قراءة في افتتاحيات البِشري لـ”أمتي في العالم”

المقدمة:
الدراسة الافتتاحية لهذا العدد، والعدد ذاته، ليست ممَّا اعتادته الحولية. فالعدد يقدِّم قراءاتٍ في “فكر طارق البِشري وخبراته”، بعد أن رحل عنَّا في 14 رجب 1442هـ/ 26 فبراير 2021م. فالافتتاحية هذه المرة ليست بقلم البِشري كما اعتدْنا في كلِّ الأعداد السابقة، ولكن تقدِّم هذه الدراسة الافتتاحية قراءةً جامعةً تراكمية في افتتاحيات البِشري للأعداد الصادرة من “أمَّتي في العالم” عبر 25 عامًا. وهي تقودنا بدَورها إلى خريطة مشروعه الفكري الشامل عن الأمَّة في العالم التي تتصدَّى لها موضوعات هذا العدد.
وإذا كان طارق البِشري يمثِّل علامة فكرية متميزة في مصر والأمة العربية والإسلامية من حيث مستوى القضايا التي تناولها أو منهج النظر والمعالجة الذي يتميَّز به، فإنَّ طارق البِشري آزرَ ودعَّم -رؤيةً وتناولًا- فكرة إصدار حولية “أمتي في العالم” التي بدأ عمل مركز الحضارة عليها عام 1997، وصدر منها حتى 2022 ستةَ عشر عددًا.
وإذا كنَّا قد أخذْنا عنوان “أمتي في العالم” عن أستاذنا العلَّامة المرحوم د. حامد ربيع (انظر مقال د. سيف الدين عبد الفتاح في أول عدد)، وإذا كنَّا قد أخذْنا عن المفكِّر مالك بن نبي منهج تقسيم هيكل “أمتي في العالم”؛ عوالم: الأفكار، والأحداث، والمؤسسات (انظر مقدمة العدد الأول)، فإن البِشري -رحمه الله- القاضي الحكيم، دعم الفكرة باعتبارها محاولةً لتجديد الوعي بالأمة الإسلامية مستوًى للإدراك والبحث العلمي من ناحية، وملتقًى للانتماء والتكامل من ناحية ثانية، ومحلًّا للفاعلية الحضارية ضمن عالم اليوم من ناحية ثالثة. وبَنَتْ هذه الحوليةُ منهجَ نظرِها في قضايا الأمة الإسلامية على ثلاثية (مالك بن نبي) عالم الأفكار وعالم النُّظُم والمؤسسات والرموز وعالم الأحداث والتفاعلات؛ سواء داخل أقطار الأمة أو فيما بين بعضها البعض أو في تعاطيها مع العالم الخارجي؛ بحيث تغطي أكبر مساحة ممكنة من مجريات العالم الإسلامي وأحواله المتجددة.
ومن ثم تناولت أعداد حولية (أمتي في العالم) موضوعات متعددة ومتنوعة لكنها متواصلة، يربط بينها الحالة العامة التي تشهدها الأمة الإسلامية منذ نهايات القرن العشرين وخلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين وحتى اليوم. فبدأت بالنظر في (العولمة) بوصفها الإطار العالمي لمرحلة نهاية التسعينيات التي عصفت بالجميع؛ لتؤكِّد أكثر صدقيةَ عنوان الحولية؛ وهو أنَّ أمة الإسلام لا تعيش بمعزل عن العالم الراهن بقدر ما هي في قلب تفاعلاته وتحوُّلاته الكبرى. تلا ذلك في العدد الثاني اهتمامٌ بطبيعة (العلاقات البينية الإسلامية-الإسلامية) وأهم محدداتها وخصائصها التي تكشف عنها أحوال وأحداث اللحظات الأخيرة من القرن العشرين.
جاء العدد الخاص (الأمة في قرن) -الذي صدر في ستة أجزاء كبيرة ومتكاملة- ليغطي مساحة العددين الثالث والرابع؛ وليقدِّم نظرةً في حصاد حركة الأمة الإسلامية؛ في محاور عديدة، تؤشِّر على أن الأمة عاشت -ولا تزال تعيش- أزمة واسعة الأطراف متعدِّدة الأبعاد، مشدودة بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبين الأصيل من أفكارها والدخيل، وبين طبائع الاستبداد وتحكُّم القلة ومطالب الديمقراطية والخيار الشعبي، وبين مصالح الداخل واستقلاله وحصار الخارج واختراقه للداخل واستغلاله، وأن الطريق إلى المستقبل لم يصبح بعدُ مُعَبَّدًا، بل لا يزال يتطلَّب مزيدًا من الاجتهاد والتجديد.
ثم توالت قضايا محنة الأمة في القرن الحادي والعشرين؛ بدايةً من تصدير الأزمة الأمريكية المتعلقة بواقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001 (اليوم الذي سماه البِشري باليوم الأمريكي، وذكر أنه ليس من أيام أمتنا، ولا حتى من أيامِ العرب)، وتصدير تلك الأزمة إلى ربوع العالم الإسلامي باسم «الحرب الدولية على الإرهاب» التي توجَّهت بدايةً إلى أفغانستان ومحيطها عامَي 2001-2002 (العدد الخامس)، ثم تحوَّلت بعدوانها إلى العراق لاحتلاله من قِبل أمريكا وتحالفها الدولي عام 2003 (العدد السادس)، ثم الهجوم السياسي والثقافي على الأنظمة والمجتمعات المسلمة بضرورة (الإصلاح) الشامل السياسي والتعليمي والديني، ولو من الخارج، ضمن ما أضحى يُسمَّى باستراتيجية (الشرق الأوسط الكبير) عامَي 2004-2005، وتوازيًا وتواليًا مع حالة عالمية ترفع راية (الحوار بين الحضارات)، عملت فيها الأهدافُ السياسية على التلبُّس بأثواب ثقافية حقيقية واستغلالها والانحراف بها (العددان السابع والثامن) حتى 2007، ذلك الحوار الذي لم يرَ البشري أي إمكانية لنجاحه، ولم يرَ أيَّ فائدةٍ منه؛ لأن المشكل بيننا وبين الحضارة المهيمنة مشكل سياسي وليس ثقافيًّا.
جاء العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009 فيما أسماه الأستاذ البِشري (الحرب الثانية عشرة) ليكمل المرحلة الثانية من الاستراتيجية الدولية للحرب على الإرهاب، لكن هذه المرة على قوى المقاومة الوطنية والإسلامية -وبقيادة إسرائيلية سبقها العدوان على لبنان وحزب الله اللبناني 2006- ليؤكد من كل طريق أن الأمة العربية والإسلامية تحت العدوان المتصل من قِبل الغرب والكيان الصهيوني الذي زرعه في أحشائنا؛ الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر في طبيعة العلاقات مع (الآخر) باتِّساع مستوياتها وأبعادها والنهج الأمثل في التعامل معها (العددان التاسع والعاشر).
ثم جاءت الثورات العربية منذ نهاية عام 2010 وعبر عام 2011، وفي قلبها ثورة 25 يناير المصرية، لتضاف في حولية أمتي في العالم ضمن ثنائية (التحديات والاستجابات)، وتحلَّ موضوعًا للبحث والدراسة خاصة في مدى إمكان أن يتولَّد عنها تغيير ونهوض حضاري حقيقي: ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا! وفي هذا المقام قَدَّمَ الأستاذ البِشري ملاحظته الجوهرية والخطيرة التي مفادها أن الثورة المصرية -ومن ورائها الثورات العربية المزامنة لها- آفتها الأساسية في «النخبة السياسية والمثقفة» التي تكاد تتحوَّل إلى حجر عثرة أمام طموحات الجماهير والأجيال الجديدة (العدد الحادي عشر والعدد الثاني عشر).
ومع تعثُّر الثورات -كما توقَّع البِشري- تحوَّلت الحولية إلى فحص إشكالية (المشروع الحضاري الإسلامي: الأزمة والمخرج)- العدد الثالث عشر 2016-2017، فافتتحه البشري بإعادة النظر (حول المسألة الإسلامية المعاصرة والجماعة الوطنية) ضمن السياق الجديد المُعادي للطرح الإسلامي؛ والطارح للأسئلة القديمة حول الإسلاميين والسياسة. ومع سقوط السياسة تحوَّلت الأنظار إلى عالم السياسات العملية؛ ومن ثم جرى تعميق النظر في نماذج وخبرات من (السياسات العامة في نظم ومجتمعات العالم الإسلامي)- العدد الرابع عشر 2018-2019؛ وفي هذا الإطار عُنِيَ البِشري بالتنبيه على إشكالية (الإسلاميين والحكم بين الدعوي والسياسي)، وضرورة التمييز -لا الفصل- بين المجالين وأهلهما المؤهلين لكل واحد منهما. هذا على مستوى الأزمة الداخلية في “أمتنا”؛ لكن أزمة أمَّتنا في العالم استفحلت في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحالي وحتى بدايات العقد الثالث، فطرحت الحولية سؤال (الجديد في حالة الإسلام والمسلمين في العالم 2010-2020: ما بعد الإسلاموفوبيا)-العدد الخامس عشر 2020-2021؛ ليفتتحه البِشري بالعنوان نفسه؛ وليكون آخر إسهام له -رحمه الله- في “أمتي في العالم” قبيل وفاته بشهور قليلة.
لقد أسهم الأستاذ طارق البِشري في بناء الأساس الفكري لهذه الحولية (أمتي في العالم) منذ افتتاحه لعددها الأول وحتى عددها الأخير، ومثَّلت افتتاحياته تأطيرًا وتتويجًا للخطوط العريضة التي تتناولها الدراسات والبحوث والتقارير في كل عدد، لكنها من ناحية أخرى -ونظرًا لطبيعتها المنهجية المائلة إلى التنظير واستلهام العبرة التاريخية العامة واستخلاص قواعد حركة القوى وتفاعلاتها- مثَّلت في ذاتها نصًّا خاصًّا عن «أحوال الأمة الإسلامية وفي قلبها مصر والعروبة عبر عقدين ونصف عقد من الزمان»، فهي متابعة حكيمة ومراجعة عميقة لمفاصل من تطور وضع الأمة الإسلامية عبر هذا المنحنى التاريخي الخطير؛ بإيجابيَّاته وسلبيَّاته.
لذا، فمن المهم تقديم قراءة في أهمِّ ما طرحتْه هذه الافتتاحيات من رؤى ودروس نرى أنها تظل من ضروريات تجديد الوعي والسعي اليوم وغدًا، ولهذا فإن منهج قراءة هذه الافتتاحيات ينطلق من عدَّة أسئلة: لماذا القراءة؟ وكيف تتم؟ ولماذا يوسَم فكر البِشري بأنه حضاري إسلامي؟ ستقدِّم لنا القراءة الجامعة الكلية للافتتاحيات افتتاحية جديدة يهديها البِشري لمدرسته التي تجتمع على التعلُّم من عطائه.
⁕ أستاذ العلاقات الدولية المتفرغ، والرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، ورئيس مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.
نُشر في:
نادية محمود مصطفى، قراءة في افتتاحيات البِشري لـ”أمتي في العالم” (في): نادية مصطفى (إشراف)، وإبراهيم البيومي غانم (تحرير)، منهج النظر الحضاري في قضايا الأمة قراءة في فكر طارق البشري، ص ص 21 – 91.



