موقع منطقتنا العربية والإسلامية في القمم الدولية الكبرى ودلالاته

تمهيد:

شهدت الساحة الدولية بعد عامين من حرب إبادة في غزة وحتى منتصف عام 2026 كثافة استثنائية في التحركات الدبلوماسية والقمم الاستراتيجية التي سعت إلى إعادة صياغة هياكل الأمن والاقتصاد العالميين في ظل نظام دولي يتسم بالسيولة وتآكل المؤسسات التقليدية. وقد حظيت تلك القمم والحالة المؤتمرية الدولية بحضور عربي وإسلامي بمستويات عدة وأدوار متباينة.

قد يوحي هذا الحضور الكثيف، للوهلة الأولى ببروز حالة جديدة من الفاعلية والتأثير للدول العربية والإسلامية في السياسية العالمية إلا أن استدعاء الذاكرة التاريخية للمؤتمرات الدولية يكشف بوضوح أن هذا المشهد لا يمثل “صحوة” استراتيجية، بل يأتي تأكيدًا لحالة انهزامية سابقة وممتدَّة. فقد تناولت تلك “القمم قضايا العرب والمسلمين في مختلف المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ليس من وجهة نظر أصحابها وإنما بالأساس من مؤثِّرات خارجية وتحت عباءة قوى غير عربية أو إسلامية، هذا المشهد يطرح تساؤلات عن مضامين ودلالات هذه المؤتمرات وانعكاساتها على تحولات العالمين العربي والإسلامي، هل تتضمَّن تسويات للصراعات القائمة وحلولًا للمشكلات أو مواجهة للأزمات؟ هل تتضمَّن تحقيقًا لمصالح الأمة وأهداف شعوبها في استقرار وأمن وحرية وتنمية واستقلال.. أم إنها ترتيبات لصالح القوى الكبري ومصالحها سواء في الإقليم أو عبر حسابات عالمية؟

ولعل التساؤل المنهجي الأبرز الذي يطرح نفسه هنا: لماذا التركيز على القمم والمؤتمرات “العالمية” دون استدعاء القمم “العربية والإسلامية”؟

تكمن الإجابة في حالة الشلل والعجز الهيكلي التي أبدتها المنظومات الإقليمية؛ إذ أثبتت القمم العربية والإسلامية المتوالية منذ انطلاق “طوفان الأقصى” عجزًا تامًّا عن إيقاف عجلة حرب الإبادة في قطاع غزة، وفشلت في بلورة مظلة أمنية رادعة تمنع تمدُّد آلة التدمير لانتهاك سيادة لبنان وسوريا، أو تحُول دون التجرُّؤ على ضرب عواصم كالدوحة، وصولًا إلى ترك الساحة الإقليمية مستباحة أمام حرب أمريكية-إسرائيلية مباشرة على إيران. هذا الفراغ الإقليمي هو ما وجه الأنظار للمنصات الدولية الكبرى باعتبارها مراكز صياغة القرار وإدارة الصراع فعليًّا، جاعلًا من إيران “حاضرًا غائبًا” وسؤالا مهمًّا ومحرِّكًا استثنائيًّا فرضَ تأثيرَه على ساحة تلك القمم.

وإذا كانت هذه الإحالة القسرية للمحافل الدولية تؤكِّد الانهزامية التاريخية الممتدَّة، فإن “الجديد” الجوهري الذي تحمله يتمثَّل في “طبيعة الأدوات”؛ حيث تتَّجه هذه المؤتمرات نحو تصفية القضايا السياسية من جذورها، وتهميش المنظومة الأممية لصالح تأسيس “كيانات موازية”، فضلًا عن استغلال ذريعة التهديدات الإقليمية لدمج الدول الإسلامية في ترتيبات أمنية تعمِّق تبعيَّتها وتُحَوِّلُها إلى أدوات لإدارة الأزمة لصالح القوى المهيمنة، كما أنها تثير تفكيرًا مهمًّا حول القوى الإسلامية المقاوِمة لهذه الهيمنة خارج إطار تلك القمم والتي تصطدم مع المشاريع الغربية.

لذا؛ تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن “الحضور” العربي والإسلامي في أي من تلك القمم الدولية ليس مؤشِّرًا بذاته على “الفاعلية”، وأن المسافة بين الأمرين هي بالضبط المساحة التي تُختبر فيها درجة استقلالية القرار العربي الإسلامي. فلن نكتفي هنا برصد وصفي للمحطات الخمسة الدولية التي شهدتْها المنطقة العربية والإسلامية خلال الأشهر العشرة الماضية (أكتوبر 2025 – يوليو 2026) فالرصد وحده يُعيد إنتاج المشهد كما تريده الأطراف صاحبة القوة أن يُرى، لا كما هو في جوهره.

تتساءل هذه الدراسة عن موازين القوى الفعلية ودرجة الفاعلية الذاتية للأطراف العربية الإسلامية؛ وتبحث عن “الأمة القطب” مستوى للتحليل والتقييم لا الدولة القُطرية المنفردة، كما ترفض قبول “الواقع” دون مساءلته بمعيار “الواجب” الأخلاقي، وعلى هذا الأساس، تتساءَل هذه الدراسة عن ما آل إليه موقع كل من دول الأركان العربية الإسلامية: مصر وتركيا وإيران وباكستان والسعودية، بالإضافة للدول الوظيفية الأصغر وزنًا: قطر والإمارات وإندونيسيا والأردن والمغرب والبحرين في كل محطة، وتُراجع خطابات قادتها، وتقيم فاعلية هذا الحضور بمعايير ملموسة، وتتساءل حول المحطات الخمس: كيف تمثِّل استمرارًا أو قطيعة مع الأنماط التاريخية الممتدة والتي تتمثَّل في حضور عددي واسع، وغياب شبه تام عن صياغة الأطر الحاكمة للقرارات المصيرية، وتشرذم في القرار العربي والإسلامي يفتُّ في عضدِ الأمَّة ذاتها؟ وما الجديد الآن، في ظلِّ تصاعد التهديدات منذ أكتوبر 2023؟ ذلك لأنه سبق اختبار نفس المعضلة في مفاصل أخرى تاريخية معاصرة توالت على الأمة حيث كان من أهمِّ التحديات مثلًا بعد مفصل نهاية الحرب الباردة هو حالة شَدِّ أطراف الأمة إلى خارجها، والتأزيم المستمر من خلال تدخلات خارجية وتسويات للتجميد مفروضة من الخارج.

وعليه؛ تستعرض هذه الدراسة مسار التموضع الاستراتيجي لدول المنطقة عبر تلك المحطات: قمة شرم الشيخ للسلام (أكتوبر 2025) – قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا (نوفمبر 2025) – منتدى دافوس الاقتصادي العالمي (يناير 2026) – قمة مجموعة السبع الكبار في إيفيان (يونيو 2026) – وأخيرًا قمة حلف شمال الأطلسي – الناتو في أنقرة (يوليو 2026). ويهدف التحليل إلى تفكيك الشبكة المعقَّدة من القرارات والتعهُّدات والآليَّات التي أفرزتْها هذه القمم وتقييم المشاركات العربية الإسلامية فيها وجدْواها، واستخلاص الدلالات العميقة لمخرجاتها وتداعياتها على الإطار الكلي الحضاري للأمة ومصالحها وقضاياها، وسط تحديات وجودية تتعلق بتصفية القضايا السياسية لصالح المشاريع الاقتصادية، وتآكل المنظومة الأممية لصالح الكيانات الموازية.

ولتحقيق أهداف هذه الدراسة وتفكيك فرضياتها، تنتظم في أربعة محاور: الأول؛ يتناول وقائع ومواقع الدول العربية والإسلامية في الفاعليات الدولية الخمس (شرم الشيخ – مجموعة العشرين – دافوس – مجموعة السبع – والناتو) متتبِّعًا مخرجاتها الميدانية والسياسية وتداعياتها المباشرة. ثم الثاني؛ لقراءة هذه المحطات في ضوء الذاكرة التاريخية للمؤتمرات الدولية، مطبِّقًا ثمانية معايير نقدية لاختبار مدى تكريس هذه القمم لواقع القوة والهيمنة مقابل الحقوق الأصيلة للشعوب. أما الثالث؛ فيحلِّل أنماط المشاركة العربية والإسلامية مستندًا إلى نظرية أنماط العلاقات الدولية الإسلامية، لتصنيف درجات الفاعلية، والتبعية، والارتهان للخارج لدى دول الأركان والكيانات الوظيفية. ويختتم الملف بالمحور الرابع؛ الذي يطرح تساؤلات وإشكاليات استراتيجية مفتوحة حول الموقع والدور ومصالح الأمة.

أولًا- وقائع ومواقع الدول العربية والإسلامية في الفعاليات الدولية

المحطة الأولى: قمة شرم الشيخ للسلام (أكتوبر 2025)

شكَّلت قمة شرم الشيخ، التي عُقدت في 13 أكتوبر 2025، نقطة ارتكاز حاسمة في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية المدمِّرة على قطاع غزة والتي استمرَّت لعامين. جاءت القمة برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشهدت حضور قادة وممثلي أكثر من عشرين دولة ومنظمة دولية، من بينها الأردن، وقطر، والكويت، والبحرين، وتركيا، وإندونيسيا، والإمارات، والسعودية، واليابان، وكندا، بالإضافة إلى سكرتير عام الأمم المتحدة وأمين عام جامعة الدول العربية، وقد انعقدت القمة في ظل بيئة إقليمية بالغة التعقيد؛ فقد سبقتها قمة عربية إسلامية طارئة في الدوحة منتصف سبتمبر 2025 استنكارًا لانتهاكات السيادة وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية بمحاولة اغتيال خليل الحية رئيس وفد حماس للمفاوضات بالدوحة. وبالتوازي، تنامى الزخم الدبلوماسي مع موجة اعترافات أوروبية بالدولة الفلسطينية شملت بريطانيا وفرنسا والبرتغال وكندا، مما خلق ضغطًا سياسيًّا غير مسبوق. وفي 29 سبتمبر 2025، عقب اجتماع جمعه مع بعض من قادة الدول العربية والإسلامية على هامش الدورة ال 80 لاجتماع الأمم المتحدة؛ أعلن ترامب خطة سلام شاملة تتألَّف من 20 بندًا، استهدفت إنهاء الحرب فورًا إذا ما قبلها الطرفان، وإخلاء غزة من التطرف، ومنع ضم الأراضي أو احتلالها، والشروع في إعادة الإعمار، إلى جانب نزع السلاح وتسليمه لقوة دولية[1]. وتُوِّجَ هذا المسار بتوقيع اتفاق إطار في 9 أكتوبر 2025 بوساطة مصرية، وقطرية، وأمريكية، وتركية، ممهِّدًا الطريقَ لقمة شرم الشيخ التي شهدت توقيع وثيقة شاملة للسلام، وصفها ترامب بأنها ستفتح صفحة جديدة في الشرق الأوسط[2].

على الرغم من أنه قد يُنظر لوثيقة شرم الشيخ على أنها نجحت في فرض وقف نزيف الدم وتحويل الهدن المؤقَّتة إلى اتفاق سياسي شامل يحظى بدعم دولي متكامل، غير أن القراءة المعمَّقة لمخرجات القمة تُظهر تحديات بنيوية بالغة الخطورة؛ فقد أثار الاتفاق جدلًا واسعًا، واعتُبر “مسرحية دبلوماسية” تخدم مصالح القوى الكبرى دون تقديم ضمانات فعلية وقابلة للتنفيذ لإقامة الدولة الفلسطينية، مع غياب وتغييب واضح لأي ممثل للجانب الفلسطيني في توقيع الاتفاق، كما أن تركيز الوثيقة على الإغاثة وتأمين الحدود، مقرونًا بإشارات غامضة حول مسار الحل السياسي وإصلاح السلطة الفلسطينية، قد وفَّر غطاءً لفرض ترتيبات أمنيَّة إسرائيلية طويلة الأمد. ومن أبرز التداعيات الاستراتيجية لهذا المسار هو ما ظهر لاحقًا من مماطلة إسرائيلية في الانتقال للمرحلة الثانية، واقتطاع مساحات واسعة من القطاع (نحو 70%) لتأسيس منطقة عازلة تعرف بـ “الخط الأصفر” واستمرار العدوان ومنع المساعدات، مما جعل تنفيذ بنود الانسحاب ونزع السلاح يخضع لتأويلات تخدم استراتيجية فرض الأمر الواقع[3]. وهو الأمر الذي يتجدَّد اختبارُه بقوَّة الآن، بعد الإعلان في القاهرة في 31 يوليو 2026 عن اتفاق تنفيذ المرحلة الثانية، وبعد أن ظلَّ “مجلس السلام” ظاهرة صوتية[4].

تداعيات شرم الشيخ: مأسسة اتفاق السلام في دافوس

وعلى هامش منتدى دافوس جاء الإعلان الرسمي يوم 22 يناير 2026 عن تأسيس وتوقيع ميثاق “مجلس السلام” (Board of Peace – BoP)، بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد استند المجلس في شرعيته الأولية إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025، والذي أَقَرَّ إنشاء آلية دولية لإدارة غزة وإعادة إعمارها. ومع ذلك، فإن الهيكل التنظيمي للمجلس، كما أُعلن في دافوس وكما كشفت مسودات ميثاقه، تجاوز بكثير التفويض الأممي، متَّجِهًا لتشكيل كيانٍ موازٍ للأمم المتحدة يعتمد منطق “الحوكمة المؤسَّسية” في إدارة النزاعات[5]. وضعت هذه الهيكلية الدول العربية والإسلامية أمام معضلة معقَّدة: إمَّا مقاطعة المجلس وترك قطاع غزة فريسة للفراغ أو الترتيبات الإسرائيلية الأُحادية، أو الانخراط في كيان يفرغ النظام متعدِّد الأطراف من مضمونه ويُعيد إنتاج الهيمنة الأمريكية بصبغة اقتصادية. ويبدو أن معظم العواصم الفاعلة (مصر – السعودية – الإمارات – قطر – الأردن – تركيا – المغرب – إندونيسيا – باكستان – أوزبكستان – وكازاخستان) اختارت الخيار الثاني، ووقَّعت على وثيقة التأسيس في دافوس، في محاولة لكبح جماح الأجندة الإسرائيلية والتأثير في عملية صنع القرار من الداخل[6].

وتكشف الأبعاد الكامنة وراء تأسيس “مجلس السلام” عن محاولة صريحة لفرض نموذج “السلام الاقتصادي” وتهميش المعالجات السياسية الجوهرية. وتعبر عن ذلك تصريحات شخصيات مثل جاريد كوشنر -على سبيل المثال- في دافوس حول إدخال مبادئ السوق الحرة إلى غزة وتحويلها إلى بيئة جاذبة للاستثمارات وبناء 400 ألف مسكن جديد وضخ استثمارات بقيمة 30 مليار دولار، الأمر الذي يختزل القضية الفلسطينية برمَّتها في أبعاد عقارية واستثمارية[7].

ويحمل هذا النموذج خطورة استراتيجية تكمن في أنه يوفر الغطاء لتنفيذ خطط “تفريغ الصراع من مضمونه السياسي” ويتخفَّى بغطاء اقتصادي وعمراني يعتمد على الابتزاز السياسي، حيث يشترط نزع سلاح المقاومة لإنهاء قدرتها الردعية وربط الإعمار بالامتثال الأمني والتنازلات السياسية. كما تسعى الخطة إلى “هندسة سكانية” تفكِّك الترابُط العمراني للقطاع عبر تجميع السكَّان في كُتل معزولة لتسهيل السيطرة والرقابة الأمنية الإسرائيلية وإدارة المواطنين، وتغييب القضايا الوطنية الجوهرية مثل حق العودة والسيادة الوطنية لصالح الرخاء المادي.

بالإضافة إلى ذلك، يكتنف الخطةَ غموض اقتصادي كبير حول مصادر التمويل وآليات التعويض، إلى جانب مخاطر بنيوية قد تؤدِّي إلى سيناريوهات خطرة كالتشريد والتهجير القسري أو الطوعي للسكَّان، وإعادة توزيع ملكيات الأراضي، فضلًا عن الأطماع غير المعلنة في السيطرة على حقول الغاز الطبيعي قبالة سواحل غزة[8]، فبينما يتم تسويق المجلس باعتباره منقذًا للإنسانية، تستمرُّ المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ المرحلة الثانية (الانسحاب الشامل)[9]. وظلت التطورات المتصاعدة منذ الإعلان عن هذا المجلس تؤكد حقيقة ومصداقية جدول أعمال هذا المجلس، وهذا الأمر الذي يتكرَّر إثباته واختباره في جولة أخرى مكرَّرة الدلالات منذ الإعلان عن اتفاق تنفيذ المرحلة الثانية في (31 يوليو 2026) والذي توَّجه المزايدة بموافقة حماس على نزع سلاحها.

المحطة الثانية: قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا (نوفمبر 2025)

جاءت الدورة العشرون لقمة مجموعة العشرين (G20) في مدينة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا يومي 22 و23 نوفمبر 2025 لتحمل طابعًا استثنائيًّا، ولم تكن الاستثنائية نابعة فحسب من كوْنها أول قمة للمجموعة تُعقد في القارة الأفريقية، بل تمثَّلت أيضًا في المقاطعة الرسمية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مبرِّرَةً ذلك بتعارض أولويات القمة (فيما يخص المناخ، والتجارة الحرة، ومكافحة اللامساواة) مع السياسات الأمريكية الجديدة[10]. تبنَّت جنوب أفريقيا شعار “التضامن، والمساواة، والاستدامة”، وعكف القادة المشاركون على صياغة “إعلان جوهانسبرج” الذي أَقَرَّ سلسلةً من التدابير لمعالجة الاختناقات الاقتصادية للدول النامية. من أبرز هذه التدابير مراجعة أطر استدامة الديون للدول منخفضة الدخل بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وإقرار إطار عمل دولي لتنظيم قطاع المعادن الحرجة يضمن بناء قيمة مضافة محلية للدول المنتجة، فضلًا عن دعم تشكيل قوة عمل لمكافحة التدفُّقات المالية غير المشروعة. ولم تقتصر القمة على الشق المالي، بل امتدَّت لتشكِّل جبهة ضغط سياسي من منظور “الجنوب العالمي”. فقد أشار إعلان القمة بوضوح إلى تنامي المنافسة الجيوسياسية وتزايد الصراعات وانعدام المساواة. وفي سابقة لافتة في المحافل الاقتصادية البحتة، نص الإعلان الختامي، المستند إلى مقاصد ميثاق الأمم المتحدة، على الالتزام بالعمل لتحقيق سلام عادل وشامل في مناطق النزاع، وخَصَّ بالذكر صراحة: السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوكرانيا[11].

المحطة الثالثة: منتدى دافوس (يناير 2026): موضوع الجنوب من التحولات والأخطار العالمية

بحلول شهر يناير 2026، احتضنت سويسرا الدورة السادسة والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تحت شعار “روح الحوار”[12]، شهد المنتدى حضورًا سياسيًّا واقتصاديًّا كثيفًا وغير مسبوق، بما يقارب 3000 قائد، بينهم 65 رئيس دولة وحكومة، ونخبة من رؤساء مجالس إدارة الشركات التكنولوجية العملاقة[13]. وقد استحوذت القضايا الجيوسياسية، ولا سيما ملف قطاع غزة والتوتُّرات في الشرق الأوسط، على الجزء الأكبر من المداولات واللقاءات المغلقة.

دارت الأجندة المعلنة حول سبعة محاور: النمو في ظل عدم اليقين، والتوترات الجيوسياسية وانعكاساتها الاقتصادية، والحوكمة العالمية والسلم والأمن الدوليين، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل والاقتصاد الرقمي، وأمن الطاقة، والتحول الأخضر. والملاحظ منهجيًّا أن هذه الأجندة صِيغت بمنطق يجعل القضايا السياسية والصراعات المسلَّحة مادةً تناقش من زاوية أثرها على الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمار، لا بوصفها قضايا عدلٍ وحقوق قائمة بذاتها؛ وهو تحوُّل بنيوي سيثبُت أثرُه العميق حين نتناول موقع غزة في أعمال المنتدى[14].

ولم يقتصر التحول على الظرف المؤسَّسي، بل طال بنية الأجندة ذاتها، فقد جرى إلى حَدٍّ بعيد إزاحة الموضوعات التي كانت رائجة في دورات سابقة حول البيئة والتنوع، واستُبدلت بصياغات أكثر حيادية مثل “بناء الازدهار ضمن حدود الكوكب” و”الاستثمار في الإنسان”، فيما وُصف شعار الدورة نفسه بأنه باهت، وبهذا المعنى شكَّل حضور ترامب تتويجًا لمساع استمرت عامًا كاملًا، ونقطة تحول لمنتدى ظلَّ طويلًا مرادفًا للعولمة الليبرالية، بحيث انتقل من منبر للتعددية إلى ساحة تختبر فيها حدود القوة الأميركية على حلفائها قبل خصومها[15].

وجاء تقرير “الأخطار العالمية 2026” الصادر عن المنتدى عشيَّة انعقاده لِيُعَزِّزَ القراءة التشاؤمية، إذ اسْتُهِلَّ بتحذير صريح من أن العالم يقف على حافَّة هاوية مع دخول عام 2026، وتصدَّرت الأخطار الجيو-اقتصادية قائمة المخاوف بنسبة 18%، تلتْها النزاعات المسلَّحة بين الدول بنسبة 14%. والأكثر دلالة من ذلك أن نصف الخبراء المستطلعين توقَّعوا عالمًا “مضطربًا أو عاصفًا” خلال العامين المقبلين، مقابل 1% رأوا أفقًا هادئًا، ودلالة هذا الترتيب أن النخبة الاقتصادية العالمية نفسها باتت تقرُّ بأن مصدر الخطر الأول لم يعد المناخ ولا الأوبئة، بل التنافس الجيوسياسي وتسليح الاقتصاد؛ أي إن الأزمة انتقلت من الأعراض إلى بنية النظام الدولي ذاته[16].

دافوس بين خطابين: خطاب ترامب وخطاب كارني

قبل عام واحد، كان ترامب قد أطلَّ على جموع دافوس عبر شاشة عملاقة مبشرًا بـ”عصر أمريكا الذهبي” وملوِّحًا بسلاح الرسوم دون تمييز بين الحلفاء والخصوم، بعد ثلاثة أيام فقط من أدائه اليمين لولاية ثانية. أما في 2026 فقد حضر شخصيًّا على رأس أكبر وفد أمريكي في تاريخ المنتدى، يضم خمسة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، معاودًا التلويح بالرسوم مستهدفًا هذه المرة حلفاءه الأطلسيِّين. ومن سعيه للسيطرة على جرينلاند إلى “إدارته” فنزويلا عن بُعد عقب اعتقال رئيسها، وبدا ترامب متحديًا أُسُسَ القانون الدولي الذي أسْهمت بلاده في صياغته وترسيخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ووجَّه ترامب جزءًا من خطابه أمام نخب دافوس إلى قاعدته الانتخابية عبر الكشف عن إصلاح لسياسة الإسكان يتيح استخدام جزء من مدخرات التقاعد لتأمين دفعة أولى لشراء المساكن. وهذه الازدواجية -خطاب موجه إلى الداخل يُلقى على منبر عالمي- هي في ذاتها مؤشر على تراجع اعتبار المحافل الدولية فضاءً لصياغة رؤى مشتركة، وتحوُّلها إلى امتداد للسياسة الداخلية[17]. لم يكن خطاب ترامب في دافوس مجرد ضغط تفاوضي عابر، بل تدشينًا لمعادلة جديدة يغدو فيها الأمن سلعة تشترى بالسيادة، وتتحوَّل التحالفات التقليدية، وفي مقدِّمتها المادة الخامسة من ميثاق الناتو، من ضمانات ردع جماعي إلى أدوات ابتزاز مشروط بمدى استعداد الحلفاء للتنازل عن مواردهم؛ وهي تصف اللحظة الراهنة بأنها “عصر الفوضى المنظمة”، حيث لا تحكم العلاقات الدولية قواعد رسمية ولا فوضى مطلقة، بل منطق انتقائي لا يعترف إلا بالقوة الذاتية والسيطرة الفعلية على الموارد والممرات الحيوية[18].

وقد أفْضى الاجتماعُ في محصِّلته إلى ما وُصِفَ بأنه “حكاية خطابين”؛ خطاب ترامب المتشعِّب والمتنمِّر على أقرب حلفاء بلاده، معلنًا عصرًا من شريعة الغاب تفرض فيه القوة الكبرى إرادتها على الاقتصادات الأصغر؛ وفي المقابل تمامًا، عرض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني البليغ لأخطار عالم تصبح فيه القوة معيار الحق[19]. وتكمن القيمة الاستثنائية لخطاب كارني في تأكيده على أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيًّا، وأن الأقوى كان يستثني نفسه في الوقت المناسب، وأن قواعد التجارة كانت تطبَّق على نحو غير متكافئ، وأن القانون الدولي كان يطبَّق بصرامة متفاوتة تبعًا لهُوية المتَّهم أو الضحية. واعترف في الوقت ذاته بأن الهيمنة الأمريكية أسْهمت في توفير منافع عامة مثل فتح الممرات البحرية والنظام المالي المستقر والأمن الجماعي، وأن دولًا مثل كندا ازدهرت في ظل ذلك النظام وتجنَّبت الإشارة إلى الفجوات بين الخطاب والواقع، ثم أعلن أن هذا الاتفاق لم يعد ساريًا، وأن ما يجري قطيعة لا مجرد مرحلة انتقالية[20].

وحدَّد كارني آلية القطيعة بدقَّة والتي تتمثَّل في أن القوى العظمى بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي سلاحًا، والتعريفات الجمركية وسيلةَ ضغط، والبنية التحتية المالية أداة إكراه، وسلاسل التوريد نقاط ضعف تستغل؛ وخلص إلى أنه لا يمكن العيش داخل كذبة المنفعة المتبادلة عبر التكامل حين يصبح التكامل ذاته مصدر التبعية، وأضاف أن المؤسسات متعددة الأطراف التي اعتمدت عليها القوى المتوسطة -منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة وغيرها- تضاءل دورها بشكل كبير، وأن عالمًا من “الحصون” سيكون أفقر وأكثر هشاشة وأقل استدامة. وختم بأطروحته المركزية عن القوى المتوسطة؛ أن أمامها في عالم تنافس القوى العظمى خيارين لا ثالث لهما: إما التنافس فيما بينها لنيل الحظوة لدى القوى الكبرى، أو الاتحاد لخلق مسار ثالث مؤثر، وأن عليها أن تعمل معًا لأنها إن لم تكن إلى الطاولة فستكون على قائمة الطعام، وأن التفاوض الثنائي المنفرد مع قوة مهيمنة تفاوض من موقع ضعف، تقبل فيه الدولة ما يعرض عليها وتتنافس مع نظيراتها على أن تكون الأكثر تكيُّفًا[21].

وكان لخطاب كارني دروس هامَّة للجنوب بالنسبة للعلاقة بين السيادة والتبعيَّة، تكتسب دلالات هامَّة عن الواقع العربي والإسلامي، وعندما يُقرأ ما قدَّمه كارني انطلاقًا من واقع الدول العربية والإسلامية نجد أنَّنا أمام ثلاث مفارقات تستحقُّ التسجيل:

أولها؛ أن أخطر عبارة فيه هي وصفه للدولة التي تكتفي بالتفاوض الثنائي مع المهيمن بأنها لا تمارس سيادة بل “تمثيلًا” للسيادة مع قبول التبعية. وهذا التوصيف ينطبق حرفيًّا على النمط الغالب في الأداء العربي والإسلامي داخل المحافل الدولية، حيث تتفاوض كل دولة منفردة على حصَّتها، وتتنافس مع شقيقاتها على موقع “الأكثر تكيُّفًا” مع أولويات واشنطن، بدل التفاوض ككتلة، والمفارقة أن التشخيص جاء من رئيس وزراء دولة غربية عضو في مجموعة السبع، لا من منبر عربي أو إسلامي.

ثانيها؛ أن كارني وضع للقوى المتوسِّطة اختبار اتِّساق صريح بأن تطبِّق المعايير نفسها على الحلفاء والمنافسين، وهذا الاختبار بعينه هو ما تُخفق فيه المنظومة الدولية حيال فلسطين منذ عقود حيث يطبق القانون الدولي بشكل متفاوت بحسب هوية المتهم والضحية، وهو ما أقر به كارني نفسه صراحة.

ثالثها؛ أن الخطاب نفسه، على شموله وجرأته، لم يتضمَّن أيَّ ذكر لغزة أو فلسطين، فقد عدَّد كارني الملفات التي تتحرَّك فيها بلاده: أوكرانيا وتحالف الراغبين، وسيادة القطب الشمالي والوقوف مع جرينلاند والدنمارك، والمادة الخامسة من حلف الناتو، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، ولم ترد فلسطين في أيٍّ منها، رغم أن الخطاب كله مبني على إدانة ازدواجية تطبيق القانون الدولي، وهذه الفجوة بين المبدأ المعلَن والملفات المختارة هي بذاتها شاهد على أن الاعتراف الغربي بازدواجية المعايير لا يترجم تلقائيًّا إلى إنصاف بكافة القضايا وكأنها إعادة إنتاج للازدواجية.

المحطة الرابعة: قمة مجموعة السبع الكبار في إيفيان (يونيو 2026)

انعقدت الدورة الثانية والخمسين لقمة مجموعة السبع الكبار (G7) في مدينة إيفيان الفرنسية (15-17 يونيو 2026)، وسط تصاعد خطير في التوترات الجيوسياسية، تحديدًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وانسداد الأفق في تنفيذ خطة غزة. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد دعا الرئيس المصري، وأمير قطر، ورئيس الإمارات للانضمام إلى جلسة العمل الخاصَّة بعنوان “معالجة الأزمات وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط”[22].

وضمن نقاشات القمة؛ رحَّب قادة مجموعة السبع والدول العربية بالإعلان عن التوصُّل إلى “مذكرة تفاهم” بين الولايات المتحدة وإيران، وقد اكتفى ترامب وبزشكيان بتوقيع المذكرة إلكترونيًّا عن بُعد، ترامب من فرساي وبزشكيان من طهران[23]. وقد استثمر الرئيس المصري منبر إيفيان لقرع ناقوس الخطر إزاء التجاوزات الميدانية في قطاع غزة، ولفت الانتباه إلى أن انشغال المجتمع الدولي بالتهديد الإيراني وبرامج “مجلس السلام”، قد وفَّر لإسرائيل الفرصة لفرض سياسة الأمر الواقع عبر توسيع نطاق ما يسمَّى بـ”الخط الأصفر” (المنطقة الأمنية العازلة). ودعت القمة بوضوح إلى ضرورة الانتقال إلى “المرحلة الثانية” من اتفاق إنهاء الحرب (الانسحاب وإعادة الإعمار)، ووقف دوَّامة العنف المتصاعدة في الضفَّة الغربية المحتلَّة، والعمل على بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة[24]. وعلى الصعيد اللبناني، وجَّه القادةُ رسالةً مزدوجة؛ تدعو إسرائيل لوقف استهداف الأراضي اللبنانية والانسحاب منها، وتطالب بدعم جهود القيادة اللبنانية لنزع سلاح “حزب الله”، مع التلميح لإمكانية نشر قوات حفظ سلام دولية إضافية[25].

المحطة الخامسة: قمة الناتو في أنقرة (يوليو 2026)

مثلت استضافة العاصمة التركية أنقرة للقمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 يوليو 2026 تطورًا فارقًا في مسار التحالف العسكري الأكبر عالميًّا. إذْ شكَّلت هذه القمة، وهي الثانية التي تستضيفها تركيا منذ عام 2004، محطة لمراجعة العقيدة القتالية للحلف لمواجهة التهديدات المزدوجة. حاولت أنقرة استثمار استضافتها لقمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة كمسرح استراتيجي لاستعراض وزنها الجيوسياسي وفرض شروطها على التحالف الغربي وفق نموذج “الدبلوماسية التبادلية”[26]. فبدلًا من الاكتفاء بالدور التقليدي كـ “دولة مضيفة” أو مجرد “خط مواجهة” في الجناح الجنوبي، أعادت أنقرة تعريف مكانتها لتبرز كـ”حليف محوري” و”مزود للأمن الاستراتيجي والتكنولوجي”، مستندةً إلى تفوقها المتنامي في قطاع المسيرات الذكية والمعدات ذاتية القيادة وارتفاع مبيعاتها العسكرية لدول الحلف[27].

وقد استثمر أردوغان حاجة أوروبا الملحَّة لحماية جناحها الشرقي من روسيا، وحاجة واشنطن لقاعدة إقليمية صلبة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية وتأمين خطوط الإمداد، ليُقايض دعمه لخطط الحلف الدفاعية (مثل مبادرة رؤية 3.0) بانتزاع مكاسب عسكرية وتكنولوجية حاسمة؛ أبرزها رفع العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون (CAATSA)، وفتح الباب للعودة إلى برنامج مقاتلات الجيل الخامس (F-35)، ودعم مشروع المقاتلة الوطنية التركية (KAAN)، وتسهيل توريد أنظمة “يوروفايتر” الدفاعية[28].

وفي انعكاس لإدراك الحلف لأهمية العمق الأمني العربي، تم تخصيص جلسة استثنائية ضمن جدول أعمال القمة (يوم 7 يوليو) جمعت وزراء خارجية الدول الأربع المنضوية في “مبادرة إسطنبول للتعاون” وهي: الإمارات، والبحرين، ودولة الكويت، وقطر[29].

ثانيًا- المحطات الخمسة في ضوء الذاكرة التاريخية للمؤتمرات الدولية

في إطار السعي لتجاوز القراءات الوصفية للترتيبات الإقليمية والدولية الراهنة، يطرح هذا القسم إطارًا نقديًّا لتقييم “القمم الخمسة” استنادًا إلى الرؤية التقييمية التي قدَّمتها د. نادية مصطفى في دراستها المعنونة “في الذاكرة التاريخية لمؤتمرات دولية: رؤية عن معضلة العلاقة بين صراعات وتوازنات القوى الكبرى وبين حقوق الشعوب والأمم”[30]. وتُفكك هذه الدراسة المرجعية الإشكالية التاريخية المتمثِّلة في توظيف المؤتمرات باعتبارها أدوات لتقنين الهيمنة وإعادة ترتيب الأوراق لصالح القوى الكبرى، على حساب وحدة الشعوب، واستقلالها، وحقوقها الأصيلة. ويمكن استخلاص ثمانية معايير تقييمية طرحتها -صراحة أو ضمنًا- وتصلح كأداة لفحص أي “حالة مؤتمرية” وبيان مدى انحيازها للوجه العمراني الإنساني مقابل تكريسها لواقع القوة ومصالح دول المركز:

١- معيار “القوة مقابل الحق”: لمصلحة من التسوية؟ هل يحقِّق المؤتمر مصالح الشعوب في “استقرار وأمن وحرية وتنمية واستقلال”، أم هو ترتيب لصالح قوى أخرى؟ فتاريخيًّا كانت شعارات “الاستقرار” تعني استقرار الأنظمة الحاكمة لا الشعوب. وبهذا المعيار في ترتيبات قمة شرم الشيخ، تصدَّرت لغة “الاستقرار” اسم الهيئة الحاكمة الجديدة ذاته (“مجلس السلام”)، بينما ظلَّ تعريف “من يستقرُّ” ملتبسًا: أمن غزة وأهلها، أم الترتيب الإقليمي الذي يريح رعاة الاتفاق من عبء حرب مفتوحة؟ وعلى صعيد الحرب على إيران؛ تجلى هذا المعيار بوضوح في “مذكرة إسلام آباد” ومخرجات قمة السبع في إيفيان؛ إذ لم يكن الهدف إحقاق “حق” الدولة الإيرانية في السيادة وصد العدوان الأمريكي-الإسرائيلي غير المبرر عليها، بل كان الرضوخ لـ “قوة” الأمر الواقع لتأمين تدفُّقات الطاقة العالمية. لقد سعت التسوية لحماية ممر مضيق هرمز من الإغلاق وتأمين استقرار الأسواق الغربية، مفضِّلة “استقرار الاقتصاد العالمي” على إدانة انتهاك سيادة دولة إسلامية كبرى، وبالمثل بالنسبة لحالة سوريا ولبنان.

٢- معيار “الحدود والهوية الجامعة”: هل يُعاد الترتيب بمعزل عن وحدة الشعوب؟ … في ترتيبات قمة شرم الشيخ، أعيد ترتيب صلاحيات القطاع وعُزل إداريًّا عن مسار وطني جامع يشمل الضفة والشتات. وتعمَّق هذا الاستهداف للهوية في “منتدى دافوس”، حيث تم اختزال القضية الوطنية (حق العودة والسيادة) إلى مسألة ديموغرافية وعقارية، تكرِّس التقسيم الجغرافي والنفسي ويقضي على الهوية الجامعة. في الحالة اللبنانية والخليجية؛ تجلى ضرب الهوية الجامعة في قمة مجموعة السبع عبر المطالبة بنزع سلاح المقاومة في لبنان (حزب الله) ونشر قوات دولية، في محاولة لتجريد لبنان من هويته المقاومة وفصله عن محيطه الداعم. وفي قمة الناتو بأنقرة، كرس مسار “مبادرة إسطنبول للتعاون” تطلُّعات دمج أمن الخليج وممرَّاته الطاقوية في منظومة الأمن الأطلسية الغربية، بمعزل تام عن هوية الأمة الجامعة التي تُباد في غزة وتُقصف في طهران ولبنان.

٣- معيار “تقنين الهيمنة”: من يقرِّر عن من؟ تاريخيًّا، كانت المؤتمرات الدولية أداة لتقنين هيمنة القوى الكبرى دون اعتبار لحقوق الشعوب. وفي المحطات الخمس، تجلَّى ذلك بأوضح صوره حين تحوَّل قرار مجلس الأمن 2803 إلى نص أُممي يُشرعن رئاسة أجنبية (أمريكية) لهيئة الحكم الانتقالي في غزة عبر “مجلس السلام”، وهو اختطاف صريح لأدوات الشرعية الدولية لتكريس الهيمنة. وبالمثل، نصَّبت قمة مجموعة السبع (G7) نفسها وصيًّا يحدِّد الترتيبات الأمنية في لبنان وسُبل نزع سلاح المقاومة فيه، متجاهلة السيادة الوطنية.

٤- معيار “وضوح العدو والتحالفات”: من الخصم الفعلي؟ في الذاكرة التاريخية للفاعليات الدولية يبرز تعمد “ضبابية” تعريف العدو (إيران أم إسرائيل أم الإرهاب؟)، هذه الضبابية تنتج تحالفات مع إسرائيل بدل مواجهتها. وتُظهر المحطات الخمس مجتمعة انزياحًا متكررًا من “إسرائيل” كبؤرة تهديد معلنة إلى “إيران”، فبينما تتآكل حدود غزة وتوسِّع إسرائيلُ المناطقَ العازلةَ في سوريا ولبنان؛ ينشغل العالم بالحرب على إيران وتداعيات إغلاق المضيق، وهو ما يمثِّل انزياحًا في تعريف الخطر بما يُعيد ترتيب التحالفات بعيدًا عن مواجهة إسرائيل.

٥- معيار “الفاعلية مقابل الإنهاك”: من يتفاوض واثقًا ومن يتفاوض منهكًا؟ تصف د. نادية مصطفى الأطرافَ العربيةَ بأنها غالبًا “نظم منهكة أكثر ميلًا للاستسلام والمواءمات حماية لأنظمتها على حساب شعوبها”. فمصر التي استضافت قمة شرم الشيخ ومن الرباعي الموقع على اتفاق وقف إطلاق النار تستجدي العون الأمريكي في أزمتها الاقتصادية[31]، وتركيا التي تقدِّم نفسها كقوة إسلامية صاعدة ذات نفوذ كبير وعضو مؤسِّس في حلف الناتو وتطرح إمكانيتها العسكرية في قمة أنقرة كضمان وشريك عسكري موثوق لقوى الحلف؛ جمَّدت مشاركتها العسكرية في غزة بناء على اعتراض خارجي من إسرائيل وتعجز عن فرض سياستها في أزمة غزة شأنها مثل باقي الدول العربية والإسلامية، حتى عندما شُنَّت الحربُ على إيران، جاءت الوساطة (التي واجهتها باكستان ودعمتها دول خليجية) من موقع “الإنهاك” والخشية على الانهيار الاقتصادي الإقليمي. فالرياض وغيرها سارعت لرعاية “مذكرة إسلام آباد” ليس لردع واشنطن، بل حمايةً لمشاريعها التنموية (مثل رؤية 2030) من نيران الصراع. ولا تنفصل هذه القيود الهيكلية والارتباك الدبلوماسي عن الهاجس السياسي الأعمق؛ فهذا التماهي العربي مع الترتيبات الأمريكية-الغربية (سواء في شرم الشيخ أو دافوس أو الناتو) يُخفي رغبة مبطنة في فرض “هندسة استقرار إقليمي” تضمن بقاء هذه الأنظمة السياسية وتحميها من الارتدادات الداخلية. وتتقاطع مصلحة هذه النظم المنهكة مع الأجندة الخارجية في ضرورة إجهاض أي حركات مقاومة (مسلحة كانت أو سياسية) قد تنتصر فتُلهم الشارع العربي والإسلامي من جديد. وهو ما يجسد حرفيًّا جوهر مقولة النظرية: المواءمات والانصياع للخارج يتمَّان “حمايةً للأنظمة على حساب شعوبها”.

٦- معيار “المؤتمر كغاية في ذاته”: هل يُحسم شيء فعلًا؟ فهذه المؤتمرات كثيرًا ما تُصبح “غاية في حَدِّ ذاتها أكثر من كونها وسيلة ناجعة”، تُبقي الأزمات “جاثمة على صدور الشعوب” بآمال زائفة. فلم تُحسم القضية الفلسطينية عبر أيٍّ من المحطَّات الخمس رغم مرورها بجميعها؛ فوثيقة شرم الشيخ بلا اعتراف بالدولة، وتحذير السيسي من “الخط الأصفر” في إيفيان يَشِي بتراجُع حتى عن مكتسبات أولية، وبالمثل، لم تحسم “مذكرة إسلام آباد” وقمة إيفيان الحرب الأمريكية على إيران؛ بل كانت مجرد مسكِّنات مؤقَّتة لفتح الممرَّات البحرية، سرعان ما انهارت وفشلت مع تجدُّد إطلاق النار والتصعيد في يوليو 2026. وهو ما يجعل المؤتمرات تُبقي القضايا “تدخل وتخرج من اتفاق فاشل إلى آخر” دون حسْم جوهري.

٧- معيار “المؤتمر المضاد”: رغم بسالة المقاومة في غزة، وصمود محور المقاومة إبان العدوان على إيران ولبنان، ظلَّت النخب والأنظمة في موضع رَدِّ الفعل، ويُثير ذلك تساؤلًا عن غياب الفعل الشعبي الموازي؟ وهل يوجد دور ملموس للمقاومة الحضارية التي هي نشاط مجتمعي في جوهره، بينما تبقى النخب والأنظمة في موضع رد الفعل لا الفعل؟ إن الفاعلية الحقيقية لا تُقاس بحضور الوفود الرسمية وحدَها. وممَّا يلفت إليه النظر هنا؛ وجود مؤشرين متواضعين على هذا الحراك المستقل في محطتين من المحطات الخمس: ففي أنقرة، خرجت احتجاجات شعبية مناهضة للناتو، وفي إيفيان، تظاهر معارضون وصفوا قمة السبع بأنها “تحالف إمبريالي”. لكن في المقابل، غاب الحراك الشعبي والمدني العربي والإسلامي الضخم الموازي والمواكب لحدث جلل كالحرب على إيران أو استمرار الإبادة في غزة، هذان المؤشِّران -على تواضع حجمهما- يطرحان تساؤلات: أين المؤتمرات العربية الإسلامية الفاعلة الموازية؟ وأين حراك المقاومة الحضارية المدنية السلمية الذي يواكب -ولا يكتفي بمراقبة- محطات القرار الرسمي؟ غياب إجابة واضحة عن هذا السؤال عبر المحطات الخمس هو في ذاته نتيجة تستحق التسجيل، لا مجرد سؤال بلاغي.

٨- معيار “الذاكرة الحضارية المقارنة”: أيُّ وجهي العملة يتجسَّد؟ تطرح د. نادية مصطفى مقارنة حاسمة بين “الوجه الواقعي اللاقيمي” الذي يقدس قوة الدولة القومية وتوازن القوى والمنفعة المادية، وبين “الوجه العمراني الإنساني” الذي يحفظ حقوق الشعوب وكرامتها. وبالنظر إلى مخرجات المحطات الخمس، يتأكَّد الانحياز المطلق للنظم لـ”الوجه الواقعي اللاقيمي”؛ ففي “دافوس” و”شرم الشيخ” تمَّ تسليع القضية الفلسطينية، واستُبدل حق تقرير المصير بـ”السلام الاقتصادي” ووعود الاستثمار. وفي “أنقرة” و”إيفيان”، طغت حسابات تأمين الممرات البحرية وحماية الاستقرار الإقليمي للدول القومية على حساب ردع العدوان الأمريكي الإسرائيلي. فقد غاب “الوجه العمراني الإنساني” تمامًا؛ حين تخلت القوى العربية والإسلامية عن واجبها الأخلاقي والحضاري كـ”أمة قطب” لحماية مستضعفيها، وارتضت الانخراط في ترتيبات تُعلي من قيمة “القوى الكبرى” و”المصالح الذاتية” للأنظمة فوق دم الإنسان وكرامة الأمة.

ثالثًا- أنماط المشاركة العربية والإسلامية بالقمم الخمس

بقراءة المحطات الخمس؛ تتبدَّى النتيجة المركزية من موقع الدول العربية والإسلامية من القمم الخمس، فنحن أمام نمطٍ ممتدٍّ لا ظاهرة طارئة، إنَّ ما بدا للوهلة الأولى نمطًا جديدًا فرضتْه ظروف 2025-2026، هو في جوهره امتداد لنمط تاريخي من تفاعل دولنا مع تلك المحافل الدولية متمثلا في: الحضور بلا قرار (مقعد “المدعو” أو “شريك الحوار” يغلب على مقعد “العضو صاحب الصوت”)، والقبول بأطر صيغت خارجيًّا (مجلس السلام” برئاسة أجنبية – الوساطة الأمريكية في سد النهضة)، وتراجع القضية المركزية إلى بند فرعي (من “بند ضمن أربعة نزاعات” إلى تحذير السيسي من تراجع الاهتمام بغزة)، والتوظيف السياسي لمفردات الحوار والسلام ذاتها (“روح الحوار” في دافوس – “حوار الأديان” في خطة غزة)، وأخيرًا حالة الاستدامة والتأكيد على ظاهرة “تشرذم الأمة”، فلم تنتج المحطات الخمس، رغم مركزية القضية الفلسطينية فيها جميعًا، أي موقف تفاوضي عربي إسلامي جماعي موحد؛ بل مواقف قُطرية متفرقة تُدار كل واحدةٍ منها بمعزل عن الأخرى، ولعل تتبُّع مواقف دول الأركان الإقليمية يكشف بوضوح حدود هذا الحضور المنقوص.

وفي إطار أعمق لفهم أنماط وأحوال الدول العربية والإسلامية من هذه الفاعليات الخمسة؛ تقدِّم د. نادية مصطفى، في “موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام”، تصنيفًا دقيقًا لمواقف القوى الإسلامية، وقدَّم د. مدحت ماهر سَمْتَ هذا التصنيف فيما أسْماه “نظرية أنماط العلاقات الدولية الإسلامية”[32]، وتقوم النظرية على متغيرين متقاطعين: وجود “مركز إسلامي دولي” جامع من عدمه، وحال أطراف الأمة بين القوة والضعف، ثم يُحسم تصنيف كل نمط بمعيار واحد فاصل: هل الولاء لداخل الأمة وقواها، أم التبعية لقوى الخارج؟ من هذا التقاطع تنشأ ثمانية أنماط: أربعة إيجابية من منظور الأمة (قوة موحدة محصنة تجاه الخارج – قوة مناضلة تمثل درعًا رغم غياب المركز – كيانات ضعيفة تناضل لاستعادة القوة بالتضامن – بؤرة مقاومة في حرج شديد)، وأربعة سلبية (قوة “مسمَّاة” إسلامية لكن ولاءها للخارج ضد مركزها – قوة “مسمَّاة” إسلامية تهدم أقرانها الأضعف بحكم تبعيَّتها – كيانات ضعيفة تُستخدم أداة ضدَّ المركز الجامع – “الهمل الضعاف” الذين لا قوة لهم ولا ولاء).

وأوَّل ما يكشفه تطبيق هذا التصنيف الثُّماني على (شرم الشيخ والعشرين ودافوس والسبع والناتو) هو غياب النمط الإيجابي الأول غيابًا تامًّا: فلم تحضر عبر أيٍّ من المحطات الخمس “قوة إسلامية موحَّدة أو متكاملة ذات مناعة تجاه الخارج” بقيادة مركز جامع تلتفُّ حولَه بقيَّة الأطراف بولاء نابع من رابطة الإسلام.

فمصر؛ حضرت واستضافت شرم الشيخ رئاسيًّا وكانت ضمن الرباعية الموقِّعة على اتفاق وقف إطلاق النار ورغم اعتراضاتها على السياسة الإسرائيلية تجاه بنود الاتفاق لم تقدِّم شيئًا فوق الاعتراض والشجب بل لجأت لحليف إسرائيل الأوثق “واشنطن” لإعانتها في أزمتها المالية، وتركيا التي وقعت ضمن الرباعي تقدِّم الحالة الأوضح والأكثر دلالة على حدود “الحضور الأعلى صفة”؛ فحتى مع عضوية كاملة في العشرين والناتو معًا واستضافة قمة الحلف ذاتها، لم تحصل أنقرة على مطالبها في قضية غزة، وظل “الفيتو الإسرائيلي” وضغوطه على واشنطن فعَّالًا في استبعاد أنقرة من الاجتماعات التخطيطيَّة لقوة الاستقرار في غزة[33].

وقطر التي اعتُدي عليها في محاولة اغتيال خليل الحية بالدوحة سارعت بتوقيع اتفاقيات دفاعية مع واشنطن، وأمَّا السعودية وباقي الدول العربية والإسلامية الكبرى، فقد كانت الشواهد على اقترابها من تحقيق هذا النمط الأول بالغة الضعف؛ إذ غلب عليها التحوُّط الاقتصادي لحماية مشاريعها الاقتصادية من صدمات وارتدادات الأزمات الإقليمية، فضلا عن مواقفها المتخاذلة أو المعادية للقوي المناوئة للمشاريع الغربية والصهيونية، بدلًا من بناء مركز إسلامي أمني جامع. فالسعودية، على سبيل المثال، ورغم ثقلها المرجعي كمركز إسلامي، اكتفت في قمة “شرم الشيخ” وفي ترتيبات “مجلس السلام” بحضور بروتوكولي وانخراط مالي، متجنِّبةً تولِّي أي دور قيادي كـ “ضامن” لخطة ترامب (على عكس مصر وقطر وتركيا). كما غابت القيادة السعودية عن طاولة قمة مجموعة السبع كفاعل مباشر (والتي استُدعي إليها قادة مصر والإمارات وقطر)، رغم أنها معنية بحماية ممراتها النفطية وأمن الخليج من ارتدادات الحرب الأمريكية-الإيرانية.

ولم يقتصر هذا الغياب لمركز الأمة على السعودية، بل امتدَّ للدول الإسلامية الوازنة التي اختارت مسارات التبعية الوظيفية أو الانزواء؛ فإندونيسيا، أكبر دولة إسلامية ديموغرافيًّا، استُوعبت داخل الهيكلة الغربية بقبولها منصب “نائب قائد القوة الدولية للاستقرار” (ISF) التابعة لمجلس السلام، لتتحول إلى مجرد ترس يوفر شرعية إسلامية لقوة حفظ سلام تقودها واشنطن وتعمل وفق المحددات الإسرائيلية. وباكستان، القوة النووية الإسلامية، حصرت دورها في توفير الواجهة التفاوضية والمكانية لتوقيع (مذكرة إسلام آباد) لدرء الانهيار الاقتصادي، دون أن يكون لها أي وزن يُذكر في معادلة ردع الاحتلال.

وبالمثل، لم يخرج التعاطي الخليجي مع حلف الناتو في قمة أنقرة عن هذا الإطار الوظيفي المنقوص؛ ففي سياق تحركٍ تحكمه الهواجس الأمنية الناتجة عن التصعيد الأمريكي-الإيراني، اقتصر الانخراط المؤسسي عبر “مبادرة إسطنبول للتعاون” على أربع دول فقط (الإمارات – قطر – الكويت – البحرين)، في حين غابت السعودية وعُمان لتفضيلهما الشراكات الثنائية المرنة. لم يكن هذا الحضور الخليجي مسعى لتأسيس ترتيبات دفاعية جماعية ملزمة أو مظلة أمنية متكاملة، بل اقتصر على كونه شراكة وظيفية وبناء للقدرات، غايتها القصوى توفير مظلات أمنية وتقنية تحمي البنية التحتية للطاقة والممرَّات الملاحية الحيوية (كمضيق هرمز والبحر الأحمر)[34]. إن هذا التباين في الأولويات، والذي يعكس بوضوح عجز الدول الخليجية عن صياغة هيكل دفاعي أو رؤية أمنية مشتركة، قد كرَّس عمليًّا حالةً صارمةً من “فصل المسارات”؛ حيث عُزل “أمن الخليج” وحساباته القطرية والمادية تمامًا عن “أمن فلسطين” وقضايا الأمة الكبرى. وبدلًا من استثمار هذا التقارب المؤسَّسي مع التحالف الأطلسي لبلورة موقف أمة موحَّد يفرض إرادته وشروطه لوقف نزيف الدم، اختارت تلك العواصم الانكفاء نحو حماية مكتسباتها عبر ترتيبات “تعاون عملي” مع قوى الخارج، متخلِّية بذلك عن أيِّ دور محتمل كمركز جامع أو درع حامٍ للأطراف الأضعف.

هذا التشرذم يتأكَّد الآن بمعيار أدقَّ وأكثر صرامة: فحتى النمط الإيجابي الثاني (قوة مناضلة تمثِّل درعًا رغم غياب المركز) يبقى نمطًا منقوصًا هنا، لأنه يفترض أصلًا “درجة من ولاء أطراف إسلامية أخرى” تقوي دوره الحامي، وهو ما لم تسجله هذه الدراسة عبر أي من المحطات الخمس في صورة تنسيق عربي إسلامي جماعي فعلي، وأبرز تجليات هذه النمط تجاه الحرب على غزة في تحرك الدول العربية والإسلامية الجماعي والذي تجسد في اللجنة الوزارية المكلفة من القمة العربية الإسلامية الاستثنائية المشتركة بشأن غزة والتي كانت تسير جولات دبلوماسية للعواصم الكبرى لبلورة تحرك دولي لوقف الحرب على قطاع غزة، وكان آخر تحركات تلك الدول قبل قمة شرم الشيخ بلقاء ترامب نفسه على هامش أعمال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة وممارسة ضغط دبلوماسي مباشر على الإدارة الأمريكية لوضع حد فوري للحرب في قطاع غزة، وكان من العجيب أن تلك اللجنة وذاك الاجتماع مع ترامب، تشكَّل من كبرى الدولة العربية والإسلامية، ووقفت حدود قدراتها على محاولة إقناع القوى الكبرى بالضغط على إسرائيل لإيقاف الحرب، وكأنها لا تملك أي قوة ذاتية وقدرة على التصدِّي لعدوان إسرائيل، والأنماط التالية ستُبرز ذلك بشكلٍ أكبر.

تقترب الحالتان المصرية والتركية، بقدر متفاوت، من طرف النمطين الإيجابيين الثاني والثالث: فمصر، باستضافتها المتكرِّرة ودورها الوسيط في وقف الحرب تحت شعار: أن تهجير أهل غزة خط أحمر وتهديد للأمن القومي المصري، تقترب من صورة “الكيان الذي يناضل للحفاظ على الذات واستعادة القوة”؛ وتركيا، بعضويتها الكاملة في العشرين والناتو ودفعها العلني لملف غزة، تقترب من صورة مشابهة. لكن كلتيهما تبقيان -بمعيار النظرية ذاته- في حرج شديد وتحت ضغط خارجي مباشر: فمصر بسبب ارتهانها العسكري والاقتصادي لواشنطن وطاقويًّا لتل أبيب -بسبب استيراد الغاز منها- لا يمكنها المجازفة بالصدام معهما، ورغم ما تمتلكه تركيا من قوة اقتصادية ومكانة عالمية وقوة عسكرية متصاعدة، ما زالت مشاركة أنقرة في قوة الاستقرار في غزة معلَّقة بسبب اعتراض إسرائيلي رغم تأكيد أردوغان ومسؤولون أتراك التمسك بدور إقليمي لأنقرة في ضمان وقف إطلاق النار ودعم الاستقرار وإعادة الإعمار[35]. ولا يمثل هذا الاعتراض الإسرائيلي مجرد عائق إجرائي، بل هو تجسيد لـ “ضغط هيكلي خارجي” صارم؛ فصانع القرار التركي يدرك أن تجاوز هذا الفيتو بالقوة وليس عبر التسوية السياسية المقبولة أمريكيا يعني صدامًا مباشرًا مع المظلة الأمريكية والأطلسية، مما يهدد مكتسباته الاستراتيجية التي انتزعها في قمة الناتو (كرفع عقوبات CAATSA والعودة لبرنامج F-35)، وقد يضع الأتراك في مواجهة عقوبات أمريكية مجدَّدًا كالتي فرضها ترامب عقب عملية نبع السلام في سوريا[36]، واختبرت الموقف الغربي وعقوباته عقب التدخل العسكري لصالح القبارصة الأتراك في سبعينيات القرن الماضي. هذا التكبيل الخارجي للقرار السيادي التركي، والذي يضع مصالح أنقرة القومية والاقتصادية في كفة، مقابل دورها المأمول تجاه الأمة في كفة أخرى، يولد حالة قاسية من التناقض بين الخطاب العالي والفعل المحدود؛ وهو تحديدًا ما تصفه النظرية بـ “الحرج الشديد والضغط من الخارج” الملازم للأنماط الإيجابية الأضعف، والتي تناضل بحسن نية لكنها تفاوض من موقع الارتهان لا من موقع المناعة.

وتتجلَّى حالة إيران باعتبارها نموذجًا مركَّبًا ومحوريًّا في هذا التصنيف. فمن جهة، حاولت طهران -عبر شبكة تحالفاتها الممتدَّة- التموضُع في النمط الإيجابي الثاني (قوة مناضلة تمثل درعًا رغم غياب المركز). لكن تحت وطأة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المباشرة عليها في أوائل 2026، وتغييبها التام عن طاولات القمم الدولية (السبع – الناتو – دافوس) إلا مجرد “بند للتهديد والاحتواء”، ارتدَّت طهران عمليًّا إلى تخوم النمط الإيجابي الرابع (بؤرة مقاومة تعيش حرجًا دائمًا وضغطًا شديدًا من الخارج). فرغم ترسانتها العسكرية الفعالة ضد القوات الأمريكية بالخليج، فإنها مازالت تحت وطأة الحصار البحري والضربات المتجددة والخنق الاقتصادي الذي أقر به الرئيس الإيراني نفسه[37]. هذا المشهد الإيراني يثبت بوضوح معادلة النظرية: إن غياب “المركز الإسلامي الجامع” (النمط الأول) يترك حتى أقوى القوى الإقليمية الممانعة مكشوفة وعرضة للاستفراد؛ حيث وقفت الدول الإسلامية المجاورة (كباكستان ودول الخليج) في موقع “الوسيط” الذي يبحث عن تأمين ممراته النفطية ومصالحه الاقتصادية من ارتدادات الحرب، لا في موقع “الحليف” أو “الدرع” الذي يصطف لردع العدوان عن دولة جارة.

أما النمط الإيجابي الرابع “بؤرة أو بؤر مقاومة تعيش ضعفًا ذاتيًّا وحرجًا دائمًا وضغطًا من الخارج” فصاحبه الطبيعي في هذه القضية هو غزة والشعب الفلسطيني نفسه؛ والمفارقة الجوهرية هنا أن صاحب هذا النمط غائب أصلًا عن طاولة المحطات الخمس جميعها بصفته طرفًا مقرِّرًا: فلا ممثِّل فلسطيني واحدًا جلس صانعًا للقرار في شرم الشيخ رغم أنها القمة التي تقرر مصير قضيَّته، ولا في العشرين، ولا في دافوس، ولا في السبع، ولا في الناتو. هذا الغياب البنيوي -لا الحضور المنقوص كما في حالتي مصر وتركيا- هو أعمق تجليات “الحضور بلا قرار”.

وعلى النقيض مما قد يبدو للوهلة الأولى من غياب للأدلة المباشرة في واجهة الأحداث الدبلوماسية، فإن القراءة الاستراتيجية العميقة والميدانية تكشف عن تحقُّق واضح لأشدِّ الأنماط سلبيةً في النظرية (قوة “مسمَّاة” إسلامية تهدم أقرانها الأضعف بحكم تبعيَّتها، أو كيانات تُستخدم أداةً ضدَّ المركز). ويتجلَّى هذا الانزلاق بوضوح فَجٍّ في مواقف الدول المطبِّعة، وعلى رأسها الإمارات والبحرين، التي تجاوزتْ مربَّع “الحياد السلبي” لتتورَّط في تعاون وظيفي مباشر يتقاطع مع مساعي الاحتلال ويضاد مصالح الأمة. فقد سارعت هذه الدول للانخراط المؤسَّسي في آليَّات “مجلس السلام” المفرز عن دافوس، موفِّرةً التمويل المالي السخيَّ والغطاءَ الأمني لتمرير السلام الصهيوني الذي يصفِّي القضية سياسيًّا[38]، في تَمَاهٍ تام مع الترتيبات الأمريكية-الإسرائيلية التي همَّشت وكالة الأونروا، ووفَّرت ستارًا ناعمًا لقضْم الاحتلال للأراضي الفلسطينية. ويتعمَّق هذا النمط السلبي، خاصةً في الشِّقِّ الإماراتي، عبر التوظيف المستمرِّ للأدوات المالية والدبلوماسية لتثبيت وقائع تخدم المحتلَّ على حساب مقوِّمات الصمود لدى حركات المقاومة والشعوب، فضلًا عن التنسيق والتواطُؤ الأمني والدفاعي مع الاحتلال في الحرب على إيران.

وإذا كانت دول التطبيع تمثِّل الأنماط السلبية الفاعلة في إضعاف الأمة، فإن السواد الأعظم من الدول العربية والإسلامية التي شاركت في القمم الخمس تجسِّد بامتياز النمط السلبي الرابع؛ أي نمط “الهمل الضعاف”. فهذه الكيانات حضرت كـ “تكملة عدد” أو ديكور دبلوماسي؛ لا تملك قوة ذاتية تفرض بها قرارًا، ولا ولاءً حقيقيًّا يدفعها للتضامن مع المركز المعتدَى عليه (غزة). لقد اكتفت هذه الدول ببيانات الشجب والدعوة للتهدئة، لتبقى مجرد أطراف تابعة لقوى الخارج التي لا تكترث بها أساسًا إلا عند الحاجة لتمرير شرعية وهمية لقراراتها.

ولا تقتصر تجلِّيات الأنماط السلبية على دول “التطبيع الصريح”، بل تمتدُّ لتكشف الوجه المتناقض لأطراف فاعلة كمصر. فبينما جاهدت القاهرة دبلوماسيًّا -عبر قمتي شرم الشيخ وإيفيان- للتموضع ضمن النمط الذي “يناضل لحماية ذاته واستعادة القوة”، فقد أسقطتْها الممارسة الميدانية في فخِّ الأنماط السلبية. إذ استمرَّت، طوال أشهر الإبادة، في الحفاظ على شريان تجاري نشطٍ مع الاحتلال، مبقيةً على حركة موانئها وتدفُّق استيراد وتصدير الغاز الإسرائيلي. هذا التناقض الحاد بين الخطاب الدبلوماسي الرافض لتصفية القضية، وبين الممارسة الاقتصادية التي تمدُّ المحتلَّ بأسباب الاستدامة وتكْسر عزلته، يجسِّد حالة “الكيان المنهك” الذي تدفعه ارتهاناته الاقتصادية العميقة للعمل -سواء عن اضطرار أو سوء تقدير- كأداة تساهم موضوعيًّا في هدم أقرانها الأضعف، ممَّا يفرِّغ أيَّ فاعلية دبلوماسية في القمم من مضمونها الردعي ويُحيلها إلى مجرَّد “إدارة للأزمة” لصالح القوى المهيمنة، ويظلُّ نموذج “إيران” في حالتي الحرب والتفاوض استثناءً يتحدَّى هذه الأنماط.

إن ما رصدته المحطَّات الخمس ليس غياب الفاعلية مطلقًا، بل غياب تراكمها في اتجاه الأنماط الإيجابية الأعلى في سلم النظرية: فاعلية جزئية متفرقة (مصرية – تركية – قطرية) تصطدم بسقف “الحرج والضغط الخارجي” ولا ترتقي إلى “المناعة” التي يضمنها النمط الأول، فيما يتوزَّع الباقي بين “النضال من موقع ضعف” و”حضور قد يُوظف أداة”، وهو ما يفسِّر لماذا لم تتحوَّل أيُّ فاعلية مرصودة عبر المحطات الخمس إلى نص ملزم يغير جوهر أي من الترتيبات الخمسة. أما أثر ذلك على مصالح الأمة، فيتلخص في معادلة قاسية: تفترض نظرية الأنماط أن قوة الأمة الجماعية مرهونة بتوفُّر مركز جامع يستقطب حوله ولاء الأطراف الإسلامية المتفرقة؛ وما رصدته هذه الدراسة عبر خمس محطات دولية كبرى في عشرة أشهر هو غياب متكرِّر ومتَّسق لهذا المركز، مقابل حضور متفرِّق لأنماط وسيطة (النضال المنقوص، الكيان الضعيف المتردِّد، قوة تنازع مركزًا إسلاميًّا قويًّا لتحلَّ محلَّه، قوة تتعمَّد هدم أقرانها) لا ترقى مجتمِعةً إلى تعويض غيابه. والنتيجة العملية لهذه المعادلة، كما تجسَّدت في مصير القضية الفلسطينية القضية الكاشفة؛ أن مصالح الأمة الجامعة تبقى -في غياب النمط الإيجابي الأول تحديدًا- رهينة لفاعلية أطراف متفرِّقة تُفاوض من موقع الحرج لا من موقع المناعة؛ ولا يبدو أن مجرَّد تكرار الحضور في محطة دولية جديدة كل بضعة أشهر كفيل، بذاته، بتغيير هذه المعادلة.

وفي التحليل الأخير، تكشف هذه المحطات الخمس عن سقوط مروِّع للأمة في “معادلة القوة والمصلحة والأخلاق”. فقد أثبتت الترتيبات الدولية (من شرم الشيخ إلى الناتو) أن الرؤية الغربية والصهيونية ما زالت تفرض مقولتها الاستعمارية: “السلام عبر القوة” وتغليب المصالح المادية المجردة. وفي المقابل، عجزت الدول العربية والإسلامية عن تقديم نموذجها “العمراني الإنساني”؛ حيث تخلَّت عن الروابط الأخلاقية وقيم التضامن والنصرة والولاء، لصالح براجماتية مشوَّهة تستجدي المصالح القُطْرية الضيقة من قوى الهيمنة. إن استعادة الفاعلية لا تتطلَّب مجرد امتلاك أدوات القوة المادية، بل تتطلَّب قبل ذلك استعادة “البوصلة الأخلاقية” التي تمنع الفاعل الإسلامي من الانزلاق ليكون أداةً في مشاريع تصفية أمَّته.

رابعًا- تساؤلات وإشكاليات

في ضوء ما سبق؛ تُفضي هذه الدراسة لا إلى خلاصة نهائية مغلقة، بل إلى تساؤلات وإشكاليات تستحق بحثًا مستقلًّا موسَّعًا:

حول الموقع: هل ما رصدتْه الدراسة موقع “دائم البنية” فرضتْه اختلالات القوة الموضوعية، أم موقع “قابل للتغيير” لو تحقَّق حَدٌّ أدنى من التنسيق الجماعي؟ هل العائق بنيوي داخلي وخارجي أم اختياري داخلي؟ وهل يعكس التفاوت بين “الشريك” و”العضو الكامل” و”شريك الحوار” تراتبية حقيقية في القيمة الاستراتيجية التي يمنحها الغرب لكلِّ طرف، وما الذي يحدِّد هذه القيمة تحديدًا: الثقل الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والسياسي الداخلي أم الاستعداد للتماهي مع الأجندة الخارجية؟

حول الدور: هل الدور الذي مارستْه أطرافٌ عربيةٌ إسلاميةٌ (الوساطة – الاستضافة – الحضور) هو دور “الوكيل المحلي” المنفِّذ لتسويةٍ صيغت في مكان آخر، أم دور “الفاعل المستقل” صاحب هامش تعديل حقيقي؟ وهل يملك أي طرف اليوم القدرة -لا الرغبة فقط- على طرح “مؤتمر مضاد” يعيد تعريف الأجندة بدل الاستجابة لأجندة مطروحة سلفًا، ويُعيد تقديم نموذج تفاوض جديد؟

حول الفاعلية: إذا كانت الفاعلية تُقاس بتحوُّل الخطاب إلى نَصٍّ ملزم، فهل ثمَّة نموذج واحد عبر المحطَّات الخمس تحقَّق فيه ذلك فعلًا؟ وإن لم يتحقَّق، فهل هذا قصور في أداء الفاعلين أنفسهم، أم انعكاس لكون قواعد اللعبة ذاتها لا تُتيح أكثرَ من ذلك مهما أحسن الأداء؟ وهل تراجُع مستوى التمثيل (رئيس دولة مقابل رئيس وزراء) مؤشر سياسي حقيقي، أم تفصيل بروتوكولي لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل؟

حول مصالح الأمة: هل تراكم المشاركة عبر خمس محطات في عشرة أشهر يبني رصيدًا تفاوضيًّا جماعيًّا طويل الأمد، أم يستهلك رأس المال الدبلوماسي ذاته دون تراكم، بحيث تبدأ كل محطة من الصفر؟ وإذا كانت القضية الفلسطينية محور الاستقطاب الجامع، فهل يمكن اعتبار ما جرى خدمةً لهذا الاستقطاب أم تفكيكًا تدريجيًّا له؟ وأخيرًا: هل تملك مؤسسات الأمة القائمة (جامعة الدول العربية – منظمة التعاون الإسلامي) أدوات كافية لتحويل هذه الأسئلة إلى سياسة موحَّدة، أم نحتاج إلى إعادة تصوُّر هذه المؤسَّسات ذاتها؟

تبقى هذه التساؤلات، بطبيعتها، مفتوحة؛ وهذا الانفتاح ذاته يتيح أُفُقًا عبر الذاكرة الحضارية لفهم الحاضر بطرح الأسئلة الصحيحة، لا بافتراض امتلاك إجاباتها سلفًا.

ختامًا، تكشف القراءة التحليلية المعمَّقة للمحطات الدولية الخمس (من شرم الشيخ إلى أنقرة، أكتوبر 2025 – يوليو 2026) أن المشهد المؤتمري الأخير لم يمثل قطيعة مع الأنماط التاريخية للتبعية، بل جاء بمثابة إعادة إنتاج حديثة لواقع “الحضور والغياب بلا قرار”. فرغم الكثافة العددية والتمثيلية للدول العربية والإسلامية في هذه القمم، فإنَّ هذا الحضور ظَلَّ محصورًا في إطار رَدِّ الفعل والاستجابة بل والاستباحة من أجندات صيغت مسبقًا في عواصم القوى الكبرى.

وفي ضوء رؤية نظرية “الأنماط”، أثبتت هذه المرحلة غيابًا هيكليًّا صارخًا لـ”المركز الإسلامي الجامع والمحصن” (النمط الأول). وفي ظل هذا الفراغ القيادي، توزَّعت أدوار الدول الوازنة بين الانزواء خلف جدران “التحوط الاقتصادي” والحسابات القُطْرية، أو النضال المكبَّل بارتهانات هيكلية وضغوط خارجية تفرغه من مضمونه (كحالة مصر وتركيا وإيران)، أو الانزلاق نحو التماهي مع الترتيبات الغربية التي تضرُّ بمصالح الأمة العليا.

إن هذا التشرذم الاستراتيجي، وغياب الرؤية الدفاعية والسياسية المشتركة، هو ما مكَّن القوى المهيمنة من توظيف هذه الفاعليات الخمس لتمرير هندسة جديدة للمنطقة تتخفَّى تحت شعارات تخدم المصالح الغربية الصهيونية. وبذلك، تحولت المؤتمرات إلى أدوات لتصفية القضية الفلسطينية جوهريًّا، عبر شرعنة استقطاع الأراضي، ومحاولة فرض وصاية دولية تتجاهل السيادة، والغياب المتعمَّد للفاعل الفلسطيني الأصيل عن طاولات تقرِّر مصيرَه.

وفي ذلك مزيد من التأكيد على أن مشكلات وأزمات الأمة ما زالت تتمُّ إدارتها من الخارج في ظل سياسات تفكيك العلاقات الإسلامية-الإسلامية، وبعيدًا عن أطر الحركة الإسلامية الجماعية، فإلى جانب ميراث التجزئة القُطْرية وهو الميراث الأول من الاستعمار تراكمت تحديات العمل الجماعي الإسلامي، وتتجسَّد هذه التحديات في أشكال عدَّة مثل: القيود على فعالية منظمة المؤتمر الإسلامي وخاصةً في إدارة أزمات الأمة وصراعاتها – تنازع الأدوار بين دول الأركان الكبرى وهي مصر وإيران وتركيا والسعودية وباكستان – التحالفات مع القوى الأخرى على حساب التحالفات الإسلامية-الإسلامية تعبيرًا عن صراعات المصالح القومية – الاتجاه نحو الانضمام إلى الترتيبات الإقليمية وعبر الإقليمية كبديل عن الأطر الجماعية الإسلامية والعربية القائمة – الصمت أو مراقبة التدخلات الخارجية بأدوات مختلفة في بعض الدول العربية والإسلامية – تحديات تنمية العلاقات عبر القومية لإعادة بناء الوحدة من القاعدة إذا كان يتعذر بناؤها من القمة السياسية[39].

وعليه؛ تخلص هذه الدراسة، إلى أن مجرد “الجلوس على الطاولة” بصفة “شريك حوار” أو “مشارك من الخارج”، لا يُعَدُّ بذاته تراكمًا دبلوماسيًّا خادمًا لمصالح الأمة وقضاياها بالضرورة؛ ما لم يستند إلى قوة ذاتية رادعة وموقف تفاوضي جماعي ورؤية استراتيجية شاملة عن طبيعة المصالح محل التفاوض. إن النظام الدولي الراهن، القائم على تفاوت القوة، لا يعترف إلا بالكُتل المتماسكة، ولن تستعيد “الأمة القطب” فاعليَّتها الاستراتيجية إلا بتجاوز حالة الانكفاء القُطري والارتهان الاقتصادي، والانتقال من مربع “المواءمات الوظيفية” إلى بناء إرادة مشتركة قادرة على صياغة الأجندة الدولية، والتمسُّك بـ”الوجه العمراني الإنساني” الذي يحفظ حقوق الشعوب وكرامتها، بدلًا من تكريس واقع القوة لا الحق ويقدم مصالح دول المركز وبقاء الأنظمة على حساب جسد الأمة ومقدساتها. وكل هذا لن يتحقَّق بدون تغيير حضاري داخلي في الأوطان وعبر الأمة باعتبارها كيانًا حضاريًّا ممتدًّا في قلب العالم، ومحدِّد هذا التغيير ومسعاه ووجهته وقبلته هو: العدل والحرية؛ لتستعيد الأمة شهودها في قلب العالم وحتى يصبح العالم أكثر إنسانية ورحمة.


[1] “قمة شرم الشيخ للسلام”، الهيئة العامة للاستعلامات، 11 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4pnk3v3p

[2] المرجع السابق.

[3] الرئيس السيسي: الانشغال بالأزمة الإيرانية وراء توسيع نطاق الخط الأصفر بقطاع غزة، بوابة الأهرام، 16 يونيو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://gate.ahram.org.eg/News/5674191.aspx

[4] عارف جابو، المرحلة الثانية لاتفاق الهدنة.. على ماذا وافقت حماس؟، DW، 31 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3SqRCxT

[5] تفاصيل جلسة إطلاق مجلس السلام من دافوس، الجزيرة نت، 22 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5n7bfkfy  

[6] فارس بوشيه، بين انضمام عربي وتحفظ أوروبي… هل يصبح “مجلس السلام” بديلا للأمم المتحدة؟، فرانس 24، 22 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/488kz36t

[7] راجع:

– كوشنر يكشف تفاصيل المخطط الرئيسي لـ”غزة الجديدة”، سكاي نيوز عربية، 22 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4etu6ta6

– على هامش “ورشة المنامة”: “السلام الاقتصادي”: خلفياته، مضامينه وهدفه، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 7 يونيو 2019، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://www.palestine-studies.org/ar/node/236019

[8] محمد أبو قمر، محللون: خطة كوشنر لإعمار غزة “هندسة” لمشروع سياسي وأمني، الجزيرة نت، 23 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4xm4dsh9

[9] التعنت الإسرائيلي يعرقل جهود “مجلس السلام” في الانتقال لثاني مراحل اتفاق غزة، الشرق الإخبارية، 28 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yd4rww27

[10] G20 leaders appeal for multilateralism as world order fractures – The New Arab, available at: https://www.newarab.com/news/g20-leaders-appeal-multilateralism-world-order-fractures

[11] راجع:

– مجدي آدم، قراءة تحليلية للقمة الأولى لمجموعة العشرين في أفريقيا: جوهانسبرج 2025م، قراءات أفريقية، 25 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4kk6nems

– محمد منير، قمة العشرين في جنوب أفريقيا (2025): تحولات النظام الدولي وتشكل “الجنوب العالمي”، السياسية الدولية، 18 نوفمبر 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://www.siyassa.org.eg/News/22179.aspx

[12] دافوس 2026 في سويسرا: حضور ترامب يخيم على شعار المنتدى “روح الحوار”، مونت كارلو الدولية، 19 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5n38f455

[13] Davos 2026: What to expect, who’s coming and how to follow | World Economic Forum, available at: https://www.weforum.org/stories/forum-institutional/davos-2026-annual-meeting-what-to-expect/

[14] إسراء عادل، منتدى دافوس 2026: بين صراع المصالح ورهانات التعاون الدولي، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 25 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي:https://bit.ly/4ib7r68

[15] منتدى دافوس يغيّر بوصلته.. أجندة ترمب تتقدم والمناخ يتراجع، الشرق الإخبارية، 19 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4bSYtXo

[16] راجع:

– نجلاء حبريري، بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً» … ترامب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»، الشرق الأوسط، 19 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4xGrGx0

– تقرير دافوس لـ”الأخطار 2026″: العالم يقف على حافة هاوية، إندبدندنت عربية، 20 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4gcxZ4e

[17] نجلاء حبريري، بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً» … ترامب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»، مرجع سابق.

[18] سعيد سلام، منتدى دافوس 2026: انشطار المحور الأطلسي وولادة ” الفوضى المنظمة” .. صعود الردع السيادي في عالم الصفقات الكبرى، بوابة الهدف الإخبارية، 11 فبراير 2026، العدد (79) (1553)، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4g95W5P

[19] رافي أغروال، في دافوس… حكاية خطابين، مجلة المجلة، 23 يناير 2026، https://bit.ly/4xBxQ1s

[20] راجع:

– “المجلة” تنشر النص الحرفي لخطاب رئيس الوزراء الكندي في دافوس… نهاية أوهام النظام الدولي، مجلة المجلة، 25 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3UftJtx

– رئيس وزراء كندا يقر بأكاذيب النظام الدولي الأمريكي ويدعو للوحدة ضده، الشروق المصرية، 21 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4zjYde7

[21] المجلة تنشر النص الحرفي لخطاب رئيس الوزراء الكندي في دافوس، مرجع سابق.

[22] G7 Summit in Évian: Day Two | France in the U.S., available at: https://us.diplomatie.gouv.fr/en/sommet-du-g7-devian-deuxieme-jour

[23] راجع:

– ترامب وبزشكيان يوقّعان مذكرة التفاهم.. ومقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان، يورو نيوز، 18 يونيو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4xwfteJ

– Egypt, Qatar, UAE leaders discuss Middle East crises with G7 leaders – Anadolu Ajansı, available at: https://www.aa.com.tr/en/middle-east/egypt-qatar-uae-leaders-discuss-middle-east-crises-with-g7-leaders/3969040

[24]   G7 summit, Evian, France, 15-17 June 2026, https://tinyurl.com/5hhywyu9

[25] ميشل أبو نجم، قادة «مجموعة السبع» يدفعون باتجاه قوة متعددة الجنسيات في لبنان، الشرق الأوسط، 16 يونيو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/y4nvz5wm

[26] Ankara 2026: NATO’s Strategic Resetin an Era of Transactional Alliances, Institute of Policy Studies, 9 July 2026, available at: https://tinyurl.com/wnttubdv

[27] راجع:

– ماري ماهر، مكاسب غير مباشرة: كيف وظفت تركيا قمة الناتو 2026 لخدمة أولوياتها؟، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 15 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/57048/

– كيف تحولت تركيا من “عضو متمرد” في الناتو إلى شريك لا غنى عنه؟، الشرق الإخبارية، 2 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5fr5db2c

[28] راجع:

– آسية إبراهيم، قمة الناتو في أنقرة.. رهانات تركية وتحولات داخل الحلف، الجزيرة نت، 6 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/y5na26cy

– آسية إبراهيم، كيف قرأت الصحافة التركية مخرجات قمة الناتو في أنقرة؟، الجزيرة نت، 10 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/42wzj3u3

– هشام قادري، قمة الناتو في أنقرة: دلالة الاستضافة التركية وتحولات موقعها داخل الحلف، مركز شاف، 11 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/md74mfdv

– Riccardo Gasco and Alissa Pavia, Dispatch from Ankara: Turkey is establishing its own role in ‘NATO 3.0’, Atlantic Council, https://tinyurl.com/34ppu4k2

[29] على نجات، مشاركة الدول الخليجية في قمة الناتو بأنقرة… دوافع التقارب وآفاق الشراكة الأمنية، رصيف 22، 19 يونيو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3ukrchrk

[30] نادية مصطفى، في الذاكرة التاريخية لمؤتمرات دولية: رؤية عن معضلة العلاقة بين صراعات وتوازنات القوى الكبرى وبين حقوق الشعوب والأمم، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 26 فبراير 2020، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ytwukyr9

[31] القاهرة تطلب من واشنطن دعما اقتصاديا عاجلا، روسيا اليوم، 27 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ye39b5et

[32] طبقها د. مدحت ماهر مؤخرًا على الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، وتستعيرها هذه الدراسة الآن لتصنيف موقع الدول العربية والإسلامية عبر المحطات الخمس ذاتها، راجع: مدحت ماهر، الحرب الصهيوأمريكية على إيران وأنماط التفاعل الدولي في الأمة وقيمه ومصالحه، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 25 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2whhnrua

[33] بسبب “حق النقض” الإسرائيلي.. تركيا مستبعدة من مؤتمر قوة الاستقرار الدولية في غزة، يورو نيوز، 16 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/37b6fcud

[34] على نجات، مشاركة الدول الخليجية في قمة الناتو بأنقرة… دوافع التقارب وآفاق الشراكة الأمنية، مرجع سابق.

[35] محمود علوش، طموح تركيا في غزة يواجه الفيتو الإسرائيلي، الجزيرة نت، 29 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yt6mztb9

[36] أمريكا تفرض عقوبات على تركيا.. وتلوح بالمزيد في حال استمرار “نبع السلام”، سي إن إن العربية، 15 أكتوبر 2019، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2hpzz8md

[37] بزشكيان يعترف بأثر الحصار الأميركي.. ويدعو لخفض التوقعات، العربية نت، 18 مايو 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/22vmllfr

[38] مجلس السلام.. الإمارات تقدم 1.2 مليار دولار لدعم غزة، سكاي نيوز عربية، 19 فبراير 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/9skbbdpw

[39] نادية مصطفى، العالم الثالث في النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة: خريطة أنماط الصراعات وأدوات التدخلات الخارجية (1991- 2011)، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 25 أكتوبر 2026، تاريخ الاطلاع: 27 أغسطس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://hadaracenter.com/1991-2011/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى