تقارير ودراسات

السياسة الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي عام 2008: دراسة في إدارة الصراع ومستقبله

مقدمة:

تهتم هذه الدراسة بتحليل دلالات السياسة الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي في الذكرى الستين لإنشاء الكيان الإسرائيلي. وتنقسم هذه المعالجة إلى أربعة مستويات أو دوائر متداخلة سيتم التمييز بينها لتسهيل إدراكها وتحليل الحركة أو السياسة الإسرائيلية تجاهها، دون أن يُفهم من هذا التقسيم أن الدوائر الأربع منفصلة عن بعضها البعض؛ فالرابط بينها أكثر من واضح سواء على مستوى تخطيط السياسة الإسرائيلية أو تنفيذها؛ فإسرائيل تنطلق في هذه الآونة نحو تنفيذ استراتيجية متكاملة تجاه الدائرة الإسلامية الحضارية –أي تجاه الدول الإسلامية غير العربية– بعد أن فرغت (أو تكاد) من استنزاف الدائرة العربية المحيطة بها مباشرة. إضافة إلى أن الدولة العبرية تعيد الآن بناء وتمتين تحالفاتها الدولية لدرء المخاطر الأمنية والاستراتيجية التي تزايدت نسبيًّا بعد الإخفاق الإسرائيلي في حرب لبنان صيف 2006، التي أثارت مخاوف إسرائيلية تتعلق باحتمالات تراجع مكانة إسرائيل الإقليمية، واهتزار سمعة جيشها ومؤسستها العسكرية، وانكشاف مدى هشاشة مجتمعها، وطبيعة الصراع السياسي بين القوى السياسية الإسرائيلية المختلفة.
تساؤلات الدراسة وحدودها:
1- ما الذي يحمله السلوك الإسرائيلي في العام الستين من عمر هذه الدولة من دلالات بالنسبة للاستراتيجية الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي؟
2- هل لا زالت إسرائيل في وضع هجومي بالنسبة للأمة الإسلامية؟ أم أن الدولة العبرية بدأت تنكفئ على نفسها في وضعية دفاعية إزاء تصاعد ظاهرة المقاومة المسلحة في كلٍ من لبنان وفلسطين؟ وإزاء التهديد الأخطر -كما تشير أغلب الكتابات الإسرائيلية- وهو إيران ذات القدرة النووية المتحالفة مع سوريا وحزب الله، والقريبة بدرجة ما من حركة حماس؟
3- هل صحيح أن حرب لبنان صيف 2006 قد وضعت إسرائيل في مواجهة محور إسلامي أظهر وجود بُعد إسلامي في الصراع يؤشر إلى بداية مرحلة ثالثة في مسار الصراع العربي- الإسرائيلي، بعد المرحلتين: القومية العربية والوطنية القُطرية؟.
4- هل لا زالت إسرائيل (بعد ستة عقود من إنشائها) هي اليد الضاربة للولايات المتحدة وأوروبا تجاه القوى الإسلامية الصاعدة مثل إيران؟ أم أنها بدأت تتحول إلى كيان مُعالٍ يحتاج إلى الحماية الغربية المباشرة؟ أو بصياغة أخرى: هل تقلّصت مساحة الحركة أو الحرية الإقليمية لإسرائيل خصوصًا على الصعيد العسكري، وما تأثير المتغير الزمني في هذا السياق؟ هل تصبح إسرائيل مع مرور الوقت أقل استقلالية في حركتها تجاه المحيط الإسلامي بحيث تكون راغبة مثلاً في توجيه ضربة لإيران لكنها تبدو عاجزة عن تنفيذ ذلك بمفردها، أي أن عليها أن تنتظر التحرك الأمريكي والدولي في هذا السياق؟
تنطلق الدراسة من إلقاء الضوء على حالة الكيان الإسرائيلي من الداخل بعد تنفيذ شارون الانفصال أحادي الجانب عن غزة في سبتمبر 2005، مع الاهتمام باستعراض بعض التقييمات الاستراتيجية الإسرائيلية في هذا الصدد، ثم تحاول الدراسة ربط طبيعة الحركة الخارجية الإسرائيلية وأدواتها وتصوراتها لإدارة الصراع مع دول بعينها من العالم الإسلامي في دائرته الفلسطينية ثم العربية ثم الدائرة الإسلامية، وذلك بهدف الوصول إلى استنتاجات تفيد في رسم صورة إجمالية عن السياسة الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي في العام الستين من إنشاء الدولة العبرية، وتحليل دلالات هذه السياسة بالنسبة لمجرى الصراع ومستقبله. وإضافة إلى هذه الدوائر الثلاث تتناول الدراسة دائرة إسرائيل والنظام الدولي، على اعتبار أن تحالف القوى الكبرى –وخاصة الغربية- مع إسرائيل من أهم ملامح استراتيجيتها تجاه العالم الإسلامي.

التقييمات الاستراتيجية الإسرائيلية قبل حرب لبنان والمراجعات الداخلية بعدها

رغم شراسة الحروب التي يشنها الكيان الإسرائيلي على قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وتنوع الأدوات التي تستخدم للقضاء على المقاومة وثقافتها وبنيتها التحتية، إلا أنه يمكن القول إن قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي لانتفاضة الأقصى على مدار ست سنوات قد أدى إلى زيادة ظهور أعراض الضعف على الجيش والمجتمع في إسرائيل. ومن بين تلك الأعراض: فقدان المواطنين الإسرائيليين للإحساس بالأمن والاتجاه، وسقوط الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان، وانتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية والفرار منها، وتزايد النزوح والهجرة من إسرائيل مما أدى بدوره إلى طرح موضوع بقاء الجيب الاستيطاني على مائدة البحث والاهتمامات الفكرية والوجدانية الصهيونية[1].
وضمن عملية صيرورة العلاقة بين قوات الاحتلال وقوى المقاومة كانت تظهر تقييمات إسرائيلية في كل المحطات الفاصلة في تطور هذه العلاقة؛ فبعد الانفصال الإسرائيلي أحادي الجانب عن غزة في سبتمبر 2005، بدا أن الدولة العبرية وأجهزتها الأمنية المختلفة تشهد حالة عميقة من الجدل الداخلي المتصاعد حول التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدولة؛ فقد جاء في وثيقة مؤتمر هرتسليا السادس (21-24 يناير 2006) أنه “بحلول عام 2006 أصبحت إسرائيل، وفقًا لتقديرات القائمين على أمنها القومي، في واقع استراتيجي من أفضل ما عرفته في تاريخها. فهي ليست عرضة لتهديد وجودي، وقوتها تعتمد على عوامل عدة أهمها: قدرة الردع التي تمتلكها، والتحسن الذي طرأ على صعيد مكانتها السياسية والدبلوماسية في أعقاب الانفصال عن غزة، والنفوذ الهائل للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط وتأييدها لإسرائيل، وانعدام إمكانية نشوء ائتلاف عربي ضد إسرائيل ومناعة اتفاقيات السلام المبرمة بينها وبين كل من مصر والأردن. ولذلك ستتسم سنة 2006 بتصميم وبلورة البدائل الاستراتيجية، وسيتم الاختيار بينها خلال السنوات المقبلة. ولكن تلوح في الأفق القريب تهديدات استراتيجية جوهرية؛ فالنظام الإيراني يدعو إلى تدمير إسرائيل ويعكف على تطوير وسائل ذرية عسكرية، ويقوم بتمويل وتسليح وتوجيه أنشطة إرهابية ضد إسرائيل، فضلاً عن اقتراب النظام الإيراني من حدود إسرائيل عبر سوريا ولبنان. هذا الأمر يستوجب قيام إسرائيل بإنشاء قدرة للدفاع عن نفسها بكل ما يترتب على ذلك”.
“الذرة العسكرية الإيرانية هي تهديد على المدى البعيد نسبيًا، لكن الإرهاب بمستوياته الثلاثة، يُهدِّد إسرائيل الآن: الإرهاب العالمي (القاعدة والجهاد العالمي) الذي يقترب من إسرائيل بالتدريج، الإرهاب الإقليمي (حزب الله)، والإرهاب الفلسطيني (حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى) الذي ينطوي على طاقة عالية للتصعيد ولجهة اندلاع موجة عنف جديدة”[2].
أما التقرير النهائي الصادر في أبريل 2006 عن “لجنة مريدور لإعادة فحص التفكير الاستراتيجي وبلورة المفهوم الأمني الإسرائيلي”؛ فقد أقرَّ بأن الحرب التقليدية أمام الدول العربية لم تعد الخطر المركزي الذي يتهدّد دولة إسرائيل، ودعا إلى استثمار موارد أكبر في مواجهة السلاح النووي الإيراني؛ فقد زاد الآن وزن المواجهات فوق التقليدية (من خلال أسلحة غير تقليدية) والمواجهات تحت التقليدية (من خلال الإرهاب). وأشار التقرير أيضًا إلى أن الجيش الإسرائيلي ليس جاهزًا لمواجهة التحدي الذي يمثله الإرهاب. وتعتقد لجنة مريدور أن خطر الإرهاب سيصاحب المجتمع الإسرائيلي في العقود المقبلة لأنه ليس في دولة إسرائيل جهة مسئولة عن إدارة المعركة ضد الإرهاب[3].
بيد أن أهم استنتاجات تقرير لجنة مريدور هي أن “الجبهة لم تعد فقط مواجهة بين جيشين. بل صارت تدور أساسًا في الجبهة الداخلية وداخل السكان المدنيين، ولذلك ثمة حاجة للاستعداد لهذا النوع من التحدي الذي يختلف عن مفهوم الأمن التقليدي المعتمد على “مثلث الأمن” الإنذار والردع والحسم، وهذا المفهوم لا شأن له بالواقع عندما تكون المعركة تدور حول الإرهاب”[4].
وفي 30/1/2008 أشار التقرير النهائي الصادر عن لجنة فينوجراد بشأن بشأن تقصي حقائق الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى أن هذه الحرب “انطوت على تقصير خطير. إن إسرائيل كانت السباقة لشنِّ الحرب التي انتهت دون تحقيق انتصار عسكري واضح”. فقاومت منظمة شبه عسكرية (المقصود هو حزب الله) لا تشمل إلا بضعة آلاف العناصر أقوى الجيوش في الشرق الأوسط، والذي كان يتمتع بتفوق جوي كامل وبتفوق من ناحيتي حجمه والتكنولوجيا(..) إن هذا الهجوم لم يُحقق إنجازات عسكرية ولم يُستكمل , وتنطوي هذه الحقائق على انعكاسات كبيرة بالنسبة لنا وبالنسبة لأعدائنا ولجيراننا وأصدقائنا في المنطقة والعالم بأسره”[5].
كما أشار تقرير فينوجراد إلى وجود “قصور خطير وعيوب في طريقة اتخاذ القرارات وعمل الهيئة في المستويين السياسي والعسكري والتعامل بينهما(…) فضلاً عن وجود إخفاقات وتقصيرات خطيرة في انعدام تفكير وتخطيط استراتيجي، على المستويين السياسي والعسكري على حد سواء”[6].
ورغم هذه التوصيات التي تحدثت عن تزايد التهديد الذي تمثله حركات المقاومة وضرورة استعداد إسرائيل بشكل أفضل للتعامل مع تكتيكات حروب العصابات، إلا أن السياسات الإسرائيلية تجاه كلٍ من حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في عام 2008 يمكن أن تكشف عن درجة ارتباك إسرائيل في التعامل مع دائرة التهديدات الأولى بالنسبة إليها.
ومن ناحية أخرى، وبالتوازي مع انشغال عدة دول بملاحقة ناشطي الحركات الجهادية وتنظيم القاعدة، واصلت إسرائيل مساعيها في حشد الجهود الدولية لخوض حرب على الأدوات التي تعتمد عليها هذه الحركات. وفي هذا السياق دعا معهد هرتسليا الإسرائيلي إلى “المؤتمر الدولي لمواجهة الإرهاب” الذي اختتم أعماله في 11سبتمبر 2008، بمشاركة خبراء في الأمن ومكافحة الإرهاب من عشرين دولة. وقد صرح إيتان عزاني نائب المدير العام لمركز هرتسيليا لمكافحة الإرهاب بأن “الإسرائيليين قد وضعوا أمامهم هدف تطوير شبكة عالمية لا يقتصر نشاطها على جمع المعلومات وتحليلها، وإنما العمل في شكل فعّال على مواجهة الأدوات التي يقوم عليها الجهاد العالمي (…) خصوصًا الانترنت الذي يشكل استخدامه السلاح الأقوى لهذه الحركات”[7].
لقد تحولت مواقع الإنترنت إلى معسكرات تدريب ومصانع للأسلحة, وقد أشار بحث لمركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي إلى أن الناشطين الجهاديين باتوا نشيطين جدًا في المنتديات والمحادثات التي تجري على شبكة الإنترنت التي أصبحت بالنسبة إليهم بديلاً افتراضيًا عن التجمع في المساجد والمراكز الجماهيرية. كما لاحظ هذا البحث ارتفاع عدد النساء اللاتي يشاركن في المنتديات والمحادثات على شبكة الإنترنت.
وفي ظل هذه المعطيات خلص المؤتمر إلى أن المهمة الأساسية لمواجهة الإرهاب العالمي تقع على عاتق الدول العربية والإسلامية وضرورة تطوير خطط تربوية تقوم على التوعية لمواجهة هذه الحركات. وفي تأكيده على ذلك قال إيتان عزاني إن المؤتمرين اتفقوا على أن أي تدخل خارجي في مجتمع إسلامي وعربي لا يأتي إلا بالنتيجة السلبية الأمر الذي يؤكد على ضرورة المبادرة من داخل الدول التي ينمو ويتعزز فيها النشاط الإرهابي[8].
وبعد عامين من شنِّ إسرائيل لعدوانها العسكري على لبنان في صيف 2006، بقي الكيان الإسرائيلي متأثرًا بدرجة أو بأخرى بتداعيات تلك الحرب، وهي الحرب التي لم تنتهِ إلى نتيجة حاسمة (كما كانت تريد إسرائيل منها) وبقيت من ثم مفتوحة على جولات قادمة من الصراع، وعكست ترددًا وارتباكًا في القرار الاستراتيجي الإسرائيلي، وتوَّلد عنها جدل عميق حول أسباب الفشل: هل تتعلق بفشل استخباراتي، أم بسوء إدارة داخل الجيش، أم بعدم واقعية الأهداف التي تريد إسرائيل تحقيقها منها.
ويمكننا في سياق الجدل حول الخيارات الأمنية الإسرائيلية المستقبلية بعد حرب لبنان التمييز بين ثلاثة تيارات تختلف في الأسلوب الأمثل لتحقيق الأمن الإسرائيلي:
1- تيار اليمين الإسرائيلي الذي يرى أن الأمن يتحقق بالمزيد من التسلح واستخدام سياسات القوة، وتطوير القدرات العسكرية (وهو تيار متأثر بالمدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية). ومن أفضل من يعبر عنه حاليًا في تصريحاته وكتاباته بنيامين نتنياهو.
2- التيار القائل بتحقيق الأمن الإسرائيلي من خلال علاقات تعاون إقليمي نشطة في كافة القضايا (وهو تيار أضعف كثيرًا من السابق، رغم أنه انتعش قليلاً في النصف الأول من عقد التسعينيات، إلا أنه يكاد ينتهي حاليًا). ومن رموز هذا التيار الرئيس الإسرائيلي الحالي شيمون بيريز، الذي لا زال مؤمنًا بهذا الطرح، ويعيد تشكيله من آنٍ لآخر، وهو ما دفعه مثلاً إلى القول في سبتمبر2008 “إنه يعارض توجيه ضربة عسكرية لإيران لإحباط برنامجها النووي، ولكن على العالم أن يصبح جبهة موحدة لفرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران”[9].
3- التيار القائل بضرورة إدماج أمن إسرائيل ضمن تحركات الاتحاد الأوروبي والناتو بالتوازي مع تطوير العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية وتفعيلها على صعيد القدرات الهجومية الجوية الإسرائيلية مع تطوير أنظمة الدفاع الإسرائيلية المضادة للصواريخ. وكانت إسرائيل قدمت في خريف 2007 إلى لجنة التفكير الإسرائيلية – الأوروبيةاقتراحًا تحت اسم “خطة الارتقاء بالعلاقات الإسرائيلية – الأوروبية” التي تهدف إلى الحصول على صفة “شبه عضو” في الاتحاد الأوروبي بما يعني “رفع مستوى الحوار السياسي بين الطرفين، وعقد اجتماع سنوي على مستوى القمة بين الجانبين، وتأمين مشاركة إسرائيل في اجتماعات الاتحاد في قضايا السياسة الخارجية، والانخراط في المهمات العسكرية والأمنية التي تضطلع بها قوات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مشاركة ممثلي إسرائيل في اجتماعات مجالس الشئون المالية والبيئة والعدل والصناعة والعلوم”[10].
وقد نجح هذا المسعى الإسرائيلي، وذلك حينما أصدر المجلس الوزاري الأوروبي بعد اجتماعه في بروكسل في 8/12/2008 – برئاسة برنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي- قرارًا مهمًا برفع مستوى علاقات دول الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل. وهو ما اعتبره كثيرون عاملاً مشجعًا لإسرائيل لتصعيد سياساتها العدوانية ضد الفلسطينيين، في ظل دعم أوروبي واضح تزامن مع اشتداد آثار الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على غزة منذ سيطرة حركة حماس عليه في يونيو 2007.
وقد شارك رئيس الأركان الإسرائيلي في نوفمبر 2008 في اجتماع قادة أركان الناتو، وأكَّد غابي اشكنازي على التعاون القائم حاليًا بين إسرائيل والناتو على الصعيد الاستخباري، وفي مجالات الإنقاذ والمعونات الإنسانية وحراسة الحدود والدعم اللوجيستي والخدمات الطبية. وقال إن “إسرائيل تعتبر الناتو حليفًا استراتيجيًا في المعركة الدولية ضد الإرهاب، وهي مهتمة بتعزيز الشراكة الأمنية مع كل الدول الأعضاء في الحلف، ومع كل دولة على حدة”.
ويذكر الكاتب الإسرائيلي يوسي ميلمان أن الناتو وإسرائيل يدركان أن هناك مصلحة متبادلة بأن تشارك سفن البحرية الإسرائيلية في المناورات المشتركة مع أساطيل الدول الأعضاء في الناتو. وكانت سفن تابعة للناتو قد وصلت لميناء حيفا في أبريل 2008 للمشاركة في مناورات، وقبلها إلى إيلات في أبريل وأكتوبر 2007، كما هبطت طائرات إنذار مبكر من طراز “أواكس” في قاعدة سلاح الجو الإسرائيلي في اللد قبل عام. “ومن الناحية العملية، كان الدافع الحقيقي وراء تعزيز العلاقات بين الجانبين هو الخوف من تنامي قدرات إيران العسكرية ومكافحة الإرهاب الدولي؛ فهناك اعتراف متزايد في الناتو بأن البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الإيرانيين يشكلان تهديدًا ليس على إسرائيل ودول الخليج العربي وجيران إيران فقط، وإنما على أوروبا نفسها. وعلى هذه الخلفية، يتزايد التعاون الاستخباري في المسألة الإيرانية، كما أصبح من المألوف تبادل التقديرات عن المنظمات الإرهابية”[11].

الجزء الأول- السياسات الإسرائيلية تجاه الدائرة الأولى (فلسطين ولبنان وسوريا)

ضمن عدة قضايا برزت في سياق التفاعلات الإسرائيلية على مدى عام 2008 مع هذه الدائرة، هناك قضية التلاعب الإسرائيلي بالمسارات التفاوضية، والعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة وفي الضفة الغربية أيضًا، واستمرار المسلك الإسرائيلي في العمل على فصم عرى العلاقات الفلسطينية الداخلية واستثمار الخلافات الفلسطينية سياسيًّا إلى أقصى حد ممكن، واستخدام سياستين مختلفتين في الشكل عند التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة مع أنهما تتفقان في الجوهر والهدف الذي يرمي إلى تكريس الانفصال بين شطريْ الوطن الفلسطيني، وهناك أيضًا قضية تبادل الأسرى بين قوى المقاومة والكيان الإسرائيلي التي يمكن النظر إليها بوصفها إنجازًا يُحسب لحزب الله (على الأقل من ناحية إجبار إسرائيل على مناقشة هذه القضية بشكل علني وتعديل بعض معاييرها في الإفراج عن الأسرى). وهناك أخيرًا اعتماد لغة معتدلة شكليًّا مع سوريا انتظارًا لحسم السياسات الغربية في موضوع الملف النووي الإيراني.

1- المسار التفاوضي الفلسطيني بعد لقاء أنابوليس

توالى خلال عام 2008 عقد اللقاءات بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين سواء على مستوى القمة أو على مستوى رئيسيْ الوفدين التفاوضييْن أحمد قريع وتسيبي ليفني، أو على مستوى اللجان الفنية للتفاوض في قضايا تفصيلية.
كما برزت في سياق هذه اللقاءات التفاوضية الرعايةُ الأمريكية المباشرة التي اقتضت في عدد من المناسبات الحضور الشخصي لوزيرة الخارجية الأمريكية، لا سيما كلما آلت المفاوضات إلى التعثر والجمود على خلفية تباعد المواقف المعلنة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ولعل من الأسباب المباشرة التي دفعت الولايات المتحدة للانخراط مجددًا في عملية التسوية، وابتداعها مسار أنابوليس، هو تعمق المأزق الأمريكي في العراق الذي خلص تقرير بيكر- هاملتون إلى عدة توصيات منها أن البدء في عملية تسوية حقيقية للصراع العربي-الإسرائيلي من شأنه وقف حالة العداء المتصاعدة في العالميْن العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة. وهي رؤية تبتعد كثيرًا عن الرؤية الإسرائيلية[12].
وفي أوقات كثيرة، استغلت السياسة الأمريكية هيمنتها على ملف التسوية لتعميق الصدع الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، مستكملةً الجهود الإسرائيلية الحثيثة في هذا الصدد التي بدأت منذ مؤتمر مدريد ومحاولات إيجاد وتوظيف الفوارق بين الوفد التفاوضي في واشنطن برئاسة حيدر عبد الشافي (الذي كان يربط بين استمرار المفاوضات ووقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية)، وبين المواقف الأكثر مرونة لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، والتي قادت في النهاية إلى توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993.
وعلى سبيل المثال، وأثناء زيارة الرئيس بوش لإسرائيل في يناير 2008، أوضح الرئيس الأمريكي أن أي اتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يستوجب إعادة الرئيس عباس إلى السلطة في قطاع غزة، وإلا لن يكون بالإمكان تنفيذ هذا الاتفاق طالما ظلّت حماس في الحكم. وكانت الكتابات الإسرائيلية تشير بشكل متكرِّر إلى أن أي تقدم في المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني ليس في صالح حركة حماس[13].
ورغم التغطية الإعلامية الهائلة التي سبقت انعقاد مؤتمر أنابوليس، وإصرار الولايات المتحدة على جعل المؤتمر مفتاح توجيه عملية التسوية في العام الأخير من ولاية الرئيس جورج بوش، إلا أن السلوك التفاوضي الإسرائيلي بعد المؤتمر لم يخرج عن سماته المعتادة منذ مؤتمر مدريد أواخر أكتوبر1991 سابقًا، ومنها[14]:
– الإصرار على التفاوض المباشر بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لتحقيق هدفين: أولهما إخراج الأمم المتحدة من دائرة المشاركة في حل الصراع، والثاني طي المرجعية القانونية الدولية للصراع واستبدال الأمر الواقع بها كلما أمكن ذلك. وهو ما يعبّر عن الرغبة الإسرائيلية في تفتيت جبهة الخصم العربي وحرمان الفلسطينيين من أي مساندة رسمية عربية. ويترتب على ذلك تكريس مبدأ “ثنائية التفاوض وقطريته”؛ مما يعني إفراغ صراع الأمة مع إسرائيل من مدلولاته التاريخية كصراع بين الأمة وحركة الاستعمار الغربي.
– حصر الدور الأمريكي ضمن صيغة تشجيع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على التفاوض ونقل الأفكار والتحاور بشأنها لا أن تلعب دور “الحكم والرائد الموجِّه”.
– أن تراعي أية عملية تفاوضية مفاهيم “الأمن الإسرائيلي”، و”الحدود الآمنة” و”العمق الاستراتيجي”، التي تشكل بالنسبة للمفاوض الإسرائيلي الهدف الأسمى لعملية التفاوض.
– تسخير العملية التفاوضية لكي تأخذ إسرائيل ما تريده دون أن تعطي شيئًا، وعدم تقديم أي تنازلات ذات طابع ماسٍّ بحقوق إسرائيل ذاتها، واستهلاك الوقت في اكتشاف المفهوم العربي عن “طبيعة السلام”، والسعي إلى جرِّ الطرف الآخر إلى تنازلات متتالية باسم “بناء الثقة”.
– النكوص عن الالتزامات الإسرائيلية ما دامت المصلحة العليا تقتضي ذلك. فمثلاً في أول جلسة للحكومة الإسرائيلية بعد لقاء أنابوليس (2/12/2007) نفى أولمرت أن يكون التزم في أنابوليس جدولاً زمنيًّا محددًا لإنهاء المفاوضات مع الفلسطينيين. وقال: “قطعًا ليس هناك أي التزام بجدول زمني محدد لهذه المفاوضات، لكن ستكون هناك جهود لتسريعها على أمل إنهائها خلال عام 2008”. وأضاف “لن نطبق أي التزام قبل أن يتم تنفيذ كل استحقاقات خريطة الطريق”[15].
لذلك يمكن القول إن السلوك التفاوضي الإسرائيلي بعد مؤتمر أنابوليس يثبت أن السياسة التفاوضية للدولة العبرية ذات صلة واضحة باستراتيجية أوسع لإدارة الصراع؛ استراتيجية تحمل معاني الاستمرارية والتواصل والإصرار على تحقيق الأهداف العامة مع إمكانية القبول ببعض التغيرات الجزئية الطفيفة التي لا تتناقض ولا تخلُّ بالأهداف العامة. فما حدث في السلوك الإسرائيلي بعد مؤتمر أنابوليس هو تطوير تكتيكات جزئية لم تخرج مطلقًا عن الإطار الحاكم للسياسة الاستعمارية الإسرائيلية. هناك خمسة أمور مترابطة تتعلق بالاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية بعد مؤتمر أنابوليس: أولها المسعى الإسرائيلي لتخفيض سقف التوقعات الفلسطينية والعربية من هذا المؤتمر مع الحرص على عدم توتير العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية في عام الانتخابات الأمريكية. وثانيها العودة إلى سياسة التلاعب بالمسارات التفاوضية واصطناع التنافس بين التوجه نحو التسوية على المسارين السوري والفلسطيني. والأمر الثالث فرض الاعتبارات المتعلقة بالداخل الإسرائيلي على أجندة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التمهيدية، وهو ما يمكن اختصاره في مصطلح ” توزيع الأدوار بين القوى الإسرائيلية”. الأمر الرابع تقديم حكومة أولمرت لبعض التسهيلات المفخخة (التنازلات) لإقناع سلطة رام الله بالاستمرار في المراهنة على عملية التسوية، وأخيرًا لجوء الحكومة الإسرائيلية إلى تصريحات متفائلة أحيانًا للحفاظ على هدف استمرار المفاوضات.
وأثناء زيارة الرئيس بوش الأولى في عام 2008 لإسرائيل، ألقى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز كلمة ترحيبية تعرّض فيها لمسألتين أساسيتيْن: التهديد الإيراني، وحلم الرئيس بوش بدولتين لشعبين. ومما جاء في هذه الكلمة قول بيريز إن السلام يمكن له أن يتقدم في ثلاثة مسارات: المسار السياسي المتمثل في وضع إطار لدولتين، والمسار الاقتصادي المتمثل في رفع مستوى المعيشة على كلا جانبيْ الحدود، والمسار الأمني المتمثل في وضع حدٍ للتطرف الإيراني وحزب الله وحماس[16].
كما ذكَّر الرئيسُ الإسرائيلي ضيفه بأن “الاثني عشر شهرًا القادمة ستشكل اختبارًا حقيقيًّا لا يجب أن ينتهي بالكلام فقط، فهي بمثابة مرحلة مصيرية. ولو لم يتم استغلال الوقت لصنع سلام، فإن التسلح المدمر والإرهاب سيسيطران على الوضع، فلا يجب أن نُضيِّع هذه الفرصة”[17].
وبشكل عام، طغى على الجهود الإسرائيلية والأمريكية -في سياق تفاعلات عملية التسوية- الحرص الشديد على تحويلها إلى “عملية علاقات عامة ممتدة”، وسلسلة من التصريحات التي لا تنتهي، والتي تتمحور حول إمكانية أو عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني سواء في صيغة “إعلان مبادئ” أو “اتفاق رف” (يُنظر فيه فيما بعد) أو اتفاق تفصيلي حول قضايا الوضع النهائي يشكل حزمة واحدة كما يطالب المفاوضون الفلسطينيون؛ ففي سياق زيارتها لإسرائيل والأراضي الفلسطينية في أغسطس 2008حرصت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس على تأكيد أنها ما زالت تهدف للتوصل لاتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني قبل نهاية 2008, لكنها قللَّت من فرص التوصل لأي اتفاق جزئي سريع. واستبقت الحكومة الإسرائيلية وصول رايس بالإفراج يوم 25/8/2008 عن 198 أسيرًا فلسطينيًّا، فيما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أنه لن يكون هناك سلام مع إسرائيل بدون الإفراج عن جميع الأسرى. وقالت رايس, في تصريحاتها إن الفرصة ضئيلة في التوصل إلى اتفاق ما في صورة مكتوبة في وقت مناسب للجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبدأ أعمالها في سبتمبر 2008[18].
وبذلك انتقلت عملية التسوية إلى مستوى جديد من التغطية على السلوك الاستعماري الإسرائيلي؛ إذ أصبحت التسوية تختصر في مسألتين بالغتي الشكلية؛ تتعلق أولاهما بضرورة استمرار اللقاءات التفاوضيةالإسرائيلية–الفلسطينية دون ربطها بنتائج متوقعة لدى الطرف الفلسطيني في استعادة حقوقه؛ فالمعادلة التفاوضية باتت تدور حول صيغة “التفاوض من أجل التفاوض”. أما المسألة الثانية فتتعلق بالإفراج عن عدد محدود من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ضمن ما يُسمى “خطوات أو مبادرات حسن النية الإسرائيلية” تجاه سلطة رام الله.
أما على الأرض فقد تصاعد طرح مناقصات مشروعات الاستيطان الإسرائيلية الجديدة في الشهور الثمانية الأولى من عام 2008 بنسبة 550% مقارنة بما كان عليه الحال طيلة عام 2007 (بحسب ما جاء في تقرير حركة “السلام الآن” الإسرائيلية الصادر في 26 أغسطس 2008). وقد تزامن نشر هذا التقرير مع الزيارة السابعة للوزيرة رايس إلى تل أبيب ورام الله منذ مؤتمر أنابوليس[19]. وقد اكتفت رايس في مؤتمر صحفي أعقب لقاءها مع الرئيس عباس في رام الله، بحثِّتل أبيب على تجنب تقويض جهود السلام مع الفلسطينيين بالاستيطان، وقالت إنها لا توفر بيئة تسمح بتقدم المفاوضات بين الجانبين[20].
ومن خلال تحليل السلوك التفاوضي الإسرائيلي بعد مؤتمر أنابوليس تتضح عدة أمور؛ أولها بروز الإصرار على اعتراف الفلسطينيين والعالم بإسرائيل دولةً يهودية كما جاء في كلمة إيهود أولمرت أمام المؤتمر. وكان في ذلك يُكرر مطالبة شارون بالأمر نفسه في قمة العقبة (يونيو 2003)، الأمر الذي استجاب له الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب الضمانات الذي أعطاه لشارون في أبريل 2004. والهدف من المطالبة بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل هو إنهاء أي مطالبات فلسطينية محتملة بتطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى “طموح إسرائيل إلى أن يتحول الاعتراف بها إلى اعتراف بالصهيونية، وبالتالي يتحول الاعتراف العربي من اعتراف واقعي إلى اعتراف بشرعيتها التاريخية، وهذا يعني أنها كانت تاريخيًا على حق والعرب على خطأ. وفضلاً عن نفي هذا الاعتراف – إذا حدث – لحق عودة اللاجئين، فإنه إنجاز سياسي معنوي ثقافي يعادل إقامة دولة إسرائيل لا في الواقع الملموس فحسب، بل في الثقافة والفكر والخطاب السياسي أيضًا”[21].
أما الأمر الثاني فيتعلق بعودة إسرائيل للمطالبة بتوقيع “اتفاقات إطار” من شأنها تأجيل قضايا الحل النهائي، وهو ما يُقصد به إغراق الطرف الفلسطيني في تفاصيل وجولات تفاوضية معقدة دون تقديم أي التزام إسرائيلي فعلي بتحقيق أي شئ من مطالبه في القدس أو وقف الاستيطان أو غيرها من القضايا. مما يعني أن إسرائيل تريد أن تظل عملية التسوية تدور في حلقة مفرغة في إطار استراتيجية واضحة تدير بها الصراع مع الطرف الفلسطيني لتجريده من كل أوراق قوته وتجنب بحث القضايا المصيرية ومنع المفاوض الفلسطيني من التفرغ لمناقشة كيفية إزالة الأمر الواقع الذي تخلقه إسرائيل يوميًا لاستكمال مشروعها الاستيطاني والأمني في الضفة الغربية.
وإذا كان البعض وجد مبرّرًا لعقد اتفاقات إطار في مراحل سابقة أو تفاهمات غير رسمية مثل وثيقة جنيف أو غيرها، فإن هذا غير ملائم اليوم بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على توقيع اتفاق أوسلو دون أن تنشأ دولة فلسطينية كما كان مفترضًا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في مايو 1999.
أما الأمر الثالث فيتعلق برغبة إسرائيل في حصر المفاوض الفلسطيني في إطار التفاوض على تحسين ظروف معيشة الفلسطينيين اليومية وشغلهم بالأمور الجزئية، ويمكن في هذا السياق فهم دوافع عمليات المداهمة الإسرائيلية المتكررة على مدن الضفة، أو التراجع الإسرائيلي عن العفو عن العناصر المسلحة التي سلمت سلاحها للسلطة الفلسطينية، أو الضغط على السلطة بتأخير تسليمها عائدات الضرائب.

2- العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة وإشكاليات التهدئة وغلق المعابر

رغم تواتر الحملات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة في عام 2008 (خصوصًا في شهور يناير وفبراير ومايو ونوفمبر وديسمبر)، إلا أن هذه العمليات لم تنطلق من استراتيجية عسكرية واضحة أو متماسكة، ناهيك عن فشل قوات الاحتلال في تحقيق إنجازات سياسية ملموسة أثناء هذه العمليات، إلا لو اعتبرنا أن إسقاط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الفلسطينيين هو هدف سياسي بحد ذاته.
وفي هذا المعنى كتب تسفي بارئيل في هآرتس متسائلاً “ما هي الاستراتيجية العسكرية التي تتصرف إسرائيل وفقًا لها في غزة. هذه مسألة لم يعد أحد يطرحها. ليست هناك استراتيجية. هناك ردود فعل وهي تتكرس وتتحدد يوميًا وفقًا لمزاج حماس. لذلك يجدر التمعن في استراتيجية حماس. هذه هي المسألة بالضبط التي لم يطرحها بعد أي قائد سياسي أو عسكري إسرائيلي”[22].
وضمن فصول التصعيد العسكري ضد قطاع غزة كانت إسرائيل قد شنّت عملية عسكرية في 27/2/2008 وسمتها “الشتاء الساخن”، وأسفرت في أربعة أيام عن حصد أرواح ما يزيد على مئة وعشرين فلسطينيًا. وهي العملية التي استفزت المقاومة الفلسطينية للرد عليها بعملية استشهادية نوعية في القدس الغربية يوم 6/3/2008 من خلال استهداف مدرسة دينية يهودية في القدس، وسقط في العملية 8 إسرائيليين إضافة إلى أكثر من 40 جريحًا.
ويمكن القول إن العلاقة الصراعية بين قطاع غزة والكيان الإسرائيلي قد مرَّت منذ عبور الفلسطينيين للحدود المصرية في23 يناير 2008 بواحدة من أعنف مراحلها؛ إذ تجلّت إرادة الصمود لدى سكان غزة على نحو يذكِّر بأجواء انتفاضة 1987 لاسيما في مستوى تكاتف المجتمع لحظة تشييع الجنازات الجماعية، ناهيك عن المسيرات المتعددة التي جابت أنحاء القطاع والسلسلة البشرية لفك الحصار عن غزة والأنشطة المختلفة التي اهتمت بتنظيمها “اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار” برئاسة النائب جمال الخضري، والتي كانت تنسق أغلب الأنشطة المتعلقة بكسر الحصار خصوصًا مع المتضامنين الدوليين ومنظمة “غزة حرة”.
وأسهمت هذه الأنشطة الرامية لفك الحصار في تزايد الانتقادات لسياسة الحصار، الأمر الذي دفع دولة الاحتلال إلى استكمال تنفيذ سياستها بالأدوات العسكرية بعد أن فشلت أداة الحصار الاقتصادي في تركيع المقاومة. وقد عادت التفاعلات الصراعية بين الاحتلال وقوى المقاومة في غزة إلى أعلى درجات الصدام مع انطلاق الحملة العسكرية الوحشية المسماة “الرصاص المنهمر” في 27 ديسمبر 2008، وذلك بعد تهدئة تكتيكية لمدة ستة أشهر خفّضت مستوى التصعيد العسكري بين قوات الاحتلال وقوى المقاومة في غزة دون أن تعالج أيًا من أسباب الصراع الحقيقية بين الطرفين.
ومن جهة أخرى، احتدم الجدل الإسرائيلي الداخلي على مدى عام 2008 حول كيفية التعامل مع الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة، وحول مدى صحة توقيع اتفاق للتهدئة مع حركة حماس. وبرز في هذا الجدل ثلاثة اتجاهات على الأقل؛ أولها يرى أن قرار التهدئة يعبر عن ارتباك القرار الإسرائيلي على الصعيد الاستراتيجي ويمكن أن يوصل إلى انتفاضة ثالثة. و عبّرت عن ذلك افتتاحية هآرتس في 11/3/2008 تحت عنوان “الوضع الحالي تربة صالحة لانتفاضة أخرى”.
ومما جاء في الافتتاحية أن السياسة الإسرائيلية عاجزة عن تبني مفهوم شامل أمام مواطنيها يمكن أن يصف ما هي الحدود الدائمة التي تتطلع إسرائيل لها، وماذا ستكون مكانة القدس، وماذا سيكون مصير المستوطنات. كما أن السلطة في رام الله غير قادرة على أن تعرض على مواطني الضفة الغربيّة والقطاع بديلاً أفضل للوضع المشوّه الذي يعيشونه ما دامت المفاوضات لا توفّر أفقًا سياسيًا أو على الأقل توفير سيناريو إيجابي يمكنه تشجيع الفلسطينيين، مما يُضعف رغبة السلطة في التعاون في المجال الأمني مع إسرائيل. و” تخشى محافل الاستخبارات الإسرائيلية من هذا الوضع، الذي من شأنه أن يُشكِّل تربة لنشوء انتفاضة أخرى. والأخطر من ذلك هو أنه طالما تجذّر الإحساس بعدم الفائدة من المباحثات مع إسرائيل، فإن حماس يمكنها أن تواصل الادعاء بأنه من خلالها فقط يمكن أن يتحقق تغيير في موقف إسرائيل. وعلى هذه الخلفية من الصعب أن نفهم لماذا تواصل إسرائيل جرَّ أقدامها ولا تتوصل إلى اتفاق حقيقي مع السلطة”[23].
أما الاتجاه الثاني بخصوص التهدئة فقد شكك في صحة القرار الإسرائيلي بالتهدئة مع حماس؛ إذ إن حكومة أولمرت في طريقها إلى اتفاق التهدئة حطمت التفوق الاستراتيجي الأهم الذي احتفظت به في يدها منذ صعود حماس إلى الحكم، وهو “تفوق الرفض”: رفض الحديث مع حماس، ورفض الاعتراف بشرعية حكمها، ورفض التوصل معها إلى حلول وسط[24].
وبعيدًا عن هذا الاتجاه الذي يرى في توقيع التهدئة مكسبًا صافيًا لحركة حماس على حساب إسرائيل، فإن اتجاهًا ثالثًا نَظَرَ إلى التهدئة بوصفها الخطوة الأخيرة قبل قيام إسرائيل بعملية واسعة في قطاع غزة؛ وفي هذا السياق كتب أري شابيط: “على ما يبدو لن يكون هناك مفر من العملية العسكرية آخر المطاف. إسرائيل وحماس موجودتان على مسار التصادم. ولكن بما أن ترتيبات العملية العسكرية قد تكون صعبة، كان لزامًا على إسرائيل استنفاد كل إمكانية أخرى أولاً، وذلك حتى تعرف كل أمٍّ قد تفقد ابنها في غزة هذه الحقيقة مسبقًا، وحتى يعرف كل مواطن إسرائيلي يعيش في محيط غزة أنه قد يتضرر خلال القتال ضد حماس، وحتى يعرف الرئيس المصري أن إسرائيل لم تلجأ إلى العملية العسكرية التي يخشى منها المصريون، قبل أن تعطي إسرائيل فرصة للعملية السياسية التي بادرت إليها القاهرة”[25].
وبصرف النظر عن قضية مكاسب إسرائيل أو خسائرها من التهدئة مع حماس، يبقى مهمًا ملاحظة أن جزءًا من الكتابات الإسرائيلية أخذ يلتفت إلى حقيقة المأزق الذي تواجهه إسرائيل وصعوبة جميع خياراتها بشأن التعامل مع قطاع غزة؛ مما حدا ببعض الكتّاب إلى توجيه النقد الحاد لحكومة إيهود أولمرت الضعيفة التي يتورط رموزها في قضايا فساد ومزايدات شخصية عقيمة، بشكل يمثل خطرًا مباشرًا على أمن إسرائيل وصورتها أمام العالم[26].
ولأسباب تتعلق بالوضع الداخلي الإسرائيلي الذي يعاني من مظاهر سلبية على الصعيدين الأمني والسياسي بعد حرب لبنان صيف 2006، وبالنظر إلى طبيعة تدهور العلاقة الإسرائيلية مع قطاع غزة بعد سيطرة حماس عليه منتصف يونيو 2007، يبدو واضحًا أن اتجاه السياسة الإسرائيلية نحو قرار التهدئة كان ينطوي على خمس دلالات؛ أولها أن إسرائيل كانت تريد الحصول عليه دون ثمن أو دون ربطه بتقديم شيء للفلسطينيين في قضايا أخرى مثل الرفع الكامل للحصار عن غزة، والثانية أنها ساومت عليه كثيرًا وحاولت رهنه بإطلاق سراح الجندي المختطف لدى حماس والفصائل، والثالثة أنها تعاملت مع التهدئة بمفهوم براجماتي انتقائي يسمح لها بخرقه أو غلق المعابر وقتما شاءت وإظهار مسألة فتحها كأنها تنازل إسرائيلي كبير. أما الدلالة الرابعة فهي أن قوات الاحتلال مارست التصعيد المتعمد حتى الساعات الأخيرة السابقة لدخول التهدئة حيز التنفيذ صباح 19/6/2008 فقصفت مخيم البريج، مما يعكس الدمج الواضح الذي تعتمده السياسة الإسرائيلية بين الأساليب الأمنية والعسكرية والسياسية والعقوبات الاقتصادية.
أما الدلالة الخامسة والأخيرة فهي أن قرار التهدئة لا يعكس توجُّهًا إسرائيليًا استراتيجيًا أو ثابتًا قدر ما يعكس رغبة في التريث قليلاً قبل اتخاذ قرار متوقع (من الحكومة التي ستخلف حكومة أولمرت الضعيفة) بتصعيد العدوان على قطاع غزة لإسقاط حكومة حماس، بعد أن تكون المتغيرات الدولية والإقليمية مواتية لمثل هذا العمل العسكري الذي يبدو أن خطط تنفيذه موجودة لكنها في انتظار من يتخذ القرار السياسي ويتحمل مسؤوليته وكلفته الأمنية والبشرية، وضمن عدة سيناريوهات محتملة يبقى الأرجح منها متعلقًا باستمرار التضييق والخنق الاقتصادي والتلاعب بمسألة المعابر بهدف استنزاف القاعدة الشعبية لحركة حماس قبل التحول إلى قرار تكثيف الضربات العسكرية من خارج قطاع غزة، دون التورط بشكل مباشر في اجتياحه اجتياحًا شاملاً مما قد يُعقد الأوضاع أكثر لا سيما في مسألة إدارة أوضاع القطاع في اليوم التالي لانتهاء العمليات العسكرية.
وتشير المؤشرات المختلفة إلى أن إسرائيل ستظل تتخبط في تعاملها مع قطاع غزة الذي تحوّل إلى مشكلة حقيقية أمام السياسة الإسرائيلية. وثمة إدراك إسرائيلي متزايد لقوة حركة حماس ونفوذها في القطاع – كما جاء في استطلاع “مقياس السلام” الإسرائيلي الذي أجري يومي 3و4 ديسمبر2007، والذي كشف عن أن 71% من المبحوثين يعتقدون أن السلام مع الفلسطينيين غير ممكن بدون حماس[27].
ولكن مع ذلك يبدو أن أجهزة القرار في إسرائيل لا تزال بعيدة عن اتخاذ قرار بإجراء مفاوضات مع حركة حماس، خصوصًا أن تجربتها في الحكم منفردة أو داخل حكومة وحدة فلسطينية لم تثبت استعداد حماس للاقتراب من المطالب الإسرائيلية. ولذلك تحتاج إسرائيل إلى وقت ليس بالقصير حتى تعترف بحركة حماس طرفًا مفاوِضًا، بدليل رفض إسرائيل لإتمام صفقة تبادل للأسرى مع الحركة رغم كثرة الحديث عن ذلك على مدار الشهور الأخيرة قبل استقالة إيهود أولمرت في 16/9/2008، وذلك خوفًا من الدلالات المحتملة لصفقة التبادل التي تعني ضمنًا الاعتراف بالمكانة التفاوضية لحركة حماس، وهو ما يضرُّ بالمساعي الإسرائيلية والدولية لعزل الحركة وإضعافها. مما يعني أن النمط السائد للعلاقة بين إسرائيل وحركة حماس سيبقى متأرجحًا بين التصعيد والتهدئة التكتيكية في دورات زمنية يتعذر حساب مدتها نظرًا لارتباطها بعوامل عديدة شديدة التعقيد، وبعض هذه العوامل ذو امتدادات إقليمية ودولية[28].
ويمكن من رصد مجمل السياسة الإسرائيلية تجاه الصراع مع الطرف الفلسطيني القول إنها نجحت إلى حد ليس بالقليل في فصم عرى العلاقات الفلسطينية الداخلية واستثمار الخلافات الفلسطينية سياسيًا إلى أقصى حد ممكن، وتكريس الانفصال بين شطريْ الوطن الفلسطيني، ثم تحميل الفلسطينيين مسؤولية تعطيل عملية التسوية لإخفاء حقيقة تحوّل السياسة الإسرائيلية عن أفكار الاتجاه القائل بالتفاوض مع الفلسطينيين والاندماج في المنطقة العربية اقتصاديًا – الذي يعتبر شيمون بيريز أبرز رموزه – لإفساح الساحة أمام عودة السياسات الإسرائيلية التقليدية القائمة على الاستيطان وفرض الحل النهائي الذي تؤيده إسرائيل بالقوة وليس بالتفاوض، مع بث دعاية خارجية مكثّفة ترتكز على حجج متغيرة تتراوح ما بين “غياب الشريك الفلسطيني”، وضعف السلطة في رام الله بما يمنعها من ضمان تنفيذ أي اتفاق سلام في حال التوصل إليه. ناهيك عن الحجة الجديدة المتعلقة باستمرار سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وتحويله إلى قاعدة لتهديد مناطق بعينها في إسرائيل بالصواريخ.

3- السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان وحزب الله

شهد عام 2008 استمرار الاهتمام الإسرائيلي بتطورات الداخل اللبناني خصوصًا بالنسبة لتعزز موقع حزب الله في الخريطة السياسية اللبنانية الذي يمكن اعتباره واحدًا من نتائج اتفاق الدوحة الموقّع في 21/5/2008.
ورغم بعض لحظات التوتر، وسيادة لغة التهديدات المتبادلة بين قادة حزب الله والمسئولين الإسرائيليين، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لجدار الصوت فوق بيروت، إلا أنه يمكن القول إن كلا الطرفين لم يكن راغبًا -في عام 2008- بدفع الأمور نحو حافة الهاوية أو العودة إلى نمط المواجهة الصريحة، رغم وضوح استعداد الطرفين لجولة أخرى من الصراع العسكري الذي ينتظر القرار السياسي ليس إلا. ولعل ذلك يعود جزئيًا إلى ارتباط المواجهة المحتملة بين الطرفين مستقبلاً بالظروف الإقليمية والدولية. وكذلك بسبب استقرار قواعد اللعبة بين الطرفين إلى حد بعيد بعد تحول حزب الله إلى لاعب إقليمي يُعتد به؛ إذ بات الحزب يتصدى في كثير من الأحيان للحديث باسم مشروع المقاومة في المنطقة، بل ويمارس مستوى معينًا من الحرب النفسية ضد الكيان الإسرائيلي كلما سنحت الفرصة للحزب للقيام بذلك.
وليس أدل على هذا من تصريحات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والتي أعقبت جولة الرئيس بوش على عدد من دول المنطقة في يناير 2008؛ فقد هدّد نصرُ الله في خطابه يوم 19/1/2008 إسرائيلَ بحرب تُغيّر مسار المعركة ومصير المنطقة بأكملها إذا شنّت حربًا على لبنان، كما ناشد العرب والمسلمين حكوماتٍ وشعوبًا –تعليقًا على مجزرة حي الزيتون في غزة التي راح ضحيتها خمسة عشر فلسطينيًا- بالوقوف إلى جوار قطاع غزة المحاصر، وعدم ترك مصيره لأولمرت الذي يريد الاحتفاظ بكرسيه من خلال قتل الأبرياء في قطاع غزة. وتحدث أيضًا عن التزامه بقضية استعادة الأسرى رغم مماطلة السياسيين الإسرائيليين الذين يكذبون على مجتمعهم ويفاخرون بأنهم لا يتركون أجساد قتلاهم أو مرضاهم في الأرض؛ فهذا الجيش الإسرائيلي “فقد صدقيته التي يتمتع بها، وكان هزيلاً وضعيفًا في الميدان تجاه عدد كبير من جنوده الذين قتلوا”[29].
وبعد أقل من شهر، عاد حسن نصر الله ليهدّد بحرب مفتوحة ضد إسرائيل أثناء مشاركته في مهرجان تشييع عماد مغنية (الحاج رضوان) في بيروت 14/2/2008، واعتبر أن اغتيال مغنية يأتي في سياق حرب 2006 التي لم تنتهِ ولا زالت مستمرة على المستوى السياسي والأمني. وذكّر الإسرائيليين بما قاله بن غوريون من أن “إسرائيل تسقط بعد خسارة أول حرب”، واعتبر أن هذه الحرب هي حرب 2006 التي أجمعت إسرائيل بيمينها ويسارها ومتطرفيها على القول إنها خسرت الحرب كما جاء في تقرير فينوجراد[30].
ومن الملاحظ أن الخطاب الإسرائيلي تجاه لبنان ظلَّ يعتمد لهجة التهديد والتصعيد المستمريْن، الأمر الذي كان يؤدي إلى تهديدات مقابلة من حزب الله. وباستثناء مرة واحدة، لم تتوقف إسرائيل عن إطلاق التهديدات ضد حزب الله ولبنان؛ ففي اجتماع للحكومة الإسرائيلية في 9/6/2008 قال رئيس الوزراء إيهود أولمرت لأعضاء حكومته إنه يأمل أن يتبع لبنان نهج سوريا في بدء محادثات سلام مع إسرائيل. لكن البعض رأى في هذه التصريحات أن أولمرت “لم يكن يطالب بمحادثات مع لبنان, ولكن كان يعرب عن أمله في أن تتهيأ الظروف لإجراء مفاوضات”[31].
ولعل هذا التصريح كان يهدف إلى تهيئة الأجواء أمام صفقة تبادل الأسرى التي تمت بالفعل في 16/7/2008 بعد جدل داخلي إسرائيلي حاد اختلفت فيه الآراء حول تقييم صحة قرار إتمام الصفقة؛ فقد اعتبرت والدة الجندي إيهود جولدواسر قرار الحكومة بإتمام الصفقة “نصرًا لإسرائيل على حزب الله وزعيمه الذي يقاتل لتحرير قاتل- تقصد سمير القنطار – ويخطط للاحتفال بتحريره. وهذا عار على الأمة اللبنانية. ولذلك أريد أن أرى شعبنا يرفع رأسه بكبرياء ويقول لقد انتصرنا”[32]. أما الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز فقد التقى في 15/7/2008 بعائلات القتلى الذين سقطوا في العملية التي نفذها سمير القنطار عام 1979، وأعرب عن تعاطفه معهم وتفهمه لألمهم واعتراضاتهم على تحرير القنطار، لكنه طالبهم بأن يأخذوا بعين الاعتبار آلام أسرتي جولدواسر وريغيف اللتين تكمن أمامها فرصة لعودة ولديهما إلى إسرائيل. وأكد بيريز أن قلبه وقلب الشعب يتمزق ألمًا بسبب القرار الصعب بتحرير القنطار”[33].
أما الصحف الإسرائيلية فغصّت بالتحليلات حول دلالات صفقة التبادل، وبرز فيها رأي يرى أن إبرام الصفقة فيه خضوع لما تمليه ضغوط الرأي العام وجماعات الضغط والحملات الإعلامية، وليس فيه قرار حاسم للحكومة مما يُضعف قوتها ويهز صورة إسرائيل التي كانت في الماضي هي الرائدة في خطف من يهددون مصالحها مثل فانونو وإيخمان وغيرهما. ومن ثم ستثبت هذه الصفقة نجاح أدوات حماس وحزب الله الذي خرج في صورة أقوى أمام العالم العربي بعد الصفقة، مما يجعل الاختطاف وسيلة قابلة للتكرار ويجعل إسرائيل عرضة للابتزاز من موقع الضعف[34].
وهناك من أشار بعد الصفقة إلى توقعات اللواء عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أن يقوم حزب الله بمحاولة تنفيذ عملية على الحدود الشمالية بعد استكمال التبادل، لأن الحزب يرى أن بعض الملفات لازالت مفتوحة مثل مزارع شبعا وقرية الغجر وتصفية عماد مغنية. لكن الأهم من ذلك هو كيفية التعامل مع قضية صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى[35].
هذا فضلاً عن الربط بين تصاعد خطر حزب الله وحماس على خلفية تآكل الردع الإسرائيلي، وتحذيرات رئيس الشاباك يوفال ديسكين عن توقعات بأن يظهر فلسطينيون آخرون يقلدون منفذ عملية الجرافة الأولى في القدس التي جرت في 2/7/2008، وانتقاده الحاد لعدم وجود تدابير ردع إسرائيلية في شرق القدس.
وفي سياق بروز ما سمّاه ديسكين “تهديدات الإسلام الراديكالي لإسرائيل” سواء من حزب الله أو حماس قال “إن إسرائيل قد مدت لحماس حبل خلاص من خلال التهدئة الأمر الذي يوفر لها فرصة لالتقاط أنفاسها. من خلال المنظور العام وضعنا إشكالي جدًا في الصراع ضد الإسلام الراديكالي”. ويذكر ديسكن سلسلة أحداث خلال السنوات الثلاث الأخيرة: “فك الارتباط، صعود حماس للحكم في غزة، حرب لبنان الثانية، والآن عملية التهدئة. تعاظم قوة حماس السريع هو مسألة إشكالية لإسرائيل لأنها تظهر ضعيفة. الأحداث خلال السنوات الثلاث الأخيرة ألحقت ضررًا خطيرًا بقدرة إسرائيل على الردع. مستوى تجرؤ الفلسطينيين علينا ازداد منذ صعود حماس. هذا حدث نتيجة لتراجع مكانتنا”[36].
ولعل إحساس إسرائيل بتآكل صورتها الردعية في أعين حزب الله الذي تعزز وضعه في تركيبة حكومة الوحدة اللبنانية، هو ما حدا بوزير البيئة الإسرائيلي جدعون عزرا إلى القول في حديث للإذاعة العامة (20 أغسطس) إن إسرائيل ستعتبر كل الدولة اللبنانية هدفًا وستهاجم البنى التحتية المدنية في حال شن حزب الله حربًا عليها. وأضاف عزرا “اعتبارًا من اللحظة التي أعطت فيها الحكومة اللبنانية شرعية لـ حزب الله، يجب أن تدرك أن كل الدولة اللبنانية تشكل هدفًا بالطريقة نفسها التي تشكل فيها كل إسرائيل هدفًا للحزب(…) خلال حرب تموز (يوليو) 2006 فكرنا باحتمال مهاجمة البنى التحتية في لبنان، لكن هذا الخيار لم يُعتمد لأننا اعتبرنا آنذاك أن اللبنانيين ليسوا مسئولين جميعهم عن هجمات حزب الله”. أما الناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي مارك ريغيف فقد قال إن إسرائيل لا تعتبر الدولة اللبنانية عدوًا “لكن انطلاقًا من اللحظة التي سيطر فيها حزب الله على الحكومة اللبنانية، علينا أن نستنتج عواقب ذلك”[37].
وقد ردّ الرئيس اللبناني ميشيل سليمان على هذه التهديدات الإسرائيلية عند استقباله مساعد نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون آسيا والشرق الأقصى دايفيد هيل والوفد الأمريكي المرافق له؛ حيث صرح سليمان بأنه “لا يحق لإسرائيل إطلاق تهديدات ضد لبنان، خصوصًا أن لبنان يحترم تطبيق القرار 1701 بينما خرق هذا القرار هو باستمرار من الجانب الإسرائيلي(..) ولا يحق لإسرائيل التذرع بذرائع متعددة لتوجيه مثل التهديدات التي هي في حد ذاتها خرق للقرار 1701″، منبهًا من “مخاطر انتقال هذه التهديدات إلى حيز التنفيذ”[38].
وفي مرات كثيرة بدا كأن إسرائيل ُتجهِّز المسرح من أجل توجيه ضربة جديدة لحزب الله؛ فقد نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت في 15/8/2008 أن إسرائيل احتجت لدى قائد قوات اليونيفيل في جنوب لبنان كلوديو كرزيانو بسبب عدم إقراره بالعمليات التي يقوم بها حزب الله بإعادة التسلح في جنوب لبنان، حيث إن قرار مجلس الأمن 1701 يعتبر من مسؤوليات قوات اليونيفيل فرض حظر على التسلح في المنطقة. وتابعت الصحيفة الإسرائيلية بأن كرزيانو اعتبر- خلال مؤتمر صحفي- إسرائيلَ الجانب الوحيد المتهم بخرق قرار مجلس الأمن 1701، متجاهلاً تمامًا الانتهاكات الاستراتيجية للقرار التي يرتكبها حزب الله. وقالت يديعوت أحرونوت إن رئيس الوفد الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة دان كرمون التقى كرزيانو وأبلغه بقلق إسرائيل من تزايد قوة حزب الله وانتهاكاته لقرار مجلس الأمن الدولي[39].
ولعل مصدر قلق إسرائيل من حزب الله يعود في جزء منه إلى تحالفاته الإقليمية مع إيران وسوريا اللتين تتبع إسرائيل إزاءهما سياستين مختلفتين شكليًا ما بين التهديد العسكري لإيران وتحريض الغرب ضدها، وبين عروض السلام والتفاوض لسوريا، وإن كانت السياسة الإسرائيلية من حيث الجوهر تهدف إلى إضعافهما معًا وتجفيف منابع الدعم الإقليمي لحزب الله.
4- السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا ما بين التفاوض ورسائل التهديد المبطنة
ربما تكون العلاقة السورية الإسرائيلية هي أكثر العلاقات العربية- الإسرائيلية تعقيدًا من زاوية الوقوف على حقيقة التوجهات الإسرائيلية نحوها. ولعل هذا هو السبب الذي يفسِّر كثرة ما يُقال ويتردد من تصريحات وأنباء عن عملية التفاوض بين سوريا وإسرائيل دون أن يكون لها نتائج ملموسة منذ مؤتمر مدريد أواخر أكتوبر1991، وهو أمر يكشف عن حجم الملفات والقضايا العالقة في العلاقات السورية – الإسرائيلية التي تتخطى البلدين لتطال ملفات تتعلق بالمقاومة في فلسطين ولبنان والوضع في العراق وتحالف سوريا مع إيران، فضلاً عن علاقات سوريا بالقطب الأمريكي وتصوراته عن المنطقة العربية برمتها وأدوار الفاعلين الإقليميين فيها.
وكما أن السلوك التفاوضي الإسرائيلي إزاء المسار الفلسطيني لم ينفك عن التصعيد العسكريّ المتكرر بهدف جرِّ الخصم إلى التنازل قبل بدء المفاوضات وأثناء سيرها أيضًا، فإن هناك شواهد عديدة على اتباع إسرائيل لسياسة مشابهة على المسار التفاوضي السوري، مع مراعاة تكييف الاستراتيجية الإسرائيلية بما يتناسب مع المتغيرات الخاصة بالحالة السورية. وبعبارة أخرى، فإنه من الصعب فصل ما هو عسكري وأمني عما هو سياسي وتفاوضي في المسلك الإسرائيلي تجاه سوريا.
والملاحظ أن عودة إسرائيل للانخراط في تفاوض غير مباشر مع سوريا (بوساطة تركية) لم يحدث إلا بعد توجيه عدة رسائل صارمة للسوريين في مناسبات عدة منها: القصف الإسرائيلي لموقعٍ مهجورٍ في عين الصاحب في أكتوبر 2003، ثم قصف ما زعمت إسرائيل أنه منشأة نووية سورية في سبتمبر 2007، وأخيرًا الضربة الأشد التي تتعلق باغتيال عماد مغنية على الأراضي السورية في دمشق في فبراير 2008.
لا يجب إغفال تأثير التجاذبات والمزايدات الداخلية الإسرائيلية على موضوع التفاوض مع سوريا؛ فمنذ عام 1992 (الذي شهد التنافس بين الليكودي إسحاق شامير والعمالي إسحاق رابين) يُشكل الجدل حول هضبة الجولان وطبيعة السياسة الإسرائيلية المطلوبة تجاهها بندًا مهمًا في تصريحات السياسيين الإسرائيليين. وبينما كان شامير يؤكد على الارتباط القوي لحزب الليكود بمرتفعات الجولان وعزمه على مواصلة التمسك بها، كان رابين يقول إن مجرد إثارة فكرة نزولنا من مرتفعات الجولان هو بمثابة تخلٍ… أُكرِّر تخلٍ عن الدفاع عن إسرائيل”[40].
وبعد توليه منصب رئيس الوزراء اتجه رابين إلى إطلاق تصريحات توحي بالاستعداد للتفكير الجدي بالتنازل عن أجزاء من الجولان؛ ففي مقابلة إذاعية قال رابين إن إسرائيل ستكون مستعدة لتطبيق قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، وهذا يعني القبول بتقديم بعض التنازلات الإقليمية[41].
أما سوريا فلطالما تحدثت من ناحيتها وطالبت بتنفيذ ما سمي في حينه “وديعة رابين” الخاصة بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة حتى خط 4 يونيو 1967، فيما كان الإسرائيليون يحاولون إرجاء موضوع الانسحاب هذا إلى المحطات الأخيرة من المفاوضات، وذلك بغية ابتزاز المفاوض السوري واستغلال مسألة الانسحاب كورقة ضغط للحصول على تنازلات فيما يتعلق بعناصر السلام الأخرى ومقوماته[42].
وبمناسبة حلول العام 2008 أصدر مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية أهارون أبراموفيتش كتيبًا يتضمن أهداف الوزارة لهذا العام. وجاءت الأهداف على النحو التالي[43]:
– استبعاد سوريا من المحور الراديكالي في المنطقة. لكن مصادر في الوزارة أكدت أنه لم توجد بعد خطة واضحة لتطبيق هذا الهدف.
– دفع المسيرة السياسية في الشرق الأوسط بهدف التوصل إلى سلام شامل وتوفير الأمن لإسرائيل.
– حشد المزيد من التأييد الدولي ضد العناصر المتطرفة في غزة وزيادة التعاون بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية المعتدلة.
– تقديم إجابات دبلوماسية لمواجهة المخاطر الاستراتيجية الناجمة عن جهود إيران لامتلاك سلاح نووي.
– تحسين مكانة إسرائيل على الساحة الدولية، وتوسيع دائرة العلاقات الاقتصادية والتجارية لإسرائيل مع الأسواق العالمية، وتحسين صورة إسرائيل في العالم وتدعيم الصلة مع يهود الشتات ومكافحة معاداة السامية.
وتأكيدًا على فكرة إبعاد سوريا عن إيران، قال آفي ديختر وزير الأمن الداخلي في إسرائيل، في لقاء مع صحيفة صنداي تلغراف البريطانية في يناير 2008 إن بلاده تحاول إخراج سوريا من محور التأثير الإيراني باتفاق سلام شبيه بالذي عقدته مع مصر, يُضعف – حسب قوله – تأثير حزب الله ويضطر رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى مغادرة دمشق, ويحسِّن صورة إسرائيل وموقعها في العالم العربي. واستبعد ديختر تحقيق سلام مع الفلسطينيين عام 2008, وقال إن فقدان السلطة الفلسطينية سيطرتها على القطاع في يونيو 2007 يظهر أنها غير جاهزة لتولي شؤون الأمن تمامًا في حال قيام دولة فلسطينية.وقال إن غزة يجب أن تعود مجددًا تحت السيطرة قبل قيام الدولة, وإن عملية إسرائيلية كبيرة ضد حماس ومجموعات فلسطينية أخرى ستكون أمرًا ضروريًا في نهاية المطاف[44].
على صعيد آخر، ومع إدراك الإسرائيليين لتعقيدات التسوية مع سوريا، تسود في الدولة العبرية رؤية تقول إن الغاية السورية من أية عملية تفاوضية معها إنما ترمي إلى تحسين العلاقات السورية- الأمريكية. وعادةً ما يقول الإسرائيليون، إن دوافع السوريين في هذا المجال تتلخص في المصالح التالية:
– إزالة اسم سوريا من القائمة التي تحتفظ بها وزارة الخارجية الأمريكية للبلدان الداعمة للإرهاب، والتخلص من العقوبات المفروضة عليها بموجب هذه القائمة.
– الحصول على مكاسب اقتصادية شبيهة بتلك التي حصلت عليها القاهرة نتيجة التوقيع على اتفاقيتيْ كامب ديفيد.
-تحقيق نوع من الاعتراف الأمريكي بمكانة سوريا الإقليمية وموقعها المهم في المنطقة[45].
لا ريب أن إسرائيل تعرف المزايا الكثيرة التي يوفرّها التوصل إلى سلام مع سوريا؛ فهذه الخطوة “كفيلة بمنع الحرب القادمة التي ستكون حرب صواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، كما أنها ستفكُّ ارتباط سوريا بإيران، وستدفع دمشق إلى تجفيف منابع أسلحة حزب الله وطرد القيادات الإرهابية من أراضيها”[46]. هذا فضلاً عن أن “السلام مع سوريا سيحطم السدَّ الذي يقف في طريق السلام بين إسرائيل وسائر الدول العربية، وسيؤدي إلى التطبيع بين إسرائيل وجيرانها. كما أنه بمجرد أن يرى الفلسطينيون السلام بين إسرائيل وسوريا، سيسارعون بقبول شروط إسرائيل كي لا يبقوا في المؤخرة”[47].
لكن البروفيسور موردخاي كيدار (المتخصص في الشؤون العربية) يعارض هذه النظرة ويرى أن التنازل عن الجولان في حد ذاته لن يُسفر عن أي نتيجة إلا إذا كان جزءًا من تحول شامل في السياسة السورية، وينطلق في تحليله هذا من عدة ركائز[48]: أولها عدم تطابق سياسة بشار الأسد مع السياسة المصرية التي انتهجها الرئيس السادات الذي اختار الابتعاد عن السوفييت والتقارب مع الدول الغربية لحل المشكلات الاقتصادية المصرية، في حين لا يواجه الأسد وضعًا داخليًا ضاغطًا حتى يفعل الشيء نفسه.
أما الركيزة الثانية فتتعلق بعدم رغبة النظام السوري في الابتعاد عن إيران بل وخشيته من سخط الإيرانيين في حالة تخليه عنهم، وهو ما يفوق بكثير ثقة دمشق في إمكانية الاعتماد على الغرب.
إضافة إلى أن “سوريا ليست معنية بتغيير قواعد اللعبة في لبنان، وهي لا ترغب في نبذ حزب الله باسم السلام مع إسرائيل لأنها تعلم تمام العلم أنه قد يستولي في هذه الحالة على لبنان”. زيادة على أن السوريين لن يقبلوا (وهم فرسان القومية العربية) بالتنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بالعودة إلى داخل إسرائيل.
ثم تأتي الركيزة الخامسة المتعلقة بالداخل السوري وتوازناته وطريقة إدارة النظام لها؛” فالسوريون يريدون الجولان، ولكن استقرار النظام يهمُّهم أكثر من السلام ومن الجولان معًا. وحالة الحرب (حتى وإن كانت حالة ساكنة) تمنحهم مزايا لن يحصلوا عليها في وقت السلم”.
وإجمالاً للسياسة الإسرائيلية تجاه سوريا في عام 2008 يمكن القول إنها بقيت متشددة في جوهرها، مع إبداء قدر من المرونة الشكلية المتعلقة بالدخول في مفاوضات غير مباشرة بوساطة تركية. وكان واضحًا أن حالة الجدل الداخلي الإسرائيلية بشأن الجولان لا تعكس توجّهًا إسرائيليًا حقيقيًا (ولا حتى بدايات توجُّه) نحو إقرار تسوية مع سوريا تعيد إليها الجولان؛ فهو موضوع سيستغرق بعض الوقت على الأرجح. كما أن إسرائيل لم تتردد في توجيه رسالة قوية لسوريا باغتيال أبرز قيادي عسكري في حزب الله – عماد مغنية – على الأراضي السورية، في ضغط واضح على دمشق لكي توقف دعمها لحزب الله وحركة حماس.
وبشكل عام يمكن القول إن السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا لا تنفصل عن السياسة الأمريكية نحوها، وفي هذا الإطار تسعى الدولتان الحليفتان إلى إبعاد سوريا عن إيران وتجريد دمشق من أوراق المساومة المتمثلة في علاقاتها مع حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس. ولا ينفصل هذا المسعى المشترك للسياستين الأمريكية والإسرائيلية عن استخدام كافة أشكال الضغوط بما فيها اللجوء إلى الخيارات العسكرية كما حدث في القصف الأمريكي لمنطقة البوكمال السورية في نوفمبر 2008.

الجزء الثاني- السياسة الإسرائيلية تجاه الدائرة الثانية (الدول العربية)

تتنوع الأساليب والأدوات التي تلجأ إليها السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع الدول العربية المختلفة، لكن بشكل عام يمكن القول إن المدخل الاقتصادي وتشجيع الدخول في أطر اقتصادية أو تجارية أو مؤتمرات علمية أو ثقافية أو أطر دولية للحوار بين الأديان والحضارات، هي أكثر المداخل التي تستخدمها إسرائيل في علاقاتها مع الدول العربية بعد أن انحسرت بشكل كامل احتمالات نشوء صراعات عسكرية مباشرة ربما باستثناء الحالتين اللبنانية والسورية كما تقدّم. أما في حالتي العراق والسودان فهناك مؤشرات عديدة على وجود اتصالات ودعم إسرائيلي قد يرقى إلى حد التنسيق المباشر مع بعض الجماعات أو الحركات المتمردة، بهدف استكمال تفكيك وإضعاف هاتين الدولتين بما يخدم التطلعات الإسرائيلية والسياسات الغربية نحوهما.
فالأوضاع الاقتصادية المتردية في عدد كبير من الدول العربية -خصوصًا ذات الصلة المباشرة والتأثير الكبير في الصراع مع إسرائيل- لم تعد تسمح (في ظل النظم القائمة حاليًا) بالعودة إلى سياسات التعبئة ضد إسرائيل إلا على بعض مستويات العمل المدني أو الثقافي أو الأكاديمي، وكلها مجالات غير رسمية وإن كانت لا تخلو من تدخل الدولة أو مضايقاتها أو توجيهها في بعض الأحيان. وهي مجالات لا تزال إسرائيل تأمل في اختراقها وتعمل بجدٍ لإكمال حلقات حصارها على المجتمعات والاقتصادات العربية بعد أن فرغت من تكبيل النظم بقيود عديدة يمكن تلمسها بسهولة إذا نظرنا لعدم قدرة هذه النظم على التحرك لكسر حصار غزة مثلاً، وغير ذلك من القضايا التي يغيب فيها فعل النظم العربية.
ورغم ذلك، تبدو العلاقات العربية- الإسرائيلية متأرجحة بين سيناريوهات التعاون والصراع، بسبب وجود تعقيدات كثيرة فيها بعضها يتعلق بالقضية الفلسطينية ومماطلة الكيان الإسرائيلي في الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وبعضها الآخر يتعلق ببنية النظم العربية ذاتها ومشكلاتها الخاصة مع إسرائيل التي تظل منافسًا شرسًا حتى لو تم التسليم بها كدولة أمر واقع[49].
بيد أن الأمر اللافت هو أن تطور الأوضاع الداخلية في الدول العربية ينعكس بسرعة شديدة على تعاونها مع إسرائيل، وهنا يبرز النموذج الموريتاني الذي بدأت علاقاته مع إسرائيل في إطار نظام الرئيس معاوية ولد الطايع أواخر عام 1999، ثم تراجعت هذه العلاقات رويدًا رويدًا مع انقلاب العسكر عليه عام 2005، واستمر التراجع مع إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد ذلك.
وبعد الانقلاب العسكري الجديد الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز صيف 2008 اتضح أن العلاقات مع إسرائيل تواجه رفضًا شعبيًا متناميًا خصوصًا بسبب تزايد معارضة البرلمانيين والنخبة المثقفة له وتعرُّض السفارة الإسرائيلية في نواكشوط إلى هجوم مسلح في فبراير 2008. وقد أفضى الاعتداء الإسرائيلي على غزة الذي بدأ في 27 ديسمبر 2008 إلى خلق ظرف موضوعي جديد استغلته القوى الموريتانية للضغط في اتجاه قطع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما طالبت به قمة غزة الطارئة التي انعقدت في الدوحة 16 يناير 2009، وانتهى الأمر بالفعل إلى إغلاق السفارة الإسرائيلية في نواكشوط في مارس 2009[50].
وعلى صعيد آخر، ورغم مرور ثلاثين عامًا على توقيع المعاهدة المصرية-الإسرائيلية في 26 مارس 1979، لا زالت العلاقات المصرية-الإسرائيلية محكومة بأسس صراعية في أغلب الأحيان، ولازالت تلك المعاهدة تتعرض لانتقادات متكررة من القوى غير الرسمية في مصر[51]، وهي تتقلب هبوطًا ورتفاعًا وفقًا لتطورات الموضوع الفلسطيني والصراعات الثنائية بين مصر والكيان الإسرائيلي التي تعكس خلافًا واضحًا في الرؤى والمصالح حتى في حالة التفاعلات التعاونية المتعلقة بتصدير الغاز المصري لإسرائيل على سبيل المثال.
وبعيدًا عن هذين النموذجيْن الموريتاني والمصري، ستتعرض الدراسة هنا إلى وضع الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية في الربع الأول من عام 2008، في محاولة لاستخلاص بعض دلالاته.أشار تقرير هيئة الصادرات الإسرائيلية في يونيو 2008 إلى زيادة الصادرات الإسرائيلية لكل من مصر والأردن وتونس والمغرب والعراق. وخلال الربع الأول من عام 2008 بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية للبلدان العربية 145 مليون دولار، بما يمثل زيادة قدرها 48% عن الفترة المماثلة من عام 2007. وتستهدف إسرائيل أن تصل صادراتها للدول العربية إلى مليار دولار مع نهاية 2008، مقارنة ب 410 ملايين دولار كانت إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى هذه الدول مع نهاية 2007[52].
واستنادًا إلى ذات التقرير بلغت الصادرات الإسرائيلية لمصر 40 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2008، بينما استقبل الأردن صادرات إسرائيلية بقيمة 102 مليون دولار في الفترة ذاتها. وعلى حين بلغ عدد الشركات الإسرائيلية المصدِّرة للأسواق المصرية نحو 329 شركة؛ فقد صدَّرت للأسواق الأردنية نحو 1050 شركة إسرائيلية[53].
ويعزو البعض هذه الزيادة في الصادرات الإسرائيلية لكل من مصر والأردن إلى توقيع اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة المتميزة (الكويز) مطلع عام 2005، والتي تُعفى بموجبها الصادرات الأردنية والمصرية من الضرائب والجمارك عند دخولها الأسواق الأمريكية، بشرط وجود مكوِّن إسرائيلي في هذه المنتجات[54].
وعلى الرغم من أن اتفاقية الكويز تبدو ذات معنى ومفهوم اقتصادي، إلا أنها ترمي في الجوهر إلى تحقيق أهداف ونتائج سياسية وإقامة تعاون بعيد المدى. وإذا كان الهدف المعلن لتوقيع الاتفاقية هو خدمة مرحلة السلام في منطقة الشرق الأوسط وتنمية أوضاع تجارة المنطقة، لكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتمكين إسرائيل من أن تكون قوية عبر التكامل الاقتصادي مع دول المنطقة؛ فالكويز تعطي إسرائيل عوامل مهمة تساعدها على توجيه سياسة المنطقة من خلال رهن المستقبل الاقتصادي لكل من مصر والأردن بمواقف الثنائي الأمريكي- الإسرائيلي. وهناك مخاوف من أن تُدخل الكويز مصر والأردن في مرحلة من التكامل الاقتصادي المتقدم مع إسرائيل، مما يعني نجاح الدولة العبرية في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية دون التزام بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم أو إنهاء احتلال أراضيهم[55].
ومن الواضح أيضًا أن اتفاقية الكويز تربط بين اقتصاديْ إسرائيل وتركيا الدولتين اللتين تجمعهما علاقات تجارية متصاعدة بعد تطبيق اتفاقية التجارة الحرة بينهما في 1 مايو 1997، والتخلص من العوائق المطبقة على المنتجات الصناعية بين الدولتين في عام 2000.
وقد اكتسب إدخال تركيا في قلب التفاعلات العربية – الإسرائيلية بُعدًا جديدًا مع تأسيس منتدى أنقرة للتعاون الاقتصادي بين تركيا وإسرائيل وفلسطين، الذي عقد أول اجتماعاته في أنقرة يومي 27و28 أبريل 2005، ثم انعقد الاجتماع الثاني في القدس الشرقية في 8/6/2005، والثالث في إسطنبول يومي 21 و22/9/2005، والرابع في تل أبيب في نوفمبر 2005. وهذا المنتدى هو أول حوار عملي للقطاع الخاص بين تركيا وفلسطين وإسرائيل، وهو أول مبادرة على المستوى الشعبي المدني تقام بعد الانفصال الإسرائيلي أحادي الجانب عن غزة[56].
واستكمالاً للسياسة الإسرائيلية تجاه الدائرة العربية في عام 2008 يمكن القول إن محاولات إسرائيل لاستكمال اختراق المنطقة العربية لم تتوقف وخصوصًا في أطراف الوطن العربي، وبرز التركيز على ثلاث دول أساسًا بهدف مدّ الصلات إلى الحركات السودانية المتمردة في دار فور وجنوب السودان، وإيجاد موطئ قدم في اليمن عبر خلايا للتجسس وجمع المعلومات، وتعزيز التواجد الإسرائيلي في العراق ومحاولة جرِّه إلى تطبيع علاقاته مع الدولة العبرية.
وفي هذا السياق، برز الدور الإسرائيلي في تنفيذ الاستراتيجيات الغربية تجاه السودان الذي يعاني من مشكلات داخلية تهدّد كيانه وتماسكه الإقليمي؛ حيث يربط البعض بين تفاقم أزمتي دار فور وجنوب السودان وبين الحركة الإسرائيلية الدءوبة هناك لاستمالة قوى سودانية بعينها كما كشفت دراسة مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب التي أعدها الضابط الإسرائيلي المتقاعد موشي فرجي بعنوان “إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان: نقطة البداية ومرحلة الانطلاق”[57].
أما بالنسبة لليمن، فقد كشف الرئيس علي عبد الله صالح في 6/10/2008 أثناء حديث له عن الأضرار الاقتصادية والأمنية التي ألحقتها موجة الأعمال الإرهابية باليمن، كشف عن نجاح الأجهزة الأمنية في اعتقال أفراد خلية “ترفع شعارات إسلامية” لكنها مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية وتقيم اتصالات معها. وهو ما نفاه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية إيغال بالمور، واصفًا الاتهامات بأنها تثير السخرية ولا دليل عليها، “فلا يمكن تصديق أن الأجهزة الإسرائيلية تنشئ خلايا إسلامية في اليمن، فهذا الأمر سيكون نصرًا لأصحاب نظرية المؤامرة”[58].
أما بالنسبة للعراق، فقد اتسمت السياسة الإسرائيلية تجاهه في عام 2008 بتركيزها على أمرين؛ أولهما تهيئة المناخ لجره إلى حلبة التطبيع غير المباشر خطوة تلو أخرى وقد حدث ذلك مرتين على الأقل واحدة على مستوى الرئيس العراقي وأخرى مع أحد نواب البرلمان العراقي. والأمر الثاني استمرار الرهان الإسرائيلي على تكثيف الوجود الإسرائيلي في إقليم كردستان أملاً في تفكيك العراق إلى كانتونات طائفية وعرقية؛ ذلك أن العراق (بحسب ما يرى الكاتب الإسرائيلي أوديد يونون) “يختزن القوة الفعلية للعرب والتي تشكل مصدر تهديد فعلي لإسرائيل، ولهذا فالقضاء على العراق عبر حرب إقليمية مع إيران أو صراع عرقي وطائفي سوف تؤدي إلى تمزيقه داخليًا، وكل نوع من أنواع المجابهة العربية الداخلية سوف تساعدنا على المدى القريب وسوف تختصر الهدف العام المتمثل في تقسيم العراق إلى طوائف متناحرة على شاكلة لبنان وسوريا”[59]. وخلال عام 2008 بدا كأن المشهد يجري إعداده لقبول حدوث تقارب دبلوماسي بين العراق وإسرائيل، فيما يبدو كأنه تهيئة للرأي العام العراقي والعربي بأسلوب متدرج يرمي إلى اختبار فرص حدوث تطبيع كامل للعلاقات عبر القنوات غير الرسمية أو شبه الرسمية في البداية.
فخلال مؤتمر الاشتراكية الدولية الذي انعقد في أثينا أواخر يونيو 2008 حدثت مصافحة بين الرئيس العراقي جلال طالباني وإيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي وزعيم حزب العمل. ولكن بيانًا صدر عن مكتب طالباني في 1/7/2008 ذكر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان هو المبادِر بتقديم باراك لمصافحة طالباني الذي تعامل مع الأمر بصفته الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني ونائب رئيس الاشتراكية الدولية، وليس بصفته رئيس جمهورية العراق. وأضاف البيان أن “ما جرى لم يكن سوى سلوك اجتماعي حضاري لا ينطوي على أي معنى أو تداعيات أخرى، ولا يُحمّل العراق أي التزامات، كما أنه لا يؤسِّس لأي موقف مغاير لسياسات جمهورية العراق ومواقفها الداعمة للشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية والمستندة إلى الإجماع العربي والمبادرة العربية ومقررات الشرعية الدولية”[60].
وفي إطار “المؤتمر الدولي لمواجهة الإرهاب” الذي نظّمه معهد هرتسليا الإسرائيلي في سبتمبر 2008، والذي ضم شخصيات من عشرين دولة مختلفة، شارك النائب العراقي مثال الألوسي زعيم حزب الأمة العراقية في هذا المؤتمر. ودعا الألوسي إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق وإسرائيل وتدشين تعاون بين دول المنطقة ضد إيران، وقال إن “إيران اليوم مركز المصائب في المنطقة وغالبية الشعب العراقي لا تؤيد النظام في طهران (…) ولذا ينبغي التعاون مع إسرائيل في إطار استخباراتي سوية مع تركيا والولايات المتحدة والكويت من أجل ضمان انتقال معلومات استخباراتية جيدة ومواجهة الإرهاب الشرق أوسطي معًا”[61].
ومن الجدير بالذكر أن هذه الزيارة قد أثارت انتقادات عدة نواب عراقيين مثل: عبد الهادي الحساني القيادي في حزب الدعوة-تنظيم العراق، وأسامة النجيفي من الكتلة العراقية الوطنية، ومحمود عثمان القيادي في كتلة التحالف الكردستاني، والذي قال “إن المطالبة بإقامة علاقات مع إسرائيل أمر غير مناسب وغير صحيح ويُعقِّد من مشكلات العراق”[62].
وبمجرد عودة الألوسي للعراق قام البرلمان العراقي برفع الحصانة عنه بموافقة غالبية النواب تمهيدًا لمحاكمته بتهمة الخيانة بعد زياراته المتكررة لإسرائيل ودعوته إلى إقامة علاقات بين بغداد وتل أبيب[63]. ومن جهة أخرى، هناك مخاوف من تمدُّد النفوذ الإسرائيلي في مناطق كثيرة من العراق، بحيث لا ينحصر في شمال العراق فقط؛ ففي أكتوبر 2008 صرح الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق بأن “التواجد الإسرائيلي قبيل الاحتلال كان مقتصرًا على المناطق الكردية الشمالية، ولكنه الآن ضارب بأطنابه في البصرة وبغداد وغيرها من المدن (…) فالإسرائيليون يعملون في الفرق الأمنية الأمريكية، وكذلك مع جيش الاحتلال لحماية المنشآت الأمنية الأمريكية”[64].
وبصفة عامة، هناك ثلاثة سيناريوهات تحدّد شكل العلاقة بين العراق والكيان الإسرائيلي في المستقبل القريب[65]؛ الأول هو أن تدخل إسرائيل في علاقات دبلوماسية كاملة مع النظام العراقي الحالي. والثاني: أن تدخل إسرائيل والعراق في علاقات ثلاثية (الولايات المتحدة– إسرائيل- العراق) وربما تدخل الأردن في علاقة دبلوماسية معهم. أما السيناريو الثالث وهو الأكثر احتمالاً فيدور حول تأجيل خطوة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين وتكوين علاقات غير رسمية على كل المستويات.

الجزء الثالث- تفاعلات السياسة الإسرائيلية مع الدائرة الثالثة (دائرة دول العالم الإسلامي غير العربية)

واصل الكيان الإسرائيلي في عام 2008 اهتمامه بدائرة العالم الإسلامي لاستكمال جهود تطويقها ورصد التغيرات الداخلية في دولها الكبيرة وخصوصًا إيران وباكستان لأسباب تتعلق أساسًا بالقلق الإسرائيلي من مساعي إيران لتطوير قدراتها في تخصيب اليورانيوم إضافة إلى تفاعلات الأزمة السياسية الداخلية في باكستان طيلة عام 2008 وامتداداتها المتعلقة بسياسات محاربة الإرهاب الأمريكية. ناهيك بالطبع عن السياسة الإسرائيلية تجاه تركيا وخاصة في ظل الدور التركي المتجدد تجاه العالم الإسلامي وتأثير إسرائيل عليه.
فلقد اهتمت الدوائر الإسرائيلية بمتابعة أنشطة الحركات والجماعات الإسلامية، وخصوصًا أعمال حركة طالبان التي بدأت تستعيد شيئًا غير قليل من نفوذها السابق في أفغانستان، وتنظيم القاعدة وحركته على الصعد العسكرية والسياسية والإعلامية واحتمالات اقترابه أو ابتعاده من الدول المحيطة بفلسطين (وخصوصًا لبنان).
وفيما يتعلق بإيران برزت القضايا التالية في النقاش الداخلي الإسرائيلي: القصور الإسرائيلي في مواجهة التهديد الإيراني، هل يمكن لإسرائيل أن تتعايش مع إيران النووية؟ الحرب النفسية والكلامية بين إيران وإسرائيل كأداة لإدارة الصراع بينهما، والتحريض الإسرائيلي للدول الغربية لتشديد موقفها من إيران.

1- السياسة الإسرائيلية تجاه إيران

أثارت تطورات البرنامج النووي الإيراني وسبل تعامل إسرائيل مع هذا الخطر القادم أو المحتمل جانبًا كبيرًا من النقاش الداخلي الأمني في إسرائيل، وكذلك على صعيد العلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة وكيفية التنسيق بينهما لمواجهة هذا الخطر بما يضمن أمن إسرائيل. كما برزت قضية أخرى تتعلق بأهمية تكثيف علاقات إسرائيل بالناتو كأحد الخيارات المستقبلية لمواجهة تزايد التهديدات في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. إضافة إلى المسعى الإسرائيلي الحثيث لتكريس الانقسام المذهبي والطائفي بين العرب وإيران؛ وهو مايبرز خصوصًا في إشارات وتليمحات إسرائيل بشأن مناقشة المبادرة العربية للسلام وإحياء مسارات السلام الإقليمي الشامل في تطبيق جديد لأسلوب المناورة الإسرائيلية. فقد صرح وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك لإذاعة الجيش في أكتوبر 2008 بأنه في غياب تقدم على المسارين التفاوضيين الفلسطيني والسوري، قد يكون الوقت حان للبحث عن صفقة سلام شاملة في المنطقة؛ فهناك مجال لطرح خطة سلام إسرائيلية شاملة في مقابل الخطة السعودية لتكون أساسًا للنقاش في شأن السلام الإقليمي الشامل.
وأشار باراك إلى المصلحة المشتركة بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل في احتواء طموحات إيران النووية، والحد من نفوذ حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة[66].
وهناك ملاحظتان على الجدل في الداخل الإسرائيلي بخصوص الخطر أو التهديد الإيراني؛ أولهما أن هذا الجدل ليس جديدًا بالمرة؛ فهو جدل قديم – جديد يخبو ويتصاعد بحسب المتغيرات والمستجدات. إلا أنه من الصحيح أيضًا أن الاهتمام الإسرائيلي بإيران تصاعد على نحو غير مسبوق بعد حرب لبنان صيف 2006، وهو جدل يتصاعد كلما بدأت ملامح الضعف تظهر على السياسة الإسرائيلية وإدارتها للصراع مع قوى المقاومة في المنطقة.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالوظيفة الإقليمية لإسرائيل في المنطقة، ومدى استقلالية قرارات إسرائيل وسياستها الخارجية عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبيرة. فهل يمكن لإسرائيل بمفردها أن تتصدى للخطر الإيراني؟ أم أن هذه المهمة هي أكبر من القدرات الإسرائيلية برمتها كما كتب إيهود يعري في عام 1996[67].
وقد انتقدت كتابات صحفية إسرائيلية الأداء الإسرائيلي في مواجهة التهديد الإيراني استنادًا إلى العناصر التالية[68]:
1- الخيار النووي هو الذي يحمي إسرائيل، لكنه الآن يعمل في اتجاهين مختلفين حيث يهدد امتلاك إيران للذرة وجود إسرائيل وأمنها.
2- لا يجب الاستخفاف بتصريحات وتهديدات الرئيس الإيراني، ويجب أن تقلق إسرائيل من تسلح دولة معادية صريحة ذات ثمانين مليون من السكان بسلاح ذري. لكن طريقة رد إسرائيل على التهديد الايراني تثير مخاوف شديدة.
3- مما يسبب الخوف الشديد أنه لا توجد- لدى الإسرائيليين – حكومة يمكن الاعتماد عليها للقيام بالشيء الصحيح. فحكومة إسرائيل الحالية التي خرجت قبل سنتين في مغامرة حرب بلا مسؤولية ومن غير أن تفكر للحظة في معاني التورط الذي تجر إليه مواطنيها، هي ببساطة حكومة خطرة.
4- اقتراح الحل لموضوع تهديد إيران النووي لإسرائيل عن طريق تعجيل مسيرة ضم إسرائيل إلى حلف شمال الأطلسي، والتسريع لاستكمال المحادثات التمهيدية التي جرت في هذا الشأن في بروكسل عام 2006، لأن مثل هذا الانضمام من شأنه تخفيف القلق الإسرائيلي من إيران.
من ناحية أخرى، ورغمتصاعد القلق الإسرائيلي من سعي إيران الحثيث لامتلاك القدرة النووية السلمية التي يمكن تحويلها بسهولة إلى قدرة عسكرية، ورغم سيادة نمط من التفاعلات الصراعية بين إسرائيل وإيران واتجاه أغلب التحليلات الإسرائيلية صوب فكرة أهمية مواجهة الخطر الإيراني سواء بتحريض الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للأخذ بزمام المبادرة في هذه المواجهة أو بالتشديد على أهمية أن تتصدى إسرائيل بنفسها لهذه المهمة، إلا أن قليلاً من الكتابات أخذت منحى مختلفًا نسبيًا يمكن أن يُسمى “التعايش مع الخطر الإيراني”.
وينطلق هذا الاتجاه من التسليم بأن البرنامج النووي الإيراني يمثل مشكلة عسيرة لإسرائيل لأن كل البدائل المتاحة أمام إسرائيل هي إشكالية خصوصًا مع غياب نقاش داخلي متزن حولها. “ففي الماضي اعتقدت إسرائيل بأنها لن تسلِّم بقدرة نووية أخرى في الشرق الأوسط. غير أن هذا الموقف لم يعد ساري المفعول. يوجد منذ الآن “قنبلة إسلامية”، في الباكستان، الدولة التي يتسم استقرار الحكم فيها – كما هو معروف- بأنه ليس مضمونًا. الحقيقة هي أن إسرائيل نفسها لم تؤمن بأنها ستحظى بالحصرية النووية في المنطقة لزمن طويل، ولهذا فقد اقتنت لنفسها قدرة رد نووية أو “ضربة ثانية”(..) وإذا ما استعبدتنا الهستيريا، يحتمل جدًا أن تكون بانتظارنا تجارب قاسية. هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية لإيران سيخلق مشكلات جديدة شديدة جدًا (ارتفاع اسعار النفط، تعزيز الأصولية الإسلامية وغيرها)، وستؤدي الى احتدام مشكلات أخرى. المهم هو أنه من المشكوك فيه أن يوقف هذا الهجوم التحول النووي الإيراني. على الأكثر سيعيقه قليلاً. الرد الإيراني سيكون قاسيًا وأليمًا بل وحتى قد يكون محمل الكارثة لإسرائيل. وبالمقابل، ضبط النفس في ضوء التحول النووي الإيراني كفيل بادخال المنطقة في إطار جديد من كبح الجماح الذاتي من نوع التدمير المتبادل المؤكد. مثل هذه المسيرة ستعظم أيضًا من أهمية القدرات العسكرية التقليدية، التي يوجد لإسرائيل فيها تفوق واضح على كل جهة أخرى في المنطقة”[69].
ومن المتوقع أن تستمر حالة الجدل الداخلي الإسرائيلية بشأن كيفية التعامل مع إيران إلى فترة مقبلة نظرًا لارتباطها بأبعاد دولية أيضًا؛ فقد كان الأسبوع الأول من سبتمبر2008 مسرحًا لتصريحات مختلفة للسياسيين الإسرائيليين في هذا الصدد؛ فبعد تصريحات شيمون بيريز في 4/9 التي أبدى فيها معارضته لشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية, داعيًّا لممارسة ضغوط اقتصادية لإرغام طهران للتخلي عن برنامجها النووي، عاد بيريز ليتناول الموضوع في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية قائلاً” إن الملف النووي الإيراني سيعالج بعمق من المجتمع الدولي بعد حل الأزمة الروسية- الجورجية,وأضاف إنه يجب “عدم إعطاء الانطباع بأن التهديد الإيراني يطرح مشكلة لإسرائيل فقط”. أما زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو فقال إنه في حال عودته لرئاسة الحكومة “فسيعتمد سياسة أكثر قوة وفاعلية لمكافحة الإرهاب وإيران”. كما أعلن عضو الليكود سيلفان شالوم – وزير الخارجية الأسبق- أن على إسرائيل أن تستعد لاحتمال أن “تجد نفسها وحيدة في مواجهة التهديد الإيراني”, مستدلاً بالأزمة الجورجية – الروسية بقوله “العالم لم يتحرك في مواجهة عدوانية روسيا”.أما أفراييم سنيه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي فشنَّ هجومًا قويًّا على المجتمع الدولي بشأن الملف الإيراني قائلا إن “العالم يماطل وخلال هذا الوقت تقترب إيران من امتلاك القنبلة النووية”[70].
ومن جهة أخرى، أظهر استطلاع للرأي أجري في سبتمبر 2008 أن 56 % من الإسرائيليين يؤيدون فكرة ضرب إيران في حال لم تثمر الجهود الدولية لمنعها من تطوير أسلحة نووية، فيما عارضها 36 %[71].
أما بخصوص الحرب النفسية والكلامية بين إيران وإسرائيل؛ فعلى نحو ما حدث منذ انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قبل ثلاثة أعوام، شهد عام 2008 أيضًا تكرار الانتقادات الإيرانية لإسرائيل وسياساتها في المنطقة؛ فقد هاجم الرئيسُ الإيراني في 23/8/2008 إسرائيلَ متهمًا إياها بإغراق العالم في “الفوضى” ومتوقعًا زوالها. وقال أحمدي نجاد – في خطاب ألقاه في مدينة أراك وسط إيران – إن “نحو ألفين من الصهاينة وما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف عميل للصهيونية أغرقوا العالم في الفوضى”. وأضاف نجاد أنه إن لم يقم الغرب باحتواء الصهيونية، فإن الأمم ستمحو من على وجه الأرض مصادر الفساد هذه، ولم يحدد الرئيس نجاد الأممَ التي يعنيها بالضبط. وكان أسفنديار رحيم مشائي مساعد الرئيس الإيراني قد صرح في يوليو 2008 بأن إيران صديقة لمواطني أميركا وإسرائيل، مما حدا بالعديد من المسئولين السياسيين الإيرانيين إلى المطالبة باستقالته[72].
وبعد تكرار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تشديده على قرب زوال إسرائيل، اعتبر الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية (موساد) أفراييم هاليفي، إن الرئيس الإيراني “أجمل هدية حصلنا عليها، فهو لا يفعل سوى تقديم الخدمات لنا (…)كل كلامه دليل على إن إيران اليوم لا يمكننا العيش معها. إنه يُوحِّد العالم ضد إيران… لم يكن في إمكان موساد أن يقوم بعملية أفضل من أجل الإتيان برجل مثل أحمدي نجاد على رأس إيران”[73].
من ناحية أخرى، صرح الجنرال علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني في 27/8/2008 بأن “تقييمنا الاستراتيجي يثبت أنه إذا تحرك النظام الصهيوني منفردًا أو بدعم من الولايات المتحدة ضد إيران، فإن كافة مناطقه ستكون في فترة زمنية قصيرة مهددة لأن هذا البلد يفتقر إلى عمق استراتيجي، وهو في مرمى الصواريخ الإيرانية”. وأضاف جعفري “لإيران قدرة باليستية لن تتيح للنظام الصهيوني بكل وسائله إمكانية التصدي لها”[74].
ومن الملاحظ أن قيام إسرائيل بتحريض الدول الغربية لتشديد موقفها من إيران كان أحد أهم أدوات إسرائيل في إدارة صراعها مع إيران؛ فقبل زيارة الرئيس الأمريكي بوش إلى إسرائيل في يناير 2008، قال وزير الأمن الداخلي في إسرائيل آفي ديختر في لقاء مع صحيفة صنداي تلغراف البريطانية إن إيران العازمة على أن تكون قوة إسلامية عظمى، تطوِّر صواريخ ليست قادرة على ضرب إسرائيل فحسب، لكن أيضًا مصر وليبيا والسعودية, وكذلك اليونان وأجزاء أخرى من جنوب شرق أوروبا. وحذَّر ديختر أوروبا من صواريخ تطوِّرها إيران يتعدى مداها 1250 ميلاً, قادرة على ضرب أجزائها الجنوبية. كما ذكَّر ديختر بأن إيران بلد كبير قوي وغني، ومنافسته على قيادة العالم الإسلامي معروفة جيدًا لدى كل الدول العربية والإسلامية. وأضاف إن الفشل في التحرك ضد إيران سيعني آثارًا وخيمة تتعدى منطقة الشرق الأوسط, وذكّر بأن الاستخبارات الإسرائيلية تصر على أن لا دليل على تخلي إيران تمامًا عن أسلحة الدمار الشامل في 2003 كما ذكر تقرير استخباراتي أميركي, وهو ما سيُبلغ به الرئيس الأميركي جورج بوش الذي سيزور إسرائيل والأراضي الفلسطينية الأسبوع القادم[75].
ومن ناحية أخرى، قالت تاليا سوميح المتحدثة باسم شاؤول موفاز وزير المواصلات ونائب رئيس الوزراء الإسرائيلي (1/8/2008) إن موفاز استغل لقاءاته الأخيرة في واشنطن مع كل من ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لتقديم اعتراض إسرائيل على إجراء محادثات أميركية – إيرانية مباشرة. وأضافت تاليا أن موفاز طالب الأميركيين “بوضع شروط صارمة” مثل رفض السماح للإيرانيين بتخصيب اليورانيوم على أرضهم وأن يكونوا واضحين في الالتزام بالمهلة المحددة لهم في صفقة الحوافز الغربية التي تنتهي في 2/8/2008. وقد صدر بيان مشترك في ختام محادثات أميركية – إسرائيلية في إطار “الحوار الإستراتيجي” حيث رأس الوفدين وكيلُ الخارجية الأميركية للشؤون السياسية بيل بيرنز، وموفاز نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى احتمال توجيه ضربة عسكرية لطهران، مكتفيًا بالإشارة إلى القلق الإسرائيلي – الأميركي المشترك من خطورة البرنامج النووي الإيراني[76].

2- إسرائيل والتطورات السياسية الداخلية في باكستان

يلاحظ اهتمام السياسة الإسرائيلية بالأوضاع الداخلية في باكستان لسببين على الأقل؛ أولهما يتعلق بالصلة الوثيقة بين الوضعين الباكستاني والأفغاني وانعكاسات ذلك على إسرائيل واحتمال استهداف التنظيمات الجهادية لها في المدى المنظور أو المتوسط. والثاني ترقب اللحظة المناسبة لتدشين علاقات دبلوماسية بين باكستان وإسرائيل بما يفيد الأخيرة في تحقيق عدة أهداف، لعل من أبرزها إبعاد الباكستان عن مساندة القضايا العربية وخصوصًا القضية الفلسطينية، فضلاً عن تحجيم دورها النووي في المنطقة بعد نجاح باكستان في تجاربها النووية عام 1998[77].
ويبدو أن مسار التقارب الإسرائيلي الباكستاني قد ازداد تسارعًا منذ استيلاء الجنرال برويز مشرف على الحكم؛ فقد شهد شهر أكتوبر 1999 عدة محاولات إسرائيلية لإقامة اتصالات مع باكستان؛ حيث أشار نواف مصالحة نائب وزير الخارجية الإسرائيلية آنذاك إلى أنه أجرى محادثات مع نظيره الباكستاني في ألماتي عاصمة كازاخستان على هامش المؤتمر الدولي حول الأمن[78].
ومن الملاحظ أن النظرة الإسرائيلية إلى الباكستان تقوم على أنها “هي المنشأ الرئيس لمنظمة القاعدة، والملجأ للأصولية الإسلامية وواحدة من المراكز المُسلمة لمعاداة السامية”. ورغم إدراك إسرائيل لصعوبة وضع الرئيس برويز مشرف داخليًا ومعاداته للديمقراطية، إلا أنها كانت ترى فيه رجل دولة مثل الرئيس السادات والملك الأردني الحسين.
يقول الصحفي يؤاف برومر “مع ترك مشرف الحلبة السياسية في الباكستان يمكن أن تكون إسرائيل فقدت الصديق الحقيقي-أو أقرب شئ إلى ذلك – الذي كان يمكن أن يكون لها بوقت طويل في العالم الإسلامي (…). فقد أعلنمشرف في عشاء دعاه إليه المؤتمر اليهودي – الأميركي في نيويورك يوم 17/9/2005 أنه” لا يوجد أي خلاف” بين إسرائيل وباكستان، واعترف بمعاناة الشعب اليهودي في الهولوكست ولم يتردد عن تعريف الأصوليين أنهم “داء الإسلام”. وبالرغم من أنه اشترط لتطبيع العلاقات بين باكستان وإسرائيل حل النزاع الفلسطيني، فقد وعد بأن إنشاء علاقات مع إسرائيل هو “مسألة وقت”. وعندما التقى في سبتمبر 2005 في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك رئيسَ الحكومة أرئيل شارون لم يُحجم عن مصافحته. وفي ديسمبر 2007 التقى الرئيس مشرفُ وزيرَ الدفاع إيهود باراك سرًا في باريس. ولكن مع ذلك عندما سألتُ رجل الأعمال اليهودي المقرب من مشرف جاك روزان: هل فقدت إسرائيل باستقالة الرئيس مشرف فرصةً ذهبية لإنشاء علاقات بإحدى أهم الدول – إن لم تكن الأهم – في العالم الإسلامي. أجاب روزان “لا أقول إن الفرصة ضاعت، لكن ربما أُجلت”[79].
ويرى البعض استنادًا إلى تحليل مسار العلاقات الباكستانية–الإسرائيلية أن الحكومة الباكستانية الجديدة والرئيس علي آصف زرداري قد ينتهجان خطًا يؤدي إلى التقارب مع إسرائيل على المدى القريب أو المتوسط. ووفق هذه المعطيات قد يتمثل السيناريو الإسرائيلي للأزمة الباكستانية في انتهاج الحكومة الباكستانية سياسة التقارب مع إسرائيل على غرار تركيا. أما في حال تعمق الأزمة الباكستانية فقد تلجأ اسرائيل برعاية أميركية الى تفكيك أو ضرب المفاعل النووي الباكستاني. وذلك ترجمة لخطة أو خريطة الأمن والمصالح الحيوية الاسرائيلية التي وضعها أرييل شارون في ثمانينات القرن الماضي[80].

الجزء الرابع- إسرائيل والنظام الدولي عام 2008

لا ريب أن الامتدادات الخارجية لإسرائيل وعلاقاتها مع دول المنظومة الغربية – وخاصة الولايات المتحدة – كانت دومًا أحد مدخلات معادلة قوة إسرائيل ومكانتها الإقليمية في المنطقة العربية فضلاً عما عُرفت به الدبلوماسية الإسرائيلية من الحساسية والبراعة في التعامل مع متغيرات النظام الدولي بهدف تدعيم المكانة الإقليمية لإسرائيل؛ بحيث إنه كلما لاحت نذر تحولات معينة على قمة النظام الدولي، تثور التساؤلات عن التداعيات المحتملة على موقع إسرائيل من الاستراتيجية الغربية[81].
وهذا ما يجعل من إلقاء الضوء على وضعية إسرائيل وحالة علاقاتها مع الدول الكبرى في النظام الدولي أمرًا ضروريًا لكشف بعض جوانب الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي.
بيد أن مناقشة قضية المكانة الإقليمية لإسرائيل تتعلق بثلاثة محددات: المحدد التاريخي/الثقافي، المحدد الاستراتيجي، المحدد الإقليمي المتعلق بتحول أغلب النظم العربية من رفض التعامل مع إسرائيل إلى قبولها والتعاون معها[82]. ويمكن أن نرى في إطار المحددين الأولين أن تفاعلات إسرائيل مع النظام الدولي، والدول الغربية بخاصة، يمكن أن تعطي مؤشرات على أن أهمية المكون الاستراتيجي لإسرائيل تتناقص بمرور الوقت لا سيما بعد هزال الأداء الإسرائيلي في حرب لبنان صيف 2006، بينما تتزايد الأهمية الثقافية بوصفها دولة اليهود في المنطقة، وهو أمر أصبحت تطالب إسرائيل الآخرين بأن يعترفوا به –كما أوضحت الدراسة آنفًا- خصوصًا في ظل وجود قيادات ومسئولين غربيين يسايرون إسرائيل في مطلبها هذا.
فبعد حرب لبنان صيف 2006، برزت مؤشرات (ويبدو أنها قابلة للتزايد) تشير إلى احتمالات حدوث بعض التراجع في مكانة إسرائيل السابقة ودورها بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية؛ وخلافًا لما كان عليه الحال في العقود الماضية جاء أداء الجيش الإسرائيلي متواضعًا في حربه مع مقاتلي حزب الله ليدفع برؤية أمريكية جديدة ترى أن إسرائيل فشلت في القيام بأول مهمة جدية لصالح الولايات المتحدة، وهي القضاء على مقاتلي حزب الله، وهو ما جعل البعض يتوقع تقلُّصًا في مساحة تأثير الدور الإسرائيلي على السياسات الأمريكية، خصوصًا بعد التوصيات التي خلص إليها تقرير بيكر-هاملتون الذي صدر في ديسمبر 2006، وكذلك بعد ردود الفعل الصاخبة التي أثارتها دراسة الأستاذين الأمريكييْن ستيفن والت وجون ميرشايمر عن “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”، التي أشارا فيها إلى أن “السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط موجّهة بالأساس إلى خدمة المصالح الإسرائيلية؛ فغزو العراق هو مصلحة إسرائيلية وليست أمريكية، وعداء إيران كذلك، وينطبق نفس الشيء على مقاطعة سوريا وفرض الضغوط عليها”[83].
وضمن تفاعلات إسرائيل مع النظام الدولي سنعرض هنا بإيجاز لنقطتين تشكلان التطوريْن الأبرز على مدار العام في علاقة إسرائيل بالنظام الدولي؛ أولاهما تتعلق بزيارات المسؤولين الدوليين إلى إسرائيل في الذكرى الستين لإنشائها. والثانية تخص علاقة إسرائيل بالحرب الجورجية الروسية التي اندلعت في أغسطس 2008.

1- زيارات المسئولين الغربيين إلى إسرائيل في الذكرى الستين لإنشائها

في سياق احتفال الدولة العبرية بالعيد الستين لإنشائها تسابق عدد من المسئولين الغربيين على زيارة إسرائيل والتأكيد على دعمها في مواجهة التهديدات المتزايدة لأمنها، وكان إلقاء هؤلاء لخطابات أمام الكنيست يعكس مبالغة في سعيهم لاسترضاء إسرائيل وتهدئة مخاوفها فيما يتعلق بتهديدات محور الممانعة في المنطقة، وخصوصًا إيران.
وفي هذا الإطار وفي غضون أسبوع واحد من زيارة المستشارة الألمانية إلى إسرائيل منتصف مارس 2008، زار إسرائيل أيضًا كل من: وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون مكين، واثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي البارزين[84].
وبعد أقل من شهرين، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لإنشاء الدولة العبرية زار الرئيس الأمريكي جورج بوش إسرائيل للمرة الثانية في عام 2008، وكانت زيارة مايو حافلة بالدلالات والرموز التي حملها خطاب بوش أمام الكنيست الذي ركز على التزام الولايات المتحدة والغرب بأمن إسرائيل كدولة يهودية، وتحدث عن أمنيته بزوال الخطر الإيراني وخطري حزب الله وحماس لكي تحتفل إسرائيل بعيدها المئة والعشرين بسلام.
إضافة إلى ذلك قام المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية باراك أوباما بزيارة لإسرائيل في يوليو 2008 وتفقد مدينة سديروت وآثار الصواريخ الفلسطينية على حياة سكانها.
وقبل أن تتسلّم فرنسا الرئاسةَ الدوريّة للاتحاد الأوروبي مطلع يوليو 2008، قام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة لإسرائيل، وألقى خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي (23/6/2008)، وأكّد فيه أكثر من مرة على صداقته لدولة إسرائيل ودعمه لها – وكان هذا هو صلب الخطاب في الحقيقة-، لكنه ربط ضمان أمن إسرائيل بقيام دولة فلسطينية إلى جانبها مؤكدًا أن “فرنسا لن تساوم أبدًا على أمن إسرائيل (…) لكن علينا قول الحق لأصدقائنا. والحقيقة أنه لا يمكن ضمان أمن إسرائيل فعليًا إلا حين نرى أخيرًا إلى جانبها دولة فلسطينية مستقلة وحديثة وديمقراطية وقابلة للاستمرار”[85].
وبطبيعة الحال، لم تكتفِ إسرائيل في عام 2008 باستقبال الزائرين الداعمين لها فقد نشط المسئولون الإسرائيليون في زياراتهم الخارجية. وعلى هذا الصعيد، وفي إطار الجهود الألمانية – الإسرائيلية المشتركة لخلق أرضية جديدة لعلاقاتهما الثنائية، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة إلى ألمانيا في العاشر من فبراير 2008. والتقى أولمرت كبار المسؤولين الألمان وبحث معهم في عدد من القضايا الهامة، ومنها: أمن إسرائيل، والملف النووي الإيراني، وأوضاع منطقة الشرق الأوسط. وكان أهم ما تمخّضت عنه زيارة أولمرت هو تأسيس مجلس وزاري مشترك يجمع بين حكومتيْ البلدين على أن يجتمع هذا المجلس سنويًّا بالتناوب بين برلين وتل أبيب. أما مهمة هذا المجلس فهي العمل على تطوير العلاقات بين الدولتين في كافة المجالات وإعطاء العلاقات الثنائية وضعًا أكثر تميّزًا، مما يضع إسرائيل على قدم المساواة مع كل من فرنسا وأسبانيا وإيطاليا وروسيا التي تملك ألمانيا معها مجالس وزارية حكومية مشتركة[86].

2- علاقة إسرائيل بالحرب الروسية-الجورجية

كشفت تطورات الحرب الروسية-الجورجية في أغسطس 2008 عن وجود رابط إسرائيلي بهذه الحرب من عدة زوايا؛ أولها الدور الإسرائيلي في تسليح جورجيا وإمدادها بالخبراء الأمنيين والعسكريين، والثانية إمكانية استخدام الأراضي الجورجية (التي تجمعها مع إيران حدود مشتركة) لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وهو أحد السيناريوهات التي جرى تداولها في الإعلام الإسرائيلي[87]. والثالثة طبيعة الدور الذي تؤديه إسرائيل (نيابة عن الولايات المتحدة) في دعم جورجيا لمحاصرة روسيا واحتواء قوتها في ظل حديث البعض عن حرب باردة جديدة بين الأمريكيين والروس.
هذا الدور في تسليح جورجيا ودعمها يتجاوز بكثير الفوائد المباشرة المتعلقة بأرباح وزارة الحرب الإسرائيلية وشركات تصدير الأسلحة، وكذلك الفوائد المادية التي تعود على عشرات المستشارين من الجنرالات الإسرائيليين (الذين تركوا إسرائيل بعد الفشل في حرب لبنان 2006، والموجودين حاليًا في مراكز استشارية حساسة في الدولة الجورجية مثل وزارة الدفاع ووزارة المقاطعات الجنوبية). فهناك الفوائد الاستراتيجية المتعلقة باختبار الأسلحة الروسية التي تستخدمها جيوش معادية لإسرائيل مثل إيران وسوريا، فضلاً عن اجتهاد الولايات المتحدة وإسرائيل في كبح جماح الصعود الروسي الجديد بعد تحقيق روسيا قدرًا ملحوظًا من النجاح في ترميم وضعها الاقتصادي[88].
ومعلوم أن إسرائيل اجتهدت منذ بداية تسعينيات القرن العشرين في استثمار الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفياتي، سعيًا إلى تطوير شبكة من العلاقات الواسعة مع جمهوريات القوقاز من مدخل الأسلحة والتجهيزات العسكرية وبيع الخبرات الأمنية والتدريب. غير أن الاعتراض الروسي على هذا المسلك الإسرائيلي في تسليح جورجيا على وجه الخصوص قد أثار جدلاً بين الأجهزة الأمنية والدبلوماسية في إسرائيل. وبينما أوصت وزارة الخارجية بتجميد صفقات بيع الأسلحة إلى تبليسي بعد اندلاع الحرب الجورجية-الروسية، وجّهت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (وفقًا لما نقلته صحيفة هآرتس 11/8/2008) انتقادات لاذعة لتوصية الخارجية كونها “تعكس سذاجة وعدم فهم للعالم المعقّد في مجال الصفقات الأمنية التي تبرمها إسرائيل في الحلبة الدولية”[89].
وقد عبّر الكاتب تسفي بارئيل عن قلق تل أبيب من تداعيات الخلاف بين السياستيْن الأمريكية والروسية في القوقاز على مجرى الصراع في الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق برغبة روسيا في زيادة أسطولها في مياه البحر المتوسط وأن تزيد سفنها الحربية من زياراتها لميناء طرطوس السوري. وتساءل بارئيل “هل سيكون لدى إسرائيل رد ملائم إن قررت روسيا أن الوقت قد حان للتدخل في صراع إسرائيل مع الفلسطينيين، أو إن قررت روسيا أن تكون عضوًا فعالاً في اللجنة الرباعية الدولية، أو أن تعترف باستقلال فلسطين كما اعترفت باستقلال أبخازيا. وإذا بدأت روسيا الاهتمام بصراع إسرائيل مع الفلسطينيين، فمن المحتمل أن تبدأ الولايات المتحدة بالتزحزح عن مكانها، وهذا أيضًا سبب للفزع والخوف”[90].
ولم يكن الإسرائيليون هم فقط الذين نظروا بهذا الفهم المركّب لتداعيات الحرب الروسية-الجورجية على المنطقة العربية، إذ التقطت سوريا (واليمن أيضًا) الحدث ليقوم الرئيس بشار الأسد بزيارة إلى موسكو (20-21 أغسطس 2008) لإجراء مباحثات حول التعاون العسكري بين سوريا وروسيا، وأدلى الرئيس الأسد بتصريحات مؤيدة لموقف روسيا في حربها مع جورجيا، فضلاً عن ما تسرب من أنباء حول استعداد سوريا لنشر شبكة دفاع ضد الصواريخ على أراضيها ردًا على توقيع الاتفاق البولندي- الأمريكي بنشر جزء من الدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا.
وقد أسهم الدور الإسرائيلي في هذه الحرب في إعادة تسليط الأنظار على تجدد الدور الوظيفي لإسرائيل على المستوى الدولي في آسيا وأفريقيا[91]، خصوصًا في تنفيذ الاستراتيجيات الغربية تجاه القوى المناوئة مثل روسيا أو القوى الإقليمية الراغبة في زيادة هامش استقلاليتها مثل إيران، أو الدول التي تعاني من مشكلات داخلية تهدّد كيانها وتماسكها الإقليمي مثل السودان.

خاتمة:

بعد استعراض حركة السياسة الإسرائيلية تجاه العالم الإسلامي في عام 2008 يمكن إبراز النتائج التالية:
– لا زالت الاستراتيجية الإسرائيلية بعد ستين عامًا من إنشاء الدولة تحتفظ بخصائصها الأصيلة دونما تغيّر كبير تجاه دوائر الصراع الثلاث؛ فلسطين ومحيطها المباشر المتمثل في لبنان وسوريا، والدول العربية الأبعد، ودول العالم الإسلامي. وهناك سعي إسرائيلي دؤوب لتطويع هذه الدوائر جميعًا لكي تقبل الوجود الإسرائيلي وتسلّم به وتقيم علاقات طبيعية معه. غير أن أساليب السياسة الإسرائيلية تتفاوت بحسب الدائرة المستهدفة، وهي تتسم فيما يخص أدوات تنفيذ سياستها الخارجية بقدر كبير من المرونة وحسن التخطيط وشدة النشاط والمثابرة على تحقيق الهدف والنَفَس الطويل.
– رغم استمرارية السياسة الإسرائيلية المبادِرة تجاه العالم الإسلامي، إلا أن معدل نجاح هذه السياسة يتناقص بالتدريج على صعيد اختراق الدول العربية والإسلامية الأبعد، خصوصًا مع ارتداد إسرائيل عن عملية التسوية منذ عام 1996 وعودة دولة الاحتلال إلى اتباع سياسة استعمارية مكشوفة دونما حرص على تجميلها بتخفيف قبضتها الأمنية والعسكرية ضد الحلقة الأضيق التي تضم فلسطين ولبنان وسوريا.
– إن فشل السياسة الإسرائيلية أو انتكاسها في إحدى دوائر صراعها مع العالم الإسلامي ينعكس على الدائرتيْن الأخرييْن؛ فالإخفاق الإسرائيلي في كسر إرادة المقاومة اللبنانية والفلسطينية عامي 2006 و2009 انعكس على تقييد قدرة إسرائيل على المبادرة تجاه إيران. والعكس صحيح أيضًا؛ فمن شأن تراجع علاقات إسرائيل مع دول بعيدة نسبيًا مثل موريتانيا أن يصبَّ كذلك في صف تقوية إرادة المقاومة في الدائرة الأولى أو المعنية مباشرة بالتفاعل الصراعي مع الكيان الإسرائيلي.
– إن حرية إسرائيل في استخدام الأداة العسكرية في كامل الإقليم المحيط بها تتآكل بمرور الوقت؛ فلم تستطع إسرائيل طوال عام 2008 اتخاذ خطوات جدية تجاه إيران، وبقيت تنتظر تحركات إدارة الرئيس بوش والدول الأوروبية في هذا الصدد وتحفزّهم أو تحرّضهم دون أن تلقى منهم آذانًا صاغية. ومقارنة بعام 1967 عندما نفذت إسرائيل عدوانها على مصر وسوريا والأردن، أو حتى بعام 1981 عندما دمّرت المفاعل النووي العراقي، تبدو إسرائيل بحاجة إلى مساعدة الدول الغربية، لكن إسرائيل لا زالت أداة محتملة لتطويع القوى الإسلامية الصاعدة مثل إيران، وإن كان اضطلاع إسرائيل بمهمة التصدي لإيران لازال بحاجة إلى موافقة ضمنية من الولايات المتحدة (على الأقل) وربما أيضًا تحتاج في هذا إلى تفاهم ما مع الدول الأوروبية الكبرى. ويرجح البعض أن يشهد عام 2009 مواجهة بين إسرائيل وإيران، في إطار سعي إسرائيل إلى إعادة توازن القوى في المنطقة إلى وضعه الكلاسيكي، أي التفوق المطلق على كل دول المنطقة. ومما يمكن أن يُعجّل في تحقق هذا الاحتمال تصاعد مخاوف تل أبيب من انحياز الولايات المتحدة لمنطق الحوار مع إيران[92].
هذا يعني إمكان الخلاف التكتيكي بين إسرائيل وداعميها في الغرب إذا تعلق الأمر بتطور يُهدد الأمن الإسرائيلي تهديدًا جوهريًا. مع أنه من الصحيح أيضًا أن إسرائيل بدأت تتحوّل رويدًا رويدًا إلى كيان مُعال بدرجة ما ويحتاج إلى الحماية الأمنية الغربية المباشرة. وهذه هي إحدى أبرز نتائج العدوان الإسرائيلي على غزة، وهذا ما يمكن استخلاصه من تفاهم ليفني-رايس الموقّع في 17 يناير 2009، الذي يشكل محاولة لإدخال الناتو والاتحاد الأوروبي في مشروع طويل الأمد للمساعدة في حماية الأمن الإسرائيلي، وهو الأمر الذي اتضح في زيارة كبار المسئولين الأوروبيين إلى إسرائيل في 18/1/2009 لتأكيد التزامهم بأمن إسرائيل.
وهناك من يرى أن حلف الناتو سيلعب الدور الأبرز في الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، التي سيتم خلالها فرض تسويات جديدة كأمر واقع على العرب[93].
– إن مستقبل الصراع الإسرائيلي مع العالم الإسلامي ينطوي على احتمالات تصعيد واضحة خصوصًا في دائرته الفلسطينية واللبنانية وكذلك بالنسبة لإيران، ولا يبدو مستبعدًا أن تعود إسرائيل إلى مناوشة المحيط العربي (أي الدائرة الثانية في الصراع) كلما تعقّد وضع السياسة الإسرائيلية مع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان. ومن المفارقات هنا أن هذا الصراع يكاد يعود إلى أسسه الأولى، التي تدور حول درجة شرعية الكيان الإسرائيلي في هذه المنطقة مع تزايد معدلات رفضه وتنامي الرغبة في مقاومته على الصعيد الشعبي خصوصًا.
*****

الهوامش:

1-د. عبد الوهاب المسيري، من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية: أثر الانتفاضة على الكيان الصهيوني، جمعية مصر للثقافة والحوار، 2002.
2 – نقلاً عن: ميزان المناعة والأمن القومي لإسرائيل- وثيقة مؤتمر هرتسليا السادس 2006، ترجمة: سعيد عياش، أوراق إسرائيلية (34)، رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، يونيو 2006، ص 23.
3 – الفشل الإسرائيليفي لبنان: آراء إسرائيلية حول الأداء العسكري، إعداد وتقديم: أنطوان شلحت، أوراق إسرائيلية (36)، رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) سبتمبر 2006، ص 113-118.
4 – نقلاً عن: المصدر السابق، ص115-116.
5 – بيان صادر عن لجنة فينوجراد بشان تقصي حقائق الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف سنة 2006، القدس 30/1/2008، في: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 73، شتاء 2008، ص 186-187.
6-المصدر السابق.
7- آمال شحادة، إسرائيل تشكل “شبكة دولية” لمواجهة أساليب “القاعدة” و”الجهاد العالمي” ووسائلهما، صحيفة الحياة 12/9/2008.
8-المصدر السابق.

[9]-Jerusalem Post, 5-9-2008 on the link
http://www.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1220526719363&pagename=Jpost%2FJPArticle%2FshowFull

10- صحيفة الحياة 13/6/2008.
11- يوسي ميلمان، الخوف من إيران يدفع لتوثيق العلاقات بين إسرائيل والناتو، هآرتس 27/11/2008، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 169، يناير 2009، ص 67.
12- د. عماد جاد، مدى نجاح سياسة تطوير العلاقات مع إسرائيل منفذاً للتأثير في السياسات الأمريكية، شؤون عربية، العدد 128، شتاء 2006، ص 46.
13 – يوني بن مناحم، ضغوط على حركة حماس، 14/1/2008، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 158، فبراير 2008، ص 105-106.
14 – راجع: د. هيثم الكيلاني، النظرية الإسرائيلية في التفاوض، باريس: مركز الدراسات العربي- الأوروبي، 1996.
15 – صحيفة الحياة 3/12/2007.
16 – برفر أفراهام، أمن إسرائيل كدولة يهودية، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 158، فبراير 2008، ص104- 105.
17 – المصدر السابق.
18- صحيفة الوطن (السعودية)، 26/8/20008.
[19] -Jerusalem Post 26/8/2oo8 on the link
http://www.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1219572128422&pagename=Jpost%2FJPArticle%2FshowFull
20- الجزيرة نت 27/8/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/19AA06FD-C1BD-4EFC-8B77-6822B43194C2.htm
21 – د. عزمي بشارة، دوافع إسرائيل للاعتراف بها دولة يهودية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 73، شتاء 2008، ص 5-6.
22 – تسفي بارئيل، فشل سياسة توازن الرعب، هآرتس 10/2/2008.
23 – الوضع الحالي تربة صالحة لانتفاضة أخرى، افتتاحية هآرتس 11/3/2008، مترجم في: صحيفة القدس العربي 13/3/2008.
24 – سيفر بلوتسكر، اتفاق مع الشيطان، يديعوت أحرونوت 19/6/2008، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 163، يوليو 2008، ص 60-61.
25 -أري شابيط، التهدئة أولاً، هآرتس 19/6/2008.
26- أفيعاد كلاينبرج، خطر واضح ومباشر، يديعوت أحرونوت 18/6/2008.
27 – افرايم ياعر، ربع الشعب الإسرائيلي فقط تابع انابوليس: حسب استطلاع للرأي 71% قالوا السلام غير ممكن دون حماس، هاآرتس 11/12/2007.
28- أمجد أحمد جبريل، مستقبل العلاقة بين حماس وإسرائيل: دراسة في بعض السيناريوهات المحتملة، شؤون عربية، العدد 134، صيف 2008، ص 67.
29 – راجع كلمة السيد حسن نصر الله، في: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 73، شتاء 2008، ص 182-183.
30- المصدر السابق، ص 184-185.
31 – الجزيرة نت 10/6/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/77A9DA01-F0D6-4ED9-B1E1-0B7D8617D967.htm
[32] -Jerusalem Post 15/7/2008 on the link
http://www.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1215330978426&pagename=Jpost%2FJPArticle%2FshowFull.
[33] -Jerusalem Post 15/7/2008 on the link
http://www.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1215330971948&pagename=Jpost%2FJPArticle%2FshowFull

[34] -Amir Mizroch, A bad deal, but can some good come out of it ? ,
Jerusalem Post 15/7/2008 on the link
http://www.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1215330981836&pagename=Jpost%2FJPArticle%2FshowFull
35 – عاموس هرئيل، لا تطمئنوا قوة حماس وحزب الله تزداد، هآرتس 25/7/2008، مترجم في: القدس العربي 28/7/2008.
36 – المصدر السابق.
37 -صحيفة الحياة 21/8/2008.
38 -صحيفة الحياة 28/8/2008.
39 – راجع الرابط التالي:
http://www.alzoa.com/docView.php?con=28&docID=138
40- إحسان مرتضى، الصراع الإسرائيلي- السوري: محرضات الحرب ومحفّزات السلام، شؤون الأوسط، العدد 128، شتاء/ربيع 2008، ص127.
41 – المصدر السابق.
42- المصدر السابق.
43 – عينات تسوفري، يجب استبعاد سوريا من المحور الراديكالي، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 158، فبراير 2008، ص 136.
44 – الجزيرة نت 6/1/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=1080045
45 – إحسان مرتضى، مصدر سابق، ص132-133.
46- د. موردخاي كيدار، الجولان والسلام وخبراء الشؤون السوريّة، من موقع www.nfc.co.il، مترجم في: مختارات إسرائيلية، العدد 163، يوليو 2008، ص 68.
47 – المصدر السابق.
48 – المصدر السابق، ص68-70.
49 – للمزيد من التفاصيل راجع: د. أحمد برقاوي، العلاقات العربية-الإسرائيلية: سيناريوهات التعاون والصراع، في: د. أحمد صدقي الدجاني (منسق)الحركة الصهيونية والصراع العربي-الإسرائيلي في مائة عام: دروس الماضي وآفاق المستقبل، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 2000، ص 349-368.
50 – للمزيد من التفاصيل راجع: حماه الله ولد السالم، موريتانيا في مواجهة الاختراق الإسرائيلي، مجلة المستقبل العربي، العدد 352، يونيو 2008، ص 48-67.
51-راجع على سبيل المثال: د. أحمد يوسف أحمد،ثلاثون عاماً من “السلام” مع إسرائيل، صحيفة الاتحاد 31/3/2009.
52 – عبد الحافظ الصاوي، العلاقات الاقتصادية بين العرب وإسرائيل: قراءة في تقرير هيئة الصادرات الإسرائيلية 2008، القدس، العدد 115، يوليو 2008، (مجلة شهرية تصدر عن مركز الإعلام العربي في القاهرة)، ص52-53.
53 – المصدر السابق، ص 53-54.
54 – المصدر السابق.
55 – مصطفى أغيللي، اتفاقية الكويز وتكامل الاقتصاد الإسرائيلي، تعريب: سعد عبد المجيد، شؤون الأوسط، العدد 122، ربيع 2006، ص62-64.
56 – المصدر السابق، ص54-55.
57-د. يوسف نور عوض، استراتيجية التدخل الإسرائيلي في جنوب السودان، صحيفة القدس العربي 20/11/2008.
58 -صحيفة الحياة7/10/2008.
59 – ورد في: د. دهّام محمد العزاوي، البعد الإسرائيلي في الاحتلال الأمريكي للعراق، شؤون عربية، العدد 134، صيف 2008، ص200.
60 – صحيفةالحياة 2/7/2008.
61 – صحيفة القدس العربي 13/9/2008.
62 – المصدر السابق.
63 – صحيفة الحياة15/9/2008.
64- الضاري: الوجود الإسرائيلي تفشى في كل العراق، إسلام أون لاين 5/10/2008 على الرابط:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1221720523070&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout
65 – تقرير علياء ماضي، خبير استراتيجي: إسرائيل تشارك في إعمار العراق! إسلام أون لاين 10/4/2008 على الرابط:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1203758903492&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout
66 – راجع تصريحات باراك في: صحيفة الحياة 20/10/2008. وحول تحليل دوافع التحركات الإسرائيلية انظر: مهدي الدجاني، المناورة الإسرائيلية في شأن المبادرة العربية… لن تحقق هدفها، الحياة 19/11/2008.
67- راجع: إيهود يعري، إيران أكبر من قدراتنا، في: صورة إيران في الإعلام الإسرائيلي، ترجمة: صلاح عبد الله، بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والتوثيق،1997، ص 75-80.
68 – تسفيا غرينفيلد، تخويف إيران بلطم الصدور، هآرتس 21/7/2008.
69 – نقلاً عن: شلومو كوهين، العيش مع القنبلة، يديعوت أحرونوت 26/8/2008.
70 – الجزيرة نت 9/9/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/920E82F5-145C-4E6D-99BF-B49049AA0690.htm
[71] -صحيفة الحياة 10/9/2008.
72 – الجزيرة نت 24/8/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F0E48103-6F1C-4723-8C02-B568988EEBDF.htm
73 – صحيفة الحياة 21/8/2008.
74- صحيفة الشرق الأوسط 28/8/2008.
75 – الجزيرة نت 6/1/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=1080045
76- الجزيرة نت 2/8/2008 على الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/87FD7FA1-70DE-4FF7-B3AD-1B6768EDDBD4.htm

77- جاسم الحريري، تداعيات االعلاقات الباكستانية- الإسرائيلية على الوطن العربي، شؤون الأوسط، العدد 127، خريف 2007، ص 143.
78 – صحيفة الحياة 31/10/1999.
79 – يؤاف برومر، مشرف الصديق الذي كاد يكون لإسرائيل، معاريف 26/8/2008.
80- مأمون كيوان، باكستان تحت المجهر الإسرائيلي، الحياة 14/2/2008.
81 – محمد خالد الأزعر، نهاية الحرب الباردة ومكانة إسرائيل الإقليمية، شؤون عربية، العدد 76، ديسمبر 1993، ص 38-39.
82 – المصدر السابق، ص42-61.
83 – د. عماد جاد، مصدر سبق ذكره، ص 46.
84 – آمال شحادة، مسؤولون دوليون يتناوبون على زيارة إسرائيل، صحيفة الخليج (الإمارات)، 17/3/2008.
85 – صحيفة الأيام (رام الله) 24/6/2008.
86 – سامية بيبرس، ألمانيا وإسرائيل.. نحو شراكة استراتيجية، السياسة الدولية، العدد 173، يوليو 2008، ص168-169.
87 – صالح النعامي، يديعوت أحرونوت: إسرائيل أسهمت في إشعال حرب القوقاز، إسلام أون لاين 11/8/2008على الرابط:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1218386132014&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout
88 – انظر: مأمون الحسيني، إسرائيل وحرب القوقاز: أية جريمة… وأي عقاب، صحيفة الحياة 30/8/2008.
89 – المصدر السابق.
90 – بتصرف عن: تسفي بارئيل، روسيا قادمة للمناكفة، هآرتس 31/8/2009 مترجم في: الأيام (رام الله) 1/9/2008.
91- بلال الحسن، مواجهة “غير مباشرة” بين سوريا وإسرائيل عبر جورجيا، صحيفة الشرق الأوسط 24 أغسطس 2008.
92 – راجع: حوار صحيفة ديبلماسي إيران (الدبلوماسية الإيرانية) 18/2/2009 مترجم في: مختارات إيرانية، العدد 104، مارس 2009، ص 61-62.
93- محمد حسنين هيكل: الناتو اللاعب الأكبر بالشرق الأوسط.. قريباً،إسلام أون لاين 23/1/2009 على الرابط:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1232171650288&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2009

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى