مواقف قوى الشرق: روسيا والصين من الحرب على غزة

مقدمة

أطلقت حركة حماس فجر يوم 7 أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى”، في سياق اعتداءات القوات الإسرائيلية والمستوطنين المتواصلة على الشعب الفلسطينى وممتلكاته ومقدَّساته التى زادتْ حدَّتها منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرُّفًا في ديسمبر 2022 بقيادة بنيامين نتنياهو.

وفي المقابل، أطلقت القوات الإسرائيلية عملية “السيوف الحديدية”، وشنت غارات مكثفة على مناطق عدة في قطاع غزة الذى يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني يعانون أوضاعًا معيشية متدهورة من جراء الحصار الإسرائيلي، واستهدفت المدنيين، وعملت على تهجيرهم قسرًا، واستخدمت أسلحة محرمة دوليًّا مثل الفسفور الأبيض، وقصفت المستشفى الأهلى العربي المعمداني، وسقط مئات الضحايا في تصعيد شديد الخطورة يشكل نقطة تحول في الصراع.

على ضوء تلك الخلفية، نسعى لرصد مواقف قوى الشرق الكبرى: روسيا والصين من الحرب على غزة وتفسيرها، وكذلك مساعي هذه الدول الكبرى في حل هذا الصراع، كما في التالى:

أولًا- موقف روسيا من العملية العسكرية لحماس والعدوان الإسرائيلي على غزة

مهما بدا الموقف متناقضًا، بحسب وصف دبلوماسي سابق، فإن روسيا التي فوجئت كما فوجئ العالم بحجم عملية “حماس” في داخل غلاف غزة، في السبت السابع من أكتوبر، قد اتخذت بعد تمهُّل قصير موقفًا يشدد على الخط العام للرؤية الروسية للصراع في المنطقة. جوهر المدخل الروسي يقوم على ضرورة احترام القرارات الدولية والانطلاق من أهمية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل.[1]

التناقض يظهر في مسارعة بلد يواجه اتهامات كثيرة باحتلال بلد مجاور (أوكرانيا)، ومساعدة ديكتاتور (بشار الأسد في سوريا) في القضاء على شعبه، إلى الدفاع عن مبادئ القانون الدولي، عندما يتعلق الأمر بصراع تخوضه أطراف أخرى. لكن هذه الازدواجية، ليست حكرًا على روسيا، فهي ظهرت عند الأوكرانيين الذين يواجهون “الاحتلال الروسي”، لكنهم “يدعمون استخدام القوة الإسرائيلية المفرطة ضد شعب آخر يعاني من الاحتلال منذ عقود”. وظهرت أيضًا عند الغرب الذي يقاتل روسيا في أوكرانيا، بينما يرسل حاملات الطائرات لدعم بلد آخر يشن عدوانًا ممتدًّا أكثر وطأة على شعب أعزل.

  • الأسبوع الأول من العدوان على غزة:

اتسم الموقف الرسمي الروسي بأنه يحمل بشدة انعكاسات المواجهة المتفاقمة مع الغرب. ففي أول تعليق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ركَّز على “فشل سياسات واشنطن في الشرق الأوسط”، حيث قال خلال أعمال منتدى اقتصادي: “احتكرت الولايات المتحدة القرار بشأن التسوية، وأبعدت الأطراف الأخرى، ماذا كانت النتيجة؟ فشلت في تطبيق القرارات الدولية ووضع حدٍّ للمواجهة المتفاقمة وأسْفرت سياساتها عن الوضع الحالي”. كما انتقد بوتين، في عبارة لافتة، الوعود الأمريكية الكثيرة بـ”رخاء اقتصادي” في مقابل التنازل عن حقوق وطنية، وقال إن تلك الوعود لم تنجح في إقناع شعب فلسطين بإنهاء جوهر المشكلة التي تقوم على احترام حقه في بناء دولته وتقرير مصيره.[2]

وهكذا اتضح أن المدخل الروسي للتعليق على الحدث انطلق من ضرورات حشد كل الأدوات في تعزيز الانتقادات للمواقف الغربية. وكل ما تلا ذلك من تصريحات ودعوات جاء في هذا الإطار، من دون أن يحمل تلويحًا جادًّا بتقديم عون اقتصادي أو إغاثي أو سياسي لحماية سكان غزة.

وقد سُئل الرئيس الروسي في ندوة حوارية عن موضوع التهجير، فقال: “إلى أين يذهبون؟… هذه أرضهم”. بينما وبعد أيام من هذه التصريحات قال بوتين أمام قمة رابطة الدول المستقلة، في بشكيك عاصمة قرغيزيا، تعليقًا على العملية البرية المحتملة في غزة، إن “استخدام المعدات العسكرية الثقيلة في المناطق السكنية يحمل تداعيات، في الوقت الذي سيكون فيه تنفيذ تلك العملية من دون المعدَّات أكثر صعوبة”. كيف يمكن فهم تلك العبارات؟ يظهر، كما يبدو، أن موسكو ما زالت تتعامل مع الملف ليس بصفته حدثًا كبيرًا يمكن أن يغيِّر المنطقة والعالم، بل باعتباره “ورقة من أوراق المواجهة مع الغرب”. أي أن موسكو ليست مقتنعة بعد بأن التحرك الإسرائيلي الحالي المستند إلى دعم غربي واضح وكامل يقوم على وضع مقدِّمات لـ”حل نهائي” للمسألة الفلسطينية، بل باعتبار المواجهة الحالية “واحدة من حلقات الصراع المتكررة”.[3]

وهذا في الواقع ما بدا من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، عندما قال إن روسيا “تأمل أن يأخذ الجميع على محمل الجد الالتزام بإنشاء دولة فلسطين، بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الصراع الحالي في الشرق الأوسط”. وشدَّد على “ضرورة التزام طرفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باحترام القانون الإنساني وتجنُّب الاستخدام العشوائي للقوة وأن يتحلَّى الجميع بالمسؤولية الجدية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن إنشاء دولة فلسطينية على أساس المبادئ التي وافقت عليها الأمم المتحدة”.

حملت تلك العبارات تكرارًا حرفيًّا لكلام بوتين أمام قمة الرابطة المستقلة، عندما قال إن “هدف المفاوضات المقبلة يجب أن يكون تنفيذ صيغة الأمم المتحدة، التي تنطوي على إنشاء دولة فلسطينية مستقلَّة عاصمتها القدس الشرقية، تتعايش في سلام ووئام مع إسرائيل التي نرى أنها تعرَّضت لهجوم غير مسبوق في قسْوته، وبالطبع لها الحق في الحماية، ولها الحق في ضمان وجودها السلمي، وفي الوقت نفسه، فإن الخسائر في صفوف المدنيين… غير مقبولة على الإطلاق”[4]. وحثَّ بوتين على التركيز على الدبلوماسية لإنهاء الحرب، داعيًا إلى “العودة إلى مسار المفاوضات” لإيجاد حلٍّ “مقبولٍ للجميع، بما في ذلك الفلسطينيون”. وقال “يتعيَّن علينا البحث عن حلٍّ سلميٍّ لتفاقُم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نظرًا لأنه في الوضع الراهن لم تعدْ هناك بدائل أخرى”. هذه العبارات كانت لافتة أيضًا، ففي حين يراقب العالم تحضيرات متسارعة لحرب برية شاملة، وعملية تهجير شاملة جديدة للفلسطينيين من غزة، تركّز تصريحات الكرملين على تكرار خطاب سياسي صحيح من وجهة النظر القانونية، لكنه منفصل عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة.

  • الأسبوع الثاني من العدوان على غزة: مساعدات إنسانية بعد فشل الحلول السياسية

بدأ التدخُّل الروسي على خطِّ أزمة غزة ومواجهات حماس وإسرائيل، يصبح أكثر فاعلية بدعوة الكرملين إلى وقف فوري لإطلاق النار، كما طالبت موسكو مجلس الأمن بإجراء تصويت عاجل على مشروع قرار حول تسوية الوضع في منطقة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، سبق هذه الدعوة تحذيرات مستمرة من تفاقم الصراع إثْر تدخُّلات واشنطن والغرب ودعم طرف على حساب آخر، كما عُدَّتْ تلك الدعوة بداية فعلية لتدخُّل روسيا المباشر في تلك الأزمة، بحسب خبراء وعسكريين.

ففي الخميس 19 أكتوبر حذَّرت روسيا من تحوُّل التصعيد في غزة إلى صراع إقليمي، في وقت أعلنت فيه عن تقديم مساعدات غذائية لسكَّان القطاع الذي يشهد قصفًا عنيفًا وحصارًا إسرائيليِّين لليوم الـ13 على التوالي.[5] وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الخميس 19 أكتوبر إن هناك خطرًا جديًّا من تحوُّل التصعيد في غزة لصراع إقليمي، وأكَّد أن روسيا على اتصال مع تركيا لبحث التطورات في غزة ومخاطر امتداد الصراع، وأشار إلى أن محاولات تحميل إيران المسؤولية عن أزمة غزة هي استفزازات، وفق تعبيره.

ومن جهته، قال ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي إن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الحالي يمكن أن يتحول إلى حرب حقيقية واسعة، وبيَّن أن حَلَّ النزاع في الشرق الأوسط ممكن فقط بإقامة دولة فلسطينية، معتبرًا أن واشنطن تتحمَّل مسؤولية إفشال سعي مجلس الأمن لوقف إطلاق النار بين غزة وإسرائيل، وكانت روسيا قد قدَّمت إلى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار لوقف إطلاق نار إنساني في قطاع غزة، إلا أن مسعاها باءَ بالفشل بسبب عدم حصول المشروع على الأصوات الكافية داخل المجلس لتمريره.

وفيما يتعلق بالمشروع الروسي أمام مجلس الأمن، ففي الإثنين 17أكتوبر فشل الأخير في تبنِّي مشروع قرار روسي يدعو إلى وقف إطلاق نار إنساني في قطاع غزة الذي يشنُّ الجيش الإسرائيلي قصفًا عنيفًا عليه لليوم الحادي عشر على التوالي من تاريخ القرار. وفيما صوتت روسيا والصين والجابون وموزمبيق والإمارات لصالح مشروع القرار، فقد صوَّتت ضده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليابان، بينما امتنعت بقية الدول عن التصويت وهي البرازيل ومالطا وألبانيا وسويسرا والإكوادور وغانا. واقترحت مسودة المشروع إطلاق سراح الرهائن ووصول المساعدات الإنسانية والإجلاء الآمن للمدنيين المحتاجين، وأدان النص العنف ضد المدنيين وجميع الأعمال الإرهابية دون تسمية أي طرف.[6]

لم يكن المشروع الروسي هو الوحيد الذي رفضه مجلس الأمن فقد تم رفض مشروع قرار أعدته البرازيل بشأن التسوية في الشرق الأوسط، والفرق بين الوثيقتين الروسية والبرازيلية هو أن الأخيرة تتضمَّن إدانة حركة “حماس”. كما دعا مشروع البرازيل إسرائيل إلى التراجع عن أمرها لسكان غزة وممثلي الأمم المتحدة بمغادرة شمال القطاع إلى جنوبه، بالإضافة إلى هدنة إنسانية من أجل إنشاء ممرَّات إنسانية إلى غزة[7].

وفي سياق متَّصل، أعلنت وزارة حالات الطوارئ الروسية عن تقديم 27 طنًّا من المساعدات الغذائية إلى المدنيين في قطاع غزة عبر معبر رفح المصري، وأفاد إليا دينيسوف نائب وزير الطوارئ الروسي في بيان أن طائرة خاصة أقلعت من مطار رامنسكوي قرب موسكو باتِّجاه مطار العريش في مصر، وسيتم تسليم المساعدات الإنسانية إلى ممثلين عن الهلال الأحمر المصري ليتم إرسالها إلى قطاع غزة.وأضاف أن المساعدات تشمل القمح والسكر والأرز والمعكرونة، من دون توضيح موعد إيصالها إلى غزة[8].

وفي المجمل، ومنذ عملية حماس “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر على إسرائيل، تتمسك موسكو بموقف عدائي مبهم تجاه إسرائيل، وهو موقف مثير للجدل، ووفق تقرير لقناة «i24» الإسرائيلية، ينتقد فيه تحذير المسؤولين الروس من انتشار العنف في الشرق الأوسط، بينما يروجون للمواقف الإيرانية والتركية (التي تدين إسرائيل) بشأن هذا الصراع، ويتهمون الولايات المتحدة بإثارة المواجهة وتخريب الحل الدبلوماسي.[9] ومن جانب آخر، فقد استغرق بوتين أكثر من أسبوع ليتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 16 أكتوبر ليقدم تعازيه لأقارب الضحايا (في هجوم 7 أكتوبر)، في الوقت الذي تسارعت الدول الغربية لإعلان تضامنها مع إسرائيل، ولم تقم موسكو خلال هذه المكالمة ولا في أي اتصالات روسية رسمية بإدانة «حماس» أو الإشارة إلى «الإرهاب»، بل وذهب بوتين إلى حد مقارنة حصار إسرائيل غزة بالحصار النازي على لينينجراد بين عامي 1941 و1944.[10]

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي دوافع روسيا في اتخاذ مثل هذا الموقف؟ والإجابة هي أن بوتين يسعى بالفعل إلى تحقيق بعض المكاسب، يتمثَّل أولها في تحويل الاهتمام الدولي عن الحرب الروسية في أوكرانيا، وإضعاف رغبة المقاومة لدى الأوكرانيين بحجة أن الغرب سيوجِّه أنظارَه إلى الأزمة الجديدة في الشرق الأوسط، ومن ثم سيضعف الدعم الدولي المقدَّم لكييف[11]. وعلى نفس السياق، يجب فهم موقف روسيا كذلك على ضوء العلاقات الروسية – الإيرانية التي وصلت إلى مستويات من التنسيق والتحالف[12]. فيشير خبراء إلى أن التحذيرات الروسية من خطر “الحرب الإقليمية” هي في الواقع تعبير مباشر عن مواقف مشتركة مع إيران، التي لا ترغب أيضًا في الانخراط في مواجهة واسعة وشاملة، لكنها قد تكون مضطرَّة لها إذا سارت إسرائيل نحو تقويض مراكز نفوذها الإقليمية.[13] يفسِّر هذا، في جانب منه، درجة الغضب في إسرائيل تجاه روسيا، رغم أن الأخيرة لم تعلن رسميًّا دعم مواقف حماس.

الأمر الثاني في المكاسب التي ترجو روسيا تحقيقها، يتعلق بتبلور رؤية روسية جديدة للتحالفات على خلفية الصراع المتفاقم مع الغرب، فلا يخفى على أحد أن روسيا ترغب في نظام متعدد الأقطاب؛ حيث يتم تقاسم قيادة النظام الدولي بشكل أكثر توازنًا، وتريد عالمًا لا تتصرَّف فيه الولايات المتحدة بوصفها القوة التي لا غنى عنها[14].

ثانيًا- موقف الصين من حرب غزة

دعا الرئيس الصيني شي جين بينج في 19 من أكتوبر إلى وقف فوري لإطلاق النار في الحرب بين إسرائيل وغزة. وفي أول تصريحاته منذ بدء الصراع، قال الرئيس الصيني خلال اجتماع في بكين مع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن الحل الشامل يتمثل فى تنفيذ حل الدولتين عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة بما يضمن تحقيق التعاون والتعايش السلمى بين الفلسطينيين والإسرائيليين[15]، بالإضافة إلى إعرابها عن “خيبة أملها العميقة” إزاء استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد القرار الروسي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدعو إلى وقف إنساني للقتال.

ومنذ العملية العسكرية التي شنَّتها حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، والصين مستعدَّة على نحو غير عادي لتقديم نفسها كصانعة للسلام، واصفة نفسها بأنها “صديقة لكلٍّ من إسرائيل وفلسطين”، حيث دعا وزير الخارجية الصيني وانج يي إلى سرعة عقد “مؤتمر سلام دولي” للتوصل إلى حل للصراع بين إسرائيل وحماس[16].

وقد أعلنت الصين عن أسفها لسقوط مدنيِّين من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، كما أعلنت عن معارضتها للعمليات التي تضرُّ بالمدنيِّين، وامتنعت في تصريحاتها الرسمية عن استخدام مصطلح إرهاب عند وصف عملية حماس، حيث عارض المسؤولون الصينيُّون إلحاق الضرر بالمدنيِّين فيما يسمُّونه “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. وقالت الصين إن الضربات الانتقامية الإسرائيلية على غزة تجاوزت ما هو مقبول بموجب القانون الإنساني الدولي، حيث ندَّد وزير الخارجية الصيني وانج يي بإسرائيل “لتجاوزها الدفاع عن النفس” ودعا إلى إنهاء “العقاب الجماعي لشعب غزة”.

كما كثف كبير الدبلوماسيين الصينيِّين خطابه حول النتيجة المفضَّلة لبكين المتمثِّلة في حلِّ الدولتين، فصرَّح بأنه “لم تعد الأمة اليهودية مشرَّدة في العالم، ولكن متى ستعود الأمة الفلسطينية إلى بيتها؟، فلقد استمرَّ الظلم الواقع على فلسطين لأكثر من نصف قرن، يجب ألا تستمر المعاناة التي ابتليت بها الأجيال”[17]. ووعدت الصين بإرسال المواد الغذائية والأدوية وغيرها من المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر الأمم المتحدة، دون الكشف عن تفاصيل ما قدَّمته[18].

الموقف الصيني هذا والذي لم يبد انحيازًا إلى هذا الطرف أو ذاك والهادف إلى حقن الدماء والذي يذكر بالأسس التي يمكن أن تجنِّب المزيد من التصعيد، لم يَرُقْ للجانب الإسرائيلي، الذي كان يأمل في إدانة واضحة للجانب الفلسطيني وتسمية الفصيل الذي قام بعملية “طوفان الأقصى”، ليس هذا فحسب بل إن يوفال واكس، المسؤول في السفارة الإسرائيلية في بكين، قد اعتبر أن الوقت غير مناسب للحديث عن حلِّ الدولتين[19].

والسؤال الواجب طرحه في هذا المقام هو ما هي مصلحة الصين في العدوان الإسرائيلي الأخير غزة؟ فلعقود ظلَّت الصين بعيدة عن الصراعات المستعصية في الشرق الأوسط، لكن هذا تغير في السنوات الأخيرة، حيث تحاول بكين التوفيق بين نفوذها الاقتصادي والنفوذ السياسي الذي ترغب في تحقيقه، ويهدف هذا التحول جزئيًّا إلى حماية المصالح التجارية الصينية، ولكنه يهدف أيضًا إلى تأمين الدعم من الدول العربية لمزيد من الصعود الصيني على ساحة القوى المهيمنة على النظام العالمي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك على الرغم  من أنه قد يكون لبكين مصلحة اقتصادية أكبر بكثير في الحفاظ على علاقات جيدة مع إسرائيل فهي شريك تجاري كبير مع الصين.

أما بالنسبة لموقف إسرائيل من التصريحات الصينية فقد رفضتْها وأكَّدت على رفضها جهود الصين لتقديم نفسها كوسيط محايد، حيث قال يوفال واكس، وهو أحد المسؤولين في السفارة الإسرائيلية في بكين، للصحفيين في 8 أكتوبر، في اليوم التالي: “عندما يُقتل الناس، ويُذبحون في الشوارع، فهذا ليس الوقت المناسب للدعوة إلى حلِّ الدولتين”[20].

ويمكن إجمال كلٍّ من الموقف الروسي والصيني في أنه أكثر توازنًا ومؤيدًا لفكرة وقف إطلاق النار والعمل على حلِّ الدولتين، لإحلال السلام في الشرق الأوسط، فلم تُدِن الدولتان الهجوم على إسرائيل بشكل مباشر كما فعل الغرب، ووصفتا  العدوان الإسرائيلي على غزة بـ”العقاب الجماعي”. وأثارت التحركات الصينية الروسية التساؤلات حول دورهما في هذه الأزمة، وهل ستلعبان دور الوسيط لحل القضية الإسرائيلية الفلسطينية؟ فقد قال مسؤول صيني إن الصين وروسيا تشتركان في نفس الموقف بشأن القضية الفلسطينية وتخططان لمحاولة العمل معًا لتهدئة الوضع والمساعدة في تحقيق حلِّ الدولتين لإسرائيل والفلسطينيِّين[21].

خاتمة:

وقفت كل من روسيا والصين على طرفي النقيض مع الموقف الأوروبي والأمريكي من حركة المقاومة الإسلامية حماس فلم تقم أيٌّ منهما بإدانتها، ودعتا إلى الرجوع للحلول الدبلوماسية وعقد مؤتمرات سلام وحل الدولتين. وبالنسبة للموقف الروسي، فقد تطوَّر مع تطوُّر العدوان على غزة فبعد أن كانت تصريحات الكرملين كما وصفها البعض بأنها منفصلة عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة، دخلت روسيا بعد ذلك على خط حلِّ الأزمة وعرضت نفسها للوساطة ووقف إطلاق النار، وحذَّرت من خطر امتداد الحرب إقليميًّا.

الموقف الروسي كذلك بعد الحرب على غزة أخذ يركِّز على تحويل الاتهامات الدولية إلى الغرب وإضعاف جهوده في عزل روسيا، وقد أظهر ذلك أنه لم يعدْ من الممكن النظر إلى أي إجراءات تتَّخذها روسيا في الشرق الأوسط بمعزل عن الحرب في أوكرانيا وعلاقات روسيا العسكرية مع إيران. وفي المقابل فلن يسمح الغرب لموسكو بالدخول لتلك المنطقة أو التوسُّط في الأزمة، وتبذل الولايات المتحدة والغرب أقصى جهودهما لمنع تطوير العلاقات الروسية في المنطقة العربية الأفريقية.

أما فيما يتعلق بالموقف الصيني، فلم تُدِنْ أيضًا حركة حماس، ودعت لتحقيق حل الدولتين وحماية المدنيِّين والسعي للتوصل لوقف النار؛ مما أثار حفيظة الكيان الصهيوني، ودعت الصين كذلك لمؤتمر دولي للسلام، كما بدأت بالفعل الحديث رسميًّا عن وساطة بجانب الدول العربية المعنية بالملف وصاحبة التأثير مثل مصر والسعودية والإمارات.

هوامش

*  باحثة في مركز الحضارة للدراسات والبحوث.

[1] رائد جبر، حرب غزة… ورقة بوتين لتصعيد حملته السياسية على الغرب، الشرق الأوسط، 13 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/c5TXo

[2] بوتين: الحرب في غزة مثال على فشل واشنطن في الشرق الأوسط، الغد، 10 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/LDI15

[3] بوتين يعلق على عملية برية إسرائيلية محتملة في غزة وما ستواجهه، CNN بالعربية، 13 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/Bmawa

[4] رائد جبر، مرجع سابق.

[5] بوتين يحذر من حرب إقليمية.. و”زيادة كارثية” لعدد ضحايا غزة، Skynews عربية، 16 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/bzV2E

[6] مجلس الأمن يفشل في تبني مشروع قرار لوقف إطلاق النار بغزة، الجزيرة، 17 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/oEEAV

[7] فشل مشروع قرار برازيلي حول غزة وإسرائيل في مجلس الأمن بعد استخدام الفيتو، أخبار الأمم المتحدة، 18أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/cQIXt

[8] محمد فريد، روسيا تقدم 27 طنا من المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، وكالة الأناضول، 19 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/d6uuV

[9] شادي عبد الساتر، أين تقف روسيا من الحرب بين إسرائيل و«حماس»؟، الشرق الأوسط، 21 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/FFHVS

[10] شادي عبد الساتر، مرجع سابق.

 [11] حنان أبو سكين، المواقف الإقليمية والدولية من الحرب على غزة .. المحركات والدوافع، السياسة الدولية، 22 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/i4Rnu

[12] روسيا تدعو إلى عدم توسع رقعة الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، يورو نيوز، 12 أكتوبر ٢٠٢٣، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4ntf9vjw

[13] Stephen M. Walt, America Is a Root Cause of Israel and Palestine’s Latest War, Foreign Policy, October 18, 2023, available at: https://tinyurl.com/y7ap98su

 [14] ستيف روزنبرغ، بوتين يتطلع إلى استغلال الصراع بين إسرائيل وحماس، BBC NEWS عربي، 14 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ryM13

[15]  الرئيس الصيني يستقبل مصطفى مدبولى بقاعة الشعب الكبرى، اليوم السابع، 19 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/45P0pdI

[16] الصين تدعو لعقد مؤتمر دولي عاجل حول القضية الفلسطينية، العربية، 24 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/4wlO9

[17] الخارجية الصينية: الصين تأسف بشدة لسقوط قتلى وجرحى مدنيين في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، صحيفة الشعب الصينية. 10 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: http://arabic.people.com.cn/n3/2023/1010/c31664-20081512.html

[18] Christian Shepherd and Lyric Li, Where China stands on the Israel-Gaza war and what it stands to gain, The Washington post, October 22, 2023, available at: https://cutt.us/y7FWf

[19]السيد صدقي عابدين، دلالات الموقف الصيني من التصعيد في الشرق الأوسط،  مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 10 أكتوبر 2023،  متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/7M4xI

[20]Associated Press, China and Russia plan to work together for a two-state solution for Israel and the Palestinians, The Washington post, October 20, 2023, available at: https://cutt.us/SrK3h

[21] حسين قايد، تنديدات وتحركات دولية…هل تنجح روسيا والصين في وقف الحرب على غزة؟، المشهد، 15 أكتوبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/490LQ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى