تقارير ودراسات

التجارة الإلكترونية: الفرص والتحديات لدول الجنوب والمجتمعات الفقيرة

 

مقدمة:

كان لجائحة كورونا آثار كبيرة على القطاعات الاقتصادية كافة على مدار العامين الماضيين في ظل الجائحة، وكانت التجارة في القلب من هذه التأثيرات إذ تأثرت سلاسل الإمداد والتوزيع التقليدية بشكل كبير، واتَّجه الناس أكثر للتجارة الإلكترونية في ظلِّ الإجراءات الوقائية، وإن كان هذا التأثير متفاوتًا بين بلدان الشمال والجنوب وبين مختلف البلدان وفقًا لمستويات تطور البنى التحتية للمعلومات، وأعداد مستخدمي الإنترنت في هذه البلدان، وكذلك مدى مصداقية التجارة الإلكترونية وآلياتها، فإن محاولة الاقتراب من التأثيرات على بلدان الجنوب ودراستها واستكشاف فرص وتحديات التجارة الإلكترونية فيها هي محاولة شديدة الأهمية بخاصة أن بعض الحلول الإلكترونية تطرح كمقاربات لمكافحة الفقر، والبعض الآخر يعمل في اتجاهات معاكسة وهي اتجاهات إحلال الإنسان بالآلة وبالتالي يواجه مشكلات من قبل المؤسسات المحلية والدولية المهتمَّة بالعمل وحقوق العمال ويواجه مقاومة من قبل البيروقراطية وموظفي القطاع الخاص.

ويتزايد الحديث مؤخَّرًا في ظل أزمة كورونا عن عملية تزايد أدوار الذكاء الصناعي والتكنولوجيا الخاصة بالهواتف الذكية في توسيع أسواق التجارة الإلكترونية، وإشراك المزيد من المجتمعات والبلدان النامية في السوق لزيادة حجمه وتوسيع أنشطته، وتجادل منظمات عدَّة ومن بينها منظمة التجارة العالمية والأونكتاد أن توسيع حجم تلك السوق وإدماج المزيد من البلدان النامية فيها يضمن التنمية المستدامة ويعزِّز مؤشراتها[1].

ومن ناحية أخرى، يجادل أنصار العولمة بأن انتشار التجارة الإلكترونية يساهم في التنمية بعدَّة طرق، فهي أولًا: تتمتَّع بالقدرة على تسهيل التجارة والأنشطة الأخرى المدِرَّة للدخل، وبالتالي المساهمة في الناتج القومي الإجمالي من خلال نمو الصادرات وخلق فرص العمل، عبر الانفتاح على أسواق أوسع عبر الإنترنت، وأن ذلك سيؤدِّي إلى زيادة تصدير السلع ومعه زيادة عائدات النقد الأجنبي للبلدان النامية، والتي سيتم استخدامها لتمويل استيراد السلع الرأسمالية وغيرها من أساسيات التنمية المحلية، ثانيًا: يمكن للتجارة الإلكترونية أن تعزِّز التنمية الاجتماعية والثقافية من خلال تمكين الجنسين والتوسُّع في التعليم، إذ تحفِّز التجارة الإلكترونية بشكل عام ريادة الأعمال، ممَّا يخلق سبلًا للنساء لا سيما في البلدان النامية، لتطبيق مهاراتهن والقدرة على المساهمة في دخل الأسرة وتعزيز ملكيتها للموارد. وسيكون لهذا تأثير إيجابي على الفرص التعليمية، حيث يتعيَّن على مؤسسات التعليم العالي توسيع دوراتها وبرامجها لتمكينها من تدريب الخريجين القادرين على تلبية الطلب على المهارات.

ويدافع هؤلاء عن مزايا محدَّدة للتجارة الإلكترونية مثل زيادة كفاءة السلع والخدمات وزيادة كفاءة السوق نفسه وتفاعلاته وآلياته والقدرة الدائمة على توسيع السوق وعولمة تداول السلع والخدمات[2]، لكن ما يتناسوه أن قدرة التجارة الإلكترونية على خفض تكاليف العمل والنقل والشحن والاتصالات إنما تأتي على حساب تلك اليد العاملة في البلدان التي ترتفع فيها البطالة بل وتفرض تلك البطالة إنفاق المزيد من الأموال للتدريب والتعليم وللتوافق مع متطلبات السوق الجديدة، كما يتجاهل هؤلاء أن معادلات الإنتاج الحديث هي مفاضلة قاسية بين تكنولوجيا إنتاج كثيفة العمل أو كثيفة التكنولوجيا ورأس المال، ما يعني أن التوسُّع غير المدروس لهذه التجارة الإلكترونية دون إنتاج محلي قوي، وبنية تشريعية جيدة، وآليات توزيع أكثر عدلا للأرباح، يعني ترسيخ مزيد من التفاوت ومركزة الثروة لدى القلَّة. وتحاول هذه الورقة استطلاع حقيقة دور التجارة الإلكترونية في تعزيز التنمية المستدامة في دول الجنوب والمجتمعات الفقيرة والفرص والتحديات التي تواجهها عمليات توسيع وتنمية نطاق تلك التجارة عبر النقاط التالية:

أولًا- دول الجنوب في ميزان التجارة الإلكترونية:

بالرغم من النمو السريع للتجارة الإلكترونية في العالم أجمع إلَّا أن البيانات المتوافرة حولها نادرة ويصعب التحقُّق من صحَّتها حتى بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية والمنظمات المتخصِّصة التابعة لها وحتى المراكز البحثية، وفي البلدان النامية والفقيرة يُعَدُّ الافتقار إلى الإحصاءات المتعلِّقة بالتجارة الإلكترونية يمثِّل تحديًا كبيرًا لرسم خرائط لمدى انتشار التجارة الإلكترونية وقياس تأثيرها، إذ لا توجد بيانات رسمية شاملة حول قيمة التجارة الإلكترونية المحلية والدولية. وتقوم حاليًّا بعض البلدان – المتقدِّمة بشكل أساسي- بجمع بيانات حول عائدات التجارة الإلكترونية، وهناك عدد قليل جدًّا من التقارير حول التجارة الإلكترونية عبر الحدود. وبشكل عام، يتوفر المزيد من المعلومات حول المعاملات بين الشركات (B2B)، والمعاملات بين الشركات والمستهلكين (B2C)، لكن هناك حجم غير معلوم للتجارة الصغيرة بين المستهلكين وبعضهم البعض (C2C)، أو بين الشركات والحكومات (B2G)، ومن ثم سوف تحاول هذه الورقة الاعتماد على البيانات المنشورة في أوراق وتقارير بحثية للمنظات المختصَّة، وتقديرات الشركات لحجم الأسواق في البلدان الفقيرة والنامية، كذلك فإنها سوف تحاول رصد التحديات من خلال مقاربة أعداد المرتبطين بشبكات الإنترنت في مختلف بلدان الجنوب وآفاق تطور قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في هذه البلدان، وبالطبع سوف تواجهنا مشكلة أن الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة تُحتسب ضمن دول الجنوب وهي شديدة التطور في مجال إنتاج التكنولوجيا واستخدامها في التطبيقات المختلفة للتجارة الإلكترونية، ومن ثم سوف يراعي التحليل قدر الإمكان هذه الاستثناءات هنا وهناك، ويشير في مواضع أخرى لكيفية صناعة البلدين لهذه الاستثنائية، وإمكانية استفادة التجارب الأخرى منها.

تتفاوت دول الجنوب في حصتها من سوق التجارة الإلكترونية العالمية وفقًا للعديد من العوامل التي ترتبط بالأساس بعمليات التحديث والتطوير في بعض الأقاليم، وبالذات فيما يتعلَّق بالتطور في مجال التعليم التقني، وتصنيع تكنولوجيا الهواتف الذكية والحواسب، والبنية التحتية للمعلومات. وفي هذا الصدد فإن بلدان جنوب شرقي آسيا تحتفظ بنسبة مشاركة عالية في الأسواق العالمية التقليدية والإلكترونية، فعلى الرغم من أنها من أكثر الأقاليم سكَّانًا بالعالم فإنها حقَّقت معدَّلات وصول جيدة للإنترنت حيث إن 53.4٪ من المنازل لديها وصول للانترنت المنزلي، و41.1٪ من المنازل يتواجد بها جهاز كمبيوتر، و70.3٪ من الشباب في الفئة العمرية بين 15-24 عامًا لديهم القدرة على الوصول للإنترنت[3]، وهو أعلى من المعدلات العالمية لهذه الفئة، وهي بذلك تقترب من النسب التي تتمتَّع بها الدول المتقدِّمة، وتتمتَّع المنطقة بميزات تنافسية عالية في تصنيع الهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية، ومختلف المنتجات التي هي مواد أولية للتجارة الإلكترونية، حيث تُعَدُّ أسواق الهاتف المحمول في آسيا والمحيط الهادئ متقدِّمة إلى حدٍّ ما، حيث تزيد الاشتراكات في خدمات الإنترنت للهاتف المحمول بكثير عن 100 لكل 100 نسمة في 22 من أصل 38 دولة تتوفر عنها بيانات، حيث يمتلك الأفراد أكثر من هاتف محمول. وتشكل الصادرات التقنية نسبة معتبرة من صادرات تلك البلدان، وهو ما يفسِّر المؤشِّرات الجيدة للتجارة الإلكترونية لتلك البلدان مقارنة ببلدان الجنوب أو حتى البلدان المتقدِّمة في الشمال[4].

بينما إذا انتقلنا للوضع في قارة أفريقيا، ففي ٢٠١٩ نجد أن معدَّلات وصول الإنترنت للمنازل تبلغ 14.3%، بينما تبلغ نسبة وجود أجهزة كمبيوتر في المنازل ب 7.7%، وفي الفئة العمرية من ١٥ إلى ٢٤ عامًا يبلغ معدَّل استخدام الإنترنت 39.6%، وهو أقل بكثير من المتوسط ​​العالمي البالغ 69%[5]، وهي أرقام تبتعد كثيرًا عن المعدَّلات العالمية وتشير لخروج غالبية السكان من السوق المفترض للتجارة الإلكترونية.

وفي المنطقة العربية نجد أنه على مدى السنوات الأربع الماضية، شهدت المنطقة نموًّا مستمرًّا ولكن بطيئًا في معظم مجالات البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والوصول إليها واستخدامها، حيث إن 58.9٪ من المنازل لديها وصول للإنترنت المنزلي، و52.8٪ من المنازل يتواجد بها جهاز كمبيوتر و67.2٪ من الشباب في الفئة العمرية بين 15-24 عامًا لديهم القدرة على الوصول للإنترنت، ويعتبر سوق الهاتف المحمول في المنطقة العربية متقدِّمًا للغاية في بعض الأجزاء، حيث تتجاوز الاشتراكات بخدمات الهاتف المحمول 100 اشتراك لكلِّ 100 نسمة في 11 دولة من دول المنطقة تضمُّ دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى المغرب وتونس وسوريا والجزائر وموريتانيا، وفي المجمل فإن متوسط معدَّل الاشتراك في خدمات الهاتف المحمول لعام 2020 يقدر بـ 98 لكلِّ 100 نسمة وهي أقل من المتوسط العالمي البالغ 105 اشتراكات لكل 100 نسمة[6].

وفي المجمل فإن الدول الفقيرة أو الأقل تنمية لا يوجد لديها خدمات إنترنت واتصالات جيدة، وهي تتوزَّع على نطاق دول الجنوب في مناطقه المختلفة، ولا تزال بعيدة جدًّا عن المعدَّلات العالمية الخاصَّة بالمؤشِّرات السابقة المتعلِّقة بالأسر التي لديها اتصال بالإنترنت أو معدَّل استخدام الشباب لخدمات الإنترنت ومعدَّلات الاشتراك في خدمات الإنترنت بالهواتف، ومن ثم فإن التجارة الإلكترونية بها لا تزال في حدودها الدنيا في أغلب تلك البلدان مع استثناءات بسيطة لبعض الدول.

ثانيًا- أزمة كورونا وتعزيز فرص البلدان النامية في التجارة الإلكترونية:

أدَّتْ أزمة كورونا والتدابير الاحترازية المصاحبة لها والمرتبطة بالتباعد الاجتماعي لأطول وقت ممكن، إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي، ومن ثم زيادة كبيرة في حجم أسواق التجارة الإلكترونية، ويشير تقرير المائدة المستديرة للخبراء الاقتصاديين بالاتحاد الدولي للاتصالات في يونيو ٢٠٢٠ إلى أنه يمكن للبلدان ذات البنية التحتية الأقوى للاتصالات أن تخفِّف من ما يصل إلى النصف من الصدمة الاقتصادية السلبية للوباء، وأنه كان للوباء تأثير عميق على البلدان كافة هو تسريع التحول الرقمي بشكل غير مسبوق حيث تتَّجه الشركات نحو نماذج التوظيف الموزَّعة والتسليم الرقمي للخدمات والمنتجات، يتخلَّى الأفراد عن السفر والتواصل الاجتماعي ويتحوَّلون إلى الترفيه الرقمي ومنصَّات الاتصال، وبشكل متزايد إلى التجارة الإلكترونية، تنتقل المدارس إلى التعلُّم عبر الإنترنت والفصول الدراسية الرقمية، وتعتمد الحكومات بشكل متزايد على البيانات المتعلِّقة بالمواطنين، والمؤشِّرات الصحية والاقتصادية لوضع السياسات[7].

في الثالث من مايو ٢٠٢١ أشار تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد إلى أن الارتفاع الكبير في التجارة الإلكترونية وسط قيود الحركة الناجمة عن فيروس كورونا المستجد كوفيد-19 أدَّى إلى زيادة حصة مبيعات التجزئة عبر الإنترنت، بحيث إن إجمالي مبيعات التجزئة ارتفع من 16٪ إلى 19٪ في عام 2020، هذه القفزة في المبيعات تشمل المبيعات فيما بين المؤسسات التجارية (B2B) والمبيعات بين الشركات والمستهلكين (B2C). الأمر الذي يعادل 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (GDP)، لكن بمراجعة هذه البيانات نجد أن حصص دول الجنوب من هذه التجارة الإلكترونية لا تزال ضئيلة مقارنة بعدد سكانها ونسبتهم إلى سكان العالم، فوفقًا للتقرير[8] لا نجد من دول الجنوب سوى كوريا الجنوبية والصين وسنغافورة ضمن أكثر البلدان استحواذًا على التجارة الإلكترونية، لكن الملاحظ هنا أن كوريا والصين وسنغافورة قد قفزت فيها نسب التجارة الإلكترونية من إجمالي البيع بالتجزئة بشكل كبير فيما بين العامين ٢٠١٨ و٢٠٢٠، وربما يكون هذا مفهومًا من تحوُّل موازين القوى الاقتصادية نحو الشرق وانتقال العديد من المصانع نحو أماكن العمالة الرخيصة وإدارة أعمالها من خارج الولايات المتحدة والغرب، لكن خارج هذه البلدان الثلاثة تبقى نسب نمو تلك القطاعات محدودة وتخضع لعوامل التعليم والبنية التحتية للمعلومات وانتشار التكنولوجيا المالية وتأمين عمليات التجارة الإلكترونية.

ففي أفريقيا، وبالرغم من ارتفاع عدد مستخدمي شبكة الإنترنت بشكل ملحوظ في عموم القارة الإفريقية، ليصل إلى 46% من إجمالي عدد السكان، بحيث إن حوالي 635 مليونًا من أصل 1.3 مليار نسمة من إجمالي سكان القارة الإفريقية، باتوا يستخدمون شبكة الإنترنت، وتضاعف معدل استخدام شبكة الإنترنت في القارة في وقت قصير نسبيًّا، من حوالي 13.5% خلال عام 2011، إلى 28% بحلول عام 2018[9]، وبالرغم من تشكيلهم نسبة ١٧٪ من سكان العالم فإن مستخدمي الإنترنت في أفريقيا يشكلون فقط 11.5٪ من المستخدمين في العالم، والمتعاملين في السوق الإلكترونية لا يزيدون عن ٢٨٠ مليون من بين سكان القارة بحسب موقع Statista[10].

لا يزال الوضع غير واضح بالنسبة لمستقبل التجارة الإلكترونية، إذ تُعاني معظم دول القارة الأفريقية من تسرُّب القيمة سواء عبر هجرات عقولها وخبراتها أو سيطرة الشركات التابعة للمستعمر القديم على قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبالتالي على المواقع الإلكترونية الشهيرة للتسوق وشركات التكنولوجيا المالية، أو حتى اعتماد هذه الشركات على عمالة فنية ومهندسين وتقنيين في بلدان أخرى عبر خدمات التعهيد[11]، التي تجري في كثير من الأحيان من الهند وغيرها من البلدان ذات الدخل المنخفض والتكلفة المخفضة للمهندسين والفنيِّين، نحن إذن أمام حالة من تكثيف تراكم القيمة وتسريبها وهو ما يعزِّز التفاوت بين الشمال والجنوب.

وفي المنطقة العربية على سبيل المثال، فإن القيمة الناتجة من التجارة الإلكترونية وآليات النقل التشاركي رغم أنها تنشأ في البلدان الأكثر كثافة سكانية وأكثر إنتاجًا للمهندسين والأيدي العاملة مثل مصر، فإن مؤسِّسي العديد من الشركات يقومون بنقل مقراتهم الرئيسية وأموالهم إلى المراكز المالية الإقليمية كالإمارات وهو ما حدث مع شركات مثل “سوق. كوم” و”جوميا” و”سويفل” وهي شركات تأسَّست أولا في مصر ثم انتقلت إلى المراكز المالية في الخليج ثم بيعت أسهم بعضها للشركات الدولية مثل أمازون وغيرها، إذن نحن أمام تسريب ممنهج للقيمة، وهناك مراكز تسهيل إقليمية لهذا التسريب، وبالتالي فالبلدان النامية والمجتمعات الفقيرة بحاجة لتثبيت وجود المراكز الرئيسية للشركات الناشئة فيها وتعزيز بيئات المنافسة وتسهيل الأعمال مع تفعيل آليات مكافحة الفساد ومنظومات حماية المستهلكين، وهي سياسات متضاربة أحيانًا لكنها جوهرية.

مع ذلك فإن الأرقام الرسمية تشير إلى أسواق تتوسَّع بشدَّة في المنطقة العربية، ففي مصر على سبيل المثال تقدِّر وزارة التموين والتجارة الداخلية حجم سوق التجارة الإلكترونية وفقًا لآخر إحصائية في عام 2018 بما يصل إلى 3.6 مليون دولار، ووصل بعد جائحة كورونا إلى 4.8 مليون دولار بما يقرب من 80 مليار جنيه مصر حاليًّا، وذلك وفقًا للإحصائيات الرسمية ومع وجود عدد كبير من الصفحات غير الرسمية على منصَّات التواصل الاجتماعي متخصِّصة في عمليات البيع والشراء، فقد يصل حجم التجارة الإلكترونية إلى 5 أضعاف ذلك[12].

وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن الدول الأقل نموًّا سوف تتحمَّل التبعات الأثقل للأزمة الاقتصادية الناجمة عن أزمة كورونا، بسبب ضعف القدرات الرقمية والتكنولوجية، وضعف الوصول لخدمات الإنترنت والخدمات المالية، وانخفاض كفاءتها وضعف الموارد، وانهيار تحويلات عامليها بالخارج، وتأثُّر شركاتها المتوسِّطة والصغيرة بشدَّة بهذه العوامل إذ إن الشركات ذات الحجم الصغير (أقل من ٥٠ عاملًا) اضطرَّت لتسريح قرابة ٢٥٪ من عمالها، وكان لهذا أكبر الأثر على النساء والفئات المهمَّشة في تلك البلدان حيث إن النسبة الأكبر من الأعمال لا يمكن القيام بها عن بُعد[13].

ثالثًا- فرص التجارة الإلكترونية في بلدان الجنوب والمجتمعات النامية:

تمثِّل النسبة المرتفعة للشباب في العديد من بلدان الجنوب لا سيما أفريقيا جنوب الصحراء، بالإضافة للطفرات في معدلات التعليم والتعليم الهندسي والتقني في بلدان مثل الصين والهند وماليزيا وإندونيسيا، عوامل هامة وفرصًا قوية للاستفادة من التجارة الإلكترونية وتعزيز فرص النمو والاستدامة، إذا ما تمَّ تعزيزها بسياسات نشر العلوم والتكنولوجيا في كافَّة بلدان الجنوب والتوسُّع في البنية التحتية لقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

على سبيل المثال، لا تزال القارة الأفريقية سوقًا محتملًا للتوسُّع في التجارة الإلكترونية، ويشير مؤشِّر الأونكتاد حول التجارة الإلكترونية الذي يشمل 152 دولة، ويرتبط بعدَّة عوامل منها عدد السكان فوق 15 عامًا والذين يمتلكون حسابات في أي مؤسسة مالية، واستخدام الإنترنت، والإنترنت الآمن، إلَّا أن التجارة الإلكترونية في أفريقيا لا تزال تمثل 29 نقطة في 2019، بينما المتوسِّط العالمي 55 نقطة، ومن الدول الأفريقية المتقدِّمة بالمؤشِّر موريشيوس، وتونس، وجنوب أفريقيا، وكينيا، وناميبيا، وبوتسوانا، ومصر، والجزائر[14].

وفقًا لأحد تقارير الأونكتاد بعنوان إطلاق إمكانات التجارة الإلكترونية للبلدان النامية، يمكن القول إن نطاق مشاركة البلدان النامية في التجارة الإلكترونية واستفادتها منها آخذ في الاتساع، أولًا- بسبب تحسُّن مؤشِّرات الوصول لخدمات الإنترنت، مع انتشار استخدام الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية وارتفاع مستويات قدرات الشبكات المحلية على استيعاب مستخدمين جدد للإنترنت، ثانيًا- تؤدِّي تطبيقات التجارة الإلكترونية والمنصَّات وحلول الدفع الجديدة إلى تيسير الانخراط في التجارة الإلكترونية، ثالثًا- زيادة الشركات الإلكترونية المحلية التي تقدِّم خدمات في التجارة، وهي تظهر بسرعة في البلدان النامية بما في ذلك أقل البلدان نموًّا، وعلى سبيل المثال، تستهدف المواقع الجديدة للتجارة الإلكترونية في بنجلاديش وكمبوديا السوق المحلية بشكل ناجح بما يمكِّن المستهلكين من الشراء عبر الإنترنت[15].

كما تقدِّم العديد من تجارب أفريقيا نماذج ناجحة في تقديم الحلول المالية الإلكترونية، فعلى سبيل المثال: ورغم معدلات الأمِّيَّة العالية، حقَّقت أنظمة التحويلات المالية عبر الهاتف المحمول انتشارًا واسعًا في إقليم أرض الصومال، وسرعان ما أصبحت طريقة السداد الأكثر استخدامًا في البلاد، سواء في الأكشاك المنتشرة على جانبي الطرق، أو في متاجر البيع بالتجزئة في العاصمة هرجيسا، إذ وفَّرت شركتا “زاد” التي أُسِّسَتْ في عام 2009، و من بعدها “أي-دهب”، الخاصَّتان، اقتصادًا بديلًا يقوم على تقديم الخدمات المصرفية عبر الهاتف، الأمر الذي جعل النقود الورقية تكاد تختفي من الإقليم[16]، ويمكن تفسير هذا بالاستثمارات الإماراتية الضخمة في الإقليم للسيطرة على موارده وتوطيد نفوذها فيه نظرًا لأهميته الاستراتيجية على مداخل البحر الأحمر وبحر العرب.

يتزايد الاهتمام من قبل القوى الكبرى بالاستثمار في البنية التحتية للمعلومات في بلدان الجنوب، إذ إن تحسين تلك البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات هو أكثر من مجرد هدف للمشغِّلين والمستهلكين، وهو بالتأكيد أكثر بكثير من مجرد هدف مرحلي لتسهيل الاتصالات، إذ يسمح تحسين البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بتكامل سلسلة التوريد العالمية والمحلية، ولذلك تتنافس الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إمداد مناطق مختلفة في أفريقيا بالتكنولوجيا المالية ليس للأرباح الناجمة عن عمليات إنشاء تلك البنية ودعمها وحسْب، ولكن لأن هذه المشاركة تضمن أولوية لشركاتها في السيطرة على الأسواق بما تتيحه من بيانات وقدرة على تحديد اتجاهات السوق بدقَّة، وتتسارع وتيرة تطوير خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية للتغلُّب على تحديات ومخاطر الصراعات والبيئات الصعبة والتغيُّرات المناخية التي تواجه التوسُّع في خدمات الإنترنت.

 

 

رابعًا- التحديات التي تواجه التجارة في بلدان الجنوب والمجتمعات النامية:

بالرغم من محاولات مواكبة التطور في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأنظمة المالية والعديد من البرامج التي أُطلقت لدعم تحوُّل الدول النامية لتعزيز الرقمنة والتجارة الإلكترونية، وبالرغم من أن المنصَّات الرقمية في البلدان النامية تولِّد فرصًا للتجارة والتطوير، لكن المكاسب ليست تلقائية وعمليات التجارة الإلكترونية لا تجري بطريقة سلسة، ولا توجد شبكات اتصالات كافية، كما يتعيَّن على السياسات والقوانين واللوائح أن تتصدَّى لتحديات عديدة مثل مسائل الأمن السيبراني والتصدِّي لعمليات النصب والاحتيال الإلكتروني المتزايدة، وتنظيم عمليات تحصيل الضرائب والجمارك على السلع والخدمات المباعة إلكترونيًّا، فهناك مخاوف جدِّيَّة بشأن القوة السوقية المتزايدة لبعض المنصَّات والحاجة إلى تحسين المنافسة، وحماية المستهلك، والبيانات، والخصوصيات، وفرض الضرائب، وحماية العمالة وتوفير ظروف العمل اللائقة، وهذه المخاوف لا تؤثر في البلدان النامية فحسب، بل في الاقتصاد الرقمي العالمي بأسره لكن البلدان النامية تواجه أزمة كبيرة في استخلاص الضرائب من شركات التجارة الإلكترونية غير المقيمة، وهذا يعني حصولها على قدر أقل من الموارد المحلية للتنمية عما كانت تحصِّله من التجارة التقليدية.

ورغم محاولات العديد من البلدان النامية بناء منصاتها وأسواقها الإلكترونية المحلية إلَّا أنها لا تزال غير قادرة على التنافس مع اللاعبين الدوليين، وبهذا يمكن أن تصبح في كثير من الأحيان أهدافًا لحيازتها والاستحواذ عليها من قِبل المنصات العالمية، وبالفعل خلال السنوات القليلة الماضية استولت الأسواق الرئيسة على الإنترنت مثل “أمازون”، و”مجموعة علي بابا”، و”فيسبوك” على أجزاء كبيرة من السوق العالمية، مستفيدة من اقتصادات ضخمة من ناحية الحجم والتأثير على الشبكة العنكبوتية، بينما لا تزال التجارة الإلكترونية تتجذر في العديد من الدول الأفريقية ولم تتقدَّم بشكل كامل إلى المعايير التي تتميز بها الموجات الجديدة للتجارة الإلكترونية[17].

رغم كل الجهود المبذولة لتعزيز قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في بلدان الجنوب لا يزال التقدُّم بطيئًا، وما تزال القارة الأفريقية تعاني من ضعف الوصول للإنترنت، وضعف البنية التحتية واللوجستية، وهذا نتيجة لضعف الحكومات المحلية في توصيل المرافق والخدمات، وصعوبة التضاريس التي تسهِّل عملية التجارة الإلكترونية، وكذلك انعدام الاستقرار السياسي واستمرار الصراعات الداخلية في العديد من البلدان؛ كل هذا يؤدِّي إلى ارتفاع تكلفة الشحن والنقل، وضعف ثقة المستهلكين في الشراء عبر الإنترنت وتفضيلهم السداد النقدي عند الاستلام، ومن جانب آخر فإن ارتفاع معدلات الأمية ينتج عنها خروج شرائح كبيرة من المجتمعات خارج نطاق السوق الإلكتروني.

فتُعاني الأسواق الإلكترونية في العديد من بلدان الجنوب من اتِّساع نطاق المعاملات غير الرسمية وهي ظاهرة منقولة من الأسواق التقليدية، وهو ما يعني ضعف الأطر القانونية لترتيب العلاقات بين المتعاملين في هذه الأسواق، مما يعني صعوبة تنظيمها قانونيًّا في التجارة العادية فما بالنا بالتجارة الإلكترونية التي يصعب حصر تعاملاتها حيث الخلط بين الرسمي وغير الرسمي، وإن كان يغلب عليها الطابع غير الرسمي، وبالتالي فهي بعيدة عن أية رقابة على جودة السلع والمنتجات والخدمات المتداولة أو حتى خدمات البيع وما بعده، ولا تخضع الكثير من تعاملاتها لقوانين حماية المستهلك، ويتداخل فيها المحلي بالعالمي بشكل يصعب تتبُّعه كما يغيب عنها أية إمكانية للخضوع لتسعيرات أو تقييمات عادلة للسلع والمنتجات والخدمات المتداولة، نحن نتحدث هنا عن كم لا نهائي من السلع والخدمات يتم تداولها عبر سلاسل متشابكة ومعقَّدة، أطرافها في كل أنحاء العالم.

كما تواجه التجارة الإلكترونية تناقضًا واضحًا بين رغبة قوى السوق في تعزيز شبكات الاتصالات وتعزيز الثقة في العالم الافتراضي وما يدور فيه من تبادلات، وبين رغبات الحكومات الدكتاتورية في فرض قيود أكبر ورقابة أقوى على كل ما يقوم به مواطنوها عبر الإنترنت، وبرغم خضوع هذه الدكتاتوريات للمشروطيات التي تفرضها قوى السوق والمؤسَّسات المالية الدولية حول توسيع الأسواق وتعزيز النَّفاذ إليها، إلَّا أنها لا تزال تحتفظ بقدرات هائلة على تتبُّع تحرُّكات مواطنيها عبر الفضاء الافتراضي واختراق بياناتهم الشخصية بشكل غير مسبوق، وهو ما يفقد السوق الثقة من قبل شرائح واسعة من المستهلكين وبالذات من القطاع غير الرسمي الذي يبدو وكأنه مستهدف من قبل تلك الحكومات بمزيد من تحصيل الضرائب، ومزيد من القيود من دون تسهيلات حقيقية لدخول السوق.

ومن جانب ثان، تواجه التجارة الإلكترونية أيضًا تحديًا كبيرًا يرتبط بالسياسات التعليمية والافتقاد لحواضن ومسرعات وبرامج الدعم، وبرغم أن العديد من الجامعات ومراكز المال والأعمال تبدو مهتمَّة بفكرة دعم حواضن الأعمال ومسرعاتها، إلَّا أن الفكرة لا تزال حديثة نسبيًّا في بلدان الجنوب، وتفتقر لآليات تمويل وتدريب ودعم حكومي وخاص حقيقي لمشروعات ريادة الأعمال تضمن استمراريتها وقدرتها على تخطِّي أزمات السنوات الأولى.

ومن جانب ثالث، تواجه التجارة الإلكترونية تحدي العدالة، هذا التحدي يرجع إلى الفجوة الرقمية الواسعة بين بلدان الشمال والجنوب في البنية التحتية للمعلومات وفي التكنولوجيا المالية وآليات تحويل الأموال، حيث تحتكر بلدان الشمال أكبر شركات التكنولوجيا، وتفرض العديد من بلدانه قيودًا شديدة حتى على القوى الصاعدة مثل الصين والهند وشركات الهواتف المحمولة القادمة من عالم الجنوب، بحيث لا تستطيع الوصول بشكلٍ متساوٍ للأسواق في دول الشمال، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الفجوة بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية لا تزال قائمة برغم محاولات تقليلها وإنهائها، فوفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات في ٢٠٢0 لا يزال معدَّل استخدام الإنترنت المنزلي في الريف عبر العالم ضعيفًا في حدود ٣٧٪ من المنازل مقابل ٧٢٪ منه للمدن والمناطق الحضرية[18]، وهذه التفاوتات بين ريف وحضر داخل دول الجنوب أشد وهو ما يعني دخولًا غير متساوٍ للمستهلكين والمنتجين الصغار لهذا السوق الكبير والضخم للتجارة الإلكترونية في المواقع الافتراضية، ويعني تركُّزًا أكثر للثروة في المناطق الحضرية.

وبالرغم من أن بلدان الجنوب ومنها مصر تمثِّل سوقًا ناشئًا في التجارة الإلكترونية، فإنها تُعاني من حالة تفتُّت وهي تعدُّد الأجهزة المعنية بالرقابة على تلك العمليات، وعدم وجود رؤية أو جهة موحَّدة للتعامل معها، وتعرُّضها للعديد من التحديات الأمنية والتأمينية المتعلِّقة بالشحن والتوزيع وسلاسل الإمداد غير التقليدية، وهذه الحالة التي تبدو عليها وإن كانت تجعل المسؤولين الحكوميين في حيرة بسبب عدم القدرة على جباية الضرائب من كل تلك العمليات غير الرسمية للبيع والشراء، فإنها في نفس الوقت تفيد طيفًا واسعًا من المستهلكين ذوي القدرات الشرائية المحدودة، حيت ينتج عن المنافسة بين البائعين الصغار انخفاض الأسعار؛ لكن وفي نفس الوقت، تدفع حالة التفتُّت الشركات الكبرى مثل “سوق” و”جوميا” وغيرها للاستثمار بكثافة في التوسُّع للحصول على شريحة أكبر من السوق غير الرسمية، لأن هذه الشركات تستطيع تحمل خسائر مؤقتة من أجل الاستحواذ على حصص أكبر من السوق، وبالتالي لديها القدرة على سحق صغار المتعاملين في السوق[19].

وبالرغم من أن أرباح التجارة الإلكترونية ارتفعت أربعة أضعاف لتصل إلى 20 مليار دولار في عام 2020 في دول مجلس التعاون الخليجي، بعدما كانت 5 مليارات دولار في عام 2015، إلَّا أننا إزاء ظاهرة تركُّز الأرباح الناجمة عن السوق في بعض البلدان التي تشهد تطورًا تكنولوجيًّا وتطويرًا للبنى التحتية للمعلومات دون غيرها، وعلى سبيل المثال تشكِّل كلٌّ من الإمارات، والسعودية، ومصر 80% من سوق البيع والشراء عبر الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقًا لتقرير لشركة “Go-Gulf”[20]. هذا التركيز يعزِّز التفاوت بشدَّة بين بلدان الجنوب، ومن ثم فهي بحاجة لاستراتيجيات تعاون من أجل نمو جماعي والحفاظ على توزيع عادل للأرباح الناجمة عن تلك التجارة بتبسيط إجراءات رسمنة القطاعات غير الرسمية ومن ثم تسهيل ولوجها إلى فضاء التجارة الإلكترونية دون تخوُّف من الرصد الرسمي لها ومتابعتها ضريبيًّا.

وتتشابك التحديات المتَّصلة بطبيعة التجارة الإلكترونية ذاتها والتي تسري على بلدان العالم كافة مع تلك المرتبطة بطبيعة وبنية وتطور الدول النامية وتتشابك في الكثير من النقاط. إن ضعف البنية التحتية للمعلومات وبطء تطورها يعدُّ أمرًا بنيويًّا في تلك الدول حيث التطور بطيء بشكل عام رغم محاولات العولمة المكثَّفة وتسريع الاندماج في السوق العالمي، وهو أمر يخضع لحجم السكان وأهمية السوق في تلك الدولة للسوق العالمي بشكل عام وبطبيعة المساومات بين الأنظمة الحاكمة والشركات العالمية المتحكِّمة في قطاعي الاتصالات والتجارة وشبكات النُّفوذ المحلية.

ومن جانب آخر، يعدُّ ضعف قوانين التجارة الإلكترونية أمرًا مرتبطًا بالدولة وبالتجارة الإلكترونية نفسها وبالعملية السياسية، لا نستطيع القول بأن هذا أمر تقني وفني بحت مرتبط بطبيعة التجارة، وذاك أمر مرتبط بطبيعة وبنية دول الجنوب التي تتطوَّر بشدَّة في وسائل الرقابة والتجسُّس الرقمي لصالح الأنظمة السياسية فيما لا تزال غير راغبة في تحرير وتأمين السوق بشكل كامل للمستهلكين ولا حتى في إنشاء أسواق ومنتجات محلية قوية وحمايتها، ففي العديد من بلدان الجنوب لا تزال الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية تتحكَّم بالقرارات المتعلِّقة بتطوير تلك الأسواق وتعترض على دخول الكثير من المنتجات، وترى الجهات التشريعية والبيروقراطية في تلك الدول أن التجارة الإلكترونية تعدُّ تهديدًا للأمن ولسلامة الدولة ذاتها إذ يصعب تعقُّبها وتحصيل مستحقَّات الدولة عليها أو حتى حماية المستهلكين من عمليات النصب والاحتيال والقرصنة الإلكترونية، وعمليات التعقب والتحصيل والتأمين تلك تتطلَّب تقنيات مكلِّفة بعض الشيء؛ ما يجعل إغلاق الباب أو تقييده أو تأجيل التطوير الخيار الأسهل لدى الأجهزة البيروقراطية والسَّاسة في تلك البلدان، وهو أمر يؤدِّي في النهاية إلى فرار المبتكرين وأصحاب الأفكار والمشروعات التجارية الإلكترونية إلى بلدان أكثر تحرُّرًا من تلك القيود أو التفكير في التجارة والمشروعات التقليدية بدلًا من المخاطرة في مجال التجارة الإلكترونية وهو ما يجعل التطور يسير ببطء رغم حتميَّته.

خاتمة:

رغم ما تتيحه التجارة الإلكترونية من فرص لبلدان الجنوب فإن تأثيراتها على التنمية ليست بالضرورة خطِّية أو مثبتة حتى الآن، وإن كان اندماج تلك البلدان في السوق مسألة وقت ليس أكثر، فهي طرحت العديد من التحديات التشريعية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال غير مدروسة بالقدر الكافي، ولا تصلح مقاربات التجارة الإلكترونية كدالَّة في تخفيف الفقر والبطالة وتحقيق التنمية المستدامة، إذ إن التجارة بالأساس في تلك البلدان تتمُّ على سلع وخدمات موجودة بالفعل ومن لا ينتجها لا يمتلك حصصًا جيدة من السوق، وتتركَّز الشركات المسيطرة عليها إلى حدٍّ كبير في مراكز الإنتاج القوية سواء للسلع والخدمات أو التقنيات.

يمكن لبلدان الجنوب بشكل كبير أن تعزِّز فرصَها في النموِّ المستدام اعتمادًا على التجارة الإلكترونية، إذا كان المنظور هو الحصول على حصة من السوق وليس أن تكون مجرد جزء من السوق يتمُّ إغراقه بالواردات، ويمكنها ذلك من خلال تعزيز آليات للتجارة البينية في إطار المنظمات الإقليمية والتعاون الثنائي بين دول الجوار وتدعيم الشركات العابرة للحدود بين دول الجنوب وبالذات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والإنترنت، والأمن السيبراني والتجارة الإلكترونية.

ويقتضي الواقع في بلدان الجنوب تطوير آليات لمقاومة الآثار السلبية لهذه التجارة على القطاعات المختلفة، ويقتضي هذا جهدًا أوَّليًّا لقياس تأثير مثل هذا التوسُّع في استخدام التقنيات على العمل التقليدي وعلى مؤشِّرات البطالة والفقر والتشغيل والقطاعات الإنتاجية المختلفة.

ومن جانب ثان، تحتاج الدول النامية ومجتمعات الجنوب تطوير البنى التشريعية بما يتواكب مع آليات منع الاحتكارات في الأسواق الإلكترونية، وآليات الحماية للسلع والمنتجات المحلية، وضمان عدالة التجارة والمنافسة، والقدرة على تحصيل مستحقَّات هذه الدول، ومواجهة ظواهر التهرُّب الضريبي والملاذات الضريبية الآمنة، وكذلك إحلال وتعزيز الأمن السيبراني، ومن ثم فهي بحاجة لتطوير قدرات العاملين في المجالات الضريبية والأمنية بما يعزِّز ثقة المستهلكين، وإيجاد قدرات تنافسية عالية للمنتجين المحليين.

ويمكن للدول النامية ومجتمعات الجنوب الاستفادة من التجارب الناجحة في تدعيم المعايير والمواصفات وتوحيدها بين أقاليم متقاربة ومحاولة إيصال المنتجات المحلية للأسواق العالمية عبر الاعتماد المتبادل وليس آليات التبعية التي تفرضها الشركات الكبرى ودولها، وهذا يقتضي آليات تمويل وتصنيع وتسويق وتوزيع ومناطق لوجستية تشاركية تعتمد على تعاون الجنوب-الجنوب، وتعزيز آليات تعمل ضدَّ تسرُّب القيمة، وتحدُّ من تصدير المواد الخام غير المصنَّعة بما يعزِّز القطاعات الكثيفة العمل، ويضمن إدماجها في منظومة التجارة الإلكترونية دون زيادة كبيرة في معدلات البطالة أو تغيير غير متوقَّع في أنماط الانتاج والاستهلاك والتوزيع، بحيث تحاكي النظم والأسواق الالكترونية الواقع ولا تقوم بتعديله إلَّا إلى ما تعتبره المجتمعات أفضل.

———————

 

(*) باحث في العلوم السياسية.

[1] Aid for Trade at a Glance 2017, Promoting Trade, Inclusiveness and Connectivity for Sustainable Development, OECD and World Trade Organization, available at: https://cutt.us/KsPOt

[2] Dennis Nderitu Ndonga, E-commerce in Africa: challenges and solutions, African Journal of Legal Studies, Vol. 5, No. 3, 2012, pp. 243-268.

[3] Digital trends in Asia and the Pacific 2021, Information and communication technology trends and developments in the Asia-Pacific region 2017-2020, International Telecommunication Union publication, 2021, p. 5, available at: https://cutt.us/0IIKz

[4] Ibid.

[5] Digital trends in Africa 2021, Op. cit., p. 5.

[6] Digital trends in the Arab States region 2021: Information and communication technology trends and developments in the Arab States region, 2017-2020, International Telecommunication Union publication, 2021, p. 5, available at: https://cutt.us/UQnrI

[7] Digital trends in Africa 2021, Op. cit., pp. 1-3.

[8] أونكتاد: كوفيد-19 يعزِّز المبيعات عبر الإنترنت والتجارة الإلكترونية العالمية تقفز إلى 26.7 تريليون دولار، موقع أخبار الأمم المتحدة، ٣ مايو ٢٠٢١، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/qmvvn

[9] ٤٦٪ من سكان إفريقيا يستخدمون الإنترنت، وكالة الأناضول، ١ مارس ٢٠٢١، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/jzLfL

[10] Simona Varrella, E-commerce in Africa – statistics & facts, Statista, 5 January 2021, available at: https://cutt.us/GxknX

[11] التعهيد (Outsourcing) هو استخدام واستئجار كفاءات وقوى وأفراد ووسائل وخدمات من مؤسسات أو شركات أو جهات ثالثة (أجنبية أو محلية)، وهو طريقة جديدة لتقسيم العمل وتوفير المال والطاقة والوقت في مختلف قطاعات الحياة الاقتصادية وغير الاقتصادية وذلك بإعطاء الجهة الثالثة المستعان بها الثقة ومهام ووظائف ومسؤوليات وصلاحيات وهيكليات معينة وأنشطة كانت عادة تقوم بها (ذاتيًّا) وتؤدِّيها داخليًّا الجهة المستعينة، وذلك عن طريق التعاقد بتوقيع عقود واتفاقيات تعاون ترتِّب وتنظِّم مدة وموضوع الاستعانة والإنجازات والواجبات والحقوق والالتزامات وسد الثغرات وتلبية مصالح وأهداف الجهة المستعينة.

[12] إبراهيم الطيب، «التموين»: حجم التجارة الإلكترونية الرسمية 80 مليار جنيه، المصري اليوم، ٢٣ مارس ٢٠٢١، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/zOxcx

[13] Government policies to promote innovation in the digital age, World Trade Report 2020, Innovation policy, trade and the digital challenge, available at: https://cutt.us/zjuQK

[14] موقع مجلة قراءات إفريقية، 75 مليار دولار حجم التجارة الإلكترونية في أفريقيا بحلول 2025، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٠، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ysNmi

[15] نشرة صحفية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد، التجارة الإلكترونية تقلع أخيرًا في البلدان النامية، موقع منظمة الأونكتاد، ٢٤ مارس ٢٠١٥، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/x33hy

[16] ماثيو فيكيري، أرض الصومال: المكان الذي أوشكت فيه النقود على الانقراض، بي بي سي عربي، ١٩ سبتمبر ٢٠١٧، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/w7m8J

[17] Dennis Nderitu Ndonga, E-commerce in Africa: challenges and solutions, Op. cit., pp. 250-251.

[18] Measuring digital development Facts and figures 2020, International Telecommunication Union, p. 6, available at: https://cutt.us/mTHff

[19]محمد رمضان، «أمازون» في مصر: الأفيال في سوق النمل، مدى مصر، ١ سبتمبر ٢٠٢١، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/F253M

[20] قناة الحرة، 3 دول عربية تشكل 80٪ من السوق.. التجارة الإلكترونية تزدهر في الشرق الأوسط، ٣ مايو ٢٠٢١، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/rAY0P

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى