المنطقة العربية

أزمة القدس الأخيرة والخلاف الفلسطيني-الفلسطيني

مقدمة

مثَّل قرار ترامب إعلان القدس عاصمة للدولة الصهيونية صدمة كبيرة لكافة أنصار القضية الفلسطينية، وهذا القرار يأتي استكمالًا لسياسات إجهاض مشاريع التغيير، فقد أضحى القضاء على مقاومة الصهيونية والإمبريالية العالمية قائمًا على قدم وساق مع سقوط نسمات الربيع العربي.
إن الناظر لقرار ترامب من بوابة أنه لم يقدِّم جديدًا يغفل عددًا من الحقائق، ليس أقلها خروج القدس من دائرة التفاوض، وقد ظهر موقفه جليًّا عندما خالف التقاليد الأميركية المتعارف عليها بإعلانه في ديسمبر 2016 إدانة قرار إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بالامتناع عن نقض قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (2334) الذي أدان التوسُّع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفَّة الغربية والقدس الشرقية، واعتبر الأراضي المحتلة بعد الرابع من يونيو 1967 أراضيَ محتلَّة، وكل المستوطنات التي بُنيت فيها غير شرعية(1).
اتَّجهت الأنظار إلى مستقبل الانقسام الفلسطيني، مع تزايد ضرورة الخروج بموقف موحَّد واستراتيجية متكاملة تجهض هذا القرار السافر، ومن هنا ضرورة التساؤل حول رؤية الفصائل الفلسطينية لكيفية مواجهة المرحلة الجديدة من العدوان الإسرائيلي-الأمريكي.
ولكن قبل ذلك، لماذا حدث الانقسام؟ وكيف السبيل إلى المصالحة والوئام؟ تساؤلات محيِّرة أضحت تضع بكاهلها عبئًا على أنصار القضية الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وما بين متربِّص يخشى المصالحة الوطنية، ومناصر لفلسطين يبكي حال أبنائها المتحاربين، دارت أحاديث حول إمكانية نجاح المفاوضات الجارية بين “فتح” و”حماس” برعاية القاهرة، للتخلُّص من سنوات الانقسام.
والانقسام درجات ومنازل، أحيانا يكون ظاهريًّا، مثلما كان كذلك حتى مرحلة ما قبل الحرب الأهلية في 2007، وأحيانًا أخرى يكون بنيويًّا وهيكليًّا، وربما يكون استراتيجيًّا وإجرائيًّا، لذا تتوقَّف درجة معالجته على تحديد ماهيَّته، وبالتالي إمكانية التنبؤ بمآله.
على مدار تاريخها الحديث، لم تتخلَّص فلسطين من صراعاتها الداخلية، حتى قبل إعلان دولة إسرائيل، ولكن لم يكن الخلاف غالبًا يدور حول الأهداف الاستراتيجية، بل عادة ما تكون حول التكتيكات والخطط التنفيذية، أمَّا الآن فقد أضحى الخلاف حول الأهداف الغائية من مشروع التحرير برمَّته.
تعتقد “فتح” أنها صاحبة السبق في الدفاع عن القضية، ولها الحق في منح الشرعية لمن تريد، بينما ترى “حماس” أن الأولى قد انحرفت عن أهداف التحرُّر، نتيجة وقوعها تحت أيدي مجموعة من المنتفعين بتواجد الاحتلال، الذين يجدون من استمرار الأوضاع توافقًا مع مصالحهم.
كما تستشعر “فتح” خطرًا وجوديًّا على كيانها الذي تماهي مع مصلحة القضية الفلسطينية، وشعورها أن “حماس” قد سحبت البساط الشعبي من تحت قدميها، إذ وجدت من يتحدَّث عن الفلسطينيِّين بجانبها، بعد سنوات كانت هي الممثِّل الوحيد للشعب.
أمَّا “حماس” فقد سقطت في فخِّ التناقضات، التي كلَّفتها في النهاية عبء إدارة القطاع في ظروف صعبة، ورغم التقدُّم الذي حدث في ترسانتها العسكرية والذي ظهرت ذروته في 2014م، إلا أن ذلك لم يمنع من نشأة طبقة منتفعة من هذا الوضع، وهو ما فُهِم من تصريح السنوار عندما قال بأنه سيكسر رقبة من يعترض على المصالحة، ونقل إدارة القطاع للسلطة(2).
ومن هنا يمكن موضعة الانقسام تحت مفردة تحول التنظيم لدى الكثيرين من وسيلة إلى غاية، مقدَّمًا على مصلحة القضية التي أنشئ لأجلها. ونستخلص من ذلك أن لدى التنظيميْن مشاكل وأزمات أضحت تؤثر على مصلحة القضية ذاتها، بداية من طبيعة النُّخب، مرورًا بالرؤى التي ترسَّخت لدى القواعد حول شيطنة كل طرف للآخر، وانتهاءً بغياب المتَّفق حوله في مشروع التحرير الذي دخل نتيجة ما سبق مرحلة الاختلاف، واعتماد كل طرف على أداة القوة للاستعلاء على طاولة التفاوض، فبينما تستدعي “حماس” خبرتها في الحروب مع إسرائيل وقوَّتها العسكرية، تعتمد “فتح” على علاقاتها الإقليمية العربية والدولية، وكلها قضايا تؤثر بشكل كبير على طبيعة ومخرجات المصالحة في حال حدوثها.
تعدَّدت أسباب تفسير حالة الصراع الراهنة، وإلى أيِّ مدى يمكن أن يسهم قرار ترامب بعدول أطرافه عن حالة الانشقاق، والدخول في مرحلة جدية من المفاوضات حول إنهاء هذا الوضع المأساوي.
هناك من يرى أن الأيديولوجيا تحول دون تحقيق مصالحة حقيقية، وآخر يعتقد أن المصالح الضيقة أضحت سيَّدة الموقف في حسم النزاع، وثالث يرى أن العوامل الخارجية -العربية والإقليمية والدولية- ستمنع حتمًا حدوث هذا التوافق.
ستبحث هذه الدراسة جملة من الأسباب التي شكَّلت هذا الواقع، وآفاق تحقيق مصالحة حقيقية بين طرفي النزاع الفلسطيني من أجل رؤية واحدة حول القدس إن كان ذلك ممكنًا وما هي مقومات نجاحه أو فشله؟

أولًا- الصراعات الداخلية في الخبرة الفلسطينية

لم تكن الخلافات حدثًا جديدًا على الساحة الفلسطينية، إلا أن حدَّته ارتفعت بشدَّة في صيف 2007، حتى تحوَّل لاحتراب أهلي، وانفصال جغرافي وسياسي، ففي الثلاثينيات والأربعينيات، حدثت الصراعات الداخلية مع فترة الانتداب البريطاني لفلسطين، حيث تبنَّى الانتدابُ سياسةَ “فرِّق تسُد” بين قطبي عائلات فلسطين في القدس (عائلتي الحسيني والنشاشيبي)، بغرض تفريغ قوة التلاحم الوطني في تحقيق نتائج فعَّالة في مواجهة الاحتلال البريطاني، بل إن الكيان الصهيوني لم يجد من يواجهه بالقوة المتواضعة التي يحتاجها، وهو ما نجحت فيه كتائب جماعة الإخوان المسلمين في الأربعينيات.
وقد استمرَّ هذا الأمر في الخمسينيات والستينيات، ولكن بأشكال مختلفة، فمع نشأة حركة “فتح” من تحالف ضمَّ الإخوان المسلمين والبعثيِّين الفلسطينيِّين، في الفترة من 1956 إلى 1965م، حيث بدأت كجماعة سرية ثم ما فتِئت أن أعلنت عن نفسها، بعد تشكُّل خلاياها وأجنحتها التي تُوِّجَتْ في الأخير بتشكيل “اللجنة المركزية” صاحبة كافَّة قرارات الحركة.
تعرَّضت الحركة لمنعطف حادٍّ بعد الحرب التي حدثت بينها وبين الجيش الأردني على خلفية العمليات العسكرية التي كانت تشنُّها على الاحتلال من داخل الأراضي الأردنية، رغم احتضانها من قبل الدول العربية بعد نكسة 1967م، فقد شهدت مرحلة السبعينيات ذروة العمل الفدائي لحركة “فتح”، وقد تزامن ذلك، في مساهمة القومية العربية في دعم “حركة القوميِّين العرب” التي أسَّسَها المناضل القومي جورج حبش، التي تطوَّرت بعد ذلك إلى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، فقد حاول استغلال زخم الناصرية والقومية التي تصدَّرت مواجهة إسرائيل لصالح القضية الفلسطينية.
انفجرت الخلافات داخل الجسم الفلسطيني بعد حرب أكتوبر 1973، حينما أدركت المقاومة الفلسطينية أن غاية الحرب كانت إجراء تسوية سياسية للانسحاب من الأراضي التي احتلَّتها إسرائيل من مصر وسوريا.
حاولت الأنظمة العربية إقناع حركة “فتح” التي كانت تسيطر على “منظمة التحرير الفلسطينية” بضرورة ترك العمل المسلَّح، والتوجُّه نحو العمل الدبلوماسي برعاية دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وبرزت ذروة هذه التحوُّل عندما أصدرت “منظمة التحرير” في دورة المجلس الوطني التاسعة عشرة في الجزائر عام 1988م “وثيقة الاستقلال للدولة الفلسطينية” على أساس الإقرار الفلسطيني بقراري مجلس الأمن (242) و(338)، اللذين يعتبران أن الأراضي الفلسطينية المحتلَّة هي فقط تلك التي احتُلَّتْ عام 1967م، ودعت الحركة في ذلك المؤتمر إلى مواصلة الحوار مع القوى الديمقراطية الإسرائيلية التي تعترف بالمنظمة، وهو ما عارضَتْه بشدة “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، ورفضت ترك العمل المسلَّح؛ فحدث شرخ كبير بين “المنظمة” و”الجبهة”، أدَّى إلى انسحاب الأخيرة من المكتب التنفيذي.
وعليه؛ عجزت الحركة السياسية الفلسطينية عن تضميد جراحها ومعالجة خلافاتها سريعًا، ثم كانت الضربة التي حدثت في الثمانينيات عندما اجتاحت إسرائيلُ لبنانَ، وقامت بضرب معاقل المقاومة هناك، ممَّا أفقد الفصائل المسلحة القدرة على المناورة والفاعلية؛ ونتج عنه تقارب “منظمة التحرير” من مواقف الأنظمة العربية، بهدف تحقيق نتائج إيجابية تفيد مشروع الدولة الفلسطينية، كما خرجت “الجبهة الشعبية” من مسرح الأحداث، لتظهر حركة جديدة بثوب إسلامي عقدي سُمِّيَتْ بحركة المقاومة الإسلامية “حماس”.
ولم تغب العوائق الخارجية عن تعزيز حدَّة الانقسام، من تدخُّلات للنظام البعثي في سوريا، والهاشمي في الأردن، والناصري في مصر، والملكي في الخليج، علاوة على التدخُّلات الغربية التي قادتها الولايات المتحدة.
وفي التسعينيات، بعد سنوات من اندلاع الانتفاضة الأولى، قرَّرت “فتح” منفردة من خلال منظمة التحرير عقد اتفاق “أوسلو” مع إسرائيل برعاية عربية ودولية، واعتبرت السلام هدفها الاستراتيجي، بعد أن كان تحرير كامل فلسطين(3). فقد ساهم استبداد ياسر عرفات بالقرارات -وإن حسنت نيَّته- في انسلاخ “المنظمة” عن قطاعات كبيرة من الفلسطينيِّين، بجانب عدم تطوير المنظَّمة لآليات مؤسَّسية وديمقراطية لعملية اتِّخاذ القرارات التي تخصُّ الشعب، فضلًا عن تنوُّع أجنداته وأيديولوجيَّاته، بدلًا من الاكتفاء بفئة دون أخرى، وهو الأمر الذي ستبرز حدَّته فيما بعد.
استهلَّت “حماس” مشروعَها بالاختلاف مع مشروع “منظمة التحرير الفلسطينية” الذي تقوده “فتح”، عندما قادت الانتفاضة منعزلة عن الأخيرة، وبإدارة ذاتية منفصلة مع باقي الفصائل. إلا أن لحظة الذروة تمثَّلت في رفضها الاعتراف بشرعية اتفاق “أوسلو”، وإعلانها المفاصلة مع مشروع “فتح” القائم على التفاوض السياسي مع غياب مبرِّرات وشروط نجاحه.

ثانيًا- ماهية الصراع بين “حماس” و”فتح”

تبدأ الأزمات في الحل عندما يحسن تعريفها وتشريحها وفهمها في ديناميكيَّتها لا في ثباتها وركودها. “أسئلة كثيرة ومهمة ُتطرح حول هذين الموضوعين؛ الانقسام والمصالحة، من حيث مسبِّبات الأول وتداعياته، ومعوقات تحقيق الثاني. من بين هذه الأسئلة: ما الأسباب التي قادَت إلى الانقسام في صيف ٢٠٠٧؟ وهل هي أسباب عابرة وإجرائية أم أنها بنيوية عميقة الجذور؟ هل الانقسام سبب أم نتيجة؟ بمعنى، هل الانقسام هو سبب التمزُّق الراهن في الحالة الفلسطينية أم العكس؟ ثـم، هل هناك من مشترك بين حركتي “فتح” و”حماس” من شأنه أن يكون أساسًا للتصالح بينهما؟ ما هو؟ وما المطلوب لترجمته على الأرض إن ُوجد؟”(4).
تبدأ ماهية الصراع بين “فتح” و”حماس” عند لحظة تأسيس وعمل كلٍّ منهما. حيث اعتمدت “فتح” على التنوُّع الفكري والسياسي داخل مكوِّناتها، فضمَّت اليساري والقومي والإخواني، بينما ارتكزت “حماس” على أرضية التماسك العقيدي ووحدة الأيديولوجيا، وبالتالي أثَّر ذلك على طبيعة الكوادر والنُّخب التي قادت كلَّ حركة من جهة، وعلاقة هذه النُّخب بالقواعد داخليًّا والداعمين خارجيًّا من جهة أخرى. أضف لذلك أن هذا التشتُّت الفكري والسياسي داخل “فتح” أدَّى إلى حدوث انشقاقات عديدة داخل كيانها، نتيجة تعدُّد البوصلة وعدم تحديد الوجهة، عكس “حماس” التي لم يحدث داخلها أي انشقاق تقريبًا منذ تأسيسها عام 1987م.
على الجانب الآخر، انطلقت “فتح” من مركزية العمل الخارجي المقاوم للضغط على الداخل الإسرائيلي المسيطر على الأراضى المحتلَّة، وهى القضية التي انتقدها بشدَّة الشيخ أحمد ياسين، مؤكِّدًا على ضرورة ومحورية العمل الجهادي من داخل فلسطين، حتى لا يتمَّ تحميل دول الجوار تكاليف المواجهة التي لن تستطيع تحمُّلها، وهو ما تكرَّر مع لبنان بعد الأردن. وقد كان لهذا الأمر تأثيره على توجُّه حركة “فتح” للعمل التفاوضي السياسي الكامل بعد تأسُّس السلطة الفلسطينية، فلم تخُض الحركة حروبًا من داخل فلسطين، وعليه لم تؤهِّل نخبتها لذلك، وهو ما يفسر حاليًّا طبيعة استجابة “فتح” لقرار ترامب، وعدم ترجمة رؤية استراتيجية أو تكتيكية لسبل إسقاط القرار، وهو نابع من خبرة وعوامل تكوُّن الشخصية الفتحاوية، لاسيما أن الجيل الحالي لحركة “فتح” لم يخُض حروبًا أو مقاومة عسكرية ضد إسرائيل، عكس جيل عرفات.
ومن جانبها، لم تَخْلُ “حماس” هى الأخرى من تأثيرات شبيهة بتلك التي تعرَّضت لها “فتح”، فقد خرجت قيادة الجيل الجديد لحركة “حماس” من الداخل الفلسطيني لتقود مقاومة خارجية أسسها الدبلوماسية والعمل السياسي التي قادها السيد خالد مشعل، كما أن تأثُّر “حماس” بالحروب الثلاثة التي خاضتها ضدَّ إسرائيل في 2008 و2012 و2014م، قد دفع الأخيرة للرضوخ للحلِّ الدبلوماسي، مثلما رضخت “فتح” بعد حروب 1967 و1970 و1982م.
إلا أنه رغم هذا التشابه في النتيجة التي وصلت لها الخبرتين، إلا أن هناك عوامل عديدة أخرى ستصعب من وصولهما لنقطة اتِّفاق، أبرز هذه العوامل، هو الموقف من اتفاق “أوسلو”، وطبيعة النُّخب في الحركتين، وسلاح المقاومة الذي تطوَّر بشدَّة على أيدى مهندسي وقادة “حماس”، وأخيرًا بالإرادة العربية والدولية في حدوث هذه المصالحة.

ثالثًا- اتفاق “أوسلو”: أرضية الصراع الصلبة

وفَّر اتفاق أوسلو -الذي تمَّ بين “منظمة التحرير الفلسطينية” وإسرائيل برعاية دولية- الأرضية التي استقرَّ عليها الصراع الفلسطيني-الفلسطيني، بل وقام بمأسَسَتِه بما يجعل له عنوانًا ومضمونًا؛ إذ دخل ما هو محل خلاف إلى الثوابت، وسادت لغة التخوين، وتحوَّلت وسائلُ المقاومة أدوات يضرب بعضها بعضًا.
رأت قيادة حركة “فتح” بالتحديد في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 – 1993م) الفرصة التي قد لا تتكرَّر لاستثمار الانتفاضة الشعبية والتضحيات العزيزة في الضفَّة الغربية وقطاع غزَّة والقدس، في وقت كان هاجس الشرعية والتمثيل الفلسطيني ضمن أولويَّات القيادة الفلسطينية بعد بروز حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كفصيل وطني إسلامي ينافس فصائل “المنظمة”(5).
خرجت “فتح” من “أوسلو” مستشعرة جلال الانتصار ومحتفلة بنشوة بداية تحوُّل حلم الشَّتات إلى دولة، بعد أن تمَّ الحصول على استحقاق تأسيس سلطة فلسطينية مستقلَّة، وحق الدولة في ترسيخ هويَّتها الوطنية، من خلال الإشراف على التعليم والإعلام، والتوسُّع في تأسيس المدارس والصحف والقنوات، فضلا عن إعادة ترميم البنية التحتية والمؤسَّسِيَّة، من خلال تقوية وتنمية الاقتصاد، اعتمادًا على صندوق الطوارئ الذي تُحصل منه المساعدات الخارجية(6). وعليه تحول كيان المقاومة إلى حزب سلطوي مكمل لسردية أزمة دول ما بعد الكولونيالية، وسيطرة نخبتها على الحكم، فقد شكَّل الحزب الحكم دوائره المقرَّبة، وطبقاته الاجتماعية المؤيدة، وتعامل مع المعارضين له بمنطق جماعات إسقاط الدولة في عالمنا العربي، إذ استخدم معهم نفس وسائلها من اعتقال وتعذيب وقتل بطيء وسريع.
وجدت “حماس” أن الاتِّفاق أهمل قضايا الصراع الأساسية والتي تتمثَّل في الموقف من السيادة على القدس، وشرعية المستوطنات، وأزمة الشَّتات الفلسطيني وعودة ملايين اللاجئين، وقدرة السلطة على إقامة علاقات دولية بما يمنحها الحرية الكاملة، بجانب شرط التنسيق الأمني الذي كان له الأثر الأكبر في اعتقال واغتيال رموز العمل المقاوِم بحُجَّة محاربة الإرهاب، والذي رأتْه “حماس” خيانة علنيَّة لمشروع التحرير.
مع وفاة عرفات، ومجيء قيادة جديدة لحركة “فتح” صريحة في رفضها للكفاح المسلَّح أو لأيِّ مقاومة جادَّة مهما كان شكلها، ثم مع الفشل النهائي والأكيد لمشروع التسوية، أكملت “فتح” حالة السلطوية، فلا يوجد من تيَّاراتها ما ينافس على تقديم مقترحات نضالية، وإنما تتنافس تيَّاراتها على المصالح التي تترتَّب على أيِّ حالة سلطوية، فهي محض أجنحة ومراكز نفوذ تربطها علاقات المصالح لا غير(7). فقد ترسَّخت طبقة سياسية-اقتصادية من المنتفعين بالوضع الحالي، وهؤلاء من الصعب عليهم الخروج على مصالحهم ونفوذهم والانقلاب عليها لمواجهة قرار ترامب، أو إعلان الانسحاب الجماعي من السلطة الفلسطينية والتوجُّه نحو العمل الجماهيري لقلْب الأوضاع رأسًا على عقب، والعودة مجدَّدًا لسلاح المقاومة.
أصبح مستقبل استمرار السلطة رهينًا بصورة رئيسية في تنفيذ الجانب الأمني للاتفاقية المتمثِّل في مواجهة المقاومة عمومًا، و”حماس” تحديدًا، ولذلك يجد مشروع المقاومة عوائق كبيرة في التحرُّك في الضفَّة الغربية، وفكِّ الحصار عن غزَّة، نتيجة امتلاك الإدارة الإسرائيلية لأوراق اللعبة، بسيطرتها على سلطة منزوعة الأنياب، من كيانٍ وهمي الفاعلية، إلا على أهله.
وبالتالي فأي حديث عن مصالحة فلسطينية لا يتطرَّق إلى قضية التنسيق الأمني خاصة و”أوسلو” عامَّة وَهْمٌ لا طائل منه. وعليه كانت وما زالت إسرائيل المنتصر الأكبر من هذا الاتِّفاق، بعد تخلِّي “فتح” عن سلاح المقاومة، واعتماد المفاوضات مرجعيَّة وحيدة لتسوية صراعاتها مع الفلسطينيِّين، ودخول الجسد الفلسطيني مرحلة شيخوخة تنظيماتها وفقدانهم القدرة على المناورة والإبداع في التحرُّك، بعد أن حدَّدت معظم مساراتهم، لاسيما مع تعاون النظام السياسي العربي مع إسرائيل في ضرورة تقييد المقاومة، وتبنِّي وجهة النظر الصهيونية في تسوية وتصفية القضية الفلسطينية.

رابعًا- النخب والأيديولوجيا كخلفية للانقسام الفلسطيني

يرتبط العمل السياسي في عالمنا العربي بدرجة كبيرة بالقيادة السياسية، نظرًا لضعف الديمقراطية الداخلية، وهشاشة العملية المؤسَّسِيَّة لاتِّخاذ القرارات، لذلك تفتقر إلى الدِّقَّة معظم المحاولات التي تحاول مناقشة مستقبل المصالحة الفلسطينية بعيدًا عن مفهوم النُّخب وكوادر حركتي “فتح” و”حماس”.
تاريخيًّا، كان للرمز والقائد فاعلية كبيرة في قيادة عدد من الحركات والفصائل على مدى تاريخ فلسطين الحديث، فقد استطاع خليل الوزير وجورج حبش وياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين وأبو مازن وخالد مشعل التأثير بشدَّة على مجريات تاريخ القضية منذ لحظة 1948م.
وعلى الجانب الآخر، ارتبطت أحاديث صعوبة نجاح المصالحة الفلسطينية، نتيجة التوجُّه الفتحاوي للعلمانية، وارتباط “حماس” بالأيديولوجيا الإسلامية. وبعيدًا عن التهويل والتهوين من حجم وأثر الخلاف الفكري على طبيعة الانقسام الفلسطيني، وتوخِّيًا للدِّقَّة، لابد أن نشير إلى عدم توازن هذا العامل بين كلا الجانبين، ففي الوقت الذي يتَّخذ بُعْدًا عقيديًّا/وطنيًّا في حالة “حماس”، من الصعب تصويره بالشكل ذاته في حالة “فتح”، لاسيما أن الأخيرة تنظيم غير مؤدلج يعرِّف نفسه بأنه كيان متجاوز للأيديولوجيا وممثِّل لشتَّى تمثُّلات الخبرة الفلسطينية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
لم يكن مشهد “أوسلو” وليد لحظة تاريخية معيَّنة، لكنه جاء بعد مشاهد تضمَّنت هزيمة 1967م، ثم انسحاب الأنظمة العربية من دعم مشروع تحرير فلسطين ولو صوريًّا، وظلَّت “فتح” رهينة إرث تاريخي بدأ بصورة رئيسية مع جهد القيادي الفتحاوي وأحد أبرز مؤسسي الحركة خليل الوزير “أبو جهاد”، والذي أكَّد -رغم كونه من إخوان فلسطين- على ضرورة وجود سلطة وحكومة فلسطينيَّتين مستقلَّتين، تدافعان عن الشعب الفلسطيني، بتبنِّي المقاومة المسلحة كخيار وحيد ونهائي، وعليه أحدثت هذه السردية من نضاله -وهي ربط الأيديولوجيا والشخصية الفلسطينية بمشروع السلطة- أثرها، فاتَّخذت “فتح” زمام المبادرة في العمل الفدائي دون انتظار الدعم العربي عسكريًّا، ولذا كان للرعيل الأول من رجال “فتح” أثر كبير على صياغة الهُوية. إلا أن عرفات ومع ضعف الأداة العسكرية المقاوِمة لديه، استغلَّ الانتفاضة في دعم موقفه التفاوضي، من أجل الوصول إلى مرحلة وجود سلطة فلسطينية تساعد في دعم تشكيل هوية وطنية، كمرحلة من مراحل الوصول للدولة. فكانت السلطة إحدى المشاريع في رؤية حركة “فتح” في مشروعها القائم على المقاومة المسلحة كما قامت عليه أفكار وسياسات الأوائل.
مع قدوم محمود عباس وما يمكن تسميته بالجيل الثاني، الذي نشأ وترعرع على موائد التفاوض، لم يكن لدى هذه النخبة مشروع حقيقي قابل للتنفيذ، فقد تسلَّموا التَّركة بعد أن أثبتت “أوسلو” فشلها في تحقيق مراحل تأسيس الدولة الفلسطينية، علاوة على تخلِّي “فتح” عن البندقية، فأخذَتْ هذه الأسباب تدفع أبو مازن للحفاظ على ما وصل إليه نضال “فتح” باعتباره مكاسب لا ينبغي التفريط فيها، واستكمال مسار العمل السياسي السِّلمي مع الاحتلال، ومن ناحية مقابِلة، استخدام السلطة القوَّات الأمنية في حماية أمن إسرائيل من العمل الفدائي.
تحوَّلت البوصلة من البناء على ما تمَّ في الماضي، والدفع خطوات نحو الوصول إلى مرحلة الدولة، حتى أصبحت وظيفة السلطة تهيئة السياق المناسب لإنجاح عملية التفاوض، التي هي في الحقيقة محاصرة عمليات “حماس” و”الجهاد”.
لذا رغم توجُّه ياسر عرفات للتفاوض السياسي في نهاية مساره النضالي، إلا أنه ترعرع على قدسية المقاومة والسلاح، ولذا استطاع أن يوفِّق في كثير من الأحيان بين توجُّهات “فتح” و”حماس”، على الأقل لتقوية موقفه التفاوضي، كما استدعى المظلومية الفلسطينية في شعارات أيديولوجية لتعبئة الجماهير لدعمه.
أمَّا محمود عباس فقد تشكَّلت حياته السياسية على استراتيجية دحض إرهاب المقاومة، فلم يكن لديه ما ينادي به. إن تناول تاريخ تعامل رئيس السلطة الفلسطينية الحالي أبو مازن مع “حماس” منذ توليه السلطة، يوضِّح أن عملية المصالحة لن تأخذ خطوات بعيدة لاسيما في ضوء ضعف الأخير وعدم قدرته على إدارة العملية السياسية مع الاحتلال بمرونة تمكِّنه من استغلال ورقة المقاومة في يده، لذا لم تكن له مواقف جِدِّيَّة ورؤية حقيقية للخروج من فلك السياسات الصهيونية-الأمريكية، بهدف مقاومة قرار ترامب، أو على الأقل إعلان فشل مشروع حلِّ الدولتين، والاستقالة من السلطة الفلسطينية، والتوجُّه لكافَّة فصائل العمل الفلسطيني، من أجل التعاون في تأسيس رؤية استراتيجية موحَّدة لمقاومة الاحتلال؛ وعليه من الصعب القول بأن لحركة “فتح” أيديولوجيا حالية يمكن أن تدعم أو تُفشل مشروع المصالحة.
على ضوء تنظيم مرحلة ما بعد “أبو مازن”، يبدو أن الترتيبات الإقليمية التي يقودها محور الثورة المضادَّة ستدفع بورقة محمد دحلان لتولِّي منصب رئاسة السلطة الفلسطينية بعد “أبو مازن”، وتاريخ الرجل في التنكيل بحركة “حماس” كبير، ويكفى أنه كان مسؤول الجهاز الأمني في غزَّة وقت اندلاع الحرب الأهلية في 2007م، كما شنَّ حملة اعتقالات واغتيالات عدَّة في حق فصائل المقاومة، حيث يعرف بعدائه الشديد لتيَّارات الإسلام السياسي، لذلك لا غضاضة إن كان هو الرئيس المفضل لمحور (مصر – الإمارات – السعودية – إسرائيل)، لاسيما مع تزايد تسريبات ما يُسَمَّى بـ”صفقة القرن”.
أمَّا على الجانب الآخر، فقد ارتبطت “حماس” في نشأتها وسياساتها بالتوجُّهات الإسلامية، التي برزت بشدَّة في ميثاقها الذي أعلنته عقب الانتفاضة، ورغم ذلك، طوَّرت “حماس” خطابها في التسيعنيات والعقد الأول من الألفية الجديدة بغرض استيعاب المشترك بينها وبين “فتح”، حتى تراجعت عن شرط إلغاء علمانية “منظمة التحرير” وقبِلت إعادة هيكلتها بما يضمن مشاركة كافَّة الفصائل المقاومة.
أخذ خطاب الفكر يتضاءل كثيرًا مع إكراهات الواقع وضغوطات السياسة. ولا تجد “حماس” مشكلة حالية مع “فتح” في مشروع المصالحة، بل معظم قادتها في الداخل والخارج ينادون بها.
تُنتَقد “حماس” كثيرًا بسبب بعض مواقفها البرجماتية، لاسيما موقفها حاليًّا من المحور الشيعي، إلا أنها في الحقيقة لم تجد كيانًا عربيًّا يمكن الارتكان إليه ولم تفعل، فبعد نجاح جماعة الإخوان المسلمين في مصر (2012م) ووصول الدكتور محمد مرسي إلى السلطة، تقاربت الحركة كثيرًا مع المحور السُّنِّيِّ، بل وناصبت نظام بشَّار العداء ووقفت بجانب الشعوب الراغبة في الحرية، إلا أنها حاليًّا غير قادرة على تفعيل هذا التوجُّه، خاصَّة أن هناك اتِّجاهًا سائدًا لدى الأنظمة العربية لاستئصال جماعات الإسلام السياسي بشتَّى صورها.
الجدير بالذكر هنا أن “حماس” تتشابه مع “فتح” في نشأتهما من رحم جماعة الإخوان المسلمين، كما يؤمن كل منهما بضرورة “الدولة الوطنية الفلسطينية”، لدرجة أن تحليل معظم قرارات وسياسات “حماس” تعود بالأساس لأهداف ذات صبغة وطنية وليست دينية. بل إن الحركة لا تؤمن بأنها تستهدف تأسيس إمارة إسلامية في فلسطين، ولكن ينصبُّ هدفها على تحرير بيت المقدس من أيدي الصهاينة، وحصول الشعب الفلسطيني على حريَّته وحقوقه المسلوبة، كما أن البنية الأيديولوجية الدينية التي شكَّلت أساس ميثاق حركة “حماس”، انحسرت حدَّتها تدريجيًّا، وهو الأمر الذي أكَّدته مفردات خطاب قيادات الحركة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وكذلك أداء الحركة وممارساتها بعد دخول الألفية الجديدة، فبعد أن دعت “منظمةَ التحرير” إلى التخلِّي عن علمانيتها كشرط للانضمام إليها في ميثاقها وفي بداية ظهورها، تراجعت “حماس” ضمنيًّا عن ذلك عندما بدأت بالتركيز على البرنامج السياسي للمنظمة واستحقاقاته، ومطالبتها كذلك بالتزام “المنظمة” بالديموقراطية ودعوتها للقبول بالتعدُّدية السياسية كما دعا برنامج الحركة الانتخابي عام 2006م إلى جعل الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع وليس مصدرًا وحيدًا للتشريع، وهو ما يتَّفق مع موقف حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية أيضًا(8)، وهي أمور تُوِّجَتْ في النهاية بوضعها في وثيقة الحركة التي أعلنتها في 2017م.
ولذلك، من الصعب التعويل على أداة الأيديولوجيا، لحلِّ أزمة الانقسام الفلسطيني، فعلى الرغم من أن فكر “فتح” يقوم على أساس علماني، بينما فكر “حماس” يقوم على أساس ديني، إلا أن كلا الفكرين محكوم بثقافة وحضارة أصلها واحد وهي العربية الإسلامية، وبانتماء وطني فلسطيني وحيد يصهر في مضمونه السياسي جميع الانتماءات الفكرية، ضمن اتفاق مشترك على سيادة القيم الديمقراطية كمحدد بنيوي لمفاصل السياسة الفلسطينية الداخلية. فالسياق الذي ميَّز الحالة الفلسطينية أنتج تقاطعات فكرية متجلِّية بين فكري “حماس” و”فتح” في مفاصل رئيسية عديدة، بحيث باتت مراكز الالتقاء الفكري بين الحركتين أكبر من مكامن الافتراق. ومن الصعب اعتبار أن الخلاف الفكري بين الحركتين سبب رئيسيٌّ للانقسام(9).
لقد أضحت الأزمة أعقد بكثير من مجرد خلاف فكري وأيديولوجي بين قطبي الساحة الفلسطينية، بقدر وجود جزء كبير منها في طبيعة النخبة الحاكمة التي اعتادت على التعامل مع “حماس” باعتبارها حركة مناهضة للدولة الفلسطينية، وبالتالي يجب أن تظلَّ حبيسة جدران السجون. ورغم ضعف أثر الأيديولوجيا، إلا أنها يمكن أن تكون وسيلة إيجابية في حال اتَّفقت أطراف الصراع على صياغة مشروع فلسطيني يقوم على برنامج وطني حقيقي، ورؤية نضالية جامعة لشتى الفصائل، وممَّا يعقِّد المشكلةَ التدخلُ الخارجي الإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي، واستقواء بعض أطراف الخلاف بذلك(10).

خامسًا- المبادرات العربية: غياب الرؤية وعرقلة المصالحة

تاريخيًّا، كانت أزمة المقاومة الفلسطينية منذ نشأتها في النظام الإقليمي العربي، منذ ترك الحكومات العربية فلسطين رهينة لتسلُّل العصابات الصهيونية، فيما انشغلت هي بمعاركها الداخلية، ثم دخولها حرب 1948م، وتسليمها فلسطين لإسرائيل، إلا أن ذروة الخلاف العربي مع المقاومة الفلسطينية، حدث في حروبها مع الأردن ولبنان وسوريا.
لم يكن رفض النظام الإقليمي العربي للمقاومة الفلسطينية مؤسَّسًا على ممارسات المقاومة الفلسطينية، التي شكَّلت سلطة منافسة للدولة سواء في الأردن أو في لبنان، ولا على خلفية مسلكيَّات بعض تياراتها التي حرَمت المقاومة من تعظيم حواضنها الشعبية، بل وأدَّت -إلى جانب عوامل متعددة- إلى خسارتها حواضنها الموجودة، وهي حواضن كانت كبيرة أساسًا. فإذا كانت أخطاء المقاومة الفلسطينية في ذلك الحين، قد ساعدت النظام الإقليمي العربي على إقصائها وتدمير نقاط ارتكازها وقواعد انطلاقها، فإن تربُّص هذا النظام بالمقاومة بدأ مع نشوئها، وهي ما تزال مكوَّنة من حفنة من الحالمين، قبل أن تتعاظم بعد “معركة الكرامة”، وإذا كانت المواجهة مع النظام الأردني قد بدأت بعد هزيمة عام 1967م بأقل من عام، فإن جلال كعوش، أول شهيد للمقاومة في لبنان، استشهد في سجون الأمن اللبناني في 9 يناير 1966م، أي قبل هزيمة عام 1967م، وأمَّا النظام السوري فدوره معروف في إضعاف المقاومة الفلسطينية في لبنان منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي(11).
كما قدَّمت الدول العربية عددًا كبيرًا من المبادرات بغرض تسوية النزاعات الفلسطينية، إلا أنها في كل مرة لم تحقِّق فاعلية تذكر، وذلك يعود لعدد من الأسباب، أبرزها النية والإرادة الحقيقية لتسوية الخلافات من ناحية، ورغبة أطراف الصراع في المصالحة بالأساس من ناحية أخرى. ثانيها- تجزئة قضايا الصراع، والتركيز على العوامل الإجرائية والتفصيلية، وإهمال الأسباب الكلية والجوهرية في الصراع. ثالثها- مراعاة معظم المبادرات توازنات القوى الدولية، وخشيتها من إثارة حفيظة الدول الكبرى، ممَّا جعلها حبيسة عدم الفاعلية حتى لو توافر حسن النية والرغبة في إنهاء النزاع. رابعها- تركيز المبادرات على إدارة الخلاف بدلا من إيجاد توافق حقيقي بين الطرفين على قاعدة ما هو مشترك، حيث لم تولِ أهمية كافية لمعالجة التباين (السياسي والأيديولوجي) بين الطرفين انطلاقًا من أساسيات المشروع الوطني الفلسطيني والبرنامج السياسي الأنسب لتحقيقه. والحقيقة أن السبب المحوري في فشل كافَّة مبادرات التصالح بين الحركتين تعود بالأساس لأنها تنطلق بداية من شرعية “أوسلو” ومؤسَّسات السلطة التي أنتجتها، ومن هنا فقد ولدت تلك المبادرات وهي هالكة لأنها تبتعد عن أحد أهم نقاط الخلاف، فضلًا عن تركيزها على الأمور الثانوية.
ولذلك فإن مبادرات إنهاء الانقسام بصيغها المختلفة كانت صيغًا لإعادة إنتاجه، لأنها تقوم على تقاسم السيطرة والنفوذ بين حركتي “فتح” و”حماس”، وهو ما يعني أن إنهاء الانقسام يقتضي الاحتكام إلى قواعد مختلفة، تستند إلى تعاقد اجتماعي-سياسي، ينبثق منه توافق وطني على أساسيات المسألة الوطنية وخطوطها العريضة(12).
والوضع حاليًّا، أصبح من الصعوبة بمكان، فقديمًا عندما تعرَّض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لضغوط أمريكية شديدة في قمة “كامب ديفيد” عام 1999م، ليقدِّم بعض التنازلات في القدس، قال للمسؤولين الأمريكيِّين إنه يمكن أن يوافق على الصفقة المعروضة عليه فقط إذا حصل الأمريكيون على موافقة السعودية ومصر والأردن عليها، وذلك لأنه كان يدرك أن أيًّا من زعماء الدول الثلاثة لا يمكن أن يقبل بتحمُّل مسؤولية الموافقة على صفقة لا تقدِّم للفلسطينيِّين والعرب والمسلمين الحدَّ الأدنى من حقوقهم في القدس. وبعد 18 عامًا من هذه القمة، لم يخسر الرئيس عباس فقط هذا الدعم الذي يمكن أن يستخدمه لمقاومة ضغوط واشنطن، بل إن بعض الدول التي لجأ لها عرفات، أصبحت هي الآن تمارس الضغوط على الفلسطينيِّين والأردنيِّين لصالح واشنطن، ولا بد أنها هي من ساهمت في تعزيز القناعة لدى ترامب بالتقليل من تداعيات قرار نقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال(13)، بجانب تحوُّل الموقف الرسمي الأمريكي من إدانة الاستيطان -على الأقل شكليًّا- إلى دعمه، ورغم أن هذه القضايا إحدى نقاط الاتفاق بين “حماس” و”فتح”، إلا أن “فتح” لم تطوِّر أدوات للتعامل مع هذا الملف جيِّدًا في الماضي وحاليًّا، ويبدو أنها لن تستطيع فعل شيء في سياق رؤية ترامب، لاسيما مع تبنِّي الإدارة الأمريكية الحالية لتصوُّر اليمين العنصري الصهيوني لطريقة المفاوضات مع السلطة، وهو أن السلام بين إسرائيل والفلسطينيِّين يتحقَّق عبر التفاوض المباشر بين الطرفين فقط، الذي يهدف إلى الانفراد بالفلسطينيِّين وإخضاع التفاوض معهم لميزان القوى الثنائي، بمعنى إبعاد أي وصاية أخرى، بما في ذلك مرجعيَّة “الأمم المتحدة” وقرارات الشرعية الدولية(14).
وآخر مشاريع بعض الأنظمة العربية، والذي بات يعرف بـ”صفقة القرن”، ورغم أنه ليس علميًّا أن نتحدَّث عن شيء لم يظهر بصورة رسمية، إلا أن التسريبات والتعليقات العديدة التي تدور بخصوص هذه الصفقة، تشير بدرجة ما إلى وجودها. وتدور معظم التحليلات حول وجود مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية من خلال تأسيس دولة منزوعة الأنياب تحت كنف الدولة الصهيونية. لذا فإن أول إجراءات هذه المؤامرة هو نزع سلاح المقاومة، تحت ستار ”سلطة واحدة… قرار واحد… أمن واحد“ مع تأسيس الدولة على قطاع غزة وجزء من الشريط الحدودي مع مصر في شمال سيناء. ورغم تصريح أبو مازن بأنها ستكون “صفعة القرن” وليس “صفقة القرن”، إلا أن توجُّهات “فتح” تعزِّز نجاح هذا المسار باستمرارها في السلطة وبتنسيقها مع المحتلِّ من جهة، والتضييق على “حماس” وعدم استيعابها من جهة أخرى.
هناك سيناريو آخر يطرحه البعض حول هذه الصفقة، ويشير فيها إلى ما يمكن تسميته “حل الدول الثلاث”، بدلًا من “حل الدولتين”، والمقصود بحل الدول الثلاث هو: دولة يهودية، دولة أردنية تضم الضفَّة الغربية، ودولة مصرية تضمُّ قطاع غزة” من خلال دفع القطاع للثورة على “حماس”، وحدوث قلاقل تستدعي دخول الجيش المصري، أو دخول إسرائيل في حرب واسعة ضدَّ “حماس” ما يستدعي نزوح المدنيِّين إلى سيناء وتوطينهم هناك(15).
وتتجاهل الصفقة قضايا القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيِّين، والمستوطنات وغيرها، أي أنَّ ما يتمُّ عبارة عن حكم ذاتي وظيفي موسَّع، ولسنا أمام مشروع دولة أو عملية تحرير. إذن، هناك مشروع تصفية وفق المتطلبات والشروط الإسرائيلية. وربما كان قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس مؤشِّرًا على بدء التطبيق العملي للصفقة عبر فرض الأمر الواقع، كما أن ردود الفعل العربية والإسلامية والدولية لم تخرج عن حدود المتوقَّع لدى الأمريكيِّين والإسرائيليِّين(16). علاوة على التطبيع العلني الذي اتَّخذته بعض دول الخليج وفي مقدِّمتها السعودية، التي جعلت خصمها الوحيد إيران وليس إسرائيل، حيث أكَّدت الأخيرة مرارًا على أنه لن تكون هناك تسوية للصراع، قبل تطبيع العلاقات مع الدول العربية، رغم وجود علاقات دافئة بالفعل بينها وبين الأنظمة العربية، إلا أنها تريد تطبيعًا كاملًا مع الشعوب أيضًا، ومن هنا أخذت تتوجَّه للإعلام الرقمي العربي، بغرض تهيئة القلوب والعقول لدولة إسرائيلية في قلب الأمَّة العربية.

خاتمة- مستقبل القضية الفلسطينية: تحديات واحتمالات

نستخلص مما سبق أن التسويق لمشروع المصالحة لا يزيد عن كونه استهلاكًا إعلاميًّا، وأن مقومات نجاحها غير موجودة، رغم محاولات “حماس” الجدِّيَّة في تحقيق مصالحة تخفِّف عنها إرث فشل الربيع العربي.
تعاني فلسطين أزمة غياب خيال سياسي يمكِّنها من تجاوز هذه المرحلة، والقفز فوق المتناقضات لمحاولة استنهاض تجربة جديدة للتعامل مع الحصار الخانق. كما أن استمرار نخبتها كما هي، لا يبشِّر بتغيُّر في المستقبل القريب.
ولذلك تجد “حماس” و”فتح” نفسيهما ومن خلفهما مشروع المصالحة الفلسطينية بين ثلاثة مسارات رئيسية، عليهما أن يختارا أحدها، الأول- استمرار الوضع كما هو بغية حدوث موجة جديدة من الثورات تساعد “حماس” على تغيير أوضاعها، وتخفِّف عنها حدَّة الخناق، وهو السيناريو الغالب اتِّخاذه لها. وعلى الجهة الأخرى ستظل “فتح” مؤمنة بالمحور العربي الخاضع لإسرائيل باعتباره صمام أمانها، ما يعني أن حركة “فتح” ستظلُّ مؤمنةً بعملية السلام باعتبارها الحل النهائي لتسوية صراعها، وبالتالي فشل أى محاولة للمصالحة الفلسطينية.
أما السيناريو الثاني- فهو رضوخ “حماس” لمتطلَّبات “أوسلو” وشروط “الرباعية الدولية”، وفي مقدِّمتها الاعتراف بإسرائيل ونزع السلاح، واللجوء للتفاوض السياسي. وبالتالي تعيد استنساخ تجربة “فتح”، وتحوُّلها من حركة مقاومة إلى حركة مهادنة وخضوع، ما يعني موتًا سريريًّا لمشروعها. وفي تلك الحالة، يمكن أن تحدث مصالحة فعلية بين “فتح” و”حماس” على أرضية “أوسلو”.
وأخيرًا السيناريو الثالث- وهو صياغة مشروع جديد للمقاومة وفقًا للسياق الحالي، يحدث من خلال انسحاب “فتح” من السلطة الفلسطينية وإلغائها، والاتفاق على استراتيجية جديدة موحَّدة لمقاومة المشروع الصهيوني، إلا أنه أمر شبه مستحيل، نتيجة معاناة “حماس” من إرث تنظيمها المؤسَّسي الذي أضعف قدرتها على المقاومة والحركة، والذي سيعيق حدوث ذلك حتى لو قرَّرت الدخول فيه منفردة من جهة، ويكفي مقارنة حركة “حماس” أول عقدين بها في العقد الثالث، كما يصعب توقُّع حدوث ذلك الأمر مع استمرار نخبة “فتح” من جهة أخرى.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن أيَّ دخول جاد لحركة “حماس” في “منظمة التحرير”، مرهون أساسًا بقرار مركزي حاسم لحركة “فتح” بإلغاء اتفاقيات “أوسلو” والعودة للميثاق الوطني، والاستعداد الحقيقي لتحمُّل أعباء ومتطلبات وأثمان الشراكة والتداول القيادي… وهو أمر غير وارد في هذه المرحلة(17).
كما تحتاج المقاومة لنُخبة جديدة تدرك جيِّدًا الخبرة الفلسطينية، وتراعي أخطاءها السابقة، دون أن تعيد تكرارها، مع العمل الدؤوب لتعريف مشروع وطني موحَّد يجمع ولا يقصي، يوحِّد ولا يفرِّق، وفقًا لبرنامج سياسي محدَّد الملامح قابل للتطوُّر، يسع الجميع دون تفرقة، ولا شكَّ أن “حماس” اتَّخذت خطوات بعيدة من أجل تحقيق ذلك -رغم أخطائها- إلا أن سياقها حال دون استكمال ذلك.
بالإضافة إلى الحاجة لتعزيز هيكل مؤسَّسي ثابت المعايير والقواعد، يمثِّل بنية كلية تشمل كل طوائف الشعب، وتمثِّل أداة الاحتكام إليه عند الخلاف والحاجة، مع تطوير أدوات انتخاب أعضائه ومحاسبتهم، بما يمكِّن من المراقبة الدائمة.
ختامًا، في الوقت الذي ساد فيه اليأس من نزاع الجبهة مع المنظمة، ظهرت حركة “حماس” الفتيَّة في أوج لحظات القتامة، عازمة على استكمال مشروع التحرير، لذا لا تعدم الأمَّة من رجال قادرين على تجديد عزِّها ومجدها، وليس أدَلَّ على ذلك ممَّا حدث في انتفاضة الخناجر ودهس العساكر، فيما لم تستطع إسرائيل مواجهته.
لقد مثَّل الربيع العربي لحظة ميلاد جيل جديد، لن يكون أحمد نصر جرار وعهد التميمي آخرهما. وعليه من المنتظر ظهور قوة جديدة قد سئمت من حالة الانقسام ستحاول تلك الفئة وضع موطئ قدم لها في مواجهة الاحتلال، بعيدًا عن كاهل السياسة وحمولة التنظيم التي أضحت ترهق القضية أكثر ممَّا تقدِّم لها.
*****

الهوامش:

(*) باحث في العلوم السياسية.
(1) وحدة تحليل السياسات في المركز العربي، تقدير موقف: السياسة المتوقعة لإدارة ترامب نحو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/gDMyae
(2) كفاح زبون، السنوار: نريد عباسًا قويًا… وسأكسر عنق من يعطل المصالحة، موقع صحيفة الشرق الأوسط، 29 سبتمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/U3YL2J
(3) سنية الحسيني، «فتح» من «التحرر الوطني» الى السلطة الوطنية، موقع صحيفة الحياة، 8 ديسمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/ivnWa3
(4) باسم الزبيدي، الانقسام الفلسطيني: جذور التشظِّي ومتطلبات التخطِّي، مجلة المستقبل العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 446، أبريل 2016)، ص 77، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/D1RPJb
(5) أسامة يوسف، اتفاق أوسلو… التداعيات الكارثية على القضية الفلسطينية، موقع العربي الجديد، 30 سبتمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/nTzmqk
(6) للاطلاع على الاتفاق كاملًا، انظر: اتفاق أوسلو.. نظرة لم تتضح أبعادها بعد، موقع الجزيرة.نت، 3 أكتوبر 2004، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/6T6s4Y
(7) ساري عرابي، الأرضية الفتحاوية: مقدمة في أزمة حركة حماس، موقع إضاءات، 18 أكتوبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/2ZkUAu
(8) سنية الحسيني، الانقسام الفلسطيني وخلاف حركتي «فتح» و«حماس»، موقع صحيفة الحياة، 23 مارس 2015، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/bJqwsN
(9) المرجع السابق.
(10) محسن صالح، “لعبة” المصالحة الفلسطينية، موقع الجزيرة.نت، 2 أكتوبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/gNNZR4
(11) ساري عرابي، نكبة الفلسطينيين العربية، موقع إضاءات، 16 مايو 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/U7z5pQ
(12) باسم الزبيدي، مرجع سابق.
(13) فراس أبو هلال، “رؤيتان عربيتان للقدس.. ومرحلة جديدة من التيه العربي!”، موقع عربي 21، 18 ديسمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2OoF18u
(14) وحدة تحليل السياسات في المركز العربي، تقدير موقف: السياسة المتوقعة لإدارة ترامب نحو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مرجع سابق.
(15) فراس أبو هلال، فلسطين.. المؤامرة، المأزق، والمخرج؟، موقع عربي 21، 31 يناير 2018، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2K69gxP
(16) محسن صالح، “صفقة القرن هل ستمر؟”، موقع الجزيرة.نت، 25 يناير 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/tYi1Dp
(17) محسن صالح، حماس والأسئلة الحرجة، موقع الجزيرة.نت، 29 ديسمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/NVK2A8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى