تركيا – باكستان – أفغانستان: بين الفعل واللافعل

مقدمة:
إن الحرب على إيران ليست حدثًا عابرًا أو مواجهة محدودة يمكن احتواؤها ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، بل صارت نقطة ارتكاز لتحولاتٍ أوسع تُعيد تشكيل بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتمتد ارتداداتها إلى توازناتٍ دولية أشمل. فقد انتقلت هذه الحرب تدريجيًا من نمط الصراعات المقيدة -التي كانت تُدار عبر وكلاء أو من خلال تدخلات محسوبة من قِبل قوى كبرى- إلى صراعٍ أكثر انفتاحًا وتشابكًا، تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية مع استراتيجيات الفاعلين الدوليين، في مسعى واضح لإعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية على نحوٍ جذري. ففي خضم هذه التحولات، لم يعد تقييم مواقف الدول يُختزل في حدود الفعل المباشر أو الانخراط العسكري والسياسي الصريح، بل بات يتطلب قراءةً أكثر تركيبًا تشمل أنماط اللافعل بوصفها خيارات استراتيجية واعية. فالامتناع عن التدخل، أو تبني سياسات الحياد، أو حتى التردد في اتخاذ مواقف حاسمة، كلها تعكس حسابات دقيقة تتعلق بموازين القوى، وحدود القدرة، وتعقيدات البيئة الداخلية، فضلا عن ضغوط النظام الدولي. ومن ثم، يُصبح اللافعل أداةً تحليلية لا تقل أهميةً عن الفعل ذاته في فهم سلوك الدول في لحظات التحول الكبرى[1].
ضمن هذا الإطار، تبرز حالات تركيا وباكستان وأفغانستان بوصفها نماذج دالة على تباين أنماط التفاعل مع الأزمة الراهنة. فهذه الدول رغم اختلاف مواقعها الجغرافية وأوزانها النسبية، تجد نفسها جميعًا أمام معادلة معقدة تفرض عليها الموازنة بين اعتبارات الأمن القومي، والتشابكات الإقليمية، والضغوط الدولية، فضلا عن محددات الداخل السياسي والاقتصادي. وهو ما ينعكس في مواقف تتراوح بين الانخراط الحذر، والسعي إلى لعب أدوار وسيطة، والتمسك بسياسات الحياد، أو حتى الاكتفاء بالمراقبة لمسار الأحداث.
وعليه، يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية لمواقف الدول الثلاث، من خلال تفكيك أنماط الفعل واللافعل التي تتبناها، واستكشاف الدوافع الكامنة وراءها، بجانب تقييم انعكاساتها المحتملة على مسار الصراع وعلى مستقبل التوازنات الإقليمية.
مدخل: مشهد الحرب وإشكالية الموقف
لم تكن المواجهة العسكرية الشاملة التي شهدها فبراير 2026 بين الحلف (الأمريكي -الإسرائيلي) من جهةٍ، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهةٍ أخرى، مجرد حدث عارض، بل مثّلت الذروة المحتومة لمسارٍ طويل ومعقد من التصعيد الجيوسياسي. بدأت إرهاصات هذا الصدام إثر جولة عنيفة عُرفت بـ “حرب الـ 12 يومًا” في يونيو 2025، والتي أسفرت عن تدخل عسكري أمريكي مباشر عبر عملية “مطرقة منتصف الليل” لضرب المنشآت النووية الإيرانية[2].
ورغم دخول المنطقة عقب تلك العملية في “هدنة هشة”، إلا أن الواقع أثبت أنها لم تكن سوى استراحة محارب وستارًا لتحضيراتٍ عسكرية أضخم استعدادًا لحرب فبراير 2026. وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، لم تكن تداعيات هذه المرحلة التحضيرية مقتصرة على أطراف الصراع المباشرة، بل ألقت بظلالها الاستراتيجية والأمنية بشكلٍ مباشر على دول الجوار الإقليمي، وتحديدًا تركيا، وباكستان، وأفغانستان، التي وجدت نفسها أمام استحقاقات جيوسياسية معقدة[3].
دلالات “الهدنة الهشة” وتأثيراتها على المجال الإقليمي
مثّلت حالة “اللاحرب واللاسلم” التي سادت خلال فترة الهدنة مرحلة قلق استراتيجي لدول الجوار الملاصقة أو القريبة من ساحة الصراع، حيث سعت كل دولة لإعادة تقييم تموضعها لحماية أمنها القومي تحسبًا للانفجار الشامل[4]. فعلى الجانب الإيراني، استغلت طهران فترة الهدنة لإعادة ترميم قدراتها الصاروخية وتعزيز دفاعاتها الجوية، إلى جانب استخدام ورقة الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي كورقة ضغط سياسية. هذا التحرك أثار مخاوف إقليمية متزايدة، خاصةً لدى الدول التي تخشى اتساع نطاق الحرب أو اختلال ميزان القوى الإقليمي. وفي المقابل، كثفت إسرائيل عملياتها الاستخباراتية والعسكرية بهدف استنزاف النفوذ الإيراني وتقويض قدراته العسكرية والتكنولوجية، مع تطوير أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز قدراتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
برزت تركيا ايضًا باعتبارها طرفًا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين اعتبارات الأمن الإقليمي ومصالحه الاستراتيجية؛ إذ حاولت أنقرة تجنب الانخراط المباشر في الصراع، مع الحفاظ على دورها كقوة إقليمية مؤثرة وقادرة على لعب دور الوسيط أو الطرف الضامن للاستقرار. كما أثارت احتمالات اتساع الحرب مخاوف تركية تتعلق بأمن الحدود، وملف الطاقة، واحتمالات تنامي النفوذ الكردي أو موجات اللجوء الجديدة[5].
أما باكستان، فقد تعاملت مع التصعيد بحذرٍ شديد نتيجة تعقيد موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتشابكة مع كلٍ من الولايات المتحدة والصين والعالم الإسلامي. وبينما حرصت إسلام آباد على عدم الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرة، فإنها أبدت قلقًا واضحًا من تداعيات أي انهيار للاستقرار الإقليمي على أمنها الداخلي وتوازناتها الاستراتيجية، خصوصًا في ظل حساسيات الملف النووي والتنافس الإقليمي[6].
في المقابل، اتسم موقف أفغانستان بدرجةٍ أكبر من الهشاشة؛ حيث انعكست الحرب بصورةٍ غير مباشرة على أوضاعها الأمنية والاقتصادية، خاصةً مع تزايد المخاوف من انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل الأفغاني أو استخدام أراضيها ضمن شبكات الصراع غير المباشر. كما سعت السلطة الحاكمة في كابول إلى تبني سياسة الحياد الحذر، في محاولةٍ لتجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية الحادة.
وبذلك، يمكن النظر إلى مرحلة الهدنة الهشة باعتبارها مرحلة انتقالية أعادت خلالها القوى الإقليمية – ومن بينها تركيا وباكستان وأفغانستان- صياغة حساباتها الاستراتيجية استعدادًا لتحولاتٍ أكبر في بنية التوازنات الإقليمية، وهو ما جعل انفجار الحرب في فبراير 2026 تطورًا مرتبطًا ليس فقط بالصراع الإيراني -الإسرائيلي، وإنما أيضًا بإعادة تشكيل أدوار ومواقف القوى المحيطة به[7].
أولًا- التحليل الاستراتيجي للموقف التركي
تُعد تركيا أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط، حيث تتبنى سياسة خارجية تتسم بدرجةٍ عالية من البراجماتية والمرونة، وتسعى من خلالها إلى تحقيق توازن معقد بين التزاماتها الدولية ومصالحها الإقليمية. وفي ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتدخل إسرائيل، برزت أنقرة كفاعلٍ يسعى إلى إدارة التوازنات بدلا من الانخراط المباشر في الصراع، بما يعكس إدراكها لحساسية موقعها الجيوسياسي وتشابك بيئتها الأمنية.
1- محددات السياسة الخارجية التركية:
تتحدد مقاربة تركيا تجاه هذا الصراع عبر ثلاثة مسارات رئيسية متداخلة:
- العلاقات التركية -الأمريكية الإسرائيلية
ترتبط تركيا بعلاقاتٍ استراتيجية مع الولايات المتحدة في إطار عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وهو ما يفرض عليها التزامات أمنية وعسكرية متزايدة، خاصةً في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. ومع ذلك، فإن هذا الارتباط لا يُترجم إلى انخراطٍ كامل في السياسات الأمريكية، إذ تحرص أنقرة على الحفاظ على هامشٍ واضح من الاستقلالية في قرارها الخارجي بما يضمن عدم تقييد حركتها الإقليمية.
وفي هذا الإطار، تتبنى تركيا سياسة التوازن الحذر، حيث تتجنب استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية في أي عمليات هجومية مباشرة ضد إيران، إدراكًا منها لحساسية هذا الملف وانعكاساته المحتملة على أمنها الإقليمي. كما تخشى أنقرة الانجرار إلى صراعٍ واسع قد يفرض عليها التزامات عسكرية إضافية في إطار ترتيبات الحلف الأطلسي، وهو ما تسعى إلى تفاديه عبر إدارةٍ دقيقة لعلاقاتها الخارجية. وإلى جانب ذلك، تعمل تركيا على تقليل كلفة التوتر في علاقاتها مع واشنطن دون التضحية بمصالحها الإقليمية الحيوية.
أما علاقتها مع إسرائيل، فتتسم بازدواجيةٍ واضحة، إذ تجمع بين التعاون في بعض المجالات، خاصةً الاقتصادية والأمنية، وبين التوتر السياسي الناتج عن اختلاف الرؤى تجاه العديد من القضايا الإقليمية (وعلى رأسها القضية الفلسطينية). وهذا التباين يجعل من العلاقة مع إسرائيل أحد العناصر المؤثرة في صياغة التوازنات التركية، ويُضيف مزيدًا من التعقيد إلى سياسة أنقرة في إدارة الصراع الإقليمي[8].
- العلاقات التركية مع إيران
تقوم العلاقات بين تركيا وإيران على نمطٍ مركب من التنافس والتعاون، حيث لا يمكن اختزالها في إطار التحالف أو العداء المطلق. فمن ناحية، تمثل إيران شريكًا اقتصاديًا مهمًا لتركيا، خاصةً في مجالات الطاقة والتجارة، وهو ما يدفع أنقرة إلى معارضة العقوبات التي تؤثر سلبًا على مصالحها[9].
ومن ناحيةٍ أخرى، توجد مساحات واضحة للتنافس الجيوسياسي بين الطرفين، لا سيما في مناطق النفوذ مثل سوريا والعراق والقوقاز، حيث يسعى كل طرفٍ إلى تعزيز موقعه الإقليمي. ورغم ذلك، تحرص تركيا على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران، إدراكًا منها لأهمية احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى صدامٍ مباشر[10].
كما يرتبط الموقف التركي بجملةٍ من المخاوف الأمنية التي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل توجهاته تجاه الصراع الإقليمي. فتركيا تنظر بقلق إلى احتمالات انهيار الدولة الإيرانية، وما قد يترتب على ذلك من فراغٍ أمني واسع في المنطقة، من شأنه أن يفتح المجال أمام حالة من عدم الاستقرار تمتد تداعياتها إلى محيطها الجغرافي المباشر. كما تُمثل مسألة تنامي نشاط الجماعات الكردية المسلحة، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني، مصدرًا رئيسيًا للقلق الأمني التركي، لا سيما في ظل ارتباط هذا الملف بشكلٍ مباشر بالأمن القومي ووحدة الدولة. وإلى جانب ذلك، تثير احتمالات تدفق موجات لجوء جديدة من الداخل الإيراني نحو الأراضي التركية مخاوف إضافية، نظرًا لما قد يشكله ذلك من ضغطٍ اقتصادي واجتماعي وأمني متزايد على الداخل التركي، بما يُعقّد من قدرة أنقرة على إدارة توازناتها الداخلية والخارجية في آنٍ واحد[11].
- العلاقات التركية -الخليجية
شهدت علاقات تركيا مع كلٍ من السعودية والإمارات العربية المتحدة تحولات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من مرحلة التوتر والتنافس إلى مرحلة التهدئة وإعادة بناء الثقة. ويعكس هذا التحول إدراكًا تركيًا متزايدًا لأهمية الانخراط في ترتيباتٍ إقليمية جديدة تقوم على تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية، بدلا من إدارة الخلافات السياسية فقط. وفي هذا السياق، سعت أنقرة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير شراكات في مجالات الصناعات الدفاعية، بما يُعزز من حضورها كفاعل أمني مهم في المنطقة، مع الحفاظ على توازن دقيق لا يؤدي إلى الإضرار بعلاقاتها مع إيران.
وقد انعكست هذه الشراكة المستحدثة بشكلٍ مباشر على اتجاهات التأثير المتبادل بين تركيا ودول الخليج خلال مراحل الصراع الإيراني -الأمريكي الإسرائيلي. وذلك عبر مسارين أساسيين، وهما: مسار التأثير في مرحلة الحرب (فبراير 2026)، فمع اندلاع المواجهة الشاملة، اتخذ التقارب التركي -الخليجي مسارًا تنسيقيًا مكثفًا؛ حيث تلاقت مصالح الطرفين حول ضرورة تبني استراتيجية النأي بالنفس لتجنب الدخول المباشر في العمليات العسكرية. فتركزت الجهود المشتركة في هذه المرحلة على تكثيف التنسيق الأمني والاستخباراتي لتأمين خطوط الملاحة البحرية وممرات إمدادات الطاقة العالمية التي تُمثل عصبًا لاقتصادات الجانبين. كما عمل الطرفان كجبهةٍ دبلوماسية غير معلنة للضغط نحو احتواء الصراع، ومنع الأطراف المتصارعة من استهداف البنى التحتية الحيوية في المنطقة، لتفادي أي شللٍ اقتصادي إقليمي.
بينما يتمثل المسار الثاني في مرحلة ما بعد الحرب، فعندما تبلورت نتائج المواجهة وبدأت مرحلة الترتيبات الجديدة، اتجهت مسارات التأثير التركي -الخليجي نحو لعب دور محوري مشترك في إعادة هندسة الإقليم، حيث تجد أنقرة في شراكتها مع الرياض وأبوظبي رافعةً أساسية لملء الفراغ الجيوسياسي والأمني الذي قد يتركه تراجع النفوذ الإيراني. ويتركز التأثير هنا على صياغة هيكل أمني إقليمي جديد يعتمد على القدرات الذاتية لدول المنطقة، إلى جانب التعاون في ملفات إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في ساحات التنافس السابقة -كسوريا والعراق- مع استمرار تركيا في الحفاظ على الحد الأدنى من القنوات الدبلوماسية المفتوحة مع طهران لضمان عدم عزلها كليًا[12].
- المخاوف الأمنية والاقتصادية
تنظر أنقرة إلى أي تصعيد ضد إيران باعتباره تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي، سواء من حيث تداعياته الأمنية أو الاقتصادية. لذلك، تتبنى موقفًا رافضًا لسياسات تغيير الأنظمة بالقوة، وتحذر من مخاطر الفوضى الإقليمية التي قد تمتد آثارها إلى الداخل التركي في هذا الإطار، ويُعد هاجس الفوضى الإقليمية أحد أبرز المحددات الحاكمة للموقف التركي؛ إذ تنظر أنقرة إلى احتمالات انهيار الاستقرار في إيران باعتبارها تهديدًا ارتداديًا قد يمتد إلى الداخل التركي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؛ انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تفكيك الدول أو إضعاف مؤسساتها يؤدي إلى فراغاتٍ أمنية وفوضى إقليمية يصعب احتواؤها، خاصةً في منطقة تتسم بارتفاع معدلات التوتر وعدم الاستقرار[13].
كما يحتل ملف النزعات الانفصالية الكردية موقعًا مركزيًا في الحسابات الأمنية التركية المرتبطة بالصراع؛ إذ تخشى أنقرة أن يؤدي أي استنزاف عسكري أو تفكك محتمل لبنية الدولة الإيرانية إلى خلق بيئة أمنية هشة تسمح للفصائل الكردية المسلحة بتوسيع نفوذها وتحركاتها على طول الحدود المشتركة[14].
إلى جانب ذلك، تضع تركيا في اعتبارها التداعيات الإنسانية والاجتماعية لأي حربٍ واسعة النطاق، لا سيما احتمالات تدفق موجات جديدة من اللاجئين والنازحين عبر حدودها الشرقية. فأنقرة تدرك أن تصاعد النزوح الجماعي سيؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الداخل التركي، بما يخلق تحديات إضافية تتعلق بإدارة الموارد، والخدمات، والاستقرار المجتمعي، فضلا عن الأبعاد الأمنية المرتبطة بحركة الحدود[15].
يرتبط الموقف التركي أيضًا باعتباراتٍ اقتصادية واستراتيجية تتعلق بأمن الطاقة؛ إذ تمثل إيران أحد المصادر المهمة لإمدادات الطاقة بالنسبة لتركيا، الأمر الذي يجعل أي اضطراب ناجم عن العمليات العسكرية مصدر قلق مباشر للاقتصاد التركي. ومن ثم، تسعى أنقرة إلى الحفاظ على قدرٍ من الاستقرار الإقليمي يضمن استمرار تدفقات الطاقة وتجنب التداعيات الاقتصادية السلبية التي قد تؤثر على الاستقرار الداخلي والسياسات التنموية للدولة[16].
2- دور تركيا في الصراع الإيراني -الأمريكي الإسرائيلي:
ينعكس هذا الإطار من المحددات على طبيعة الدور التركي، الذي يتمحور في عدة أشكال رئيسية:
- الدبلوماسية الوقائية
تعتمد تركيا في مقاربتها للأزمات الإقليمية على استراتيجية “الدبلوماسية الوقائية” كأداةٍ رئيسية لتقليل احتمالات التصعيد في بيئتها المعقدة. وينطلق هذا النهج من إدراك أن الاتجاه نحو المواجهات العسكرية المفتوحة سيُفضي إلى تداعياتٍ ارتدادية تضر بالأمن القومي التركي بشكلٍ مباشر. وفي هذا الإطار، تسعى أنقرة إلى طرح مبادرات متعددة للحوار وتفعيل القنوات الخلفية لاحتواء التوترات[17]. وقد تُرجم هذا النهج عمليًا من خلال سعي الدبلوماسية التركية إلى تطبيق مبدأ “تجزئة الملفات الخلافية”، بحيث يتم عزل القضايا القابلة للتفاوض عن مساحات الصدام الاستراتيجي. ويُعد “مسار أستانا “الخاص بسوريا نموذجًا بارزًا لهذا النهج، حيث تمكنت أنقرة من الحفاظ على قنوات تعاون سياسي مستدامة مع طهران وروسيا لإدارة الأزمة السورية، رغم التباين الحاد في المصالح والاصطفافات الجيوسياسية بينهما كما في ساحاتٍ أخرى كالعراق أو القوقاز[18].
وعلى صعيد احتواء التصعيد المباشر، برزت جهود تركيا الاستباقية في مراحل مبكرة خلال ذروة التوتر (الإيراني -الأمريكي الإسرائيلي) في أبريل 2024، حيث بادرت أنقرة للعب دور حيوي في نقل الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران لضبط قواعد الاشتباك ومنع خروجها عن السيطرة. وهو ما أكده وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تصريحاته حينها، مشددًا على أن “أولوية تركيا القصوى هي منع اتساع رقعة الصراع في المنطقة“[19].
تنسجم هذه التحركات مع العقيدة السياسية التركية التي تُغلب الحلول الدبلوماسية على الخيارات الصفرية، وهو ما عبر عنه بوضوح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتأكيده مرارًا أن “المنطقة لا تتحمل المزيد من المغامرات العسكرية، وأن الحلول العسكرية لا تفرز سوى تعميقًا للأزمات وتوسيعًا لنطاق الفوضى“، داعيًا المجتمع الدولي إلى التركيز على فرض الدبلوماسية كبديلٍ مستدام عن لغة التحالفات العسكرية[20].
- الوساطة
تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كوسيطٍ إقليمي فاعل من خلال تبني موقف متوازن يُتيح لها الحفاظ على علاقاتٍ مستقرة مع مختلف أطراف الصراع في المنطقة. وينبع هذا التوجه من إدراك أن القدرة على التواصل المزدوج مع المحورين الأمريكي والإيراني تمثل عنصرًا أساسيًا لتعزيز النفوذ الدبلوماسي التركي، وتوسيع هامش حركتها في بيئةٍ إقليمية شديدة التعقيد. وقد تُرجم هذا إلى ممارساتٍ فعلية برزت بوضوح خلال ذروة التصعيد الإيراني الإسرائيلي في أبريل 2024؛ حيث لعبت أنقرة دور القناة الخلفية الرئيسية بين واشنطن وطهران. فقد كشفت الخارجية التركية حينها أن أنقرة نقلت رسائل تحذيرية متبادلة بين الجانبين لضمان بقاء الرد العسكري ضمن حدود متناسبة تمنع التوجه نحو حربٍ إقليمية شاملة. وترافق ذلك مع اتصالاتٍ مكثفة أجراها مدير المخابرات المركزية الأمريكيةCIA- – ويليام بيرنز مع نظيره رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين لتوظيف قنوات اتصال أنقرة مع طهران لضبط إيقاع التصعيد[21].
وعلى مستوى التفاعلات الدبلوماسية، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في اتصالاته المتكررة مع نظيريه الأمريكي والإيراني على رفض تركيا التام لاستخدام أجوائها أو القواعد العسكرية على أراضيها -مثل قاعدة إنجرليك- لشن أي هجمات ضد دول الجوار، مشددًا على أن أولويات بلاده هي “وقف إطلاق النار ومنع تمدد الصراع”.
ويعكس هذا الأداء قدرة تركيا على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، مما يضمن لها الحفاظ على صورتها كقوةٍ قادرة على التعامل مع الجميع دون الدخول في استقطاباتٍ حادة، ويُهيئ بيئة مناسبة لاستئناف قنوات الحوار متى سنحت الفرصة[22].
- الدور الأمني أثناء الحرب
مع اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة في فبراير 2026، تُرجمت استراتيجية الحياد النشط التركية إلى إجراءاتٍ أمنية وعسكرية ملموسة على الأرض، هدفت بالدرجة الأولى إلى عزل الداخل التركي عن شظايا الحرب وحماية الأمن القومي من التداعيات الارتدادية للصراع. وتجلى هذا الدور الأمني في ثلاثة محاور أساسية:
- تفعيل قيود السيادة على القواعد والأجواء: اتخذت أنقرة موقفًا صارمًا قضى بمنع استخدام أجوائها الوطنية أو القواعد العسكرية على أراضيها -ولا سيما قاعدة إنجرليك الجوية وقاعدة الرادار في كورجيك- لشن أي عمليات هجومية أو تقديم دعم لوجستي مباشر للضربات الأمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران. وقصرت تركيا ممارستها لالتزامات حلف شمال الأطلسي (الناتو) على الجوانب الدفاعية البحتة لحماية حدود الحلف، مما أرسل إشارة طمأنة لطهران حيدت بها تركيا نفسها عن خطط الرد الإيراني المضاد[23].
- الاستنفار الحدودي وضبط الفراغ الأمني: قامت القوات المسلحة التركية بنشر تعزيزات عسكرية وأمنية مكثفة على طول الحدود الشرقية المشتركة مع إيران. واستهدف هذا التحرك أمرين: أولا، إغلاق الثغرات أمام فصائل حزب العمال الكردستاني (PKK) التي حاولت استغلال انشغال الأمن الإيراني لتوسيع وتأسيس ملاذات جديدة أو شن هجمات عابرة للحدود. وثانيًا، إنشاء مناطق تصفية ومراقبة متقدمة لإدارة وضبط أي تدفقات جماعية مفاجئة للاجئين الإيرانيين أو الأفغان المقيمين هناك، تحسبًا لأي ضغوط اجتماعية واقتصادية[24].
- التنسيق الاستخباراتي والبحري مع المحور الخليجي: بالتوازي مع تبني استراتيجية النأي بالنفس، نشّطت أنقرة قنوات التنسيق الاستخباراتي والأمني غير المعلن مع الرياض وأبوظبي. وتركز هذا الدور على تبادل المعلومات الفورية حول أمن ممرات الطاقة ومراقبة نشاط الجماعات المتطرفة مثل تنظيم “داعش – ولاية خراسان”، حيث تلاقت مصالح الطرفين على منع هذا التنظيم من استغلال الفوضى الإقليمية والإنهاك العسكري لإيران لبناء مراكز نفوذ جديدة قد تهدد الأمن الإقليمي المشترك[25].
بذلك، عكس الدور الأمني لتركيا قدرتها على تحويل “اللافعل العسكري الاستراتيجي” إلى فعلٍ أمني وقائي، نجحت من خلاله في حماية حدودها، وتأمين مصالحها، وتقديم نفسها كصمام أمان إقليمي قادر على كبح جماح الفوضى في ذروة الاشتعال الإقليمي.
في ضوء ما سبق، يمكن توصيف تركيا بأنها تتبنى استراتيجية “الحياد النشط“، حيث تسعى إلى إدارة التوازنات الإقليمية بدلا من الانخراط في الصراع. فهي لا ترغب في انهيار إيران لما يحمله ذلك من مخاطر، ولا في تصعيد غير محسوب تقوده الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل تعمل على الحفاظ على توازن إقليمي يضمن لها الاستمرار كقوة محورية قادرة على التأثير والمناورة في بيئةٍ شديدة التعقيد.
ثانيًا- التحليل الاستراتيجي للموقف الباكستاني
تبرز باكستان كفاعل إقليمي مهم، يمتلك موقعًا جيوسياسيًا حساسًا وقدرات نووية، وعلاقات متشابكة مع أطراف الصراع. وهو الأمر الذي ألقى بظلاله عليها وجعلها ذات فعل مباشر في هذه الحرب.
1- محددات السياسة الخارجية الباكستانية:
نَبَعَ تعامل باكستان مع الأزمة من عدة عوامل:
- العلاقات الباكستانية -الأمريكية الإسرائيلية
تُعد العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة نموذجًا للعلاقات الدولية التي تحكمها اعتبارات المصلحة والبراجماتية أكثر من كونها تحالفًا ثابتًا قائمًا على أسسٍ أيديولوجية مستقرة. فمنذ حقبة الحرب الباردة اضطلعت باكستان بدورٍ محوري في دعم التوجهات الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وهو ما أسّس لعلاقة تعاون استراتيجي ممتدة. إلا أن هذه العلاقة لم تخلُ من التوتر، حيث شكّل البرنامج النووي الباكستاني مصدر قلق رئيسي لواشنطن ما دفعها إلى فرض عقوباتٍ اقتصادية على إسلام آباد خلال تسعينيات القرن الماضي. غير أن التحولات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 أعادت صياغة أولويات الطرفين لتدخل العلاقات مرحلةً جديدة من التقارب تجلت في التعاون ضمن إطار الحرب على الإرهاب، خاصةً في الساحة الأفغانية[26].
ورغم ما شهدته هذه العلاقة من انتكاسةٍ ملحوظة عقب مقتل أسامة بن لادن داخل الأراضي الباكستانية، فإن منطق المصالح الاستراتيجية سرعان ما فرض إعادة احتواء التوتر بين الطرفين. ففي ظل تصاعد المنافسة الدولية، تنظر الولايات المتحدة إلى باكستان بوصفها عنصرًا مهمًا في موازنة النفوذ الصيني في جنوب آسيا، بينما تعتمد الأخيرة على واشنطن في مجالاتٍ حيوية تشمل الدعم الاقتصادي والاستثمار والطاقة، فضلا عن دورها غير المباشر في دعم التوازن الاستراتيجي مع الهند. ومن ثم، يمكن توصيف هذه العلاقة بأنها علاقة اعتماد متبادل غير متكافئ، تتسم بالمرونة والتقلب، وتخضع في جوهرها لتحولات البيئة الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى[27].
تتسم العلاقات بين باكستان وإسرائيل بشبه القطيعة التامة، حيث لا توجد بينهما أي علاقاتٍ دبلوماسية أو تجارية رسمية منذ تأسيسهما. يرتكز الموقف الباكستاني الدائم على الدعم المطلق للقضية الفلسطينية، مع اشتراط إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس قبل التفكير في أي اعتراف بإسرائيل. ويتجلى هذا الموقف سياديًا في جواز السفر الباكستاني، الذي يحمل عبارة قانونية صريحة تنص على أنه “صالح للسفر إلى جميع دول العالم باستثناء إسرائيل“[28].
على الرغم من حدوث اختراق دبلوماسي استثنائي ووحيد في 1 سبتمبر 2005، حين التقى وزير الخارجية الباكستاني آنذاك خورشيد محمود قصوري بنظيره الإسرائيلي سيلفان شالوم في مدينة إسطنبول التركية، بحجة دعم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة آنذاك، إلا أن هذا اللقاء لم يُفضِ إلى أي مسار تطبيعي رسمي[29]. وفي أعقاب توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، تصاعدت التكهنات حول إمكانية التحاق إسلام آباد بمسار التطبيع؛ وهو ما حسمه رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق عمران خان في نوفمبر 2020 بإعلانه الصريح أن باكستان تتعرض لضغوطٍ من الولايات المتحدة ودول صديقة أخرى للاعتراف بإسرائيل، مؤكدًا رفضه القاطع لهذه الخطوة. إن هذا الرفض القاطع المتأصل في العقيدة السياسية والعسكرية الباكستانية، والمدعوم بمعارضةٍ شعبية وإسلامية شرسة، يجعل من مسألة التطبيع أمرًا مستبعدًا تمامًا وبمثابة انتحار سياسي لأي حكومة تُقدم عليه[30].
- العلاقات الباكستانية -الإيرانية
على النقيض من الطابع المؤسسي النسبي للعلاقة مع الولايات المتحدة، تتسم العلاقة بين باكستان وإيران بدرجةٍ أعلى من التعقيد والتداخل، حيث تتشابك فيها محددات جيوسياسية وأمنية ومذهبية في آنٍ واحد. ويمكن فهم هذه العلاقة في إطار التنافس المقيد، الذي لا يصل إلى حد القطيعة، ولا يرتقي إلى مستوى التحالف. فعلى المستوى الأمني، تمثل المناطق الحدودية لا سيما إقليم بلوشستان بؤرة توتر مستمرة نتيجة نشاط الجماعات الانفصالية والتنظيمات المسلحة، مثل جيش العدل، وهو ما أدى إلى تبادل ضربات عسكرية محدودة بين الطرفين، كما حدث في مطلع عام 2024. ومع ذلك، يظل إدراك التهديد المشترك من هذه الجماعات دافعًا نحو الحفاظ على حدٍ أدنى من التنسيق الأمني، بما يعكس نمطًا من التعاون تحت الضغط.
أما على المستوى الإقليمي، فتبرز تباينات واضحة في إدراك المصالح. ففي أفغانستان، تتباين مقاربة الطرفين تجاه حركة طالبان، حيث تتبنى إيران نهجًا براجماتيًا مرنًا، بينما تواجه باكستان تهديدات أمنية مباشرة مرتبطة بامتدادات الحركة داخل أراضيها. كما يمتد هذا التباين إلى صراعاتٍ إقليمية أخرى، مثل دعم باكستان لأذربيجان مقابل دعم إيران لأرمينيا، فضلا عن التحفظات الباكستانية تجاه انخراط طهران في تجنيد مقاتلين شيعة باكستانيين للقتال في سوريا[31].
ويُعد مشروع خط الغاز الإيراني الباكستاني -المعروف إعلاميًا بخط السلام- مثالا دالا على تداخل الاقتصاد بالسياسة؛ إذ تواجه باكستان معضلةً مركبة بين التزاماتها التعاقدية مع إيران، والضغوط الأمريكية الصارمة المرتبطة بنظام العقوبات. وفي هذا السياق، تلوّح طهران باللجوء إلى التحكيم الدولي في باريس للمطالبة بتعويضاتٍ مالية ضخمة -تُقدر بحوالي 18 مليار دولار- لعدم وفاء إسلام آباد بإكمال الجزء الخاص بها من الأنبوب، في حين تعاني باكستان من قيودٍ مالية حادة، وتخشى التعرض لعقوبات أمريكية -تحت قانون كاتسا -CAATSA تحدّ من قدرتها على تنفيذ المشروع أو تحمّل كلفته السياسية[32].
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إغفال مسارات التعاون المحدود، سواء من خلال السعي لتعزيز التبادل التجاري أو تنظيم الأسواق الحدودية. كما يظل وجود تهديدات أمنية مشتركة مثل نشاط الجماعات الانفصالية البلوشية عاملا ضاغطًا نحو استمرار قنوات التواصل. ومن ثم، يمكن توصيف العلاقة بين إيران وباكستان بوصفها علاقة احتواء متبادل، تسعى من خلالها الدولتان إلى إدارة التوترات دون الدخول إلى صراعٍ مفتوح. وتنعكس هذه المعضلة الاقتصادية والأمنية بشكلٍ مباشر وحاسم على الموقف الباكستاني أثناء اندلاع المواجهات العسكرية الشاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ حيث تُجبر إسلام آباد على تبني سياسة الحياد الصارم والتحوط الاستراتيجي. فمن جهة، ترفض باكستان قطعيًا أي استخدام لأجوائها أو قواعدها لتسهيل ضربات أمريكية ضد إيران إدراكًا منها أن أي تدمير للبنية التحتية الإيرانية سيعني النهاية الفعلية لمشروع الغاز الذي تُعول عليه لحل أزمة الطاقة العنيفة لديها، فضلا عن المخاوف من أن يؤدي انهيار الاستقرار الإيراني إلى انفلاتٍ أمني وتسلل للمسلحين عبر الحدود المشتركة الممتدة لنحو 900 كيلومتر. ومن جهةٍ أخرى، تمتنع باكستان عن تقديم أي دعم عسكري أو سياسي صريح لطهران لتجنب استفزاز الإدارة الأمريكية خوفًا من إدراجها ضمن حزم العقوبات الثانوية، وهو ما قد يحرمها من برامج الإنقاذ المالي التابعة لصندوق النقد الدولي التي تُبقي اقتصادها على قيد الحياة[33].
- العلاقات الباكستانية -الخليجية:
تتمحور العلاقات الباكستانية -الخليجية حول نمط من الشراكة المستدامة القائمة على الاعتماد المتبادل في مجالات الأمن والتعاون الاقتصادي. فتُمثل دول الخليج بالنسبة لباكستان سوقًا رئيسيًا لاستيعاب العمالة الباكستانية، التي تُسهم بدورها في تدفقات العملة الصعبة، فضلا عن كونها مصدرًا مهمًا للطاقة وشريكًا تجاريًا حيويًا. وفي المقابل، تنظر دول الخليج إلى باكستان بوصفها عنصرًا موازنًا للقوى في الإقليم، في ضوء امتلاكها قدرات نووية، إلى جانب دورها المتنامي في دعم الاستقرار الإقليمي عبر النشاط الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة.
وتُعد العلاقات الباكستانية -السعودية نموذجًا بارزًا لهذه الشراكات، إذ تُشكل حجر الزاوية في مجمل العلاقات الباكستانية -الخليجية، نظرًا لما يجمع البلدين من روابط استراتيجية تشمل الأبعاد الاقتصادية والأمنية. وتبرز أمثلة هذا التعاون بوضوحٍ في الدعم المالي السعودي المتكرر لتجنيب إسلام آباد التخلف عن سداد ديونها، مثل تجديد الودائع المليارية في البنك المركزي الباكستاني، وتقديم تسهيلات نفطية مؤجلة الدفع.
وعلى الصعيد الأمني، ترتبط الدولتان ببروتوكولات تعاون دفاعي مستمرة تشمل التبادل والتدريب العسكري، وهو ما تعزز مؤخرًا عبر مشاركة الرياض في مجلس تسهيل الاستثمار الخاص (SIFC) الباكستاني، وتعهدها بضخ استثمارات ضخمة في قطاعات التعدين والدفاع. كما اضطلعت باكستان بدورٍ مهم في المراحل السابقة في تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران، مستفيدةً من علاقاتها المتوازنة[34].
في السياق ذاته، تبرز العلاقات الباكستانية -الإماراتية بوصفها امتدادًا لهذا النمط من التعاون؛ حيث تستضيف دولة الإمارات ملايين من العمالة الباكستانية التي تمثل تحويلاتها المالية شريانًا حيويًا للاقتصاد الباكستاني، إلى جانب تنامي حجم التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين، بما يعكس عمق الروابط الاقتصادية والاجتماعية بينهما[35].
وفي ضوء هذا الاعتماد الاقتصادي والأمني العميق على دول الخليج، تتبلور الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الباكستاني تجاه المواجهة (الإيرانية -الأمريكية الإسرائيلية) في عدة مسارات حاكمة تتمثل في تجنب باكستان الاصطفاف الكامل ضمن أي محور إقليمي أو دولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع كلٍ من إيران والدول الخليجية والولايات المتحدة. ومن ثم، تسعى باكستان إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفًا داعمًا لاحتواء التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية، بدلا من الانخراط في ترتيباتٍ عسكرية قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع[36].
كما يُمثل البعد الاقتصادي أحد المحددات الرئيسية للموقف الباكستاني في هذا الإطار؛ إذ تُدرك إسلام آباد أن أي اتساع للمواجهة العسكرية في منطقة الخليج سيؤثر بصورةٍ مباشرة على أمن الملاحة البحرية وحركة التجارة والطاقة.
وفي الإطار ذاته، تتبنى باكستان موقفًا حذرًا تجاه أي مطالب أمريكية محتملة بتقديم تسهيلات عسكرية أو لوجستية مرتبطة بالعمليات ضد إيران، مستندةً إلى التوجه الخليجي الرافض لتحويل أراضي المنطقة إلى منصات للحرب لتبرير رفضها الانخراط في أي ترتيبات عسكرية هجومية، بما يسمح لها بالحفاظ على توازنها الإقليمي وتقليل المخاطر الأمنية المحتملة[37].
- القدرات النووية:
تشير التقديرات إلى أن باكستان تمتلك ترسانة نووية تُقدَّر بنحو 170 رأسًا نوويًا حتى عام 2025، وهو ما يجعلها أحد الفاعلين النوويين الرئيسيين في جنوب آسيا. ويعكس هذا الحجم من القدرات النووية توجهًا استراتيجيًا يقوم على تعزيز الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية، خاصةً في ظل التوترات المستمرة مع الهند. وتتبنى باكستان عقيدة ردع تقوم على ما يُعرف بالردع الأدنى الموثوق أو الردع الشامل، والتي تهدف بالأساس إلى منع أي عدوان محتمل عبر ضمان القدرة على الردع الفعّال، بما يحد من احتمالات التصعيد العسكري[38].
تمتلك باكستان ما يُعرف بـ “ثالوث الإطلاق النووي”، والذي يشمل قدرات صاروخية أرض -أرض قادرة على حمل رؤوس نووية مثل صواريخ “شاهين” و”غوري”، إلى جانب قدرات جوية تعتمد على طائرات مقاتلة مثل F-16 وJF-17، ما يمنحها مرونةً في وسائل الإطلاق، فضلا عن تطوير أسلحة نووية تكتيكية قصيرة المدى مثل صاروخ نصر لمواجهة أي اختراق عسكري تقليدي خاطف من الجانب الهندي[39].
من ثم، يرتبط الموقف الباكستاني من المواجهة الإيرانية -الأمريكية الإسرائيلية أيضًا باعتبارات استراتيجية وأمنية تتعلق بطبيعة مكانتها كدولة نووية، وبأولوياتها العسكرية المرتبطة بالتوازن الإقليمي مع الهند. فإسلام آباد تُدرك أن أي انخراط مباشر أو غير مباشر في الصراع، خاصةً إذا ارتبط بإيران، قد يضعها تحت ضغوط دولية هائلة ويُعيد إحياء المخاوف الغربية المرتبطة بملف الانتشار النووي الباكستاني. لذلك، تتبنى القيادة الباكستانية سياسة حياد صارمة تهدف إلى تأكيد صورتها كدولةٍ نووية مسؤولة ملتزمة بعدم نقل التكنولوجيا أو تقديم أي دعم عسكري يمكن تفسيره باعتباره مساهمة في توسيع دائرة التهديد النووي في المنطقة.
وفي هذا السياق، تخشى إسلام آباد أن يؤدي أي مؤشر على تقديم دعم لوجستي أو عسكري لإيران إلى فتح الباب أمام ضغوط وعقوبات دولية، أو حتى استغلال الحرب كذريعة لإعادة طرح مسألة الترسانة النووية الباكستانية باعتبارها مصدر تهديد محتمل للأمن الدولي[40].
إلى جانب ذلك، تظل الجبهة الشرقية مع الهند المحدد الأكثر تأثيرًا في العقيدة الأمنية والعسكرية الباكستانية؛ إذ يفرض التوازن النووي والتنافس التقليدي مع نيودلهي على الجيش الباكستاني تركيز الجزء الأكبر من جاهزيته العسكرية والاستراتيجية تجاه الحدود الشرقية وإقليم كشمير. ولذلك، تنظر إسلام آباد إلى أي انشغال بالصراع الإيراني أو انحياز لطهران باعتباره مخاطرة قد تمنح الهند فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى التقليدية أو ممارسة ضغوط إضافية في الملفات الخلافية بين البلدين.
في المقابل، يمنح امتلاك باكستان للسلاح النووي قدرًا من الحماية غير المباشرة خلال فترات التصعيد الإقليمي؛ إذ يُشكل هذا الردع عاملا يحد من احتمالات تعرض أراضيها أو أجوائها لأي انتهاكات من قبل القوى المنخرطة في الحرب[41].
2- دور باكستان في الصراع الأمريكي الإسرائيلي -الإيراني:
- الحياد الحذر
يتبلور الدور الباكستاني في الصراع الأمريكي الإسرائيلي -الإيراني بشكلٍ أساسي حول تبني سياسة “الحياد الحذر”. ويُعد هذا الموقف انعكاسًا عمليًا وتطبيقيًا للمحددات الجيوسياسية والاقتصادية الضاغطة (التي سَبَقَ تناولها)، حيث تفرض هذه التشابكات المعقدة مع كل من (الولايات المتحدة، ودول الخليج، وإيران) على إسلام آباد ضرورة تجنب الانحياز لأي من أطراف النزاع.
تتجلى ممارسة هذا الدور في التزام باكستان بالامتناع التام عن الانخراط العسكري، أو تقديم أي تسهيلات لوجستية واستخباراتية لأي طرف ضد الآخر. وبدلا من ذلك، توظف إسلام آباد ثقلها الإقليمي للعب دور دبلوماسي يدعو لخفض التصعيد واحتواء الأزمة. وفي ضوء هذه الاعتبارات، يتضح أن تبنّي باكستان لسياسة الحياد الحذر ليس خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى تهدف إلى عزل الداخل الباكستاني عن ارتدادات الفوضى الإقليمية، وحماية أمن الطاقة وشرايينها الاقتصادية الحيوية من أي انهيار محتمل[42].
- الوساطة الدبلوماسية
تبنّت باكستان نهج الدبلوماسية النشطة بوصفه أداة رئيسية لتعزيز دورها الإقليمي، حيث سعت إلى الاضطلاع بدورٍ فاعل في تقريب وجهات النظر لتجنب الاندفاع نحو حرب إقليمية شاملة[43]. ولم يقتصر هذا الدور على الخطابات الرسمية، بل تُرجم عمليًا عبر سلسلةٍ من التحركات والاتصالات المحددة على عدة مستويات خلال مراحل المواجهة المختلفة:
- الدبلوماسية الثنائية والزيارات: وظفت إسلام آباد قنواتها المباشرة لخفض التوتر؛ وبرز ذلك جليًا في المباحثات الأمنية والسياسية المكثفة التي رافقت زيارة الرئيس الإيراني (الراحل) إبراهيم رئيسي إلى إسلام آباد في أبريل 2024، والتي ركزت على احتواء التوترات الحدودية ومنع تمدد الصراع. وتلا ذلك تحركات مكثفة لوزارة الخارجية الباكستانية، شملت اتصالات مباشرة مع الإدارة الأمريكية وعواصم خليجية لنقل رسائل متبادلة تهدف إلى ضبط النفس وتجنب استهداف البنى التحتية الحيوية[44].
- الدبلوماسية العسكرية الموازية: لعبت المؤسسة العسكرية الباكستانية دورًا محوريًا في هذه الجهود؛ حيث أجرى قائد الجيش الباكستاني اتصالات متكررة مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) والقيادات العسكرية في الخليج، للتحذير من التداعيات الكارثية لأي تصعيد عسكري شامل على أمن الملاحة واستقرار جنوب آسيا، وهو ما أسهم في ترشيد بعض القرارات العسكرية[45].
- التحركات متعددة الأطراف: قادت باكستان جهودًا دبلوماسية ملموسة داخل أروقة منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة، حيث تقدمت بمقترحاتٍ عملية خلال القمم الاستثنائية لبلورة موقف إسلامي موحد يضغط باتجاه فرض هدن إنسانية، ووقف التراشق الصاروخي، ومنع اتساع رقعة الصراع.
ويُظهر هذا التوجه اعتماد باكستان على أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية متعددة المستويات، في محاولةٍ لتحقيق قدر من الاستقرار الإقليمي بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية ويُعزز من حضورها السياسي كوسيطٍ موثوق قادر على إدارة قنوات الحوار في أوقات الأزمات الخانقة[46].
- إدارة مفاوضات ما بعد حرب فبراير 2026: بلغت الدبلوماسية الباكستانية ذروة نشاطها في احتواء المواجهات المباشرة وعواقب الحرب الإقليمية؛ فعقب الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية في فبراير 2026، قادت إسلام آباد جهود وساطة معقدة لتهدئة الوضع. ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز في 13 أبريل إثر تعثر الجولة الأولى ووصف الرئيس دونالد ترامب للرد الإيراني بأنه “غير مقبول إطلاقًا”. وفي مواجهة هذا الانسداد، أطلقت باكستان بالتعاون مع الصين مبادرة مشتركة من 5 بنود تهدف إلى إنهاء الصراع عبر الوسائل الدبلوماسية، وهي المبادرة التي شكّلت محور زيارة رئيس الوزراء شهباز شريف إلى بكين، بالتوازي مع تنسيق مكثف مع دولة قطر، مع تمسك إسلام آباد بحيادها الصارم ورفضها منح أي تسهيلات برية أو جوية للقوات الأمريكية تجنبًا للانخراط في مواجهة ضد إيران.
وتُوّجت هذه التحركات بالزيارات المكثفة لوزير الداخلية الباكستاني محسن نقفي إلى طهران، تلتها المباحثات الرفيعة التي أجراها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والوزراء المعنيين؛ بهدف إقناع طهران بدراسة الشروط الأمريكية وتقليص التباينات العميقة؛ حيث تصر واشنطن على حسم ملف أمن مضيق هرمز واستلام مخزون اليورانيوم المخصب مباشرة دون نقله لدولة ثالثة، بينما تطالب طهران بتأجيل الملف النووي. ورغم هذه التعقيدات ومخاوف نفاد صبر الإدارة الأمريكية، أسفرت هذه الدبلوماسية العسكرية والسياسية المشتركة عن تقدم مشجع نحو تفاهم مرحلي يُمهد لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وفتح آفاق التفاوض لتخفيف الحصار ودعم استقرار المنطقة[47].
- الدعم غير المباشر
تبنت باكستان استراتيجية الدعم غير المباشر كآليةٍ لإدارة التوازنات الاستراتيجية. فعلى الرغم من امتلاكها لأطر تعاون دفاعي مع بعض دول الخليج، فإنها حرصت على تجنب الانخراط في أي تدخل عسكري مباشر، مفضّلةً توظيف أدوات أقل تصعيدًا وأكثر مرونةً. وقد تجلى هذا التوجه في تقديم دعم لوجستي وسياسي لدول الخليج، تمثل في تسهيلاتٍ تتعلق بالتنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، ودعم المواقف الدبلوماسية في المحافل الدولية بما يعزز من موقع هذه الدول ضمن معادلة الصراع كاستقبالها للمفاوضات على أرضها. وفي الوقت ذاته، سعت باكستان إلى الحفاظ على خطابٍ متوازن ظاهريًا لتفادي استفزاز إيران، نظرًا لحساسية العلاقات الثنائية بينهما، غير أن هذا التوازن يظل هشًا إذ تشير المعطيات إلى احتمال ميل باكستان مستقبلا بشكلٍ أكبر نحو محور دول الخليج والولايات المتحدة، مدفوعةً باعتباراتٍ اقتصادية واستراتيجية، وهو ما قد يكون على حساب مستوى انخراطها أو تقاربها مع إيران. ويعكس هذا الاتجاه المحتمل إدراكًا باكستانيًا لأهمية التحالفات ذات العائد الاقتصادي والسياسي الأعلى، خاصةً في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها. وبذلك، يتضح أن باكستان اعتمدت في هذا الصراع على استراتيجية “الدعم غير المباشر” كأداةٍ لتحقيق التوازن بين التزاماتها الإقليمية ومصالحها الوطنية[48].
في ضوء ما سبق، يتضح أن باكستان تتبنى نهجًا حذرًا في تعاملها مع الصراع الأمريكي الإسرائيلي-الإيراني، حيث تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف بما يضمن تعظيم مصالحها الاستراتيجية. فعلى الرغم من القيود الداخلية والتحديات الإقليمية التي تواجهها، فإنها تحرص على عدم الانخراط في مواجهة مباشرة، مفضّلة توظيف أدوات الدعم غير المباشر، والدبلوماسية المرنة، وعوامل القوة الكامنة- وفي مقدمتها القدرات النووية- لترسيخ موقعها.
ومن ثم، يمكن توصيف الدور الباكستاني بأنه أقرب إلى “ضابط إيقاع” للصراع، يسعى إلى التأثير في مساراته وحدود تصعيده، دون أن يتحول إلى فاعلٍ مباشر فيه. وهو ما يعكس إدراكًا براجماتيًا لطبيعة التوازنات الإقليمية، والرغبة في الحفاظ على هامش حركة يسمح لها بالتكيف مع التحولات المستقبلية.
ثالثًا- التحليل الاستراتيجي للموقف الأفغاني
تبرز أفغانستان كفاعلٍ إقليمي مهم، يمتلك موقعًا جيوسياسيًّا حسَّاسًا، وعلاقات متشابكة مع أطراف الصراع، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله عليها وجعلها ذات فعلٍ يستحق التدقيق في هذه الحرب.
1- محددات السياسة الخارجية الأفغانية:
نبع تعامل أفغانستان مع الأزمة من عدة عوامل رئيسية:
أ) العلاقات الأفغانية -الأمريكية الإسرائيلية
تُعد العلاقات بين أفغانستان -تحت حكم طالبان- والولايات المتحدة نموذجًا للعلاقات الدولية التي يحكمها العداء التاريخي الممزوج بالمصلحة الاضطرارية، بعيدًا عن أي شكلٍ من أشكال التحالف. فبعد حرب دامت عشرين عامًا، انتهت بانسحابٍ أمريكي وعودة طالبان للسلطة، تنظر كابول إلى واشنطن بوصفها قوة احتلال سابقة وداعمًا رئيسيًا لإسرائيل، مما يخلق عداءً أيديولوجيًا مستمرًا. هذا بالإضافة إلى تحديات مرحلة ما بعد الحرب، المتمثلة في العقوبات الدولية وتجميد الأصول الأفغانية في الخارج، والتي فرضت على طالبان الإبقاء على قنوات تواصل خلفية عبر اتفاق الدوحة لإدارة الأزمات.
ومن ثم، يمكن توصيف هذه العلاقة بأنها علاقة إدارة عداء تتسم بانعدام الثقة المطلق، وتخضع في جوهرها لتقييد النفوذ الأمريكي ومنع استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد المصالح الغربية، مقابل تخفيف الخنق الاقتصادي.
وعلى خلاف العلاقات الأفغانية الأمريكية، لا توجد علاقات رسمية بين أفغانستان وإسرائيل، ويرجع ذلك إلى طبيعة النظام السياسي الأفغاني الحالي والاعتبارات الأيديولوجية والدينية الحاكمة. ومع ذلك، فإن الحضور الإسرائيلي في معادلة الصراع الأمريكي -الإيراني يفرض نفسه بصورةٍ غير مباشرة على حسابات كابول، خاصةً في ظل إدراكها أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على استقرار المنطقة المحيطة بها[49].
ب) العلاقات الأفغانية -الإيرانية
على غرار التعقيد في الحالة الباكستانية، تتسم العلاقة بين أفغانستان وإيران بتداخلٍ عميق لمحددات جيوسياسية وأمنية ومذهبية. ويمكن فهم هذه العلاقة في إطار التعايش الحذر والضرورة الجغرافية. فعلى المستوى الأيديولوجي، يوجد تباين مذهبي واضح بين حكومة طالبان السنية والجمهورية الإيرانية الإسلامية الشيعية، إلا أن الطرفين يتشاركان في العداء المعلن للسياسات الأمريكية.
وعلى المستوى الأمني والحدودي، تُمثل الحدود المشتركة بؤرة توتر مستمرة؛ حيث تندلع اشتباكات مسلحة بين الحين والآخر بسبب النزاع التاريخي على حصص المياه في “نهر هلمند”[50]، فضلا عن أزمة اللاجئين الأفغان في إيران. ورغم هذه التوترات، يظل إدراك التهديد المشترك المتمثل في تنظيم “داعش – ولاية خراسان” دافعًا نحو الحفاظ على التنسيق الأمني. وتُعد التجارة عبر ميناء تشابهار الإيراني شريان حياة حيويًا للاقتصاد الأفغاني المحاصر، مما يفرض على كابول علاقة احتواء متبادل مع طهران، تسعى من خلالها لإدارة التوتر دون الانزلاق لصراعٍ مفتوح[51].
ج) العلاقات الأفغانية -الخليجية
تتمحور العلاقات الأفغانية مع المحيط الإقليمي والخليجي حول ثنائية “البحث عن الشرعية السياسية والدعم الاقتصادي”. فبالنسبة لحكومة كابول، تمثل دول الخليج بوابات دبلوماسية واقتصادية حيوية لكسر العزلة الدولية؛ حيث تبرز العاصمة القطرية كمنصةٍ رئيسية لإدارة حوارات كابول مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة، بينما تُمثل الإمارات العربية المتحدة شريكًا لوجستيًا واقتصاديًا مهمًا، وهو ما تجلى في الاتفاقيات الموقعة لإدارة وتأمين مطار كابول والمطارات الأفغانية الأخرى. كما تنظر أفغانستان إلى هذه الدول بوصفها مصادر واعدة للاستثمار في قطاعات التعدين والبنية التحتية، وسوقًا استراتيجيًا لاستيعاب العمالة الأفغانية وتدفق تحويلاتها المالية التي تسند الاقتصاد المحلي الهش، بالإضافة إلى محاولة اقتناص الشرعية السياسية منها بالاعتراف بحكومة طالبان[52].
وفي المقابل، تنظر دول الإقليم والخليج إلى أفغانستان بوصفها مساحة فراغ جيوسياسي تتطلب سياسة الاحتواء الإيجابي والانخراط البراجماتي، وذلك لمنع تحول الأراضي الأفغانية إلى نقطة انطلاق لتصدير الإرهاب وتفجر موجات لجوء واسعة تهدد الاستقرار الإقليمي.
ومع اندلاع العدوان والضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وُضعت السياسة الخارجية الأفغانية في اختبارٍ حقيقي ومباشر. وخلال هذه الأزمة المستمرة، تبلورت وتعمقت العلاقات الأفغانية مع المحيط الخليجي بشكلٍ عملي عبر عدة مسارات لتجاوز تداعيات الحرب، ففي هذا السياق، برزت الدوحة باعتبارها منصة دبلوماسية محورية لإدارة الأزمة. فمنذ بداية الضربات الجوية، سعت كابول من خلالها إلى إيصال رسائل واضحة للمجتمع الدولي تؤكد التزامها بالحياد وعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها من قبل أي طرف في الصراع. وقد ساهم ذلك في حماية أفغانستان من احتمالات التورط المباشر، أو التعرض لضغوطٍ عسكرية وسياسية في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع[53].
وعلى الصعيد الاقتصادي، كشفت الحرب عن هشاشة الاعتماد الأفغاني على الممرات التجارية الإيرانية، خاصةً بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتراجع حركة التجارة عبر الأراضي الإيرانية. وهنا ظهرت الأهمية المتزايدة للعلاقات مع الإمارات والدول الخليجية، إذ تحولت المطارات والبنية اللوجستية المرتبطة بالشركات الإماراتية إلى بديلٍ حيوي لدعم حركة الإمداد والتجارة. كما ساعد هذا التعاون في تقليل آثار العزلة الاقتصادية التي كان يمكن أن تواجهها كابول نتيجة توقف طرق التجارة التقليدية، الأمر الذي عزز مكانة الخليج كشريكٍ اقتصادي واستراتيجي مهم لأفغانستان خلال الأزمة[54].
وفي الوقت نفسه، واجهت أفغانستان تحديًا إنسانيًا خطيرًا تمثل في عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والعمال الأفغان من إيران بسبب القصف، وتدهور الأوضاع الأمنية هناك. وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات البطالة وتراجع التحويلات المالية القادمة من الخارج، وأمام هذه التطورات، اتجهت كابول إلى تكثيف اتصالاتها مع صناديق التنمية الخليجية والمؤسسات الإنسانية طلبًا للدعم المالي والمساعدات العاجلة، إلى جانب محاولة جذب استثمارات جديدة في مشروعات البنية التحتية لاحتواء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة.
أما على المستوى الأمني، فقد أدى انشغال إيران بالحرب إلى تصاعد المخاوف من استغلال تنظيم داعش -ولاية خراسان- لحالة الفوضى الإقليمية وتراجع الرقابة الحدودية. ولهذا السبب، شهدت المرحلة نوعًا من التنسيق الأمني والاستخباراتي غير المعلن بين حكومة طالبان وبعض القوى الإقليمية والخليجية، انطلاقًا من إدراك مشترك بأن انهيار الاستقرار داخل أفغانستان قد يمنح التنظيمات المتطرفة مساحة أوسع للتحرك والتمدد. ومن ثم، أصبحت المحافظة على استقرار كابول هدفًا أمنيًا يخدم مصالح إقليمية أوسع تتجاوز حدود أفغانستان نفسها[55].
وفي إطار محاولتها طمأنة دول الجوار، دفعت كابول بتعزيزاتٍ عسكرية إلى المناطق الحدودية مع إيران لمنع تسلل الجماعات المسلحة أو انتقال آثار الحرب إلى الداخل الأفغاني. وقد عكس هذا التحرك رغبة الحكومة الأفغانية في تقديم نفسها باعتبارها قادرة على ضبط حدودها ومنع تحول أراضيها إلى ساحةٍ إضافية للصراع الإقليمي.
وخلاصة القول، فإن أزمة فبراير 2026 أبرزت تحولا مهمًا في طبيعة العلاقات الأفغانية -الخليجية، حيث لم تعد هذه العلاقات قائمة فقط على البحث عن الاعتراف السياسي أو الدعم الاقتصادي، بل بدأت تتخذ طابعًا استراتيجيًا يرتبط بإدارة الأزمات الإقليمية والحفاظ على الاستقرار الأمني والاقتصادي المشترك. كما كشفت الأزمة عن محاولة أفغانستان توظيف موقعها الجيوسياسي وقدراتها الداخلية لتقديم نفسها كشريكٍ إقليمي قادر على الموازنة بين متطلبات الأمن والاستقرار في واحدةٍ من أكثر مناطق العالم توترًا[56].
د) القدرات العسكرية والأيديولوجية
تمتلك أفغانستان قدرات عسكرية من نوعٍ آخر تتمثل هذه القدرات في الصلابة الأيديولوجية والقدرات غير النظامية. حيث ورثت طالبان ترسانة هائلة من الأسلحة الأمريكية التقليدية، كما يدين مقاتلوها بعقيدة قتالية متمرسة في حروب العصابات. يعكس هذا الحجم من القوة العسكرية غير النظامية توجهًا استراتيجيًا يقوم على الردع الداخلي، ومنع أي تدخل أجنبي جديد. وفي معادلة الصراع الإقليمي، تستخدم أفغانستان ورقة الجغرافيا والشرعية الدينية كأدوات لفرض الحضور، حيث إن موقعها وقدرتها على إحداث فوضى أو السيطرة على تلك الفوضى وضبطها يجعل استقرارها مصلحة عليا لكافة الأطراف[57].
2- ملامح وأدوات الدور الأفغاني في الصراع:
أ) الانحياز الأيديولوجي والحياد العسكري المقيّد
يمكن تناول سياسة النأي بالنفس التي تنتهجها أفغانستان في ضوء تحدياتها الداخلية الطاحنة. حيث تتبنى موقفًا أيديولوجيًّا وإعلاميًّا متشدِّدًا داعمًا للفلسطينيين ولأي طرفٍ يواجه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك إيران، وهو ما ينسجم مع عقيدتها. ولكن من ناحيةٍ أخرى[58]، تعاني أفغانستان عزلةً دولية واقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة؛ مما يجعلها شديدة الحرص على عدم التورط العسكري المباشر في أي صراع قد يستجلب ضربات جوية أو عقوبات إضافية. لذلك تتبنى كابول حيادًا عسكريًا صارمًا، فلا هي مستعدة لفتح جبهات جديدة، ولا هي قادرة لوجستيًا على دعم المحور الإيراني عسكريًا، مكتفية بالتضامن اللفظي والسياسي لتجنب تعريض مشروع حكمها الناشئ للانهيار[59].
ب) توظيف الصراع لاكتساب الشرعية السياسية
توظف أفغانستان الصراع كأداة لتعزيز رصيدها السياسي والديني داخليًا وخارجيًا من خلال إصدار بيانات الإدانة القوية ضد إسرائيل والولايات المتحدة، تحاول حكومة طالبان تقديم نفسها للعالم الإسلامي كحكومة شرعية تدافع عن قضايا الأمة، وتتفوق في خطابها على العديد من الدول العربية والإسلامية التي ترتبط بعلاقاتٍ مع إسرائيل. هذا الخطاب يساعدها في تبرير سياساتها الداخلية أمام حاضنتها الشعبية، ويُحرج خصومها الإقليميين[60].
ج) تجنب الارتداد العكسي
تبنَّت أفغانستان استراتيجية النأي بالنفس كآليةٍ لإدارة توازناتها الهشة. فهي تدرك أن أي تصعيد كبير يشمل ضرب البنية التحتية الإيرانية سيؤدي مباشرةً إلى ارتداداتٍ كارثية عليها، أبرزها تدفق ملايين اللاجئين الأفغان من إيران عائدين إلى بلادهم التي لا تملك موارد لإطعامهم، بالإضافة إلى توقف الإمدادات النفطية والغذائية. ولذلك يحرص صانع القرار الأفغاني على عدم اتخاذ مواقف تستفز الولايات المتحدة وتدفعها لتصنيفها مجددًا كتهديد أمني، وفي الوقت نفسه تتجنب أي خطوة قد تعتبرها طهران طعنةً في الظهر. هذا الموقف التوازني يعكس إدراكًا لمدى هشاشة الوضع الداخلي الأفغاني[61].
د) إدارة الفراغ الأمني والجغرافي
يكتسب العامل الجغرافي الأفغاني أهميةً قصوى في هذا الصراع؛ فالقلق الأكبر بالنسبة لأطراف مثل إيران والصين وروسيا هو أن يؤدي اندلاع حرب إقليمية واسعة إلى انشغال هذه القوى، مما يخلق فراغًا أمنيًا قد يستغله تنظيم “داعش -خراسان” للنمو والتمدد في أفغانستان والانطلاق منها لضرب دول الجوار. هذا التهديد الكامن يجعل دور أفغانستان يتمحور حول ضبط أراضيها ومنع تحولها إلى ساحة خلفية للصراع المفتوح أو نقطة انطلاق للهجمات، مما يُعزز من مكانتها كدولة يجب مساندة استقرارها الداخلي حتى من قبل خصومها.
في ضوء ما سبق، يتضح أن أفغانستان تتبنى نهجًا يقوم على “التضامن الأيديولوجي المشروط بالانعزال العسكري” في تعاملها مع الصراع الأمريكي الإسرائيلي -الإيراني. فعلى الرغم من انحيازها الخطابي والمبدئي الصارخ ضد المحور الأمريكي-الإسرائيلي، إلا أن قيودها الداخلية، واقتصادها المنهار، وغياب قدرتها على استعراض القوة خارج حدودها، يفرض عليها البقاء بعيدًا عن ساحة المعركة. ومن ثم، يمكن توصيف الدور الأفغاني بأنه أقرب إلى المراقب الأيديولوجي المتعاطف والمقيّد الذي يسعى إلى الاستفادة من الصراع في تثبيت شرعيته الدينية، دون أن يتحول إلى فاعل أو هدف مباشر فيه[62].
خاتمة:
قبل الشروع في تفكيك المواقف الفردية لكل فاعل، تفرز معطيات هذا السيناريو الاستشرافي مقاربةً كلية لهيكل التوازنات الإقليمية الراهنة؛ حيث تشكل القوى غير العربية (تركيا، وباكستان، وأفغانستان) ما يمكن مقاربته بمفهوم “طوق الاحتواء الجيوسياسي” المحيط ببؤرة الصراع الإيرانية. لقد أسفرت هذه الأزمة عن هندسة توازن دقيق يتجه نحو تفكيك الاصطفافات الأيديولوجية الكلاسيكية، وإحلال مقاربات السياسة الواقعية الصلبة محلها. ففي حين تُقيد المحددات الهيكلية المتمثلة في الهشاشة الاقتصادية والارتهان للمانحين الدوليين والخليجيين من استقلالية القرار في كلٍ من باكستان وأفغانستان، تحتفظ أنقرة بهامش مناورة استراتيجي أوسع يُتيح لها توظيف التناقضات البينية. وبشكلٍ جمعي، أسست هذه القوى لحالة من “اللافعل العسكري الاستراتيجي”؛ متجنبةً الوقوع في فخ الانحياز لطهران، أو الانخراط في التحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) المناهض لها، وهو ما أرسى معادلة إقليمية جديدة قوامها احتواء التداعيات وإدارة الأزمات من الأطراف بدلا من التورط في المركز.
وتأسيسًا على هذا التحليل المعمق للتوجهات الاستراتيجية لهذه القوى تجاه المواجهة الشاملة، تخلص الدراسة إلى نتيجة استراتيجية مركزية مفادها: هيمنة مبدأ “البراجماتية الصارمة” وتغليب مقتضيات “الأمن القومي الداخلي” بشكلٍ مطلق على أية محددات أيديولوجية أو التزامات تحالفية تقليدية. وفيما يلي بلورة لأبرز الخلاصات الاستراتيجية:
1- المقاربة التركية والحياد النشط
أثبت السلوك الاستراتيجي لتركيا تجاوزها لمقاربة المعادلة الصفرية في التعاطي مع الصراعات الإقليمية. فمن خلال تحييد أصولها العسكرية الحيوية (كقاعدة إنجرليك) عن أي عمليات هجومية ضد إيران، واستنفار قدراتها الدفاعية الحدودية لدرء التهديدات العابرة للحدود (كموجات اللجوء والنشاط الكردي الانفصالي)، وظفت أنقرة مبدأ “الحياد النشط” كأداةٍ وقائية لتحصين جبهتها الداخلية واستقرارها الاقتصادي. علاوة على ذلك، تبنت أنقرة استراتيجية مركبة تهدف إلى التموضع كـ “وسيطٍ حتمي” في هندسة ترتيبات ما بعد الحرب؛ مستهدفةً تعظيم مكاسبها الجيوسياسية من الاستنزاف الذي طال منافسها الإيراني، بمعزل عن تحمل أي تكلفة عسكرية أو سياسية مباشرة.
وفي إطار التقييم الموضوعي لمدى نجاعة هذه الاستراتيجية التركية؛ تُشير المعطيات إلى أن هذا النجاح اتسم بكونه “نسبيًا ومشروطًا”. ففي حين أفلحت أنقرة بامتياز في عزل مجالها الحيوي عن الارتدادات المباشرة للصراع، اصطدمت طموحاتها لاحتكار “الوساطة الدبلوماسية” بتحدياتٍ بنيوية؛ أبرزها المزاحمة الاستراتيجية من قِبل القوى الخليجية (التي تحوز أدوات تأثير ونفوذ اقتصادي أعمق تجاه طهران)، إلى جانب التوجس (الأمريكي -الإسرائيلي) المتجذر حيال توجهات الخطاب السياسي التركي. وقد أفضت هذه المعطيات مجتمعة إلى تكريس تركيا كـ “شريكٍ جيوسياسي ضروري” في بناء الهيكل الأمني الإقليمي المرتقب، دون أن يمنحها ذلك امتياز الفاعل الدبلوماسي الحصري أو الأوحد.
2- باكستان والتوازن الدبلوماسي
عكست الاستراتيجية الباكستانية توازنًا دقيقًا بين حاجتها للحفاظ على الشراكات الاقتصادية والأمنية مع دول الخليج، وتجنب الانهيار الأمني على حدودها مع إيران. وقد شكل “الردع النووي” المظلة الخفية التي منحت إسلام آباد استقلالية نسبية لرفض الضغوط الأمريكية العنيفة للانخراط في الصراع. واختارت باكستان مسار “الوساطة الاضطرارية” والدعم غير المباشر لحلفائها لضمان عدم امتداد شرارة الحرب إلى أراضيها.
3- أفغانستان والحياد الانتهازي وقيود القوة
كشفت الأزمة عن حدود القوة العسكرية لحركة طالبان؛ فافتقارها للقدرات النظامية والدفاع الجوي جعلها غير قادرة -أو غير راغبة- في تقديم دعم عسكري فعلي لإيران. بدلا من ذلك، وظفت كابول انشغال طهران وواشنطن بالصراع لترسيخ شرعيتها الداخلية، ولعبت بورقة الضبط الحدودي لجذب الاستثمارات الخليجية والمساعدات الدولية، مفضلة البقاء في خانة المراقب المنتفع على الانخراط في معركة لا تخدم مشروع بناء دولتها.
الاستشراف المستقبلي:
تؤكد نتائج هذه الدراسة أن بنية التحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا تشهد تحولًا هيكليًا نحو التحالفات المرنة والمؤقتة. إن إحجام أنقرة وإسلام آباد وكابول عن تقديم دعم صريح لأي من طرفي الصراع يعكس نهاية عصر “الاستقطاب الحاد”، وتراجع قدرة القوى الكبرى كولايات المتحدة على فرض إملاءات عسكرية على دول المنطقة. وفي مرحلة ما بعد حرب 2026، ستبرز هذه الدول الثلاث كأطرافٍ رئيسية في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية والأمنية للإقليم، مستفيدةً من حالة الإنهاك التي ستصيب كلًا من إيران والمحور الإسرائيلي -الأمريكي، لتؤسس نظامًا إقليميًا جديدًا يعتمد على توازن المصالح الاقتصادية والأمن الحدودي كبديلٍ عن الحروب المفتوحة.
⁕ باحثة في العلوم السياسية.
[1] ريموند هينبوش، السياسة الدولية في الشرق الأوسط، ترجمة: أحمد محمود، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008).
[2] انظر:
- مطرقة منتصف الليل وما بعدها: الانقسام الإيراني حول الرد على الهجوم الأمريكي والمآلات المُمكِنَة، مركز الإمارات للسياسات، 23 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع: 6 مايو 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/t1i8j
- أحمد خليفة، الأدوار والمواقف العالمية من الحرب الإسرائيلية-الإيرانية (حرب الـ 12 يومًا): الدلالات والآفاق، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 10 مايو 2026، الساعة 11:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/481onf
[3] أسماء نصار، الأسئلة الحائرة فى المفاوضات بين أمريكا وإيران بعد حرب الـ 12 يومًا، اليوم السابع، 24 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع:1 مايو 2026، الساعة 2:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/4qep0
[4] انظر الآتي:
- محمد عبد المجيد، استراتيجية “حافة الهاوية” الإيرانية: توظيف المفاوضات والهدن لتعزيز القدرات النووية، مركز الجزيرة للدراسات، 15 نوفمبر 2023، تاريخ الاطلاع: 14 مايو 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/4qep0
- صبحي عسيلة، البدائل الأمريكية للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني: التدخل العسكري كخيار أخير، مجلة السياسة الدولية، المجلد 54، العدد 214، أكتوبر 2018.
[5] المعادلة الصعبة لتركيا تجاه إيران، موقع الجزيرة نت، 16 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/jsj3p
[6] مصطفى شلش، “موقف باكستان من المواجهات الإيرانية- الإسرائيلية”، مركز الدراسات العربية الأوراسية (CAES)، 16 يونيو 2024، تاريخ الاطلاع: 20 مايو 2026, متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/s2q4b
[7] وحدة الدراسات الإقليمية، “نهج حذِر.. مواقف دول جنوب آسيا من التصعيد الإيراني-الإسرائيلي“، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، الرياض، 2024.
[8] خليل عليان، العلاقات التركية – الأمريكية: من التحالف الاستراتيجي إلى الشراكة المتوترة، (عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع، 2019).
[9] سونر كاجابتاي، تركيا والولايات المتحدة: هل تنجو الشراكة من اختبار الحرب الإيرانية؟، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 20 فبراير 2026، تاريخ الاطلاع: 6 مايو 2026، الساعة 4:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/051q4
[10] عماد قدورة، السياسة الخارجية التركية تجاه إيران: محددات التنافس والتعاون، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)
[11] للمزيد من التفاصيل، انظر:
- خورشيد دلي، العلاقات التركية – الإيرانية: صراع الأدوار وحدود التوافق، مجلة سياسات عربية، المجلد 8، العدد 45، يوليو 2020.
- الموقف التركي من الضربة العسكرية لإيران: حسابات الربح والخسارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 6 مايو 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/dwebug
- تركيا وأزمات الإقليم: ما وراء اللافعل الاستراتيجي في الحرب الإيرانية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 20 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 9 مايو 2026، الساعة 3:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/d7r7v
[12] سعيد الحاج، تركيا والخليج: هل تصمد الشراكة الاقتصادية أمام التصعيد العسكري ضد إيران؟، المعهد المصري للدراسات، 15 فبراير 2024، تاريخ الاطلاع: 22 أبريل 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/wumei
[13] انظر:
- الموقف التركي من التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران: الحسابات والخيارات، مركز الجزيرة للدراسات، 15 يناير 2024، تاريخ الاطلاع: 6 مايو 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/x3e3i
- خليل عليان، العلاقات التركية-الإيرانية في ظل التنافس الإقليمي والضغوط الأمريكية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)
[14] بشير عبد الفتاح، المحددات الأمنية في السياسة التركية تجاه أزمات الشرق الأوسط، مجلة شؤون عربية، المجلد 35، العدد 160، أكتوبر 2020 .
[15] محمود سمير الرنتيسي، تركيا وإدارة التوازنات في الصراع الإيراني الإسرائيلي، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 10 نوفمبر 2023، تاريخ الاطلاع: 6 مايو 2026، الساعة 12:00، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/21000/
[16] المرجع السابق.
[17] عماد عبد الحافظ، السياسة الخارجية التركية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020).
[18] علي حسين باكير، “مسار أستانا: الدول الضامنة ومسارات التسوية السياسية”، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، أغسطس 2019.
[19] فيدان يحذر من الوقوع في “لعبة إسرائيل” مؤكدا استمرار جهود إنهاء الحرب، روسيا اليوم، 27 أبريل 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/kts6lw
[20] “تركيا تقول إنها نقلت رسائل بين واشنطن وطهران قبل الهجوم الإيراني لضمان بقائه ضمن الحدود”، رويترز (Reuters)، 14 أبريل 2024. متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/kdd72
[21] المرجع السابق.
[22] حمد عبد القادر خليل، سياسة “الحياد النشط” التركية تجاه الصراع الأمريكي-الإيراني: الدوافع والحدود، مجلة السياسة الدولية، المجلد 56، العدد 225، يوليو 2021.
[23] مركز الأهرام للدراسات، تركيا وأزمات الإقليم: ما وراء اللافعل الاستراتيجي في الحرب الإيرانية، مرجع سابق.
[24] الموقف التركي من الضربة العسكرية لإيران: حسابات الربح والخسارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5 مارس 2026، مرجع سابق.
[25] سونر كاجابتاي، تركيا والولايات المتحدة: هل تنجو الشراكة من اختبار الحرب الإيرانية؟، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 20 فبراير 2026، مرجع سابق.
[26] عبد الله يوسف، محددات السياسة الخارجية الباكستانية وتوجهاتها الإقليمية والدولية، (عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2015).
[27] Husain Haqqani, Magnificent Delusions: Pakistan, the United States, and an Epic History of Misunderstanding, (New York: Public Affairs, 2013).
[28] مركز الجزيرة للدراسات، “العلاقات الباكستانية-الإسرائيلية: محددات الرفض ومحاولات الاختراق“، سلسلة أوراق بحثية، الدوحة، 2021.
[29] لقاء تاريخي بين وزيري خارجية باكستان وإسرائيل في إسطنبول”، موقع الجزيرة نت،1 سبتمبر 2005، تاريخ الاطلاع: 22مايو2026، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/4rsnv
[30] عمران خان يكشف عن ضغوط على باكستان للاعتراف بإسرائيل، وكالة الأناضول للأنباء، 13 نوفمبر 2020، تاريخ الاطلاع: 22مايو2026 ، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/0rqrh
[31] للمزيد، انظر:
- فاطمة الصمادي، العلاقات الإيرانية – الباكستانية: محددات التنافس والتعاون، مجلة السياسة الدولية، المجلد 51، العدد 203، يناير 2016.
- خورشيد دلي، المحددات الجيوسياسية والأمنية في العلاقات بين طهران وإسلام آباد، مجلة سياسات عربية، المجلد 6، العدد 33، يوليو 2018.
[32] “خط الغاز الإيراني- الباكستاني… مشروع تاريخي أمام تحديات جيوسياسية“، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 19 فبراير 2024، تاريخ الاطلاع: 20مايو2026، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/48154/
[33] إدارة التوتر: تعقيدات جيوسياسية في العلاقات بين إيران وباكستان”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 22 سبتمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 20مايو2026، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/48154/
[34] محمد نصر الدين، التوجهات الباكستانية نحو الخليج العربي: بين الاعتماد الاقتصادي والتوازن الأمني، مجلة شؤون عربية، المجلد 36، العدد 165، يناير 2021.
[35] المرجع السابق.
[36]علي حسين باكير، الشراكة الاستراتيجية بين باكستان ودول الخليج: الأبعاد الاقتصادية والأمنية، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2021).
[37] Yezid Sayigh, Pakistan’s Military Ties with the Gulf: Between Economics and Geopolitics, (Beirut: Carnegie Middle East Center, 2018).
[38] Feroz Hassan Khan, Eating Grass: The Making of the Pakistani Bomb, (Stanford: Stanford University Press, 2012).
[39] منصور أحمد، العقيدة النووية الباكستانية: الردع الإقليمي والتأثير في التوازنات الاستراتيجية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022).
[40] ظفر إقبال، “العقيدة النووية الباكستانية وتوازن الرعب في جنوب آسيا”، مجلة دراسات استراتيجية، المجلد 12، العدد 45، أكتوبر 2019.
[41] Zafar Iqbal Cheema, Indian and Pakistani Nuclear Diplomacy in Regional Crises, (Islamabad: Strategic Studies Institute, 2020).
[42] خليل عليان، باكستان وأزمات الشرق الأوسط: دراسة في توازنات الحياد والالتزام، (عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع، 2018).
[43] سمير سعيد، «الوساطة الباكستانية في الأزمات الإقليمية: الدوافع والمعوقات»، مجلة السياسة الدولية، المجلد 56، العدد 222، أكتوبر 2020.
[44] الرئيسان الإيراني والباكستاني يؤكدان ضرورة دعم العمل المشترك، وكالة الأنباء القطرية، 12 أبريل 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/4rqvj
[45]إسلام الدين ساجد، قائد الجيش الباكستاني وقائد القيادة المركزية الأمريكية يبحثان الأمن الإقليمي، وكالة الأناضول (Anadolu Agency)، 19 ديسمبر 2023، تاريخ الاطلاع: 20مايو2026، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/2yo46l
[46] الوساطة الباكستانية في أزمات الشرق الأوسط: دبلوماسية الضرورة لتجنب الاستقطاب، مركز الإمارات للسياسات، 15 نوفمبر 2023، تاريخ الاطلاع: 3 مايو 2026، الساعة 7:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/uxt8gz
[47]مبادرة صينية باكستانية مرتقبة وإسلام آباد تتكتم على تفاصيل مفاوضات إيران، الجزيرة، 22مايو2026، تاريخ الاطلاع: 23مايو2026، الساعة12:02، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/4ht5wb
[48] للمزيد، انظر:
- منصور أحمد، العقيدة النووية الباكستانية: الردع الإقليمي والتأثير في التوازنات الاستراتيجية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022).
- سمير سعيد، «الموازنة الاستراتيجية في السياسة الباكستانية تجاه الأزمات الإيرانية: بين الضغوط الأمريكية ومقتضيات الجوار»، مجلة السياسة الدولية، المجلد 55، العدد 220، أبريل 2020.
[49] للمزيد انظر:
- عبد الله عقيل، السياسة الخارجية لحركة طالبان بعد العودة للسلطة: دراسة في المحددات والتوجهات، مجلة المستقبل العربي، المجلد 45، العدد 522، أغسطس 2022.
- Carter Malkasian, The American War in Afghanistan: A History, (New York: Oxford University Press, 2021).
[50] محمد زمان، أفغانستان والجوار الإيراني: صراع المصالح وأزمات الحدود والمياه، مجلة الدراسات الإيرانية، المجلد 6، العدد 18، مارس 2023.
[51] فاطمة الصمادي، طهران وطالبان: البراجماتية في مواجهة التباين الأيديولوجي، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2022).
Bruce Riedel, “What the Taliban’s takeover means for Iran,” Brookings Institution, September 2021.
[52] أحمد فهمي، العلاقات الأمريكية – الأفغانية بعد الانسحاب: توازنات العقوبات والاعتراف الدولي، مجلة السياسة الدولية، المجلد 58، العدد 231، يناير 2023.
[53] مشاركة وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية في منتدى الأمن العالمي (GLOBSEC 2026)، دوحة نيوز، 21 مايو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/we24mo
[54] كيف تعيد حرب إيران تشكيل الاستراتيجية: من هرمز إلى الإمارات، المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House)، مايو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/esf79j
[55] التوترات الحدودية بين إيران وأفغانستان: أزمة المياه والأمن، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5 يونيو 2023، تاريخ الاطلاع: 14 أبريل 2026، الساعة 5:00، متاح عبر الرابط التالي: https://n9.cl/8vw78
[56]محمد السعيد، العلاقات الأفغانية – الخليجية في عهد طالبان: بين محاولات فك العزلة والمخاوف الأمنية، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2023)
[57] عبد الرحمن مطر، الترسانة العسكرية في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي: التداعيات والمخاطر الإقليمية، مجلة دراسات استراتيجية، المجلد 15، العدد 59، أبريل 2022.
Justine Fleischner, The Taliban’s Arsenal: Captured American Weapons and Regional Security, (Washington: Center for Strategic and International Studies (CSIS), 2022).
Antonio Giustozzi, The Taliban at War: 2001-2021, (Oxford: Oxford University Press, 2022).
[58] الموقف الأفغاني من حرب فبراير 2026: استراتيجية المراقبة الحذرة وحصاد المكاسب، مركز الجزيرة للدراسات، 18 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2026، الساعة 11:00، متاح عبر الرابط التالي: https://studies.aljazeera.net/ar/article/5840
[59] للمزيد انظر:
- عبد الله عقيل، حركة طالبان وإدارة الأزمات الإقليمية: بين الصلابة الأيديولوجية والبراغماتية السياسية، مجلة دراسات آسيوية، المجلد 25، العدد 88، أكتوبر 2022.
- الموقف الأفغاني من حرب فبراير 2026: استراتيجية المراقبة الحذرة وحصاد المكاسب، مرجع سابق.
[60] محمد زمان، التداعيات الأمنية للصراعات الإقليمية على الجوار الأفغاني: دراسة في إدارة الحدود والميليشيات، (القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 2023).
[61] للمزيد، انظر:
- Thomas Ruttig, The Taliban’s Regional Strategy: Navigating the Middle East Crisis, (Kabul: Afghanistan Analysts Network, 2023).
- محمود سمير، حدود الانخراط الأفغاني في الصراع الإيراني الإسرائيلي: لماذا لن تقاتل كابول من أجل طهران؟، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 25 فبراير 2026، تاريخ الاطلاع: 4 مايو 2026، الساعة 9:00، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/21600/
[62] للمزيد:
- خورشيد دلي، حدود الانخراط العسكري للقوى غير النظامية في صراعات الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، المجلد 58، العدد 232، أبريل 2023.
- Barnett R. Rubin, Afghanistan’s Political Order and the Geopolitics of the Middle East, (New York: Center on International Cooperation, 2022).
نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026



