وأعمالهم[37].

أما على الجانب المقابل، فلن نجد أفضل من تقرير الخزانة البريطانية نفسها الذي قدَّمه وزير المالية للبرلمان قبل شهر من الاستفتاء يحذِّر فيه من الآثار الاقتصادية المؤلمة التي سوف تترتَّب على مغادرة الاتحاد الأوروبي[38]. وذكر هذا التقرير صراحة وبكل وضوح أن التصويت بمغادرة الاتحاد سوف يحدث صدمة هائلة فورية على الاقتصاد البريطاني مسبِّبًا عدم استقرار وتقلُّبًا يزيد منه تعقيدات المفاوضات التي تتلوه، وأن ذلك كله سوف يدفع بالاقتصاد إلى حالة من الكساد والركود ويفاقم من نسب البطالة. ولم يكتف التقرير بالعموميات، بل توقَّع بأن الناتج القومي البريطاني سوف يتقلَّص خلال عامين بنسبة ٦٪، وسوف ترتفع أعداد البطالة ٨٠٠,٠٠٠ شخص وتنخفض قيمة الجنيه الإسترليني بنسبة ١٥٪. وبالرغم من الاستثناءات التي نجحت بريطانيا في الحصول عليها في ظلِّ الاتحاد مثل عدم انضمامها لمنطقة الشنجن أو العملة الموحَّدة، فخروج بريطانيا من الاتحاد قد يكلِّفها العديد من الميزات التي كانت تتمتَّع بها مثل فقدانها للسوق الأوروبية الضخمة التي كانت تستوعب الصناعات البريطانية الثقيلة مثل صناعة السيارات والطائرات[39]، كذلك فترك بريطانيا للاتحاد الأوروبي سوف يحرمها من المهاجرين الذين يعملون في قطاعات حيوية من الاقتصاد مثل خدمة الفنادق والأسواق والصحة[40]، فأي الرؤيتين فرضت نفسها بعد خمسة أعوام من التصويت بالمغادرة؟

من الصعب جدًّا تبيُّن الآثار الاقتصادية التي لحقت بالاقتصاد البريطاني جرَّاء البريكسيت. فبالإضافة إلا عوامل كثيرة لا يمكننا ضبطها تمامًا والتي تجعل قياس الأثر الذي أحدثه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمرًا في غاية الصعوبة، هناك الأثر البالغ الذي أحدثه فيروس كورونا على كافة مناحي الحياة، خاصة الاقتصاد، إلَّا أن بعض المحلِّلين أشار إلى أن تأثير البريكسيت على الاقتصاد كان أشدَّ من تأثير فيروس كورونا نفسه، من هؤلاء ريتشارد هوجز، رئيس مكتب مسؤولية الميزانية في الحكومة البريطانية، الذي قال إن البريكسيت سوف يسبب تقلُّصُا للناتج القومي بنسبة ٤٪، وسوف يستمر في الضغط على الاقتصاد البريطاني على المدى البعيد[41].

ويمكن تلخيص الآثار الاقتصادية التي لحقت بالاقتصاد البريطاني جراء البريكسيت في تلك التي سوف تحدث على المدى القريب وتلك التي من المتوقع أن تحدث على المدى البعيد. فعلى المدى القريب، سوف يؤدي فقدان بريطانيا للأسواق الأوروبية إلى تقليص الناتج القومي ومعاناة بعض الصناعات التي كانت تعتمد على السوق الأوروبية مثل الصناعات الثقيلة، لا سيما صناعة السيارات، وما يتبع ذلك من زيادة البطالة والكساد في هذه القطاعات وغيرها[42]، أما على المدى البعيد فسوف تستمر بعض هذه الآثار في مسارها، بينما يتوقَّع البعض أن يتأقلم الاقتصاد البريطاني مع هذه المتغيرات. على سبيل المثال، أولئك الذين فقدوا وظائفهم في القطاعات المتضرِّرة مثل قطاع السيارات، سوف يتمُّ توظيفهم في قطاعات أخرى صاعدة للاقتصاد البريطاني ميزة تنافسية فيها، لا سيما قطاع الخدمات.

وسوف تعقد بريطانيا اتفاقات تجارة حرة مع دول أوروبية وغير أوروبية تمكنها من تعويض ما فقدته من السوق الأوروبية[43]، ومثال على هذه الآثار الاقتصادية التي بدأت الحكومة البريطانية بالتنبه لها، هو المشكلة في سوق الخضروات والفاكهة الطازجة التي كانت بريطانيا تستوردها من دول أوروبية. فالآن، وبعد أن أتمَّت بريطانيا مغادرتها للاتحاد الأوربي، ظهرت مشكلات كثيرة تتعلق بالحواجز غير الجمركية مثل تدابير الوقاية الصحية المفروضة من قبل المؤسسات الصحية البريطانية على الواردات الطازجة من الخضر والفاكهة، والتي تهدِّد بفساد كميات كبيرة من هذه الواردات إذ تقضي وقتًا أكبر قبل دخولها الأسواق، وكانت تدخل قبل ذلك دون التعرُّض لمثل هذه الإجراءات الوقائية. وقد دفع ذلك المصدِّرين الأوروبيِّين إلى خفض كميات صادراتهم إلى بريطانيا وهو ما أدَّى إلى نقص هذه الأصناف في السوق البريطانية. أما الحكومة البريطانية، فتنبَّأت بهذه المشكلة، وعقدت اتفاقات تجارية خاصة بالخضر والفاكهة الطازجة من دول غير أوروبية مثل مصر والمغرب وغيرها[44].

وطفت على السطح مشكلات أخرى، مثل مشكلة نقص أعداد سائقي الشاحنات المؤهلين والذين كانت نسبة كبيرة منهم من دول أوروبية، الأمر الذي أدَّى إلى تعطُّل كثيرٍ من الخدمات وتباطؤ حركة نقل السلع. وحاولت الحكومة البريطانية معالجة هذه الأزمة من خلال إصدار تأشيرات مؤقتة لعدد من سائقي الشاحنات الأوروبيِّين لتعويض هذا النقص، ولكن سوف تظل مشكلة جبْر هذا النقص تؤرِّق بريطانيا حتى يوجد حلٌّ ناجع لها[45].

خلاصة:

بعد مرور خمس سنوات على تصويت البريطانيين بمغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء البريكسيت عام ٢٠١٦، ما يزال الوقت مبكرًا للوصول إلى أي استنتاجات نهائية بشأن ما سوف تؤول إليه العلاقات البريطانية-الأوروبية وما الأثر الذي سوف يحدثه ذلك على المجتمع والهوية والاستراتيجية والاقتصاد البريطاني. إلا أنه يمكننا تلمُّس بعض الاتجاهات التي من المرجَّح أن تسير إليها الأمور.

فالهوية البريطانية، التي كان الانقسام حولها أحد الأسباب الرئيسية في هذه النتيجة المتقاربة لأصوات كلٍّ من الراغبين في مغادرة الاتحاد وخصومهم الراغبين في البقاء، سوف تظلُّ تسبِّب الانقسام بين عموم الشعب البريطاني، فقد انقسم المجتمع إلى شطريْن، أولئك المعتزِّين بقوميَّتهم البريطانية ولا يرون أنفسهم جزءًا من كل أوروبي كبير، وأولئك الذين لا يرون تعارضًا بين انتمائهم القومي وهويَّتهم الأوروبية الواسعة، ولا يبدو أن هناك طريق واضح للتوفيق بين هذين الفريقين، بل ما تظهره الدراسات هو أن الانقسام يزداد ويشتدُّ مع مرور الوقت.

أمَّا مسألة الاستراتيجية البريطانية وسياساتها الخارجية وترتيباتها الدفاعية والأمنية، فالمرجَّح أن تكون بريطانيا المستفيد الأكبر من مغادرتها الاتحاد، فدول أوروبا في حاجتها وليست في حاجتهم بنفس القدر، هذا الموقف سوف يتيح لبريطانيا فرضَ شروطِها على أي اتفاقات تتعلَّق بالسياسة الخارجية أو الدفاع الأوروبي المشترك؛ بالإضافة إلى ذلك، سوف تصبح بريطانيا أكثر حرية في تحديد وتنفيذ سياستها الخارجية المتماشية مع مصالحها، وإنشاء تحالفاتها الخاصة خارج أوروبا، لا سيما مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وأخيرًا، يرجَّح أن تؤثِّر مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي على الاقتصاد بشكل بالغ السوء على المدى القريب، حيث بدأت بعض هذه الآثار بالظهور بشكل ملموس مثل انخفاض الناتج القومي وارتفاع نسب البطالة. أما على المدى البعيد، فيبدو أن بعض هذه الآثار سوف تستمر، ولكن يمكن للحكومة البريطانية التخفيف منها وإعادة ضبط الاقتصاد البريطاني ليتناسب مع الوضع الجديد. ويرى البعض أن بريطانيا سوف تكون الرابحة على المدى البعيد، إذ أصبح بإمكانها إدارة اقتصادها بشكل أكثر استقلالية وكفاءة بعد البريكسيت، والمستقبل كفيل بكشف ما التبس من كل هذه الأمور.

[1] Cas Mudde, The Comparative Study of Party-based Euroscepticism: The Sussex vs the North

Carolina School, East European Politics, Vol. 28, No. 2, 2012, pp. 193–202.

[2] Nauro F. Campos, Fabrizio Coricelli, Why did Britain Join the EU? A New Insight from Economic History, VoxEU, 03 February 2015, Accessed: 9 March 2022, 9:00, available at: https://cutt.us/whmds

[3] Look at: Amy Verdun, European Responses to Globalization and Financial Market Integration: Perceptions of Economic and Monetary Union in Britain, France and Germany, (New York: St. Martin’s Press, 2000).

[4] Richard G. Whitman, The UK and EU Foreign and Security Policy: An Optional Extra,Political Quarterly, 2016, Vol. 87, No. 2, pp. 254–61.

[5] European Council, Conclusions of the European Council meeting of 18 and 19 February 2016,  Annex 1, Section C, Sovereignty, 2016, available at: https://cutt.us/xoU0Y

[6] Patrick Le Galès (et al.), UK as an Exception or the Banal Avant-garde of the Disintegration of the EU, Socio-Economic Review, Vol. 15,  No. 4, October 2016, pp. 42–8.

– Noah Carl, James Dennison, and Geoffrey Evans, European but not European enough: An explanation for Brexit, European Union Politics, Vol. 20, No. 2, 2019, pp. 282-304.

[7] Richard G. Whitman, The UK and EU Foreign and Security Policy: An Optional Extra, Op. cit., p. 259.

[8] Malcolm Chalmers, UK foreign and security policy after Brexit, Briefing Paper, Royal United Services Institute for Defence and Security Studies, January 2017, p. 8, available at: https://cutt.us/FmDL8

[9] Nauro F. Campos, Fabrizio Coricelli, Why did Britain Join the EU?, Op. cit.

[10] Matthew J. Goodwin and Heath Oliver, Brexit vote explained: poverty, low skills and lack of opportunities, Joseph Rowntree Foundation, 31 August 2016, Accessed: 11 March 2022, available at: https://cutt.us/BhffF

[11] EU referendum results, BBC news, 24 June 2016, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/BElQL

[12] Richard T. Ashcroft and Mark Bevir, Brexit and the Myth of British National Identity, British Politics, Vol. 16, No. 2, June 2021, pp. 117-132.

[13] Look at: R.T. Ashcroft, M. Bevir, Conclusion – ‘Multiculturalism’ in Policy, Law and Theory: Britain, Brexit and Beyond , (in): R. T. Ashcroft and M. Bevir (eds.), Multiculturalism in Contemporary Britain: Policy, Law and Theory,(london: Routledge,2020).

[14] David Marquand, After Whig Imperialism: Can There Be a New British Identity?, Journal of Ethnic and Migration Studies, Vol. 21, No. 2, 1995, pp. 183–193.

[15] Thomas Humphrey Marshall, and Thomas Burton Bottomore, Citizenship and social class, (London: Pluto press, 1992), Vol. 2, pp. 45-46.

[16] Look at: Linda Colley, Britons: Forging the Nation 1707–1837, (New Haven: Yale University Press, 1992(.

[17] Ros Taylor, Dunkirk, Bond and All That: The Brexit Myth of British Exceptionalism, LSE politics blog, 23 August 2016, available at: https://cutt.us/JAEXu

[18] Andrew Sparrow, Nigel Farage: parts of  Britain are ‘like a foreign land’, The Guardian, 18 February 2014, Accessed: 07 April 2022, available at: https://cutt.us/nmi0Y

[19] Look at: Albert Weale, The will of the people: a modern myth, (Cambridge: polity press, 2018).

[20] Triadafilos Triadafilopoulos, Illiberal Means to Liberal Ends? Understanding Recent Immigrant Integration Policies in Europe, Journal of Ethnic and Migration Studies, Vol. 37, No. 6, 2011, pp. 861–880.

[21] For more:

– Neil Fligstein, Who are the Europeans and how does this matter for politics? (in): Jeffrey T. Checkel and Peter J. Katzenstein (eds.), European Identity, (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), pp. 132-166.

– Adrian Favell, Immigration, migration, and free movement in the making of Europe, (in): Ibid, pp.167 – 189.

[22] Turkuler Isiksel, Square peg, round hole Why the EU can’t fix identity politics, (in): Benjamin Martill, and Uta Staiger (eds.), Brexit and Beyond: Rethinking the Futures of Europe, (london: UCL Press, University College London, 2018), p. 241.

[23] Noah Carl (et al.), European but not European enough: An explanation for Brexit, European Union Politics, Vol. 20, No. 2, 2019, pp. 282-304.

[24] John Curtice, The Emotional Legacy of Brexit: How Britain Has Become a Country of ‘Remainers’ and ‘Leavers’, paper, Natcen Social research, 15 October 2018, available at: https://cutt.us/nHLFt

[25] Paul Cornish and Geoffrey Edwards, Beyond the EU/NATO dichotomy: the beginnings of a European strategic culture, International affairs, Vol. 77, No. 3,  2001, pp. 587-603.

[26] Eulalia Rubio, Brexit and the EU budget: threat or opportunity?, Policy Paper, Notre Europe, Bertelsmann Stiftung, 16 January 2017, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/v83Ca

[27] Amelia Hadfield, Britain against the world? Foreign and security policy in the ‘age of Brexit, (in): Benjamin Martill, Uta Staiger (ed.), Brexit and Beyond: Rethinking the Futures of Europe, Op. cit., p. 174.

[28] Malcolm Chalmers, UK foreign and security policy after Brexit, Op. cit.

[29] Review of the Balance of Competences between the United Kingdom and the European Union, HM Government, Foreign Policy, 2013, Accessed: 12 March 2022, available at: https://cutt.us/6Y2DQ

[30] The United Kingdom’s Exit From and New Partnership with the European Union, Crown Copyright, Her Majesty’s Stationery Office, 2017, Accessed: 12 March 2022, available at: https://cutt.us/JDxJ1

[31] Richard G.Whitman, The UK and EU Foreign and Security Policy: An Optional Extra, Op. cit., p. 254.

[32] Nicola Slawson, French Presidential Favourite Macron May Drive Hard Bargain in Brexit Matters, The Guardian, 24 April 2017, Accessed: 13 March 2022, available at: https://cutt.us/GihEf

[33] Liam Fox, Free Trade Speech, HM government, 29 September 2016, Accessed: 13 March 2022, available at: https://cutt.us/oqC2J

[34] Benjamin Mueller and Peter Robins, What Is Brexit? And How Is It Going?, New York Times, 8 November 2021, Accessed: 13 March 2022, available at: https://cutt.us/kJtHw

[35] Rob Johnson, and Janne Haaland Matlary, The United Kingdom’s Defence after Brexit, (London: Palgrave Macmillan, 2019), pp. 159-189.

[36] Dominic Cummings, Some Thoughts on Education and Political Priorities, 2013, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/Tplac

[37] Salomi Boukala, and Dimitra Dimitrakopoulou, The Politics of Fear vs. the Politics of Hope: Analysing the 2015 Greek Election and Referendum Campaigns, Critical Discourse Studies, Vol. 14, No. 1, 2016, pp. 39–55.

[38] HM Treasury analysis: the immediate economic impact of leaving the EU, HM Government ,  May 2016, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/FDd11

[39] Faisal Islam, Why is the car industry is braced for a bumpy Brexit ride?, Sky News, 20 April 2018, Accessed: 9 March 2022, available at: https://cutt.us/2pKte

[40] Erica Consterdine, What Britain’s post-Brexit immigration policy could look like, The Conversation, 30 March 2017, Accessed: 8 March 2022, available at: https://cutt.us/08fIq

[41] Impact of Brexit on economy ‘worse than Covid’, BBC News, 27 October 2021, Accessed: 18 March 2022, available at:  https://cutt.us/SOUv6

[42] Milad Farahani, A review study of the effects of coronavirus and Brexit on the UK economy, International Journal of Economics and Politics, Vol. 2 No.2, October 2021, pp. 201-227.

[43] Philip B. Whyman and Alina I. Petrescu, The Economics of Brexit, (London: Palgrave Macmillan,2020), p 371.

[44] Brexit: The deal is done, but what effect does it have on the fresh trade?, Ministry of Foreign Affairs, 30 March 2021, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/F8aZy

[45] Reality Check team, How serious is the shortage of lorry drivers?, BBC News, 15 October 2021, Accessed: 18 March 2022, available at: https://cutt.us/XUA5q

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى