آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلامي

مواقف قوى شرقية كبرى من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

مقدمة:

أفغانستان دولة حبيسة جبلية وعرة التضاريس. تكمن أهميتها الاستراتيجية منذ القدم في كونها تقع على مفترق طرق وسط وجنوب آسيا، وتحيط بها باكستان شرقًا وجنوبًا، وإيران غربًا، وتركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان شمالًا، والصين من الشمال الشرقي. وربطها موقعها على طول طريق الحرير بثقافات كل من الشرق الأوسط وأجزاء أخرى من آسيا. أطلق عليها لقب “التي لا تقهر” وأطلق عليها اسم “مقبرة الإمبراطوريات” على الرغم من أنها احتُلت عبر مراحل مختلفة من تاريخها[1].

شَنَّ البريطانيون -على مدى ثمانين عامًا- الحرب مرارًا وتكرارًا ضد الجيوش الأفغانية. لكن باءت معظم محاولاتهم بالفشل وتكبَّدوا خسائر في الأرواح أضعاف ما تكبَّدته الولايات المتحدة وحلفاؤها -بما في ذلك بريطانيا- أثناء احتلالها أفغانستان لمدة عشرين عامًا[2]. لكن أفغانستان دفعت للدفاع عن نفسها ولما لحق بها من تبعات الاحتلال أثمانًا غالية. فقد حذر البنك الدولي من تردي الأوضاع الاقتصادية في أفغانستان، إذ يشير إلى أنها تعد واحدةً من أفقر بلدان العالم، ولم تشهد استقرارا منذ الغزو السوفيتي أواخر سبعينيات القرن العشرين. ويتَّسم اقتصاد أفغانستان بهشاشته واعتماده على المساعدات والمعونات والتي وصلت إلى قرابة 100% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، قبل أن تنخفض النسبة إلى 42.9% في عام 2020[3].

عندما بدأ الحديث عن الخطط الأمريكية للانسحاب من أفغانستان كانت موسكو على تواصل بالفعل مع طالبان استعدادًا لأية سيناريوهات تخصُّ تلك الدولة المتاخمة لدول آسيا الوسطى التي تحظى بأهمية استراتيجية خاصة لدى روسيا. أما بقية الفاعلين الإقليميين فتباينت درجات اقترابهم من الجماعة. أما باكستان والهند والصين، ففي الأشهر الأخيرة التي سبقت عودة طالبان للحكم في أفغانستان عملت الحكومات الثلاث جميعها على تصعيد اتصالاتها الدبلوماسية بطالبان تحسبا لاحتمال تنامي دورها لتصبح قوة سياسية فاعلة في أفغانستان. وتحولت هذه الإمكانية إلى حقيقة واقعة حين اجتاحت هذه الجماعة العاصمة كابول إيذانًا بمشهد جيوسياسي جديد في آسيا.

هذا المشهد الجديد ستتحدد ملامحه عبر مآلات الصراع داخل أفغانستان وعلاقات طالبان بدول الجوار والقوى الإقليمية في المنطقة. فوصول طالبان للحكم من جديد لا يعني أن السيطرة قد دانت لها على كافة أنحاء الدولة؛ فالسقوط السريع لكابول لا يقابله غيابًا للمعارضة التي ستشكل تحديًا للحركة يضاف إلى تحدي الجماعات المتطرِّفة التي قد تتحيَّن الفرصة سواء لتكثيف أنشطتها داخل أفغانستان أو العودة من جديد لاتخاذ الدولة منطلقًا لأعمالها في مناطق أخرى خارجها. وعلى المستوى الإقليمي تراقب دول الجوار والقوى الإقليمية -التي تهتم باستقرار المنطقة- عن كثب ما يحدث بأفغانستان. وإن كانت هناك تحليلات ترى أن انسحاب الولايات المتحدة يعد خطًا استراتيجيًا وإقرارًا منها بفشل مهمَّتها في أفغانستان إلا أن تحليلات أخرى ترى في الانسحاب قرارًا أمريكيًّا مدروسًا سعتْ من خلاله الولايات المتحدة من ناحية أن تتخلَّى عن مهمَّة تستنزف من مواردها ما لا تغطِّيه العوائد منها ومن ناحية أخرى أرادت أن تترك لخصومها في المنطقة-خاصةً روسيا والصين- قنابل موقوتة بإمكانها أن تخلق لموسكو المشكلات في منطقة آسيا الوسطى ذات الأهمية الكبرى لروسيا، كما يمكن أن تفسد للصين مشروعاتها الاقتصادية بأفغانستان والطرق التجارية التي كانت تسعى لدمج أفغانستان فيها. أما الهند التي تدهورت علاقاتها مع طالبان في ولايتها الأولى وتوطدت علاقتها بحكومات كابول إبان الاحتلال الأمريكي ودعمتها وألقت بثقلها الاقتصادي أضحت في وضع قد تبدو فيه الخاسر الأكبر من الانسحاب الأمريكي وعودة طالبان للحكم.

تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيس التالي: كيف تشكَّلت مواقف قوى شرقية كبرى كروسيا والصين والهند تجاه الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟ ويثير ذلك السؤال مجموعة من التساؤلات الفرعية، منها: كيف أدركت تلك القوى التحديات الناشئة أو الفرص المتاحة من الانسحاب الأمريكي؟ ما هي تداعيات وصول طالبان للسلطة في أفغانستان على طبيعة العلاقات بين أفغانستان وتلك القوى؟ كيف ستنعكس الأوضاع الجديدة في أفغانستان على الأوضاع الجيوسياسية بمنطقة جنوب آسيا؟ كيف تشابهت أو تباينت ردود أفعال تلك القوى تجاه الانسحاب الأمريكي وتولي طالبان الحكم من جديد؟

وتستعرض الدراسة مواقف الدول الثلاثة؛ روسيا والصين والهند، تباعًا والفرص والتحديات التي قدَّمتها التحولات على الساحة الأفغانية لهذه القوى.

 

 

 

أولًا- روسيا:

ظلَّت أفغانستان مسرحًا لمؤامرات وتدخُّلات دولية لفترة طويلة حيث شهدت تنافسًا بريطانيًّا روسيًّا في فرض سيطرتها عليها عبر ما اصطلح على تسميته بـ “اللعبة الكبرى” في القرن التاسع عشر. كما ساعدت الولايات المتحدة باكستان في تقديم السلاح والمال للمقاتلين الأفغان الذين كانوا يحاربون القوات السوفيتية في ثمانينات القرن العشرين. لكن صرح مسؤولون من طالبان بأن الجماعة تجري اتصالات مهمة مع موسكو منذ عام 2007 على الأقل وأن الدور الروسي لم يتجاوز الدعم المعنوي والسياسي. فسَّر مسؤول كبير في طالبان ذلك بقوله “لنا عدو مشترك. كنا نحتاج الدعم للتخلص من الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان وكانت روسيا تريد خروج كل القوات الأجنبية من أفغانستان بأسرع ما يمكن”[4].

لكن ربما تناست تلك التصريحات أن روسيا دعمت بقوة احتلال حلف شمال الأطلنطي لأفغانستان قبل عشرين عامًا، بل وسمحت للولايات المتحدة باستخدام المجال الجوي الروسي في سلسلة إعادة الإمداد، وحثَّتْ حلف شمال الأطلنطي في كثير من الأحيان على عدم مغادرة أفغانستان قبل الانتهاء من استعادة الاستقرار في البلاد. وكان الانزعاج الروسي من الوجود الأمريكي المستمر يظهر غالبًا في سياق أكثر عمومية للعلاقات بين موسكو وواشنطن خاصةً عند توترها[5].

بالرغم من اهتمام الكثير من التحليلات بمناقشة الآثار الجيوسياسية المترتبة على انهيار الحكومة الأفغانية السابقة على الصين إلا أن روسيا تبدو المؤثر الإقليمي الأنشط في الأزمة. يعود ذلك لتجربتها وشبكاتها منذ عقود في أفغانستان. لذا باستطاعة موسكو تطبيق أدواتها الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية لمنع انتشار الاضطرابات خارج أفغانستان[6].

ترى إحدى المحلِّلات الروسيات أن انسحاب الرئيس جو بايدن من أفغانستان يعد خطًّا أخلاقيًّا واستراتيجيًّا كارثيًّا سيحدِّد إرثه. كما أنه سيعقِّد من المنافسة مع قوى كالصين وروسيا.  ورغم أن الانسحاب الأمريكي يشكّل تحديات لروسيا لكنه يمنح رئيسها بوتين فرصًا أيضًا. لا يسعى الأخير لمكافحة الإرهاب فحسب، وإنما إلى إضعاف هيكل البنية الأمنية الليبرالية التي قادتْها الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لصالح رؤيته لعالم متعدِّد الأقطاب. صحيح أن بوتين يرى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيضعف حتمًا من هذا الهيكل لكنه أيضًا سيترك فراغًا لا خيار أمامه سوى ملئه[7].

  • الفرص

رغم أن موسكو تعتبر طالبان رسميًّا منظمة إرهابية ولم تعترف بها -حتى كتابة هذه السطور وانقضاء عام 2021- بوصفها الحكومة الشرعية لأفغانستان لكنها استقبلت ممثليها أكثر من مرة في محادثات جرت بالعاصمة موسكو. لكن إزالة تسمية الإرهابيين والاعتراف بطالبان سوف يشكِّل دلالة رئيسية على أن روسيا تنظر إلى الحركة باعتبارها أفضل رهان طويل الأمد من أجل الاستقرار[8]. وجدير بالذكر هنا أن حظر الحركة وتوصيفها رسميًّا بالإرهاب لا يعود لعلميات قامت بها داخل الحدود الروسية وإنما يتمثل السبب الأساسي في اعتراف طالبان في يناير 2000 بجمهورية الشيشان إشكيريا التي خاضت حربين ضد روسيا في تسعينيات القرن العشرين حتى أعادتْها موسكو لسيطرتها في مطلع القرن الحادي والعشرين[9].

لكن نظرة موسكو إلى العالم تحوَّلت بشكل عميق في الأعوام التي تَلَتْ إعادة الشيشان لسيادتها. فقد انتقلت روسيا من ذلك الموقف الدفاعي الذي شكَّلته الحروب الشيشانية إلى موقف أكثر تعقيدًا تجسَّد في ضم شبه جزيرة القرم. ففي الحالة الأولى كان التعاون مع الولايات المتحدة -المرتكز على مكافحة التهديدات الإرهابية- ممكنًا، بل ومرغوبا فيه. لكن في الحالة الأخرى أضحت المواجهة مع الغرب هي السمة المهيمنة على الموقف الروسي، وعليه ارتأتْ موسكو وجوب اغتنام كل فرصة لاستغلال أية انتكاسة لسياسات الولايات المتحدة. ثم جاء انسحاب قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي من أفغانستان ليشكِّل انتكاسةً كبرى. لكن تظلُّ المشكلة بالنسبة لروسيا هي كيف يمكن تحقيق الاستفادة منه في ظل كون الفراغ الأمني الناشئ لا يتلاءم مع منظور المواجهة، بل ويتعارض معه[10].

كجزء من استراتيجية التحوُّط التي استخدمها الكرملين استعدادًا لأية سيناريوهات تفرزها أفغانستان عبر التعامل مع جميع المتنافسين على السلطة في أفغانستان، قدَّمت موسكو دعما سياسيًّا واستخباراتيًّا صريحًا لطالبان إلى جانب اتهامات بمساعدة الجماعة سرًّا. وقد أثمرت جهود روسيا بالفعل عن بعض النتائج المبكرة. فعندما اجتاحت طالبان البلاد بسرعة في صيف عام 2021، وعد مسؤولوها الكرملين بأن طالبان سوف تعمل على احتواء أية اضطرابات ولن تسمح باستخدام أفغانستان لمهاجمة روسيا وحلفائها في آسيا الوسطى. وسرعان ما تحرَّكت طالبان للسيطرة على المعابر الحدودية مع بلدان آسيا الوسطى[11].

قد يكون من الصعب الإجابة عما إذا كانت أفغانستان -بعد انسحاب الولايات المتحدة- ستصبح ملاذًا آمنًا أو موطئ قدم للإسلاميِّين “المتطرفين”. لكن أيًّا كان الأمر، فإن من المحلِّلين الروس من يرى أن طالبان لن تكون بحاجة للإرهابيين والمتطرفين إذا ما كان قادتها يخططون لبناء دولة قومية لها علاقات جيدة مع الجميع[12]. بل إن عودة طالبان للسلطة في أفغانستان يمكنها أن تساهم في تعزيز الوجود الروسي القوي أصلًا في دول آسيا الوسطى. وقد أعلنت موسكو بالفعل استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لحماية “حلفائها” في طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، وجميعها أعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ولها جوار مباشر مع أفغانستان[13].

وفيما يبدو سعيًا لتمكينها من حماية هؤلاء الحلفاء تحتفظ روسيا بقواعد عسكرية في طاجيكستان وقرغيزستان. فمنذ أربعينيات القرن العشرين يقع مقر الفرقة (201) الروسية في طاجيكستان، وبموجب بنود الاتفاقية الموقَّعة في عام 2012 ستظل هذه الفرقة هناك حتى عام 2042 على الأقل. كما قامت روسيا -على خلفية الوضع في أفغانستان- بإعادة تجهيز القاعدة (201) بشكل مكثَّف وتجديد ترسانتها من العربات المدرَّعة حيث تعتبر موسكو تلك القاعدة عنصرًا محوريًّا لوجودها العسكري في المنطقة[14]. كما تمتلك روسيا أيضًا قاعدة عسكرية في قيرغيزستان، منذ عام 2003، وبموجب اتفاقية إنشاء القاعدة والموقَّعة في عام 2012، ستبقى القوات الروسية هناك حتى عام 2027، مع إمكانية تمديد بقائها لخمس سنوات أخرى بعد هذا التاريخ[15].

  • التحديات

تنبع التحديات التي تواجه روسيا جراء الانسحاب الأمريكي من إدراك موسكو أن ذلك الانسحاب سيؤثر في استقرار المنطقة وهو ما قد تظهر تبعاته السلبية على الداخل الروسي. وفي أغسطس 2021 حدَّد نيكولاي باتروشوف، رئيس مجلس الأمن الروسي، مجموعة أهداف مباشرة لروسيا في أفغانستان: كالتالي: (1) مراقبة تدفقات الهجرة من أفغانستان إلى آسيا الوسطى وروسيا، (2) حماية آسيا الوسطى من الإرهابيين الذين يتظاهرون بأنهم لاجئون، (3) منع انتشار الأيديولوجيا المتطرِّفة خارج حدود أفغانستان، (4) الحماية من تهريب الأسلحة والاتجار بالمخدرات[16]. ويمكن إجمالًا تقسيم تلك التحديات لمجموعتين تضم الأولى التحديات الاستراتيجية وتشمل الثانية التحديات الأمنية.

تشكِّل آسيا الوسطى منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى لروسيا، لذا حرصت منذ تفكُّك الاتحاد السوفيتي على إقامة وتطوير علاقات متميزة بدولها لإبقائها قدر المستطاع في دائرة النفوذ الروسي. لكن اتَّسمت العلاقات بمحاولات الهيمنة أكثر من حل الصراعات والنزاعات بين دول المنطقة مثلما حدث في مايو 2021 عندما تصاعدت الاشتباكات الحدودية بين قيرغيزستان وطاجيكستان بالتزامن مع عقد منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا اجتماعًا لوزراء الدفاع في العاصمة الطاجيكية[17]. تضمُّ المنظمة إلى جانب روسيا كلًّا من طاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان، وتتعهد بموجبها موسكو بتقديم الدعم العسكري لأعضائها.

وفقًا لعددٍ من المحلِّلين فإنه على الأقل من الناحية الافتراضية البحتة تلوح في الأفق بعض المخاطر والتهديدات المحتملة الناجمة عن الأوضاع الجديدة في أفغانستان من بينها احتمال قيام التنظيمات المتطرفة مثل داعش –وبدرجة أقل القاعدة أو الفصائل المتطرفة المنتمية لها- بأعمال عدائية ضدَّ حلفاء موسكو في آسيا الوسطى مع احتمال امتدادها للأراضي الروسية. وقد تأخذ هذه الأعمال شكل الهجمـات المتفرقة والاستفزازات على الحدود[18]. ومع تزايد التوتُّرات الحدودية بين طاجيكستان وقيرغيزستان، والاضطرابات التي شهدتها أفغانستان قبيل سيطرة طالبان قامت طاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان بإعلان التعبئة العسكرية.

قد يكون من المهم هنا الحديث عن العلاقات التاريخية الأفغانية-الطاجيكية التي تتَّسم بالتداخل والتعقُّد. فالطاجيك يشكلون العرقية الثانية في أفغانستان وحينما اندلعت الحرب الأهلية الطاجيكية في تسعينيات القرن العشرين لجأ مئات الآلاف من الطاجيك لأفغانستان[19]. وتصف صحيفة «فاينانشيال تايمز» طاجيكستان بأنها مركز للمقاومة الأفغانية؛ فعلى سبيل المثال تعود أصول أحمد شاه مسعود -زعيم المقاومة في الحقبة السوفييتية وقائد المقاومة ضد طالبان قبل اغتياله في سبتمبر 2001- لأصول طاجيكية. كما دأبت طاجيكستان على منح القادة الذين تسعى وراءهم طالبان حق اللجوء، بل والسماح لهم بالتخطيط للعودة لمهاجمة الجماعة من جديد. ومن أمثلة هؤلاء أحمد مسعود زعيم «جبهة المقاومة» الأفغانية ونجل أحمد شاه مسعود، وأمر الله صالح، نائب الرئيس الأفغاني السابق، وعبد اللطيف بيدرام، زعيم حزب المؤتمر الوطني من أفغانستان[20]. كما لجأ أكثر من 1000 جندي من قوات الحكومة الأفغانية لطاجيكستان. ولعل ذلك ما يفسر سعي طالبان للسيطرة على معابر الحدود مع دول الجوار خاصةً طاجيكستان التي استدْعت 20 ألف جندي من قوات الاحتياط ونقلت فرقة الجيش الروسي (201) -التي تتَّخذ من الجمهورية مقرًّا لها منذ عقود- إلى مواقع حدودية[21].

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خضم تلك الأحداث -وتحديدًا في 5 يوليو 2021- محادثات هاتفية مع الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن بشأن الوضع على الحدود الأفغانية-الطاجيكية. وأعلن الكرملين أن بوتين “أكد استعداده لتقديم المساعدة اللازمة لطاجيكستان”. جاء ذلك متوافقًا مع الموقف الذي أعلنه كبار المسؤولين الروس بأن روسيا مستعدَّة لمساعدة حلفائها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي إذا واجهوا العدوان. وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف “سننشر أي وسيلة، بما في ذلك استخدام قدرات قاعدتنا العسكرية، الواقعة على الحدود الطاجيكية الأفغانية، لمنع أية أعمال عدوانية ضد حلفائنا”[22].

يعدُّ استقرار آسيا الوسطى أولوية للأمن القومي الروسي، فعندما علمت موسكو بأنباء إرسال طاجيكستان وأفغانستان قوات إلى منطقة حدودهما دعا الكرملين الطرفين إلى حلِّ الخلاف عبر أسلوب يقبله كلاهما. لم يكن الخلاف بين الطرفين خفيًّا، بل إن رئيس طاجيكستان رفض الاعتراف بحكومة طالبان في كابول. وقبيل رحيل القوات الأمريكية عن أفغانستان نقل أفراد القوات الجوية الأفغانية المدعومة أمريكيًّا عشرات الطائرات الحربية عبر الحدود إلى طاجيكستان وأوزبكستان وتم احتجازهم هناك. وهو ما دفع عبد الغني برادر – نائب رئيس الوزراء بالوكالة في حكومة طالبان- إلى اتهام طاجيكستان بالتدخُّل في الشأن الأفغاني، وتوعَّدها بإجراءات ردٍّ محتملة. وصرح برادر: «لن نسمح لأحد من دول الجوار بإثارة النعرات الطائفية والعرقية في بلادنا»[23].

تأتي على رأس التحديات الأمنية تزايد أنشطة التنظيمات المتطرفة، حيث عبَّرت عناصر من تلك التنظيمات -خاصة أولئك المرتبطين بشبكات تنظيم «القاعدة» أو «هيئة تحرير الشام»- عن فرحتهم باستيلاء “طالبان” السريع على أفغانستان، معتبرين ذلك دليلًا على أن الله سيكافئهم حتمًا على الصبر والثبات على عقيدتهم. فقد قاد استيلاء “طالبان” على السلطة لهروب العديد من السجون، منهم عناصر من تنظيم «القاعدة». كما سقطت “قاعدة باغرام الجوية” وهي التي كانت تحتجز أهم سجناء تنظيم «القاعدة». وربما يشجِّع خروج قدامى المحاربين الجهاديين «القاعدةَ» على إعادة بناء بنيتها التحتية بالبلاد أو الانتقال لدول الجوار[24].

لكن روسيا تراهن على الخلاف الأيديولوجي بين داعش وطالبان. فقد شهد عام 2015 بداية القتال بين قوات «طالبان» و«داعش» عندما أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» لأول مرة عن وجوده في أفغانستان. ولا يزال تنظيم «الدولة الإسلامية» يدين ما يراه قصورًا في أيديولوجية «طالبان»؛ حيث يتَّهم قادةُ «داعش» الحركةَ بالتساهل المفرط حيال «البدعة». ومن ذلك ما أشيع عن إرسال «طالبان» بعضًا من أعضائها لحضور مراسم شيعية تحتفل بذكرى عاشوراء[25].

يأتي في سياق المخاوف من الأفكار المتطرفة ذلك التحدِّي المرتبط بتدفُّق اللاجئين الأفغان لدول آسيا الوسطى. تخشى روسيا من أن يتسلَّل في الخفاء مسلَّحون ودعاة متطرِّفون ضمن موجات اللاجئين؛ بحيث يصبح بمقدورهم تجنيد مؤيدين جدد لفكرهم المتطرف. وقد يتسبَّب عشرات الآلاف من الطاجيك الأفغان والأوزبكيين الفارين من طالبان إلى زعزعة استقرار طاجيكستان وأوزبكستان. ومع عدم قدرة طاجيكستان على إغلاق حدودها يصبح لزامًا عودة حرس الحدود الروس. وإذا كانت آسيا الوسطى متطرّفة فإن ذلك سيؤثر سلبًا على روسيا: لأن ملايين الناس من هذه الجمهوريات يعملون في روسيا. ويرى محللون روس أن الوضع الحالي أسوأ مما كان عليه في عام 2001 في بداية التدخل الأمريكي عندما كان التحالف الشمالي على الأقل يوفر عازلًا ضد طالبان. أما الآن فقد انكشفت حدود الجمهوريات السوفييتية السابقة ممَّا قد يفتح الباب أمام أفغانستان لتتحول -في وقت قصير- من صداع أمريكي إلى صداع روسي[26].

يرتبط أيضًا بالتحديات الأمنية تهريب المخدرات من أفغانستان التي ارتبط اسمها لعقود بزراعة الخشخاش المستخرج منه الأفيون. ففي ظل الفقر المدقع للأفغان ازدهرت زراعة الأفيون وتجارته كمصدر للدخل حتى أضحت أفغانستان أكبر منتجي هذا المخدر الخام. وكانت طالبان قد حظرت خلال فترتها الأولى في الحكم ما بين عامي 1996 و2002 إنتاج الأفيون والذي انخفض بشدة عام 2002 لكن مع الإطاحة بها عاد للارتفاع من جديد. وعقب سيطرتها على السلطة في أغسطس 2021 تعهدت طالبان بمكافحة زراعة الأفيون وتهريب المخدرات في أفغانستان[27].

يتَّهم وزير الخارجية الروسي لافروف حكومة كابول السابقة والولايات المتحدة بالضلوع في زيادة إنتاج المخدرات وصرح بأن هناك مصادر غربية تشير إلى أن الجنود الأمريكيين شاركوا على الأرجح في نقل شحنات المخدرات[28]. ومن بين تلك التحليلات الداعمة لاتهامات لافروف ما ذكره توماس روتينج من أن القوات الغربية التي انتشرت في أفغانستان منذ عام 2001 تعاونت مع بعض أمراء الحرب وزعماء ومسؤولين حكوميين ممَّن تورَّطوا أيضًا في تهريب المخدرات. لكن روتينج يشكِّك في تعهُّدات طالبان مبرِّرًا ذلك بأسباب منها صعوبة وفائها بها لأنه سيعني فقدانَها الكثير من أنصارها بالمناطق الريفية الرئيسية في أفغانستان[29]. وقد عبَّر بوتين عن أهمية قضية تهريب المخدرات من أفغانستان عندما تحدَّث في المؤتمر الصحفي السنوي المنعقد في 23 ديسمبر 2021 عن حدود مفتوحة مع دول آسيا الوسطى بما يعني إمكانية انتقال العناصر المتطرفة ثم أتبع ذلك بقلق موسكو من الترويج للمخدرات بكميات كبيرة داخل أفغانستان[30].

  • الموقف الروسي

تلعب الخبرة التاريخية دورًا هامًّا كأحد محددات الموقف الروسي من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. فقد يبدو للبعض من المحللين أن إرث التدخل السوفييتي في أفغانستان (1979-1989) وكأنه ينتمي لذلك الماضي السحيق الذي شهد ضم سمرقند وميرف للإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر. لكن الواقع أن المجتمع الأفغاني لم يتعاف قط من تبعات إسقاطه للسلطة الشيوعية. وكما يشير المحللون الروس، فإن أطفال المجاهدين هم من قاوموا الاحتلال السوفييتي مقاومة عنيدة وسيطروا على قندهار وكابول. حاول آنذاك الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف إقناع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بأن الحل التوفيقي هو الوسيلة الوحيدة لكبح جماح الفوضى العارمة التي اجتاحت بالبلاد. ولكن لم يكن هناك أي بديل واقعي للانسحاب الكامل للوحدة العسكرية السوفييتية التي بلغ قوامها 100 ألف جندي، وبالفعل تلت ذلك الانسحاب الفوضى[31].

وقبيل الانسحاب الأمريكي ظهرت من جديد في وسائط الإعلام الروسية مجموعة من الصور الرمزية ترصد الانسحاب السوفييتي عام 1989. تُظهر هذه الصور الجنرال بوريس جروموف قائد “الوحدة العسكرية” للقوات التابعة للاتحاد السوفييتي في أفغانستان وقد تخطَّى جسر الصداقة -والمسمَّى ذاته يثير السخرية- بين أوزبكستان وأفغانستان وتظهر وراءه آخر قواته تغادر البلاد بعد قرابة تسع سنوات من المحاولات العقيمة لفرض نظام مؤيد للاتحاد السوفييتي[32].

على الرغم من أن بوتين أيَّد غزو التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان إلا أن تأييده كان مشروطًا. ففي عام 2009، ضغط الكرملين على قيرغيزستان كي تغلق “قاعدة ماناس الجوية” التي كانت تستأجرها الولايات المتحدة. وكان الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى مصدر قلق لموسكو. لم يُرد بوتين وجود قواعد أمريكية بتلك المنطقة التي كان ينظر لها باعتبارها “نقطة ضعف” بالنسبة لروسيا. لذا عملَتْ روسيا على تدعيم نفوذها بأفغانستان ليس لاعتبارات أمنية فحسب، وإنما لإضعاف الغرب وحلف شمال الأطلنطي[33]. لكن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لا يعني أن الباب أضحى مفتوحًا لفرض روسيا هيمنتها على أفغانستان. فسوف تواجه موسكو منافسة من قوى إقليمية مثل إيران وتركيا والصين والهند؛ حيث تسعى هي الأخرى لاستغلال ذلك الفراغ الذي خلفه الانسحاب. لكن الأرجح أن تتحاشى هذه المنافسة خلق المزيد من التهديدات الأمنية التي من شأنها تقويض مصالح جميع الأطراف.

تتحرك السياسة الروسية تجاه أفغانستان ما بعد الخروج الأمريكي في ضوء عاملين أساسيَّين، أولهما -كما اتَّضح من قبل- هو الحفاظ على أمن واستقرار منطقة آسيا الوسطى عبر منع انتشار أو تسلُّل قوى التطرُّف إليها. وثانيهما تقييد نفوذ الأطراف الفاعلة الدولية والإقليمية في المنطقة قدر المستطاع.

أمْضَتْ موسكو -قبل الانسحاب الأمريكي- سنوات في تطوير علاقتها مع طالبان وتعزيز نفوذها بآسيا الوسطى. ورغم أن روسيا ربما لم تتفاجأ بانهيار الحكومة الأفغانية السابقة إلا أن الكرملين اعتبر الوضع خطيرًا. وفي 24 أغسطس 2021، صرح بوتين بأن تنامي وجود الجماعات الإرهابية في أفغانستان يشكل “تهديدًا مباشرًا لبلدنا، وحلفائنا”. وأوضح أيضا أن روسيا لن تشارك عسكريًّا في أفغانستان مرة أخرى، قائلًا: “إن للاتحاد السوفياتي السابق تجربته الخاصة في ذلك البلد، لقد تعلمنا الدرس”[34].

شهدت كابول في الثالث من أكتوبر2021 تفجيرًا لأحد مساجدها أسفر عن مقتل 19 أفغانيًّا على الأقل وجرح 30 آخرين. أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية – ولاية خراسان” مسؤوليته عن التفجير. وسارعت موسكو بإدانة التفجير وتواصلت مع طالبان التي أعاد قادتها التأكيد بأنهم لن يسمحوا بأن تكون أفغانستان قاعدة انطلاق لأي هجوم إرهابي على أية دولة أخرى. من جهته، أصدر وزير الخارجية الروسي بيانا يؤكّد فيه “ضرورة مواصلة الجهود للقضاء على الإرهاب في أفغانستان”. كان البيان -رغم اقتضابه- كافيًا لترجمة أولويات السياسة الروسية تجاه أفغانستان ونظام طالبان. فقد تكون روسيا غير سعيدة بوجود إمارة إسلامية غير بعيدة عن حدودها. لكن طالما ظل مشروع طالبان محليًّا دون رؤية شاملة -على خلاف تنظيم الدولة الإسلامية- واقتصر اهتمام الحركة الأكبر على فرض الشريعة داخل أفغانستان، فسوف تقبل موسكو بالأمر[35].

لذلك بدا أن موقف روسيا يتَّسم بالحذر وترقُّب ما ستؤول إليه الأوضاع في أفغانستان والسعي لإشراك الدبلوماسية الروسية وقدراتها العسكرية في احتواء القلاقل والاضطرابات بالمنطقة. وبالتالي، ستكون موسكو مهتمَّة بوجود سياسي وعسكري يحيط بأفغانستان[36]. وحينما عادت طالبان للسلطة من جديد سَعَتْ موسكو لإيصال رسالة واضحة للجميع أنها لا تشعر بالقلق عبر تأكيد الخارجية الروسية إجراء اتصالات بممثِّلي السلطة الجديدة والإعلان عن استمرار سفارتها بالعاصمة كابول بالعمل كالمعتاد وأن طالبان بدأت تستعيد النظام العام وقدَّمت تعهُّدات بضمانات أمنية سواء للسكان المحليين أو أعضاء البعثات الدبلوماسية[37].

ويرى محلِّلون روس أن موسكو ستواصل “سياستها المزدوجة” بشأن أفغانستان. فمن ناحية، تتواصل مع طالبان لضمان أمنها السياسي، ومن ناحية أخرى، تزيد من قواتها في طاجيكستان، والتعاون العسكري المكثَّف مع طاجيكستان وأفغانستان لمنع “تسلل المتطرفين” للمنطقة عبر الأراضي الأفغانية فضلًا عن استعراض القوة عبر المناورات العسكرية المشتركة مع حلفائها بآسيا الوسطى. وعلى نطاق أوسع، فإن انسحاب الولايات المتحدة من آسيا الوسطى يقلِّل من نفوذ واشنطن في منطقة تعتبرها روسيا مجالًا لنفوذها. خلاصة الأمر كما يطرحها أركادي دوبنوف، المحلل السياسي في موسكو: “ما هو جيد بالنسبة لنا هو سيئ للأمريكيين، وما هو سيئ لنا هو جيد للأمريكيين. واليوم الوضع سيئ بالنسبة للأمريكيين؛ لذا، هو جيد بالنسبة لنا”[38]. لذا سَعَتْ روسيا منذ بداية الانسحاب لاستغلال الوضع لتنقل لحلفائها الصورة بأن الولايات المتحدة ليست الشريك الذي يمكن الوثوق به.

ثانيًا- الصين:

شهد العقد الثاني من الألفية الثالثة تنامي دور الصين بمنطقة آسيا الوسطى. فقد أنفقت بكين مليارات الدولارات في إقامة البنية التحتية من طرق وسكك حديدية لنقل ثروات الموارد المعدنية بدول المنطقة للصين وكذلك خطوط أنابيب النفط والغاز المغذية للمصانع الصينية. فضلًا عن تأهيل الطرق التجارية اللازمة لنقل الصادرات الصينية للمنطقة ولأوروبا عبر مشروعات مثل الحزام والطريق[39].

لكن الخبرة التاريخية لعلاقات بكين مع طالبان لم تكن تسير على نحو جيد. ففي ولاية طالبان الأولى علقت الصين علاقاتها الدبلوماسية مع أفغانستان مع استيلاء طالبان على السلطة في عام 1996 ورفضت الاعتراف بحكم الحركة وظلت سفارتها مغلقة حتى عام 2002 عندما تشكلت الحكومة المؤقتة[40]. أعقب ذلك أن أعادت بكين لأول مرة الاتصالات العادية مع كابول، وتحرَّكت العلاقات الثنائية بين الجانبين بشكل مطَّرد بدعم الصين لأفغانستان ماليًّا وسياسيًّا. ومع ذلك، خلال السنوات 2002-2014، حافظت الصين سياسيًّا على العمل مع حكومة كابول دون إثارة ذلك إعلاميًّا في أفغانستان على الرغم من خروج تقارير عن وزارة الخارجية الأفغانية تشير إلى وجود علاقات غير رسمية بين بكين وطالبان[41].

  • الفرص

تكمن الفرص الصينية في إدراك طالبان لها كقوة إقليمية مؤثرة هي بحاجة لاعترافها من أجل كسب الشرعية الدولية من ناحية، ولقدراتها الاقتصادية التي ستمكِّن طالبان من إقامة نظامها الحاكم وتمويل مشروعات البنية التحتية[42]. وبدا ذلك واضحًا في جملة الوعود والتعهُّدات التي قطعتْها الحركة على نفسها عبر ما جاء على لسان عبد الغني برادر – رئيس المكتب السياسي للحركة آنذاك- في زيارته لبكين في يوليو 2021 حيث استهلَّ حديثه بوصفه الصين صديقًا موثوقًا للشعب الأفغاني وأثْنى على الدور الإيجابي للصين بعملية المصالحة السلمية الأفغانية. وأضاف قائلًا إن طالبان على استعداد للعمل مع الأطراف الأخرى لإنشاء إطار سياسي في أفغانستان. وتعهَّد بعدم السماح لأية قوة باستخدام الأراضي الأفغانية في أعمال تضر بالصين التي يعتبرها طرفًا رئيسيًّا في إعادة بناء الدولة والتنمية الاقتصادية بالمستقبل. وخلص إلى أن الصين وطالبان تشاطرتا توافقًا في الآراء بشأن العديد من المسائل[43].

لكن تلك الوعود التي أطلقتها طالبان والتعهدات التي ألزمت نفسها بها لم تكن بالجديدة. فقد تعهَّدت الحركة في صفقة 2020 مع الولايات المتحدة بأنها لن تؤوي الجماعات المتطرفة مثل القاعدة إذا انسحب الجيش الأمريكي في الوقت المناسب. وقال المتحدث باسم طالبان أيضًا إن المجموعة لن تهاجم أهدافًا صينية. فقد أوجدت التطورات الجديدة في أفغانستان واقعًا جيوسياسيًّا مغايرًا بالمنطقة وتشكَّلت معادلات جديدة لسياسات القوة. وبالنسبة للصين، أثار انسحاب الولايات المتحدة مخاوف من اتِّساع شبكة الجماعات المسلَّحة التي تستهدف مشاريع البنية التحتية الطموحة التي تقوم بفتحها غربًا عبر أوراسيا[44]. لكن من ناحية أخرى، مع انسحاب الولايات المتحدة، أصبحت الشركات الصينية في وضع جيد لاستغلال الثروات التعدينية في أفغانستان، بما في ذلك المعادن النادرة التي تدخل في صناعة الشرائح الدقيقة. وفي عام 2020 قدَّر الخبراء الأمريكيون احتياطيات أفغانستان من تلك المعادن بما قيمته تريليون دولار، لكن التقديرات الحكومية المحلية وصلت بها لثلاثة تريليونات دولار[45].

كما أن استقرار أفغانستان قد يجعل لها مكانًا كدولة عبور في مبادرة الحزام والطريق الصينية. وكانت بدايات التوافق حول هذا الشأن قد بدأت في سبتمبر 2019 حينما وافق وزراء خارجية كل من الصين وباكستان وأفغانستان على الدفع نحو تمديد الممر التجاري بين الصين وباكستان. لذا فإن دمج أفغانستان في المبادرة يعطي للصين أفضلية على الهند ويمنحها الفرصة لمزيد من تطويق الهند اقتصاديًّا عبر سلسلة من الشركاء التجاريين المحيطين بها[46]. ولما كان المشروع سيعود بالنفع على كل الأطراف فقد رحَّبت طالبان بالعلاقات مع الصين بغية الانضمام للمبادرة ويتوقف تطور تلك العلاقات على براجماتية الحركة وفرضها سيطرتها على البلاد بشكل يضمن لها الوفاء بوعود منع انتشار التطرف عبر أراضي أفغانستان[47]. وإذا نجحت طالبان في ذلك فربما يُسمح لها بدور أكبر بمنظمة شنغهاي للتعاون وتتحوَّل من مجرد مراقب -وهو الوضع الذي مُنحت إياه في عام 2012- إلى العضوية الكاملة[48].

وكما أتاح الانسحاب الأمريكي الفرصة أمام موسكو للتشكيك في إمكانية الوثوق بها كحليف فقد سنحت الفرصة ذاتها لبكين وظهرت شعارات “تراجع الغرب وصعود الشرق”. لكن الخطاب الرسمي الصيني يرى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين تركوا وراءهم الفوضى في أفغانستان ويتوقعون من الصين وروسيا تحمل العواقب والتكاليف[49]. وطالما أضحت بكين وموسكو بهذه الوضعية فربما يكون ذلك دافعًا لكلتا الدولتين أن تقسما العمل فيما بينهما وتنسقان من أجل استنزاف مواردهما التي قد تسعى كل واحدة منهما إلى توجيهها لمناطق نفوذ أخرى[50].

  • التحديات

ربما تخلق عودة طالبان للحكم بالنسبة لبكين من التحديات أكثر من خلقها للفرص. ويأتي على رأسها الاضطرابات وغياب الاستقرار كذلك المتعلق بدخول طالبان في قتال الجماعات العرقية المعارضة لها وعجز طالبان عن فرض سيطرتها على كافة إقليم الدولة[51]. ويضاف لذلك التحدِّي المرتبط بنشاط جماعات متطرفة مثل تنظيم “الدولة الإسلامية – ولاية خراسان” الذي ينشط في إقليم بدخشان (Badakhshan) المجاور للصين، مع إمكانية انضمام أنصار حركة تركستان الشرقية -التي تحظرها بكين- لذلك التنظيم، وهو سيناريو مشابه لفترة طالبان الأولى التي دعمت فيها الجماعات المتطرفة بأفغانستان الحركة الإسلامية الانفصالية في إقليم شينجيانج غربي الصين[52]. كما استضافت أفغانستان آنذاك عناصر تصفها بكين بالراديكالية من أقليتها المسلمة والمنضوية تحت لواء حركة تركستان الشرقية. لذا تخشى الصين أن يحدث ذلك مجددًا ويطرح المحللون الصينيون السؤال حول: هل طالبان الآن هي ذات الحركة التي حكمت قبل 20 عامًا مضت؟[53] وصعوبة الإجابة عن السؤال السابق لا ترجع فقط لعدم القدرة على اختبار مصداقية تصريحات طالبان التي تؤكد فيها على عدم السماح بزعزعة استقرار الدول المجاورة عبر أراضي أفغانستان، لكن أيضًا لأن انتصارها في حد ذاته داخل أفغانستان قد يصبح ملهمًا لجماعات متطرفة لزيادة نشاطها وتوسيع عملياتها.

يضاف أيضًا لذلك أن طالبان ليست بالحركة الموحَّدة أو متجانسة التوجُّهات؛ فمن الوارد أن تضمَّ فصيلًا يدعم التطرف أو الحركات الانفصالية سواء داخل الصين أو غيرها من دول المنطقة أو على أقل تقدير يكون ذلك الفصيل غير راضٍ عن تصريحات الحركة المعتدلة أو الساعية لإقامة علاقات تعاونية مع دول الجوار[54]. بل إن هناك من يشكِّك في اعتدال الحركة ويصف خطابها المهادن والتعاوني بتلوُّن الحرباء وأن الحركة تناور سعيًا لتحيُّن الوقت الملائم لاقتناص الفرص[55].

كما أن أفغانستان المضطربة ستخلق مشكلات لمشروعات الصين الكبرى التي كان بالإمكان دمج أفغانستان بها مثل مبادرة الحزام والطريق وتهدِّد ممرَّات أخرى بالمنطقة، فضلًا عن تدفُّق اللاجئين الأفغان لدول الجوار مما يضع المزيد من الضغوط على اقتصادات تلك الدول وتتأثَّر معه الاستثمارات الصينية بها. بل إن أفغانستان نفسها قبل عودة طالبان كانت قد أوكلت لشركات صينية العديد من المشروعات الكبرى سواء في استخراج المعادن كالنحاس أو مشروعات الطاقة واستخراج النفط لكن الظروف غير الآمنة والسياسات القبلية وغياب الحكومة المركزية والبنية التحتية قادت لتوقُّف وانهيار تلك المشروعات[56]. وتزداد الأمور صعوبة على بكين في ضوء اعتمادها في إمدادات النفط والغاز على بلدان آسيا الوسطى[57].

لكن هناك تحليلات ترى أن الحديث عن الفرصة الضائعة بدمج أفغانستان في طرق التجارة التي تهيمن عليها الصين مثل مبادرة الحزام والطريق لا مجال للحديث عنه لأنها لم تكن ممكنة بالأساس لطبيعة التضاريس الوعرة وغياب اتصال مباشر بين الصين وأفغانستان، والطرق غير المباشرة تعاني أيضًا من عدم صلاحيتها للتجارة الكثيفة وعدم استقرار المعابر الحدودية بين أفغانستان ودول الجوار، خاصةً طاجيكستان[58]. بل إن ممرَّ النقل إلى باكستان الذي يمرُّ عبر أفغانستان وتموِّله بكين تخلَّت عنه باكستان ومن ثم توقَّفت عنه أيضًا المساهمة الصينية[59].

تتشابه بعض التحديات الاستراتيجية التي تواجه الصين مع تلك التي تواجه روسيا. فالاضطرابات التي قد تشهدها جارتها الغربية والتي قد تنتقل لحلفاء الصين في آسيا الوسطى ستجعل بكين مضطرة لزيادة الوجود العسكري غرب البلاد، وسيزيد من الغموض الاستراتيجي الناجم عن احتمال احتدام المنافسة الإقليمية بين الصين وكلٍّ من الهند وروسيا. يأتي ذلك ليشتِّت من تركيز الصين الاستراتيجي الذي كان مخطَّطًا له أن يتوجَّه بالأساس لشرق آسيا وبحر الصين الجنوبي[60].

يستخلص محلِّلون ممَّا سبق أن تلك التطورات التي تشهدها آسيا الوسطى تحت تأثير عوامل أبرزها الأوضاع الجديدة في أفغانستان ستثني بكين عن إنفاق أموال كتلك التي موَّلت بها سابقًا مشروعات البنية التحتية بدول المنطقة خاصةً وأن مديونيات تلك الدول للصين باتت مستحقة الدفع ومن غير الواضح هل ستتمكن من السداد أم لا مما يضع مزيدًا من الضغوط على الأنظمة الحاكمة بها وما يصاحب ذلك من استياء شعبي إذا ما استشعرت الشعوب أن بلدانها قد سقطت في فخ الديون الصينية[61].

محصلة القول؛ أن الصين أضحى لزامًا عليها العمل على احتواء أية تداعيات محتملة للوضع في أفغانستان سواء عبر الضغط على طالبان لقطع الطريق على أي ارتباط بالقوى الانفصالية في الصين، والاستعداد للتعاون العسكري مع روسيا وغيرها من الحكومات الإقليمية للتنسيق الأمني وتعزيز الرقابة على الحدود، وقبل كل ذلك تواصلت الصين مع طالبان سعيًا منها للوصول لضمانات بعدم المساس بالمصالح الصينية بالمنطقة أو السماح بتهديدها عبر أفغانستان وهو ما اعتبر تحولًا علنيًّا صارخًا مقارنةً بالخبرة التاريخية السابقة بين الطرفين[62].

  • الموقف الصيني

أعلنت الصين في 28 يوليو 2021 -أي قبل أيام قلائل من سيطرة طالبان على كابول- أن الجماعة ستلعب دورًا هامًّا في المصالحة السياسية وإعادة إعمار البلاد. وبات جليًّا أن الموقف الصيني يقوم على ثلاثة مرتكزات: أولا، تكرر الصين التأكيد على أن أفغانستان ملك للشعب الأفغاني، وأن مستقبلها ينبغي أن يقرره شعبها. ولهذا السبب ترى الصين أن طالبان قوة عسكرية وسياسية هامة في أفغانستان. ثانيًا، توافق طالبان على التقيُّد بمبدأ “قيادة الأفغان وملكية الأفغان” في عملية السلام والمصالحة، وإنشاء هيكل سياسي واسع وشامل يناسب واقع أفغانستان. ثالثًا، تحذِّر الصين من أنه في ضوء قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يجب على طالبان أن تقطع الطريق بشكل صريح على جميع المنظمات الإرهابية -أو التي تعتبرها بكين كذلك مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية- وأن تقوم بدور إيجابي في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة بالمنطقة[63].

وفي سياق ما اعتبر مكسبًا استراتيجيًّا لطالبان نشرت بكين صورًا تظهر مصافحة وزير خارجيتها لعبد الغني برادر لما للصين من ثقل يمنح الحركة قدرًا من الشرعية الدولية هي في أمَسِّ الحاجة إليه[64]. جاءت زيارة برادر في أعقاب زيارة وزير الخارجية الباكستاني محمود قريشي لبكين فيما بدا اتفاقًا بين الصين وحليفتها باكستان على دعم طالبان[65]. فرغم توتر العلاقات تاريخيًّا بين طالبان في ولايتها الأولى وبكين -كما اتَّضح من قبل- إلا أن الصين أدركت أن الانسحاب الأمريكي الذي بدأ في عام 2014 سينتهي لانسحابٍ كامل يومًا ما في الأمد القريب. لذلك رحبت بكين بالزيارات الرسمية لطالبان بدايةً من ذلك العام لاستكشاف التفاهمات المتبادلة والسعي للعب دور الوساطة بين الحركة وحكومة كابول آنذاك. وجاءت تلك الوساطة في سياق مبادرات جماعية كانت الصين طرفًا فيها مثل مجموعة التنسيق الرباعية التي ضمَّت معها أيضًا أفغانستان وباكستان والولايات المتحدة، والحوار الثلاثي بين روسيا والصين وباكستان، وعملية قلب آسيا-إسطنبول[66].

هذه الاتصالات بين بكين وطالبان جعلت الأولى تبدو كأنها تشعر بارتياح ضمني لسقوط الحكومة الأفغانية وسيطرة طالبان على البلاد. لكنه يظل ارتياحًا يشوبه الحذر وهو ما عبَّرت عنه تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية بأن “السفارة الصينية في أفغانستان تواصل العمل كالمعتاد وسيظل السفير وجميع العاملين والموظفين مستمرون في عملهم وفي مناصبهم”. وأكدت على أن بكين لديها اتصالات قوية وراسخة مع طالبان التي “أعربت عدَّة مرات عن رغبتها في إقامة علاقات جيدة مع الصين. وفي ضوء التوقعات بمشاركة الصين في عملية إعادة بناء أفغانستان وتنميتها… لن تسمح الصين لأية قوة باستخدام الأراضي الأفغانية لإلحاق الضرر بالصين”[67].

وينعكس الحذر الصيني -والذي تشترك فيه مع روسيا- في التحوُّط ضدَّ احتمالات زعزعة الاستقرار في أفغانستان حيث خرجت تقارير بأن الصين وروسيا نشرتا -في أغسطس 2021 وقبل سقوط كابول بأيام قلائل- قوات بلغت 10 آلاف جندي، فضلًا عن الطائرات وقطع المدفعية، في منطقة نينغشيا هوي (Ningxia Hui) ذات الحكم الذاتي في الصين كجزء من عملية مشتركة لمكافحة الإرهاب، وحماية السلام والاستقرار في المنطقة[68]. وفي خطوة تشبه استعراض القوة الذي مارستْه موسكو عبر مناوراتها العسكرية قامت بكين أيضًا بمناورات تكتيكية مشتركة للقوات الطاجيكية الخاصة والوحدات الصينية لمكافحة الإرهاب. وكان الهدف المعلن للمناورات بحسب تصريحات الداخلية الطاجيكية هو “تحسين المهارات المهنية لجنود القوات الخاصة وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب في المناطق الجبلية، وتدريب الكوادر المؤهلة تأهيلا عاليا”[69].

ثالثًا- الهند:

جمعت أفغانستان والهند علاقات ودية على مَرِّ العقود. فقد كانوا جيرانًا تاريخيِّين، وتقاسمتَا روابط تاريخية وثقافية عميقة. وكانت الهند أيضًا الدولة الوحيدة في جنوب آسيا التي اعترفت بجمهورية أفغانستان الديمقراطية المدعومة من الاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن العشرين. لكن تراجعت العلاقات خلال تسعينيات القرن العشرين عندما اندلعت الحرب الأهلية الأفغانية التي قادت لولاية طالبان الأولى. وكانت الهند -حتى عودة طالبان للحكم في أغسطس 2021- هي أكبر جهة إقليمية تقدِّم المعونة الإنسانية والإعمار لجمهورية أفغانستان الإسلامية، كما تشارك في مشاريع تشييد مختلفة، كجزء من جهود الهند لإعادة البناء في أفغانستان[70].

قامت استراتيجية الهند في التعامل مع أفغانستان على أساس أن النظام الأفغاني المعادي لباكستان سيستمر في الحكم، وعلى ضوء هذا الاستنتاج صاغت نيودلهي سياستها المحلية وسياساتها إزاء دول الجوار. لكنها الآن ستضطر لإعادة النظر في تحالفاتها لأن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان خلق فراغًا ستسْعى باكستان والصين وروسيا وإيران لملئه، وهي كلها دول معادية للولايات المتحدة، كما أنها -باستثناء روسيا- دول تعادي الهند بدرجات متفاوتة[71].

  • الفرص

شهد العقدان السابقان على عودة طالبان للسلطة في أغسطس 2021 تطورًا واضحًا للعلاقات الهندية الأفغانية حيث استثمرت الهند أكثر من 3 مليارات دولار في مشروعات البنية التحتية مثل بناء المدارس والطرق والسدود. فقد شيدت أكثر من 200 مدرسة حكومية وخاصة، وقدَّمت أكثر من 1000 منحة دراسية، وتستضيف ما يزيد على 16 ألف طالب أفغاني. وفي عام 2011 وقَّعت الهند وأفغانستان على اتفاقية شراكة استراتيجية كانت هي الأولى في أفغانستان منذ الغزو السوفييتي للبلاد عام 1979[72].

وبلغت صادرات الهند إلى أفغانستان 826 مليون دولار في العام المالي المنقضي في 31 مارس 2021، وتألَّفت بشكل رئيسي من السكر والحبوب والشاي والتوابل والأدوية ومنتجات المنسوجات. في حين قدرت واردات نيودلهي من كابول بنحو 509 ملايين دولار في العام ذاته، وتشكَّلت من التين، والزبيب، والتفاح[73]. وامتدَّ التعاون للمجال العسكري حيث قدمت نيودلهي طائرات هليكوبتر وأجهزة رادار إلى أفغانستان. وتمَّ الإعلان في عام 2020 عن قيام الشركات الهندية بنحو 150 مشروعًا إضافيًّا بقيمة 80 مليون دولار في أفغانستان[74].

لكن تستشعر الهند صعوبة ضخِّ المزيد من الأموال أو الاستثمارات في أفغانستان في ظلِّ ظروف الاضطرابات الحالية. صحيح أنها لا تمانع في تقديم الدعم الدبلوماسي لأفغانستان بالأمم المتحدة لكنها ليست على استعداد حاليًّا لدفع أية أموال أو التعهُّد بدفع أية أموال لطالبان[75]. أمَّا طالبان فبالقطع ستختلف رؤيتها؛ فهي المتلقِّي للأموال وفي أوضاع كهذه سترحب بمن يمدُّ إليها يدَ العون سواء بالدعم الدبلوماسي أو بالأموال. يعبِّر عن ذلك تصريح الناطق باسم الحركة، سهيل شاهين، قائلًا: “الهند نفَّذت العديد من المشاريع، مشاريع لإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، ويمكنهم إذا أرادوا إكمال هذه المشاريع غير المكتملة، فهي مخصَّصة للناس”[76]. لكنه استدرك قائلًا: “لكننا لن نسمح لأية دولة بالتدخُّل في شؤون أفغانستان أو استخدام أراضينا لأغراض عسكرية”[77].

كانت الهند ترى العديد من الفرص التجارية والاقتصادية في أفغانستان. ففي ظلِّ التوتُّر مع باكستان واتهامها بإثارة المشكلات في كشمير وغيرها في الهند، قرَّرت نيودلهي الاستغناء عن الطريق البري الذي يعْبر باكستان وصولًا لآسيا الوسطى وكان البديل هو تطوير ميناء جابهار شرقي إيران واستخدامه للوصول لآسيا الوسطى عبر أفغانستان[78]. ففي عام 2010 وقَّع وزراء النقل للدول الثلاث (إيران والهند وروسيا) اتفاقية النقل والشحن الدولي “شمال-جنوب” في سان بطرسبورغ. واتخذت الهند منذ عام 2016 إجراءات لتفعيل ميناء جابهار[79]. لكن الطموحات الهندية كان يعرقلها تهديد العقوبات الأمريكية وعداء الرئيس السابق ترامب لإيران ممَّا جعل الهند -حتى وصول طالبان للحكم- لا تساهم سوى بحوالي 500 مليون دولار لتطوير الميناء ثم اضطرَّت لتعليق التمويل وانتظار ما ستُســفر عنه الأوضاع في أفغانستان[80].

ما إن اتَّضحت المؤشِّرات الدالَّة على قرب عودة طالبان للحكم حتى وجدت الهند نفسها مضطرَّة لإعادة حساباتها الجيوسياسية وفتح قنوات اتصال مع طالبان في ظل النظر للهند اللاعب الإقليمي الذي لا تجمعه روابط فعلية مع الحركة. جاء ذلك أيضًا في سياق تنافس إقليمي مع روسيا وإيران والصين وشكوك حول سعي الأخيرة لاستبعاد الهند من محادثات مستقبل أفغانستان[81]. لكن في الوقت الذي لم تجدْ بكين فيه حرجًا من الإعلان عن زيارات قادة طالبان والتقاط الصور معهم كانت نيودلهي حريصة على جعل اتصالاتها في طي الكتمان خشية إثارة داعميها من القوميِّين الهندوس الذين يشكِّلون القوام الأساسي للكتلة التصويتية التي أوصلت ناريندرا مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا للحكم، بل وطالبت منظماتها الحكومة بدعم الجماعات المعارضة لطالبان[82].

  • التحديات

أيَّدت الهندُ غزو أفغانستان من قبل كل من الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، وللمفارقة خسر كلاهما في النهاية. كان الرئيس الأمريكي ترامب يتوقَّع أن تساهم الهند بقواتها البرية في الأزمة الأفغانية وهو ما لم يحدث، بل إن ترامب سخر من رئيس الوزراء الهندي مودي لأنه بنى مكتبة للشعب الأفغاني. وكان رد الفعل الأمريكي هو إخراج الهند من المعادلة رغم محاولتها أقصى ما تستطيع لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بجعلها طرفًا في محادثات الولايات المتحدة وطالبان. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تخلَّتْ ليس فقط عن مودي، ولكن أيضًا عن الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني لتوقيع اتفاق الدوحة للسلام مع طالبان[83].

تثور حفيظة الهند على استبعادها من المشهد التفاوضي في الوقت الذي تظهر فيه باكستان. وهو ما تراه باكستان نتاجًا طبيعيًّا لغياب التواصل والتفاهم بين طالبان والهند. يأتي في ذلك السياق تصريح سفير باكستان لدى الولايات المتحدة في أغسطس عام 2020 بأنه يتعيَّن على الهند أن تجري محادثات مع مسلَّحي طالبان إذا ما ارتأت ذلك دافعًا لعملية السلام وهو ما جاء عقب سلسلة هجمات في أفغانستان أثارت شكوكًا حول نجاح جهود السلام الأمريكية[84].

ساهمت مجموعة من الأحداث والتطورات في توتر واضطراب العلاقات بين الهند وطالبان. كتلك الاتهامات التي وجَّهتها نيودلهي لطالبان سابقًا بإرسال مجاهدين للمشاركة في الحركة المسلَّحة بإقليم كشمير وهو ما كانت تنفيه طالبان وتؤكِّد على أن من توجَّهوا لكشمير قبل ثلاثة عقود هم بالأساس مجاهدون عرب كانوا حينها في أفغانستان. كما استاءت الهند بشدَّة من سماح حكومة طالبان بهبوط طائرة هندية مخطوفة بمطار قندهار عام 1999، وأدانت الهند إقدام طالبان على هدم تمثال بوذا في باميان عام 2001[85].

لذلك يراقب قادة الهند بقلق استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان، خشية أن يدعم ذلك خصمهم اللدود باكستان ويغذِّي التمرُّد في إقليم كشمير الذي يتَّخذه المسلَّحون -بحسب الاتهامات الهندية- منطلقًا لهجماتهم. فعلى مدى سنوات، تنشط جماعات مسلحة مناهضة للهند مثل “عسكر طيبة” و”جيش محمد” على الحدود الأفغانية-الباكستانية وتتدرَّب بمعسكرات هناك. ويرى محلِّلون هنود أن الجماعات المسلَّحة المتمركزة عبر الحدود في باكستان حتمًا ستحاول دفع رجالها لكشمير بعد وصول طالبان للسلطة. تستدل تلك التحليلات بتصريحات بعض قادة تلك الجماعات مثل سيد صلاح الدين -زعيم تحالف الجماعات الانفصالية الكشميرية ويقيم في الشطر الباكستاني لكشمير- الذي وصف انتصار طالبان بأنه “استثنائي وتاريخي”. وتوقَّع صلاح الدين أن تساعد طالبان الانفصاليين. وأضاف “بالطريقة نفسها، ستُهزم الهند أيضًا على أيدي مقاتلي كشمير في المستقبل القريب”[86]. كما تثير بعض تصريحات قادة طالبان بدورها هي الأخرى قلق نيودلهي مثل تصريح المتحدث باسم طالبان سهيل شاهين بأن للجماعة الحق في “رفع صوتها من أجل المسلمين في كشمير أو الهند أو أية دولة أخرى”[87].

تأخذ الهند تصريحات كهذه على محمل كبير من الجد؛ لذا أثار رئيس الوزراء ناريندرا مودي مخاوفه بشأن باكستان خلال محادثاته مع الرئيس الأميركي جو بايدن في سبتمبر 2021، وكذلك خلال قمة رباعية أوسع مع زعيمي أستراليا واليابان. وصرح وزير الخارجية الهندي عقبها بأنه “كان هناك شعور جلي بضرورة الإبقاء على نظرة أكثر دقةً وتدقيق وثيق ومراقبة لدور باكستان في أفغانستان، دور باكستان في مسألة الإرهاب”[88].

ربما تستشعر الهند أن يدَها تكاد تكون مغلولة إزاء الوضع في أفغانستان. يرجع ذلك الشعور لمجموعة قيود منها افتقارها القدرة على التأثير من جانب واحد على الوضع على الأرض هناك، واحتياجها لشركاء. لم ينجح التعاون مع الصين وباكستان، وتفضِّل روسيا -شريكها التاريخي- الاعتماد على باكستان لمساعدتها في حماية المصالح الروسية بأفغانستان. ويجعل ذلك من إيران أهم حليف للهند فيما يخص الشأن الأفغاني. ترغب كل من الهند وإيران في أفغانستان مستقرة تديرها حكومة شاملة لا تهيمن عليها طالبان ولا تخضع لسيطرة باكستان. فكلاهما يخشى من عودة طالبان للسلطة. وتخشى نيودلهي تكرار سيناريو تسعينيات القرن العشرين حينما آوت أفغانستان -في ظل نظام طالبان- الجماعات المسلحة المناهضة للهند والمدعومة من المؤسسة العسكرية الباكستانية[89].

امتدَّت الاتهامات الهندية لباكستان بدعمها حركة طالبان عسكريًّا كما حدث -بحسب تقارير هندية- في قتالها ضد قوات المعارضة المسلحة في وادي بنجشير في سبتمبر 2021. حيث أشارت تلك التقارير إلى أن القوات الجوية الباكستانية زوَّدت طالبان بثلاثة طيارين وأربع مقاتلات من طراز “جي أف 7” لقصف بنجشير، كما شاركت قوات من مجموعة القوات الخاصة الباكستانية وقوة من الفيلق الحادي عشر للجيش الباكستاني في العمليات. لكن المسؤولين الباكستانيين نفوا تلك الاتهامات التي وصفوها بالوهمية[90].

لم تَخْلُ طبيعة العلاقة بين طالبان وباكستان من الجدل والتحليلات المتباينة المرتبطة بتطوُّر الحركة ذاتها. فهناك محللون يرون اختلافات عديدة لطالبان اليوم عن طالبان عام 1996. تبدو الحركة الآن أكثر اهتمامًا بصورتها أمام العالم ورغبتها في التواصل مع الآخرين. فمتحدث الحركة يجيد الإنجليزية بطلاقة، ويسافر ممثلوها للخارج ويحملون الهواتف الفاخرة. فقد أضحت طالبان اليوم أكثر خبرة، وشاع تصوُّر بأنها لم تعد منظمة متجانسة وبعض فصائلها قد لا يخضع لسيطرة جنرالات باكستان حيث تمتلك أجنحة سياسية وعسكرية مستقلَّة عن باكستان وبآلات حديثة بعيدًا عنها باكستان. ونتيجة لما سبق يظهر احتمال تطوير علاقات ملائمة بين الهند وأفغانستان. لكن على الجانب الآخر، ترى تحليلات أن نظرتهم للعالم لم تتغير؛ فهم لا يؤيدون الديمقراطية ويعارضون تعليم الإناث، ويدعمون الأفكار المتشددة. لذا يظل تغيير مواقفهم تجاه العديد من القضايا مجرد أمنيات[91].

التحديات الأمنية للهند لا تختلف كثيرًا عمَّا تواجهه روسيا والصين. لذا فالفراغ الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي من أفغانستان اجتذب العديد من الفاعلين الراغبين في تعزيز قدرتهم على الوصول لمصادر الطاقة في آسيا الوسطى وأفغانستان وأضحى يشكِّل جسرًا ممكنًا للتعاون فيما بينهم. والواقع أن مشكلة الأمن الأفغاني تهدِّد اقتصادات تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند والاستثمارات الهندية الضخمة بأفغانستان[92]. وعلى الرغم من ترحيب ساسة ومحلِّلين هنود بالتصريحات التوفيقية التي خرجت عن بعض قادة حكومة طالبان كتلك التي تتعهَّد بعدم اتخاذ أفغانستان منطلقًا لتهديد دول الجوار إلَّا أن هؤلاء الساسة والمحلِّلين يتشكَّكون في قدرة طالبان على الوفاء بتلك التعهُّدات وينتظرون منها أفعالًا تدعم تلك التوجُّهات لا مجرَّد أقوال وتصريحات[93].

  • الموقف الهندي

رغم تأييدها غزو واحتلال قوات التحالف -بقيادة أمريكية- أفغانستان عام 2001 إلا أن الهند رفضت طلبًا أمريكيًّا بإرسال قواتها لأفغانستان عقب الغزو. ثم اعترفت نيودلهي بالحكومات المدنية التي تشكَّلت في ظلِّ الاحتلال برئاسة حامد كرزاي ثم أشرف غني، كما قدمت مساعدات إنسانية وساهمت في إنشاء البنية التحتية بالبلاد. لكن عودة طالبان من جديد أثارت مخاوف هندية واضحة بدت -على سبيل المثال- في كونها من أوائل تلك الدول التي أجْلَت دبلوماسييها بعد دخول قوات طالبان العاصمة كابول فقرَّرت إغلاق سفارتها وقامت بإجلاء مواطنيها ثم أغلقت قنصلياتها تباعًا رغم غياب مخاطر حقيقية تهدِّد أولئك الدبلوماسيين أو المواطنين على عكس الدول الغربية التي كانت لها قوات في أفغانستان[94]. وإن كانت هناك تحليلات تفهَّمت تلك المخاوف في ضوء مأزق حكومة مودي بعد تبنِّي نيودلهي لسياسة مناهضة طالبان استمرت لعقود[95]. لكن يبقى الأمر الأبرز هنا أن الهند كانت الوحيدة من دول جنوب آسيا والدول المجاورة لأفغانستان التي أغلقت سفارتها وأجْلَت مواطنيها عقب تلك التطورات. كما كشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن نيودلهي أبرمت صفقة لشراء 100 طائرة بدون طيار تنتجها إحدى الشركات الإسرائيلية وذلك على خلفية أحداث أفغانستان[96].

فما زالت نيودلهي تتذكَّر -ضمن حوادث أخرى- موقف طالبان من الطائرة الهندية المخطوفة عام 1999. لذا لا تتوقَّف الصحف الهندية عن توصيف طالبان بالجماعة الإرهابية، بل وصل الأمر لإطلاق ألعاب فيديو صمَّمت شخصيات بها ترمز للجماعة. لذلك يحتاج الأمر وقتًا من نيودلهي للبحث عن إمكانية إصلاح العلاقات المتردِّية مع طالبان[97].

من البدائل المتاحة أمام الهند وتطرحها التحليلات، صياغة تحالف ضد طالبان يضم إيران. لكن يعيب ذلك البديل أن نيودلهي وجدت صعوبة واضحة -في مواقف أخرى- من موازنة علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران. كما أن طهران قد تكون لها أحيانًا تفضيلات لا تلقَى ترحيبًا من الهند مثل توقيع إيران والصين -خصم الهند الاستراتيجي- في 27 مارس 2021 اتفاق تعاون استراتيجي مدته 25 عامًا ويركز على القضايا الاقتصادية[98]. لكن في ظلِّ احتمال إبقاء إيران للخيار العسكري مفتوحًا -عبر استخدام لواء “فاطميون” الذين دربته طهران لمحاربة طالبان- يصبح بالإمكان إيجاد أرضية مشتركة تجمع بين طهران ونيودلهي بحيث تدعم الأخيرة مقاومة محلية أفغانية في المســتقبل[99]. لكن يظل هذا السيناريو مرهونًا بتدهور العلاقة مع طالبان ودعم الأخيرة لحرب الوكالة التي ترى نيودلهي أن إسلام أباد تقودها في كشمير[100].

شكَّلت -ولا تزال- العلاقة مع باكستان أحد محددات سياسة الهند تجاه أفغانستان. كانت تلك السياسة مدفوعة دائمًا بالرغبة في حرمان باكستان من “العمق الاستراتيجي” الذي تتوق إليه إسلام أباد، وفقًا لتصورات نيودلهي[101]. لكن استمرار محاولات منافسيها استبعادها من التفاعلات المستقبلية في أفغانستان قد يدفع الهند لتجنُّب عزلة محتملة عبر عدم التصعيد مع باكستان أو ربما تحسين العلاقات وصولًا لأحد أشكال السلام البارد وليس تسوية النزاع بينهما. وقد يؤدِّي ذلك حينها لتخفيف نيودلهي من الضغوط على مسلمي كشمير الذين اتنزعت منهم استقلالهم الذاتي[102].

فيما يبدو ردًّا على محاولات استبعاد الهند من المعادلة في أفغانستان عبْر بعض منافسيها الإقليميِّين؛ يظهر موقف نيودلهي الداعي لمنح الأمم المتحدة دورًا مركزيًّا في أفغانستان والمناداة بأن تكون عملية السلام بها “يقودها الأفغان ويملكها الأفغان ويسيطر عليها الأفغان”[103]. جاء فتح قنوات الاتصال مع طالبان متأخرًا من نيودلهي مقارنة بنظرائها من اللاعبين الإقليميِّين الآخرين لذلك كان الغموض هو السمة الغالبة على كيفية التعامل مع الحركة بعد وصولها للحكم. فعندما تسارعت الأحداث وانتصرت طالبان في حربها عقد رئيس الحكومة الهندية مودي اجتماعًا مع اللجنة الوزارية المسؤولة عن الأمن للتباحث حول طبيعة العلاقات مع أفغانستان في ضوء تلك التطورات. وصرح بعدها أحد مسؤولي الحكومة قائلًا: “سنبقى منفتحين ونتنظر ونراقب خطوات طالبان خلال المرحلة الانتقالية وبعدها. وسنعمل أيضًا على تقييم مدى شمول الحركة في استيعاب المكاسب التي تحقَّقت خلال العشرين عامًا الماضية”[104].

بات واضحًا ممَّا سبق أن عودة العلاقات الهندية-الأفغانية حاليًّا لسابق عهدها يبدو أمرًا ليس باليسير، على الأقل على المدى القصير. لكن ربما تعمل نيودلهي سرًّا على ترميم علاقتها بطالبان وقد تكون موسكو هي الوسيط[105]. لكن في كلِّ الأحوال سوف تحتاج الهند إلى نهج استراتيجي طويل الأجل تجاه أفغانستان، يجمع الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية في كلٍّ متماسك في إطار استراتيجية كبرى. ويجب أن تستند سياسة الهند لفهمٍ واضحٍ للأهداف الاستراتيجية للهند بالمنطقة، والبيئة الاستراتيجية الإقليمية والعالمية[106].

خاتمة:

نجحت روسيا والصين في الاستعداد لسيناريوهات التغيير في أفغانستان عبر سياسة التحوط وفتح قنوات الاتصال مع كافة الأطراف، بل ودعمت موسكو طالبان سياسيًّا واستخباراتيًّا ولاحقتْها اتهامات بمساعدة الجماعة سرًّا. لذلك فالدولتان لم تُبْدِيَا قلقًا من سقوط كابول بأيدي طالبان؛ فقد استمرَّت السفارة الروسية في عملها كالمعتاد ورغم ترحيل الصين لمواطنيها من أفغانستان وقيام موسكو بإجلاء عدد من مواطنيها إلَّا أن سفارتيهما استمرَّتا في العمل. أما الهند ففي ظل توتر سابق لعلاقاتها بطالبان راهنت على حكومة كابول المدعومة من الاحتلال وجاءت اتصالاتها بطالبان متأخِّرة كثيرًا وعلى استحياء وأقرب للسرية منها للعلن في ظل مخاوف استثارة مشاعر القوميين الهندوس غير الراضين عن علاقة مباشرة مع طالبان، بل يطالبون نيودلهي بدعم معارضي طالبان لإسقاطها. لذلك كانت المخاوف الهندية جلية عبر إجلائها رعاياها وإغلاقها سفارتها وقنصلياتها بأفغانستان.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الهند معنيةً بالأساس باستقرار أفغانستان في حد ذاتها خوفًا على مشروعاتها واستثماراتها التي تنامت قبل سيطرة طالبان على السلطة من جديد، وتظهر الصين متطلِّعة لاستقرار يمنحها مزيدًا من الفرص الاقتصادية، إلَّا أن بكين يقلقها بشكل أكبر تداعيات عدم استقرار أفغانستان على مشروعات الصين التجارية الكبرى بالمنطقة وتأتي اهتمامات موسكو بالأوضاع في أفغانستان حفاظًا على استقرار حلفائها وهو ما ظهر في تصريحات المسؤولين الروس باستعدادهم لدعم حلفائهم خاصة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. فعندما قامت روسيا بإجلاء مواطنيها صاحبهم أيضًا رعايا حلفائها في طائرات عسكرية خُصِّصَتْ لذلك الغرض. وفي سياق آخر وسعيًا لتحقيق الهدف ذاته سارعت موسكو بالاستجابة لطلب رئيس كازاخستان بنشر قوات لحفظ السلام لمواجهة الاضطرابات الدموية التي شهدتها دولته في مطلع عام 2022 احتجاجًا على ارتفاع أسعار الغاز.

المناورات العسكرية التي أجرتْها موسكو وبكين سواء مع بعضهما البعض أو كل على حدة مع طاجيكستان كانت رسالةً واضحةً عن استعدادهما إلى اللجوء للأداة العسكرية إذا ما وصلت الاضطرابات إلى ما يشكِّل تهديدًا لمصالح الدولتين وأمنهما القومي. أما نيودلهي فليست في وضعية قوى نسبية تتيح لها القيام بالمثل فجاءت الخيارات المطروحة أمامها أقل من تلك التي تحظى بها نظيرتاها في المنطقة.

أخيرًا، تظل الأطراف الثلاثة تترقَّب عن كثب تطورات الحالة الأفغانية وتراقب بحذر تعامل طالبان مع التحديات التي تواجهها. وتأتي أفغانستان لتمنح الصين من جديد الفرصة لتأكيد دعمها لمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول وهو ما ظهر جليًّا في تصريح المبعوث الخاص للشؤون الأفغانية في وزارة الخارجية الصينية، بأن الصين تحترم سيادة أفغانستان وسلامة أراضيها واستقلالها. جاء ذلك التصريح في أعقاب اجتياح طالبان للعاصمة الأفغانية ليعبِّر ضمنًا أيضًا عن استمرار رفض الصين مناقشة أوضاع أقليتها المسلمة واعتبارها شأنًا داخليًّا لا تقبل تدخُّل أطرافٍ خارجية فيه

=======================

الهوامش

[1] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Modern Diplomacy, 22 August 2021, available at: https://bit.ly/3JXBmes

[2] Scott Savitz, Lessons from Afghanistan, The RAND blog, 3 September 2021, available at: https://bit.ly/3r4ckld

[3] التجارة بين الهند وأفغانستان متوقفة.. وتوقعات باستئنافها قريبًا، العين الإخبارية، 20 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3JUnWzR

[4] العلاقات بين روسيا وطالبان تقلق المسؤولين الأفغان والأمريكيين، رويترز، 8 ديسمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://reut.rs/3n8AUQS

[5] Fred Weir, Russia worries: Will US exit from Afghanistan bring back bad old days?, The Christian Science Monitor, 20 July 2021, available at: https://bit.ly/33cFfLQ

[6] Dara Massicot, Can a Pragmatic Relationship With the Taliban Help Russia Counter Terrorism?, The National Interest, 3 September 2021, available at: https://bit.ly/3JY6uea

[7] آنا بورشفسكايا، كيف ستستفيد روسيا بفضل كارثة بايدن في أفغانستان، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 18 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3Ge5SOY

[8] Dara Massicot, Can a Pragmatic Relationship With the Taliban Help Russia Counter Terrorism?, Op. cit.

[9] ماكسيم سوشكوف، روسيا في أفغانستان.. واقعية لا تشوبها أوهام، موقع أوريان 21، 19 أكتوبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3nbw5q1

[10] Pavel K. Baev, Russia and America’s overlapping legacies in Afghanistan, Brookings: Order from Chaos, 18 August 2021, available at: https://brook.gs/3q8wyev

[11] Dara Massicot, Can a Pragmatic Relationship With the Taliban Help Russia Counter Terrorism?, Op. cit.

[12] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, The Middle East Media Research Institute, Special Dispatch, No. 9448, 15 July 2021, available at: https://bit.ly/3f8xQQi

[13] أحمد قنديل، ســـقوط كابـــول واحتمالات إعـــادة رســـم خريطـــة القـــوى الدوليـــة فـــي منطقـــة آســـيا الوســـطى، آفاق استراتيجية، العدد 4، أكتوبر 2021 (القاهرة: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار)، ص 136.

[14] تحسبا للأسوأ: روسيا تعزز قاعدتها في طاجيكستان على حدود أفغانستان، روسيا اليوم، 16 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3F9th2T

[15] أحمد قنديل، ســـقوط كابـــول واحتمالات إعـــادة رســـم خريطـــة القـــوى الدوليـــة فـــي منطقـــة آســـيا الوســـطى، مرجع سابق، ص 136.

[16] Dara Massicot, Can a Pragmatic Relationship With the Taliban Help Russia Counter Terrorism?, Op. cit.

[17] Pavel K. Baev, Russia and America’s overlapping legacies in Afghanistan, Op. cit.

[18] فيتالي نعومكين، روسيا وأفغانستان… البحث عن نهج جديد، الشرق الأوسط، 17 أغسطس 2021.

[19] تصعيد بين طاجيكستان وأفغانستان ينذر بمواجهة، جريدة البيــان الإماراتية، 1 أكتوبر 2021.

[20] Nastassia Astrasheuskaya, How Tajikistan became hub for Afghanistan’s resistance, The Financial Times, 29 September 2021.

[21] Fred Weir, Russia worries: Will US exit from Afghanistan bring back bad old days?, Op. cit.

[22] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[23] تصعيد بين طاجيكستان وأفغانستان ينذر بمواجهة، مرجع سابق.

[24] Aaron Y. Zelin, Return of the Islamic Emirate of Afghanistan: The Jihadist State of Play, The Washington Institute, Policy Watch 3523, 18 August 2021, available at: https://bit.ly/3JUva7i

[25] Return of the Islamic Emirate of Afghanistan: The Jihadist State of Play, Op. cit.

[26] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[27] يدخل الأفيون بشكل أساسي في إنتاج العقاقير القوية المسكنة للألم فضلا عن أنه يستخدم في صناعة مخدر الهيروين القاتل، ووفقا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وصل حجم إنتاج أفغانستان من الأفيون إلى قرابة 6800 طن خلال موسم الحصاد الأخير الذي انتهى في يوليو ما يمثل زيادة بنسبة 8 بالمائة عن إنتاج عام 2020. وقد أشار التقرير إلى أن أفغانستان لا تزال تستحوذ على 85 بالمائة من إنتاج الأفيون على مستوى العالم. لمزيد من التفاصيل انظر: رغم وعود طالبان.. الأفيون يزدهر في أفغانستان، DW، 20 ديسمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/44FWE

[28] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[29] رغم وعود طالبان.. الأفيون يزدهر في أفغانستان، مرجع سابق.

[30] Russia strives for united international position on recognizing Taliban government — Putin, Russian news agency TASS, 23 December 2021, available at: https://cutt.us/YkaR4

[31] Pavel K. Baev, Russia and America’s overlapping legacies in Afghanistan, Op. cit.

[32] Fred Weir, Russia worries: Will US exit from Afghanistan bring back bad old days?, Op. cit.

[33] آنا بورشفسكايا، كيف ستستفيد روسيا بفضل كارثة بايدن في أفغانستان، مرجع سابق.

[34] Dara Massicot, Can a Pragmatic Relationship With the Taliban Help Russia Counter Terrorism?, Op. cit.

[35] ماكسيم سوشكوف، روسيا في أفغانستان.. واقعية لا تشوبها أوهام، مرجع سابق.

[36] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[37]  وسط قلق دولي.. اتصالات أميركية وروسية مع طالبان وقطر تؤكد سعيها لضمان انتقال سلمي بأفغانستان، الجزيرة نت، 16 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3n8DDd4

[38]  بابلو أوجوا، أفغانستان تحت حكم طالبان: من المستفيد ومن المتضرر؟، بي بي سي العربية، 3 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/IcTB4

[39] أحمد قنديل، ســـقوط كابـــول واحتمالات إعـــادة رســـم خريطـــة القـــوى الدوليـــة فـــي منطقـــة آســـيا الوســـطى، مرجع سابق، ص 136.

[40] Chulanee Attanayake & Zheng Haiqi, Understanding China in Taliban-led Afghanistan, Journal of Indo-Pacific Affairs, Air University Press, 25 August 2021, available at: https://bit.ly/3zEvB0L

[41] Paul Wang, China’s approach to the Taliban: A reflection of Realpolitik, Modern Diplomacy, 5 September 2021, available at: https://bit.ly/3q5Ba58

[42] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[43] Paul Wang, China’s approach to the Taliban: A reflection of Realpolitik, Op. cit.

[44] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[45] بابلو أوجوا، أفغانستان تحت حكم طالبان: من المستفيد ومن المتضرر؟، مرجع سابق.

[46] هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، الشرق الأوسط، 2 سبتمبر 2021.

[47] Paul Wang, China’s approach to the Taliban: A reflection of Realpolitik, Op. cit.

[48]  هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، مرجع سابق.

[49] Sabine Fischer, Angela Stanzel, Afghanistan: The West Fails – a Win for China and Russia?, Stiftung Wissenschaft und Politik SWP Comment, September 2021, available at: https://cutt.us/58nbI

[50] هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، مرجع سابق.

[51] المرجع السابق.

[52] Sabine Fischer, Angela Stanzel, Afghanistan: The West Fails – a Win for China and Russia?, Op. cit.

[53] سيطرة طالبان.. نعمة أم نقمة لمحيط أفغانستان الإقليمي؟، DW، 22 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/3zIiS

[54] هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، مرجع سابق.

[55] Harish K. Thakur, The Post-US Withdrawal Afghanistan: India, China and the ‘English Diplomacy’, Modern Diplomacy, 22 September 2021, available at: https://bit.ly/3HKFCw4

[56]  هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، مرجع سابق.

[57] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[58] هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟ مرجع سابق.

[59] Russia’s Options Following A Taliban Takeover Of Afghanistan: Cooperation With The Taliban Or Containing Them, Op. cit.

[60] هدى الحسيني، هل تكون الصين الرابح الأول من عودة «طالبان»؟، مرجع سابق.

[61]  أحمد قنديل، ســـقوط كابـــول واحتمالات إعـــادة رســـم خريطـــة القـــوى الدوليـــة فـــي منطقـــة آســـيا الوســـطى، مرجع سابق، ص 140.

[62] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[63] Paul Wang, China’s approach to the Taliban: A reflection of Realpolitik, Op. cit.

[64] واشنطن بوست: بعد سيطرة طالبان على كابل.. ما هواجس دول الجوار؟، الجزيرة نت، 16 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3t9w5ut

[65] Harish K. Thakur, The Post-US Withdrawal Afghanistan: India, China and the ‘English Diplomacy’, Op. cit.

[66] Paul Wang, China’s approach to the Taliban: A reflection of Realpolitik, Op. cit.

[67] سيطرة طالبان.. نعمة أم نقمة لمحيط أفغانستان الإقليمي؟، مرجع سابق.

[68] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[69] طاجيكستان والصين تجريان مناورات تكتيكية بمشاركة الدبابات والمدفعية على خلفية التطورات في أفغانستان، روسيا اليوم، 19 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3zDOh0q

[70] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[71] ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، الجزيرة نت، 24 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/31IKCCa

[72] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

[73] التجارة بين الهند وأفغانستان متوقفة.. وتوقعات باستئنافها قريبًا، مرجع سابق.

[74] ذكر الرحمن، الهند والانسحاب الأميركي من أفغانستان، جريدة الاتحاد، 30 يوليو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3HRoB3d

[75] Amjed Jaaved, Misjudgements in India’s Afghan policy, Modern Diplomacy, 16 September 2021, available at: https://bit.ly/3f3BCKX

[76] طالبان تدعو الهند لاستكمال مشاريعها الاستثمارية في أفغانستان، سبوتنيك، 18 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/32WVUn0

[77] وسائل إعلام: أفغانستان توقف تجارة الترانزيت مع الهند، روسيا اليوم، 19 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3n9CfHo

[78] ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، مرجع سابق.

[79] ميناء إيراني ينضم إلى مشروع النقل “شمال – جنوب”، روسيا اليوم، 30 يوليو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3f6cgvV

[80] هدى الحسيني، «طالبان» الهند وباكستان وإيران والصين وروسيا عند منعطف، الشرق الأوسط، 19 أغسطس 2021.

[81] الهند تعيد حساباتها الجيوسياسية وتنفتح على «طالبان المتجددة»، الشرق الأوسط، 29 يونيو 2021.

[82] للمزيد من التفاصيل عن الحزب وسياساته المتطرفة تجاه مسلمي الهند، انظر: أحمد عبد الحافظ فواز، النظام السياسي الهندي: الهوية القومية وتحديات التعددية، مجلة المستقبل العربي، العدد 505 (آذار/مارس 2021)، ص ص 103-120.

[83] Amjed Jaaved, Misjudgements in India’s Afghan policy, Op. cit.

[84] سفير باكستاني: على الهند التحدث مع طالبان إذا رأت أن ذلك يعزز جهود السلام، رويترز، 16 مايو 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://reut.rs/3qbbF2u

[85] ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، مرجع سابق.

[86] إيجاز حسين، انتصار طالبان ينعش آمال الاستقلال في كشمير ويقلق الهند، جريدة العرب الدولية، 21 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3q8vhEg

[87]  إيجاز حسين، انتصار طالبان ينعش آمال الاستقلال في كشمير ويقلق الهند، مرجع سابق.

[88] الهند تصعِّد لهجتها فيما تدعو باكستان العالم إلى العمل مع طالبان، جريدة إيلاف الإلكترونية، 25 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/332XOlN

[89] هدى الحسيني، «طالبان» الهند وباكستان وإيران والصين وروسيا عند منعطف، مرجع سابق.

[90] إعلام: القوات الجوية الباكستانية ساعدت طالبان في الاستيلاء على ولاية بنجشير، سبوتنيك، 8 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3na1d9p

[91] الهند تعيد حساباتها الجيوسياسية وتنفتح على «طالبان المتجددة»، مرجع سابق.

[92] Harish K. Thakur, The Post-US Withdrawal Afghanistan: India, China and the ‘English Diplomacy’, Op. cit.

[93] Amjed Jaaved, Misjudgements in India’s Afghan policy, Op. cit.

[94]  ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، مرجع سابق.

[95] سيطرة طالبان.. نعمة أم نقمة لمحيط أفغانستان الإقليمي؟، مرجع سابق.

[96] الهند تبرم صفقة لشراء 100 طائرة مسيرة إسرائيلية على خلفية سيطرة طالبان على أفغانستان، سبوتنيك، 6 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3r0fIxI

[97] Amjed Jaaved, Misjudgements in India’s Afghan policy, Op. cit.

[98] هدى الحسيني، «طالبان» الهند وباكستان وإيران والصين وروسيا عند منعطف، مرجع سابق.

[99]  المرجع السابق.

[100] سيطرة طالبان.. نعمة أم نقمة لمحيط أفغانستان الإقليمي؟، مرجع سابق.

[101] Amjed Jaaved, Misjudgements in India’s Afghan policy, Op. cit.

[102] ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، مرجع سابق.

[103] Harish K. Thakur, The Post-US Withdrawal Afghanistan: India, China and the ‘English Diplomacy’, Op. cit.

[104] سيطرة طالبان.. نعمة أم نقمة لمحيط أفغانستان الإقليمي؟، مرجع سابق.

[105] ظفر الإسلام خان، قدمت 13 ملیار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأکبر من وصول طالبان للحکم؟، مرجع سابق.

[106] Devender Sharma, Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change, Op. cit.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى