تقارير ودراسات

الانتخابات النيابية التركية (2015)… الانعكاسات، ومسار تشكيل الحكومة الائتلافية

حملت الانتخابات النيابية التركية الأخيرة (والتي أجريت في 7 يونيو 2015) معها العديد من التغيرات، فنعم مازال حزب العدالة والتنمية يحتلّ المركز الأول في المشهد التركي[1]، إذ حصل الحزب على 40.87% من الأصوات، إلا أن تلك النسبة لم تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده بخلاف ما كان عليه الحال منذ عام 2002. وبينما حصل حزب الشعب الجمهوري على 24.95%، وحصل حزب الحركة القومية على 16.3%، كانت المفاجأة حصول حزب الشعوب الديمقراطية (الكردي) على 13.12% من الأصوات، وبهذه النسبة استطاع تجاوز العتبة الانتخابية 10% ليكون الحزب الرابع في البرلمان التركي.
ولا ينفصل ذلك عن مشاهد انتخابية سابقة، إذ شهدت تركيا مناسبتين انتخابيتين أخريين منذ الانتخابات البرلمانية لعام 2011، الأولى: كانت الانتخابات المحلية في مارس 2014، والثانية: الانتخابات الرئاسية المباشرة الأولى في تاريخ البلاد في أغسطس 2014. ونحن إذ نقف على تلك المشاهد، لا نُعنى فقط بما أسفرت عنه من نتائج لصالح حزب العدالة والتنمية، وإنما مجمل الدلالات، حيث حملت تلك الانتخابات معها العديد من التحديات لحزب العدالة والتنمية أدى عدم التعامل معها على النحو الملائم إلى تفاقمها، فعلى سبيل المثال: ما يتصل ببنية الحزب ذاته ومدى القدرة على تجديد دمائه والنأي به عن مخاطر الشخصنة، ومدى القدرة على صوغ علاقة متوازنة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، فلا يطغى أي منهما على الآخر (ذلك على خلفية الأزمة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة جولن).

وستتناول هذه الورقة:

-أسباب تراجع حزب العدالة والتنمية.
– مسار تشكيل الحكومة الائتلافية.
– انعكاسات نتائج الانتخابات وشكل الحكومة المحتمل على القضايا الداخلية والخارجية.

أسباب تراجع حزب العدالة والتنمية:

وتنقسم إلى عوامل تتصل بحزب العدالة والتنمية، وأخرى تتصل باتباع أحزاب المعارضة استراتيجيات جديدة، فضلا عن عوامل تتصل بالوضع العام في الدولة أي الأداء الحكومي لحزب العدالة والتنمية.

*عوامل تتعلق بحزب العدالة والتنمية:

– تقديم فكرة النظام الرئاسي خلال الحملة الانتخابية على ما سواها في مسألة تعديل الدستور، وقد كان الربط الواضح منذ أشهر عدة سابقة على الانتخابات. فعلى سبيل المثال في أغسطس 2014 يصرح نائب رئيس الوزراء التركي بولنت آرينتش “إنه في حال تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق الأغلبية اللازمة لتغيير الدستور بعد انتخابات عام 2015 البرلمانية، أو حدث توافق داخل البرلمان حول ذلك، فإن الجهد سينصب على وضع دستور جديد؛ وسيتم من خلاله تحديد أي من أنظمة الحكم الرئاسية هي الأنسب لتركيا”[2]، وكأن الأمر قد أصبح مسلمة، وفقط الإشكالية تكمن في تحديد شكل النظام الرئاسي الذي سيختار.
ورغم التركيز المبالغ فيه على فكرة النظام الرئاسي، فإن الحزب قد فشل في تسويق مشروع النظام الرئاسي ولم ينجح في طمأنة المتوجسين من إمكانية جنوح البلاد نحو الدكتاتورية، كما أن مشاركة أردوغان المكثفة في ميادين الانتخابات -رغم دستور يفترض حياديته- قد زادت من هذه المخاوف وأعطت شعورا بعدم الثقة بداود أوغلو نفسه[3].
وبالتالي يُرى أن الشعب كافأ الحزب الذي قاد تركيا إلى تقدم اقتصادي واجتماعي كبير، وأعطاه المرتبة الأولى بـ 255 مقعداً من أصل 550، لكنه لم يعط لأردوغان شيكاً على بياض، حتى لا يتحول من رئيس إلى سلطان[4].
– وفي المقابل تراجع إدراك أنه لم يزل لقضايا التنمية المحلية، دور في التأثير على نتائج الانتخابات. ولم يزل للوضع الاقتصادي العام للدولة دور –كما سنتناول لاحقًا- ولكن، ونظرًا لما يدركه الجميع من الارتباط الوثيق بين نتائج هذه المعركة الانتخابية وبين مستقبل نظام الحكم، فإن مسألة الدستور الجديد تبدو وكأنها وضعت كل المسائل الأخرى في المرتبة الثانية.
كل هذا في الوقت الذي لوحظ فيه المبالغة في خطاب الحديث عن الإنجازات حتى وصف بجنون العظمة، وهو وإن كان مقبولاً على مستوى الخطاب الخارجي، إلا أنه يؤدي إلى نتائج عكسية لدى المواطن الذي لا يرى ما أنجز بقدر ما يتمحور حول مشكلاته.
ومن ثم رأى المواطن التركي أن الفوز المتكرر لحزب العدالة والتنمية في أكثر من انتخابات، محلية وتشريعية ورئاسية، دفع قادة الحزب إلى الاعتقاد بأنهم الوحيدون المؤهلون لقيادة البلاد، بشكل جعلهم في غفلة عن حل بعض المشكلات السياسية والاقتصادية والثقافية[5].
– التغيرات الداخلية بالحزب، حيث انتقال أردوغان من رئاسة الحزب إلى رئاسة الدولة، وهو الشخصية المؤثرة والمهيمنة، ليحل محله داوود أوغلو[6].
ولا شك أنه عندما يخرج القائد من الحزب، تضعف ديناميكيته. وهذا ما حدث في حزب الوطن الأم عندما خرج منه تورجوت أوزال؛ إذ عندما تم اختيار تورجوت أوزال رئيسًا للبلاد وترك الحزب واجه حزب الوطن الكثير من الخسائر، وهذا ما يحدث الآن في حزب العدالة والتنمية بعد ترك رجب طيب أردوغان له…[7].
وثمة مستوى آخر لتغير قيادات الحزب ربما زاد الأمور ارتباكًا، حيث تم تصفية الكثير من وزراء حزب العدالة والتنمية المخضرمين بسبب انتهاء مدتهم الوزارية -المحددة بـ 12 عامًا حسب النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية[8].

*عوامل تتعلق بالوضع العام في الدولة (الأداء الحكومي):

– الوضع الاقتصادي: يقول البعض إن الحكومة التركية أصبحت ضحية لنجاحها. فغالبية الناخبين الذين جاؤوا بـ”حزب العدالة والتنمية” إلى سدة الحكم أصبحوا يشكلون جوهر الطبقة الوسطى الجديدة في البلاد، والتي مع انتقالها الاجتماعي هذا قد أضحى لها مطالب جديدة تنتظر الإجابة. وهذا التحول لدوائر “حزب العدالة والتنمية” يشكل العديد من التحديات، وسوف تقرر قدرة الحزب على استيعاب ذلك التغير ما إذا كان بإمكانه الاستمرار في القيادة[9]. هذا فضلا عن بعض العثرات الاقتصادية التي تتعلق بأسعار الصرف وغير ذلك –ما سنفصل فيه لاحقا.
– غموض في المسيرة الديمقراطية: فهناك العديد من المؤشرات على أن الدولة أصبحت أقل تحملا للنقد[10]. ويعد المؤشر الأبرز تزايد حالات توقيف الصحفيين دون شفافية كافية بشأن حقيقة ما ينسب إليهم من اتهامات، وحجب وسائل التواصل الاجتماعي بين فترة وأخرى.

*عوامل تتعلق بالمعارضة:

– أحسنت المعارضة توظيف الصراع الدائر بين الفصيلين المحافظين الإسلاميين الرئيسيين في تركيا: “حزب العدالة والتنمية” الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء و”حركة جولن” الشعبية المؤثرة[11]. وهو خلاف متعدد الأبعاد داخليًا (السياسات في مجال التعليم على سبيل المثال) وخارجيًا (الخلاف حول السياسات التركية تجاه المنطقة العربية والاتحاد الأوربي على السواء).
والخلاصة في هذا أن المعارضة العلمانية نجحت في جعل الحركة جزءًا من حملتها الانتخابية.
– استراتيجيات جديدة للمعارضة: فأحزاب المعارضة خاضت الانتخابات وكأنها في ائتلاف غير رسمي، يجمعها السعي الحثيث من أجل حشد الأصوات لإفشال حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى أغلبية تمكنه من تحقيق هدفه في تحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي[12].
– حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) كفاعل جديد: بداية يمثل دخول هذا الحزب إلى ساحة العمل السياسي دلالة مهمة، حيث نجاح استراتيجية حزب العدالة والتنمية؛ وهي استراتيجية مختلفة تمامًا لسياسات الحكومات السابقة، وتقوم على عملية استدراج للأكراد من دائرة المواجهة المسلّحة إلى دائرة الفعل والممارسة السياسية القائمة على احترام قانون الدولة التركية والانضباط لقواعد الديمقراطية[13].
وكان «حزب الشعوب الديمقراطي» في تركيا قد حصل سابقاً على حوالي 60-65 في المائة من أصوات الناخبين في المدن الكردية الرئيسية في الشرق، ولكن على حوالي 6.5 في المائة فقط على الصعيد الوطني، وهي نسبة أقلّ بكثير من عتبة الـ 10 في المائة، أي لم تمكنه من دخول البرلمان. ويُذكر أنه سابقًا تمكن أعضاء «حزب السلام والديمقراطية» والأحزاب الكردية الأخرى من التحايل جزئياً على هذا الحاجز من خلال خوضهم الانتخابات كمرشحين “مستقلين” بدلاً من الترشح مع قائمة الحزب. ورغم أن هذه الآلية سمحت للنواب القوميين الأكراد بدخول البرلمان، إلا أنها أعطت أحزابهم 20-35 مقعداً كحدّ أقصى، وهي نسبة أقلّ من الأصوات الفعلية التي يدلي بها الأكراد في الدوائر الكردية[14].
وكان للحزب بدوره استراتيجية بها قدر من التجديد، فضلا عن تنسيقه مع أحزاب المعارضة الأخرى كما سلفت الإشارة. فعلى سبيل المثال:
* استهداف الناخبين من فئة النساء. فصحيح أنّ أكثر من 52 % ممّن يصوتون لحزب العدالة والتنمية هم من النساء، وهي النسبة الأعلى للمشاركة النسائية في تاريخ تركيا، لكن حزب الشعوب الديمقراطيّ الكردي يعتبر الأكثر ترشيحًا للنساء، فنصف مرشحي الحزب الـ 550 هم من النساء، كما أنّ الحزب هو الوحيد الذي يعتمد صيغة المقاعد الثنائية البديلة بحيث يكون لكل مقعد مخصص للرجال في الحزب آخر مخصص لنساء[15].
* العلويون: لم تضم قائمة «حزب العدالة والتنمية» في تلك الانتخابات أي مرشحين علويين، ويوجد نائب علوي واحد فقط من بين إجمالي ممثلي الحزب في البرلمان الحالي البالغ عددهم 312 نائبًا. بينما «حزب ديمقراطية الشعوب» لم يجر انتخابات تمهيدية، إلا أنه أدرج في النهاية عدداً غير مسبوق من العلويين في قوائمه، حيث اختار حوالي عشرة مرشحين علويين[16].
والحقيقة أن اللافت للنظر في هذه الانتخابات أن المواطنين الأكراد (بمن فيهم أنصار حزب العدالة والتنمية سابقا) قد توحّدوا في جبهة واحدة وأعطوا ثقتهم لحزب الشعوب. وتشير النتائج الخاصة بكل منطقة على حدة إلى انزياح حوالي 3% من أصوات العدالة والتنمية إليه، فسرت على أنها أصوات “الإسلاميين الأكراد” الذين قدموا الهوية الكردية على غيرها من معايير الاختيار”[17].
لكن لا يرجع هذا التغير في اتجاهات التصويت إلى حزب الشعوب فقط وما انتهج من استراتيجيات، فبعض التطورات الأخيرة زعزعت ثقة الأكراد في أردوغان. وذلك عندما هاجم تنظيم داعش مدينة كوباني الجيب الكردي السوري الذي يسيطر عليه «حزب الاتحاد الديمقراطي» حليف «حزب العمال الكردستاني»- في عام 2014، وتأخرت أنقرة في مساعدة «حزب الاتحاد الديمقراطي» على أمل الاستفادة من القضية في محادثات السلام مع «حزب العمال الكردستاني». وهو ما اعتبره الأكراد لامبالاة تركية تجاه عين العرب[18].
– خطاب متناغم للإعلام المعارض: والذي يتمثل بشكل أساسي في الإمبراطورية الإعلامية (جولن) والمجموعة الإعلامية ذات التوجه العلماني (دوجان). فقد دأب هذا الإعلام على الترويج لمقولات وأفكار بعينها من قبيل: أن السياسة الخارجية التركية بشأن الثورات العربية (خاصة في مصر وسوريا) قد أضرت بموقع تركيا الإقليمي.

الحكومة الائتلافية:

يبلغ عدد أعضاء البرلمان التركي 550 عضوًا؛ ويمكن لأي حزب يحصل على أغلبية 267 مقعدًا أن يشكِّل الحكومة منفردًا، وهو ما كان قد نجح فيه حزب العدالة والتنمية منذ ما يزيد عن العقد من الزمان بعد عناء طويل من عدم استقرار داخلي وتخبط خارجي مع الحكومات الائتلافية التي لم تكن على الإطلاق الدواء الناجع في الخبرة التركية[19]. فمنذ مرحلة سبعينيات القرن العشرين عرفت تركيا حكومات ائتلافية عديدة، لكنها غالبا كانت تنتهي بتدخل الجيش. ولعل من أشهر تلك الحالات الانقلاب العسكري الذي حدث في 12 سبتمبر 1980، بقيادة كنعان إيفرين، وأنهى الحكومة الائتلافية، برئاسة سليمان ديميرل، في ذلك الوقت.
وبعد هذا الانقلاب، أجريت أول انتخابات تشريعية في العام 1983، وأفضت إلى قيام حكومة أغلبية، شكلها حزب الوطن الأم منفردا، لكن الحكومات الائتلافية عادت للحياة السياسية أكثر من مرة، حيث انتقلت تركيا إلى عهد الائتلافات مجددا بعد انتخابات عام 1991، وشكل “حزب الطريق القويم” بزعامة، سليمان ديميرل، ائتلافا مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة أردال إينونو.
أما بعد انتخابات 1995، فقد تشكل ائتلاف حكومي بين حزب الرفاه، بزعامة نجم الدين أربكان، وحزب الطريق القويم، بزعامة تانسو تشيلر، لكنه لم يدم طويلا، حيث أنهي التحالف بانقلاب عسكري “ناعم” في 28 فبراير 1997. ثم شكل حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد حكومة ائتلافية مع حزب العمل القومي وحزب الوطن الأم[20]، لتعود تركيا إلى حكومة الحزب الواحد، إثر وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في 2002.
إلا أن النتائج الأخيرة حالت دون استمرار المسار على ما هو عليه، وعاد شبح الحكومات الائتلافية يهدد تركيا مرة أخرى…. وهنا تعددت الاحتمالات ما بين: هل ستتشكل الحكومة الائتلافية من الأساس أم ستتجه الأمور إلى الانتخابات المبكرة؟ وما بين شكل الحكومة الائتلافية حال تشكلها: فهل ستتشكل حكومة مكونة من أحزاب الأقلية أم سيشكلها حزب العدالة والتنمية بالاشتراك مع أي من أحزاب المعارضة؟
وقد أبدى حزب العدالة والتنمية مرونة في هذا الصدد عقب تلقيه صدمة النتائج التي وُصفت بأنها بالنسبة له فوز بطعم الخسارة. فعلى سبيل المثال دعا في اليوم التالي للانتخابات مباشرة نائب رئيس الوزراء التركي والناطق باسم الحكومة التركية “بولنت أرينج” أحزاب المعارضة التركية الذين فازوا بمقاعد في البرلمان التركي خلال الانتخابات، إلى تشكيل حكومة ائتلافية من خلال اتحاد أحزاب الحركة القومية والشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي.
وحرص حينها “أرينج” على ترك الباب مفتوحًا أمام جميع الأحزاب، فحين سئل حول احتمال عقد تحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من أجل تشكيل الحكومة القادمة، أوضح أرينج أنّ الباب لم يُغلق تماماً في وجه التّحالف مع حزب الحركة القومية وأنّ مسؤولي الحزب سيتدارسون كافّة السيناريوهات المحتملة[21].
وهناك من يرى الأفضل أن يشكل كل من حزبي الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية الحكومة نظرا لخبرتهما العملية، ويذكر أن داوود أوغلو قد صرح في 16/7/2015 أنّ حزبه توصّل إلى اتفاق مبدئي مع حزب الشعب الجمهوري لتشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة[22]. كما وصلت إلى مرحلة تشكيل هيئات لمناقشة النقاط التوافقية والخلافية بينهما، وذلك بعد لقاء ثنائي جمع وزير الثقافة والسياحة “عمر جليك” عن العدالة والتنمية، والنائب ”هالوك كوج” عن الشعب الجمهوري، ومن المقرر أن يتركز عمل الهيئات على بحث المواضيع التي أبدى الحزبين تحفظاتهما حولها [23].
بينما هناك من يرى أن حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهشلي هو الأقرب نظرًا لتقاربه في بعض الآراء مع حزب العدالة والتنمية، إلا أن الحزب قليل التجربة في السلطة والحكم، فلم يصل إلى السلطة السياسية إلا لعدة أشهر بالرغم من تاريخه الطويل في العمل السياسي، وكما قال رئيسه دولت باهشلي: «إنه يفضــل أن يكون حزب المعارضة الأم». فضلا عن أن يذكر أن الحركة القومية كانت منذ أول مقابلة بين داود أوغلو وزعيمها أعلنت رفضها لتشكيل حكومة ائتلافية مع العدالة والتنمية.
لكن في المقابل من كل تلك الاحتمالات عكس خطاب المعارضة شعورًا بنشوة الانتصار على حزب العدالة والتنمية، إذ أعلن زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديميرطاش أن حزبه لن يشكل ائتلافا حكوميا مع حزب العدالة والتنمية. وفي الوقت ذاته قد أوحى حزب الحركة القومية بشرطين يتعلقان بموقع أردوغان في الحياة السياسية، إضافة إلى عملية السلام مع الأكراد، الأمر الذي يصعّب فكرة التحالف[24]. بل حتى بالنسبة لحزب الشعب الذي ترتفع التوقعات والمؤشرات –كما سبقت الإشارة- بشأن احتمال دخوله في ائتلاف مع العدالة والتنمية، صرح رئيسه السابق ونائبه الحالي بالبرلمان عن مدينة أنطاليا جنوب تركيا دنيز بايكال أن حزب العدالة والتنمية لا ينوي تشكيل حكومة ائتلافية قائلا: “إن مشاورات تشكيل الائتلاف عبارة عن مسرحية وبمثابة ذر للرماد في العيون وأن الانتخابات المبكرة ستجرى في شهر نوفمبر المقبل[25].
لذا فهناك من جنح إلى أن سيناريو الانتخابات المبكرة هو الأرجح حتى الآن، ويتحدد الإطار الدستوري في ذلك بأن الدستور التركي يقول إن الرئيس يكلف شخصاً بتشكيل الحكومة خلال 45 يوماً. وفي حال فشل كل سيناريوهات تشكيل الحكومة من حق وصلاحيات الرئيس الدعوة إلى انتخابات مبكرة[26].
وهناك من يرجح أن إعادة الانتخابات ستجعل جزءًا من المتكاسلين أو الغاضبين أو المترددين يراجعون أنفسهم، إضافة إلى بعض من انتخب الأحزاب الصغيرة الأخرى، ستجعلهم يصوتون لحزب العدالة والتنمية رغبة في الاستقرار وربما باعتبار أن “الرسالة” قد وصلت للعدالة والتنمية[27].
وأيا كانت المحصلة النهائية فإن حالة الجمود الراهن في مفاوضات تشكيل الحكومة تعني عدم قدرة الأحزاب السياسية التركية على تشكيل حكومة ضمن النسب الانتخابية التي أرادها الشعب التركي نفسه تعني أن هذه الأحزاب عاجزة أن تجسد التنوع السياسي والفكري والثقافي والقومي والعرقي والإثني والطائفي الذي يتمتع به المجتمع التركي. وتقع المسئولية الأكبر على عاتق حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري لأنهما الحزبان اللذان حكما تركيا بقوة من الناحية العملية[28].

انعكاسات الانتخابات:

بدايةً، إن الحديث عن انعكاسات للسياسة الخارجية التركية لابد أن يتوقف على عدة عوامل أهمها:
– شكل الحكومة.
– الأحزاب المشاركة فيها.
– أن حزب العدالة والتنمية يمتلك العدد الأكبر من المقاعد في البرلمان، وهذا يعني أنه سيكلّف بتشكيل الحكومة، وأن أردوغان لا يزال رئيسا للجمهورية[29].
– صعود الفاعل الكردي بشكل واضح.

* الدستور:

لا شك أن نتائج الانتخابات على هذا النحو تضرب فكرة تعديل الدستور في مقتل، حيث لا يمتلك حزب العدالة والتنمية الأغلبية الكافية لتحقيق ما يريد. وأعلنت الأحزاب الأخرى استمرار رفضها لفكرة التحول لنظام رئاسي (جوهر التعديل المقترح من العدالة والتنمية) فعلى سبيل المثال: أعلن زعيم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي صلاح الدين دميرتاش عقب إعلان النتائج مباشرة إلى القول إن الانتقال إلى نظام رئاسي أصبح من الماضي.
ذلك مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يكن حزب العدالة والتنمية أو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول من طرح قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، فقد سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين تورغوت أوزال وسليمان ديميريل[30].
وكان لكل من الجانبين المؤيد والمعارض لفكرة التعديل حججه.
أما المؤيدون فيرون:
– أن النظام السياسي بالبرلماني يعاني خللا في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أي الحكومة والبرلمان، حيث يشكو الثاني من سيطرة الأولى، وعليه فإن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيحل هذا الخلل من جهة، ومن جهة ثانية سيجعل النظام السياسي أكثر استقرارا.
– أن الدور القوي للنظام الرئاسي ينبع من طريقة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية بالبلاد، حيث للمرة الأولى جرى الاقتراع بشكل مباشر من الشعب خلافا للمرات السابقة التي كانت تتم من داخل البرلمان[31].
أما المعارضون:
– فحجتهم الخوف من أن يكون الانتقال إلى النظام الرئاسي مدخلا لحكم شمولي دكتاتوري، إذ ترى المعارضة أن أردوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكما مطلقا. وقد عبر عن ذلك مؤخرًا صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، حينما قال إن زمن ما وصفها بـ”غطرسة” الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد انتهى إلى غير رجعة.
– أيضًا هناك العديد من التفاصيل التي تثير المخاوف، فعلى سبيل كيف سيكون الحكم المحلي في المحافظات؟ هل سيتم اعتماد هذا الحكم بمفاهيمه الحقيقية كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة[32]؟
وتفرض اللحظة التركية الراهنة النظر في مسألة تعديل الدستور بمنأى عن الصخب الانتخابي، فإن تركيا بحاجة إلى تعديل دستوري يحول دون تكرار هذه الحالة من عدم الاستقرار، شريطة ألا يكون الأمر مجرد مشروع حزب وإنما لابد أن يصير مشروع الشعب التركي بأسره، ولعل هذا ما فشل حزب العدالة والتنمية في الوصول إليه خلال المرحلة الماضية.

*القضية الكردية:

شهدت القضية الكردية تقدمًا ملحوظًا خلال حكم العدالة والتنمية –على نحو ما ذكر- وذلك تحت مظلة سياسة الانفتاح الديمقراطي التي انتهجها الحزب. وقد صارت الأمور على جبهتين متوازيتين: الأولى التمكين الثقافي والسياسي للأكراد، والمواجهات المسلحة مع عناصر حزب العمال الكردستاني. وفي الحقيقة فقد أسفرت تلك السياسات التي توصف بأنها على قدر كبير من التوازن عن تولد استعداد لدى المسلحين الأكراد لترك العمل المسلح، وإن برز هذا الاستعداد أحيانًا وتوارى أحيانًا أخرى. فخلال العامين الأخيرين على وجه الخصوص تكررت نداءات زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، إلى تنظيمه لترك السلاح تمهيدا للدخول في عملية السلام. وجاء ذلك لأول مرة في تاريخ المنظمة بعيد النوروز عام 2013، وجاء في كلمته:
”أعزائي شعب تركيا، الأناضول هو التاريخ القديم الذي نعرفه اليوم باسم تركيا، وعلى شعب تركيا أن يدرك تماما بأنهم تعايشوا مع الأكراد لمدة ألف عام تحت راية الإسلام، وضمن مظلّة الأخوّة والتعاون والقانون. وفي هذا الجو الذي تسوده الأخوة والقانون لا توجد فتوحات جديدة أو تهميش ونفي أو إقصاء وإدماج قسري للمجتمع، ولا يمكن القبول بتلك الخيارات أصلا”.
وفي هذا الخطاب أيضًا وجه أوجلان الاتهامات إلى الحكومات التركية العلمانية التي طالما همشت الأكراد:
“إن سياسات الرأسمالية العالمية الجديدة، تحاول الضغط ثم نفي وإقصاء الشعوب عبر حكومات لا تمتّ بصلة للشعوب، وتحاول تلك الحكومات إنكار الأخوة والقانون الذي كان يسود عالمنا منذ ألف عام. ومن الواضح أننا بتنا نعيش عكس ما كنا نعيشه منذ ألف سنة، وأنا أنادي من هنا إلى أن نقوم بوضع حد لأجهزة الفساد والظلم، وإعادة الشرق الأوسط إلى قوّته التي تكمن بعنصريه الأساسيين وهما الثقافة والحضارة بالسبل الديمقراطية الجديدة.”
من حديث أوجلان نفهم جيدا أنه يقصد بكلمة “إقصاء الشعوب عبر حكومات لا تمت صلة بالشعوب” يقصد بها، حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي مارس الظلم ضد الأكراد في زمن ليس ببعيد[33]. وهو الأمر الذي يثير علامات الاستفهام حول التعنت الكردي بشأن حكومة ائتلافية مع حزب العدالة والتنمية[34].
لكن بعيدًا عن المراوغات والمساومات السياسية بين الأحزاب، وبغض النظر عما يعنيه دخول حزب الشعوب للبرلمان -بعد أن كان يدخله الأكراد كمستقلين- من حالة صحية تخدم الأمن والاستقرار في تركيا وستساعد على التقدم في مسار الحل السياسي والسلمي للقضية الكردية داخل تركيا[35]. إلا أن ثمة وجها سلبيا آخر، حيث التصويت بناء على الهوية: فقد اتضح أن معظم الأكراد قد صوتوا لحزب الشعوب الديمقراطي[36].
تلك الروح القومية المرشحة لمزيد من الإذكاء، لاسيما مع تعنت حزب الشعوب بشأن الحكومة الائتلافية كما أشير، وهو ما يعني أنه يزيد من احتمالات تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهجلي على اعتبار أن التناقض الأيديولوجي والسياسي مع حزب الشعب الجمهوري الذي هو إرث أتاتورك يقلل من احتمالات دخوله في ائتلاف مع العدالة والتنمية[37].
وإن تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الحركة القومية، لاشك أنه يتطلب التضحية بالعملية السلمية مع الأكراد؛ نظرا لأن حزب الحركة القومية يرفض أي اعتراف بوجود قضية قومية كردية، فضلا عن التفاهم على صيغة النظام الرئاسي. مثل هذا الخيار ربما سيؤثر على العملية السلمية مع الأكراد، وربما يدفع الأكراد إلى العنف تمسكا بمطالبهم القومية على نحو يدمر كل ما أحرز من تقدم سياسي على صعيد قضيتهم، ومثل هذا الخيار يحمل مخاطر عودة العسكر إلى الساحة السياسية في ظل ما يمكن أن تصبح عليه المناطق الجنوبية في البلاد من الاضطرابات الأهلية [38].

* الاقتصاد:

احتل البعد الاقتصادي مساحة كبيرة من الحملات الانتخابية وذلك على وجهين بالطبع: الأول مثلته المعارضة حيث التركيز على قضايا الفساد وقضية مديونية المواطنين الأتراك للبنوك وبطاقات الائتمان، وعلى الوجه المقابل كان دفاع العدالة والتنمية عبر خطاب يتحدث عما حققه من التحسن الاقتصادي والنقلة التي حصلت للوضع وحل أزمة السكن ورفع مستوى المعيشة[39].
ورغم أن هناك العديد من المشكلات الاقتصادية التركية موروثة منذ ما قبل العدالة والتنمية، وأن ما حققه الحزب على الصعيد الاقتصادي هو طفرة في تاريخ تركيا الحديث، إلا أنه خلال العامين الأخيرين حدث بعض التراجع (وإن استمر المسار العام) لاسيما في أمور يشعر بها المواطن بشكل مباشر من قبيل الارتفاع في أسعار المواد الأساسية وارتفاع سعر صرف الدولار في مقابل الليرة التركية، وتراجع معدل النمو من 5,5 إلى 2,9. ويمثل الاقتصاد عنصرًا مهمًّا في توجيه الناخب التركي، وجدير بالذكر أنه قد كان للعامل الاقتصادي أثره في الانتخابات المحلية في عام 2009 إذ أدى التأثر بالأزمة الاقتصادية إلى أن يحصل العدالة والتنمية على 38 في المائة فقط[40].
وقد زادت نتائج الانتخابات وما أثارته من توقعات بأن تشهد تركيا حالة من عدم الاستقرار خلال الفترة المقبلة إلى المزيد من الارتباك في أسعار الصرف. ففي تداولات اليوم التالي للانتخابات، وصل سعر الدولار 2.8097 ليرة تركية، وهو أعلى سعر يسجله أمام الليرة[41].
ونحن إذ نتناول الشأن الاقتصادي التركي يمكن القول إن هناك عددًا من الثوابت يجب الالتفات إليها بغض النظر عن شكل الحكومة القادمة، كما أن هناك بعض المتغيرات التي ستتأثر بالتوجه الذي سيكون له الغلبة في الفترة القادمة. فبالنسبة للثوابت، يبدو أن الاقتصاد التركي بحاجة إلى مؤسسات كبرى تتناسب مع ما وصل إليه من توسعات أفقية ورأسية داخلية وخارجية، كما يجب إيلاء قدر أكبر من الاهتمام إزاء تطوير المؤسسات الرقابية خاصة ذات الطبيعة الاقتصادية. أما المتغيرات فربما على سبيل المثال يحدث صعود لمجموعات اقتصادية معينة وتراجع لأخرى (حيث من المعروف أن الاقتصاد التركي يحرك جزء كبير منه التكتلات الاقتصادية التي لكل منها توجهه السياسي).

*السياسة الخارجية:

ارتبط مسار السياسة الخارجية التركية النشطة حيال الشرق الأوسط طيلة السنوات الماضية بالحضور القوي لحزب العدالة والتنمية، والذي استطاع من خلال القدرة على تشكيل الحكومات التركية منفردًا، والسيطرة شبه المطلقة من ناحية أخرى على البرلمان[42].
ولم تكن السياسة الخارجية بمنأى عن الاضطراب السياسي الذي شهدته تركيا مؤخراً، فعلى جانب أدى الانشغال بالصراعات الداخلية إلى تراجع كثافة الاهتمام بالتطورات الخارجية، وعلى الجانب الآخر كانت قضايا السياسة الخارجية واحدة من أهم ساحات السجال في الدعاية الانتخابية[43]. فقد استمرت المعارضة في انتقاد السياسة الخارجية؛ حيث تساءل زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو عن سبب عدم تواجد السفير الإسرائيلي في أنقرة، وكذلك الحال مع السفيرين المصري والسوري، وتعدَّى كلتشدار أوغلو الانتقاد إلى التعهد بإعادة اللاجئين السوريين في حال فوز حزبه[44]. ومع هذا فإن تلك الأحزاب المعارضة لا يمكن القول إن أحدها يمتلك إجابات واضحة حول أسئلة السياسة الخارجية، وإنما هي مواقف نابعة من التوجهات الأيديولوجية العامة، كرفض حزب الشعب الجمهوري للتقارب مع العالم الإسلامي بحكم إرثه العلماني، وكذلك غلبة الطابع القومي على توجهات حزب الحركة القومية.
والآن ربما ملفٌّ رئيسيٌّ من ملفات التفاوض بين الأحزاب السياسية لتشكيل حكومة ائتلافية سيرتبط بمحاولة تقديم تنازلات من قبل حزب العدالة على الساحة المحلية تدفع بقية الأحزاب إلى التكيف نسبيًّا مع سياسات تركيا الخارجية، خصوصًا فيما يتعلق بالموقف من سوريا[45].
وبشكل عام لا شك أن دولة في موقع تركيا من الصعب أن تجري تغيرًا راديكاليًّا في سياستها الخارجية لاسيما أن الأبعاد الاقتصادية متجذرة بقوة في الحركة الخارجية لها، وإنما لا شك أيضًا أن الحكومة القادمة (باعتبارها حكومة ائتلافية) أيًّا كان شكلها لن تكون بنفس قوة سابقتها في مواقفها الخارجية. وذلك يرجع لعدة أسباب:
– صعوبة الحصول على أغلبية في البرلمان عند اتخاذ أي قرار.
– هناك العديد من القضايا الخلافية بين الأحزاب الموجودة في البرلمان مثل:
* أولوية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
* التناقض كبير وملحوظ خاصة بين حزب العدالة، وحزب الشعب الجمهوري سواء في سوريا أو مصر أو في العراق[46].
* أي حزب سيشارك حزب العدالة والتنمية ضمن هذا السيناريو سيسعى إلى العمل على تقليص دور رئيس الجمهورية في تقرير السياسة الخارجية[47].
ومن المؤكد أن التغيير سيكون في شكل السياسة الخارجية التركية وأسلوبها؛ بحيث يصبح أكثر هدوءًا وأقل مواجهة، كما أن القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية ستكون أضعف بكثير من ذي قبل[48].
يتوقع كثيرون أن يكون الملف السوري أكثر ملف سيشهد نوعًا من التغيير؛ وذلك لأن كل أحزاب المعارضة تعارض سياسات الحكومة إزاءه؛ وبالتالي قد نشهد تقليصًا للدور التركي في سوريا؛ ولكن ذلك سيكون محدودًا جدًّا؛ وذلك لطبيعة الجوار بين البلدين، واستمرار الأزمة في سوريا بكل أبعادها؛ خاصة البُعد الأمني.
لكن الاختلافات حول التفاصيل ستبقى سيدة الموقف، فكما ذُكر سلفًا فإن الموقف الذي تبنته أنقرة خلال معركة “عين العرب” (كوباني) بين تنظيم “داعش” والميليشيات الكردية لم يكن محل ترحيب من جانب القوى الكردية وعلى رأسها حزب “الشعوب الديمقراطي”، الذي اعتبر أن هذا الموقف لا ينفصل عن السياسة التي تنتهجها أنقرة والتي تحاول من خلالها مصادرة أية مكاسب استراتيجية محتملة قد يحصل عليها الأكراد من تصاعد حدة الصراع داخل سوريا[49]..
وعلى مستوى آخر، فإن لمعطيات الخارج موضعها أيضًا، خاصة في ظل الخلاف التركي مع قوى إقليمية وعالمية حول العديد من المسائل كالأحداث في مصر وسوريا، وبالتالي فتراجع حزب العدالة والتنمية سيضعف من مواقفه الخارجية، وهو ما كان محل ترحيب عالمي. فمثلا حملت الصحف البريطانية الصادرة صباح اليوم التالي للانتخابات الكثير من الأخبار والتعليقات من قبيل: فصحيفة التايمز، حملت عنوانا يقول “الأكراد ينطلقون والناخبون يطيحون بأردوغان” مع صور لاحتفالات الأكراد بفوزهم[50].
وفي صحيفة الغارديان كتب كونستانز ليتش من اسطنبول “الانتخابات أذلت أردوغان” وأضاف الكاتب أن أردوغان مني بأسوأ هزيمة انتخابية في أكثر من عقد من الزمان عندما خسر حزبه “العدالة والتنمية” أغلبيته المطلقة في البرلمان. ووفقا للصحيفة، أدت استراتيجية فرق تسد التي اتبعها أردوغان، لدفع حزبه المحافظ دينيًّا إلى الواجهة، إلى مزيد من الانقسام في تركيا بل وفي بعض الحالات إلى العنف[51].
كما لم تُخْفِ بعض وسائل الإعلام الإيرانية والإسرائيلية والمصرية فرحتها بنتائج الانتخابات، واعتبارها حصادًا لسياسة خارجية خاطئة.
وربما جاء أبرز التعليقات من الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز الذي قال: “أردوغان أراد أن يحوِّل تركيا إلى إيران، ولا يمكن أن تتسع المنطقة لنسختين من إيران، نتائج الانتخابات تعبِّر عن اتجاه إيجابي في كل ما يتعلق بمصالح إسرائيل”.
وفي سياق حديث التغيير المنتظر في السياسة الخارجية التركية؛ ورغم إعلان داود أوغلو رئيس الوزراء ومنظر السياسة الخارجية التركية أن تركيا لن تراجع سياساتها، وأنها ستحافظ على ثوابت تحركاتها الخارجية، وأن حزب العدالة مسئول عن قراراته، ولن يتراجع مهما كانت الظروف التي استجدت في تركيا أو حتى في المنطقة[52]. فإنه من الضروري الإشارة إلى أنه في حال لو استطاع حزب العدالة والتنمية تشكيل الحكومة بمفرده، تحت أي ظرف من الظروف بما في ذلك إجراء انتخابات مبكرة، فإن احتمالات التغيير في السياسة الخارجية التركية تبقى أيضًا قائمة. فالحاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، في ضوء التحديات الأمنية على الحدود التركية والتي باتت تهدد الأمن الداخلي التركي، خاصة كل من تنظيم داعش والمجموعات الكردية المسلحة.

خاتمة:

أعادت الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة إنتاج التحديات التي منها ما طفا على السطح مع الانتخابات البلدية لعام 2014، ومنها ما كان اجترارًا لأزمات عقود مضت كانت قد طويت صفحاتها، حيث شبح الحكومات الائتلافية التي طالما عصفت بالاستقرار التركي. وفي ظل الغموض الذي يكتنف مفاوضات تشكيل مثل هذه الحكومة على نحو يسير باتجاه الانتخابات المبكرة تقف الأحزاب السياسية الكبرى لتحمل مسؤولياتها التاريخية أمام الشعب التركي للحفاظ على ما حقق خلال السنوات الماضية.
فلا يمكن إنكار أنه بالرغم مما مثلته تلك الانتخابات من كون تركيا كسبت نظاماً ديمقراطياً لم يعد مهدداً بتدخل العسكر لإجهاضه[53]. إلا أنها في الوقت ذاته كشفت عبر ما يحيط بها من سياقات إعلامية عن حالة تتفاقم من الاستقطاب السياسي (باتت على وشك أن تأخذ طابعًا شخصيًا حتى داخل التيار الواحد، ولا يغيب عن الأذهان التوتر بين أردوغان وجول، والذي تحاول قوى المعارضة توظيفه)[54]، بدأت تترك آثارها في المجتمع الذي ربما قد وجد ذاته أحيانًا تائهًا في خضم احتدام المواجهات السياسية.
إن الأمر في حاجة ماسة إلى إعادة التفكير في آليات إدارة الدولة والمجتمع، من قبل جميع الأطراف، كما يتطلب الخروج من هذه المرحلة إعادة النظر في القضايا الخلافية الكبرى من الجميع أيضًا عبر منهج مختلف: فالدستور أوسع من شكل النظام السياسي، والاقتصاد لا يمكن أن يحركه بالأساس التكتلات الاقتصادية المعروفة، كما أن السياسة الخارجية لا بد لها من إعادة تنشيط على مختلف محاور الحركة، على ألا تكون التحركات مجرد محاولة للخروج من أزمات الداخل.
*****

الهوامش:

[1] د.محمد العادل، قراءة في نتائج الانتخابات التركية .. فوز مشروط لحزب العدالة والتنمية في تركيا: https://www.turkpress.co/node/9235
[2] آرنتش: سنسعى لوضع دستور يعتمد نظاماً رئاسياً بعد الانتخابات البرلمانية القادمة، 17 أغسطس 2014:
http://www.turkpress.co/node/900
[3] سعيد الحاج، الانتخابات التركية.. قراءة في النتائج والسيناريوهات، 9 يونيو 2015: https://bit.ly/2WFJhHf
[4] توفيق بوعشرين، رئيس لا سلطان، 10 يونيو 2015: https://bit.ly/39bZCpK
[5] عمر كوش، تركيا وخيار الحكومة الائتلافية، 27 يونيو 2015: https://bit.ly/2wCiCjT
[6] سونر چاغاپتاي، الخطوة التالية في رقصة أردوغان مع الأكراد، 3 يونيو 2015:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-next-step-in-erdogans-dance-with-the-kurds
[7] الانتخابات التركية.. التاريخ المتكرر، 8 يونيو 2015: http://www.turkey-post.net/p-51375/
[8] المرجع السابق.
[9] سونر چاغاپتاي, بين هودجز, روس ويلسون, و جيمس جيفري، التحول الذي تشهده تركيا: الاحتمالات والقيود، 13 مارس 2014:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/turkeys-transformation-prospects-and-limits
[10] كرم أوكتيم، صعود وسقوط النموذج الذى لم يكن: تركيا وحدود السياسة الإسلامية، 31 مارس 2015: https://bit.ly/2QIl9jj
[11] سونر چاغاپتاي و جيمس جيفري، العداء بين الاسلاميين وراء الاضطرابات في تركيا، 29 ديسمبر 2013:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-islamist-feud-behind-turkeys-turmoil
[12] علي حسين باكير، الاستراتيجية الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطية الكردي في تركيا، 23 مايو 2015: https://bit.ly/2xoBsLk
[13] “الشعوب الديمقراطي” في البرلمان التركي: من المستفيد؟، 14 يونيو 2015:
http://www.turkey-post.net/p-53163/
[14] أسلي أيدنتسباس، الأكراد يرسمون خارطة تركيا السياسية، 23 أبريل 2015:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/kurds-shaping-turkeys-political-map
[15] علي حسين باكير، الاستراتيجية الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطية الكردي في تركيا، مرجع سابق.
[16] سونر چاغاپتاي، المد العلوي يقترب من البرلمان التركي، 6 مايو 2015:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/an-alevi-tide-headed-for-turkeys-parliament
[17] سعيد الحاج، الانتخابات التركية.. قراءة في النتائج والسيناريوهات، مرجع سابق.
[18] سونر چاغاپتاي، الخطوة التالية في رقصة أردوغان مع الأكراد، مرجع سابق.

[19] ربيع الحافظ، تركيا.. ليست انتخابات محلية، 7 يونيو 2015: https://bit.ly/39hvDga
[20] انظر على سبيل المثال:
عمر كوش، تركيا وخيار الحكومة الائتلافية، مرجع سابق.

[21] الناطق الرّسمي باسم الحكومة التركية يدعو أحزاب المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية، 08 يونيو 2015:
http://www.turkpress.co/node/9227
سعيد الحاج، الكثيرون يسألون عن موضوع الانتخابات المبكرة، مرجع سابق.
[22] محمد زاهد جول، الحكومة التركية الائتلافية وأحزاب السلطة التاريخية والمعاصرة، مرجع سابق.
[23] تقدم في مفاوضات الحكومة الائتلافية بين الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية، 23 يوليو 2015: http://www.turkey-post.net/p-61248/
[24] سعيد الحاج، الانتخابات التركية.. قراءة في النتائج والسيناريوهات، مرجع سابق.
[25] مباحثات الائتلاف مسرحية.. وانتخابات جديدة في نوفمبر، 23 يوليو 2015: https://bit.ly/2WCAYMt
[26] سعيد الحاج، الكثيرون يسألون عن موضوع الانتخابات المبكرة، مرجع سابق.
 تركيا… «الحكومة الائتلافية» تقترب نظرياً و«الانتخابات المبكرة» الأقرب عملياً، 12 يوليو 2015: http://www.alquds.co.uk/?p=371413
[27] المرجع السابق.
[28] محمد زاهد جول، الحكومة التركية الائتلافية وأحزاب السلطة التاريخية والمعاصرة، مرجع سابق.
[29] علي حسين باكير، انعكاسات نتائج الانتخابات البرلمانية على السياسة الخارجية التركية، مرجع سابق.

[30] خورشيد دلي، تركيا والانتقال إلى النظام الرئاسي، 6 فبراير 2015: https://bit.ly/3ai46N0
[31] المرجع السابق.
[32] المرجع السابق.
[33] هاني قبلان، طريق الأكراد في تركيا، 6 يونيو 2015:
http://www.turkey-post.net/p-50626/
[34] سنان أولجن، تركيا والانتخابات الحرجة، 6 يونيو 2015: https://bit.ly/33Ht2ep
[35] الغارديان: إذلال اردوغان في الانتخابات التركية: http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2015/06/150607_press_monday
[36] سعيد الحاج، الانتخابات التركية.. قراءة في النتائج والسيناريوهات، مرجع سابق.
[37] خورشيد دلي، تركيا.. انتصار الكرد وخيار الانتخابات المبكرة: https://bit.ly/3bpmOT4
[38] المرجع السابق.
سنان أولجن، تركيا والانتخابات الحرجة، 6 يونيو 2015: https://bit.ly/33Ht2ep
[39] مهنا الحبيل، هل تُسقط المعارضة العدالة التركي؟، 28 مايو 2015: https://bit.ly/2y6RUQY
[40] قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية التركية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 14 يونيو 2015: https://bit.ly/2UD5eE8
[41] الدولار يسجل أعلى سعر له مقابل الليرة التركية، 8 يونيو 2015: http://www.turkey-post.net/p-51408/
[42] ما بعد الانتخابات: معركة إبعاد “أردوغان” عن السياسة الخارجية التركية، 16 يونيو 2015: https://bit.ly/2QKSOZP
[43] سونر چاغاپتاي, بين هودجز, روس ويلسون, جيمس جيفري، التحول الذي تشهده تركيا، مرجع سابق.
[44] محمود سمير الرنتيسي، الانتخابات والسياسة الخارجية التركية.. انعكاسات النتائج، 1 يوليو 2015: https://bit.ly/2vLQ86W
[45] ما بعد الانتخابات: معركة إبعاد “أردوغان” عن السياسة الخارجية التركية، مرجع سابق.
[46] علي حسين باكير، انعكاسات نتائج الانتخابات البرلمانية على السياسة الخارجية التركية، مرجع سابق.
[47] محمود سمير الرنتيسي، الانتخابات والسياسة الخارجية التركية.. انعكاسات النتائج، مرجع سابق.
[48] المرجع السابق.
[49] تغيير مؤجل: التأثيرات المحتملة للانتخابات البرلمانية على السياسة الخارجية التركية، 17 يونيو 2015: https://bit.ly/2JeK3Di
[50] علي حسين باكير، انعكاسات نتائج الانتخابات البرلمانية على السياسة الخارجية التركية، مرجع سابق.
[51] المرجع السابق.
[52] ما بعد الانتخابات: معركة إبعاد “أردوغان” عن السياسة الخارجية التركية، مرجع سابق.
[53] سعيد الحاج، الانتخابات التركية.. قراءة في النتائج والسيناريوهات، مرجع سابق.
[54] انظر على سبيل المثال: عمر نور الدين، عبد الله جول.. الرجل الضرورة، 23 يونيو 2015: https://bit.ly/33Hs7KO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى