تقارير ودراسات

حول مفهوم “المجال العام” وجدوى دراسته في مجتمعاتنا

مقدمة:

يعد مفهوم “المجال العام” من المفاهيم ذائعة الصيت منذ أواخر القرن العشرين، وارتبط في هذا الإطار بعدة مجالات، منها التاريخ والاجتماع وغيرهما، وعلى رأسها مجال العلوم السياسية والنظم السياسية على وجه الخصوص. وذلك لارتباط نشأته الحديثة بأزمة الديمقراطية في الغرب وعزوف المواطنين عن المشاركة في الحياة العامة والسياسية من خلال الأدوات التقليدية للديمقراطية، ما دفع مفكري الغرب للبحث عن حل لتلك الأزمة وإيجاد بديل لاستعادة دور الأفراد والجماعات على المستوى السياسي.
انتشر مفهوم “المجال العام” في الأدبيات الغربية في تسعينيات القرن العشرين، بعد ترجمة كتاب الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس “التحولات الهيكلية في المجال العام” إلى الإنجليزية، ويعتبر هذا الكتاب دراسة تاريخية اجتماعية لظهور وتحول وتدهور المجال العام في الغرب. ويدرس الشروط المسبقة والهياكل والوظائف والتفاعلات الداخلية لهذا المجال في المجتمع الحديث.
وقد زاد استدعاء هذا المفهوم في بعض الكتابات العربية مع اختلاف السياق المجتمعي، وعدم الانتباه إلى، أو عدم اعتبار ومراعاة تأثير ذلك الاختلاف في التعامل مع المفهوم، وإمكانية تنزيله على واقع مجتمعاتنا أو استخدامه في دراسة تلك المجتمعات وتحليل ظواهرها. فضلا عن عدم تطرق تلك الكتابات إلى دراسة ظاهرة المجال العام في المجتمعات العربية والإسلامية من حيث السمات المميِّزة لها ومسار تطورها، ومحاولات تطوير مفهوم بديل لدراستها، أو تقديم رؤية بديلة لمفهوم المجال العام تتوافق مع طبيعة المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصيتها واحتياجاتها.

حول مفهوم المجال العام:

نشأ مفهوم “المجال العام” في الفكر الغربي الحديث، وانتشر باعتباره مصطلحًا محددًا في العلوم الاجتماعية في ستينيات القرن العشرين بعد أن نشر المفكر الألماني هابرماس Jurgen Habermas كتابًا بعنوان “التحولات الهيكلية للمجال العام البرجوازي”[1]، تُرجِم إلى الإنجليزية في التسعينيات مما زاد من انتشار المفهوم واستخدامه، وتوالت تحليلات المفكرين والباحثين وشروحهم ونقدهم للمفهوم من مداخل ومجالات مختلفة مثل السياسة والتاريخ والاجتماع. وإن كان هابرماس قد طرح المفهوم بالأساس في إطار مجال العلوم السياسية، للبحث في أسباب تراجع الديمقراطية والمشاركة السياسية في المجتمعات الغربية، متبِّعا منهجًا تاريخيًا في دراسة ظاهرة “المجال العام” في نماذج من دول أوربا الغربية في العصر الحديث في القرنين السابع عشر والثامن عشر معتبرًا إياها نموذجًا مثاليًا لنشأة وتطور هذه الظاهرة، متجاهلا نماذج وحالات أخرى سابقة لتطور المجال العام داخل وخارج أوربا.
والمجال العام -بعبارة بسيطة- هو أي مساحة مادية أو افتراضية يمكن لأي فرد عادي –أيا كان مستواه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وأيا كان انتماؤه الفكري والأيديولوجي وأيا كان توجهه السياسي …إلخ- أن يعبِّر فيها عن رأيه بحرية –منفردا أو في جماعة- دون قيود ودون تأثير من أي طرف أو جهة رسمية أو غير رسمية.
المجال العام –بهذا المعنى- شعبي وليس رسميًا أو نخبويًا، فهو لا يرتبط بمؤسسات بعينها سواء كانت مؤسسات رسمية تمثل المواطنين مثل المجالس النيابية والتمثيلية أو تخدمهم مثل البيروقراطية أو الوزارات، أو كانت مؤسسات مجتمعية مثل منظمات المجتمع المدني والأهلي تقوم عليها نخب أو فئات محددة تهتم بهذا المجال، وإنما هي مساحات مفتوحة يوجِدها الأفراد العاديون على اختلافاتهم السياسية والفئوية والاجتماعية والثقافية وعلى اختلاف اهتمامهم بالشأن العام بل واختلاف معرفتهم بتفاصيله، وهي مساحات متغيرة وليست متعيِّنة أو محددة تنشأ وفق الحاجة والمصلحة وقد تتغير وفق المتاح والممكن، وأيضا قدد تتعدد المساحات الممثِّلة للمجال العام فتنشأ “مجالات عامة” متوازية زمانًا ومكانًا تتقاطع أو تفترق فيما تناقشه من قضايا، وأيضا فيمن يشارك فيها من مواطنين.
يترتب على ذلك زيادة مساحة الفعل المجتمعي الشعبي في المجال العام عن المؤسسات ذات الصلة بالمجتمع، وإن كان المجال العام ليس منقطع الصلة عن تلك المؤسسات، الرسمي منها وغير الرسمي، بما تلعبه هذه المؤسسات من دور في دعم فاعلية المجال العام أو تقويضه ومحاصرته. فالدولة ليست الفاعل الرئيسي في المجال العام بخلاف المجال السياسي، ويُفترَض ألا تكون الطرف أو الفاعل ذا النفوذ الأكبر فيه باعتبار كونها لا تنظمه بشكل مباشر من خلال قوانين ولوائح محددة مثلما هو الحال مع المجتمع المدني، وإن كانت الدولة لا تنفك محاولاتها للتأثير في هذا المجال العام بطرق غير مباشرة من خلال وسائل الإعلام والتواصل لتوجيه المواطنين في الدول الأكثر استقرارًا والنظم الأقل استبدادًا، أو بطرق مباشرة بفرض سيطرتها على المساحات العامة سواء كانت مادية أو افتراضية ومطاردة الفاعلين فيها في الدول الأقل استقرارًا والنظم الأكثر استبدادًا.
ومن ناحية أخرى لا يتطابق المجال العام مع المجتمع المدني، وإن كان يتقاطع معه؛ فمن ناحية قد يشكِّل نشاط المجتمع المدني مساحة مهمة من المجال العام، بما يسهم به من دور في توعية عموم الناس أو فئات محددة منهم، أو تحريكهم أو الدفاع عن حقوقهم في مواجهة الدولة. ومن ناحية أخرى، إذا كان المجال العام لا يرتبط في وجوده بإطار مؤسسي محدد أو جامد فإنه يمكن اعتبار مؤسسات المجتمع المدني أداة تنظيمية مهمة من أدوات المجال العام.

مفهوم المجال العام في الفكر الغربي الحديث:

والمقصود هنا مفهوم “المجال العام” باصطلاحه الحديث باعتباره مجالا أو حيزًا مستقلا عن كل من المجال الخاص والمجال السياسي أو مجال الدولة، وفق شروط وسمات محددة ومحدودة تضيِّق من حدوده وتحد من دلالاته ومعناه. وهو أمر لا ينفي وجود مفهوم المجال العام قبل ذلك، سواء بلفظه هذا أو بمرادفات وألفاظ أخرى سواءً في الفكر الغربي أو غيره من الفكر المرتبط بحضارات أخرى.
وتتسع خريطة الكتابة في موضوع المجال العام على مستوى الفكر الغربي أو الكتابات الغربية، بدءًا من هابرماس باعتباره من منح الشهرة لهذا المفهوم من خلال كتابه الأساسي، رجوعًا إلى من كتب قبله في المجال العام، مرورًا بالكتابات النقدية لطرح هابرماس حول مفهوم المجال العام، وما تبعها أو تزامن معها من استدراك أو تطوير من قِبل هابرماس في تناوله للمفهوم، ثم ما طُرِح من رؤى مكملة أو مغايرة لطرح هابرماس؛ سواءً داخل نفس النسق الغربي أو من خارجه.
فإن كان كتاب هابرماس وتناوله للمفهوم ذا أهمية ترجع إلى صك مفهوم المجال العام باعتباره مجالا مستقلا، فإن هابرماس لم يكن منشئًا للمفهوم من فراغ، وإنما هو ركز عليه وخصص تناوله بشكل مستقل عن المجتمع المدني والمجال السياسي، مستخلصًا أسس المفهوم وجذوره من الفكر الغربي وكتابات مفكرين من أمثال كانط وهيجل وميل وماركس. بل سبقه مفكرون آخرون في استخدام مفهوم “المجال العام” أو “الحيز العام” ذاته وذِكْر خصائصه وسماته ودوره، ومن أبرزهم المفكرة الألمانية حنا أرنت، إلا أنه لم يكن تناولا منفردا مستقلا وإنما ضمن أعمال مختلفة خاصة كتابها “The Human condition”[2]. كما تزامنت كتابات وأعمال أخرى تحدثت عن المجال العام وتناولته من أبعاد أو مداخل مختلفة عن هابرماس، التقى بعضها معه في نقاط واختلف وتباعد في نقاط أخرى، ولكنها لم تلقَ من الشهرة والانتشار ما لقيه عمل هابرماس حول المجال العام.
فالكتابات الغربية حول المجال العام كثيرة ومتعددة؛ سواءً كانت كتابات نظرية بحتة حول مفهوم المجال العام، منها ما هو تأسيسي أو تأصيلي ومنها ما هو نقدي أو تكميلي أو ما هو شارح أو مفصِّل، أو سواءً كانت كتابات تطبيقية تستعير المفهوم كما وضعه هابرماس أو تعدِّل فيه أو تركز على عنصر أو بعد معين من أبعاده ثم تطبقه على حالة أو منطقة محددة..

ويُعرِّف هابرماس المجال العام باعتباره مساحة اجتماعية تتيح لأفراد المجتمع النقاش الجماعي الحر غير المقيَّد، وتكوين رأي عام فيما يتعلق بالمصالح والقضايا المشتركة بينهم، بهدف الوصول إلى توافق بشأن المصلحة العامة وكيفية تحقيقها. ولتحقيق هذا التوافق يؤكد هابرماس ضرورة أن يتسم المجال العام بمجموعة من السمات والخصائص، تتمثل في: ا) المساواة وعدم التمييز؛ فالمجال العام يقوم على تكوين علاقات وصلات اجتماعية بين الأفراد المختلفين -بغض النظر عن الحالة الاجتماعية- تتأسس على المشترك الإنساني والمساواة وتفوُّق الحجة الأقوى وليس التراتبية الطبقية، وبعيدا عن تأثير القوة أو النفوذ الاجتماعي أو الاقتصادي أو المنصب العام. 2) إتاحة نقاش جميع القضايا المشتركة بين أفراد المجتمع، والتي كانت من قبل حكرا على الدولة. 3) إتاحة المجال العام للجميع؛ فهو مجال مفتوح لكل أفراد المجتمع للمشاركة والفعل فيه (inclusive) وليس حصريا على فئة أو مجموعة معينة أو محددة مسبقًا (exclusive).
ولكن هابرماس يناقض هذه السمات بعد ذلك في رؤيته لأسباب تدهور المجال العام في أوربا، التي يُرجِعها إلى اتساع نطاق المجال العام الذي ترتب عليه صعوبة التوصل إلى توافق بين المشاركين فيه، بالإضافة إلى إقحام قضايا هامشية أو خاصة (مثل قضايا المرأة) -وفق تصوره- في المجال العام ما أدى إلى إفقاده عموميته.
ويعد الطرح الهابرماسي لمفهوم المجال العام جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحداثة الغربية، بل إن المفهوم جاء في محاولة لإنقاذ الحداثة والحفاظ على بقائها من خلال نقد سلبياتها ومحاولة إصلاحها واستعادة مصداقيتها، معتبرًا أن “الحداثة مشروع لم يكتمل”؛ فقد طرح هابرماس مفهوم المجال العام في القرن العشرين في إطار نقده للحداثة الغربية التي أدت إلى تراجع المشاركة السياسية للأفراد، ولكنه رغم ذلك النقد يقصر المفهوم على المجتمعات الغربية الحديثة، فلا يرى وجودا للظاهرة من قبل ذلك في المجتمعات الغربية (ما قبل الحديثة) أو في المجتمعات غير الغربية (غير الحديثة –كما يراها).
فقد ربط هابرماس نشأة المجال العام بنشأة الدولة القومية الحديثة بتنظيماتها المؤسسية على المستوى السياسي وتقنياتها التكنولوجية وتعدد واتساع أدوات تداول ونقل المعلومات؛ حيث حقق اقتصاد السوق الاستقلال الاقتصادي للأفراد عن الأسرة والعائلة بالتحول من الاقتصاد المنزلي إلى اقتصاد السوق، ومن ثم منحهم –وفق الرؤية الحداثية- فرصًا متساوية للتنافس في المجال العام (سياسيا وليس فقط اقتصاديا). كما فصل بين المجال الخاص والمجال العام بعد أن كانا متداخلين ومترابطين حيث كانت تعتبر الأسرة الوحدة الأولية في عملية الإنتاج وكان رب الأسرة هو العائل الاقتصادي الذي يعتمد عليه أفراد الأسرة، ترتب على ذلك تفكك العائلة وغيرها من الوحدات والتكوينات الاجتماعية القائمة على علاقات القرابة وتراجع مكانتها في المجتمع لصالح علاقات المصلحة والإنتاج.
وسياسيًا تم التوسع في نشر وتوزيع السلطة نتيجة تزايد المهام، ما ترتب عليه انتشار وزيادة مساحات سلطة وسيطرة الدولة مع التزايد الشكلي للديمقراطية ومشاركة الأفراد في عملية صنع القرار، وضبط وتقنين العلاقات الاجتماعية خاصة العلاقة بين الدولة والمجتمع/ الحاكم والمحكوم، والفصل بين الديني والسياسي.

نقد تصور هابرماس ورؤى مغايرة للمجال العام:

وقد أثار طرح هابرماس حول المجال العام الكثير من النقاشات في الفكر الغربي، وجَّه عدد كبير منها النقد لتصور هابرماس حول المجال العام وقدَّم بعضها تصورا بديلا عنه -شاملا أو جزئيا. ويمكن تحديد ثلاثة محاور أساسية انتُقِدت في تصور هابرماس: نقد تصور التكوُّن والتطور التاريخي للمجال العام (نقد حداثية المفهوم)، ونقد سمات المجال العام (النموذج المثالي)، ونقد ماهية وطبيعة المجال العام (القيمي-المادي، دور الدين..). أعرض هنا بشيء من التفصيل للمحورين الأول والثاني.
فمن ناحية وُجِّه نقد لتصور هابرماس للتكوُّن والتطور التاريخي للمجال العام، ومِن أبرز مَن كتب في ذلك المفكر الإيطالي أرماندو سلفاتور Armando Salvtore؛ حيث انتقد تصور هابرماس عن نشأة المجال العام في العصر الحديث في أوربا الغربية ونفيه وجود جذور تاريخية له قبل ذلك، وتجاهله النماذج غير الغربية للمجال العام واقتصاره على الصورة الغربية الحديثة فقط، معتبرًا المفهوم نتاجًا خالصًا لمنظومة الحداثة الغربية، ومن ثم نفيه علاقة المجال العام بالتراث سواءً التراث الغربي ما قبل الحداثي أو التراث غير الغربي لحضارات ومجتمعات أخرى ساهم تطورها التاريخي المجتمعي والفكري في تطوير المجال العام ظاهرة ومفهومًا.
لم يختلف تصور سلفاتور لطبيعة المجال العام وتعريفه عن تصور هابرماس كثيرًا، وإن كان يركز بدرجة أكبر على العلاقة التفاعلية بين الأفراد داخل المجتمع وبينهم وبين الدولة أكثر من تركيزه على الفرد كفاعل مستقل عقلاني. ولكن الاختلاف الأكبر في تصور سلفاتور للمجال العام يتمثل في رؤيته لأصول ظاهرة المجال العام وتطورها؛ حيث يرى سلفاتور أن المجال العام ليس ظاهرة حداثية لم تكن موجودة من قبل العصر الحديث، كما أنه ليس ظاهرة قاصرة على المجتمعات الغربية فحسب بل وجدت في مجتمعات وحضارات أخرى.
ومن ثَم يركز سلفاتور في كتابه “المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام”[3] على دراسة تاريخ تطور المجال العام صعودًا وهبوطًا في ثقافات مختلفة (الغرب الحديث وأوروبا المسيحية والإسلام)، بالتركيز على دور التراث في رسم خريطة هذا التطور، بل في تطوير المفهوم ذاته؛ حيث يرى أن فكرة المجال العام في صورتها الحديثة ذات جذور سابقة في صور مختلفة من التراث، مهدت لتكوين المجال العام في شكله الحديث. وأن هذه الأفكار والصور المختلفة من التراث تؤكد وجود بدائل تاريخية للطريقة التي تشكلت بها العلاقة بين المجتمع والسلطة لتكوين المجال العام.

ومن ناحية أخرى انتُقِد تصور هابرماس عن سمات المجال العام، خاصة من قِبل مفكري ما بعد الحداثة والاتجاه النسوي. فعلى سبيل المثال يرى Alan Makee في كتابه “مقدمة في المجال العام” The public Sphere: an introduction[4] أن هابرماس يتصور المجال العام بشكل مثالي؛ حيث يجب أن يتعامل المجال العام فقط مع قضايا جادة، ويجب ألا يكون مثيرا للعواطف أو سهل الدخول إليه أو استهلاكيا تجاريا، ويجب أن يتضمن حجج عقلانية منطقية فقط دون توجهات عاطفية أو سطحية، ويجب أن يكون موحدا ومتجانسا يرفض التجزئة بين الثقافات المختلفة. ومن ثم فإن ما يشهده المجال العام من تطور في القرن الحادي والعشرين يمثل في تصور هابرماس تراجعًا وتدهورًا في طبيعة المجال العام عما كان عليه المجال العام البرجوازي نتيجة طغيان الاستهلاك الرأسمالي عليه.
في حين يراه ما بعد الحداثيين تطورًا إيجابيًا؛ فظهور بعض القضايا الخاصة أو غير السياسية (مثل العنف الأسري أو قضايا العمال) في المجال العام أمر إيجابي طالما سعى البعض إلى تحقيقه منذ عقود، وخضوع المجال العام لمطالب السوق يعني التعبير عن أنماط الثقافة لدى المنتمين للطبقة العاملة. كما أن طرح قضايا أقل عمقًا أمر مهم لإدارة النقاشات العامة التي يشارك بها مواطنون عاديون، والتعدد خطوة مهمة نحو السماح للمواطنين من خلفيات متنوعة بتطوير أفكارهم في المجال العام. ومن ثم يرى أنصار هذا الاتجاه أن المواطنين أصبحوا أكثر إحاطة بالقضايا العامة وأكثر مشاركة في السياسات الثقافية حتى وإن بدت الأنماط التقليدية للسياسات تقصيهم عن المشاركة.

جدوى دراسة المجال العام في العالم العربي والإسلامي:

دفع ذلك بعض الباحثين والمفكرين العرب إلى اعتبار المجال العام مفهومًا مفروضا على مجتمعاتنا وعلى فكرنا وأنه لا يصلح لتفسير واقعنا لأنه نشأ في سياقات مجتمعية وتاريخية محددة في الغرب، بل إنه مفهوم نسبي وتاريخي ومتغير في بيئته الأصلية[5]. بينما يرى آخرون (أمثال د.إبراهيم البيومي غانم[6]) أن غياب نظرية مكتملة حول المجال العام في الفكر العربي والإسلامي لا ينفي وجود الظاهرة وقِدمها في مجتمعاتنا، وأنه لابد من الوعي بالمفهوم الغربي والاستفادة منه بما يتوافق مع مجتمعاتنا باعتباره إسهاما نظريا مهما وإن كان ذلك لا ينفي ما به من أوجه قصور سواءً على مستوى التنظير أو التطبيق، والسعي إلى صياغة رؤية بديلة لمفهوم المجال العام تتوافق مع خصوصية مجتمعاتنا وثقافتنا وتتبع تاريخ وتطور الظاهرة في المجتمعات العربية والإسلامية.
ولا يمكن إنكار أهمية مفهوم المجال العام بدلالاته العامة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، دون التقيُّد بما وضعه هابرماس من حدود وشروط استلهمها من التجربة الحداثية الغربية. الأمر الذي يتطلب تحديد إمكانيات الاستفادة من الأطروحات الغربية حول المفهوم نظريا وتحليليا وتطبيقيا من جهة، والكشف عن دلالات المفهوم وتطور الظاهرة في المجتمعات العربية والإسلامية بما يسهم في صياغة نظرية مستقلة –بديلة أو مكملة للأطروحات الغربية- حول المجال العام انطلاقا من قيمنا وأطرنا المعرفية من ناحية أخرى. ومرجع ذلك إلى عدة أسباب ودوافع منها:
– محاولة تجاوز أزمة نقل الحداثة الغربية إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية دون مراعاة اعتبارات الملاءمة؛ فالغرب يمر بأزمة على مستوى العلم وعلى مستوى الممارسة، يحاول أن يتجاوزها بالبحث عن بدائل أو بمعالجة منتجات الحداثة لتكون أكثر ملاءمة لما تمر به المجتمعات الغربية من تغيرات. ولكن تظل تلك المحاولات نتاج التفاعل مع سياقات وظروف مغايرة لمجتمعاتنا وتعالج مشكلات مختلفة عما نعانيه من أزمات.
– التأسيس، استعدادًا وتهيأةً للقادم.. فقد أصدر هابرماس كتابه بهدف استعادة فعالية المجال العام وتقويته في وقت تراجعت فيه الديمقراطية في الغرب وتدهور المجال العام. وبالمثل نحن بحاجة الآن إلى دراسة أسباب غياب مجال عام فاعل ومؤثر في مجتمعاتنا وكيفية التغلب عليها.
– ما كشفت عنه الثورات العربية من إمكانية الفعل المجتمعي، وإن كانت تواجه إشكاليات: اﻻستبداد وتضييق النظم – ضعف التنظيم والعمل الجماعي التوافقي… وبالتالي نحتاج إلى التركيز في الكتابات العربية عن المجال العام على تفعيل ودعم إمكانيات التوافق المجتمعي، خاصة في ظل حالات الاستبداد والاستقطاب السياسي والفكري.

وفي هذا الإطار يطرح د.إبراهيم البيومي غانم –على سبيل المثال- تصورًا لدراسة المجال العام في الاجتماع السياسي الإسلامي، وتعد نقطة التميز الأساسية التي تؤكد عليها هذه الرؤية هي البعد القيمي في تكوين المجال العام وعدم الاقتصار على البعد المؤسسي المادي فحسب. فيعرِّف المجال العام بأنه “مجال العمل المشترك والمسئولية المشتركة والمصلحة المشتركة التي لا يختص بها فرد دون آخر، ولا تحتكرها مجموعة أو فئة دون أخرى، وتحكمها منظومة قيمية تتقاسمها فئات المجتمع وأفراده، ومنظومة أخرى من المؤسسات والمرافق العامة”. وتشير الدراسة إلى أن هناك ثلاث قيم كبرى تأسست عليها فكرة المجال العام في الاجتماع السياسي الإسلامي هي: الحرية والشورى والإجماع، هي بمثابة قيم مشتركة لابد من توافرها حتى يصل المجتمع إلى مستوى “الولاية على نفسه”. ويُعد وصول المجتمع إلى هذا المستوى هو نقطة بداية تكوُّن المجال العام؛ حيث يصبح المجتمع قادرا على التعبير عن رأيه بحرية.
ويرى د.البيومي أن لحظة ميلاد المجال العام في تاريخ الاجتماع السياسي الإسلامي جاءت لحظة تأسيس مجتمع المدينة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته من مكة المكرمة. ثم أخذ المجال العام منذ ذلك الحين يتسع ويضيق في ضوء ما مرت به المجتمعات الإسلامية من تحولات اجتماعية وصراعات سياسية.
وأن هناك عدة أسباب أدت إلى تراجع المجال العام في المجتمعات الإسلامية، ومن تلك الأسباب: “الاستبداد السياسي الذي عطل الشورى، وصادر الحرية، وشل فاعلية الإجماع في التعرف على إرادة المجتمع، وفي حمل هذه الإرادة إلى مواقع صنع القرار، وتدبير الشأن العام. ومن تلك الأسباب أيضاً: استسلام الفقهاء -في أغلبيتهم- وعدم اعتراضهم على تعطيل الشورى في اختيار الحكام وعزلهم ومحاسبتهم، إضافة إلى الجمود الفقهي الذي قيد نظرية الإجماع ولم يدعها تنطلق إلى ميدانها العام”.
ويرى البيومي أن التغلب على تلك الحال من تراجع وضعف المجال العام في مجتمعاتنا يتطلب القضاء على العقبات التي تحول دون استرداد المجال العام وتطويره في الواقع المعاصر لمجتمعنا، ومنها على سبيل المثال:
1) ضعف الولاء المشترك لقيمة أعلى من القيم الفردية والمصالح الخاصة.
2) تأخر وعي المصلحة المشتركة، وسيادة وعي المصلحة الفردية الأنانية، والمقاومة الصادرة عن جماعات لها مصلحة أخرى مضادة للمصلحة المشتركة.
*****

الهوامش:

[1] Jurgen Habermas, structural transformation of the public sphere: an inquiry in to a category of bourgeois society, translated by: Thomas Burger, massachusetts institute of technology, 1989.
[2] Hannah Arendt, The human condition, The university of Chicago press, Chicago & London, 2nd edition, 1998.
[3] Armando Salvatore, the public sphere: liberal modernity, Catholicism, Islam, Palgrave Macmillan, New York, 2007.
وترجمته إلى العربية: أرماندو سلفاتور، المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام، ترجمة: أحمد زايد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012.
[4] Alan McKee, The public sphere: an introduction, Cambridge university press, 2005.
[5] راجع على سبيل المثال كلمة د. محمد صفار في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود تحت عنوان “الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام” في يناير 2013، على الرابط التالي:
http://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%BA%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-1403
[6] إبراهيم البيومي غانم، أصول المجال العام وتحولاته في الاجتماع السياسي الإسلامي، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد السادس والأربعون، العدد الأول، يناير 2009.

لتحميل الملف اضغط هنا


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى