الولايات المتحدة وأوروبا

المواقف الأوروبية الأمريكية من روسيا والصين منذ بدء إدارة بايدن وردود الأفعال

 

مقدمة:

يترقَّب العالم منذ انتهاء إدارة دونالد ترامب ووصول بايدن إلى البيت الأبيض تغيرات على مستويات عدة، فالكثير من الأسئلة التي تدور حول سياسة الولايات المتحدة الخارجية وموقفها من مجموعة من القضايا البارزة على الساحة العالمية، تطرح نفسها يومًا بعد يوم تنتظر إجابات حاسمة، وفي هذا السياق الضبابى يأتي السؤال الأهم والذي يتعلَّق بالريادة الأمريكية في العالم وموقع الولايات المتحدة من توازن القوى العالمي خاصة مع صعود الصين وروسيا وبعد انتهاء إدارة أمريكية اتخذت من سياسة “أمريكا أولًا” إستراتيجية لها مما كان له عظيم الأثر على سياسات وأدوات قيام الولايات المتحدة بدورها العالمى ولاتجاهها نحو الأحادية بدلًا من التعددية.

وبالنظر إلى أجندة السياسة الخارجية الأمريكية نجد أن الصين تحظى بالمركز الأول في سلم أولويات الولايات المتحدة، ثم التهديد الروسي الذي يعدُّ مصدر قلق رئيسي للولايات المتحدة وللدول عبر الأطلسي، وفي هذا السياق تعمل الإدارة الأمريكية الجديدة على توحيد الحلفاء في مقابل التهديد الصيني والروسي، إلا أن هذا المسعى الأمريكي يواجه تحديًا كبيرًا حيث تشهد العلاقات الأمريكية-الأوروبية منعطفات جديدة تأثُّرًا بسياسات ترامب غير المألوفة مع الحليف الأوروبي والتي أضرَّت بصورة الولايات المتحدة لدى أوروبا، هذا فضلًا عن ما تشهده القارة الأوروبية من انشقاقات داخلية  واختلافات في التوجُّهات تجعل من إعادة إحياء العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة أمرًا أكثر صعوبة.

في ظل هذا المشهد العالمي الذي يشهد اضطرابًا في توازنات القوى، يأتي هذا التقرير لإمعان النظر في المواقف الأوروبية-الأمريكية تجاه القوى المنافسة للهيمنة الأمريكية المتمثِّلة في الصين وروسيا، وكيف تسير العلاقة بين هذه الأقطاب وما الأسئلة التي يطرحها الواقع منذ وصول بايدن إلى سُدَّةِ الحكم وحتى وقتنا الحالي، وفي هذا السياق سوف يحاول التقرير الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تدور حول مصادر التهديد من جانب روسيا والصين، ومناطق الاختلافات والاتفاقات بين الحليفين الغربيين (أوروبا وأمريكا) على توجُّهات وسياسات التعامل مع روسيا والصين، وأدوات وعناصر قوة كلٍّ من روسيا والصين وتأثيرها على العلاقات الأوروبية-الأمريكية، وسوف يتم الإجابة عن هذه الأسئلة في ثلاثة أجزاء، حيث يتناول الجزء الأول العلاقات الأوروبية-الأمريكية بين إدارة ترامب وإدارة بايدن، ثم الجزء الثاني الذي يتضمَّن الحديث عن القدرات الروسية-الصينية، ثم يأتي الجزء الثالث والأخير ليتناول العلاقات الأوروبية-الأمريكية حول روسيا والصين.

أولًا- العلاقات الأمريكية-الأوروبية بين ترامب وبايدن

على الرغم من الترحيب الأوروبي بفوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة إلا أن العلاقات الأوروبية-الأمريكية ما زالت تمرُّ بتوتُّرٍ شديد ومستقبل غامض خاصَّة بعد إدارة دونالد ترامب التي أساءت لعلاقة الولايات المتحدة بحليفها القديم والتاريخي، نظرًا لسياسته التي اتَّخذت من فكرة “أمريكا أولا” شعارًا لها، هذا إلى جانب مواقفه من بعض القضايا التي تقع ضمن الاهتمام الأوروبي كالتغيُّر المناخي والخروج من الاتفاق النووي الإيراني وغيرها، مما يجعل توقُّعات الجانب الأوروبي من الولايات المتحدة منذ وصول بايدن محاطًا بالقلق، وهذا لا يعود فقط إلى التخوُّف من الآثار التي خلَّفتها إدارة ترامب في العلاقة بين الطرفين الأمريكي والأوروبي بل في سياق أوسع يعود الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، فالعلاقات الأوروبية-الأمريكية مرَّت بتحوُّلات عدَّة على مدار العقود الثلاثة الماضية أي بعد انتهاء الحرب الباردة بشكل يوحي بأنها لم تكن على طريق ممهدة تمامًا قبل ترامب.

حيث واجهت العلاقات الأوروبية-الأمريكية مجموعة كبيرة من التحديات تمثَّل بعضها في أحداث 11 سبتمبر 2001 والغزو الأمريكي للعراق 2003 والكساد الكبير 2008 وملف الهجرة واللجوء، إلى غير ذلك من الصعوبات التي أثرت على العلاقة بين الحليفين سلبًا وإيجابًا.

إلا أن التحديات في السنوات الأخيرة شكَّلت نقطة تحوُّل فارقة نتيجةً لما تشهده أوروبا من انشقاقات داخلية انعكست في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن صعود الشعبوية في مجموعة من الدول الأوروبية، إلى جانب دعوة بعض الدول -كالمجر- إلى تبنِّي نماذج أخرى من الديمقراطية كالديمقراطية غير الليبرالية (Illiberal democracy)، وأتى هذا متزامنًا مع صعود ترامب وتولِّيه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ورفع شعار “أمريكا أولًا” ضمن سياسة أساءت للكثير من القيم التي تروِّج لها الولايات المتحدة، مما أفضى إلى تصدُّع في العلاقات عبر الأطلسية وصولًا إلى أن أصبح النظام الدولى الذي يُهيمن عليه النموذج الغربي الليبرالي الرأسمالي مهدَّدًا وكذلك الديمقراطية الغربية، نتيجة لتغيُّر الصورة الذهنية العالمية لهذا النموذج فضلًا عن ما يشهده العالم من صعود قوًى تقدِّم نموذجًا سياسيًّا واقتصاديًّا مختلفًا تتمثل بشكل رئيسي في الصين وروسيا[1].

لقد ساهم ترامب بشكل كبير على مدار السنوات الأربع التي تولَّى فيها الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية في تدهور العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الحليف الأهم تاريخيًّا للولايات المتحدة، حيث لم يراعِ الرئيس ترامب المصالح الأوروبية في عدَّة ملفات من بينها الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية باريس للمناخ، والأزمة الليبية، بالإضافة إلى التهديد بالخروج من حلف الناتو وسحب القوات الأمريكية من القواعد الأوروبية، بالإضافة إلى اهتمامه الضئيل بالمؤسسات الدولية متعدِّدة الأطراف ضمن سياق إستراتيجية “أمريكا أولا” ممَّا شكَّل ضغطًا كبيرًا على العلاقة عبر الأطلسي (Translantic relations)[2]، وكذلك دعمه للأحزاب والحكومات الشعبوية الأوروبية وكل ما هو ضد الاتحاد الأوروبي ودعمه البريكست[3].

على صعيد آخر مثَّلت فترة رئاسة ترامب فرصة لأوروبا كي تتَّحد حول الدفاع عن نفسها خارج مظلَّة حلف الناتو والقواعد العسكرية الأمريكية، لكن الانقسام الأوروبي الداخلي ما زال يحول دون ذلك، فعلى الرغم من هجوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على حلف الناتو ووصفه “بالميت” إلا أن دول شرق أوروبا ما زالت تريد الاكتفاء به مما يدل على وجود توجُّهات مختلفة داخل القارة الأوروبية بشأن قضايا مركزية[4].

في المقابل يحاول بايدن منذ وصوله إلى سُدَّة الحكم اتخاذ خطوات سريعة في سبيل إعادة إحياء العلاقة والوحدة مع أوروبا وتضمَّن ذلك العودة إلى اتفاق باريس للمناخ وكذلك الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية ومبادرة لقاح COVAX العالمية، وأعاد التمويل الأمريكي إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان، ورفع العقوبات التي كانت مفروضة في عهد ترامب على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وعاد إلى ترتيبات الحدِّ من الأسلحة متعدِّدة الأطراف مع روسيا، وأعاد الانخراط في منتديات متعدِّدة الأطراف مثل G7 و G20، مع التعهُّد بانضمام الولايات المتَّحدة مرة أخرى إلى الاتفاق النووي الإيرانى بالإضافة إلى تأكيده على تعددية الأطراف في العلاقات الدولية (Multilaterism) وحقوق الإنسان، وتأكيده على مبدأ الدفاع المشترك ضمن تذكيره بالمبادئ التي أُسِّسَ عليها حلف الناتو الذي هدَّد ترامب بالخروج منه.

كما شارك وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن في اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل في فبراير 2021، حيث تمَّت مناقشة مجموعة واسعة من الموضوعات، في اجتماعين وزاريَّين لحلف الناتو، وشارك أيضًا في الاجتماع الوزاري لمجموعة السبع في لندن، بالإضافة إلى مشاركته في تنسيقات ثنائية وإقليمية أصغر مع دول أوروبية فردية. وفي خطوة استثنائية، انضمَّ بايدن إلى اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي في مارس 2021  وهي المرة الأولى التي يشارك فيها رئيس أمريكي في مثل هذا الاجتماع منذ جورج دبليو بوش في عام 2001[5].

ويأتي هذا في سياق رغبة بايدن في الاتحاد مع أوروبا ضدَّ روسيا والصين، حيث أكَّد بايدن في كلمته التي ألقاها في مؤتمر ميونخ للأمن على ضرورة توحيد الصف الديمقراطي الغربي في مقابل الآخر غير الديمقراطي المتمثِّل في روسيا والصين، وأن النموذج الديمقراطي الغربي لا يجب أن يكون من بقايا التاريخ[6].

وفي التاسع من يونيو 2021 توجَّه الرئيس جو بايدن لحضور قمة مجموعة السبع ولقاءات في حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي بهدف طمأنة الحلفاء وتوجيه تحذير إلى روسيا والصين، حيث كتب بايدن “رحلتي إلى أوروبا تشكِّل مناسبة لأمريكا، لكي تحشد الديمقراطيات في كلِّ أنحاء العالم”، وطرح نفسه لاعبًا أساسيًّا فيما وصفه بأنه صراع قوة عقائدي في مواجهة “الأنظمة السلطوية”، وفي مقدِّمتها الصين، وفي هذا السياق قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل مرحِّبًا بزيارة الرئيس الأمريكى ومشيدًا بهذه الخطوات “إن زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن لأوروبا بمثابة مؤشِّرٍ على نجاة العمل متعدِّد الأطراف من سنوات حكم سلفه دونالد ترمب، وستُرسي أسس التعاون عبر المحيط الأطلسي، لمواجهة تحديات عديدة، بدءًا من الصين وروسيا وانتهاءً بتغير المناخ”[7].

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من هذه الرسائل الإيجابية التي يُطلقها بايدن إلَّا أن الاتحاد مع أوروبا في حَدِّ ذاته لا يُعَدُّ من أولويات الولايات المتحدة الآن، حيث تشير بعض التحليلات إلى أن عودة العلاقات الأمريكية-الأوروبية بمثابة ضمان للولايات المتحدة أن أوروبا أقرب لواشنطن منها إلى الصين وذلك لأن أوروبا -وخاصة ألمانيا- اختارت استمرار دعم العلاقات مع الصين على الصعيد الاقتصادي بالرغم من أزمة العلاقات التجارية الحادَّة بين ترامب والصين -المنافس الأكبر للولايات المتحدة- والتي تمثل أولوية على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية حاليًّا[8]. وفي هذا الصدد يقول بنجامين حداد “نتحدث كثيرًا عن عودة أمريكا هناك خطاب إيجابي، لكن يجب الآن الانتقال إلى الأفعال”.

وينعكس هذا الملمح في عدم مبادرة إدارة بايدن إلى اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل على إثر قرار الاتحاد الأوروبي إعادة فتح أبوابه أمام المسافرين الأمريكيِّين، بالإضافة إلى الطريقة التي أعلن فيها بايدن الانسحاب من أفغانستان من دون مشاورات فعلية مسبقة، وفي هذا الصدد يقول الباحث الفرنسي “أصبحت أوروبا أقل محورية بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، مقارنة عما كانت عليه قبل 20 أو 30 عامًا”[9].

هذا التوجُّه الأمريكي لإعادة ترميم العلاقة مع أوروبا تقف أمامه مجموعة من العوائق يتمثل أهمها في انشقاق الصف الأوروبي الذي تغيَّرت نظرته للولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأهم والأقوى في مقابل التوجُّه نحو الصين وروسيا، فبالرغم من ترحيب الأوروبيِّين بفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2020 إلا أنهم لا يرون فيه القائد العالمي الذي سيعيد الولايات المتحدة إلى مكانتها العالمية، حيث تشير نتائج بعض استطلاعات الرأي التي أجريت في مجموعة من الدول الأوروبية أن نظرة الأوروبيِّين تجاه الولايات المتحدة طرأت عليها تغيُّرات هائلة، حيث يرون أن النظام السياسي الأمريكي قد تحطَّم وأن الصين ستُصبح أكثر قوة خلال العقد القادم، وأن الولايات المتحدة لا يُعتمد عليها لحماية أوروبا[10].

ثانيًا- الصين وروسيا: تهديد متصاعد وتغيُّرات في موازين القوة

تُشكل الصين التحدِّي الدولي الأكثر إرباكًا للولايات المتحدة، فعلى عكس الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان معزولًا اقتصاديًّا ومقيَّدًا من الناحية التكنولوجية؛ فإن الوضع التنافسي الحالي مع بكين، وما تمتلكه من الموارد اللازمة لتنمو بشكل أكبر وأسرع وأقوى من واشنطن؛ يفرض على الرئيس جو بايدن وضع إستراتيجية متكاملة في مواجهة ذلك الصعود الصيني الذي قد يغير شكل النظام العالمي.

فبكين حاليًّا هي ورشة التصنيع الأولى في العالم، والشريك التجاري الأول لمعظم الدول، بما في ذلك اليابان وأستراليا وحتى ألمانيا. وقد تعمقت الصين خلال السنوات الماضية في كيفية استغلال الأدوات الجيواقتصادية وتوظيفها لصالح تحقيق الأهداف الجيوسياسية الخاصة بها. وإذا كانت الولايات المتحدة القوة العسكرية الرائدة في العالم، فإن الصين سجلت خلال العقد الماضي أقوى قوة عسكرية في آسيا، بل إن ميزانية الدفاع لبكين الآن أضحت تقترب من ستة أضعاف ميزانية طوكيو، وحوالي أربعة أضعاف ميزانية نيودلهي. وعلى عكس الولايات المتحدة التي تمتلك التزامات عسكرية عالمية، فإن جهود الصين الدفاعية تتركَّز بشكل أساسي على حدودها ومياهها الإقليمية، الأمر الذي حوَّل ميزان القوة العسكرية لصالحها، خاصة في المناطق الأكثر اشتعالًا والتي تمتلك فيها بكين ميزة نسبية، وعلى الأخص في منطقة مضيق تايوان.

كما أصبحت الصين منافسًا تقنيًّا حقيقيًّا للولايات المتحدة الأمريكية في المجال التكنولوجي، بل إن أغلب التوقُّعات أضحت تتوقَّع أن يأخذ النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين منحًى آخر، بحيث ينتقل النزاع من التجارة إلى التكنولوجيا، ويعد الذكاء الاصطناعي من المجالات الأكثر احتمالًا لأن تشهد منافسة حادَّة بين الجانبين، هذا إلى جانب ما حقَّقته الصين من خطوات متقدِّمة في مجال شبكات الجيل الخامس G5، وانعكاس ذلك على تكنولوجيا الاتصالات والخدمات المالية.

إن الوضع الاقتصادي الحالي للصين يمنحها ميزة تنافسية في مواجهة الولايات المتحدة مما يجعلها قادرة على تمويل ميزانيات الدفاع والاستخبارات بشكل قد يكون أكبر مما تخصِّصه الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل[11].

على صعيد آخر تعمل الصين على مشروع توسُّعي إستراتيجي من خلال مبادرة “الحزام والطريق” وهي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير القديم تهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل بناء مرافئ وطرقات وسككًا حديدية ومناطق صناعية، وتشارك في هذا المشروع العملاق 123 دولة، حيث تريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية[12].

وتسعى هذه المبادرة الضخمة بشكل كبير إلى تعزيز النفوذ العالمي للصين من شرق آسيا إلى أوروبا من خلال جعل الدول في جميع أنحاء العالم تعتمد بشكل متزايد على الصين، وفي هذا السياق يقول الدكتور موردخاي شازيز مؤلف كتاب “دبلوماسية الصين في الشرق الأوسط: الشراكة الإستراتيجية للحزام والطريق”: إنه من الناحية الإستراتيجية، تكشف مبادرة الحزام والطريق عن سعي الصين إلى إسقاط الهيمنة الغربية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط سلميًّا، وأن العلاقة بين مبادرة الحزام والطريق والشراكات الإستراتيجية التي توجدها في المنطقة تسمح لها بالسيطرة تدريجيًّا على المنطقة دون خلق توترات مع الولايات المتحدة أو الغرب” أي إن هذه المبادرة تعد خطة صينية متطوِّرة لنقل الهيمنة من الغرب والولايات المتحدة إلى الصين دون حرب أو صراع[13].

وبناء على ذلك، يتعيَّن على واشنطن اجتذاب دول أخرى ذات ثقل إلى جانبها لإحداث التوازن في ميزان القوة العالمي لصالحها. لكن هذا سيكون أكثر تحديًا مما كان عليه الأمر خلال الحرب الباردة. حيث إنه أصبح لكلِّ حليف محتمل وفقًا للوضع الحالي اهتماماته وأولوياته، والتي قد لا تكون الولايات المتحدة الأمريكية في موضع الصدارة منها، حيث تضاعفت أهمية الصين الاقتصادية خلال الآونة الأخيرة بالنسبة للأعداء والحلفاء، ومن ثم فإن الحلفاء قد يصطفون حول الولايات المتحدة ضد الصين، فيما يتعلَّق ببعض القضايا الأمنية، بينما يصبحون أكثر تشابكًا مع الصين في القضايا الاقتصادية، وليس أدلَّ على ذلك من توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (R.C.E.P)، حيث يعمل هذا الاتفاق على إنشاء منطقة تجارة حرة بين (الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ودول رابطة الآسيان العشرة، وأستراليا، ونيوزيلندا)، وذلك سعيًا لتقليص الحواجز التجارية بين هذه الدول، وهو ما يخلق إطارًا مشتركًا للتعاون الاقتصادي بينها. وينطبق الأمر ذاته على توقيع اتفاق التجارة والاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي، وهذا ما يشكِّل تحديًا كبيرًا تواجهه الآن إدارة بايدن في محاولة تعزيز علاقتها بالاتحاد الأوروبي[14].

على صعيد آخر تشكِّل روسيا تهديدًا مركزيًّا للولايات المتحدة ولحلف شمال الأطلسي بوجهٍ عام يتمثَّل بشكل رئيسي في عدم اتِّباع روسيا لقواعد النظام الدولي، وفي هذا السياق يؤكِّد بوتين منذ سنوات أنه يريد نظامًا دوليًّا مختلفًا يناسب المصالح الروسية.

وتمثِّل روسيا مصدر تهديدٍ أمنيٍّ كبير، حيث تملك كميات ضخمة من الأسلحة التقليدية ولديها قوة عسكرية احتياطية هائلة، بالإضافة إلى كونها مصدر ازعاج للمصالح الأمريكية في سوريا وليبيا وإيران[15].

هذا فضلا عن التهديد والهجمات السيبرانية ونشر المعلومات المضللة واختراق العمليات الانتخابية في الولايات المتحدة وفي عدد من الدول الأوروبية، وهو ما ركَّز عليه بايدن، حيث تمَّ تأكيده من خلال ذكر كلمة “سيبراني” 25 مرة في البيان النهائي الأخير لقمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت في الثالث عشر من يونيو 2021، فقد وقَّعت الدول الأعضاء في الحلف على “سياسة دفاع سيبراني شاملة”، تؤكِّد على أن الهجوم السيبراني، لو كان فادحًا بما فيه الكفاية، يمكن أن يكون سببًا لتفعيل البند الخامس من ميثاق الحلف، والذي يعتبر أي هجوم على عضو في الحلف بمثابة هجوم على الحلف بأكمله[16].

من ناحية أخرى، تشهد العلاقات الصينية-الروسية تقاربًا بشكل كبير؛ وهو ما يزيد من نفوذهما، وفي هذا الإطار اجتمع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره وانغ يي، واتفقا على الوقوف بحزم ضد العقوبات الغربية وتعزيز العلاقات بين البلدين لتقليل اعتمادهما على الدولار الأمريكي في التجارة، وفي هذا السياق أكَّد لافروف قائلا: “كلانا يعتقد أن للولايات المتحدة دور في زعزعة الاستقرار، حيث إنها تعتمد على التحالفات العسكرية للحرب الباردة وتحاول إقامة تحالفات جديدة لتقويض النظام العالمي”[17].

ومما تجدر الإشارة له أن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن العلاقات الروسية-الصينية شهدت الكثير من التعقيدات والتقلبات بين تحالف وتنافس وصولًا إلى بعض النزاعات المحدودة، إلَّا أن مؤشِّرات العلاقة الاقتصادية بين البلدين تتطوَّر بشكل إيجابي، هذا بالإضافة إلى تمكُّن الجانبين من تجاوز خلافات أساسية أبرزها نزاعهما الحدودي، كما جمعتهما أيضًا دبلوماسية التضامن على الساحة الدولية في مواجهة سياسة العقوبات الغربية، والرغبة الثنائية في الحدِّ من تأثير التفرُّد الأمريكي في قيادة العالم، إلا أن هذا لا يلغي المخاوف بين البلدين، فبالنسبة إلى روسيا، هناك مجموعة من المخاوف حول مستقبل العلاقة مع الصين. ففي آسيا الوسطى على سبيل المثال، تتمدَّد الصين في منطقة نفوذ روسية تقليدية، وعلى صعيد آخر تخشى الصين من طبيعة النخبة الروسية الحاكمة وتوجُّهاتها المستقبلية، ولا سيما ما يسمِّيه الصينيُّون “الجناح الليبرالي الغربى في أروقة صنع القرار بموسكو” إلى جانب بعض الهواجس الأخرى، الأمر الذي يشير إلى أن التقارب الروسي-الصيني تحكمه المصالح القريبة، وسياسات الضغوط والعقوبات الأمريكية تعدُّ أحد أهم العوامل التي أدَّتْ إلى دفع الجانبين إلى تعزيز علاقاتهما[18].

ثالثًا- المواقف الأمريكية-الأوروبية من روسيا والصين: اختلافات ومصالح مشتركة

لقد استمرَّ بايدن في الاتجاه المتعسِّف الذي تبنَّته إدارة ترامب ضد الصين، وإن كانت إدارته تدرس رفع بعض القيود التي كانت سائدة في عهد ترامب، مثل الأمر التنفيذي بمنع مشغِّلي الشبكات الأمريكية من شراء معدَّات من الصين، إلَّا أنه بشكل عام يبدو مستمرًّا على هذا النهج التعسُّفي، حيث الاستمرار في فرض العقوبات على بعض المسؤولين الصينيِّين وعلى بعض الشركات الصينية الكبرى.

لقد أيَّدت إدارة ترامب استمرار العقوبات المفروضة على روسيا وأفعالها في أوكرانيا، واتَّخذت موقفًا واضحًا ضدَّ خط أنابيب نورد ستريم 2، وعلى هذا النهج الحازم يسير أيضًا جو بايدن تجاه موسكو، بل أصبح نهجه الآن أكثر عدائيَّةً، حيث وصف بايدن روسيا صراحة بأنها “خصم” كما أن إدارته صعَّدت من خطابها المناهض لروسيا بعد إصدار تقرير استخباراتي خصَّ موسكو بتدخُّلها في الانتخابات الأمريكية[19].

لقد أكَّد الرئيس جو بايدن أن الصين منافس إستراتيجي، مشيرًا إلى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين هو سمة هيكلية للعلاقات الدولية في السنوات القادمة، ومن هنا تسعى الولايات المتحدة إلى إنشاء تحالفات من الديمقراطيات للردِّ على نفوذ الصين المتزايد، بما في ذلك الهند واليابان وأستراليا في المحيطين الهندي والهادي، وكذلك شركاؤها التقليديون عبر المحيط الأطلسي و أوروبا، حيث تطالب الولايات المتحدة أوروبا أن تتَّخذ موقفًا واضحًا إزاء الصين بالدفاع عن الديمقراطية ووقف التحديث العسكري الصيني من خلال فرض حظر على نقل التكنولوجيا، ومنع الصين من السيطرة على الاتصالات السلكية واللاسلكية في أوروبا والبنى التحتية الحيوية الأخرى، وعلى الصعيد الروسي لا تريد الولايات المتحدة أن تعتمد أوروبا على الغاز الروسي عبر نوردستريم 2[20].

وفي سياق تحذير بايدن من التهديد الصيني المتصاعد وتوجيه الأنظار نحوه، ذكر خلال كلمة أمام مجموعة من العسكريين بأن الصين تفكر بالسيطرة على أمريكا وامتلاكها في السنوات الـ15 المقبلة، وذكر خلال تصريحاته أنه يستند في كلامه هذا إلى المحادثات السابقة التي أجراها مع نظيره الصيني، شي جين بينج، حيث قال بايدن “إن الرئيس الصيني يعتقد اعتقادًا راسخًا بأن الصين قبل عام 2035 ستمتلك أمريكا، لأن الأنظمة الاستبدادية بوسعها قرارات سريعة، لكن أمريكا فريدة من نوعها، فنحن الأمة الوحيدة القائمة على فكرة”[21].

في هذا الصدد تظهر نبرة استعلائية ولهجة حادَّة من قبل روسيا والصين نحو الولايات المتحدة والغرب بشكل عام، حيث دخل الطرفان في مشادَّات لسانية وتصريحات مباشرة غير مسبوقة في رفض صريح للوصاية الأمريكية على العالم وللنموذج الغربي الذي يروج لعالميته، حيث رَدَّ بوتين على الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي اتهمه في مقابلة تليفزيونية على قناة إي بي سي 17 مارس 2021، بأنه قاتل، بتذكير العالم بتاريخ الولايات المتحدة اللاإنساني الذي شمل الإبادة الجماعية لسكَّانها الأصليِّين، والتجربة القاسية للعبودية، والقمع المستمر للأمريكيِّين السود اليوم، والقصف النووي الأمريكي غير المبرَّر لهيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية، رافضًا محاكمة الولايات المتحدة لدولته استنادًا لمعاييرها الخاصَّة أو إقامة علاقة مع بلده بناءً على شروطها هي، معلنًا بأن لدولته ولمجتمعه قيمهما الخاصة التي لا تحتمل أحكامًا أو تقييمًا من الخارج، وتعدُّ هذه اللهجة جديدة بالنسبة لبوتين الذي طالما أكَّد طوال السنوات الماضية وبأسلوب أكثر هدوءًا أن القوى الغربية بحاجة إلى التعامل مع روسيا على أساس البروتوكولات الدبلوماسية الصحيحة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، إذا كانوا يريدون تخفيف التوترات، لكنه لم يكن صريحًا بهذا الشكل من قبل، حيث يقول صراحة موجِّهًا حديثه للرئيس الأمريكي جو بايدن: “لا تجرؤ على محاولة الحكم علينا أو معاقبتنا لعدم موافقتنا للمعايير التي تدَّعي أنها معايير عالمية، لأننا مختلفون عنك، تلك الأيام قد ولت الآن”.

يتشابه تصريح بوتين القوي بشكل ملحوظ مع التصريحات العلنية التي أدْلى بها دبلوماسيون صينيون لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في ألاسكا في مارس 2021، حيث افتتح بلينكن الاجتماع بانتقاد استبداد الصين المتزايد وعدوانيتها في الداخل والخارج -في التبت وشينجيانج وهونج كونج وبحر الصين الجنوبي- وادَّعى أن مثل هذا السلوك يهدد “النظام القائم على القواعد الذي يحافظ على الاستقرار العالمي”.

وفي هذا الإطار ردَّ يانج جي تشي، رئيس الشؤون الخارجية للحزب الشيوعي الصيني، بإدانة النفاق الأمريكي قائلا بأن الولايات المتحدة ليس لها الحق في فرض نسختها الخاصة من الديمقراطية على الرغم من أن لديها الكثير من السخط ومشاكل حقوق الإنسان في الداخل[22].

ومن هنا تستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في العمل وفقًا لرؤيتهم، بينما تدفع روسيا والصين برؤيتهم ونموذجهم المنافس بما يشير إلى احتمالية تغيُّر ميزان القوى العالمي[23].

لقد أدَّتْ جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم الاتجاهات الجيوسياسية، ولا سيما التنافس بين الصين والولايات المتحدة. فلقد استمرَّ صعود الصين بثبات خلال العقدين الماضيين، ووصل إلى نقطة تتحدَّى فيها بشكل مباشر القيادة الأمريكية في العالم. ففي السنوات الخمس الماضية، زادت من سماتها الاستبدادية تحت حكم شي جين بينج. وفي مواجهة النفوذ الصيني المتزايد وتدهور العلاقات الصينية-الأمريكية، يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة متزايدة في الحفاظ على علاقات جيدة متوازنة مع كلٍّ من بكين وواشنطن.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الإطار أن الاتحاد الأوروبي في توقُّعاته الإستراتيجية لعام 2019 حدَّد موقفه متعدِّد الأوجه من الصين، فهو يريد الحفاظ على مصالحه التجارية والاستثمارية معها، وفي نفس الوقت الحفاظ على أمنه من خلال الناتو، وهذا ما تجلَّى من ناحية في اتفاقية الاستثمار الشامل (CIA) التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع الصين، فقبل تنصيب الرئيس بايدن بأسابيع قليلة وقَّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تعاون اقتصادي مع الصين في 30 ديسمبر 2020، والتي وصفها رئيس المفوضية ووزيرة الدفاع الألمانية السابقة أورسولا فون دير لاين بأنها “معلم هام في علاقتنا مع الصين ولأجندتنا التجارية القائمة على القيم” كما تنظر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الاتفاقية على أنها تتويج لإستراتيجيتها في مشاركة الصين، ومن ناحية أخرى تقف أوروبا مع الولايات المتحدة جنبًا إلى جنب في قمة الناتو 13 يونيو 2021 بإطلاق تصريحات تدافع عن الديمقراطية وتجعل من الصين وروسيا أنظمة سلطوية تشكِّل تهديدًا عالميًّا[24].

إن اتفاقية الاستثمار الشامل (CIA) تعدُّ بالنسبة لأوروبا بابًا للوصول إلى الأسواق الصينية، لكن في مقابل ذلك تشير إلى التجاهل الأوروبي لانتهاكات الصين المستمرَّة لحقوق الإنسان، ممَّا يطرح الكثير من التساؤلات حول القيم الغربية والنموذج القيمي الغربي والديمقراطية الغربية. وعلى صعيد آخر تعدُّ هذه الاتفاقية بالنسبة للصين بمثابة فرصة لمزيد من التداخل بين اقتصاد الاتحاد الأوروبي والاقتصاد الصيني، كما أنها سوف تسهم في فتح هوَّة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما تريده الصين[25]، ويأتي هذا في ظل الرغبة الأوروبية في تحقيق حكم ذاتي إستراتيجي (Strategic autonomy) وتخفيف الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، وفي هذا السياق يرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه لم يعدْ بإمكان أوروبا الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، وأن عليها تركيز الانتباه نحو القارَّة الآسيوية وخاصة الصين، وفي هذا الإطار أيضًا يبرز تردُّد ألمانيا بشأن الدخول في مواجهة مع الصين التي تعدُّ سوقًا ضخمة للسيارات وللكثير من المنتجات الألمانية الأخرى، هذا إلى جانب استمرارها في معركتها مع الولايات المتحدة بشأن إنشاء أنابيب الغاز الروسية نورد ستريم2[26]. حيث ردَّ السياسيون الألمان على التهديدات بالعقوبات الاقتصادية التي أطلقها أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الأمريكيون من خلال ادِّعاء “الابتزاز” و”الحرب الاقتصادية” و”الإمبريالية الجديدة”، وعلى الرغم من العقوبات، جدَّدت السفن الروسية مدَّ الأنابيب، وفي هذا السياق تُدافع أنجيلا ميركل عن المشروع باعتباره مشروعًا تجاريًّا، وليس جيوسياسيًّا ومن ثم يجادل الألمان بأن لوائح الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالطاقة والتكوينات الجديدة لخطوط الأنابيب تقلل من قدرة روسيا على التلاعب بالإمدادات، وأن روسيا تعتمد على الدخل أكثر من اعتماد أوروبا على الغاز[27].

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من قرار الاتحاد الأوروبي بالمضيِّ في اتفاقية الاسثمار الشامل مع الصين رغم نداء مستشار الأمن القومي الجديد لبايدن “جيك سوليفان” للتشاور أولًا مع واشنطن، إلا أن مسؤولي بايدن  تجنَّبوا إجبار أوروبا على اتخاذ خيار ثنائي. فبلينكن خلال اجتماعه مع وزراء الخارجية الأوروبيِّين في بروكسل في مارس 2021، طمأنهم أن واشنطن لن تجبر الحلفاء على اختيار “نحن” أو “هم” مع الصين، لكنه شدَّد أيضًا على الحاجة إلى صدِّ الصين معًا وإظهار القوة في الوحدة، ونتيجة لذلك يشعر الأوروبيون عمومًا بالاطمئنان بشأن النهج العام لإدارة بايدن تجاه الصين حيث يرون أوجه تشابه مع نظرة الاتحاد الأوروبي الخاصة لوصف الصين بأنها “شريك ومنافس ومنافس منهجي[28].

وفي إطار تحقيق إدارة بايدن لأهدافها في إحياء التحالف مع أوروبا والوقوف ضدَّ التهديد الصيني والروسي توجَّه بايدن في رحلة لأوروبا لحضور قمة الدول السبع وقمة الناتو لتنتهي جولته بلقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك لتحقيق هدفين أساسيَّيْن: أولا- طمأنة الحلفاء الأوروبيِّين وإعلامهم بأن أمريكا قد عادت، وثانيًا- حشْد الديمقراطيات للوقوف أمام الخطر الصينى والروسي[29]، ففي مجموعة الدول السبع دعا البيان إلى دعم البنية التحتية للدول النامية وهي خطة عالمية واسعة النطاق للبنى التحتية طُرحت من أجل الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، للتشجيع على نمو مراع للبيئة عبر تحفيز الاستثمارات في موارد الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، وأُطلق هذا المشروع بناء على مبادرة تقدَّم بها الرئيس الأمريكى جو بايدن، ويُفترض أن ينافس مشروع “طريق الحرير الجديد”، وكذلك الرد على الممارسات الاقتصادية للصين التي لا تتبع نظام السوق، كما تضمَّن البيان توبيخًا علنيًّا لانتهاكات الصين لحقوق الإنسان في مقاطعة شينجيانج وهونج كونج.

وحاول بايدن تأطير التصدِّي للهيمنة الصينية في شكل صراع بين الديمقراطيات والنظم الاستبدادية بشكل عام، حيث قال “أعتقد أننا في صراع ليس مع الصين في حَدِّ ذاتها، ولكن مع الحكَّام المستبدِّين والحكومات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم” وذلك ضمن تكراره لشعار “عودة أمريكا”.

على الصعيد الروسي استنكرت مجموعة السبع سلوك روسيا المزعزع للاستقرار بما في ذلك الهجمات السيرانية وبرامج القرصنة الأخرى[30].

وفي بداية قمة الناتو، قال بايدن محدِّدًا ومبرزًا للتحديات الأكثر أهمية:” إن الناتو يواجه تحديات جديدة، لدينا روسيا التي تتصرَّف بطريقة لا تتَّفق مع ما كنَّا نأمله، ولدينا الصين”. وفي هذا السياق أعلن قادة الناتو قلقهم بشأن “سياسات الصين القسرية” في إشارة واضحة إلى قمع مسلمي الأويجور في شينجيانج وتوسيع ترسانتها النووية والافتقار المتكرِّر للشفافية واستخدام المعلومات المضلِّلة[31]، كما أوضح بايدن هدفه الأساسي من هذه الجولة الأوروبية حيث تعزيز التحالف مع أوروبا بحيث يتَّضح لروسيا والصين أن أوروبا والولايات المتحدة حليفان لا ينفصلان[32]. ويأتي ذلك في سياق ما يشهده العالم من تنافس على الهيمنة العالمية.

وعلى الرغم من أنه لا تزال هناك مساحات واقعة ضمن التوتر الدبلوماسي بين واشنطن والعواصم الأوروبية مثل اتفاقية الاتحاد الأوروبي الشاملة بشأن الاستثمارات مع الصين، وخط أنابيب نورد ستريم 2، والشكاوى حول قومية اللقاحات الأمريكية، والتعريفات الجمركية التي لا تزال نشطة، إلا أنه ليس هناك شك في أن حملة الإصلاح وإعادة البناء التي شنَّتها إدارة بايدن مع أوروبا قد أثبتت فعاليَّتها بالفعل. فالدبلوماسيون الأوروبيون، ومعظمهم بالفعل على دراية كبيرة ببايدن ومستشاريه، سعداء بشكل عام حتى الآن بمستوى المشاركة الدبلوماسية الأمريكية ويعتقدون أن الإدارة بدأت بداية جيدة، سواء من حيث الرسائل وخلق المناخ المناسب للعلاقة الجيدة. ومن المؤشرات الجيدة أيضًا على أن تنسيق السياسات بين الجانبين يعمل بشكل أفضل مما كان عليه في السنوات الأخيرة هو العقوبات المنسَّقة الأخيرة ضدَّ روسيا لتسميم المعارض أليكسي نافالني وضدَّ الصين لانتهاكها حقوق الإنسان في شينجيانج[33].

لكن ما زالت أوروبا تقف على مفترق طرق لا يخلو أي منها من عوائق، فالانحياز نحو التكتُّل الصيني والروسي محاط بعوائق الخلافات والتناقضات بين النظم السياسية القائمة على دكتاتورية الحزب الواحد في مقابل النظم الديمقراطية الأوروبية، وعلى صعيد آخر فإن الانحياز إلى الكتلة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة على حساب العلاقات مع الصين وروسيا لم يعد كما كان، فعلى الرغم من نقاط التشابه مع الولايات المتحدة والكثير من المصالح المشتركة إلا أن الاعتماد المطلق لم يعدْ مستساغًا تمامًا بالنسبة لأوروبا، والتي تعكسها بمزيد من المحاولات التي تقودها فرنسا وتؤيِّدها ألمانيا من أجل مزيد من الاستقلالية للاتحاد، وتدلُّ على ذلك الجهود المبذولة لتعزيز دور اليورو كعملة عالمية إلى جانب الدولار الأمريكي وإنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة للدفاع عن مصالح أوروبا[34].

خاتمة:

إن الصعود المتنامي للصين وروسيا مع وجود توترات في الكتلة الغربية والعلاقات الأمريكية-الأوروبية تُعَدُّ تحديات تواجه الإدارة الأمريكية الجديدة التي تحاول بشتَّى الطرق رفع شعار “عودة أمريكا”، في إشارة لعودة الدور العالمي الأمريكي، وتجعل الموقف الأمريكي-الأوروبي من الصين وروسيا غير مستقر، فبينما يسْعى بايدن لتأطير الصراع ليكون صراعًا بين الديمقراطيات والنُّظم السلطوية، لا يجد تأييدًا واضحًا موحَّدًا على ذلك من قبل الجانب الأوروبي، ففي قمَّة الدول السبع التي انعقدت في 13 يونيو 2021 وعلى الرغم من محاولة دول القمة تقديم موقف موحَّد ضدَّ الصين وروسيا بإطلاق الكثير من رسائل التحذير من النفوذ الروسي والصيني ومحاولة بايدن توحيد الصف الديمقراطي وإعلان “الصين وروسيا” من النظم السلطوية، إلا أنه حتى الآن يبدو أنه لا يوجد إجماع بين هذه الدول حول ما إن كانت الصين شريكًا أم منافسًا أو أنها تشكِّل تهديدًا أمنيًّا[35].

فما زالت المصالح الاقتصادية والقضايا الأمنية والسياسية يتداخلان، فبين سياسة الاحتواء التي يريد أن يتبعها بايدن مع الصين وروسيا تريد أوروبا سياسة أكثر مرونة بحيث تراعي مصالحها الاقتصادية وتحافظ على الأسواق لمنتجاتها، هذا فضلًا عن القلق الذي يحيط بأوروبا تجاه الولايات المتحدة كحليف وحام مطلق لها.

في هذا السياق يرقب العالم تغيُّرات عالمية قد تغيِّر من ميزان القوى وقد تعلن موت العولمة الغربية والنظام الدولي العالمي الواقع تحت هيمنة الغرب الذي قد يشهد حربًا باردةً جديدة ليست على أسس أيديولوجية كما في السابق، ولكن بحثًا حول من سيملك الشرعية الدولية.

_______________________

الهوامش

[1] Jackson Janes, Translantic relations under US president Joe Biden, Springer, 29 March 2021,  available at: https://cutt.us/RpnEP

[2] محمد منصور، مروة عبدالحليم، محمد حسن، من ترامب إلى بايدن: الطريق نحو الأمن القومي الأمريكي، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، 15 فبراير 2021، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/p0q7l

[3] بهاء محمود، العلاقات الأوروبية-الأمريكية في ظل رئاسة جو بايدن، مركز الإمارات للسياسات، 20 يناير 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/bEr7x

[4] محمد منصور، مروة عبدالحليم، محمد حسن، من ترامب إلى بايدن الطريق نحو الأمن القومى الأمريكى، مرجع سابق.

[5] Eric Brattberg, Transatlantic Relations After Biden’s First 100 Days, Carnegie, 6 May 2021, available at: https://cutt.us/4mpQs

[6] Michael Crowley and Steven Erlanger, Biden’s Plan to Link Arms With Europe Against Russia and China Isn’t So Simple, The New York Times, 18 February 2021, available at: https://cutt.us/8g1e6

[7] رسائل متعددة يطلقها بايدن من أوروبا، إندبندنت عربية، 8 يونيو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/PGj5x

[8] Biden’s world: How key countries have reacted to the president’s first 100 days, The Guardian, 30 April 2021, available at: https://cutt.us/oMLgj

[9] رسائل متعددة يطلقها بايدن من أوروبا، إندبندنت عربية، مرجع سابق.

[10] Ivan Krastev and Mark Leonard, The crisis of American power: How Europeans see Biden’s America, European Council On Foreign Relations, 19 January 2021, available at: https://cutt.us/rw5gG

[11] جراهام أليسون، عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،20 يناير 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ODVOM

[12] من الصين للعالم: كل ما تود معرفته عن طريق الحرير الجديد، الجزيرة.نت، 24 أبريل 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/BvyFC

[13] “الحزام والطريق” إستراتيجية الصين للهيمنة على الشرق الأوسط، دويتشه فيله، 28 أبريل 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/3sg9L

[14] جراهام أليسون، عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، مرجع سابق.

[15] Alexis Mrachek, Yes Russia Is a Threat to the United States, News Week, 21 April 2021, available at: https://cutt.us/KaJLy

[16] قمة بايدن وبوتين.. وشبح الخطر النووي السيبراني، موقع دويتشه فيله، 16 يونيو2021، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/3v25p

[17] Tony Kevin, Russia and China are sending Biden a message: don’t judge us or try to change us. Those days are over, The Conversation, 25 March 2021, available at: https://cutt.us/mhxQS

[18] أمين قمورية، بايدن والخطآن الإستراتيجيان القاتلان، الشروق، 3 أبريل 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/aKOWW

[19] Prince Michael, The West needs to recognize Russia’s significance, Geopolitical Intelligence Services, 24 March 2021, available at: https://cutt.us/soimw

[20] Theresa Fallon, The Impossible Triangle: China, The US, And The EU, Eurasia review, 6 May 2021, available at: https://cutt.us/Vcylj

[21] بايدن يتحدَّث عن خطة الصين “الخبيثة” والموعد عام 2035، سكاي نيوز عربية، 30 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/3UeYF

[22] Tony Kevin, Russia and China are sending Biden a message, Op. cit.

[23] Ibid.

[24] Theresa Fallon, The Impossible Triangle, Op. cit.

[25] Ted R. Bromund, PhD, and Daniel Kochis, The Top Five U.S. Priorities for European Policy in 2021, The Heritage foundation, No. 6037, (January 2021).

[26] David E Sanger, Steven Erlanger, Roger cohen, Biden Tells Allies ‘America Is Back,’ but Macron and Merkel Push Back, The New york Times, 19 February 2021, available at: https://cutt.us/ERr5s

[27] Ibid.

[28] Eric Brattberg, Transatlantic Relations After Biden’s First 100 Days, Op.cit.

[29] David Sanger and Steven Erlanger, For Biden, Europe Trip Achieved 2 Major goals. And then There is Russia, The New york Times, 17 June 2021, available at: https://cutt.us/Xy1aB

[30] Franco Ordonez and Asma Khalid, Biden Pushes G-7 Allies To Take A Tougher Stance On China, NPR, 13 June 2021, available at: https://cutt.us/QaELq

[31] Dan Sabbagh and Julian Borger, Nato summit: leaders declare China presents security risk, The Guardian, 14 June 2021, available at: https://cutt.us/QGJRD

[32] Trevor Hunnicutt and Steve Holland, Biden begins European visit with a warning for Russia, Reuters, 10 June 2021, available at: https://cutt.us/iiVPk

[33] Eric Brattberg, Transatlantic Relations After Biden’s First 100 Days, Op. cit.

[34] إبراهيم محمد، ما خيارات أوروبا مع صعود الصين على حساب هيمنة أمريكا، موقع دويتشيه فيله، 7 فبراير 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/3p0nY

[35] الصين لمجموعة السبع: الأيام التي تقرر فيها مجموعة صغيرة من الدول مصير العالم ولَّتْ، بى بى سي عربي، 13 يونيو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/nUE13

فصلية قضايا ونظرات- العدد الثاني والعشرون ـ يوليو 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى