مرايا ونوافذ حضارية.. ورقة خلفية

المرآة هي ذلك الإطار الزجاجي العاكس الذي ينظر المرء من خلاله إلى ذاته. لكن العقل الإنساني استلهم هذا المعنى وصبغه على الإنسان نفسه، فوصف الناس به أنماطًا معينة من العلاقات ينظر/يفهم الإنسان نفسه فيها من خلال الآخرين وعبر رؤيتهم له “بما يعني أنهم يلعبون دور المرآة في إظهارها صورة المرء لنفسه بما يمكِّنه من مطالعتها ورؤيتها”. وفي هذا الإطار ظهر نوع من الأدب الفكري في العصور الوسطى سُمي بـ”مرايا الأمراء” وهو أدب سياسي قوامه النصح للحاكم والأمير وتقويمه وتوجيهه لما فيه صلاح ملكه وأمره. والفكرة من وراء هذه التسمية هي أن الكتاب يعمل كـ”مرآة” يرى فيها الحاكم عيوبه ومحاسنه، ويتعلم كيف يصلحها. وهكذا شاع مجاز “المرآة” في وصف أنماط من العلاقات الإنسانية (الصديق والعدو ..إلخ).
أما النافذة فهي إطار ينظر المرء من خلاله إلى الآخر عمومًا، والنافذة بطبيعتها وبحكم شكلها الهندسي تسمح بزاوية نظر محددة. وبدورها تستخدم النافذة كمجاز معبر عن منظور محدد في التناول العلمي والمعرفي[1]. ومن ثم فإن النافذة تعني زاوية نظر تتيح رؤية معينة للواقع (وللعالم)، وكذلك تحدد فهمًا معينًا لهذا الواقع بناءً على المشهد المتاح رؤيته من هذه النافذة. وقدد تتعدد نوافذ النظر بما يتيح للناظر توسيع الرؤية وإدراك مساحة أكبر من الواقع (العالم)، وربما يمكن القول أنه كلما تعددت وتنوعت النوافذ تزايدت إمكانية الرؤية بشكل أوسع ومعها ازداد الإدراك والفهم للواقع/ العالم؛ أو بتعبير الفقيه والأصولي طه العلواني “الكتاب المنظور” أي الكون والوجود والعالم.
إن المرايا والنوافذ هي إمكانات ووسائل النظر للذات وللآخر بالتداخل والانعكاس؛ بما يعني النظر للذات عن طريق الآخر (المرايا)، وللآخر بإمكانات الذات (النوافذ). وهذه الرؤى والمدركات المتبادلة تخضع لشروط وأحوال حضارية –مكانية وزمانية- مختلفة، وتتأثر برؤى كلية للعالم، وفلسفات، وأفكار، ونظريات، ومنظورات مختلفة. فالقرآن على سبيل المثال دعا دعوة صريحة واضحة للتعارف بين الأمم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). والتعارف بين المسلمين وغيرهم أخذ بدوره أشكالا وسبلًا وطرائق شتى؛ فمن التعارف ما كان عن طريق الدعوة، أو عن طريق الجهاد أو التجارة، أو السفر والرحلات والكشوف الجغرافية. وكذلك وجدت الأمم الأخرى سُبُلَها في التعارف والتواصل –سلبًا وإيجابًا- فعرف العالم المسيحي الرحلات والكشوف والحملات الصليبية والحملات التبشيرية والاستشراق ثم الاستعمار وصولًا إلى دراسات المناطق.
والقصد أن السبل والطرائق تتعدد وتتنوع؛ فمنها السياسي والعسكري، والاقتصادي، والإنساني، والعلمي. وكذلك تتعدد وتتنوع فضاءات التعارف؛ ما بين فضاءات أممية –أي بين الأمم المختلفة-، وفضاءات داخل الأمة الواحدة (فضاءات التفاعل بين الشعوب الإسلامية والتفاعل بين المسلمين وغيرهم داخل البلدان الإسلامية.. إلخ)، وفضاءات للتفاعل على مستوى جماعاتي عابر (أي جماعات تجمعها انتماءات واحدة وتفرقها الجغرافيا)، وفضاءات للتفاعل حتى بين الأفراد. وتتأثر فضاءات التفاعل بفضاءات المكان والجغرافيا والتاريخ؛ فالعالم والقارات والأقاليم والحدود الجغرافية والسياسية مثلت شروطًا مهمة –أي قيودًا وفرصًا- لإمكانيات التفاعل والتعارف.
- أبعاد الموضوع:
بناءً على هذا، يأتي هذا المشروع الذي يرمي إلى قراءة أنماط التعارف في الخبرة الإنسانية الواسعة؛ شرقية وغربية، من خلال المتاح والممكن من النوافذ والمرايا الحضارية. ذلك ويحدونا في هذا سؤال رئيس: ما هي أبرز أنماط التعارف الإنساني بين الأمم وفي الأمة الواحدة في إطار الفضاءات المكانية والجغرافية والتاريخية التي عرفها الإنسان؟
وبهذا السؤال تتحدد أبعاد الموضوع فيما يلي:
· أنماط وأشكال التعارف الإنساني عبر الأمم وبين الأمم والمجتمعات الإنسانية، ومحددات هذه الأنماط وشروطها التاريخية؛ وهنا نتحدث عن السياسي والعسكري والاقتصادي والتجاري والإنساني والعلمي…إلخ، سواء في وقت السلم أو الحرب، التعاون أو الصراع. وكذلك نتناول علاقات الأمم الأخرى فيما بينها، بقدر ما نتناول العلاقة بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى. وكذلك كيف يتأثر هذا التعارف بدورات صعود وسقوط الأمم والحضارات “سنن التداول والتبدل والتغيير”، ذلك أن هذه الدورات والتحولات تعيد تشكيل أنماط التعارف وتؤثر عليها مباشرة (من ذلك مثلًا الفرق بين الهجرات الإرادية والقسرية، وأدب الرحلات في وقت السلم والحرب*، وطرق التجارة والسفر… إلخ).
· دور الدين في هذا التعارف والتفاعل وكيف أثرت الأديان والمعتقدات على أنماط التعارف. وهنا نتطرق للدور الرسالي للإسلام، والتبشيري للمسيحية، والعلاقات الإسلامية- المسيحية، ثم الإسلامية- الغربية بأديانها ومعتقداتها المادية والعلمانية الجديدة. وكذلك يمكن التطرق إلى التآثر –التأثير والتأثر- بين ديانات أخرى غير سماوية، كتلك المنتشرة في آسيا وإفريقيا والتي شكلت حضارات بدورها، وعلاقتها بالأديان السماوية والحضارات الكبرى.
· دور المكان والفضاء الجغرافي في عملية التعارف، وهنا نتطرق إلى تطور الطرق والمواصلات ووسائل السفر والانتقال ودورها في إعادة تشكيل العلاقات بين الأمم والمجتمعات (على سبيل المثال: طريق الحرير- رأس الرجاء الصالح- البحر والحضارة- طرق التجارة العالمية..)، وكذلك المواصلات وتأثيرها على الشعوب (ومن ذلك مثلا مشروع السكة الحديد في العالم العربي “العثماني”)، ومن ناحية أخرى المدن وما لعبته من أدوار تاريخية وحضارية بين الأمم والشعوب المختلفة.
- ومن ثم يمكن أن تتحدد مستويات العمل في المشروع، فيما يلي:
الأول: مستوى التأصيل الإسلامي للتعارف والحوار بين الأمم.
الثاني: مستوى المنتجات الفكرية حول التعارف وحوار الحضارات.
الثالث: مستوى الخبرات التاريخية المستقاة من التجارب.
- أوعية العمل:
- يركز المشروع بشكل مبدأي على القراءة البينية والمتعمقة في الكتب التي تحيط بأبعاد المشروع وموضوعاته ومستوياته من ناحية، وإذ يغلب على الكتابات والأعمال التي تحيط بهذا المشروع الأعمال المترجمة والكتابات الأجنبية، فإننا نسعى إلى موازنتها قد الإمكان بالأعمال العربية والإسلامية المناظرة والمقابلة، بما يحقق رؤية مقارنة ومقابلة بين التوجهات الحضارية المختلفة.
- نشر بعض التقارير حول نماذج من خريطة الموضوعات من أعمال مركز الحضارة للدراسات والبحوث ومركز الدراسات الحضارية. وقد عني هذا الأخير خصيصًا بدراسة الحوار بين الحضارات وتأصيل الدراسات الحضارية والرؤى المتبادلة بين الأمم.
- ومن ناحية أخرى سيتطرق المشروع إلى أعمال أدبية من قبيل الأفلام أو المواد المرئية والروايات باعتبارها أحد أهم مصادر الخبرات الإنسانية والاجتماعية. وكذلك تعتبر بعض الأفلام الوثائقية ساحة مهمة لعرض تجارب التفاعل والتعارف الإنساني الحضاري بين الأمم في مراحل مختلفة.
[1] انظر مثلًا استخدام زيجمونت باومان لمفهوم النافذة بهذا المعنى في: زيجمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ترجمة: حجاج أبو جبر، (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014)، ص40.
* يلاحظ أن أدب الرحلات مثلا وما يحمله من معاني التعارف والتعرف على الأمم الأخرى كان يتراجع بشكل كبير في فترات الحروب والنزاعات، فيلاحظ خالد زيادة مثلًا أن أشد المراحل التي شهدت انخفاضًا في اهتمام المسلمين بأوروبا وشعوبها هي فترة الحروب الصليبية، ويبرز في ذلك كتاب أسامة بن منقذ “الاعتبار” الذي لم يظهر أي رغبة في التعرف إلى أصول الفرنجة، بل ينم عن حالة من الازدراء والاحتقار. انظر: خالد زيادة، تطور النظر ة الإسلامية إلى أوروبا، (القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 2016)، ص11.


