تقارير ودراساتمختارات

قضية القدس: بين سياسات التهويد.. وتخاذل عالم المسلمين.. والصمت الدولي

مقدمة:

تستحق قضية القدس أن تولى كل اهتمام ورعاية، ذلك أن للمدينة تفرد عجيب بطابعها الحضارى والتاريخي ما جعلها محط أنظار المؤمنين من الديانات السماوية الثلاث.
ولم يشفع لمدينة السلام ما تتمتع به من رمزية وقدسية وجلال في إبعادها عن ويلات الحروب والصراعات، فعلى أرض القدس ومن أجلها دارت رحى صراعات عدة، كان أحد فصولها صراع دام من القرن الحادى عشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي – فيما عرف بالحروب الصليبية -، وهي الآن في قلب صراعنا مع إسرائيل الذى استكمل قرنًا من الزمان ولم تظهر بعد فواتح انتهائه(1).
ومدينة القدس هي واحدة من أقدم مدن العالم حيث نشأت قبل حوالى خمسة آلاف سنة، في بداية العصر البرونزى، وكان الكنعانيون العموريون الذين قدموا من جزيرة العرب هم مؤسسى المدينة التي تحتل موقعًا مركزيًا بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجـي(2).”وترجع أهمية الموقع الجغرافي للمدينة إلى جمعه بين ميزة الانغلاق الذي يكفل حماية المدينة، وميزة الانفتاح الذى يمنح المدينة إمكانية الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة”(3).
وللقدس تاريخ طويل مارست خلاله دورها الديني فكانت منارة للحضارة والثقافة، لكن المدينة تعرضت لغزوات ونكبات أدت إلى هدمها وإعادة بنائها أكثر من سبع عشر مرات، وتعرضت لأكثر من عشرين حصارًا(4).
وتشير الحقائق التاريخية أن العرب الكنعانيين والعرب والمسلمين سكنوا في القدس وحكموها لفترة تقترب من 4305 سنوات(5).
وفي العصر الحديث استهدفت الحركة الصهيونية مدينة القدس منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث حدد منظرو الحركة هدفها باحتلال القدس وجعلها عاصمة لإسرائيل. وسعت الحركة منذ تأسيسها إلى تنفيذ غايات ثلاث، أولاها: إنشاء وطن قومي تاريخي لليهود في فلسطين، وثانيتها: إقامة القدس الكبرى كمشروع تاريخي لإسرائيل، وثالثها: بناء الهيكل اليهودي الثالث على أنقاض المسجـد الأقصى(6).
ومنذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين سنة 1948، ثم استيلائه على كامل القدس سنة 1967 تعيش المدينة واقع احتلال بغيض، يريد الاستئثار بالمدينة لتكون حكرًا على اليهود وحدهم. وفي سبيل ذلك يخوض الاحتلال الإسرائيلي معارك يومية لتهويد المدينة، بتغيير وضعها المادي بالاستيطان الذي استشرى في أرجائها، وبتغيير تركيبتها السكانية بطرد السكان العرب منها، وبتقويض المرجعية القانونية والمركز الخاص للمدينة بإجراءات مختلفة.
وتسعى هذه الدراسة إلقاء الضوء على السياسة التي تنفذها إسرائيل لتهويد القدس، مع استعراض موجز لموقف القانون الدولي من هذه الممارسات الإسرائيلية، على ضوء أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين زمن الاحتلال الحربي المبرمة في عام 1949 وملحقيها الإضافيين الموقعين عام 1977، ثم تعرض لمواقف مختلف الإطراف المعينة بقضية القدس في محاولة لاستشراف مستقبل المدينة المقدسة.
وتنطلق الدراسة من ثلاث مقولات:
1- إن الاستراتيجية الإسرائيلية لتهويد القدس وفرص حقائق جديدة على أرضها ظلت ثابتة لم تتغير بالرغم من انطلاق عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي في مؤتمر مدريد عام 1991.
2- إن إدراج موضوع القدس ضمن قضايا الحل النهائي إنما استهدف فصل القدس عن باقي الأراضي المحتلة، لإخراج القدس من دائرة أية التزامات يمكن أن تتعهد بها إسرائيل كنتيجة لعملية التسوية الجارية حاليًا.
3- إن قضية القدس مرشحة للمزيد من التأجيل -على الأقل في المدي المنظور – قبل البت في أمرها على ضوء التناقض الكامل بشأنها بين المواقف العربية والإسلامية والأوروبية من جهة والموقفين الإسرائيلي والأمريكي من جهة ثانية.

أولًا: الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس:

فيما يلي سنتعرض لبعض من إجراءات إسرائيل الرامية لتهويد القدس، ويعنيا أن نؤكد هنا أن تلك الإجراءات متعددة الصور، تصل فى بعض الدراسات إلى أكثر من ثلاثين نوعًا.
أ- الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وانتهاك حرية العبادة فيه:
لعل أخطر أهداف خطة تهويد القدس هو ما يتعلق بالمسجد الأقصى، ذلك أن بناء الهيكل اليهودى الثالث على أنقاض الأقصى يمثل – كما تقدم- هدفًا للحركة الصهيونية منذ انطلاقتها، وبحسب ما جاء في دائرة المعارف الصهيونية Jewish Encyclopedia فإن أحد معاني الصهيونية هي “أن اليهود يبغون أن يحزموا أمرهم ويتغلبوا على قوة الأعداء و أن يعيدوا العبادة الهيكل مكان المسجد الأقصى ويقيموا ملكهم هناك”(7). وها هو تيودور هرتسل يقول:” إذا حصلنا يومًا على القدس، وكنت لا أزال حيًا وقادرًا على القيام بأى شئ فسوف أزيل كل شئ ليس مقدسًا لدى اليهود فيها، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليهـا قــرون”(8)،وهذه إشارة من طرف خفي إلى المسجد الأقصى تحديدًا. ويتحدث الوزير البريطاني اليهودي اللورد ميلشيت في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين بصراحة أكبر فتراه يقول:”إن يوم إعادة بناء هيكل سليمان قد اقترب، وسأصرف بقية حياتي في السعي إلى إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسـجد الأقصى”(9).
ومع احتلال الجيش الإسرائيلي للقدس الشرقية في عام 1967، لم يتورع دفيد بن جوريون عن القول بأنه ” لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل “. ومنذ ذلك الحين دخلت هذه الأماني والنوايا مرحلة التنفيذ العملي، فبعد مرور أربعة أيام فقط – أي في 11/6/1967 – بدأ الإسرائيليون بتنفيذ أول مخططاتهم لتهويد الحرم القدسي الشريف، مبتدئين بهدم حي المغاربة الملاصق للمسجد الأقصى من الجهة الغربية الجنوبية، وكان حي المغاربة بمثابة حصن منيع يفصل الحي اليهودي عن المسجد الأقصى المبارك ويدفع عنه وعن المقدسات الإسلامية أي عدوان يأتي من ناحيتهم، وبعد ذلك تم ضم أراضى حي المغاربة ساحة”حائـط المبـكى”.(10) وبموجب أمر وزاري صادر في 14/4/1968 تمت مصادرة أملاك أربعة أحياء تقع خلف حائط الحرم القدسي، وهي: حي المغاربة، وحي باب السلسلة، وحي الشرف، وحي الباشورة. كما تم بموجب الأمر ذاته البدء في سلسلة من الحفريات حول الحرم القدسي بحجة الكشف عن التاريخ اليهودي وهيكل سليمان، وتركز أغلبها في المناطق الملاصقة للحائط الجنوبي والحائط الغربي للحرم. وقد مرت هذه الحفريات بتسع مراحل حتى عام 1981، لتتوغل أسفل المسجد الأقصى من الداخل، ولتؤدى إلى تصدع الأروقة الغربية للحرم القدسي الواقعة ما بين بابي السلسلة والقطانين.(11) وبالإضافة إلى الحفريات ومحاولات تهويد المناطق المحيطة بالحرم القدسي، تعرض المسجد الأقصى في 21/8/1969 لاعتداء إسرائيلي سافر هو الأبرز من بين عمليات التخطيط الإسرائيلي لهدمه، حيث اندلعت النيران في المسجد وأتت على منبر صلاح الدين بكامله فضلًا عن جزء كبير من القسم الشرقي الجنوبي للمسجد، وكان واضحًا ضلوع سلطات الاحتلال في الجريمة حيث كانت بلدية القدس قد قطعت المياه عن منطقة الحرم الشريف فور اندلاع الحريق، كما تأخرت سيارات الإطفاء التابعة للبلديـة في الوصول للمكان، كما تم إخلاء سبيل مدبر الحريق –مايكل روهان– بعد فترة وجيرة بحجة مرضه العقلي(12) وبعد فشل هذه المحاولة لم يسلم المسجد الأقصى من محاولات أخرى لنسفه والاعتداء على المصلين فيه، حيث اكتشفت السلطات الإسرائيلية في مايو 1980 وجود كميات من المتفجرات على بعد 50 مترًا من الحرم كانت معدة لنسفه. كما حاول 46 إسرائيليًا التسلل المسجد الأقصى في 11/3/1983 حاملين صناديق تحتوى على مواد متفجرة تكفي لنسف جميع الأماكن المقدسة داخل الحرم، وأقيمت لهم محاكمة صورية ثم أفرج عنهم فيما بعد(13). وفي أبريل 1984 اكتشفت سلطات الأمن الإسرائيلية تنظيمًا سريًا من رجال الجيش الإسرائيلي، كان يخطط لنسف الحرم القدسى من الجو(14).وفي نفس العام قامت جماعة ” الشحم وتائيم” بمحاولة لتفجير مسجد عمر، واكتشفت السلطات وجود عدد من القنابل اليدوية بجوار المسجد الأقصى. وقام وفد من الكنيست الإسرائيلي باقتحام الحرم القدسي في 8/1/1986، ثم حاول ثلاثة من الإهاربين تفجير الأقصى مرة أخرى في عام 1987. كما قامت القوات الإسرائيلية باقتحام المسجد في عام 1988 مما أسفر عن استشهاد 28 مواطنًا فلسطينيًا وإصابة 115 آخرين بجروح. وارتكبت قوات الاحتلال في 8/10/1990 مذبحة مروعة سقط فيها 21 فلسطينيًا فضلًا عن إصابة ما يزيد على 150 مواطنًا فلسطينيًا آخرين، وقد حدث ذلك كنتيجة لمحاولة جماعة مؤمني الهيكل المتطرفة بوضع حجر أساس رمزي للهيكل اليهودي مما أسفر عن وقوع هذه المصادمات.(15) وعلى أثر القرار الذي اتخذته حكومة بنيامين نتنياهو بافتتاح نفق أسفل المسجد الأقصى في سبتمبر 1996 اندلعت مظاهرات عنيفة من قبل الفلسطينيين احتجاجًا على القرار، وأسفرت المصادمات عن استشهاد 62 فلسطينيًا، بالإضافة إلى قتل ثلاثة فلسطينيين في الحرم الشريف وإصابة المئات بجروح.
ومن جهة أخرى، فقد دأبت الكثير من الجماعات الدينية والسياسية اليهودية على إقامة الصلوات اليهودية في ساحة الحرم القدسي، كخطوة لإثبات حقوقهم الدينية فيه. ففي 15/8/1967 قام شلومو غورين رئيس حاخامات الجيش الإسرائيلي باقتحام الحرم مع عشرين من جماعته وأقاموا الصلاة في الحرم(16) وفي 22/7/1970 قامت مجموعة من جماعة جابوتنسكي بالدخول إلى الحرم وإقامة الصلاة والاعتداء على المصلين المسلمين، وذلك في إطار إحياء الجماعة للذكرى الحادية والثلاثين لوفاة الزعيم الصهيوني جابوتنسكي(17). هذا وقد تشجع الكثير من اليهود على القيام باعتداءات متواصلة لانتهاك حرمة الحرم القدسي واقتحام أبوابه وتأدية الصلوات بعد القرار الذي اتخذته قاضية محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس بتاريخ 28/1/1976، والذي يقضي بإباحة الصلاة لليهود في الحرم القدسي الشريف.(18) وشهد العام 1985 قيام عشرين عضوًا في الكنيست باقتحام حرم المسجد الأقصى والصلاة فيه.
وبعد عشرة أيام فقط من توقيع اتفاق المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي -أي في 23/9/1993– صفعت المحكمة الإسرائيلية العليا وجوه الجميع بقرارها القاضي باعتبار حرم القدس الشريف بما في ذلك المسجد الأقصى جزءًا من أرض إسرائيل(19)، كما أصدرت ذات المحكمة في 3/8/1995 حكمًا يسمح لجماعة “أمناء جبل البيت” المتطرفة بدخول الحرم الشريف والصلاة فيه. وعلى أثر ذلك قامت الشرطة الإسرائيلية في 24/8/1995 بإرسال عشرة متطرفين للصلاة داخل المسجد الأقصى(20). وعادت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى إصدار قرار في 21/7/1999 يؤكد السماح لأعضاء جماعة “أمناء جبل البيت” المتطرفة بدخول المسجد الأقصى والصلاة فيه(21).
ولم يشهد عام 1999 تحولًا يذكر على صعيد الاعتداءات على الأقصى والمصلين فيه بل يمكن القول إن التدخل الإسرائيلي في إدارة شئون المسجد قد تزايد في محاولة لمناطحة الجهات الإسلامية المناط بها القيام على أمر الأقصى.فقد اعترضت الحكومة الإسرائيلية في فبراير 1999 على نقل مكتب الشيخ عكرمة صبري – مفتي القدس والديار الفلسطينية – داخل الحرم القدسي زاعمة أنه تغيير للأمر الواقع. وفي شهر أغسطس 1999 تدخلت الشرطة الإسرائيلية لسد منفذ في مبني المسجد الأقصى القديم كانت قد فتحته إدارة الأوقاف الإسلامية أثناء قيامها بعملية ترميم، وادعت الشرطة أن الأوقاف الإسلامية فتحت المنفذ بصورة غير شرعية. وأثار الحادث ردود فعل من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فقد وصف الشيخ عكرمة صبري العلمية بأنها ” اعتداء وتدخل في شئون المسلمين ” قائلًا:” نحن لا نأخذ تصريحًا من أحد، والترميم مستمر، ولا علاقة لليهود بالأقصى “، وأضاف أن ” هذه المشكلة مفتعلة ولا تستحق هذه الضجة والمنفذ ضـرورى للتهويـة والإنـارة “(22).كما صرح عدنان الحسيني مدير الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة – تعقيبًا على هذا الحادث – أن ” إغلاق السلطات الإسرائيلية لإحدى بوابات المسجد الأقصى يمثل محاولة إسرائيلية لافتعال أزمة لا مبرر لها ” مشيرًا أن ” أعمال الترميم في المسجد الأقصى ستستمر ولن تتوقف، وليس من حق السلطات الإسرائيلية التدخل في شئون المسجد الأقصى لأنه موقع ديني إسلامي ترتبط به عقيدة أكثر من مليار مسلم في العالم” (23).
وعلى الجانب الآخر، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلى إيهود باراك عن رضاه لقيام الشرطة الإسرائيلية بإغلاق المنفذ قائلًا: إن فتح المنفذ في جبل الهيكل غير شرعي وخطوة أحادية الجانب لن تمر بسهولة “، وأضاف:” أنا مسرور لتصرف الشرطة السليم “. وصرح شلومو بن عامي وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أن ” هذه المسألة تشكل انتهاكًا فاضحًا للوضع القائم في باحة الأقصى وهو ما استدعى تدخلًا عاجلًا من قبل الشرطة “(24). وفي سياق مشابه، اتخذ رئيس بلدية القدس الإسرائيلي إيهود أولمرت قرارًا باللجوء إلى محكمة القدس لإرغام الأوقاف الفلسطينية على إقفال مدخل جديد للمصلى المرواني تحت المسجد الأقصى(25).
ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل تعترف بإشراف دائرة الأوقاف الإسلامية على باحة الأقصى لكن من دون الاعتراف بملكيتها للباحة، وتعارض السلطات الإسرائيلية تنفيذ أي بناء أو ترميم في الباحة من دون إذن مسبق منها، وسبق أن اعترضت إسرائيل على تجديد المسجد الأقصى في عام 1998 لكنها وافقت على ذلك في نهاية الأمر(26).
وعلى صعيد آخر، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية يهوديًا متطرفًا – يدعي هرتسل مزوز- في أثناء محاولته التسلل المسجد الأقصى، وهو يحمل كميات كبيرة من المتفجرات كان ينوي استخدامها لنسف المسجد أو قبة الصخرة. وأطلقت الشرطة سراح مزوز بكفالة وفرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، وذلك رغم خطورة التهم الموجهة إليه(27).
هذا وقد تزايدت عمليات الاعتداء على المسجد الأقصى منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الآن، حيث سجل72 اعتداء فى هذه الفترة. فى حين كانت قد بلغت 40 اعتداء فى الفترة الواقعة بين عامى 1967 و 1990(28).
وتنقسم هذه الاعتداءات إلى أربعة أشكال رئيسية: إشعال الحرائق، إطلاق النار على المصلين، محاولات النسف والقصف، الاقتحامات والصلوات الاستفزازية(29).
ويذكر أن هناك أكثر من 25 تنظيمًا يهوديًا متطرفًا تستهدف بأنشطتها المسجد الأقصى، أهمها حركة ” أمناء جبل البيت ” التى تهدف إلى إزالة الوجود الإسلامى من القدس، وحركة ” إقامة البيت المقدس ” التى تنظم صعود المتدينين إلى الحرم القدسى وتقيم الصلوات هناك، و”صندوق جبل الهيكل ” الذى يستهدف تمويل نشاطات غرضها هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبناء الهيكل فى موقع الحرم، وجمعيـة ” عريشة السلام ” التى تهدف إلى تعزيز النشاط التعليمى لزيادة إدراك موضوع الهيكل بتقديم المنح المالية وإصدار الكتب الخاصة بذلك، و” مؤسسة معبد القدس ” التى تجمع سنويًا نحو مليون دولار لتمويل نشاطات حركية يهودية تعمل على إقامة الهيكل(30).
ورغبة منها فى تعزيز سيطرتها على المسجد الأقصى، تستعد أجهزة الأمن الإسرائيلية لتنفيذ خطة أمنية موسعة فى البلدة القديمة تشمل نصب كشافات إضاءة وأجهزة مراقبة إليكترونية على بوابات المسجد الأقصى، إضافة إلى نشر أعداد ضخمة من رجال الشرطة والجيش داخل البلدة القديمة مع اقتراب نهاية العام 1999 فى ظل تزايد تهديدات الحركات الصهيونية المتطرفة بشن اعتداءات دموية. وقد اعترض الشيخ محمد حسين مدير وخطيب المسجد الأقصى على هذه التدابير مؤكدًا ” أن مسئولية المحافظة على المسجد تقع على عاتق الهيئة الإسلامية دون غيرها”(31).
وعلى صعيد مسألة حرية العبادة فإن إسرائيل تفرض منذ بداية التسعينات حصارًا عسكريًا مشددًا على مدينة القدس تمنع بموجبه الفلسطينيين من باقى الأراضى الفلسطينية التى احتلتها عام 1967 من دخول مدينة القدس وأداء الصلاة فى مساجدها أو كنائسها باستثناء من تعطيهم تصاريح بذلك(32). وفى هذا السياق منعت الشرطة الإسرائيلية آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى الحرم القدسى لتأدية الصلاة فى يوم الجمعة4/6/1999 خوفًا من تظاهر المصلين بعد الصلاة استجابة لمسيرة الاحتجاج التى دعا إليها المؤتمر الوطنى الخامس لمواجهة الاستيطان فى حى رأس العامود الذى لا يبعد أكثر من 150 مترًا عن باحة المسجد الأقصى(33).
ومن الجدير بالذكر أن تقييد حرية العبادة الذى هو إجراء إسرائيلى متكرر لا يخالف المواثيق الدولية فحسب، بل هو مخالف لما قطعته إسرائيل على نفسها من تعهد بشأن ” توفير حرية العبادة للديانات المختلفة فى المدينة والمحافظة على الوضع القائم للأماكن المقدسة ” فى بيان الحكومة الإسرائيلية الصادر فى 14/3/1999 كرد على موقف الاتحاد الأوروبى من القدس(34).
وإمعانًا فى انتهاك وتحقير المقدسات الإسلامية،قامت شركة بارون الإسرائيلية لصناعة الخمور بوضع ملصق يصور مدينة القدس الشريف يتوسطها المسجد الأقصى وقبة الصخرة كعلامة تجارية على زجاجات النبيذ، وهو ما استنكره المجلس الإسلامى للدعوة والإغاثة(35).

ب- مصادرة هوايا المقدسيين العرب وطردهم من المدينة:

يحتل العنصر الديموجرافى مكانًا بارزًا من استراتيجية إسرائيل الرامية إلى تهويد القدس وتحقيق أغلبية يهودية فيها. وبصفة عامة فقد كانت نسبة السكان اليهود فى القدس فى تزايد مستمر، ففى حين لم يزد عددهم فى عام 1918 عن عشرة آلاف شخص كانوا يمثلون 25% من إجمالى سكان القدس، ارتفع العدد إلى 51.2 ألفًا فى عام 1931 (بنسبة 56.6 % من إجمالى سكان القدس) ثم قفز عددهم إلى مائة ألف فى عام 1948. ومع اندلاع حرب فلسطين فى هذا العام الأخير تم تهجير عدد كبير من فلسطينيى القدس فوصلت نسبة السكان اليهود فى القدس إلى 97.2 %، ثم وصل عددهم إلى حوالى 190 ألفًا فى سنة 1967، كلهم يتركز فى القدس الغربية حيث لم يكن هناك يهودى واحد فى القدس الشرقية قبل عدوان يونيو 1967(36)
وبفضل السياسة المتبعة فى النواحى الديموجرافية، استطاعت إسرائيل لأول مرة تحقيق غالبية يهودية فى القدس الشرقية فى يوليو 1993 حيث بلغ عدد اليهود فى الشطر الشرقى من المدينة 160 ألف نسمة فى مقابل 155 آلاف فلسطينى. وذلك فى حين بلغت نسبة اليهود فى المدينة بشقيها 78 % من إجمالى سكان القدس فى نفس الشهر المشار إليه(37).
ويرجع ارتفاع عدد اليهود فى القدس الشرقية إلى توطين جزء كبير من يهود الاتحاد السوفيتى السابق فى الجزء الشرقى من مدينة القدس(38)، حيث بلغ عدد المستوطنين اليهود فى القدس الشرقية 170 ألف مستوطن بحسب إحصاءات عام 1994(39).
وفى المقابل كان عدد العرب فى مدينة القدس حوالى 30 ألفًا فى عام 1918، وزاد العدد إلى 39.2 ألفًا فى عام 1931 (نسبة 39.2 %)، ثم وصل عددهم إلى حوالى 100 ألف فى أوائل سنة 1948، وبعد اندلاع الحرب فى مايو من ذلك العام ارتكبت المنظمات الصهيونية مجازر عديدة بحق السكان العرب مما أدى إلى تهجير وطرد حوالى 65ألف فلسطينى ن القدس، ولم يسمح لهم بالعودة فيما بعد(40).
وبعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية دأبت إسرائيل على اتخاذ إجراءات مختلفة لترحيل عرب القدس. وبحسب القانون الإسرائيلى يعتبر فلسطينيو القدس مقيمين دائمين ولهم حق التصويت فقط فى الانتخابات البلدية للمدينة، ويفقد هؤلاء حق الإقامة فى القدس فى أى من الحالات التالية:(41)
1- إذا حصلوا على جنسية أخرى
2- إذا سجلوا إقامتهم فى مدينة أخرى غير القدس
3- إذا عاشوا خارج القدس 7 سنوات متتالية.
وباستقراء مضمون السياسة الإسرائيلية المطبقة فى القدس الشرقية القائمة على تقليص عدد السكان الفلسطينيين واستحداث واقع ديموجرافى جديد يمكن استنتاج أن هذه السياسة تهدف إلى إحباط أية محاولة لتحدى السيادة الإسرائيلية الفعلية على القدس الشرقية لإجبار العرب على القبول والتسليم بالأمر الواقع الذى بات مختلفًا تمامًا عما كان عليه الحال الرابع من يونية 1967(42).
وبعد تولى حكومة بنيامين نتنياهو بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية بتطبيق سياسة إلغاء إقامة الفلسطينيين فى القدس الشرقية لكل فلسطينى لا يستطيع إثبات أنه يسكن فى القدس وأنه عاش فيها فى الماضى على نحو متصل، وبذلك تلغى إقامة أى مقدسى عربى عاش مرحلة من حياته خارج الحدود البلدية للمدينة،كما تستخدم الوزارة معايير أخرى غير معروفة من أجل إلغاء أذونات الإقامة.
وفى إطار هذه المعركة الديموجرافية، كشفت منظمه “بتسليم” الإسرائيلية للدفاع عن حقوق الإنسان فى تقرير لها عن عدد المقدسيين العرب الذين سبحت منهم بطاقات الهوية وألغيت بالتالى إقامتهم فى المدينة. وبلغ هذا العدد 23 شخصًا فى عام 1987، 82 شخصًا فى عام 1988، 36شخصًا فى عام 1990، 20 شخصًا فى عام 1991، 41 شخصًا فى عام 1992، 32 شخصًا فى عام 1993، 45 شخصًا فى عام 1994، 91 شخصًا فى عام 1995، 739 شخصًا فى عام 1996، 1067 شخصًا فى عام 1997، 788 شخصًا فى عام 1998، 127 شخصًا فى عام 1999)حتى أبريل 99). وصرح عزمى أبو السعود مدير مركز الحقوق المدنية والاجتماعية فى بيت الشرق – تعقيبًا على هذا التقرير أن ” حكومتى العمل والليكود تحاولان ضمان بقاء الفلسطينيين كأقلية داخل القدس للحيلولة دون أن تصبح لنا عاصمة هنا”(43).
وبحسب بعض التقديرات فإن هناك 50 ألف إلى 60 ألف فلسطينى مقدسى معرضون لفقدان حق الإقامة بالمدينة حيث منهم الطلاب الذى يدرسون فى الجامعات الأجنبية، ومنهم من سافر لعمل فى دول أخرى، ومنهم من اشترى منازل فى ضواحى القدس ومدن الضفة الغربية القريبة من المدينة(44).
وتشير دراسة نشرها مركز فلسطين لحقوق المواطنة واللاجئين إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلى قد طردت 200 ألف مواطن فلسطينى من مدينة القدس منذ عام 1967، حيث تجبر إسرائيل سنويًا 8 % من الفلسطينيين الذين يحملون هويات المدينة المقدسة على الرحيل إلى خارج المدينة بحجج وذرائع الإجراءات الإدارية والقانونية المعقدة التى تتخذ ضدهم(45).
ومن ناحية أخرى تعكف وزارة الاستيعاب و الهجرة اليهودية على تنفيذ مخطط يستهدف استقدام 50 ألف يهودى روسى جديد وإسكانهم مباشرة داخل الحدود البلدية للمدينة التى تعج بالوحدات السكنية الاستيطانـية الفارغـة(46).
وعلى أى حال، تتضح سياسة إسرائيل السكانية فى مدينة القدس من خلال ما أكده يوسف شمطوب – مسئول تعداد السكان فى وزارة الداخلية الإسرائيلية -،بأن هنالك حاجة للحفاظ على القدس الموحدة ذات غالبية يهودية تتراوح بين 75 إلى80%(47).
هذا بينما صرح أرييل شارون زعيم حزب الليكود ووزير البنى التحتية السابق أنه ” يجب أن يكون فى القدس – العاصمة الأبدية لإسرائيل – أغلبية يهودية. ونحن نسير وفق رؤيا بعيدة بحيث يكون فى القدس الكبرى مليون يهودى “(48).

ج- هدم منازل المقدسين العرب وتقييد البناء العربى فى القدس:

دأبت إسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية فى يونيه 1967 على القيام بأعمال هدم ونسف للممتلكات العربية بالمدينة. ولم يكد يمضى شهر على احتلال المدينة حتى أزالت قوات الاحتلال حى المغاربة بكامله والذى كان يضم 135 منزلًا يسكنها 650 شخصًا فضلًا عن مسجدين فى الحى بالإضافة إلى هدم 200 منزل ومخزن فى المناطق الحرام(49).
وفى 14/6/1969 قامت إسرائيل بنسف 14 دارًا من الدور الدينية والأثرية العربية وهدمها، وذلك بحجة توسيع امتداد الحائط الغربى للحرم الشريف
(حائط البراق).
وعلى مدى سنوات عديدة لجأت إسرائيل إلى التضييق على المقدسيين العرب لإجبارهم على الرحيل من المدينة، فخلال الأشهر الأولى للاحتلال نسف الجيش الإسرائيلى 24 دارًا بحجة الانتقام من أعمال المقاومة(50).
ويذكر تقرير حديث أصدرته وزارة الإعلام الفلسطينية أن سلطات الاحتلال قامت بتدمير، ما مجموعه 226 منزلًا يمتلكها فلسطينيون فى القدس منذ عام 1990 وحتى 25 أبريل 1999. وتوزيعها كما يلى: 25 منزلًا فى عام 1990، 27 منزلًا فى عام 1991، 28 منزلًا فى عام 1992، 31 منزلًا فى عام 1993، 15 منزلًا فى عام 1994، 6 منازل فى عام 1995، 15 منزلًا فى عام 1994، 6 منازل فى عام 1995، 18 منزلًا فى عام 1996، 34 منزلًا فى عام 1997، 32 منزلًا فى عام 1998، عشرة منازل فى الأربعة أشهر الأولى من عام 1999(51).
ودائمًا ما اتبعت إسرائيل فى القدس سياسة عنصرية تهدف إلى تقييد البناء العربى من خلال تقليص تراخيص البناء الممنوحة للعرب فى مقابل توفير السكن للمستوطنين اليهود. ” ومنذ سنة 1967 لم تتعد مشاريع البناء الجديدة لفلسطينيين فى القطاع العربى من المدينة نسبة 12 %، فى حين بلغت نسبة المشاريع البنائية المخصصة للإسرائيليين 90% خلال الفترة 1977-1983. وهذا الرقم يمكن ترجمته واقعيًا إلى بناء 2170 شقة سنويًا للإسرائيليين مقابل 230 شقة فقط للفلسطينيين”(52).
ويتعدى الأمر ذلك ليصل إلى إصدار أوامر الهدم للمنازل المملوكة للفلسطينيين التى تصاعدت وتيرتها فى القدس الشرقية منذ مطلع عام 1999 فبلغت حتى نهاية مارس من نفس العام 53 أمر هدم لمنازل ومبان لفلسطينيين فى القدس الشرقية ويقع معظمها فى أحياء بيت حنينا وشعفاط والعيسوية. وخلال نفس الفترة لم تصدر بلدية القدس سوى 6 أوامر هدم فقط يملكها سكان يهود فى الشطر الغربى من المدينة، ولم ينفذ منها إلا أمر هدم واحد فى مقابل تنفيذ 10 أوامر هدم فى القدس الشرقية. وهذا وجه آخر للسياسة العنصرية التى تطبقها بلدية القدس بزعامة الليكودى المتطرف إيهود أولمرت.
كما أصدرت بلدية أولمرت خلال فترة الشهور الثلاثة الأولى من عام 1999 152 أمرًا بوقف أعمال بناء فى القدس الشرقية، فى حين بلغ مجموع أوامر وقف أعمال البناء فى القدس الغربية 35 أمرًا فقط خلال الفترة ذاتها(53).

د- تنفيذ مخطط القدس الكبرى:

منذ احتلال القدس الشرقية في عام 1967، انشغلت سلطات الاحتلال بالتخطيط والتنفيذ لمشروع ” القدس الكبرى ” الذي يستهدف ضم مساحات واسعة من المحافظات المحيطة بالقدس في قضاءي رام الله والبيرة من جهة، وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والقرى ومخيمات الشرف من جهة أخرى. وتشكل هذه كلها حوالي 30 %من مساحة الضفة الغربية(54).
وفي مقال نشر بصحيفة معاريف الإسرائيلية في 26/3/1969 تحت عنوان ” القدس الكبرى كعاصمة لإسرائيل “، جرى الكشف لأول مرة عن مشروع القدس الكبرى الذي ” صمم وخطط لخمسين سنة قادمة، وعلى أساس أن عدد السكان فيها سيزداد ليبلغ حوالي 900 ألف تكون غالبيتهم من اليهود “، ونظرًا لمركزية هذا المشروع في سياسة تهويد المدينة فقد أطلقت عليه السلطات الإسرائيلية اسم ” المشروع الأب”(55).
ويرتكز مخطط القدس الكبرى على الاستيطان كأداة رئيسية لتنفيذه، بالإضافة إلى مصادرة الأراضي، وحتى مارس 1999 صادرت إسرائيل 24 كيلو مترًا داخل حدود القدس الموسعة، وشيدت فوقها 45 ألف وحدة استيطانية(56).
وتفيد دراسة متخصصة عن الاستيطان فى مدينة القدس أنه توجد حاليًا 15 مستعمرة إسرائيلية كبيرة تقع داخل حدود بلدية القدس الموسعة وهى: (الحي اليهودى، نفي يعقوف، رموت، غيلو، تالبيوت الشرقية، معلوت دفنا، الجامعة العبرية، ريخس شعفاط، رمات أشكول،بسفات زئيف، عطروت، غفعات همطوس، مستوطنة جبل أبو غنيم، التلة الفرنسية، وقرية داود)(57).
واستطاعت إسرائيل فيما بين عامي 1967 و 1992 إنشاء 37 بؤرة استيطانية جديدة داخل أسوار البلدة القديمة. وبعد انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991، اشتعل سعار الاستيطان في القدس، رغبة من إسرائيل في استغلال عامل الوقت لتركيز الاستيطان في المدينة وصولًا إلى نقطة اللا عودة بحيث يفاجأ المجتمع الدولي بالحقائق التى تعمل إسرائيل على غرسها في المدينة وضواحيها، وبذلك تطوي إسرائيل صفحة القدس قيل أن يبدأ النقاش حول مصيرها(58)

هـ – تقويض الأساس القانونى لقضية القدس:

بعد نجاح إسرائيل فى فرض الأمر الواقع بتهويد القدس وتضييق السبل أمام المقدسيين العرب وتصعيد الاستيطان فى مختلف أنحاء المدينة، تسعى إسرائيل منذ مؤتمر مدريد إلى تقويض الأساس القانونى والوضع الخاص المتعلق بالمدينة، وذلك من خلال عدة إجراءات(59):
1- التأكيد المستمر على أن ” القدس هى العاصمة الأبدية لإسرائيل “. ويمكن للمرء أن يلاحظ أنه ما من رئيس وزراء إسرائيلى إلا وأدلى بهذا التصريح بدءًا من بن جوريون وحتى باراك الذى صرح لصحيفة لوموند الفرنسية قبيل زيارته إلى فرنسا وألمانيا فى آخر ديسمبر 1999 ” أن القدس الموحدة ستبقى العاصمة لأبدية لدول إسرائيل”(60).
كما صرح ديفيد ليفى وزير خارجية إسرائيل فى بداية مفاوضات الوضع النهائى فى سبتمبر 1999 “أن القدس ستبقى مدينة موحدة وخاضعة لسيادة إسرائيل”، كما أكد ليفى أنه “لا مجال للعودة إلى حدود ما قبل الرابع من يونيو عام 1967″، وذلك فى استباق ومصادرة على نتيجة المفاوضات منذ بدايتها(61).
2- التأكيد على أن مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو تشكل المرجعية الأساسية والوحيدة لعملية التسوية، ومحاولة التنكر لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقدس وقضية فلسطين عمومًا وإبعاد الأمم المتحدة كليًا عن عملية التسوية. وبعبارة أخرى فإن لسان حال إسرائيل يقول إن الشرعية الاتفاقية تجب الشرعية الدولية. وعلى سبيل المثال اعتبر إرييل شارون وزير الخارجية الإسرائيلى السابق أن “القرار 181 لاغ وباطل”، وصرح عقب الرسالة التى أكد فيها الاتحاد الأوروبى موقفه من مدينة القدس كمدينة محتلة بأنه “صحيح أن الأمم المتحدة اتخذت قرار التقسيم رقم 181 الذى نص على تدويل مدينة القدس لكن الدول العربية رفضت هذا القرار وشنت سبع دول حربًا على إسرائيل التى انتصرت عليها. وعليه فإن موقف إسرائيل من هذا القرار هو أنه لاغ وباطل.. وهنالك إجماع إسرائيلى عارم بالنسبة إلى القدس التى ستبقى عاصمة أبدية لإسرائيل”(63).
وسيرًا على نفس الطريق زعم باراك أن قرار مجلس الأمن رقم 242 لا ينطبق على الأراضى الفلسطينية فى الضفة والقطاع، ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن باراك قوله: “إن هذا القرار يشمل فقط أراضى دول تتمتع بالسيادة مثل مصر وسوريا”(63).
كما احتجت إسرائيل بشدة على قرار الدورة الاستثنائية العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بعقد مؤتمر دولى بشأن تنفيذ اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضى الفلسطينية المحتلة، وجاء هذا الاحتجاج على لسان دورى جولد السفير الإسرائيلى لدى الأمم المتحدة الذى قال: “يجب أن يكون مفهومًا أنه منذ العام 1949، فإن الأطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة لم تعقد مؤتمرًا قط فيما يتعلق بأى صراع فى العالم”.
وأضاف جولد ” إن المادة الأولى من الاتفاقية لا تقدم أى وسائل لتنفيذها فى حالات بعينها، وهذه المبادرة المعادية لإسرائيل تنشئ الآن آلية ستكون سابقة لتطبيق انتقائى مسيس لاتفاقية جنيف”(64)
3- الإيحاء بكل الطرق الرمزية بأن القدس هى عاصمة إسرائيل مهما كره العرب والعالم. وفى هذا السياق أقامت إسرائيل احتفالية الألف الثالثة لإعلان القدس عاصمة لملكة يهوذا عام 996 ق.م واستمرت الاحتفالية من سبتمبر 1995 حتى غاية عام 1996.” وتهدف إسرائيل من وراء هذه المظاهرة إلى ترسيخ ادعاءاتها بحقوق الشعب اليهودى التاريخية والدينية فى مدينة القدس ملكًا خالصًا له وعاصمة أبدية لدولته”(65).
واستمرارًا على نفس المنوال، استغلت إسرائيل المعرض الذى تقيمه شركة والت ديزنى بولاية فلوريدا الأمريكية تحت عنوان ” قرية الألفية ” لكى تقيم جناحًا إسرائيليًا خاصًا شعاره ” القدس عاصمة إسرائيل ” ما أثار ضجة كبيرة حول استغلال إسرائيل للمعرض – الثقافى والترفيهى بالأساس- لعرض مواقفها السياسية(66).
4- تشجيع مختلف الدول على نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، وفى هذا الإطار فإن ثمة ضغوطا مورست على دول بعينها)موريتانيا – البوسنة والهرسك) لاتخاذ مثل هذه الخطوة لكنها لم تسفر حتى الآن عن النتيجة المرجوة(67).

ثانيًا: موقف القانون الدولى من الممارسات الإسرائيلية لتهويد القدس:

بالتوازي مع الإجراءات التي تتبعها إسرائيل لتهويد القدس، دأبت هذه على الادعاء دائما بعدم انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، متذرعة بحجج شتى لا تصمد أمام المنطق القانوني السليم. ومن هذه الحجج: أن استيلاء إسرائيل على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967 كان نتيجة أو رد فعل لعدوان مصر وسوريا والأردن على إسرائيل، (وهذا تفسير معتل لنظرية الدفاع الشرعي الوقائي). ومنها أيضًا الزعم بأن مصر والأردن كانتا تحكمان الأراضي الفلسطينية حكمًا عسكريًا غير مشروع، أو الدفع بنظرية فراغ السيادة من خلال الادعاء بأن الأراضى المحتلة كانت مناطق مدارة وبالتالى لم يكن لأحد سيادة عليها قبل احتلال إسرائيل لها(68) وخلافًا لهذا الموقف الإسرائيلي، أكدت مختلف محافل الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على القدس، بوصفها جزءًا من إقليم محتل.” ومنذ إنشاء اللجنة الخاصة المعينة بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية، تقوم هذه اللجنة بإدراج القدس الشرقية في تفسيرها لمصطلح “الأراضي المحتلة ” التي تدخل في نطاق اتفاقيات جنيف، كما أنها قدمت التقارير بشكل منتظم عن التطورات في القدس الشرقية. ومنذ السنوات الأولى للاحتلال قامت الجمعية العامة ومجلس الأمن بتكرار مطالبة إسرائيل بالتقيد بأحكام الاتفاقية في الأراضي المحتلة.”(69) وفي عام 1973 أكدت الجمعية العامة في قرارها رقم 3092 في دورتها الثامنة والعشرين أن اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنين وقت الحرب “تنطبق على الأراضى العربية التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967 بما فيها القدس”(70) وهو ما عادت الجمعية العامة إلى توكيده ثانية في عام 1975 في قرارها رقم 3525 في دورتها الثلاثين حيث طالبت الدول الأطراف في الاتفاقية بأن تبذل كافة الجهود لكفالة امتثال إسرائيل لها. وعلى أثر سن الكنيست لإسرائيلي لـ “قانون القدس الأساسي” وجهت الجمعية العامة أشد اللوم لإسرائيل على ذلك مؤكدة أن سن “القانون الأساسي” يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، ولا يؤثر على استمرار تطبيق اتفاقية جنيف على الأراضي العربية المحتلة منذ يونيو 1967 بما فيها القدس مشيرة إلى بطلان كل التدابير والإجراءات التشريعية والإدارية التي تتخذها إسرائيل لتغيير طابع ومركز مدينة القدس، وعدم اعتراف الجمعية بهذا القانون أو بأي إجراء آخر مشابه(71).
كما أصدرت الجمعية العامة قراراها رقم 47 في دورتها التاسعة الستين في 11 ديسمبر 1992 الذي أكد في ديباجته على “عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وأن تتمتع الأراضي المحتلة بما فيها القدس بالحماية الدولية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة”(72)
وعلى نفس الدرب سار مجلس الأمن الدولي، الذي أكد – عقب سلسلة من الاجتماعات التي كرست لمناقشة سياسات وممارسات إسرائيل في المدينة المقدسة – على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي العربية التي احتلت في عام 1967 بما فيها القدس(73)، وبالذات في قراره رقم 446 لعام 1979. وذلك فضلًا عن سلسلة من القرارات الأخرى التي تدين الممارسات الإسرائيلية في المدينة والتي من أمثلتها القرار (250/1968) الذي دعا إسرائيل إلى الامتناع عن إقامة عرض عسكري في القدس، والقرار (252/1968) الذي طالب إسرائيل بإلغاء جميع إجراءاتها لتغيير وضع القدس، والقرار (271/1969) الذي أدان إسرائيل لتدنيسها المسجد الأقصى بافتعال الحريق فيه في 21/8/1969 ودعاها إلى التقيد بدقة بنصوص اتفاقية جنيف وبالقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري، والقرار رقم (478/1980) الذي أدان “القانون الأساسي للقدس” الذي ينتهك القانون الدولي ولا يؤثر في استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة بما فيها القدس، وأعلن المجلس عدم اعترافه بهذا القانون ودعا الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس إلى سحبها من المدينة، والقرار رقم (672/1990) الذي أدان المذبحة التي ارتكبتها قوات الأمن الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف في 8/10/1990 والتي راح ضحيتها ما يزيد على 20 قتيلًا وأصيب فيها ما يربو على 50 1 شخصًا بجراح من المدنيين والمصلين الأبرياء، وطالب القرار إسرائيل مجددًا بالوفاء بدقة بالتزاماتها ومسئولياتها القانونية المقررة بموجب اتفاقية جنيف، والقرار رقم)1073/1996) الذي دعا إسرائيل للتراجع عن الإجراء المتخذ بفتح نفق بجوار المسجد الأقصى وما ترتب عليه من سقوط قتلى وجرحى، ودعا إلى ضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين وحمايتهم.(74)
وباعتبارها المنظمة الأكثر اهتمامًا واختصاصًا بالتراث الثقافي والإنساني العالمي، فقد أولت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة – اليونسكو – أهمية خاصة لمدينة القدس، واحتلت مشكلة المقدسات فيها مساحة كبيرة من النقاشات في دورات اليونسكو المتتالية ومع اندلاع حرب 1967، بادر الأمين العام للمنظمة بإرسال مذكرة للأطراف المختلفة يذكرهم فيها بالتزاماتهم وفقًا لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية والدينية المبرمة عام 1954 مقترحًا عليهم تعيين مفوض عام يمثل منظمة اليونسكو لحماية الممتلكات الثقافية والدينية بمدينة القدس(75)
ولم يلبث المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو إلا وأصدر قرارة رقم)15م / 3.343) في دورته الخامسة عشرة عام 1968 الذى طالب إسرائيل بالمحافظة بدقة على جميع الممتلكات الثقافية بمدينة القدس والتوقف عن القيام بأية حفريات أثرية أو أن تنقل هذه الممتلكات أو أن تجري أي تغيير في معالمها أو طابعها الثقافي والتاريخي(76). وتواصل اهتمام المنظمة بالموضوع لا سيما بعد محاولة إحراق المسجد الأقصى، حيث تبنى المؤتمر العام سلسلة من القرارات لعل أهمها القرار رقم)18م/3.427) الصادر في 20/11/1974 الذي أدان إسرائيل لموقفها المناقض للأهداف التي تتوخاها المنظمة كما وردت في ميثاقها التأسيسى باستمرارها في تغيير معالم مدينة القدس التاريخية وفي إجراء الحفريات التي تشكل خطرًا على آثارها، وذلك عقب احتلالها غير الشرعي لهذه المدينة. ودعا القرار المدير العام لليونسكو إلى عدم تقديم أي عون في ميادين التربية والعلم والثقافة إلى إسرائيل حتى تحترم بدقة قرارات المنظمة السابقة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي ذات الصلة(77)
واستمر المؤتمر العام والمجلس التنفيذي لليونسكو في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية من خلال تبنيهما لعدة قرارات لاحقة كان آخرها القرار الذي تبناه المجلس التنفيذي لليونسكو في دورته المنعقدة في يونيو 1999 حيث تجاوز هذا القرار معالجة قضية صيانة التراث في المدينة المقدسة ليصل إلى إعادة طرح موضوع القدس سياسيًا كمدينة محتلة مطالبًا المدير العام للمنظمة -فيدريكو مايور- بتعيين شخصية دولية، تقوم بإعداد تقرير شامل حول ما يجري في القدس المحتلة، من انتهاكات لاتفاقيتي جنيف ولاهاي الخاصتين بالأراضي الواقعة تحت الاحتلال، ليتم تقديم التقرير إلى المؤتمر العام لليونسكو الذي ينعقد في أكتوبر. كما جدد القرار التذكير بالقرارات السابقة التي تطالب بالامتناع عن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يغير الطابع الديني أو الثقافي أو التاريخي أو السكاني للمدينة، أو يخل بتوازن الموقع في مجموعه(78).
ومن ناحية أخرى، فقد اتخذت الجمعية العامة فى فبراير 1999، فى دورتها الاستثنائية العاشرة قرارًا مهمًا ينص على عقد مؤتمر دولى بجنيف فى الخامس عشر من يوليو 1999 لاتخاذ إجراءات فعلية لتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضى الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس كما نص القرار أيضًا على “إلغاء وإبطال وعدم صلاحية جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية، التى اتخذتها إسرائيل) السلطة القائمة بالاحتلال) لتغيير، أو لمحاولة تغيير الطابع والمركز القانونى والتكوين السكانى للقدس، وبقية الأراضى الفلسطينية المحتلة، بما فى ذلك التشريعات المتعلقة بالبناء فى مستوطنة جبل أبو غنيم “. وقد صدر القرار بموافقة 115 دولة، مقابل صوتين معارضين فقط هما إسرائيل والولايات المتحدة، وامتنعت خمس دول عن التصويت(79)
ويستند قرار الجمعية العامة هذا إلى أساس قانونى ذى شقين، أولهما: الصفة الآمرة لقواعد الدولى الإنسانى والتزام إسرائيل بتطبيق أحكامه نظرًا لتوقيعها على الاتفاقية دون تحفظات جوهرية فضلًا عن أن الاتفاقية من نوع المعاهدات الجماعية ذات الصفة العالمية الملزمة لكل دول العالم بما فيها الدول غير الموقعة عليها. وثانيهما: الارتباط القانونى القائم بين الاتفاقية وميثاق الأمم المتحدة، حيث ينص الميثاق فى الفقرة رقم 6 من المادة 2 على أن هيئة الأمم المتحدة ستعمل على أن تسير الدول على المبادئ التى جاءت فى هذا الميثاق والتى من أهمها العمل على حماية الإنسان من ويلات الحروب، وكذلك الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية(وهذا هو مضمون اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين تحت الاحتلال)(80)
وإدراكًا منهما لما يمكن أن يترتب على عقد المؤتمر من نتائج، فقد سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى عرقلة انعقاده بادئتين بإعلان مقاطعتهما للمؤتمر فى مخالفة سافرة لتكليف الجمعية العامة – ثم تحولتا إلى ممارسة الضغط السياسى على الدول الموقعة على الاتفاقية لعدم المشاركة بذريعة ” تسييس الاتفاقية” وتكدير عملية السلام، وفى خطوة لاحقة صممت الدولتان على تحجيم المؤتمر. ومع صعود إيهود باراك إلى سدة الحكم فى إسرائيل بدأت الدول الأوروبية تخفف من تصميمها على انعقاد المؤتمر بحجة إعطاء الفرصة لباراك – حسن الصيت – للمضي قدمًا فى عملية المفاوضات من دون إجراءات من شأنها الضغط على إسرائيل وتشويش الأجواء، كما ترافق ذلك مع ارتياح السلطة الوطنية الفلسطينية لانتخاب باراك الذى تعهد بالمضى قدمًا فى طريق السلام على خطى إسحاق رابين.(81)
وجاء انعقاد المؤتمر فى 15/7/1999 محققًا للآمال الإسرائيلية والأمريكية فلم يستغرق سوى دقائق وتلي فيه البيان التالى: ” بعد مشاورات بين الأطراف المتعاقدة، أكدت هذه الأطراف انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية. وثمة حاجة للاحترام الكامل لبنود هذه المعاهدة فى المنطقة، مع أخذ الوضع المتحسن فى الشرق الأوسط ككل فى الاعتبار “، ورفع المؤتمر بعد ذلك دون تحديد موعد للاجتماع المقبل، تاركًا الأمر لما سيتطور إليه الوضع الإنساني ميدانيًا فى الأراضى المحتلة. وصرح ممثل إسرائيل للصحافيين بعد فض المؤتمر: ” أن الفلسطينيين خططوا لأن يكون المؤتمر كبيرًا، وتراجعوا عن ذلك بسبب الرغبة الدولية وليس بسبب حسن النية تجاه باراك “، وأضاف: ” فى كل الأحوال نحن نطبق بنود اتفاقية جنيف ولا يحتاج الأمر إلى مؤتمر لمعرفة هذه البديهية”(82).
ولعل انتهاء المؤتمر إلى هذه النتيجة الهزيلة إنما يعود أساسًا للضغوط التى مورست لتحجيمه بالإضافة إلى تأخر السلطة الوطنية الفلسطينية خمس سنوات عن طرح هذه الفكرة بعد إغفالها تمامًا فى اتفاقية أوسلو لمسألة تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضى المحتلة، ولو حدث ذلك لكان معناه إقرارًا إسرائيليًا بأنها ” أراض محتلة ” وليست مدارة كما تزعم إسرائيل الأمر الذى كان سيعنى إجمالًا أن زوال الاحتلال هو النهاية المنطقية لعملية التفاوض(83).

ثالثًا: مواقف الأطراف المختلفة من قضية القدس

أ- موقف منظمة المؤتمر الإسلامي:

لقد أولت الدول الإسلامية قضية القدس اهتمامها لاسيما بعد احتلال شطرها الشرقي، فاستغرقت هذه القضية اهتمام العمل الإسلامي الجماعي حتى من قبل قيام المنظمة رسميًا في مارس 1972، ولعل إحراق المسجد الأقصى في عام 1969 كان أهم الأسباب التي دفعت لإنشاء المنظمة كرد على التحدي الصهيوني المحدق بالمدينة المقدسة.ولذلك فليس من المستغرب أن تشير المادة الثانية)فقرة 5) من ميثاق المنظمة إلى أن “المحافظة على الأماكن المقدسة في فلسطين وسلامتها واحد من الأهداف الأساسية التي أنشئت هذه المنظمة من أجل تحقيقها “، كما شكلت قضية القدس” وبإجماع الباحثين الموضوع الذي اتفقت عليه كلمة الدول الأعضاء دومًا”(84). يضاف إلى ماسبق أنه ” ما من اجتماع إسلامي عقد في إطار المنظمة سواء كان على مستوى القمة أم على مستوى وزراء الخارجية – إلا وتضمن بيانه الختامي ما يشير إلى هذه القضية(85)،” بداية من مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذى عقد بالرباط)22 – 25 سبتمبر 1969)، ومرورًا بمؤتمر القمة الإسلامي الثالث الذي انعقد في يناير 1981 تحت عنوان “دورة فلسطين والقدس الشريف”، وانتهاء بمؤتمر القمة الاستثنائي بإسلام آباد الذي انعقد في مارس 1997 إثر قيام إسرائيل ببناء وحدات استيطانية في جبل أبو غنيم في القدس الشرقية. وقد أدان “إعلان إسلام آباد” بشدة استمرار إسرائيل في سياستها التوسعية الاستيطانية في مدينة القدس الشريف وسائر الأراضى الفلسطينية المحتلة، وطالب الإعلان بوقف تنفيذ جميع القرارات و الإجراءات والممارسات الإسرائيلية المتمثلة في الاستيطان اليهودي ومصادرة الأراضى وهدم المنازل وسحب هوايات المواطنين المقدسيين، وأعمال الحفر حول الحرم القدسي الشريف(86).
وفي مارس 1999 رحبت منظمة المؤتمر الإسلامي بالبيان الصادر عن مجموعة الدول الأوروبية والذي أعلنت فيه الدول الأوروبية “عدم اعترافها بالإجراءات الإسرائيلية لضم القدس لإسرائيل”، كما جددت المنظمة إدانتها للإجراءات التي تتخذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتهويد لمدينة(87).
وعلى صعيد آخر، اجتمعت وكالة بيت مال القدس – وهي هيئة تابعة للمنظمة تم تأسيسها في عام 1998 لدعم التواجد الفلسطيني بالمدينة – في الرباط في 10/3/1999 وصرح مدير هذه الوكالة – السفير وجيه قاسم – أن المدينة تحتاج على المدى القصير إلى 100 ألف مليون دولار لدعم خطة لإنقاذ المدينة واحتواء عمليات تهويدها(88). وفي وقت لاحق، كشف وجيه قاسم عن “برنامج إنقاذ عاجل” للمدينة يتضمن عدة مشروعات: تشمل بناء 8 آلاف منزل لمقدسيين عرب عاجزين عن استغلال تراخيص البناء المتوافرة لديهم نظرًا لغياب التمويل مما سيسهم في حل مشكلة إسكان 150 ألف فلسطيني مقدسي باتوا يسكنون ضواحي المدينة ومهددين بفقد هوياتهم المقدسية)بتكلفة قدرها 20 مليون دولار)، ودعم التعليم العربى بالمدينة بتحديث ثمان مدارس قائمة وإنشاء أربع أخرى جديدة)بتكلفة 13 ميلون دولار)، وتطوير خمسة مستشفيات أهلية)بتكلفة 8 مليون دولار)، ودعم قطاع السياحة بتطوير وزيادة الخدمة الفندقية حيث لا يزيد عدد الغرف المتاحة بالفنادق الفلسطينية بالمدينة عن 3500 غرفة مقابل 45 ألف غرفة إسرائيلية بالفنادق الإسرائيلية،)وسيتكلف هذا المشروع 13 مليون دولار)، بالإضافة إلى إنشاء مؤسسة مالية لإقراض المشروعات التجارية والحرفية الفلسطينية في المدينة بدلًا من البنوك الإسرائيلية بما ينطوي عليه من مخاطر كالمصادرة وتراكم الديون ذات الفوائد العالية)89) 0ومن المأمول أن يدخل هذا البرنامج حيز التنفيذ قريبًا بعد تبلوره بصورة نهائية، وتوفر الدعم المالي المطلوب.
ويلاحظ على موقف المنظمة من قضية القدس ما يلي:
1- ثمة ما يشير إلى أن خطاب المنظمة عن القدس ليس ثابتًا، ويتسم بالغموض فبحسب البيان الختامي لمؤتمر القمة الإسلامي الأول المنعقد في سبتمبر 1969، فإن “حكومات الدول الإسلامية وشعوبها قد عقدت العزم على رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لأحداث يونيو 1967” وهو ما يعني نوعًا من القبول بسيطرة إسرائيل على الشق الغربي من المدينة. في حين يشير بيان لاهور الصادر في فبراير 1974 إلى أن “البلدان الإسلامية لا يمكن أن تقبل أي اتفاق أو بروتوكول أو تفاهم يقضى باستمرار الاحتلال الإسرائيلى لمدينة أو وضعها تحت أى سيادة غير عربية، أو جعلها موضع مساومات أو تنازلات. وعليه، فإن انسحاب إسرائيل من القدس شرط أولي لا يقبل التغيير لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط”، وفي هذه المرة دار الحديث عن القدس – بكاملها -. بينما أشار البيان الختامي الصادر عن ” دورة فلسطين والقدس الشريف ” في 28 يناير 1981 في البند رقم 34 إلى ” اتفاق الدول المشاركة على إعلان الجهاد المقدس لإنقاذ القدس الشريف ونصرة الشعب الفلسطيني وتحقيق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة “، وهذا الموقف الأخير يعتبر جد متقدم.
2- إن الدعم المادي لتعزيز الوجود العربي والإسلامي الذي تقدمه المنظمة بأعضائها الكثيرين يبقى أقل كثيرًا من المأمول في هذه المرحلة الحرجة من عمر المدينة)ويمكن أن يوصف بجهد المقل، والشئ المؤكد أن ضعف هذا الدعم لا ينبع من ضعف الإمكانيات والموارد بل يرجع إلى وجود إمكانيات معطلة وتقاعس الدول الأعضاء عن تفعيل إمكانياتها المتاحة.”وربما علينا هنا أن تتذكر أن هيئة واحدة تخدم مخططات الصهيونية في المدينة – وهي صندوق القدس اليهودي الذي يديره تيدي كوليك – تمكنت من إنجاز 200 مشروع، وبلغت حصيلة الأموال التي جمعها من مختلف أنحاء العالم لأنشطة عام 1999 فقط 35 مليون دولار “(90).
كما قامت جماعة “البناءون الأحرار” بإنشاء صندوق الهيكل منذ استيلاء إسرائيل على القدس الشرقية عام 1967، ويتوافر لهذا الصندوق حاليًا 350 مليون دولار مخصصة لإعادة بناء هيكل سليمان فوق جبل المعبد في الوقت المناسب ويرى ستيف إيميرسون – أحد المؤسسين للصندوق والمشرفين على نشاطه في الولايات المتحدة –أن وقت إعادة بناء الهيكل بات قريبًا جدًا(91)

ب- موقف جامعة الدول العربية:

احتلت قضايا الصراع العربي الإسرائيلي وفي القلب منها قضية القدس مساحة كبيرة من اهتمام الجامعة منذ تأسيسها، وتمحور موقف الدول العربية حول مطالبه إسرائيل بانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وعودة السيادة العربية على القسم الشرقي من مدينة القدس. وبحسب ما ورد في مشروع السلام العربي الذي أقرته قمة فاس بالمغرب عام 1982 فإن ” القدس العربية يجب أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية، وهذا يعنى ضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967″(92). وقبيل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر 1991، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية في دور انعقاده العادي السادس والتسعين في سبتمبر 1991 قرارًا يرحب بالمساعى الرامية لإقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط وتضمن القرار:
1- ضرورة تنفيذ قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 بكل بنودهما مع التركيز بشكل خاص على البند الأساسي المتعلق بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
2- التأكيد على مبادلة الأرض بالسلام، وعلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وكذلك التأكيد على عروبة القدس الشريف”(93).
هذا وقد أكد مؤتمر القمة العربية الطارئ الذي انعقد بالقاهرة (21-23 يونيو 1996) على رفض القادة العرب تغيير معالم القدس العربية ووضعها القانوني، وعلى أن تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط لا يكون إلا بحل قضية القدس وتسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين استنادًا إلى حقهم في العودة على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة(94). ومن جهته رحب الدكتور عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية بموقف دول الاتحاد الأوروبي الرافض للاعتراف بالقدس – بشطريها- عاصمة لإسرائيل، كما رحب بقرار الجمعية العامة بخصوص عقد مؤتمر جنيف في منتصف يوليو 1999(95).
وفي كلمة له أمام المؤتمر الدولي السابع لمركز الدراسات العربي الأوربي حول ” مستقبل القدس العربية “، اعتبر عبد المجيد أن ” قضية القدس هي جوهر القضية الفلسطينية التي هي لب الصراع العربي الإسرائيلي،وأن السلام العادل والشامل لن يتحقق دون عودتها إلى السيادة الفلسطينية “، مؤكدًا أن “أمتنا العربية والإسلامية ترفض رفضًا باتًا وقاطعًا سيطرة إسرائيل على المدينة المقدسة واعتبارها عاصمة أبدية لها “، داعيًا الولايات المتحدة إلى الالتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980 الذي يطالب الدول بعدم نقل هيئاتها الدبلوماسية إلى القدس. وناشد عبد المجيد مجلس الأمن ” الإسراع في تشكيل لجنة رقابة دولية للإشراف على مراقبة عمليات الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس وكذا بقية الأراضي العربية المحتلة وذلك تطبيقًا لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن”(96).
وردًا على اجتماع الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو في مقر بلدية القدس، أكد عبد المجيد أن ” استفزازات الحكومة الإسرائيلية بشأن القدس لن تزحزح الموقف العربي تجاه القدس والمتمثل في أنها عاصمة الدولة الفلسطينية ومصيرها يتم تحديدة في مفاوضات الوضع النهائي (…) ولابد من عودة القدس للسيادة الفلسطينية “، معربًا عن “ثقته في قدرة المجتمع الدولي والدول الفاعلة فيه على تنفيذ قرارات مجلس الأمن خاصة قرار 252 “(97). كما استنكر الأمين العام للجامعة العربية في مناسبة أخرى الموقف الإسرائيلي من قرار الجمعية العامة رقم 181 واعتبر أن ” من حق الجانب الفلسطيني طلب ضم هذا القرار إلى ملف مفاوضات الوضع النهائي لسبب منطقي وبسيط وهو أن هذا القرار يعد شهادة ميلاد إسرائيل والطعن فيه طعن في إسرائيل ذاتها”(98).
وفي كلمة الجامعة العربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة طالب السفير حسن حسونة المندوب الدائم للجامعة لدى الأمم المتحدة بـ “دعم نضال الشعب الفلسطيني حتى يقيم دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس”، مؤكدًا “بطلان جميع إجراءات الحكومة الإسرائيلية لتغيير الطبيعة الجغرافية والسكانية لمدينة القدس، وفقًا لجميع المواثيق والقرارات الدولية”(99).
وباستقراء معالجة الجامعة العربية للأزمة التي أثارها المعرض الذى نظمته شركة والت ديزني بمناسبة الاحتفال بالألفية الثالثة، يمكن الخروج بالملاحظات التالية:
1- إن التحرك العربي جاء تاليًا لإقامة إسرائيل جناحها تحت عنوان ” القدس عاصمة إسرائيل “، وهو ما جعل الموقف العربي مقيدًا بنطاق رد الفعل، ودونما مبالغة يمكن القول إن هذه السمة تطبع مجمل ما يتخذه العرب من مواقف تجاه قضية القدس ومنذ بداياتها الأولى.
2- بالرغم من تهديد الأمين العام للجامعة د. عبد المجيد بمقاطعة عربية وإسلامية لمنتجات الشركة – وهو ما لقي ارتياحًا شعبيًا واسعًا -، وعقد اللجنة الدائمة للإعلام العربي اجتماعًا بالقاهرة لمناقشة ما يمكن اتخاذه من إجراءات، فقد شهد الموقف العربي تراجعًا واضحًا بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب في نيويورك حيث قرروا عدم مقاطعة الشركة بعد تغييرها لاسم الجناح الإسرائيلي، وتأكيد الشركة أن هذا الجناح لا يعكس رؤيتها، وأنها شركة للترفيه ولا تقدم وجهات نظر سياسية)100).
3- هناك حاجة ماسة لتوطيد التعاون بين مختلف الجهات العربية والإسلامية المعينة بقضية القدس، ولا سيما بين منظمة المؤتمر الإسلامي – التي لم يسمع أحد صوتها في قضية ديزني – والجامعة العربية من جهة،والمنظمات الأهلية الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة من جهة ثانية.
4- إن المرحلة الحالية تحتاج لعقد قمة عربية أو إسلامية بشأن القدس، يمكن من خلالها إعلان موقف حاسم من القضية لقطع الطريق أمام الضغوط التي تمارس من قبل الولايات المتحدة على دول عدة لنقل سفاراتها إلى المدينة، ولوقف حمى المزايدات الانتخابية الأمريكية التي ستشهد تصاعدًا في الشهور المقبلة(101).

جـ – الموقف المصري:

يعتبر الموقف المصري أن القدس مدينة محتلة وجزء من الضفة الغربية، وهذا الموقف شديد الوضوح فيما يتعلق بالحق العربي في المدينة، وليس هناك في تصريحات كبار المسئولين المصريين ما يمكن الاستدلال من خلاله على وجود فصل بين القدس الشرقية والقدس الغربية، ودائمًا ما يجري الحديث عن ” القدس ” هكذا دون تخصيص. وفي هذا السياق رحب السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري ببيان الاتحاد الأوروبي الصادر في مارس 1999 – الذي أكد على وضع المدينة الخاص ورفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بما في ذلك القدس الغربية – مؤكدًا ” حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس على كامل ترابه الوطني، باعتبار أن ذلك أمر لا جدال فيه بالنسبة لمصر والعرب، وأن السلام لن يكون شاملًا ولا عادلًا دون تحقيق هذا الهدف”(102). وفي كلمة له أمام المنتدى الفكري العربي بصنعاء أكد موسى أن “الرأي العام العربي لا يقبل بحلول وسط بشأن مدينة القدس”، مشيرًا إلى أن “الرأي العام العربي قائم وقوي على عكس ما يروج له غير العرب”(103). وفي مناسبة أخرى، استنكر موسى إجراءات إسرائيل في القدس مؤكدًا أنها لن تغير من التاريخ ولا من القانون شيئًا، واعتبر أن ” المدخل لمعالجة قضية القدس هو مدخل الأرض ومدخل الشرعية والسيادة والحق لصاحب الحق كجزء من أرض فلسطين العربية، ولشعب هو شعب فلسطين صاحب الحق عليها لتعود القدس إلى يد شعب فلسطين عاصمة لدولته وإلى يد كل عربي ونعيش عندئذ فى أمن وفى سلام (….) وأن تكون القدس جوهرة الفلسطينيين والعرب والمسلمين هى درة الدولة الفلسطينية “، متعهدًا بالاستمساك بالدفاع عن القدس دون وهن حتى تعود إلى حوزة أصحابها الشرعيين(104).
ومن جانبه ربط الرئيس المصري محمد حسني مبارك بين إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وحل مشكلة القدس، مؤكدًا أن “المعالجة التاريخية التي ستضع خاتمة للصراع، يجب أن تساوي بين حقوق جميع أبناء نبي الله إبراهيم الخليل وتعيد السلام إلى أرض السلام، وتجعل من القدس مدينة الله مكانًا للتآخى والود يعلو على نزعات التعصب الديني والعرقي والرغبة في إهدار حقوق الآخرين”(105).
وفي تصريحات لقناة الجزيرة القطرية قال الرئيس مبارك: “أعتقد أن حكومة باراك جادة في عملية السلام، إلا أن قضية القدس مهمة وأساسية في عملية السلام، وكلنا متفقون على ذلك، فالقدس تضم الأماكن المقدسة، ولا نستطيع التغاضي عن هذا”(106).

د – الموقف الفلسطيني:

لا يفتأ المسئولون الفلسطينيون عن المطالبة بدولة مستقلة تكون عاصمتها القدس، وغالبًا ما يتكرر مصطلح “القدس الشريف” في تصريحاتهم هذا وقد جاء البيان الخاص بإعلان قيام دولة فلسطين – الصادر في 15/11/1988 عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي انعقدت في الجزائر – غامضًا فيما يتعلق بموقفه إزاء مشكلة القدس، حيث إنه قد اكتفى بالإشارة إلى أن: “المجلس الوطني الفلسطيني يعلن باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف”، وذلك دون تحديد لما إذا كانت القدس هذه يقصد بها القدس العربية – الشرقية – التي احتلتها إسرائيل بعد يونيو 1967 أم القدس الموحدة قبل 15 مايو 1948 (…) لكن المسلك اللاحق للفلسطينيين فيما يتعلق بمسيرة السلام في المنطقة يقودنا إلى القول بأن ما قصده البيان المذكور إنما ينصرف إلى الجزء العربي من المدينة المقدسة “(107)، ذلك أن توقيع إعلان المبادئ في 13/9/1993 والاتفاق على أن يكون إطارًا لحل القضية الفلسطينية على أساس قرارى مجلس الأمن 242و 338 فقط، إنما يعني أن حديث الفلسطينيين اللاحق عن القدس ينحصر فى القدس الشرقية فحسب(108).
وخلافًا لذلك يؤكد فيصل الحسيني مسئول ملف القدس بالسلطة الفلسطينية “أن المفاوضات النهائية حول القدس ستشمل المدينة بقسميها الغربي والشرقى، لأننا نملك – أي الفلسطينيين – أكثر من 75 % من الأملاك في القدس الغربية”(109).
ولا شك أن موقف الحسيني يعتبر جد متفائل، وبحسبنا أن نتذكر رد الفعل الإسرائيلي على بيان الاتحاد الأوروبي الصادر في مارس 1999، كما أن توقيع إسرائيل لاتفاق أوسلو والتزامها بأن تشكل قضية القدس موضوعًا للتفاوض في المرحلة النهائية، لا يعني بالضرورة تراجعًا في الموقف الإسرائيلي – كما يرى بعض السياسيين الفلسطينيين -، فربما لا يعدو ” أن يكون قبول مبدأ التفاوض سوى مناسبة لكي تؤكد إسرائيل قرارها بجعلها القدس عاصمة أبدية لها، مع اعترافها بالمكانة الدينية للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وتحديد ترتيبات تسهل على المسلمين والمسيحيين ممارسة شعائرهم الدينية، وإدارة تلك الأماكن وصيانتها، وما إلى ذلك من شئون”(110).
هذا وقد دأبت القيادة الفلسطينية على إدانة سياسة تهويد القدس، ففي خطابه أمام مؤتمر القمة الاستثنائي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أكد الرئيس ياسر عرفات إدانته لقيام إسرائيل ببناء وحدات استيطانية في جبل أبو غنيم، مذكرًا بما أقدمت عليه حكومة نتنياهو في سبتمبر 1996 من افتتاح لنفق جديد تحت السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك، داعيًا قادة الدول الإسلامية للعمل على إنقاذ المدينة من غول الاستيطان، وخطر التهويد والمصادرة، وتوفير كافة الإمكانيات لتعزيز صمودها، والحفاظ على طابعها التاريخي والحضاري والديني، معتبرًا ذلك “فرض عين علينا جميعًا”(111)
كما أدان الرئيس عرفات في كلمته أمام مؤتمر ” مستقبل القدس العربية ” الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي بالدار البيضاء الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو الداعمة للاستيطان وتهويد القدس، واصفًا ذلك بأنها ” معركة شرسة تتعرض لها المدينة ترتدي طابع التطهير العرقي الذي يرمي إلى تهويد وضم القدس الشريف “، مشيرًا إلى أن ” إقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف حق مقدس ومشروع للشعب الفلسطيني أقرته كافة المواثيق والأعراف والشرائع والقوانين والقرارات الدولية. وهو هدف لن يقبل شعبنا التنازل عنه أو التفريط به مهما كانت الصعاب والتحديات”(112).
ومن جانبه صرح السيد فيصل الحسيني منتقدًا قرار حكومة نتنياهو بإغلاق مكتب ” نادي الأسير الفلسطيني ” في القدس، وتهديدها بإغلاق بيت الشرق – المقر غير الرسمي للقيادة الفلسطينية فى القدس – ” لن ندفع فاتورة الانتخابات الإسرائيلية، لقد كانت القدس عاصمتنا منذ قديم الزمان وستبقى كذلك ففيها جذورنا وسنبقى فيها. ورغم المخططات الإسرائيلية الواسعة في المدينة، فإن الفلسطينيين تمكنوا من ترسيخ وجودهم فيها، فقد كنا 55 ألفًا في بداية الاحتلال وارتفع العدد إلى 180 ألفًا في عام 1996 رغم محاولات مسح الهوية الإسلامية والمسيحية للقدس، ثم جاءت معركة سحب الهويات فارتفع عدد المقدسيين إلى 220 ألف نسمة أي ما يعادل 30 %من عدد سكان القدس بشطريها. وهذا الرقم يزعج الإسرائيليين لأنه يؤكد أن جميع مخططاتهم طوال سنوات الاحتلال الماضية كانت فاشلة”(113).
وردًا على سؤال للرئيس عرفات عما إذا كان الفلسطينيون يمكن أن يقبلوا بقدس لا توجد بها مقدسات، أكد عرفات “أن الجانب الفلسطيني ذهب إلى مؤتمر مدريد للسلام مع الجميع على أساس الأرض مقابل السلام، وعلى أساس القرارات الدولية 242 و338” مذكرًا بأن “القدس الشريف هي القدس التي ينطبق عليها القراران 242و338 بشكل كامل، وأكد أن القدس الشريف هي أرض محتلة عام 1967″(114).
وفي تعقيبه على اقتراحات إسرائيل التي تقضي بأن تمارس السلطة الفلسطينية سلطات مدينة في الأحياء العربية من بلدتي بيت حانينا وشعفاط شمال القطاع الشرقي المحتل من القدس، على أن تبقى المدينة موحدة وعاصمة للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، على غرار الصفة المزدوجة لمدينة روما الإيطالية – أكد ياسر عبد ربه)وزير الإعلام والثقافة الفلسطيني الذي يرأس الجانب الفلسطيني في مفاوضات المرحلة النهائية مع إسرائيل) أن “السلطة الفلسطينية ترفض اقتراحات إسرائيل بتقسيم القدس على اعتبار أن هذه الاقتراحات تخدم طموحات إسرائيل في تهويد المدينة وطمس معالمها العربية والإسلامية مقابل زيادة أعداد اليهود في المدينة”(115) وردًا على مقترحات إسرائيلية أخرى تحتفظ فيها إسرائيل بأربعين في المائة من الأراضي المحتلة عام 1967)وهي عبارة عن إحياء لخطة إيجال آلون التي طرحها بعد شهر واحد من حرب 1967)، صرح الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة الفلسطينية ” أن الفلسطينيين يرغبون فى إقامة دولة على جميع الأراضي التى احتلتها إسرائيل فى عام 1967، وأن تكون القدس عاصمة لهذه الدولة”(116).

هـ- الموقف الأردني:

باحتلال إسرائيل للقدس الشرقية انتهت سيطرة الأردن السياسية على ما تبقى من القدس، ومع ذلك فقد استمر الأردن مشرفًا على المقدسات الإسلامية في المدينة من خلال إدارة الأوقاف الإسلامية. ولم يتغير هذا الوضع بعد صدور قرار الملك حسين في 31/5/1988 بفك الارتباط الإداري للأردن بالضفة الغربية حيث استثنى الأردن المدينة المقدسة من هذا القرار وذلك لكى تحافظ عمان على وضع المقدسات الإسلامية وحتى لا تسمح لوزارة الأديان الإسرائيلية بالتدخل في المقدسات(117). ومع توقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية في أكتوبر 1994 – اتفاقية وادي عربة – صرح الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوزراء الأردني “أنه في اليوم الذي تنتهي فيه سيادة إسرائيل السياسية على القدس، ويستلم الأخوة الفلسطينيون السيادة عليها، فإننا سوف ندرس بجدية التخلي عن صلاحيات الأردن في المقدسات الإسلامية بالقدس” وفي 29/3/1999 صرح الدكتور عبد الله كنعان أمين عام اللجنة الملكية الأردنية لشئون القدس أنه “عندما تقوم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية فإن الأردن سيسلم هذه الأوقاف والمقدسات إليها ” مؤكدًا أن ” الإسرائيليين يسعون دائمًا لإثارة الخلافات بين السلطة الفلسطينية والأردن، لكن الفلسطينيين والأردنيين يحافظون على تنسيق يومي ومستمر وكامل بشأن القدس، وأن عمان ليس لها أية أطماع في الأماكن المقدسة بالمدينة”(118).
وفي وقت لاحق انتقد كنعان قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بالسماح لجماعة “أمناء جبل البيت” بإقامة طقوسهم في حرم المسجد الأقصى(119). ومن جهته أبدى عبد الرؤوف الروابدة رئيس الوزراء الأردني استعداد بلاده للتنازل عن مسئولياتها في الأماكن الإسلامية المقدسة في مدينة القدس مما أثار عاصفة في الأوساط السياسية في إسرائيل التي ترغب في إضفاء ” صبغة دينية ” بحتة على مستقبل المدينة. وقال الروابدة:” إذا رغب الفلسطينيون في أن يتولوا هذه المسئولية فالأردن مستعد للتنازل عنها غدًا”(120)، وأشارت مصادر إسرائيلية إلى خطورة الموقف الأردني وتبعاته على المفاوضات التي ستجري مع الفلسطينيين، حيث تفضل إسرائيل التوصل إلى “حل ديني” للأماكن المقدسة في القدس مع إبقاء سيطرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية فيها.(121).

و – موقف الولايات المتحدة:

ينطلق الموقف الأمريكي من قضية القدس من تسليم كامل بالرؤية الإسرائيلية مع الحرص الشديد على الالتزام الشكلى بقواعد القانون الدولى المتعلقة بالقضية،وكانت الولايات المتحدة من المؤيدين لمبدأ تدويل القدس الذي قبلت على أساسه إسرائيل عضوًا في الأمم المتحدة عام 1948 وبعد أقل من عامين عارضت إدارة ترومان التدويل لأن “مضمونه ليس عمليًا بسبب غياب القوة التنفيذية القادرة على فرضه”(122).
وعندما نقلت إسرائيل مقر وزارة الخارجية من تل أبيب إلى القدس الغربية في عام 1953، اعتبر الرئيس الأمريكي أيزنهاور ذلك عملًا استنفزازيًا مناقضًا لكل الأعراف الدولية بل طالب طاقم السفارة الأمريكية بعدم الالتزام بتطبيق قرار الانتقال. وبعد عام ونصف قدم السفير الأمريكي أوراق اعتماده في القدس في تراجع واضح عن قرار إدارة الرئيس أيزنهاور.
وفي وقت لاحق أضحى الموقف الأمريكي أكثر ميلًا لتبني المطالب الإسرائيلية في القدس،” فقد أكدت إدارة الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الفترة من عام 1972 إلى 1984 حق إسرائيل في القدس، وتعهد البعض بنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة.” وعلى الرغم من النقاش حول الدولة الفلسطينية في عام 1988 فلم يجر أي نقاش في الولايات المتحدة حول القدس وذلك باعتبارها مسألة محسومـــة(123).
“ويمكن القول إن سياسة الولايات المتحدة تحولت من تأييد الشرعية الدولية في الفترة)1948 – 1992)، إلى التنظير لشرعية جديدة قائمة على الطرح الإسرائيلي في عهد الرئيس بيل كلينتون. ولكن الأصح أن الولايات المتحدة كانت تتبع سياستين في الوقت نفسه، سياسة معلنة رمزية تنسجم مع الشرعية الدولية، وسياسة فعلية يسود فيها الغموض، وتتفق عمليًا مع الطرح الإسرائيلي”(124).
وتتزايد أهمية الموقف الأمريكي بالنسبة لقضية القدس منذ انطلاق عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي في مدريد عام 1991 ومن خلال جولات وزير الخارجية الأمريكية الأسبق جميس بيكر التي استهدفت التحضير لمؤتمر مدريد استطاعت الولايات المتحدة أن تبعد قضية القدس عن المؤتمر فلم تتضمن الدعوة التي وجها راعيا المؤتمر أية إشارة إلى موضوع القدس باستثناء أن أساس المفاوضات هو قرارا مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338 دون ذكر لقرارات مجلس الأمن الأخرى الخاصة بالقدس تحديدًا كالقرار رقم 478. واستمرارًا على نفس النهج جاء خطاب الرئيس جورج بوش خلوًا من الإشارة – ولو بكلمة – إلى القدس، وهو ما دفع إسحاق شامير – رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق – للتعبير عن ارتياحه لتجنب المؤتمر طرح موضوع القدس، منكرًا في الوقت ذاته وجود قضية للقدس(125). ويلاحظ أن الولايات المتحدة تعمد إلى تخفيض سقف التفاوض المتاح للمفاوض الفلسطيني بصفة مستمرة، وقد تم لها ذلك من خلال عدة خطوات بدأها جيمس بيكر قبيل انعقاد مؤتمر مدريد. ومن خلال استقراء رسالة التطمينات الأمريكية إلى الفلسطينيين يتضح أن ” الموقف الأمريكى من قضية القدس هو أنه متعامل مع فلسطينيين لهم حقوق سياسية ولكنه لا يراهم شعبًا له حق تقرير المصير – وهذا ينطبق على فلسطيني القدس الشرقية – وهو يجزم بأن القدس يجب أن تبقى موحدة، ويصمت عن قضية السيادة عليها.وهو يفصل عمليًا قضية القدس عن الضفة والقطاع في المرحلة الأولى من المفاوضات. وقد رفض وجود مقدسي في الجانب الفلسطيني من الوفد الأردني الفلسطيني، وقبل وجود مقدسي أردني في الجانب الأردني”(126).
بعد ذلك حمل بيكر في 15/7/1992 إلى المنطقة أفكارًا أمريكية تتضمن ست نقاط تتعلق إحداها بالقدس وتقترح إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل مقابل ” بدء مفاوضات تشترك فيها عناصر دينية بعضها من السعودية حول إدارة المسجد الأقصى ومسجد عمر في القدس ” وهكذا تحول القضية إلى قضية أماكن عبادة وتطلب من العرب تقديم ثمن للتعبد في هذه الأماكن(127).
وفي خطوة لاحقة قدم وراين كريستوفر وزير الخارجية الأمريكية السابق أفكارًا جديدة في 1/7/1993، واتضح منها “أن الولايات المتحدة ستستمر في عدم التدخل لوقف الممارسات الإسرائيلية على الأرض في القدس”، كما اتضح “أن واشنطن فصلت القضية إلى شقين سياسي وديني، وحصرت البحث في الشق الديني”. وهذا بالضبط ما تفضله إسرائيل التي صرح رئيس وزرائها الأسبق إسحاق رابين بعد اعتراف الفاتيكان بإسرائيل أنه يرغب في ” فصل الحل الديني عن الحل السياسي، فبالنسبة إلى الوضع الديني سيبقى على ما هو عليه الآن، أي تقوم كل كنيسة بإدارة شئونها بنفسها أما فيما يتعلق بالمقدسات الإسلامية، فإن الدول الإسلامية معينة بحسم موضوع الإشراف عليها، ونحن ثابتون على موقفنا بأن القدس ستبقى موحدة وعاصمة إسرائيل وتحت سيادتها”(128).
وفي 3 يونيو 1993 تضمنت ورقة إعلان مبادئ أمريكية بيانًا صريحًا ينشر لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يعتبر أن الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967 هي أراض متنازع عليها. كما تم استبدال تعبير الرئيسين رونالد ريجان وجورج بوش بأن الاستيطان ” عقبة أمام السلام “، إلى مجرد عامل تعقيد ” في عهد كلينتون(129). ويشكل هذا الإعلان خطوة متقدمة لتكريس سياسة أمريكية متطابقة مع السياسة الإسرائيلية تجاه القدس.
ويعكس نمط التصويب الأمريكي في منظمة الأمم المتحدة خطًا ثابتًا يقوم على عرقلة أو الامتناع عن التصويت على أغلب القرارات التي تدين التصرفات الإسرائيلية في القدس والأراضي المحتلة عمومًا.
فقد امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على قرار مجلس الأمن 271 سنة 1969 الذي أدان إسرائيل لتدنيس المسجد الأقصى(130)، وامتنعت أيضًا عن التصويت على القرار رقم 476 سنة 1980 الذي أعلن بطلان الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير طابع القدس، وكذلك الحال مع القرار رقم 478 سنة 1980 الذي استنكر ولم يعترف بـ “القانون الأساسي” بشأن القدس ودعا الدول الأعضاء إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة)ويعتبر هذا القرار في رأي كثير من المحللين من أهم قرارات مجلس الأمن بشأن القدس)(131).
وغابت الولايات المتحدة عن جلسة مجلس الأمن التي صدر عنها القرار رقم 1073 في 28 سبتمبر 1996 الذي عبر عن قلق المجلس من فتح نفق البراق ودعا إلى التراجع عن ذلك وضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين.
كما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض – الفيتو – في مايو 1995 لعرقلة مشروع قرار يدين إسرائيل ويطالبها بوقف قرار حكومة رابين بمصادرة أراضي الفلسطينيين في القدس الشرقية لبناء مساكن للمستوطنين اليهود. ويذكر أن مشروع القرار قد نال موافقة كل الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن، وبررت مادلين أولبرايت ممثلة الولايات المتحدة بالمجلس هذا الموقف بقولها: “إننا لم نصوت ضد القرار لأننا تؤيد مصادرة إسرائيل لأراضي القدس، ولكن حكومتي اضطرت لمعارضة القرار لأن المجلس سعى لأن يقول رأيًا في الوضع الدائم للقدس، بينما يتحدد هذا الوضع بالمفاوضات بين الأطراف المعينة بالقضية”(132) وتكرر الأمر ذاته فأفشلت الولايات المتحدة مشروعي قرارين في مارس 1997 يطالبان إسرائيل بالامتناع عن بناء مستوطنة جبل أبو غنيم والتقيد بأحكام اتفاقية جنيف الرابعة(133). وهو ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن تجتمع في دورة مستأنفة لتتخذ قرارها رقم (51/223) بتاريخ 17/3/1997 الذى طالب إسرائيل بالامتناع عن النشاط الاستيطاني والتقيد بدقة بالتزاماتها القانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. وقد صدر هذا القرار بأغلبية 130 صوتًا مع اعتراض دولتين هما إسرائيل والولايات المتحدة وامتناع دولتين أيضًا هما جزر مارشال واتحاد ميكرونيزيا(134)
ومن ناحية أخرى فقد كان الكونجرس الأمريكي أصدق تعبيرًا عن الموقف الأمريكي من قضية القدس حيث اتخذ قرارًا في 22/3/1990 يعتبر القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل(135)، ثم تكرر الأمر مجددًا عندما وافق مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 24/10/1995 بأغلبية ساحقة على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في موعد أقصاه 31/5/1999 مع إعطاء الرئيس الأمريكي الحق في تأجيل تنفيذ القرار لمدة ستة أشهر كاملة قابلة للتجديد إذا رأي الرئيس الأمريكي مصلحة في ذلك بشرط أن يعلن الرئيس في كل مرة يطلب فيها التأجيل أن طلبه يتفق مع دواعي الأمن القومي(136).
وخلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك إلى واشنطن في يوليه 1999 حصل على تأييد الجمهوريين في الكونجرس لجعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وقال دينس هاستيرت رئيس مجلس النواب مخاطبًا باراك:” أرجوكم أن تطمئنوا إلى أن الكونجرس يؤيد بشدة موقفكم من قضية بقاء القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل”(137).
وفي وقت لاحق بعث 84 من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي – من أصل 100 – رسالة إلى الرئيس كلينتون يحثونه فيها على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس(138). كما حاولت السيدة هيلارى كلينتون التقرب من يهود نيويورك فصرحت بتأييدها لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس مؤكدة ” أن القدس يجب أن تكون عاصمة موحدة لإسرائيل”(139).
ومن الصحيح أن هذه المواقف لا يمكن اعتبارها رسمية، إلا إنها تكشف عن الجدل الدائر في الولايات المتحدة حول مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وبالرغم من التعهد الرسمي الأمريكي بعدم اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يمس بوضع القدس النهائي الذي سيتحدد في المفاوضات(140)، فقد اتخذ السفير الأمريكي لدى إسرائيل مقر إقامة ثانويًا له فى القدس، واستأجر جناحًا بفندق هيلتون بالقدس الغربية لا ستخدامه في استضافة وفود زائرة(141).
وكان البيت الأبيض قد أعلن في 18 يونيه 1999 أن الرئيس بيل كلينتون جمد لفترة أخرى مدتها ستة أشهر نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وقد وافق إيهود باراك على هذا القرار من أجل تقدم عملية السلام من دون صعوبات ونقلت الإذاعة الإسرائيلية في 18/8/1999 أن باراك طلب من كلينتون إرجاء نقل السفارة إلى القدس لمدة سنة على الأقل، مشيرة إلى أن مكتب باراك يؤكد أن نقل السفارة سيتم فعلًا بعد ذلك(142).
وفي تقديرنا أن الموقف الأمريكي سيتجه في المرحلة المقبلة إلى الضغط على بعض الدول لكي تقوم بنقل سفاراتها إلى القدس توطئة للقول بتغير المواقف الدولية من قضية القدس، وهو ما يمكن أن يشكل الأرضية الملائمة لتقوم الولايات المتحدة بعد ذلك بنقل سفارتها للقدس.

ز- موقف الاتحاد الأوروبي:

فيما عرف بإعلان برلين، أعاد الاتحاد الأوروبي في مارس 1999 تأكيد رفضه للاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، بما في ذلك القدس الغربية مشددًا على أن للمدينة المقدسة وضع خاص.
وفي تحد صريح لموقف إسرائيل رفض السفير الألماني في تل أبيب طلب وزارة الخارجية الإسرائيلية بالامتناع عن عقد لقاءات أو زيارة بيت الشرق من قبل الدبلوماسيين الأجانب. ورد السفير الألماني ثيودور ولاو باسم الاتحاد الأوروبى على هذا الطلب برسالة قال فيها:” نحن نؤكد مجددًا موقفنا المعروف فيما يتعلق بالمكانة الخاصة للقدس ككيان خاص corpus separatum، وهذا الموقف يتماثل مع القانون الدولي ” مضيفًا ” أن الاتحاد الأوروبي الذي ترأسه ألمانيا حاليًا، لا يعتزم تغيير موقفه من مسألة اللقاءات مع الفلسطينيين في القدس.”(143)
وقد أثار موقف الاتحاد الأوروبي غضبًا عارمًا في إسرائيل التي اعتبرت أن رسالة السفير الألماني ” تؤيد بوضوح تدويل المدينة ” كما أشارت مصادر قانونية إسرائيلية إلى أن إعلان البندقية الصادر في 2/12/1980 والذي أعقب إصدار الكنيست ” قانون القدس الأساسى ” الذي يقضي بضم القدس لم يتطرق – أي البيان – إلى الوضع الدولي للمدينة بل اكتفى بتأكيد رفضه أية خطوة تهدف إلى تغيير مكانة القدس”(144).
ويكتسب إعلان برلين أهمية خاصة بسبب التوقيت الذي صدر فيه، وهو ما يمثل استمرارًا لمنهج الاتحاد الأوروبي حيال القدس الذي يؤكد دائمًا على الوضع القانوني للمدينة ويطالب بإلغاء كل إجراءات التهويد التي تتخذها إسرائيل بهدف التأثير على الطابع التاريخي والجغرافي والسكاني للمدينة وفي إطار هذا المنهج أصدر الاتحاد الأوروبي إعلان البندقية في ديسمبر 1980 ثم بيان دبلن في يونيو 1984 ثم البيان الذي أعقب افتتاح إسرائيل لنفق حائط البراق في (أكتوبر 1996)(145)

خاتمة:

إن ما تقوم به إسرائيل من إجراءات لتهويد القدس قد بلغ حدًا ينذر بأن القدس التي نعرفها لم تعد كما كانت عليه قبل عام 1948، ذلك العام الذي رسم فيه أول خطوط مأساة المدنية المستمرة حتى الآن فصولًا وأحداث، فى ظل صمت غير بليغ لمختلف الأطراف المتهمة بهذه القضية. وإذا كانت إسرائيل تعلن صباح مساء أنها تتمسك بالقدس الموحدة ” عاصمة أبدية لها “، فلا أقل أن نعلن نحن – العرب والمسلمون – إصرارنا على عودتها كاملة غير منقوصة إلى سيادتنا مدينة كالقاهرة أو دمشق أو مكة أو المدينة المنورة. وعلى الرغم مما يعانيه العرب والمسلمون من ضعف وشتات، فإن قضية القدس تبقى تجمعنا على كلمة سواء هي تحرير المدينة التي بارك الله في أقصاها ومن حوله، وجعلها مكانًا وحيدًا يلتقي فيها أنبياء الله جميعهم على ثرى المسجد الأقصى المبارك. وكما يعلمنا التاريخ فإن كل أشكال الهيمنة والغطرسة وإحلال منطق القوة محل منطق العدل والإنصاف، لا يمكنها أن تقيم باطلًا مكان حق مشروع إن تمسك أصحاب الحق بحقهم. ويعنينا أن نؤكد هنا أن حديثنا عما أحرزته سياسة التهويد الإسرائيلية من نجاح، لا يعني بحال أننا نسلم لها بما تريد ونستسلم للأمر الواقع، وإنما قصدنا أن يكون شاهدًا على ممارسات إسرائيل التي لا تنشد السلام مهما ادعت عكس ذلك.
وتبقى كلمتان، أولاهما: أن صيغة أن تعطي إسرائيل وتمنح لا تصلح لاسترداد القدس وتحريرها، وثانيتهما: أننا نطالب بقيام منظمة للدفاع عن القدس ودعم التواجد العربي فيها وتنسيق الجهود ما بين الفعاليات الرسمية وغير الرسمية، على أن يقتصر هدف هذه المنظمة على معالجة قضية القدس فقط، ودعنا نتخيل ماذا يحدث لو تبرع كل مسلم بجنيه واحد فقط لصالح إنقاذ القدس.
وبعد ذلك وقبله فالحمد لله الذى أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى بارك حوله، لتظل حادثة الإسراء والمعراج آية تنبه الضمائر وتعلق القلوب بمدينة القدس الخالدة..

الهوامش:

(1) طارق البشرى، عن القدس و فلسطين)وعاؤها الجغرافي) فى: تقرير أمتى فى العالم، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية،1999، صـ41
(2) د. أحمد صدقى الدجاني، أزمة الحل العنصرى لفسطين وسبيل تحريرها، القاهرة: دار المستقبل العربى، 1999، صـ 94
(3) سمير الزبن ونبيل السهلي، القدس معضلة السلام،
أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1997، صـ 14
(4) الدجانى، مصدر سابق، صـ117.
(5) د. منعم العمار، القدس في الاستراتيجية الإسرائيلية: تكريس احتلال وتغييب مقصود للهوية، شئون عربية، العدد 96، ديسمبر 1998،صـ60.
(6) سمير الزبن ونبيل السهلى، مصدر سابق، صـ16.
(7) روحي الخطيب، تهويد القدس، الموسوعة الفلسطينية، قسم الدراسات الخاصة، المجلد السادس، ط1، بيروت، 1990، صـ 889
(8) انظر: روحي الخطيب، الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس بين عامى 1965 و1975، شئون فلسطينية، العددان 41/42، يناير / فبراير 1975، صـ95.
(9) الخطيب، تهويد القدس، مصدر سابق، صـ 889.
(10) السابق، صـ889.
(11) السابق، صـ 879 –883.
(12) السابق، صـ 890-891.
(13) السابق، صـ892
(14) السابق، صـ 892
(15) انظر: نسرين عبد القادر، قضية القدس وتأثيرها على التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل، القاهرة: مركز الخليج، كراسات استراتيجية خليجية، العدد 2، 1997،صـ23-24.
(16) الخطيب، تهويد القدس، صـ 890.
(17) د. أحمد سعيد نوفل، القدس بين التهويد والأمم المتحدة ومشاريع السلام، المستقبل العربى، العدد 74، أبريل 1985، صـ35.
(18) الخطيب، تهويد القدس، صـ 890.
(19) انظر: د. مصطفى أحمد فؤاد، الأماكن الدينية المقدسة من منظور القانون الدولي: دراسة تطبيقية للانتهاكات الإسرائيلية بالأماكن المقدسة في فلسطين، دون دار نشر 1998، صـ224.
(20) نسرين عبد القادر، مصدر سابق، صـ 20.
(21) صحيفة الأهرام 22/7/1999.
(22) صحيفة القدس العربي (لندن) 11/8/1999.
(23) صحيفة الأهرام 11/8/1999.
(24) صحيفة القدس العربي (لندن) 11/8/1999.
(25) صحيفة الحياة (لندن) 6/12/1999.
(26) صحيفة القدس العربي (لندن) 11/8/1999.
(27) صحيفة الحياة (لندن) 24/3/1999.
(28) انظر: مجلة البيان، لندن: المنتدى الإسلامي، العدد 145، ديسمبر 1999، صـ 108.
(29) إبراهيم عبد الكريم، تهويد الحرم القدسي: دراسة توثيقية في الذرائع والوقائع، شئون عربية، العدد 96، ديسمبر 1998، صـ 137-141.
(30) السابق، صـ 135 –137.
(31) صحيفة الأهرام 24/3/1999.
(32) صحيفة الحياة (لندن) 15/3/1999.
(33) صحيفة القدس العربي (لندن) 5/6/1999.
(34) صحيفة الحياة (لندن) 15/3/1999.
(35) صحيفة الأهرام 26/10/1999.
(36) حول التغيرات التي طرأت على تعداد سكان القدس انظر: سمير الزبن ونبيل السهلي، مصدر سابق، صـ90
(37) انظر: وضع القدس، تقرير أعدته اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف التابعة للأمم المتحدة، نيويورك: مطبوعات الأمم المتحدة، 1997، صـ22.
(38) سمير الزبن ونبيل السهلي، صـ38.
(39) السابق، صـ 90.
(40) السابق، صـ90 وكذلك: روحي الخطيب، تهويد القدس، مصدر سابق، صـ 873
(41) انظر:
-د. السيد أحمد عبد الخالق، قواعد اللعبة الديموجرافية في القدس، صحيفة الأهرام 20/8/1999
-وضع القدس، مصدر سابق، صـ 23.
-سمير الزبن ونبيل السهلي، صـ24
(42) منظمتا بتسليم وهموكيد، الترحيل السري: إلغاء إقامة الفلسطينيين في القدس الشرقية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 31، صيف 1997، ص 128
)43) انظر: صحيفة الشرق الأوسط (لندن) 14 /8 /1999
(44) سمير الزبن ونبيل السهلي، ص 25
(45) صحيفة القدس العربي (لندن) 30/8/1999
(46) صحيفة الحياة (لندن) 24/2/1999
(47) سمير الزبن ونبيل السهلي، مصدر سابق، ص 26
(48) السابق، ص 23
(49) الخطيب، تهويد القدس، مصدر سابق، ص875
(50) السابق، ص 875
(51) صحيفة القدس العربي (لندن) 21/6/1999
(52) جيفري أرونسون، إسرائيل، القدس الكبرى في موقع المدينة الخالدة، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 19، صيف 1994، ص 115
(53) صحيفة القدس العربي (لندن) 5/6/1999
(54) الخطيب، تهويد القدس، مصدر سابق، ص902
(55) السابق، ص 903
(56) سائدة حمد، مخطط القدس الكبرى،صحيفة الحياة (لندن) 25/3/1999
(57)خليل التفكجي،الاستيطان في القدس: الأهداف والنتائج،شئون عربية،عدد92 ديسمبر 1997،ص 38 –42
(58) د. منعم العمار،مصدر سابق،ص77
(59) د. عبدالله الأشعل، القدس عاصمة من؟،صحيفة الأهرام 5/11/1999
(60) انظر: صحيفة القدس العربي (لندن)22/9/1999
(61) صحيفة الأهرام 14 / 9 / 1999
(62) صحيفة الحياة (لندن)17 / 3 / 1999
(63) صحيفة الأهرام 8/11/1999، وانظر تحليلآ حول أهمية القرار 242 في: أحمد نافع، القرار 242 حجر الأساس لبناء السلام الشامل، الأهرام 19/11/1999
(64) صحيفة الحياة (لندن) 6/2/1999
(65) د. هيثم الكيلاني،حديث القدس،شئون عربية،العدد 96، ديسمبر 1998، ص167
(66) انظر للمزيد من التفاصيل: د. نادية محمود مصطفي،قضية القدس في ديزنى لاند، تقرير القدس، القاهرة: مركز الإعلام العربي، العدد 11،نوفمبر 1999، ص 5 – 9
وأيضا: فهمى هويدي، ما وراء هزيمتنا في معركة ديزني، صحيفة الأهرام 5/10/1999
(67) انظر صحيفة الحياة (لندن) 31/10/1999 وصحيفة الأهرام 8/11/1999
(68) د. أحمد ثابت، الادعاءات الاسرائيلية لعدم الالتزام باتفاقية جنيف،مختارات إسرائيلية،مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 57، سبتمبر 1999، ص 78
(69)وضع القدس، مصدر سابق، ص28
(70) السابق، ص 28
(71)مجلس القدس العالمي، القدس: القرارات الدولية الكاملة 1947 –1997، بيروت:مجلس القدس العالمي، ط 1، 1998 ص76 – 77
(72) د. أحمد ثابت، مصدر سابق، ص79
(73) وضع القدس،مصدر سابق، ص28
(74)مجلس القدس العالمي،مصدر سابق ص197
(75) د. مصطفى أحمد فؤاد، مصدر سابق،ص208 وما بعدها
(76) مجلس القدس العالمي، مصدر سابق، ص211-212
(77) السابق، ص215 – 217
(78) صحيفة الحياة(لندن)11 /6/1999
(79) صحيفة الأهرام 11 / 2 / 1999
(80) انظر:د. محي الدين العشماوي، قرار تاريخي للأمم المتحدة، صحيفة الأهرام 15/2/1999 0
(81) انظر: سعد حميد: أين ستذهب ” جنيف ” بالفلسطينيين، صحيفة الحياة (لندن) 20/6/1999.
(82) صحيفة الحياة (لندن) 16/7/1999.
(83) بلال الحس، المعركة المتأخرة عن موعدها، الحياة (لندن) 13/2/1999.
(84) د. أحمد الرشيدى، منظمة المؤتمر الإسلامي،مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد – جامعة القاهرة، 1997، صـ128.
(85) السابق، صـ 129.
(86) صحيفة الأهرام 25/3/1997.
(87) صحيفة الشرق الأوسط (لندن) 17/3/1999.
(88) صحيفة الحياة (لندن) 11/3/1999.
(89) انظر: كارم يحيى، معركة القدس: الأفكار والإنجاز والوقت، صحيفة الأهرام 30/10/1999
(90) السابق.
(91) انظر: عيسى نخلة، الخطر على المسجد الأقصى المبارك، صحيفة الأهرام 9/1/2000.
(92) سمير الزبن ونبيل السهلي، مصدر سابق، صـ 58.
(93) انظر: الإدارة العامة لشئون فلسطين، القضية الفلسطينية: خمسون عامًا من العمل العربي المشترك، شئون عربية، العدد 81، مارس 1995، صـ 265
(94) انظر صحيفة الأهرام 24/6/1996
(95) انظر: كلمة د. عبد المجيد أمام ندوة القانون الدولى الإنسانى والرقابة على التسلح، في شئون عربية، العدد 99، سبتمبر 1999، صـ253.
(96) انظر: نصف كلمة د. عبد المجيد أمام ندوة مستقبل القدس العربية، فى: شئون عربية، العدد 98، يونيو 1999، صـ246-248
(97) صحيفة الأهرام 29/3/1999.
(98) انظر كلمة د. عبد المجيد أمام ندوة القانون الدولي الإنساني…، مصدر سابق، صـ 254
(99) صحيفة الأهرام 28/10/1999.
(100) د. حلمي محمد القاعود، القدس بين والت ديزنى وبعض العرب، تقرير القدس، القاهرة: مركز الإعلام العربي، العدد 11، نوفمبر 1999، صـ 33-34.
(101) انظر: أحمد يوسف القرعي، قمة القدس أولًا، صحيفة الأهرام 13/1/2000. وكذلك تصريحات الشيخ عكرمة صبري، الأهرام 25/1/1999.
)102) صحيفة الأهرام 27/3/1999.
(103) صحيفة الأهرام 28/11/1999.
(104) انظر: كلمة السيد عمرو موسى وزير الخارجية ضمن أبحاث الندوة الدولية ” القدس: التاريخ والمستقبل “، مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، 1997،صـ 23-25.
(105) صحيفة الحياة (لندن) 25/4/1999.
(106) صحيفة الأهرام 21/12/1999.
(107) انظر: د. أحمد الرشيدي، حول مستقبل مدينة القدس، شئون عربية، العدد 83، سبتمبر 1995، صـ 108 – 109.
(108) انظر: أسامة حلبي، مسألة القدس في ضوء الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 31، صيف 1997، صـ 118.
(109) انظر نص الحوار مع السيد فيصل الحسيني في مجلة الشروق (الإمارات) العدد 373، 5-6/6/1999، صـ 14-15.
(110) انظر: د. هيثم الكيلاني، مصدر سابق، صـ 168-169.
(111) انظر: نص كلمة عرفات فى: مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 31، صيف 1997، صـ 208 – 210
(112) صحيفة الحياة (لندن) 24/2/1999.
(113) صحيفة الأهرام 3/5/1999.
(114) صحيفة الأهرام 29/12/1999.
(115) صحيفة الأهرام30/12/1999.
(116) صحيفة الأهرام6/1/2000.
(117) نسرين عبد القادر، مصدر سابق، صـ 27.
(118) صحيفة الأهرام 30/3/1999.
(119) صحيفة الأهرام 27/7/1999.
(120) صحيفة الحياة (لندن) 31/8/1999.
(121) السابق
(122) سمير الزبن ونيل السهلي، مصدر سابق، صـ 59.
(123) جيمس زغبي، جدال أمريكي دائم التغير حول القدس، صحيفة الشرق الأوسط (لندن) 26/7/1999.
(124) سمير الزبن ونبيل السهلي، مصدر سابق، صـ 59- 60.
(125) د. أحمد صدقي الدجاني، مصدر سابق،صـ 100
(126) د. أحمد صدقي الدجاني، الموقف الفلسطيني من قضية القدس (فى) د. أحمد الرشيدي)محرر) القضية الفلسطينية وآفاق التسوية السلمية،مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، 1998، صـ 236.
(127) المصدر السابق، صـ 236.
(128) سليم نصار، الانتخابات الأمريكية تحول القدس إلى ورقة مساومة، صحيفة الحياة (لندن) 4/11/1995.
(129) نصير عاروري، القدس والسياسة الأمريكية، صحيفة الحياة (لندن) 1/5/1996.
(130) مجلس القدس العالمي، مصدر سابق، صـ 187.
(131) المصدر السابق، صـ 187، 192، 194. وكذلك: مصطفى دسوقي كسبة، القدس مفتاح السلام والحرب فى الشرق الأوسط، ورقة مقدمة إلى ندوة. القدس: ماضيها ومستقبلها ” التى نظمها مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي – جامعة الأزهر، 12 نوفمبر 1995، صـ 3،4.
(132) أحمد يوسف القرعى، القدس من بن جوريون إلى نتنياهو، مركز الدراسات العربي الأوروبي، بارس، ط1، 1997، صـ42- 43.
(133) وضع القدس، مصدر سابق،صـ 33-34.
(134)مجلس القدس العالمي، مصدر سابق، صـ172.
(135) الدجاني، أزمة الحل العنصري…، مصدر سابق،صـ100.
(136) د. محمد محمد حسين مصطفى، موقف الكونجرس الأمريكي من مسألة القدس (في) د. محمد إبراهيم منصور (محرر) القدس التاريخ والمستقبل، (أسيوط: جامعة أسيوط مركز دراسات المستقبل،1997، صـ 534. وحول مدى مطايقة قرار الكونجرس للقانون الدولي انظر: نفس المصدر صـ537-539. وكذلك: وليد صلاح، قراءة قانونية لقرار الكونجرس الأمريكي بشأن القدس، صحيفة الأهرام 28/11/1995.
(137) صحيفة الأهرام 22/7/1999.
(138) صحيفة الأهرام 25/7/1999.
(139) صحيفة الأهرام 21/7/1999.
(140) انظر:
http://news.iycos.com/stories/politics/19995414 rtpolics-mideast–USA-embassy.asp
(141) صحيفة الحياة (لندن) 15/5/1999.
(142) صحيفة الحياة (لندن) 19/8/1999.
(143) صحيفة الحياة (لندن) 12/3/1999.
(144) المصدر السابق.
(145) انظر: فؤاد إبراهيم عباس، حتى لا تصـاب قضية القدس بالبرود، صحيفة الأهرام، 16/6/1999. وكذلك: د. أحمد سعيد نوفل، مصــدر سابق، صـ 44

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2000

للتحميل اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى