آسيامناطق

آسيا الوسطى والقوقاز

تواجد أمريكي، تراجع روسي، مد استقلالي شيشاني

لاشك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي أصابت نيويورك وواشنطن، وفرت فرصة ذهبية للولايات المتحدة لتحقيق العديد من الأهداف التي طالما سعت إلى تحقيقها ولكن كان ينقصها المبِّرر الأخلاقي والغطاء الشرعي الذي وفرته تلك لأحداث.
فالحشود العسكرية الضخمة والحملة الإعلامية الهائلة والضغوط الشديدة التي مارستها الولايات المتحدة على دول العالم من أجل تأييد حملتها المزعومة على “الإرهاب”، لم تكن لتقنع أحداً بأن المستهدف من وراء ذلك هم مجموعة من المقاتلين البدائيين في أفغانستان الذين لا يتجاوز عددهم بضعة آلاف، ولا يستخدمون إلا أسلحة بدائية من مخلفات حروب سابقة، وإنما بدا أن أهداف تلك الحملة تتجاوز ذلك الهدف المعلن(محاربة الإرهاب)، وعلى الفور اتجهت الأنظار إلى منطقة آسيا الوسطى والقوقاز لعلها تفسر حالة الاستنفار الأمريكي، باعتبار أن اختراق تلك المنطقة ظل دوماً هدفاً أمريكياً غير مُعلَن؛ للعديد من الأسباب؛ منها: بقاؤها قريبة من مناطق إنتاج النفط والغاز والمعادن الثمينة في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز (والتي تشير الإحصاءات إلى أنها المستقبل بالنسبة للاحتياطي العالمي من النفط والغاز)، وتأمين طرق نقل هذه الثروات إلى الأسواق العالمية بدون عوائق، ثم إضعاف روسيا وترسيخ انفصالها عن جوارها القريب ومجالها الحيوي التاريخي في آسيا الوسطى والقوقاز، ومواجهة احتمال قيام نظم حكم إسلامية في تلك الجمهوريات على غرار النموذج الإيراني، والمضي قدماً في سياسة احتواء إيران ومحاولة عزلها عن المنطقة وزيادة التوتر بينها وبين دول المنطقة، وعدم تمكين الصين من تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية في تلك المنطقة تتناسب مع التصاعد الكبير في قوتها الاقتصادية، ومنع احتمال قيام قطب جديد يتشكل من تحالف فعال بين الصين وروسيا ودول المنطقة يمكن أن يهدد مكانة الولايات المتحدة كقطب أوحد.
ومن هنا فإننا سنتناول في هذا الجزء من التقرير، بالرصد والتحليل تأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على قضيتين تنفصلان من أهم قضايا تلك المنطقة الاستراتيجية:
القضية الأولى- هي قضية الصراع الدولي حول بترول بحر قزوين وخطوط نقله، وكيف تأثر ذلك الصراع بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
القضية الثانية- هي قضية الشعب الشيشاني الذي يسعى للاستقلال عن الهيمنة الروسية، ونتناول تطور هذه القضية وكيفية تأثرها-أيضاً- بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

أولاً- أحداث 11 سبتمبر والصراع حول بحر قزوين

بحر قزوين في الاستراتيجية الأمريكية:

في عام 1994 أصدر البيت الأبيض وثيقة بعنوان “استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسيع” “National Security Strategy For Reengagment and Enlargment” والتي تتحدث عن إمكانية استخدام نفط بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الإمداد بالطاقة في سبيل تقليص الاعتماد الأمريكي على بترول الخليج العربي، وذلك من خلال تشجيع منتجين ومصدِّرين جُدد للأسواق الأمريكية، فالاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة. ومن هنا جاء الاهتمام الأمريكي بمفهوم “أمن الطاقة” (1)، وبالتالي برز بترول بحر قزوين باعتباره البديل الأمثل، حيث تشير تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن الاحتياطيات المحتملة (Possible Reserves) لنقط بحر قزوين تصل إلى 200 برميل، وهو رقم يقترب كثيراً مما لدى السعودية صاحبة أعلى احتياطي نفطيّ في العالم (69 مليار برميل). أما من حيث التوزيع فإن مجموع ما تنتجه ثلاث دول هي أذربيجان، وقازاقستان، وتركمنستان، يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، في حين يتركز القدر الأكبر من الاحتياطيات النفطية في كازاخستان وأذربيجان، وإلى حد أقل أوزبكستان. وتشير تقديرات عدة إلى أن أكثر من نصف الثروة النفطية المحتملة في المنطقة يقع في كازاخستان. وبتقديرات الحكومة الأمريكية يتوقع بلوغ الإنتاج النفطيّ في كل من كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان بحلول عام 2010 إلى مستوى 4.5 مليون برميل إذا ما أزيلت العقبات السياسية(2).
أما بالنسبة للغاز الطبيعي فيبلغ إجمالي الإنتاج السنويّ من بحر قزوين ما بين 70-80 مليار متر مكعب سنوياً، وتشير البيانات إلى أن لدى تركمنستان رابع أكبر احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي، بينما تمتلك كل من كازاخستان وأذربيجان كميات كبيرة منه، وتشير وكالة الطاقة الدولية تقديرات إلى أن إنتاج الغاز في كل من أذربيجان وكازاخستان، وتركمنستان وأوزبكستان سيصل إلى 201 مليار متر مكعب بحلول عام 2010 في أفضل السيناريوهات، ولن يقل عن 164 مليار متر مكعب في أسوئها(3).
وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية للطاقة على بُعدٍ آخر وهو تعدد طرق النقل وخطوط الإمداد، فلا يكفي تعدد المصادر بل يجب أيضاً تعدد المسارات لتقليل احتمالات تعرضها للمخاطر خاصة أن بحر قزوين بحيرة مغلقة لا يتصل ببحار مفتوحة، وبالتالي لا يمكن نقل النفط من حقوله إلى الأسواق العالمية إلا عبر خطوط أنابيب من مواقع النفط إلى البحار المفتوحة ومنها إلى الأسواق العالمية، ولا يوجد في الاحتمال حتى الآن سوى ثلاثة مشاريع لنقل نفط بحر قزوين عبر أنابيب.
المشروع الأول- هو الخط الشمالىّ الذي يمر من بحر قزوين عبر الأراضي الروسية شمالاً حتى ميناء نوفروسييك الروسي على البحر الأسود، ومن هناك عبر مضيق البسفور إلى الأسواق العالمية.
المشروع الثاني-الخط الغربي، ويمر من باكو في أذربيجان وحتى تبليسى في جورجيا ومن هناك إلى ميناء جيهان التركي.
المشروع الثالث- الخط الجنوبي، ويمر من تركمنستان عبر أفغانستان إلى ميناء كراتشى على بحر العرب في باكستان (4).
ومن هنا نشأ صراع آخر حول خطوط أنابيب بترول بحر قزوين، حيث كان رفض واشنطن القاطع لمرور خط أنابيب بحر قزوين بإيران رغم قلة تكاليفه، لأنه في النهاية سيصب في الخليج العربي ليمر بناقلاته عبر مضيق هرمز فتزداد مخاطر تأثير أي صراعات أو تغيرات في الخليج العربي على إمدادات المصْدرين معاً، أيضاً لكي تحد من المكاسب والمزايا الاقتصادية التي يمكن أن تحصل عليها طهران من ثروات بحر قزوين إذا مر الخط عبر أراضيها. وللسبب ذاته رفضت واشنطن مرور الخط بروسيا فالبحر الأسود فمضيق البسفور ثم الأسواق العالمية (الخط الشمالي)، لاعتبارات تتعلق بتحجيم الدور الإستراتيجي لروسيا أيضاً وترسيخ انفصال جمهوريات آسيا الوسطى عن التأثير الروسي الذي ارتبطت به تاريخياً مما يسهل دمجها في الفضاء الأمريكي، وقد كان تصريح وزير الطاقة الأمريكي الأسبق “بيل ريتشاردسون” معبراً عن هذا الاتجاه الأمريكي بقوله: “لابد أن نمنع الآخرين الذين لا يشاركوننا قيمنا من الحصول على مكاسب استراتيجية في منطقة بحر قزوين وأسيا الوسطى”. وبالتالي لا يتبقى من منظور المصالح الأمريكية إلا طريقان متناغمان مع السياسة الأمريكية هما” الخط الغربي الذي يمر عبر الأراضي التركية والذي رعته إدارة كلينتون، والخط الجنوبي الذي يمر عبر أراضى أفغانستان”(5).

أحداث سبتمبر والتواجد الأمريكي في المنطقة

إن استقراء تاريخ السياسة الأمريكية تجاه منطقة آسيا الوسطى والقوقاز طوال السنوات الماضية ليشير إلى أن المنطقة تحتل مكانًا بارزًا في الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، وغدت منطقة بحر قزوين مفردة حاضرة في أدبيات ما يعرف بالجغرافيا السياسية (Geopolitics) الأمريكية، وتمكنت الولايات المتحدة من تحقيق درجات متضاربة من التغلغل السياسي والاقتصادي والعسكري في تلك المنطقة من خلال دعم علاقاتها ببعض تلك الدول مثل كازاخستان، أو من خلال استثمارات شركات النفط الأمريكية العملاقة في حقول النفط في تلك المنطقة. وعليه فقد وجدت الولايات المتحدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الفرصة سانحة لتحقيق مراميها الاستراتيجية في التحكم في موازين الطاقة العالمية ليس فقط عن طريق السيطرة على منابع النفط ولكن-أيضاً-عن طريق إيصال موارد بحر قزوين إلى البحار المفتوحة ومنها للأسواق العالمية عبر طرق آمنة ومضمونة، حيث وفرت الحرب الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب للجيوش الأمريكية التواجد في آسيا الوسطى عن طريق القواعد العسكرية في تركمنستان وأوزبكستان وأفغانستان ومن ورائهم باكستان، فضلاً عن التواجد المسبق في دول القوقاز “أذربيجان، جورجيا”.

* جولات التحرك الدبلوماسي

ولهذا، وبمجرد إعلان واشنطن نيتها بتجهيز حملة عسكرية ضد طالبان، بدأت تحركات المسئولين الأمريكيين وزياراتهم تتوالى على موسكو ودول آسيا الوسطى والقوقاز، فقام وزير الخارجية كولين باول بزيارة دول آسيا الوسطى في سبتمبر 2001 بعد أيام قليلة من وقوع الأحداث، ثم زار تلك الدول في سبتمبر أيضاً مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون نزع السلاح والأمن الدولي، ثم قام إيجور إيفانوف وزير الخارجية الروسي بزيارة للولايات المتحدة التقى خلالها نظيره الأمريكي في الأول من نوفمبر 2001، وفي الثالث من نوفمبر وصل رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي إلى روسيا في مستهل جولة تشمل أيضاً طاجيكستان وأوزبكستان، وكان رامسفيلد قد زار تركيا وأوزبكستان في مطلع أكتوبر 2001. وشهد شهر نوفمبر أيضاً انعقاد القمة الرئاسية الروسية الأمريكية، وتلا تلك القمة زيارة كولين باول إلى دول آسيا الوسطى (قيرقيزستان، وأوزبكستان) وروسيا في مطلع ديسمبر 2001، وفي مطلع يناير 2002، قام الجنرال تومى فرانكس قائد الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان بزيارة إلى أوزبكستان، ثم زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي اليزابيث جونز لطاجكستان وقيرقيزستان في نهاية يناير 2002، كذلك قام رامسفيلد بزيارة كل من كازاخستان وتركمنستان في نهاية أبريل 2002، وقد كان هدف كل تلك الزيارات والاتصالات هو مناقشة التسهيلات العسكرية التي طلبتها الولايات المتحدة الأمريكية من دول آسيا الوسطى.

تواجد عسكري أمريكي

وحققت تلك الزيارات أهدافها حيث أسفرت عن.
– إبداء روسيا استعدادها لتقديم كل الدعم الذي يطلبه الأمريكيون وفتحت أمامهم أجواءها أمام الطيران الأمريكي، وزودتهم معلومات استخباراتية بالغة الأهمية، وشجعت حلفاءها في آسيا الوسطى على مساندة الجهود الأمريكية بعد أن قام الرئيس الروسي بالتحدث هاتفياً بعد أيام قليلة من أحداث سبتمبر مع زعماء قيرقيزستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وتركمنستان، وطاجيكستان.
– وافقت أوزبكستان على تأجير قاعدة آباد الجوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 25 عاماً، كما قامت الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من حملتها في أفغانستان بنشر نحو 1500 من جنودها في أوزبكستان، كما توصلت إلى اتفاق مع أوزبكستان يقضى بمنح الجيش الأمريكي مرونة في العمل من القواعد العسكرية في أوزبكستان،مقابل أن تضمن واشنطن حماية أمن أوزبكستان، بالإضافة إلى إعادة فتح الحدود الأوزبكية الأفغانية وفتح جسر استراتيجي بين البلدين (6).
– أقامت قاعدة جوية أمريكية في قيرقيزستان، وصفها قائد الحملة الأمريكية على أفغانستان “تومى فرانكس” بأنها قاعدة نقل جوى رئيسية، ويتمركز فيها ثلاثة آلاف جندي أمريكي، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة وطائرات دعم أخرى. وقد بدأت الولايات المتحدة في بداية يناير 2002، في تعزيز تلك القاعدة على أساس مذكّرة تفاهم بين البلدين حصل الأمريكيون بموجبها على حقوق سيادية في هذا البلد، منها إدخال أسلحة وإعفاء من التفتيش وتمتع المواقع والمواطنين الأمريكيين بالحصانة الكاملة وعدم إخضاعهم للقوانين المحلية والسماح للمواطنين الأمريكيين بالدخول والخروج من قيرقيزستان ببطاقات الهوية، مما جعل أحد جنرالات الاستخبارات الروسية ويدعى “فاسيلى ليوفوف” يتحدث عن “تحويل قيرقيزستان إلى بلد مُحتل”، كما أعيد تجهيز مطار “ما ناس” لاستقبال ثلاثة آلاف خبير عسكري أمريكي وعدد كبير من الأجهزة والطائرات الأمريكية. وتكتسب القواعد الأمريكية العسكرية في قيرقيزستان أهمية خاصة مع كونها تقام في مناطق قريبة من الصين، وبهذا سيكون بوسع الولايات المتحدة استخدام هذه المرتكزات للإشراف على المناطق الغربية وعلى الحدود الهندية الباكستانية(7).
– أما طاجيكستان، والتي كانت تعد أقرب حليف لروسيا في المنطقة، فقد أخذت تعزز علاقتها مع الولايات المتحدة، فوافقت على وضع قاعدة “كولياب” الجوية الواقعة على بعد 100 كيلو متر من الحدود الأفغانية، تحت تصُّرف القواعد الأمريكية والفرنسية، كما وافقت على نشر ما يقرب من 4000 عسكري أمريكي وأوروبي في تلك القاعدة، في الوقت الذي طالب الرئيس الطاجيكى “إمام على رحمانوف”، موسكو بدفع 200 مليون دولار سنوياً لقاء وجود قاعدة روسية في أراضى بلاده. وكانت الولايات المتحدة قد ألغت الحظر الذي فرضته سابقاً على تصدير السلاح إلى طاجيكستان مما يوحي بأنها تريد أن تشارك في إعادة تجهيز القوات المسلحة الطاجيكية تمهيداً لتقليص الاعتماد على روسـيا(8).

مصالح متبادلة:

ولا شك أن تلك الدول الثلاث (طاجيكستان، وأوزبكستان، وقيرقيزستان)، حققت هي أيضاً بعض مراميها من جرّاء تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، فبالإضافة إلى الأهداف التقليدية مثل تدفق الاستثمارات الأمريكية، هناك من يشير إلى أن أكثر هذه البلدان اندفاعًا في إظهار تحالف علنيّ ومفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية هي الأكثر معاناة من أزمات داخلية متفاقمة، وهي تريد أن تقبض ثمن وقوفها بجانب أمريكا، مساعدة من الأخيرة على مواجهة هذه الأزمات. ولعل المثال الأوضح على ذلك هو أوزبكستان، التي نجحت في إقناع الولايات المتحدة بإدراج اسم “الحركة الإسلامية في أوزبكستان” على قائمة المنظمات التي تسميها واشنطن “منظمات إرهابية” والمطلوب ضربها وبالتالي تنزع أي شرعية عن مطالبها بالتغيير السياسي في مقابل تقديم التسهيلات المذكورة للقوات الأمريكية. وكان نهج الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، في التعامل مع المعارضة الإسلامية في بلاده قد تعرّض لانتقادات أمريكية حادة وصريحة، وصلت إلى دعوة وزيرة الخارجية السابقة “مادلين أولبرايت” في إحدى زياراتها إلى أوزبكستان إلى “عدم الخلط في العقاب بين من يقوم بعمليات إرهابية باسم الدين ومن يؤدى الصلاة”، في إشارة إلى ارتفاع منسوب القمع الدموي الذي قام به كريموف للحركة الإسلامية في بلاده (9)، كذلك الحال في طاجيكستان التي تسعى إلى أن تضع الحملة الأمريكية على أفغانستان حداً للاضطراب المتفاقم في جنوبها، وتحديداً إبعاد العامل الطاجيكي- الأفغاني عن التأثير في أوضاعها الداخلية.

مكاسب أمريكية:

ولا شك في أن هذا التواجد العسكري في ثلاث دول تشكل مثلثاً استراتيجيا يتحكم في المفاتيح الاستراتيجية لمنطقة آسيا الوسطى، قد حقق العنصر الأول من استراتيجية الطاقة الأمريكية، وهو البقاء قريباً من حقول إنتاج النفط والغاز في منطقة بحر قزوين، لكنه أيضاً ساعد بشكل كبير على تحقيق العنصر الثاني من تلك الاستراتيجية وهو تأمين مرور تلك الثروة النفطية عبر خطوط آمنة، مع حرمان القوى المنافسة من مزايا مرور خطوط نقل هذا النفط عبر أراضيها. فنظراً لأن الدول التي يمكن أن تمر بها أنابيب النفط والغاز تواجه أنواعاً مختلفة من الصراعات القومية أو الدينية أو الاثنين معاً، فإن تأمين مرور ذلك البترول هدف لا يقل أهمية عن هدف السيطرة على منابعه، ومن هنا تسعى الولايات المتحدة إلى مرور ذلك النفط عبر أفغانستان أو تركيا بدلاً من روسيا أو إيران، وكانت قبل أحداث 11 سبتمبر تحاول مدّ ذلك الخط عبر أفغانستان، وذلك من خلال شركة “يونوكال” النفطية الأمريكية، والتي كانت قد وقَّعت اتفاقاً بينها وبين حركة طالبان مطلع عام 1998، يقضى بسماح الحركة بمرور خط أنابيب لنقل الغاز من تركمنستان وبالتحديد من حقول دولت آباد إلى كراتشي بباكستان عبر الأراضي الأفغانية من هيرات وحتى قندهار بطول 790 ميلاً، وبتكلفة 2 مليارى دولار(10)، ولهذا كان لتلك الشركة دور بارز في دعم اجتياح حركة طالبان لشمال أفغانستان عام 1998، وقدمت لها مساعدات للسيطرة على منطقة مزار شريف. وكان هدف ذلك هو إيصال طالبان إلى حدود تركمنستان شمالاً بعدما أحكمت السيطرة على هيرات غرباً، الأمر الذي يتيح السيطرة على خط الأنابيب المقترح، وكان من شأن هذا المشروع أن يسهم في فك الارتباط بين تركمنستان “رابع منتج للغاز في العالم” وبين روسيا، التي يجرى عبرها الغاز التركماني للأسواق الأوروبية، كما جرى الحديث وقتها عن إمكانية مدّ خط لنقل النفط الكازاخي عبر تركمنستان، فأفغانستان ثم باكستان، بدلاً من المسار الروسي الحالي، وكان من شأن هذا المشروع أيضاً إضعاف الارتباط بين روسيا وكازاخستان.
ولكن المعارك بين طالبان وخصومها من ناحية، وفشلها في الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بها كحكومة شرعية وعدم قدرتها على حماية الخط المقترح من ناحية أخرى، ومع شركى “يونوكال” أدى إلى إرجاء تنفيذ الخط(11)، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر وإزاحة طالبان، حاولت الولايات المتحدة العودة إلى المشروع القديم. ويلاحظ أن مناطق تمركز القوات الأمريكية في أفغانستان، هي نفسها المناطق التي يفترض أن يمر منها خط أنابيب شركة يونوكال، وبعد أن استطاعت السيطرة بالكامل على تلك المناطق دفعت الولايات المتحدة بقوة لإنشاء هذا الخط، وهو ما حدث بالفعل في مايو 2002، حيث وقَّع قادة كل من تركمنستان وباكستان وأفغانستان اتفاقاً في إسلام آباد، يقضى بمدّ خط أنابيب للغاز بكلفة 200 مليار دولار يصل بين تركمنستان وباكستان مرواً بأفغانستان، على أن يبدأ هذا الخط من حقل دولت آباد للغاز في تركمنستان وينتهي في منطقة غوادر في جنوب غربي باكستان(12).

موقف القوى الإقليمية من التواجد الأمريكي في آسيا الوسطى

لا شك في أن التواجد العسكري الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، أقلق العديد من القوى الإقليمية التي لها مصالحها الضخمة أيضاً في تلك المنطقة، ويأتي على رأس هذه القوى كل من روسيا والصين اللتين تمثلان مع الولايات المتحدة مثلث التوازن الاستراتيجي في تلك المنطقة، ثم تأتي بعد ذلك قوى مثل إيران وتركيا وباكستان.
ولا شك في أن هذا القلق تصاعد بشكل كبير بعدما اتّضحت نية الولايات المتحدة في التواجد طويل الأمد في تلك المنطقة، هذه النية التي كشفت عنها الممارسة الأمريكية على أرض الواقع؛ حيث بدأت في تعزيز تواجدها العسكري وتمديده إلى مناطق أخرى، بعدما انتهت الحملة على طالبان، هذا بالإضافة إلى تصريحات العديد من المسئولين الأمريكيين التي تؤكد نية التواجد طويل الأمد، فمثلاً صرَّح السفير الأمريكي في روسيا الكسندر فيرشيو، في مطلع يناير، أن حكومة بلاده تنوى-بعد إنجاز مهمتها في أفغانستان- “مساعدة دول آسيا الوسطى في تطوير الديمقراطية، إن الوجود الأمريكي لا يجوز اعتباره خطرًا لأنه يؤدى إلى الاستقرار والديمقراطية”(13)، كذلك أكد نائب وزير الخارجية الأمريكي “لين باسكو” في منتصف يناير 2002، رغبة بلاده في “علاقات طويلة الأمد في مجال الأمن” مع دول آسيا الوسطى، وقال إن واشنطن تريد “تعزيز الديمقراطية في المنطقة”(14). كذلك أكدت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي إليزابيث جونز أثناء زيارتها لطاجيكستان وقيرقيزستان في نهاية يناير 2002، “أن الوجود الأمريكي في بعض دول آسيا الوسطى سيستمر لسنوات “(15)، وكان قد سبق تلك التصريحات تصريح أكثر دلالة في هذا الشأن لأنه صدر عن وزير الخارجية الأمريكية كولين باول أثناء زيارته لدول آسيا الوسطى في ديسمبر 2001، حين قال إنه يريد التطلع إلى ما وراء أزمة أفغانستان، وكيفية تطوير علاقات واشنطن مع تلك الدول، موضحاً حرص الولايات المتحدة على إرساء الديمقراطية داخل الأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة(16)، وانتهت تلك الدلالات القاطعة على نية التواجد الأمريكي الدائم في آسيا الوسطى بزيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إلى تركمنستان في 26 أبريل 2002، ثم كازاخستان في 28 أبريل 2002.
وقد أدى ذلك الإعلان الصريح عن النية الأمريكية في التواجد الممتد في آسيا الوسطى، إلى تغير في موقف القوى الإقليمية خاصة روسيا والصين، من تأييدٍ مطلق للحملة الأمريكية على أفغانستان إلى قلقٍ من وجودٍ دائم في آسيا الوسطى والقوقاز يهدد مصالحها؛ فالصين استطاعت في الأشهر القليلة التي سبقت أحداث سبتمبر أن تعزز منتدى شنغهاي وأن تقترب بذلك من روسيا ومن كثير من دول آسيا الوسطى، وقد أبدت واشنطن في ذلك الوقت استيائها من التقارب الصينى- الروسي الذي قد يمنح بكين بديلاً عن الشرق الأوسط للتزود بالنفط، لأن الصين كانت تنظر لمنتدى شنغهاي على أنه مجال خصب لتأمين موارد الطاقة لخدمة قفزتها الاقتصادية، ومصادر السلاح لحمايتها، وأداة لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع أمريكا مستقبلاً، خاصة أن هناك من ينتظر من منتدى شنغهاي أن يتحول إلى قطب دولي منافس للولايات المتحدة(17)، باعتباره يضم قوة عسكرية (روسيا)، وقوة اقتصادية بازغة (الصين)، وعضوين من الأعضاء الخمسة الدائمة في مجلس الأمن (روسيا، الصين) ودولاً تسيطر على ثالث أكبر مخزون نفطي في العالم (كازاخستان، أوزبكستان، طاجيكستان، قيرقيزستان)، وقوة سكانية ضخمة (ربع سكان العالم)،
ومن هنا فإن التواجد الأمريكي في تلك المنطقة سوف يقطع الطريق أمام تفعيل تلك التحالفات، وتزايد قلق الصين مع تمركز قوات أمريكية في باكستان ودخول الأخيرة الفلك الأمريكي، الأمر الذي يمكن أن يؤثر على نفوذ الصين في باكستان حليفتها التقليدية على مدى أكثر من خمسين عاماً، كما تخشى الصين من أن التواجد الأمريكي في آسيا الوسطى يمكن أن يوفر للولايات المتحدة في المستقبل إمكانية التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قضايا حسَّاسة بالنسبة للصين مثل استقلال إقليم سينكيانج غربي الصين، والذي تقطنه أقلية الإيجور المسلمة، خاصة أن اشتراك كل من كازاخستان وقيرقيزستان في الحدود مع الصين، واحتضان كازاخستان للحركة الانفصالية “الإيجور”، بمثابة ورقة قوية تستطيع واشنطن الضغط بها على بكين(18). وتمثَّل أول رد فعل من جانب الصين في الدعوة لعقد اجتماع طارئ لوزراء خارجية منظمة شنغهاي في يناير 2002، ومارست ضغوطاً-هي وروسيا-على بقية دول المنظمة لإصدار بيان مشترك عن عدم موافقة تلك الدول على الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، وذلك بفقرة في البيان تقول إن “أي محاولات لفرض أشكال أخرى من الإدارة على الحكومة الأفغانية وجرّ أفغانستان إلى مجال نفوذ أياً كان يمكن أن تضفي إلى أزمة جديدة” وقال البيان في فقرة جديدة أخرى: “إن النضال ضد الإرهاب على المستوى الدولي ينبغي أن يخلو من المعايير المزدوجة والنزاعات المتميزة، لأن أطر عمليات مكافحة الإرهاب لا يجوز أن تتوسع بصورة حرة طليقة، كما لا ينبغي أن تترافق بالتدخل في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة”(19).

الموقف الروسي والقضية الشيشانية

أما أكثر المواقف أهمية وتعقداً من التدخل الأمريكي في آسيا الوسطى والقوقاز، فهو الموقف الروسي، ففور إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش نيته تجهيز حملة ضد حركة طالبان وشبكة القاعدة أبدت روسيا استعدادها لتقديم كل الدعم الذي يطلبه الأمريكيون، وصاغ بوتين موقف بلاده النهائي في ستة بنود قائلاً في حديث على شاشة التليفزيون الروسي(20).
– إن روسيا على استعداد للمشاركة الدولية الفعالة في عدة اتجاهات إذ تقدم موسكو وستقدم في المستقبل المعلومات حول بنى وأماكن الإرهابيين وقواعدهم.
– إن روسيا على استعداد لفتح مجالها الجوى لتحليق طائرات المساعدة الإنسانية.
– إن روسيا نسقت المواقف مع حلفائها في آسيا الوسطى وأنهم ليتفقون معها في الرأي على استعداد لتسخير مطاراتهم لهذا الهدف.
– إن موسكو بوسعها تعميق التعاون مع السيد برهان الدين رباني في إطار الإمدادات بالأسلحة والتقنيات الحربية.
– إن روسيا على استعداد لتقديم أشكال أخرى من التعاون أكثر عمقاً لمشاركة موسكو في عملية مكافحة الإرهاب.
وكانت روسيا تهدف من جراء ذلك إلى تحقيق عدة مكاسب ليس آخرها التخلص من الحركة الدينية الراديكالية في أفغانستان(طالبان)، والتي ترى موسكو أنها كانت مصدراً أساسياً لتمويل المقاتلين الشيشان وتدريبهم، وتشكيل تنظيمات لزعزعة الأنظمة العلمانية في آسيا الوسطى، وتطوير العلاقات مع واشنطن والغرب عموماً بما يمهد لإعادة جدولة ديون روسيا وربما إسقاط جزء منها للمؤسسات المالية الدولية، تلك الديون التي قدرت بـ 140 مليار دولار. أيضاً تأجيل البت في قرار انضمام عدد من دول الكومنولث الروسي، إلى الناتو، خاصة دول البلطيق والجمهوريات الملاصقة للحدود الروسية مثل أوكرانيا، كما أن موسكو سارعت إلى تأييد الحملة الأمريكية والموافقة على أن يكون للولايات المتحدة موطئ قدم في آسيا الوسطى لعلم الكرملين أن قادة أوزبكستان وطاجيكستان وقيرقيزستان-وبدرجة أدنى تركمنستان وكازاخستان-كانوا سيقدمون للأمريكيين الدعم اللازم،سواء وافقت روسيا أم رفضت.
واستناداً إلى هذه الرؤية بنت موسكو حساباتها على أساس أنها ستحصل على مكافآت سخية، ويسمح لها بالصعود إلى القطار الغربي من دون التنازل عن العربات الشرقية والجنوبية في آسيا الوسطى، لكن الآمال الروسية بدأت تخبو بسرعة بعدما اتضحت نية الولايات المتحدة في البقاء طويلاً في آسيا الوسطى بعد انتهاء الحملة على أفغانستان، وأخذت موسكو تسعى لوقف تراجعها في آسيا الوسطى، فقام وزير خارجيتها إيجور إيفانوف في يناير 2002. بجولة شملت أوزبكستان وتركمنستان، وزار قبلها بكين حيث بحث مع قادة الصين الخطر المشترك في حال إصرار الولايات المتحدة على مد جذورها في المنطقة، وطالب الولايات المتحدة أن تفي بوعودها وتنسحب من آسيا الوسطى فور انتهاء الحاجة العسكرية إلى وجودها. وفي أثر إيفانوف توجه إلى منطقة آسيا الوسطى رئيس مجلس الدوما جينادى سيليزئيوف، الذي كان أكثر صراحة من وزير الخارجية حين قال إن منطقة آسيا الوسطى “يجب أن تكون منطقة مصالح لروسيا وليس للولايات المتحدة”، وأضاف أن موسكو “لا تريد أن تظهر هنا قواعد دائمة للولايات المتحدة أو لحلف الأطلسي”(21). وعودة إلى أسباب التأييد الروسي للحملة الأمريكية على أفغانستان وللوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، وهو القضية الشيشانية، والتي تناقش تطوراتها وكيف تأثرت بأحداث 11 سبتمبر باعتبارها أهم محددات الموقف الروسي الداعم للجهود الأمريكية.

ثانياً- حرب الاستقلال الشيشانية وأحداث 11 سبتمبر

لعل رغبة روسيا في تصفية قضية الشعب الشيشانى الساعي إلى الاستقلال عن الهيمنة الروسية، كانت أهم أسباب التأييد الروسي للحملة الأمريكية على أفغانستان، وتواجدها العسكري في آسيا الوسطى، وذلك عبر منطلقين: المنطلق الأول- هو أن الحملة الأمريكية على أفغانستان سوف تخلّص روسيا من حركة طالبان وتنظيم القاعدة، اللذين طالما اتهمتهما روسيا بأنهما يمدان المقاتلين الشيشان بالمال والأسلحة والمتطوعين العرب، كما اتهمتهما أيضاً بتدريب العديد من عناصر المقاتلين الشيشان في معسكراتهم في أفغانستان.
المنطلق الثاني- هو إبرام صفقة روسية- أمريكية، تدعم فيها الأولى الثانية في جهودها المزعومة لمكافحة الإرهاب، في حين تطلق أمريكا يد روسيا في التعامل مع القضية الشيشانية بدون انتقادات مستمرة لانتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان، وذلك من خلال محاولة روسيا ربط حملتها العسكرية على الشيشان بحملة الولايات المتحدة على الإرهاب، فقد حاولت روسيا استغلال أحداث 11 سبتمبر وما تلاها في تصفية قضية الشعب الشيشانى وتحويل قضيته من قضية شعب يبحث عن الاستقلال إلى شعب إرهابي بأكمله، لذلك صبت تصريحات كل المسئولين الروس عقب أحداث سبتمبر مباشرة في اتجاه واحد وهو ربط الحملة الأمريكية ضد الإرهاب بالقضية الشيشانية. فبعد يومين من تلك الأحداث (13/9/2001) قال المدّعِى العام الروسي “فلاديمير أوستينوف”، أن القضاء الروسي يملك معلومات تفيد بأن بن لادن يموِّل المقاتلين، وقال: “لدينا معلومات تفيد بأن الإرهابيين في الشيشان يتدرَّبون في دول أخرى ويتلَّقون أموالاُ من أسامة بن لادن”(22).
وفي 20/9/2001 حثَّ وزير الدفاع الروسي سيرجى إيفانوف الولايات المتحدة الأمريكية على “تجنُّب المعايير المزدوجة في الحرب ضد الإرهاب”، في إشارة إلى الانتقادات الغربية للعمليات العسكرية الروسية في الشيشان(23).
أما تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد كانت الأكثر صراحة وتعبيرًا في بلورة الموقف الروسي الهادف إلى ربط القضية الشيشانية بقضية الإرهاب عالمياً، فقد طالب بوتين شركاء روسيا دعم بلاده على جبهة الحرب في الشيشان إذا كانوا يرغبون في تعاون موسكو في مكافحة ما أسماه بالإرهاب، وقال في مقابلة مع مجلة فوكس الألمانية في 24/9/2001 “إنه لا يرى أي فائدة من شنّ معركة على جبهتين أو ثلاث في وقت واحد، مؤكداً أن روسيا لا يمكنها أن تخوض أي حرب أخرى غير تلك التي تخوضها ضد المقاتلين الشيشان(24).
في حين أدلى وزير الخارجية الروسي، سيرجى إيفانوف بتصريحات في نفس اليوم أيضاً لم يستبعد فيها احتمال قيام تعاون بين موسكو وواشنطن لمكافحة من سمَّاهم بالإرهابيين الدوليين الموجودين في الشيشان، وقال “أعتقد أنه من الممكن إقامة تعاون كهذا”، وأضاف: “قلة من المرتزقة المتعصبين يعدون على أصابع اليد الذين يقاتلون في الشيشان- مثل الخطَّاب، وأشير هنا إلى أنه يعرف جيداً أسامه بن لادن، أما الآخرون فيقاتلون من أجل المال، وليس عن قناعة من أجل الإسلام”(25).
ونجحت موسكو في مساعيها لإقناع واشنطن وحلفائها بعدالة حربها في الشيشان، فجاء أول رد فعل أمريكي على تلك الجهود على لسان آري فليشر المتحدث باسم البيت الأبيض حين قال في 26/9/2001 إن القيادة الشيشانية يجب أن تقطع فوراً وبلا شروط جميع صلاتها مع ما اسماها جماعات الإرهاب الدولي مثل بن لادن وتنظيم القاعدة(26).
وتلقت موسكو هذا التصريح بارتياح شديد، فقد رحَّب مستشار الكرملين لشئون النزاع الشيشانى “سيرجى ياستر جيمبسكى” بالدعوة الأمريكية ورأي فيها “دليلاً على فهم الأمريكيين بشكل أفضل أن عودة الوضع إلى طبيعته في الشيشان مرتبط بشكل وثيق بمكافحة الإرهاب الدولي”(27).
وقد أدى هذا الموقف الأمريكي إلى تغيير موقف حلفائها في أوروبا وحلف الأطلسي، لاسيما الموقف الأوروبي الذي طالما انتقد روسيا بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان في الشيشان؛ ففي أثناء زيارته لروسيا في سبتمبر 2001 ألمح المستشار الألماني جيرهارد شرودر إلى أن الغرب يجب أن يتخذ موقفاً ليناً تجاه العمليات الروسية في الشيشان بعد الموقف الروسي المؤيدِّ للجهود الرامية لتشكيل حلف دولي لمحاربة الإرهاب، كذلك قال وزير الخارجية اليوناني جورج باباندريو أنه يتوقع أن يكون الاتحاد الأوروبي أكثر تساهلاً في موقفه من أفعال الروس في الشيشان تقديرًا لمساندة موسكو للحملة الأمريكية على الإرهاب، وأضاف: “سنتخذ موقفاً أكثر تساهلاً مما تفعله روسيا هناك”، وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي أوقف أحيانًا ووضع قيد المراجعة إجراءات اقتصادية وتجارية مع روسيا بسبب الصراع بين القوات الروسية والمقاتلين الشيشان(28)،
أما موقف حلف شمال الأطلسي فقد جاء في تصريح على لسان أمينه العام “جورج روبرتسون” حين قال “إن الحلف أصبح أكثر إدراكًا في الأشهر الأخيرة للحملة الروسية في الشيشان بسبب علاقة بين المقاتلين الشيشان والإرهاب”(29).

تطورات القضية الشيشانية بعد أحداث سبتمبر

وحاولت روسيا استغلال ذلك التأييد الغربي والأجواء الدولية المحاربة للإرهاب المزعوم في إغلاق ملف القضية الشيشانية، وحاولت قنص تسوية سياسية غير عادلة بالمرة للوضع في الشيشان، فدعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 24/9/2001، قادة الشيشان للتفاوض في غضون (72) ساعة وإلقاء سلاح المقاتلين الشيشان(30)، ووصف ممثِّل الرئيس الروسي في جنوب روسيا الجنرال فيكتور كازانتييف دعوة بوتين أنها “بداية العد العكسي” بالنسبة لمن وصفهم بالمتمردين الشيشان الذين منحهم الرئيس بوتين “فرصة ربما للمرة الأخيرة” لتسليم أسلحتهم. وكان موقف الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف المبدئي هو رفض هذه الدعوة في اليوم التالي مباشرة، وذلك لأن هذه الدعوة تتضمن شروطًا يصعب القبول بها مثل اشتراط استسلام المقاتلين الشيشان وتسليم أسلحتهم للجيش الروسي، إلا أن مسخادوف عاد وعيَّن نائب رئيس الحكومة الشيشانية “أحمد زكاييف” ممثِّلا للتفاوض مع المبعوث الروسي “فيكتور كازانتييف”(31)، وحدث أول اتصال بين الجانبين في 27/9/2001 عندما اتصل أحمد زكاييف هاتفيًا بممثل الرئيس الروسي، وبحثا في المسائل المتعلقة بطبيعة المحادثات المقبلة بين الطرفين(32)، وعقدت أول مفاوضات بين الطرفين في 17/11/2001 في مطار موسكو واستغرقت نحو الساعتين. وقد كانت تلك المفاوضات محكومة بالفشل منذ طرحها للمرة الأولى؛ بسبب اختلاف رؤية كل طرف لها؛ وبسبب الشروط المجحفة التي وضعتها روسيا أساسًا للتفاوض فالكرملين أكد أن المفاوضات المرتقبة بين روسيا والشيشان سوف تدور حول استسلام المقاتلين الشيشان وإلقائهم السلاح، في حين أكَّد المتحدث باسم المقاتلين الشيشان أن الهدف من الاتصالات مع موسكو هو وقف المعارك، ورحيل القوات الروسية عن الشيشان، مؤكداً أن استقلال الشيشان ليس محل تفاوض. وبالتالي لم تسفر الجولات المتعددة للمفاوضات بين الطرفين عن أي جديد يذكر، بل استمرت أعمال المقاومة الشيشانية على الصعيد الميداني أثناء انعقاد تلك المفاوضات واستطاع المقاتلون الشيشان توجيه ضربات قاسية للقوات الفيدرالية الروسية في الشيشان، على الرغم من إعلان موسكو انخفاض الهجمات الشيشانية بعد حرب أفغانستان بسبب تراجع المقاتلين وشُحِّ الأسلحة المتطورة المرسلة من الخارج، وذلك في محاولة روسية متكررِّة لإثبات علاقة المقاتلين الشيشان بحركة طالبان وتنظيم القاعدة، ولكن ذلك الإعلان كان مخالفًا للواقع الذي يؤكد أن المقاومة الشيشانية قامت بالكثير من العمليات الناجحة ضد أهداف روسية منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى نهاية عام 2002، ومن تلك الأعمال التي قامت بها المقاومة الشيشانية نورد ما يلي مثالاً وليس حصراً:
– مصرع (13) عسكريًا روسيًا بينهم عشرة ضباط، اثنان منهم برتبة جنرال، بعد إسقاط المقاتلين الشيشان مروحية عسكرية كانت تقلّهم بالقرب من مدينة “خان قلعة” في 16/9/2001، وكان من بين القتلى الجنرال أناتولى بوزدياكوف مساعد قائد المديرية الأول في هيئة الأركان الروسية.
– مصرع (13) جنديًا روسيًا في 19/9/2001 في ثلاث مواجهات مسلحة مع القوات الروسية في مدينة كورتشال شرقي الشيشان، ومنطقة الأوراس، بالإضافة إلى كمين على الحدود الروسية القريبة من انجوشيا، وكان من بين القتلى مساعد رئيس الإدارة الشيشانية الموالية لموسكو.
– مقتل (15) جنديًا روسيًا في معارك بين المقاتلين الشيشان و القوات الروسية، في يومي 21،22 سبتمبر 2001، في الوقت الذي قُدِّر فيه عدد القتلى من الشيشانيين (17) مقاتلاً حسب المصادر الروسية، و 3 مقاتلين حسب المصادر الشيشانية(37).
– إعلان المقاتلين الشيشان مقتل ما يقرب من 200 جندي روسي في عدة هجمات شنوها صباح يوم 29/9/2001، واعتبر المتحدث باسم المقاتلين الشيشان “مولأي أودوغوف” أن هذه الهجمات هي أبلغ رد على دعوة بوتين التي أطلقها في 24/9، ودعا فيها المقاتلـين الشيشان إلى تسليم أسلحتهم في غضون 72 ساعة والجلوس على مائدة المفاوضات دون شـرط(38).
– مقتل ستة جنود روس في الشيشان في ثلاث معارك منفصلة في جودرميس وقرب جروزنى في 13/10/2001.
– مقتل 11 جنديًا روسيًا، و 7 مقاتلين شيشان، في اشتباكات في مدينة أرجون في 10/11/201(39).
– مصرع نائب المدعى العام العسكري للقوقاز الشمالي “رومان غريغوريان” بالرصاص في 2/12/2001، في مدينة أرجون شرقي جروزنى، وذلك في هجوم بالأسلحة من قبل المقاتلين الشيشان على سيارته(40).
– محاولة فاشلة لاغتيال أحمد قادروف رئيس الإدارة الموالية لموسكو في الشيشان، أصيب فيها ثلاثة من حراسه بجراح، وذلك عن طريق إطلاق النار على سيارته في مدينة أرجون في 7/11/2001(41)، كذلك لقي ثلاثة من المسئولين في الإدارة الشيشانية الموالية لموسكو مصرعهم على أيدي المقاتلين الشيشان في7/12/2001(42)، والجدير بالذكر أن المقاتلين الشيشان يتهمون المسئولين في تلك الإدارة بالخيانة.
– في اليوم الأخير من عام 2001، أعلنت مصادر شيشانية عن قتل 40 جنديًا روسيًا، وذلك أثناء قيام وحدة روسية لتنفيذ عملية خاصة في فضاء كورتشالوى(43).
– إعلان المقاومة الشيشانية في 5/1/2002 عن مقتل 16 عنصراً من القوات الروسية وجرح 15 آخرين وتدمير آليات روسية، في هجوم على قافلة عسكرية روسية قرب بلدة تسافيدينو الجبلية(44).
– هجومين كبيرين على القوات الروسية في 16/1/2002، حيث هاجم المقاتلون الشيشان قافلة مكونة من 16 شاحنة وثلاث مدرعات في بلدة قيلنيو الجبلية قُتل فيها خمسة جنود روس وتعرضت قافلة أخرى تتألف من أربع مدرعات روسية إلى هجوم في بلدة اوروس مارتان القريبة من جروزنى لهجوم مماثل قتل فيه أربعة جنود روس وجرح ثلاثة، واعتبر المراقبون أن العمليتين جاءتا ردًا غير مباشر على إعلان الجنرال “فلاديمير موتسكوى” قائد القوات الفيدرالية في الشيشان عن تشرذم المقاومة وعجزها عن القيام بعمليات نوعية(45).
– وجهت المقاومة الشيشانية ضربة من أعنف الضربات الموجهة التي تلقَّتها القوات الروسية منذ الاجتياح الروسي لجمهورية الشيشان في أكتوبر 1999، وذلك عندما استطاع المقاتلون الشيشان إسقاط طائرة عسكرية روسية من طراز “سى 8″، وذلك في السابع والعشرين من يناير 2002، ولقي جميع ركاب الطائرة (14 راكباً) مصرعهم من بينهم 11 من كبار القادة العسكريين الروس في الشيشان منهم نائب وزير الداخلية الجنرال “ميخائيل رودتشينكو” والذي كان يتولى أيضًا منصب قائد قوات وزارة الداخلية لمنطقة القوقاز، ومن بين القتلى أيضًا مساعد رئيس هيئة أركان القوات التابعة لوزارة الداخلية الجنرال “ديفدوف”، وكانت الطائرة تقل أيضاً مسئولاً في القوات الروسية في منطقة شمال القوقاز هو الكولونيل يورى أورلنيكو، ومسئوليْن آخريْن في وزارة الداخلية هما الكولونيلان يورى ستيبانينكو، وألكسندر تروفيمنكو. ويعتبر الجنرال رودشينكو أعلى مسئول عسكري يُقتل منذ بدء العمليات العسكرية في الشيشان، واستمر مسلسل سقوط الطائرات الروسية في الأيام التالية، وإن لم يعلن عن سبب سقوطها، ولكنها تسببت في خسائر فادحة للقوات الروسية، حتى لقي تسعة أشخاص مصرعهم في تحطُّم مروحية روسية عسكرية في الشيشان في 7/2/2002.
وفي اليوم التالي مباشرة (8/2/2002) تحطمت مروحية روسية على متنها أربعة أشخاص عقب إقلاعها من الشيشان، وأيضاً تحطمت طائرة عسكرية من طراز سوخوى- 25 في الشيشان في 29/4/2002، مما أسفر عن مقتل طيارها الذي كان الشخص الوحيد على متنها عند تحطمها، نتيجة إطلاق صاروخ من المقاتلين الشيشان عليها في منطقة فيدينو جنوبي شرقي العاصمة جروزنى.
– مقتل ثمانية عسكريين روس في عدة هجمات شنها المقاتلون الشيشان يوم22،23 فبراير، أسفرت أيضاً عن تدمير دباباتيْن وعربة مصفحة روسية، وقبل ذلك بأيام قليلة (15/2/2002) أعلنت السلطات العسكرية الروسية في الشيشان مقتل أربعة من ضباط جهاز المخابرات الروسي “إف، إس، بي” في كمين نَصَبه لهم المقاتلون الشيشان في قرية ستارى اتاي الواقعة على بعد كيلو متر جنوبي جروزنى(47).
– مقتل جنرال عسكري روسي يدعى “زومونييف” أثناء استقباله في الفرقة 15 خارج العاصمة جروزنى في نهاية أبريل 2002، وذلك وفقًا لموقع “الشيشان” على الإنترنت الذي أضاف أن عملية اغتياله جاءت من خلال إطلاق 12 قذيفة هاون 120مم على الجنرال وجنوده، الأمر الذي أدى إلى مقتله ومقتل 25 ضابطًا وجنديًا روسيًا آخرين وإصابة طائرتيْن هليوكوبتر، وأضاف الموقع أن الجنرال “زومونييف”من أكثر الجنرالات الروس تأييدًا لاستمرار الحملة الروسية على الشيشان(48).
– مقتل ثمانية جنود روس يوم 8 أغسطس عن طريق انفجار قنبلة زرعها المقاتلون الشيشان في منطقة شاتوى، وعلى طريق سرجن- يورت، وقبلها بأيام قليلة لقى 11 شيشانيًا موالين للروس حتفهم في شاتوى أيضاً في انفجار عنيف ناتج عن عبوة ناسفة زرعها المقاتلون الشيشان(49)، وشهدت منطقة شاتوى بعد ذلك بأيام قليلة (7/8/2002) مقتل 11 شيشانيًا مجنّدًا في الجيش الروسي وجُرح عدد آخر في انفجار عبوة ناسفة في السيارة التي كانت تُقلُّهم، ويلاحظ هنا استهداف المقاتلين الشيشان مجنَّدين شيشان تقل أعمارهم عن 20 عامًا ولم يمضِ عليهم سوى أسابيع قليلة في الخدمة، وكان الهدف من وراء ذلك هو منع الشباب في جمهورية الشيشان من الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الروسي(50).
– اندلاع مواجهات عنيفة بين المقاتلين الشيشان والقوات الروسية على مدى يومين منذ منتصف أغسطس 2002، في منطقة أوراس مارتان، وقد تضاربت معلومات الجانبان بشأن الخسائر، حيث أكد الناطق باسم القوات الروسية أنه عثر على جثة 32 مقاتلاً، أكد المقاتلون الشيشان مقتل 15 عسكريًا روسيًا بينما قتل 8 من عناصر الوحدات الشيشانية(51).
– نجح المقاتلون الشيشان في إسقاط أربع طائرات عسكرية روسية في ثلاثة أشهر فقط؛ ففي 19/8/2002، أسقط المقاتلون طائرة عسكرية روسية من طراز (إم أي 26) باستخدام صاروخ أرض جو، مما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 120 عسكريًا روسيًا، الأمر الذي اعتبره وزير الدفاع الروسي سيرجى إيفانوف، أسوأ الخسائر الروسية أثناء الحرب الشيشانية، كما وصفه الرئيس الروسي “بالكارثة”. وأسقط المقاتلون الطائرة الثانية في 31/8/2002، وهي من طراز (سى/24) بعد إصابتها بصاروخ أرض-جو من طراز “إيجلا”، مما أسفر عن مصرع شخصيْنِ كانا على متنها(53)، أما الطائرة الثالثة فأسقطها المقاتلون في 29/10/2002، وكانت من طراز (إم أي/8) بصاروخ مضاد للطائرات على بعد بضعة كيلو مترات شرقي العاصمة جروزني مما أسفر عن مقتل أربعة عسكريين روس(54)، أما الطائرة الرابعة فأسقطت في 3/11/2002، وكانت أيضاً من طراز (إم، أي/8) وأسقطت بصاروخ أرض-جو من مبنى بالعاصمة جروزنى، مما أسفر عن مقتل تسعة عسكريين كانوا على متنها(55).
والنتيجة التي يمكن استخلاصها من الأمثلة السابق ذكرها، هي أن هناك تصعيدًا ملحوظًا لعمليات المقاتلين الشيشان ضد القوات الروسية، خاصة منذ إعلان الفصائل الشيشانية توحيد صفوفها خلال اجتماع عقده قادة هذه الفصائل في شهر يوليو 2002 في مكان مجهول بحضور الرئيس الشيشانى أصلان مسخادوف، والقائد الميداني شامل باسييف والقائد العربي أبو الوليد، واتفاقهم على متابعة الحرب ضد روسيا حتى النصر، الأمر الذي يعنى عدم صحة الادعاءات الروسية بانخفاض الهجمات الشيشانية بعد الحملة الأمريكية على الإرهاب. كما يلاحظ أيضاً تطور نوعي في أساليب المقاومة مثل تزايد عمليات إسقاط الطائرات العسكرية الروسية، واغتيال مسئولي الإدارة الشيشانية الموالية لموسكو، وتنفيذ عمليات ضد المجندين الشيشانيين في الجيش الروسي، وتلغيم مناطق يرتادها الجنود الروس.. الخ. الأمر الذي يعنى وصول المقاومة الشيشانية إلى مرحلة النضوج بعد سنوات طويلة من الكفاح المسلح ضد الروس.

الاستراتيجيات الروسية في الشيشان

أما عن الأسلوب الرئيسي الذي تتبعه القوات الروسية في ملاحقة المقاتلين، ضد الحملات، فهي تغلق القرى أو الأحياء وتقتل الأشخاص الذين يمكنهم القتال بشكل جماعي أو تلتقطهم في الشارع بحجة عدم حملة وثائق جدية(56)، هذا بالإضافة إلى قصف مواقع المقاتلين الشيشان في المناطق الجبلية، استمر بعضها ثلاثة أسابيع أو تفجير بعض المباني التي يختبئ فيها المقاتلين الشيشان، مثل العملية التي أسفرت عن مقتل 20 شيشانيًا نتيجة تفجير القوات الروسية للمبنى المختبئين فيه في مدينة أرجون شرقي جروزنى في 19/9/2001(57)، كما قتل 21 مقاتلاً شيشانيًا وأُسر 27 آخرون في 30 ديسمبر 2001، أثناء قيام وحدة روسية بتنفيذ عملية خاصة في منطقة كورتشالى(58)، وتوحي هذه الأرقام بأن المجموعة الشيشانية المهاجرة كانت تضم ما لا يقل عن 50 شخصاً، الأمر الذي يفند مزاعم القيادة الروسية التي كانت قد أشارت إلى تشرذُم الشيشانيين وتوزعهم على مجموعات من 5 إلى 10 أفراد فقط. وكانت موسكو أعلنت قبل ذلك (11/11/2001) عن مقتل 300 مقاتل شيشانى في عملية عسكرية روسية استمرت ثلاثة أسابيع في المناطق الجبلية جنوب الشيشان(59). أما الأسلوب الجديد الذي لجأت إليه موسكو لمواجهة المقاتلين الشيشان والذي يعد تغييرًا واضحًا لتكتيك موسكو في تعاملها مع المقاتلين الشيشان، فهو أسلوب اغتيال كبار القادة الميدانيين من خلال إنشاء مجموعة من القوات الخاصة مهمتها اغتيال كبار القادة الشيشان، وأظهر هذا الأسلوب الجديد أول نجاح لـه يوم الثلاثاء 19/12/2000، عندما أعلنت القوات الروسية أنها قتلت القائد الميداني “شيرفانى باسييف” شقيق الزعيم الشيشانى شامل باسييف في عملية خاصة(60)، واستمر اعتماد القوات الروسية على هذا الأسلوب، ففي تصريح للقائد العام للقوات الروسية شمالي القوقاز جينادى متروشيف في نوفمبر 2000، أشار إلى أن “أصعب مرحلة تواجهها روسيا الآن في حربها ضد المقاتلين، هي تصفية القادة الميدانيين الذين يسيطرون على أكثر من ألف مقاتل”(61)، ونجحت القوات الروسية في اغتيال عدد من القادة الميدانيين في الشيشان، منهم رسلان شيلاييف، الذي يحتل المرتبة السادسة في هرم القيادة الشيشانية، والذي تُحمّله موسكو مسئولية إسقاط مروحية روسية في سبتمبر 2001، وقد أعلنت موسكو مقتل شيلاييف في 30/2/2001، في عملية عسكرية كبيرة أسفرت أيضاً عن مصرع 73 مسلحًا شيشانيًا(62)، ومنهم أيضاً طاهر يلفوشيف الذي اغتالته القوات الروسية في عملية خاصة جرت في شمال الشيشان في 11/1/2002(63).
وكان فلاديمير بوتين قد أعلن بنفسه قبل ذلك بأيام (11/12/2002) عن أسر مقاتل عربي بارز في الشيشان يلقب بـ (أبي صياح) والذي يعمل نائباً للقائد العربي خطَّاب(64)، كما أعلنت موسكو في السابع من يناير 2002 عن أن قواتها الفيدرالية بدأت حملة في منطقة أرجون جنوب شرقي العاصمة جروزني، تستهدف أساسًا البحث عن خمسة من القادة الميدانيين الذين أسمتهم “بالأمراء” والذين وفدوا من أفغانستان للقتال في الشيشان(65). ومن بين القادة الميدانيين الذين اغتالتهم القوات الروسية، “ميربيك باباييف” في الثامن من مارس 2002(66)، والقائد الميداني “رضوان أحمادوف”، الذي قُتل مع بعض أتباعه في مطلع يوليو 2002(67). أما أهم القادة الميدانيين الذين اغتالتهم القوات الروسية فهو القائد العربي (سامر صالح السويلم) الملقب بـ (خطَّاب)، والذي يُعدّ المطلوب الثاني لدى روسيا بعد شامل باسييف، ويعد خطاب، قائد المقاتلين العرب في الشيشان، والمساعد الأول لشامل باسييف، وخاض العديد من العمليات العسكرية الناجحة وحرب العصابات ضد القوات الروسية منذ دخول القوات الروسية الأول للشيشان في عام 1994، وقد أعلنت روسيا في 25/4/2002 عن مقتـل خطَّـاب مسمومًا في مارس 2002، وبذلك يكون خطَّاب ثاني زعيم حرب بارز يُقتل على يد القوات الروسية في الشيشان، بعد عربي باراييف في يونيو 2001 منذ دخول القوات الروسية إلى جمهورية الشيشان (68).
وباغتيال خطَّاب ورسلان تشيلاييف تكون روسيا قد تخلصت من اثنين من القادة الأربعة الذين حددتهم بالاسم عندما أطلقت خُطتها التي تستهدف تصفية أو اعتقال زعماء المقاتلين الشيشان، أما بقية الأسماء الأربعة فهم الرئيس الشيشانى أصلان مسخادوف، وقائد حرب الاستقلال الشيشانية شامل باسييف العدو الأول لدى روسيا والمطلوب رقم واحد، والذي أعلنت اغتياله أكثر من مرة آخرها في مايو الماضي لكن ثبت بعد ذلك عدم صحة هذه الأنباء.

القضية الشيشانية والأزمة الجورجية الروسية

ظل استضافة جورجيا للعديد من المقاتلين الشيشان مصدرًا مستمرًا لتوتر العلاقة بين جورجيا وروسيا منذ الحملة الروسية الثانية على الشيشان في 1999، حيث تتهم روسيا جورجيا باستضافة العديد من المقاتلين الشيشان في منطقة وادي بانكيسى الجبلية الوعرة على الحدود الشيشانية الجورجية، وشنِّ المقاتلين الشيشان العديد من العمليات العسكرية ضد أهداف روسية في الشيشان انطلاقًا من جورجيا، في الوقت الذي كانت تنكر فيه جورجيا وجود مقاتلين شيشان على أراضيها، وأنها لا تقدم فقط سوى المساعدات الإنسانية للمشرَّدين والجرحىَ واللاجئين الشيشان من المعارك بين الطرفين، ورفضت جورجيا مرارًا التعاونَ مع روسيا في حربها ضد الشيشان، الأمر الذي خلق شهورًا من المواجهة بين روسيا وجورجيا، تبادل خلالها الطرفان الاتهامات، وهدَّدت روسيا كثيرًا باجتياح الأراضي الجورجية للقضاء على المقاتلين الشيشان في الوقت الذي هددت فيه جورجيا بالانسحاب من رابطة الدول المستقلة.
ولم يكن موقف جورجيا من المقاتلين الشيشان نابعًا من إيمان عميق بعدالة قضيتهم، وإنما كان بمثابة ورقة ضغط لمساومة روسيا على تغيير موقفها المؤيد لاستقلال إقليم أبخازيا عن جورجيا وسحب قواتها الموجودة في تلك المنطقة. ومن هنا لم يكن غريبًا أن يتغير موقف جورجيا من المقاتلين الشيشان عقب أحداث 11 سبتمبر، خاصة بعد أن تلاقت الرغبة الروسية في التخلص من الدعم الجورجى للمقاتلين الشيشان مع الرغبة الأمريكية في استكمال حلقات تواجدها في منطقة آسيا الوسطى، خاصة أن أحد خطوط أنابيب بترول بحر قزوين التي تدعمها أمريكا وهو خط باكو- جيهان يمر عبر أراضى جورجيا، مع الرغبة الجورجية في الحصول على الدعم الأمريكي لموقفها في قضية أبخازيا في مواجهة روسيا والانضمام مستقبلاً إلى حلف شمال الأطلسي، ومن هنا حاولت روسيا لفت نظر الولايات المتحدة إلى خطورة منطقة وادي بانكيسى في جورجيا من خلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي حول العلاقة بين بن لادن والمقاتلين الشيشان، حتى سارع الرئيس الجورجى إدوارد شيفردنادزه بإعلان استعداده للتعاون في مكافحة الإرهاب، واعترف للمرة الأولى بوجود “بضع مئات” من المقاتلين الشيشان في جورجيا(70).
وأبدى شيفردنادزه في 18/2/2002،استعداد بلاده للأخذ في الاعتبار بدء عملية أمنية مشتركة مع الولايات المتحدة “لاجتثاث الإرهابيين المختبئين” في منطقة وادي بانكيسى(71)، في إشارة إلى قبول جورجيا بوجود عسكري أمريكي على أراضيها. وجاء ذلك متوافقًا مع رغبة روسيا في القضاء على المقاتلين الشيشان في جورجيا، وحملت تصريحات المسئولين الروس تأييدًا للوجود الأمريكي في جورجيا، فحين سُئل وزير خارجيتها ايجور إيفانوف عن ذلك التعاون المحتمل قال: “إن هذا الأمر يخص جورجيا وحدها كدولة مستقلة، ولا يعقل أن تنتظر حتى تنمو في هذه المنطقة شيشان جديدة أو أفغانستان مصغّرة”(72)، في حين أكد الرئيس الروسي فلاديمير على موقفه المؤيد لدور أمريكي في جورجيا في تصريح له في الأول من مارس 2002، حين قال: “حين نتحدث اليوم عن مكافحة الإرهاب في جبال بانكيسى، فنحن نساند هذه المكافحة بمعزل عن الدول المشاركة فيها”(73).
ومن هنا استطاعت أمريكا بسهولة تعزيز وجودها في تلك المنطقة، من خلال إرسال قوات عسكرية خاصة إلى جمهورية جورجيا لتدريب جنود جورجيين على مكافحة الإرهاب لمساعدة جورجيا على استعادة السيطرة على منطقة وادي بانكيسى، وقُدِّر عدد الجنود الأمريكيين بـ 150 جنديًا من قيادة العمليات الخاصة، يقومون بتدريب 4 كتائب لمكافحة الإرهاب تضم بين 300 إلى 400 جندي، وأعلنت وزارة الدفاع الجورجية أن قاعدتي فازيانى وكودجورى القريبتين من العاصمة تبليسى ستُخصَّصان لهذا التدريب(74). كما أمدت أمريكا حكومة جورجيا بعشر طائرات هليوكوبتر مقاتلة من طراز “يو إتش/ إتش” منها ست للعمليات وأربع لقطع الغيار(75)، هذا بالإضافة إلى إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش تقديم مساعدة عسكرية لجورجيا بقيمة 25.5 مليون دولار تُصرَف على تجهيز وتدريب الجيش الجورجى في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب(76).
ومن هنا، وفي ظل التهديدات المستمرة من جانب روسيا باجتياح الأراضي الجورجية لتعقُّب المقاتلين الشيشان، بدأت جورجيا في تضييق الخناق على المقاتلين الشيشان في أراضيها، فأعلنت في فبراير الماضي عن ترحيل اللاجئين الشيشان الموجودين على أراضيها منذ عام 1999، في محاولة لتجفيف منابع تمويل المقاتلين في الشيشان، كما تتهم روسيا(77). كما قامت باعتقال 13 مقاتلاً شيشانيًا في مطلع شهر يونيو 2002، أثناء عودتهم من مواجهات مسلحة مع قوات حرس الحدود الروسية، وقامت جورجيا بتسليم هؤلاء المقاتلين إلى روسيا في الشهر التالي مباشرة(78)، كما قامت قوات حرس الحدود الجورجية في 3/8/2002 باعتقال سبعة مقاتلين شيشان عبروا الحدود إلى الأراضي الجورجية، وجاء اعتقال هؤلاء السبعة مع تصاعد حدة التوتر بين جورجيا وروسيا بسبب نشاط المقاتلين الشيشان من داخل الأراضي الجورجية، وطالبت موسكو جورجيا تسليم هؤلاء المقاتلين، وقال الرئيس الروسي إن اعتقال هذه المجموعة يمثل اختبارًا مبدئيًا لتعاون تبليسى مع موسكو في حربها ضد المقاتلين الشيشان(79)، كما أعلنت جورجيا في اليوم التالي مباشرة (4/8/2002) عن اعتقال سبعة مقاتلين شيشان آخرين حاولوا التسلل عبر الحدود الجورجية- الشيشانية(80).
أيضاً قامت القوات الجورجية بحملة عسكرية في منطقة وادي بانيكسى في 25/8/2002، وذلك “لتطهير المعابر من المجرمين والإرهابيين وإعادة النظام والاستقرار نهائياً إلى المنطقة” وذلك حسب تعبيرات الرئيس الجورجى إدوارد شيفردنادزه. وفي الثامن من سبتمبر 2002 قال شيفردنادزه في كلمته الأسبوعية من الإذاعة الجورجية: “في الوقت الحالي الوضع في وادي بانيكسى تحت السيطرة التامة”، وأوضح أن بضع عشرات من المقاتلين الشيشان ربما لا يزالون في الوادي بعضهم ينحدرون من أصل عربي(82)، وفي السادس من سبتمبر 2002، أعلن عن توصل مسئولين روس وجورجيين لاتفاق على التعاون العسكري في ملاحقة المقاتلين الشيشان في ممر بانكيسى، وجاء الإعلان عقب اجتماع لوزراء داخلية مجموعة الدول المستقلة في مدينة باكو، وقال وزير الداخلية الروسي بوريس غريزلوف:”اتفقنا على القيام بعمليات تفتيش مشتركة”، وأوضح أن قوات في وزارة الداخلية الروسية ستذهب إلى جورجيا وتتعاون مع زملائها هناك للقيام بعمل عسكري مشترك يهدف إلى البحث عن المقاتلين الشيشان المختبئين في بانكيسى، ويمثل هذا الإعلان تغييرًا في رفض جورجيا لأي دور روسي في تعقّب المقاتلين الشيشان في وادي بانكيسى(83). ولكن الأمور سرعان ما تدهورت مرة أخرى بين البلدين إثر تهديد بوتين في خطاب لـه بمناسبة ذكرى هجمات سبتمبر، بالتدخل في جورجيا إذا لم توقف جورجيا نشاط المقاتلين الشيشان في وادي بانكيسى، وطلب من أركان جيشه درس إمكانية توجيه ضربة عسكرية لجورجيا(84).
وإزاء هذه التهديدات اقترح الرئيس الجورجى إرسال مراقبين عسكريين روس غير مسلحين إلى وديان بانكيسى(85)، واتفق الطرفان في السادس من أكتوبر 2002، على تسيير دوريات مشتركة على حدود البلدين، وقال بوتين في ختام لقائه مع الرئيس الجورجى: “بناء على اقتراح الرئيس شيفردنادزه، سيُضاعف حرس الحدود في بلدينا تعاونهم إلى مستوى يتضمن تسيير دوريات مشتركة على طول الحدود”(86)، وجاءت تصريحات بوتين في اليوم التالي مباشرة لتخفّف من حدة الأزمة الروسية- الجورجية، حيث قال بوتين:”إن تصريحاته في ذكرى أحداث 11 سبتمبر لن توضع موضع التنفيذ إذا طُبِّق اتفاق الأمس مع الرئيس الجورجى”(87).
وفي خطوة جورجية مقابلة، أعلن الادّعاء العام في جورجيا في 29/11/2002، أن ثلاثة من الشيشان سيُسلَّمون إلى روسيا(88)، في بادرة تشير إلى قرب انتهاء الخلاف الذي استمر شهورًا بين موسكو وجورجيا بشأن مصير المقاتلين الشيشان في وادي بانكيسى في جورجيا.

حادث مسرح موسكو ومستقبل القضية الشيشانية

في مساء الأربعاء 23/10/2002، وفي أكبر عملية اختطاف في تاريخ روسيا الحديثة، قامت مجموعة يبلغ عددها 50 من المقاتلين الشيشان نصفهم من النساء، باقتحام أحد مسارح وسط العاصمة الروسية موسكو، وأعلنت احتجاز ما يقرب من 800 شخص كرهائن إلى حين تنفيذ السلطات الروسية لمطالبهم، وأعطت روسيا مهلة 7 أيام لتنفيذ تلك المطالب وإلا سوف تبدأ في قتل الرهائن. تمثَّلت تلك الطلبات في وقف الحرب الروسية في الشيشان، وسحب قوات روسيا من أراضيها. وهدد المقاتلون الذين وصفوا أنفسهم بـ (انتحاريي الفرقة 29) بتفجير مبنى المسرح وقتل كل الرهائن في حال إقدام قوات الأمن الروسية على اقتحام المبنى، وعلى الرغم من المظاهرات التي نظَّمها أهالي الرهائن حول المسرح مطالبين القوات الروسية بعدم اقتحام المبنى وطالبوا القيادة الروسية بضرورة حل القضية الشيشانية، إلا أن قوات مشتركة من العمليات الخاصة الروسية ووحدات مكافحة الإرهاب قامت باقتحام المسرح في 26/10/2002، لإنهاء عملية الاحتجاز، واستبقت عملية الاقتحام بإلقاء غاز سام داخل المسرح لشل حركة الخاطفين، ثم بدأت بعد ذلك في اقتحام المسرح وإطلاق الرصاص على المسلحين، الأمر الذي أدَّى إلى مقتل 36 من المجموعة الخاطفة بالإضافة إلى 119 من الرهائن(89). وكشفت التحقيقات أن اثنين فقط من الرهائن قُتِلا نتيجة إطلاق النار، أما بقية الرهائن فقد ثبت أنهم قُتلوا نتيجة استنشاق الغاز السام الذي ألقته القوات الروسية قبل اقتحام المسرح، الأمر الذي حوَّل مشاعر الشعب الروسي من الشعور بالارتياح لانتهاء الأزمة إلى نوع من الصدمة والغضب الشعبي بعد كشف هذه المفاجأة. أما المفاجأة الثانية فكانت اعتراف عنصر في القوات الخاصة الروسية لإحدى الصحف الروسية بأنهم وضعوا خطة الهجوم على المسرح قبل بدء المسلحين في تنفيذ تهديداتهم بقتل الرهائن، ويتناقض ذلك مع ما أعلنته أجهزة الأمــــن الروسية من أنها اضطرت لتنفيذ عملية الاقتحام بعد أن بدأ الشيشانيون في إعدام الرهائن(90).

دلالات الأزمة وتأثيرها على القضية الشيشانية

ولا شك أن هذه الأزمة تمثل منعطفًا هامًا في مسار القضية الشيشانية من نواحٍ ثلاث: الناحية الأولى- أنها تمثل سابقة في النزاع الروسي الشيشانى، حيث كان هذا النوع من العمليات يقتصر على شمال القوقاز، الأمر الذي ينذر بإمكان نقل المعركة إلى الداخل الروسي بتكرار مثل هذه العملية، وهو ما أعلن عنه بالفعل شامل باسييف الذي تبنَّى مسئولية العملية، حيث دعا باسييف كل المجموعات الاستشهادية إلى الانضمام لمعركتها لمواصلة الهجمات على الروس، وذلك في بيان نشر على موقع إنترنت في 1/11/2002، وقال: “من الآن وصاعدًا الحرب لن تتواصل فقط على الأراضي الشيشانية وإنما أيضاً في كل أراضى روسيا”(91). ولعل التذكرة بأن عملية مماثلة قام فيها شامل باسييف باحتجاز 1500 رهينة في مدينة بودنيوفسك في 14 يونيو 1996، كانت السبب المباشر في إنهاء الحملة الروسية الأولى على الشيشان تدل على خطورة مثل هذه العمليات على مسار الصراع.
من ناحية ثانية نجحت هذه الأزمة في وضع قضية الشعب الشيشانى في دائرة الاهتمام، ولفت أنظار العالم إلى الأسباب التي تدعو مجموعة من الشباب والشابات إلى القيام بعملية “استشهادية” مثل تلك العملية، فقد صرَّح موفسار باراييف قائد محتجزى الرهائن: “لقد جئنا إلى عاصمة روسيا لإيقاف الحرب في الشيشان وحمل القوات الروسية على الانسحاب من أراضينا أو الموت دون ذلك”، وأضاف باراييف أنه وأتباعه “مهاجمون انتحاريون” جاءوا إلى موسكو “ليس للبقاء على قيد الحياة ولكن للموت”، وأضاف: “لا أحد سيخرج من هنا حيًا، وسيموتون معنا في حالة القيام بأي محاولة لاقتحام المبنى”(92)، وعلى الرغم من أن التعرض لحياة المدنيين أمر مرفوض في كل الشرائع والقوانين، إلا إنه يجب فهم دوافع العمل قبل توجيه الإدانة القطعية لـه. ولعل النظر إلى ظروف الخاطفين يمكن أن يساعد في تفسير هذا السلوك، فقائد مجموعة الخاطفين هو موفسار بارييف، وهو ابن أخي القائد الميداني البارز عربي بارييف الذي اغتالته القوات الروسية في يونيو 2001 في منزله ووسط أهله، أما النساء المشاركات في عملية الاحتجاز فكلهن أرامل فقدن أزواجهن على أيدي القوات الروسية في الشيشان. ولعل المطالب التي سردها المسلحون الشيشان كانت تدل على أنهم لم يكونوا يتوقَّعون استجابة لها من أي نوع من القيادة الروسية، وإنما فقط أرادو إثبات موقف وتذكير العالم بالبؤس الذي يعيشه الشعب الشيشانى بالانتهاكات التي تقوم بها القوات الروسية لحقوق الشعب الشيشانى.
أما الناحية الأخيرة فتتعلق بأثر هذه الأزمة في موقف روسيا من القضية الشيشانية، فقد سبَّبت هذه الأزمة حرجًا بالغًا للرئيس الروسي، ومن هنا اعتبر بوتين أن عملية الاقتحام “أثبتت أنه لا يمكن تركيع روسيا”، ووصف المقاتلين الشيشان “بالحُثالة”(93)، وحاول العزف على وتيرة الإرهاب، فاعتبر ما جرى في موسكو هو حلقة من سلسلة “عمليات الإرهاب الدولي” وذكر تحديدًا ما حصل في إندونيسيا والفلبين. وبالتالي كان من المتوقع أن يواصل بوتين النهج العسكري في التعامل مع هذه القضية أكثر من التفاوض السياسي، فرفضت موسكو دعوة الرئيس الشيشانى أصلان مسخادوف لمفاوضات لتجنُّب عمليات مماثلة قد تقوم بها جماعات شيشانية، واتهمته بالتورُّط في الهجوم على المسرح بموسكو، على رغم إدانته لهذا الحادث، وإعلان شامل باسييف الذي تبنَّى العملية، عدم علم سخادوف بها، واعتبر الكرملين أنه لا يوجد مسئول من المقاتلين الشيشان يمكن التفاوض معه إثر عملية الرهائن، وأكد مستشار الكرملين لشئون الشيشان سيرغى ياسترزيمبسكى، أن عدم إجراء مفاوضات مع مسخادوف أمر مفروغ منه، مشيرًا إلى أنه لم يعد يعتبر قائدًا شرعيًا للمقاومة الشيشانية(95). أكثر من ذلك أعلنت الشرطة الدنماركية اعتقال مبعوث الرئاسة ونائب رئيس الوزراء الشيشانى أحمد زكاييف، في كوبنهاجن في 26/10/2002، بناء على طلب السلطات الروسية التي اتهمته بالضلوع في تدبير عملية احتجاز الرهائن في مسرح موسكو، على الرغم من إدانة زكاييف لها(96)، والجدير بالذكر أن أحمد زكاييف هو مبعوث الرئيس الشيشانى للتفاوض مع روسيا، الأمر الذي يعنى أن القبض عليه كان اتجاهًا واضحًا لاختيار روسيا أسلوب الحل العسكري للقضية الشيشانية. وبدأت بوادر هذا التصعيد الروسي في الظهور عقب نهاية أسر الرهائن مباشرة، حيث قامت القوات الروسية بعملية خاصة واسعة النطاق في الشيشان قُتل فيها ثلاثة مقاتلين شيشان، كما ذَكَر مصدر عسكري روسي أن القوات الفيدرالية تلاحق أعوان منفّذي عملية موسكو بعدما رصدت الأجهزة الأمنية اتصالات مهمةً جرت من داخل المسرح، كما أعلنت قيادة القوات الفيدرالية في الشيشان أن وحدات من القوات الخاصة بالجيش تُمشِّط كل مناطق الشيشان للبحث عن المقاتلين(97)، وأعلنت روسيا على لسان وزير دفاعها سيرجى إيفانوف تأجيل خطة خفض القوات الروسية في الشيشان بعد عملية احتجاز الرهائن(98)، قائلاً: “أعتقد أنه من غير المناسب البدء في سحب القوات من الشيشان طالما لم يتم اعتقال زعماء العصابات المسلحة وشركائهم أو القضاء عليهم” (99). وقد قابل المقاتلون الشيشان التصعيد الروسي بتصعيد مماثل، فأكدت المصادر العسكرية الروسية أن المقاتلين الشيشان أسقطوا مروحية روسية من طراز “إم- يو 8” بصاروخ محمول في 29/10/2002، بالقرب من مقر قيادة القوات الروسية في الشيشان، مما أدى إلى مقتل أربعة من طاقمها(100).
كما دعا الرئيس الشيشانى أصلان سخادوف إلى استمرار المقاومة ضد القوات الروسية وإلى تنفيذ عمليات داخل الأراضي الشيشانية، ووصف بوتين “بالمجرم”، وقال:”إننا مضطرون للقتال ولن نضع حدًا للمقاومة طالما أنه لن يترك السفَّاحون شعبنا بسلام”(101)، كما هدَّد شامل باسييف بشن هجمات جديدة ضد أهداف روسية، وذلك من خلال رسالة إلى زعماء الناتو أثناء انعقاد قمتهم الأخيرة في براغ، حيث ناشدهم بممارسة ضغوط على روسيا للانسحاب من موطنه وبدء المفاوضات السياسية قائلاً:”نحن نُحذِّركم.. فالمجاهدون الشيشان لديهم كامل الحق والفرصة في تنفيذ هجمات جديدة على أراضى المعتدين لقاء ما يمارسه الجيش الروسي في الشيشان”، كما حذر من أن كل الممتلكات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية على الأراضي الروسية هي أهداف مشروعة لمقاتليه(102).

ملاحظات ختامية

من خلال العرض السابق يمكن استخلاص ثلاث نتائج وهي:
1. إن السعي الأمريكي للتواجد في منطقة آسيا الوسطى أو القوقاز لم يكن وليد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فالاهتمام الأمريكي بالمنطقة يسبق ذلك التوقيت بكثير. كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة وجدت في تلك الأحداث فرصه ذهبية لتحقيق حلمها القديم بالتواجد في تلك المنطقة تحت غطاء آخر حشدت كل قواها للبرهنة على عدالته، وهو “مكافحة الإرهاب”، وهو ما وفَّر لها أيضًا استخدام الوسائل التي تفضلها للتواجد في تلك المنطقة، فبدلاً من مساعدتها الاقتصادية والعسكرية واستثمارات شركاتها النفطية في دول تلك المنطقة، وفَّرت لها أحداث 11 سبتمبر فرصة التواجد العسكري الأكثر تحقيقًا لأهدافها.
2. إن القضية الشيشانية لم تتأثَّر سلبيًا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر وبالحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، على الرغم من محاولة روسيا المستميتة لربط تلك القضية بقضية القضاء على الإرهاب الدولي، بل على العكس من ذلك زادت أعمال المقاومة الشيشانية كمّيًا، وتطورت أساليبها في القتال نوعيًا، فالقضية الشيشانية هي قضية شعب يتشبث بالاستقلال، وبالتالي فإن أكثر العوامل تأثيرًا في تلك القضية- سلبًا وإيجابًا- هي تلك العوامل المرتبطة بدوافع الاستقلال من عدمه، وليست أي عوامل خارجية أخرى.
3. إن حادث احتجاز الرهائن في مسرح موسكو، سلّط الضوء من جديد على القضية الشيشانية، ومعاناة الشعب الشيشانى من حرب الإبادة الروسية، وجعل من ضرورة إنهاء تلك الحرب والبحث عن مخرج سلمىٍّ لها، ضرورة حيوية ليس فقط لحماية ما تبقى من الشعب الشيشانى، ولكن أيضاً لحماية الأبرياء داخل روسيا من احتمال تكرار مثل هذه العملية. خاصة أن الجانب الشيشانى أعلن مرارًا استعداده للتفاوض مع روسيا لإنهاء تلك الحرب، ولكن في إطار تسوية عادلة وليس بشروط تعجيزية لا يمكن أن يقبلها شعب يسعى إلى الاستقلال، مثل تلك التي طرحتها روسيا كشرط للتفاوض مع الشيشانيين. ومن هنا فإن الكرة الآن في ملعب روسيا لطرح مبادرة لإنهاء تلك الحرب، وإلا فإن أعمال المقاومة الشيشانية سوف تستمر ولا أحد يعرف إلى أين سيصل مداها.

*********

المصادر

1- أحمد ثابت، الاقتصاد السياسي للصراع حول آسيا الوسطى بعد أحداث 11 سبتمبر، (جامعة القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، سلسلة أوراق آسيوية، العدد 45، أغسطـس 2002)
2- شعبان عبد الرحمن، آسيا الوسطى.. أطماع عمرها خمسة قرون، موقع إسلام أون لاين.نت في 1/11/2001 www.islamonline.net
3- عين النسر الأمريكي على 200 مليار برميل نفط، إسلام أون لاين.نت في 23/9/2001www.islamonline.net
– سامح راشد، حرب أفغانستان تحسم الصراع في بحر قزوين، إسلام أون لاين.نت 26/9/2001 www.islamonline.net
– سعد عبد المجيد، خط البترول القزويني، الاستراتيجية الأمريكية ولمصالح الإقليمية، إسلام أون لاين.نت www.islamonline.net
4- مصطفي اللباد “أنابيبستان” الحرب النفطية وبناؤها الصراعى، شرف نامة، العدد الثالث، ربيع ‏2002‏‏-‏12‏‏-‏16‏
5- محمد السّماك، صراع النفط والسياسة في القوقاز، مجلة وجهات نظر، العدد 35، السنة الثالثة، ديسمبر 2001
– جون ماريكا، طريق الحرية الجديد، وجهات نظر، العدد 38، السنة الرابعة، مارس ‏2002‏‏
6- موقع الجزيرة نت في 9/1/2002، 19/1/2002 www.aljazeera.net
7- موقع الجزيرة في 19/1/2002، جريدة الحياة اللندنية 15/1/2002
8- جريدة الحياة اللندنية 15/1/2002
9- موقع الجزيرة نت
10- محمد فراج أبو النور، بوابة أمريكا إلى بحر قزوين، الأهرام العربى، العدد 237، 6/10/2001
11- طارق إبراهيم، هل تنجح واشنطن بتطويع أفغانستان وإعادة رسم الخارطة السياسة لآسيا الوسطى، الملف العربي- الأوروبي، العدد 11، نوفمبر 2001
12- موقع الجزيرة نت. في يونيو 30/5/2002
13- جريدة الحياة اللندنية 6/1/2002
14- جريدة الحياة اللندنية 15/1/2002
15- موقع الجزيرة نت 27/1/2002
16- موقع الجزيرة نت في 8/12/2001
17- على الصالح، منتدى شنغهاي هل يتحول إلى قطب عالمي جديد؟، موقع الجزيرة نت في 14/6/2001 www.aljazera.net
18- حول الموقف الصيني، انظر:
– الصين تسعى لمواجهة مقاتلى إقليم الايجور المسلمين، الجزيرة نت 18/10/2001.
– الصين وروسيا تبحثان التعاون ضد الإسلاميين في البلدين، الجزيرة نت 28/10/2001.
– ارتياب صينى من الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى. الجزيرة نت، 7/10/2001.
19- موقع الجزيرة نت، 25/1/2002.
20- منى الخميسى، مفاتيح روسيا في الأزمة الأمريكية- الأفغانية، الجزيرة نت في 7/10/2001.
21- جريدة الحياة اللندنية 15/1/2002.
22- جريدة الحياة اللندنية 14/9/2001.
23- جريدة الحياة اللندنية 21/9/2001.
24- موقع الجزيرة نت 25/9/2001.
25- جريدة الحياة اللندنية 26/9/2001.
26- موقع الجزيرة نت 27/9/2001.
27- موقع الجزيرة نت 28/9/2001.
28- جريدة الشرق الأوسط 4/10/2001.
29- جريدة الحياة اللندنية 22/11/2001.
30- موقع الجزيرة نت 25/9/2001.
31- موقع الجزيرة نت 26/9/2001.
32- موقع الجزيرة نت 26/9/2001.
33- جريدة الحياة اللندنية 28/9/2001.
34- جريدة الحياة اللندنية 18/11/2001.
35- جريدة الحياة اللندنية 1/10/2001.
36- موقع الجزيرة نت 29/9/2001.
37- جريدة الحياة اللندنية 18/12/2001.
38- موقع الجزيرة نت 22/9/2001.
39- موقع الجزيرة نت 29/9/2001.
40- جريدة الحياة اللندنية 14/10/2001.
41- موقع الجزيرة نت 10/11/2001.
42- جريدة الحياة اللندنية 3/12/2001.
43- جريدة الحياة اللندنية 8/11/2001.
44- جريدة الحياة اللندنية 8/12/2001.
45- جريدة الحياة اللندنية 1/1/2002.
46- جريدة الحياة اللندنية 6/1/2002.
47- جريدة الحياة اللندنية 18/1/2002.
48- موقع الجزيرة نت 27، 2/1/2002.
49- موقع الجزيرة نت 23/2/2002.
50- موقع الجزيرة نت 15/2/2002.
51- جريدة الشرق الأوسط 2/5/2002.
52- جريدة الشرق الأوسط /8/2002.
53- جريدة الحياة اللندنية 8/8/2002.
54- جريدة الحياة اللندنية 18/8/202.
55- موقع الجزيرة نت 20/8/2002.
56- موقع الجزيرة نت 31/8/2002.
57- موقع الجزيرة نت 29/9/2002.
58- موقع الجزيرة نت 3/11/2002.
59- موقع الجزيرة نت 1/5/2002.
60- جريدة الحياة اللندنية 20/9/2001.
61- جريدة الحياة اللندنية 3/1/2002.
62- جريدة الحياة اللندنية 20/12/2000.
63- موقع الجزيرة نت 20/12/2000.
64- جريدة الحياة اللندنية 12/11/2001.
65- موقع الجزيرة نت 31/12/2001.
66- جريدة الحياة اللندنية 11/1/2002.
67- جريدة الحياة اللندنية 11/12/2001.
68- جريدة الشرق الأوسط 8/1/2002.
69- موقع الجزيرة نت 9/3/2002.
70- جريدة الشرق الأوسط 6/7/2002.
71- جريدة الشرق الأوسط 26/4/2002.
72- جريدة الشرق الأوسط 17/2/2002.
73- موقع الجزيرة نت 26/6/2001.
74- جريدة الحياة اللندنية 19/2/2002.
75- جريدة الحياة اللندنية 20/2/2002.
76- موقع الجزيرة نت 2/3/2002.
77- جريدة الشرق الأوسط 20/5/2002.
78- جريدة الشرق الأوسط 1/3/2002.
79- موقع الجزيرة نت 1/6/2002.
80- موقع الجزيرة نت 6/2/2002.
81- جريدة الحياة اللندنية 26/7/2002.
82- موقع الجزيرة نت 5/8/2002.
83- موقع الجزيرة نت 5/8/2002.
84- موقع الجزيرة نت 25/8/2002.
85- موقع الجزيرة نت 3/9/2002.
86- موقع الجزيرة نت 6/9/2002.
87- موقع الجزيرة نت 11/9/2002.
88- موقع الجزيرة نت 25/9/2002.
89- موقع الجزيرة نت 7/10/2002.
90- موقع الجزيرة نت 8/10/2002.
91- موقع الجزيرة نت 29/11/2002.
92- موقع الجزيرة نت، وصحف الحياة، الشرق الأوسط، والقدس العربي أيام 25، 26، 27/10/2002.
93- موقع الجزيرة نت 27/10/2002.
94- موقع الجزيرة نت 1/11/2002.
95- جريدة الشرق الأوسط 25/10/2002.
96- موقع قناة الجزيرة 27/10/2002.
97- موقع الجزيرة نت 31/10/2002.
98- جريدة الحياة اللندنية 27/10/2002، موقع الجزيرة نت 26/10/2002.
99- موقع الجزيرة نت 14/11/2002.
100- جريدة الشرق الأوسط 30/10/2002.
101- موقع الجزيرة نت 16/11/2002.
102- موقع الجزيرة نت 25/11/2002.

*** حولية أمتي في العالم، العدد الخامس، 2003 ***

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق