الولايات المتحدة وأوروباد. نادية مصطفى

أزمة الحجاب في فرنسا: ملامح خطابات رسمية وبرلمانية فرنسية.. السياق والملامح

لقد اخترت لنفسي منهجًا مركبًا بعض الشيء، لكن سأحاول أن أسكِّن مداخلتي الآن في سياق ما تم عرضه من قبل، لقد أثارت الجلسة الماضية عدة نقاط مهمة سأبني طرحي عليها. وابتداء من محاضرة الدكتورة باكينام ثار سؤال حول: هل العلمانية تمر بمرحلة انتقالية تتطلب منها التكيف الآن كما تكيفت من قبل، حين انتقلت من مرحلة العلمانية النضالية إلى علمانية التهدئة، أم ستتجه الآن انطلاقًا من الاعتقاد بأن العلمانية الفرنسية قد فشلت في إدماج المسلمين، إلى مزيد من الصلابة والتشدد والدفاع عن أمور معينة تجعل العلمانية تبدو في نظر البعض أنها أضحت بالفعل دينًا مقدسًا للفرنسيين؟
السؤال الثاني هو: ما درجة وحجم الخطورة التي يمثلها المسلمون على العلمانية، أو بصياغة أدق بعض ممارسات المسلمين وبخاصة الحجاب؟ ومن ثم يثور السؤال: هل المسلمون مستهدفون كمسلمين وكوجود مسلم، أم أن هناك أسانيد لهذه الخطابات المبررة للقانون ترى أن في الحجاب تهديدًا فعليًا للعلمانية وللاندماج وفق النموذج الفرنسي؟
والسؤال الثالث هو: هل هناك اتجاهات تقول بألا يقتصر الأمر على المدارس الحكومية أو على هذا العدد المحدود من الطالبات المعنى بهذا الأمر، وهو لا يتعدى 1200 طالبة – خمس منهن فقط حسب قول الدكتورة ليلى عنان هن اللاتي أثرن المشكلة – أم أن الأمر يجب أن يتعدى ذلك إلى مناطق أخرى من المجال العام؟
السؤال الرابع: ما هي المعايير التي تجعلنا نقول أن هذه الممارسات تعدت الحدود المسموحة بها في العلمانية الفرنسية، وأنها لذلك أضحت مهددة للنظام العام ومبادئ الجمهورية؟
السؤال الخامس: هل جرت نقاشات حقيقية في المجال الفرنسي العام – بكل مستوياته – حول هذا القانون ترتب عليها إدخال تعديلات على مشروع القانون، أم أن الأمر محسوم ومحدد منذ بدايته؟ وهل القانون هو ورقة سياسية في يد وسط اليمين الذي يمثله الحزب الحاكم أو اتحاد الأحزاب الحاكمة الآن في فرنسا في معركتها أمام اليمين المتطرف؟ وهل يدل ذلك – كما يقولون – على أن القانون يهدف إلى حماية المسلمين أنفسهم من اليمين المتطرف، مخافة أن يصل هذا اليمين المتطرف إلى الحكم في فرنسا فيلقي بالجميع في البحر؛ مرتدين أو غير مرتدين للحجاب من المسلمين والعرب من كافة طوائفهم؟
السؤال السادس: ما المقصود بالإسلام الفرنسي؟ وبالتالي ما هو فهم الفرنسيين للإسلام؟ وعن أي نمط من الفهم للإسلام يركزون ويبرزون ويبنون عليه تحليلاتهم بأن هناك خطورة؟ وهل هناك فهم آخر للإسلام لا يستدعونه ويمكن أن يقلل مخاوفهم، أم إنهم يريدون بالفعل أن يكون هناك وفق مسماهم ما يسمى الإسلام الفرنسي أو الإسلام غير المضاد للحداثة وللديمقراطية؟ وما معايير هذا؟
السؤال السابع: هل نستطيع أن نكتشف بيننا وبين الرافضين لمشروع القانون من الفرنسيين، أو من الرافضين لمنع الحجاب في ألمانيا، قواسم مشتركة؟ وكيف يمكن أن نوظف هذه المناطق المشتركة بيننا وبينهم، لبيان أنه يمكن أن نتحاور مع أطراف محلية في الدائرة الفرنسية الأوروبية، ولكي ننقل إليهم مفاهيم معينة عن الحجاب وعما يتعلق بهذه القضية؟
وأخيرا،ً ما هي عواقب هذا القانون، هل صحيح أنه سيؤدى إلى مزيد من الاندماج أم أنه ربما قد يؤدى إلى اتجاه معاكس؟
وهناك أسئلة أخرى كثيرة تطرح نفسها من واقع مداخلات الجلسة الماضية، واعتقد أنها تمثل خطًّا أبني عليه مداخلتي التي أعددتها مسبقًا. ولقد شغل تفكيري خلال هذا الإعداد كوني مسلمة ارتدى الحجاب، وإذا قلت أنني أرفض القانون كما قالت كثيرات ممن يرتدين الحجاب، سيقولون أن هذا دفاع عن الحجاب بحماسة وانفعالية، وبخاصة أن هناك كثيرًا من الممارسات ضد الحجاب من قبل، في دول عربية وإسلامية ولم تحدث هذه الإثارة، ولم تخرج ضدها السيدات المسلمات رافضة لهذا الأمر، وبالتالي كان لابد باعتباري باحثة في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، أن أجد لنفسي منهجًا أحاول به أن أتبين حقيقة الأمر، ولا اقتصر على تقديم إجابة بسيطة تختزل الأمر في القول بمعاداة الفرنسيين للإسلام أو القول أن هذا شأن الفرنسيين وخيارهم، وأن هذا نظامهم وأنهم أحرار فيما يفعلونه، وبالتالي هناك مداخل مختلفة حاولت مناقشة هذه القضية لتقديم إجابة منطقية وعقلية، ابتداء من الأطروحات التي قدمت في الجلسة الماضية، أو من الأطروحات التي قدمتها الدكتورة ليلى عنان، وهي تمثل أحد الاتجاهات أو المدارس في مناقشة هذا الأمر يرتهن أو يقوم على رؤية معينة لدراسة الحضارة الفرنسية وعلاقتها بالمسلمين عبر التاريخ وحتى الآن.
وقد اخترت لنفسي منهجًا آخر، وهو القراءة في عدة أمور؛ من ناحية السمات العامة للسياق وللبيئة التي أفرزت هذا القانون، من ناحية ثانية سمات ومفردات مجموعة من الخطابات الرسمية والبرلمانية، وأخيرًا وبناء على هذه القراءة ، في هذه المنظومة من الأفكار والمفاهيم من داخل الطرح الفرنسي بمستوييه(*)، أحاول أن أتلمس نقاطًا تمكنني من مناقشة هذه المقولات واستيضاح أو فهم ما هو مبررهم لمنع الحجاب، وما أسبابه الحقيقية.
(1) في الواقع لن أخوض في الحديث عن سمات البيئة العامة التي تحيط بالموضوع في داخل فرنسا، وهي التي تتصل بخصوصية النظام الفرنسي؛ أولًا من حيث نموذجه في الإدماج، وهو نموذج مخالف للنموذج الأنجلوسكسوني والنموذج الألماني[1].وثانيًا من حيث نموذجه في العلمانية واختلافه عن نماذج علمانية أخرى، وبالتالي موقع الدين من هذا النموذج العلماني الفرنسي، ولقد أفيض في شرح هذه النقطة في بحوث سابقة[2].
ولكن النقطة التي سوف أركز عليها – بهذا الصدد- ووفق دراسة متميزة[3] هي أن هناك تطورًا لوضع الأديان في فرنسا يظهر عدة خصائص تشير من ناحية إلى تراجع في الكاثوليكية، وفيما يتصل بالإسلام من ناحية أخرى شرحت الدراسة كيف أنه يمثل تحديًا للنظام العلماني الفرنسي وبينت أسباب ذلك التحدي الذي يرتبط بالفشل في الاندماج نتيجة أسباب اجتماعية واقتصادية، ولكنها لم تقترح أن يكون هناك قانون لحل مشكلة معينة، بل إنها ربطت الموضوع بقضية الاندماج بصفة عامة، وأشارت الدراسة بمنتهى الوضوح أن النظام العلماني في فرنسا يمر بمرحلة انتقالية، وعليه أن يختار أحد خيارين؛ إما التكيف مع معطيات التنوع الثقافي الجديد، أو يظل على صلابته ونضاليته ولا يستجيب لتطورات هذا العصر التي يفرضها عليه هذا الأمر. وتنص خاتمة الدراسة على ما يلي “وبغض النظر عن المشاكل الخاصة بالإسلام فإن التساؤل الرئيسي في واقع الأمر، يتعلق بالعلمانية ذاتها وقدرتها على تطويع قيمها وممارساتها وأحكامها القانونية لتتماشى مع الساحة الدينية ذات التعددية التي بات يتعين من الآن فصاعدا ًمجاراتها”.
ومن هذا المنطلق وعلى ضوء هذه الملامح السريعة للسياق العام القضية لابد من طرح السؤال: ما الذي اختاره النموذج الفرنسي؟ تكيف العلمانية أم فرض قواعد جديدة على الأديان لتتكيف مع العلمانية؟ وهل هذا الفرض يساوى بين الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، أم يتحيز ضد أحد – أو يأتي على حساب أحد – وهو الإسلام خاصة؟ هل قانون منع الرموز أو الحجاب ضرورة تفرضها متطلبات الحفاظ على أيديولوجية النظام – العلمانية – وما هي المبررات؟

(2) ملامح خطابات رسمية وبرلمانية:

إذا كانت البحوث والمداخلات السابقة قد قدمت إجابات على هذا التساؤل المطروح عاليًا، إلا أنها انقسمت بين اتجاهين: أحدهما يقبل مبررات القانون باسم خصوصية النظام الفرنسي، والثاني يرفض هذه المبررات استنادًا أيضًا إلى خصوصية مبادئ هذا النظام. ولذا فإن مداخلتي ستحاول المراكمة ولكن من منحى آخر وبالرجوع إلى مصادر رسمية وبرلمانية أساسًا، ومن ثم تقديم قراءة منظمة في خطابات هذه المصادر. والهدف الأساسي الذي حكم منهج القراءة ونتائجها هو استكشاف مدى إمكانية مناقشة الحجج والمبررات الرسمية والبرلمانية المؤيدة للقانون من خارج أم من داخل منظومة قيم النظام الفرنسي ومفاهيمه الأساسية مثل: الأمة الفرنسية، روح الأمة، مبادئ الجمهورية، مبادئ العلمانية، حياد الدولة…

المجموعة الأولى: خطابات الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الموجهة إلى ملتقيات ومحافل حوار الثقافات وحوار الحضارات. وتقود فرنسا زمام الدعوة إلى هذا الحوار في المحافل العلمية والرسمية، حيث يعترف ممثلوها بأهمية الأبعاد الثقافية والروحية في العالم الآن، وهذه الخطابات تدعو إلى التسامح والقبول والتنوع وعدم الانغلاق وعدم الانعزال. وفي خطاب من خطابات شيراك4 التي تتصل بحوار الحضارات أو صراعها يتبين رفضه وإدانته لطرح الصدام باعتباره الأكثر عنفًا بين أطروحات الصدام السابقة، لأنه يعني الصدام بالعنف بين الثقافات والأديان. وهو يرى أنه صدام تغذيه كل أنواع الخوف والأحقاد وعواقب العولمة وما يصاحبها من اختلالات اقتصادية واجتماعية ومن تأثيرات على الهويات والثقافات. وكما يرى شيراك أن الحل يكمن في ثلاثة أمور: أولهم بذل الجهود الجماعية الدولية لتخفيض الصراعات التي تغذي الأحقاد وتعطي المبررات لخطابات العنف التي تسمم الحياة الدولية، ولحل هذه الصراعات وفق القانون الدولي. وثانيهم مكافحة الإحباط والمخاوف والانغلاق على النفس، وتخفيض أشكال عدم المساواة بين الشمال والجنوب من خلال مكافحة الفقر، ودعم حقوق الإنسان، وتفعيل التضامن الدولي. وأخيرًا يرى شيراك ضرورة العمل على تراجع اتجاهات الانغلاق وعدم التسامح في القلوب والعقول والتي هي نتاج الجهل، مع تدعيم اتجاهات احترام كل الثقافات والاعتراف بالتنوع لدى الشعوب الأوروبية وعلى صعيد علاقاتهم مع شعوب العالم. لأن الثقافات تشكل الهويات، تصلح من الروح، وهي الجذور التي يستند إليها المستقبل ولهذا أهمية احترام الحوار و الاحترام المتبادل.
وأضافت خطابات لوزير الخارجية الفرنسي إلى هذه التوجهات الرئاسية مبينة مثلًا دوافع الحاجة إليها، من وجهة النظر الفرنسية الرسمية. وفي إحدى هذه الخطابات(5) أوضح وزير الخارجية الفرنسي أن العالم يمر حاليًا بلحظة حاسمة بشأن مجموعة من التساؤلات المتصلة بالعلاقة بين الحضارات من قبيل “هل تعدد الحضارات لا يتعارض مع الحضارة التي حدد هويتها فلاسفة التنوير أي الحداثة الغربية؟ وهل الحداثة ومتطلباتها لا تتعارض مع ما يمثل جوهر الحضارات الأخرى أي الهويات، الأديان، الثقافات؟ ولهذا كله يرى الوزير الفرنسي ومن واقع هذه الأسئلة تنمو أوجه القلق حول مستقبل العالم الغربي. لأن الحضارات يمكن أن تكون ساحة مواجهة أو لقاء. ومن ملامح الحركة الفكرية و العملية التي طرحها خطاب الوزير الفرنسي والتي ترسم التشخيص والحل في آن واحد ما يلي: من ناحية: خطأ النظر إلى حركات الإرهاب باعتبارها حركات مواجهة بين الشرق والغرب، وأعمال العنف ليست إلا مؤشر تحذير، لأن الاضطرابات الظاهرة تخفي أوضاعًا عميقة وخطيرة، حيث أن فجوات التنمية ازدادت عمقًا ولم يعد من الممكن تحملها بل أضحت مصدرًا للإحساس بالظلم والإحباط، ناهيك عن عواقب استمرار الصراعات الإقليمية بدون تسوية، ومن ناحية أخرى، أن صراع الحضارات ليس إلا فخ يريد الإرهابيون جر العالم إليه ولأن حرب الهويات لابد أن تؤدي إلى عدم استقرار العالم، ومن ثم فإن العالم اليوم عليه أن يدرك متطلبات الشعوب (احترام الهويات، لأن الأفراد والمجتمعات والعقائد الإيمانية تريد الاعتراف بها في إطار خصوصيتها، ضرورة تشجيع عملية تحديث دول الشرق الأوسط نحو الديمقراطية والعمل من أجل التنمية الاقتصادية والأمن الجماعي وحوار الثقافات).
وفي خطاب آخر لوزير الخارجية الفرنسي(6)، يتطرق إلى موضوع العلاقة بين الدين والدولة وموضوع الاجتهاد في الإسلام فيشير وزير الخارجية الفرنسي بأن الإسلام قابل للاجتهاد حوله، وأن هناك حركات للاجتهاد وأنه ليس هناك طبعة واحدة منها، و أن هناك اتجاهًا في المراجعات للفصل بين الدين والسياسة في الإسلام، يجب أن تدعمها فرنسا. ومن أهم ما طرحه قوله إن المقاومة في العالم الإسلامي ضد هيمنة الثقافة الغربية تثبت وتتضح من خلال الرهان المتعلق بالهوية.
وبالمقارنة بين هذه الخطابات والخطابات التي عرضت في الجلسة الماضية من الندوة نجد أن هناك مطالبة فرنسية بأن يحل الإسلام التناقض بينه وبين الحداثة والديموقراطية، وأن هناك دعوة فرنسية إلى تقديم نوع من الإسلام الجديد؛ الإسلام الفرنسي وليس الإسلام في فرنسا. ولكن ما هو المفهوم الفرنسي الرسمي عن الاجتهاد، واجتهاد من وما موضوعه، وأليس المطلوب أيضًا تجديد الخطاب العلماني الفرنسي؟ وتثور هذه الأسئلة من واقع ما ينص عليه هذا الخطاب لوزير الخارجية من قبيل: “إن مبدأ الفصل بين الدين والسياسة موجود في قلب كتابات المفكر المصري علي عبد الرازق منذ مطلع القرن العشرين. واليوم، أصبحت هذه الضرورة في المضي قدمًا بالتفسيرات الدينية، دون المس بأسسها، وتكييفها مع عالم يتغير باستمرار، مطلب العديد من المفكرين، من محمد طالبي إلى برهان غليون أو إياد بن عاشور. إن قيام هذا الجدل في قلب العالم الإسلامي يشهد بوجود حوار نوعي بعيدًا كل البعد عن الشكل الكاريكاتوري الذي غالبًا ما يشوه به الإسلام”…… “إن المقاومة في العالم الإسلامي تتثبت وتتضح من خلال ذلك الرهان المتعلق بالهوية: فلنحرص على ألا نخلق تصدع حقيقي وأن نتفادى إعطاء الانطباع بأن الحداثة والدين يمكن أن يتعارضان في المستقبل. وإذا ما تشبث الغرب بتفوقه التكنولوجي، فهو سيجازف بأمرين معًا إثارة أشكال جديدة من التناقض وإعطاء صورة قاتمة عن الحداثة التي هي على خلاف ذلك رمزًا للتعليم والتقدم والتسامح والانفتاح. وفي عالم تشكل فيه الهوية مفتاح العلاقات بين الشعوب، علينا أن نحرص، دون أن تتوارى الحداثة، بألا نجعلها تبدو كمنافس للتقاليد والديانات. علينا أن نتحلى بمزيد من اليقظة حيث أن الأصولية الدينية تسعى لكي تكون علاجًا مغريًا في مواجهة خطر تشنج المجتمعات. إن الأصولية ليست حكرًا على الإسلام وهي شكل من أشكال الهوية المتقوقعة الأكثر تطرفًا وبلورة هي الأكثر حدة لها. إن الإسلام والمسيحية اليوم ديانتان لا عنف فيهما: ويمكن للمتعصب أينما وجد أن يستقي من الدين حجة للانحراف نحو عدو التسامح.”
إن القراءة في هذه النماذج من مفردات الخطابات، وعلى ضوء خصائص السياق الفرنسي السابق الإشارة إليها في مقدمة العرض، ومن واقع البحوث السابقة في الندوة، تثور هذه التساؤلات:
هل خطابات حوار الثقافات تنطبق عبر الحدود الفرنسية فقط وليس لها محل من الإعراب في الداخل الفرنسي؟
وهل تقديم النصح والإرشاد يقتصر على “الداخل لدينا وعلى النطاق العالمي، وما وضعها في الداخل لديهم”؟ ومن ثم هل الاندماج لديهم هو الحل في حين أن التسامح والتعددية والحوار هو الحل أمام الآخرين؟
هل حالة مجتمعاتنا ونظمنا تعطي لهم المبرر لاقتراح الحلول (التي قد لا تتفق ومنظومة قيمنا)، كسبيل لعلاج مشاكلنا ومعها مشاكل العالم؟ وهل النظام والمجتمع الفرنسي بقيمهم ومؤسساتهم تعلو على النقد من الخارج ويتمسك بمنظومة الداخل؟ وهل هذا الوضع يعكس تناقض أم تعال أم هو معايير مزدوجة؟
ولماذا ليس هناك إشارة إلى أن صراع الثقافات يوجد في الداخل “الغربي” أو الفرنسي أيضًا سواء من جانب الفرنسيين أو من جانب مسلمي فرنسا نتاج ممارسات فرنسية تتصل بتقييد حريات أساسية دينية؟

المجموعة الثانية من المفردات هي تلك الخاصة بالمسلمين في فرنسا، منها مثلًا حديث وزير الخارجية الفرنسي حول مجلس تمثيل الديانة الإسلامية(7) بيان ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي بعد زيارته للأزهر(8)، حديث رئيس الوزراء الفرنسي أمام هيئة تمثيل اليهود في فرنسا(9)، ومن واقع قراءة هذه الخطابات فهي تبرز النقاط التالية:
النقطة الأولى: أن الإسلام والمسلمين يمثلون مشكلة، وتقع المسئولية عليهم في ذلك، نظرًا لممارساتهم السلبية ولانقساماتهم وتخلفهم، في حين يبدو من خطاب رئيس الوزراء الفرنسي عن العداء للسامية ضد اليهود أن مسئوليته لا تقع على اليهود وإنما على المجتمع الفرنسي، واليهود براء منه.
ومن ثم فإن علاج أزمة المسلمين-كما تقدمه هذه الخطابات- يكون بإسلام عصري حداثي، من خلال هيئة تمثيلية للمسلمين، حيث كما قال ساركوزي تقوم مثل هذه الهيئة بتمثيل ديانة تقبل التنوع والتعددية، ومن ثم تساعد على تفادي الوقوع في خطأ التعامل مع إسلام رسمي قد يتعارض مع أسلام آخر شبه رسمي، وعلاج وضع الإسلام المتأزم حاليًا وإظهار وجه ليبرالي أو عصري للإسلام في مقابل المفهوم الذي يدافع عن بعض الأئمة والذي لا ينسجم مع القيم الجمهورية. أما أزمة اليهود فيرى رئيس الوزراء الفرنسي أن حلها يقتضي علاج مصادر الحقد عليهم لدى الآخرين ومكافحة العداء للسامية. إذًا الرؤية الرسمية الفرنسية تلقي بالمسؤولية على المسلمين وعلى فهمهم وممارساتهم التي لا تستجيب لمتطلبات النظام الفرنسي، في حين أن اليهود تنبع مشاكلهم من الإطار المحيط بهم. وبناء عليه يستوجب على فرنسا أن تتدخل لدى المسلمين – فيما يخص ممارساتهم – في حين عليها أن تتدخل في المجتمع الفرنسي ذاته من أجل اليهود.
النقطة الثانية: أن الإسلام ليس هو المقصود، وليس المسلمون فقط هم المقصودين، وليس هناك من قصد إلا الحجاب فقط وفي المدارس العامة أساسًا، وأن حظر الحجاب خيار فرنسي، وهذه هي الواجبات التي على المسلمين أن يقبلوها، في مقابل حقوقهم التي يحصلون عليها من العيش في فرنسا. ومن ناحية أخرى ليس هناك أي إشارة إلى أن هذا الحجاب – كما يقول المسلمون الذين حاولوا إقناع أو محاورة الفرنسيين – فريضة و ليس مجرد رمز. ومن ثم تصبح حماية العلمانية أهم من احترام حرية ممارسات العقيدة الدينية. وفي هذا قال وزير الداخلية الفرنسي عقب لقائه بشيخ الأزهر:” إننا في فرنسا حريصين على مبدأ العلمانية، والعلمانية هي الحيادية في مجال التعليم الرسمي العام التي تنطبق على الجميع. ليس في الأمر إشارة للمسلمين تحديدًا، فالعلمانية تنطبق على الكاثوليك وعلى اليهود وعلى سائر أتباع الديانات. في المدرسة الحكومية الفرنسية لا يجوز التباهي بمظاهر تدل بوضوح على الانتماء لديانة ما. لا يتعين النظر لهذا الأمر وكأن فيه مهانة أو إذلال لأي كان، كما لا يتعين أن ينظر إليه وكأنه قلة اعتبار لدينكم. يجب أن تتفهموا بأن العلمنة هي تقليد في صميم تقاليدنا الفرنسية، وهو خيارنا.”
وأليس في هذه العبارة دليل على حوار الطرشان؟ كيف يتم النيل من فريضة دينية مع القول بأن هذا ليس فيه قلة اعتبار بالدين؟ ألا يتحقق يهذا مخالفة لأحد أهم مبادئ العلمانية التي يعلن الفرنسيون التزامهم بها ألا وهي حرية الأديان وحمايتها وذلك بفصلها عن الدولة، وألا يعني هذا تحيزًا ضد الإسلام بعينه بالرغم من تكرار الإعلان أن الإسلام ليس هو المقصود بهذا القانون على أساس أن العلمانية المصحوبة بالحياد هي شرط تمتع كل الأديان بإمكانية التعبير عن نفسها؟
النقطة الثالثة: تجاهل وجود تأثير سلبي للقانون على العلاقات الفرنسية العربية، بل عدم التطرق على الإطلاق لهذه الآثار بل وتجاهل السؤال المعني بها، مع إنكار أن هناك انتقادات ثم توجيهها إلى وزير الخارجية الفرنسي خلال جولته في منطقة الخليج في يناير 2004 لشرح أبعاد هذا القانون(10).

المجموعة الثالثة من الخطابات: هي تلك الخاصة بصميم المشكلة ورؤية الاتجاهات البرلمانية لها ويقدمها بيان رئيس الوزراء الفرنسي الذي افتتح جلسات نقاش الجمعية الوطنية الفرنسية للقانون(11)، وكذلك محاضر هذه الجلسات التي تسجل المناقشات في الجمعية الوطنية والتي استمرت ما يقرب من الأسبوع وشارك فيها النواب من جميع الاتجاهات السياسية الفرنسية(12).
ويتبين لنا من قراءة هذه النصوص مجموعتين من الإشكاليات: تلك التي تعيد طرح رؤية النظام الفرنسي لأسسه ومبادئه وكيفية حمايته، والأخرى التي تثير العلاقة بين الاندماج والعلمانية وموضع الحجاب وممارسات المسلمين من هذه العلاقة. ومما لا شك فيه أن استكشاف العلاقة بين المجموعتين ذات دلالة في الإجابة على السؤال التالي هل الحجاب يهدد الاندماج من خلال تهديده للعلمانية؟ ومن ثم هل منعه سيحل مشاكل الاندماج؟
من ناحية: في بيانه أمام الجمعية الوطنية، بدأ رئيس الوزراء الفرنسي حديثه على النحو الذي يبرز التصميم والإرادة القوية الواعية للدفاع عن قيم الجمهورية وعدم التهاون في هذا الشأن، لأن التهاون سيكون بمثابة خطيئة لا يمكن قبولها، ولأنه لا يمكن المساومة في أي تحد تواجهه قيم الجمهورية، بل يجب جعل الآخرين يفعلون ما تريده الجمهورية فلقد قال “إن القدرة على استمرار القيم التي تؤسس الجمهورية هو بمثابة القوة الكبرى لجمهوريتنا.. القضية التي يطرحها القانون….هي قضية استمرارية قيمنا وكذلك قدرتنا على جعل هؤلاء الذين انضموا إلى الجمهورية حديثًا واصبحوا اليوم فرنسيون، جعلهم يتقاسمون معنا هذه القيم….أنها أخيرًا قدرة الجمهورية على التحرك من أجل معتقداتها وبدون ضعف.. أن الاندماج هو عملية تفترض إرادة متبادلة، أنه حركة نحو قيم، أنه اختيار طريقة للحياة، أنه تبني لطريقة معينة للنظر للعالم، هي طريقة فرنسا….
هذه الرؤية للعالم، حيث يستقل الدين عن السياسية، وحيث الدولة محايدة، وحيث كل الأديان موضع احترام، هذه الرؤية للعالم، يجب اقتسامها بين جميع من يعيشون في فرنسا، أيًّا كانوا.. وواجبنا هو أن نخلق شروط هذا الاقتسام لهذه القيم….
وهذا الطموح يستبعد كل تنازل.. ولهذا يجب أن نظل حازمين بصدد قيمنا الأصلية….
وقيم الجمهورية الثلاثة (الحرية، المساواة، الإخاء) توجد في العلمانية. والعلمانية الفرنسية لا ترفض الدين.. وتحقق العلمانية حياد الدولة ومؤسساتها.. وبالنسبة للإسلام أحدث الأديان في فرنسا، فإن العلمانية تمثل فرضة له أن يصبح دين في فرنسا….وفي الجمهورية الفرنسية لا يمكن أن يكون الدين مشروع سياسي.. بعض الرموز الدينية في المدارس الفرنسية، وبينهم الحجاب الإسلامي تتضاعف وتأخذ مغزى سياسي، ولا يمكن اعتبارها رموز شخصية لانتماء ديني..
وأمام تساؤل البعض عن مآل هذا الوضع فإن الإجابة هي أنه حان الأوان لتعيد الجمهورية تأكيد مبادئها الكبرى ووضع حدود واضحة وعملية وإجرائية. وسكوت الجمهورية تجاه هذا الموضوع سيمثل غيابًا لها، ولذا من الطبيعي أن يعبر البرلمان عن هذه القيم الأصلية للجمهورية.. يجب اليوم أن نعيد تأكيد قوة قيمنا، قوة العلمانية الجمهورية.. لأن من الخطأ عدم فعل شيء..
وأمل أن تكون سياسة العلمانية سياسة متوازنة.. والقانون هو نقطة بداية وليس نقطة نهاية.. يجب أن تعالج جذور المشاكل وليس عواقبها. ولهذا نحن نحارب بفعالية وعمق التوجهات الجماعية cammunautarismes التي تهددنا.. ومن أجل مواجهة فشل الاندماج.. العلمانية في قلب الجمهورية.. ويجب اليوم أن ندعم قوتها.. ولهذا أدعوكم جميعًا أي كانت خياراتكم السياسية بالالتفاف حول هذا المشروع الذي يترجم ثقافتنا في الجمهورية وإرادتنا الوطنية في العيش معًا….”
إن المفردات السابقة، إلى جانب ما تظهره الإرادة الواعية والقوية على حماية قيم الجمهورية، تطرح أيضًا أبعاد العلاقة بين الإسلام والتحديث. تثير هذه العلاقة الأسئلة التالية: هل منع الحجاب يحمي العلمانية الجمهورية ويحل مشاكل الاندماج؟
كذلك فإن القراءة في مناقشات الجمعية الوطنية الفرنسية أوضحت أمرين:
الأمر الأول: أن المدخل الأساسي لمناقشة القانون كان مدخل الاندماج من حيث مدى النجاح أو الفشل في تحقيقه وعلاقة ذلك بالعلمانية ومبادئ الجمهورية.
فلقد ظهرت تأكيدات على أن الاندماج في فرنسا يواجه مشكلة حقيقية ولكن من ناحية أخرى ثم أرجاع هذه المشكلة إلى فشل سياسات الحكومات المتعاقبة، ومن ثم لم يرجعوا فشل الاندماج إلى الدين فقط وانتقاله من المجال الخاص إلى العام، بل ارجعوه إلى أسباب متنوعة اقتصادية واجتماعية هي التي تشكل ما يسميه البعض “حالة الجيتو” التي يعيشها المسلمون. ومن ناحية ثالثة: دعت المناقشات إلى ضرورة إصلاح أحوال المسلمين وتوفير شروط الاندماج المختلفة.
وبناء عليه فإن قضية الاندماج –كما تم تناولها في المناقشات- قد تعدت قضية العلاقة بين الدين والعلمانية، كما أنها أكبر من مجرد العلاقة بين الحجاب والعلمانية. ولذا لابد من القول أن هذا النمط من التقييم لأسباب فشل الاندماج الذي ظهر في مناقشات الجمعية الوطنية لا يعطي المبرر لقبول القانون، بل يصبح السؤال هو لماذا الحاجة إلى هذا القانون الذي يمنع الحجاب بحجة حماية الجمهورية وحماية العلمانية وتحقيق الاندماج في حين تتعدد الأسباب الأخرى التي تعوق الاندماج؟ هل الحجاب مظهر لفشل العلمانية أم سبب لها؟ وهل هو عائق فعلي على الاندماج أم هو مناورة لجذب النظر بعيدًا عن مشاكل الاندماج الحقيقية وعلى رأسها التمييز ضد العرب من ناحية وسلوك بعض العرب ذاتهم من ناحية أخرى؟
الأمر الثاني: هو الازدواجية التي اتسمت بها الخطابات البرلمانية. فبالرغم من الاعترافات المتكررة بأن مشاكل عدم الاندماج متجذرة وبأن الدولة مسئولة نظرًا لتخليها عن دورها الاجتماعي مما نال من العقد الاجتماعي للأمة الفرنسية ومن مبادئ العلمانية بصفة خاصة، وبالرغم من الاعتراف بأنه من الغريب الحديث عن حماية العلمانية في المدارس الحكومية في حين أنها غير مطبقة بصورة كاملة في المجتمع، نظرًا لأوجه التمييز المتعددة وعدم المساواة والبطالة، بالرغم من كل ما سبق إلا أن الاتجاهات التي رأت فائدة في إصدار القانون كانت غالبة فما هي أسانيدها؟ هل باعتباره سبيل لحل مشكلة الاندماج أم حماية العلمانية؟
من الملاحظ أن مدخل المناقشات للقانون كان مدخل الحجاب والإسلام بصفة خاصة وليس أوضاع اليهود أو المسيحيين. ومن ثم فلقد استندت المواقف المؤيدة لإصدار القانون على عدة أمور وهي ضرورة تأكيد العلمانية في المدارس في مواجهة الأصولية وعلو قيم الخصوصيات مقارنة بالقيم الأصلية للجمهورية، وأن حماية النشء في المدارس من أي تمييز هو مبدأ علماني وجمهوري أساسي.

كما اقتربت المناقشات من الحجاب بصفة خاصة من مدخلين أساسيين:

أولهما: الحجاب مشروع سياسي من جانب الأصوليين، ومن ثم فهو انتهاك للجمهورية وللعلمانية، وتحد لها، وتهديد أصولي لها يجب الوقوف أمامه بحسم، وأمام الجماعات الإسلامية الراديكالية التي تتبناه.
وثانيهما: الحجاب تمييز وقيد على المرأة وإكراه لها وتعبير عن دونيتها، ومن ثم فهو انتهاك لمبدأ المساواة والحرية وعائق أمام عملية الاندماج. وحتى من قال بقبول الحجاب كخيار خاص أو كتعبير عن إيمان يقول إنه يجب الموافقة على هذا القانون من أجل حماية العلمانية والديموقراطية في فرنسا، وعلى اعتبار أن المساواة بين المرأة والرجل مبدأ أساس في العلمانية الجمهورية، ومن أجل دعم مسيرة المرأة ونحو التحرر، ولذا اعتبر البعض أن القانون سيكون أيضًا بمثابة رسالة للمرأة في أفغانستان وإيران والسعودية.
بعبارة أخرى فإن الحجاب، وإن لم يعترفوا به كفريضة دينية، إلا أن اعتبار البعض له بمثابة حرية شخصية أو دليل إيماني لم يكن كافيًا لمنع صدور القانون، حيث تغلبت اعتبارات أخرى على رأسها الخوف مما تمثله الأصولية والانعزالية من تهديد لحياد الجمهورية، انطلاقًا من إدراك أن ارتداء الحجاب هو أصولية وانعزال.ولهذا لم يروا في القانون انتهاكًا لحرية ممارسات العقيدة بل رأوا فيه حماية لمبادئ حرية المرأة والمساواة بينها وبين الرجل (بالطبع من منظور العلمانية الفرنسية ورؤيتها للعالم التي من المفترض أن يتقاسمها جميع الفرنسيين) متناسين في ذلك قطاعًا عريضًا –بل وغالبًا من المسلمات يرتدين الحجاب بإرادتهن الحرة، وباعتباره أمرًا إلهيًا يحقق لهم- وفق مرجعيتهن حرية ومساواة وكرامة لا تقل عن تلك التي تدعى العلمانية توفيرها للمرأة غير المحجبة.
ومن ناحية أخرى: هل مجاهرة الحجاب بقيم الأصولية والمشروع السياسي الإسلامي (من وجهة نظر مؤيدي القانون)، أكثر من مجاهرة رموز أخرى بقيم وسلوكيات أخرى تحمل تهديدًا للأمن الاجتماعي والأخلاقي وأقصد بذلك رموز هي من صميم المجال الخاص أيضًا ولكنها اجتاحت الحدود بينه وبين العام بكل قوة وجرأة وباسم الحرية ولتحتل هذا المجال العام الذي من المفترض –وفق العلمانية الجمهورية أن يكون محايدًا. وهذه الرموز هي العرى والمتاجرة بجسد المرأة وغيرها مما تدينه قيم كل الأديان وأخلاقها، وهي الأديان التي تدعى العلمانية حمايتها من خلال حياد الدولة والتمييز بين العام والخاص. فهل تحولت العلمانية ذاتها إلى دين يعلو فوق الأديان؟ أن القانون يمثل نقطة تحول في العلمانية الفرنسية نحو علمانية معادية للإسلام، لأن الحجاب ليس دائمًا مشروعًا سياسيًا، وليس رمزًا دينيًا ولكن فريضة من صميم العقيدة والالتزام.
خلاصة القول، من واقع القراءة التراكمية في نصوص وتصريحات، وباستحضار الإشكاليات الخاصة بإدراك ماهية الحجاب، وبماهية علاقته بالأصولية والإسلام السياسي، وبماهية علاقته أيضًا بالاندماج ومبادئ الجمهورية العلمانية، يمكنني القول بأنني لم أجد مبررًا من داخل منظومة الخطابات الفرنسية –وفق قراءتي لها- لمنع الحجاب. لأن ما تم طرحه من مبررات ليس أساسيًا في حل مشكلة الاندماج، أو في علاج التهديدات للعلمانية ومبادئ الجمهورية بل أن هذا الطرح فيه نقض لحقوق الإنسان، وخاصة في ظل الفهم الحقيقي لمعنى الحجاب، (أي باعتباره فريضة دينية) بعيدًا عن الصور السلبية –في ذهن الفرنسيين، عما يسمى الإسلام الراديكالي. كما أن هذا الطرح المؤيد للقانون يعد من قبيل المناورة في مواجهة الأسباب الحقيقية لفشل الاندماج في فرنسا، وهو الفشل الذي يمثل تربة خصبة لنمو كل الأصوليات وليس الإسلامية فقط. وأخيرًا هل القانون هو إفراز آخر لتداعيات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وعواقبها على الوجود المسلم في أوروبا تحت حجة محاربة الإرهاب وجذوره في المجتمعات الأوروبية؟ فبعد القيود على الحريات المدنية للعرب والمسلمين انتقل الأمر إلى القيود على الحريات الدينية للمسلمين مما يدفع للتساؤل: ماذا بعد المدارس الحكومية؟هل سيأتي دور أماكن العمل والجامعات وغيرها..وهل سيمتد الأمر من الحجاب إلى مجالات أخرى؟
وأخيرًا هل تقدم قراءتي، أدلة منهجية وعلمية تدعم من أراء القائلين بأن القانون يعلن عن علمانية معادية للإسلام، وبمعنى أصح للأديان حيث أن الإسلام ما زال الدين “الحي” في فرنسا بعد ما أصاب الكاثوليكية واليهودية من موات، وذلك وفق ما شهده شاهد من أهل فرنسا(13)، وهل القول بأن إسلام فرنسا وممارسات مسلميها في أزمة وبحاجة لعلاج وتدخل من الدولة هو بداية المطاف على غرار ما حدث بين الكاثوليكية والدولة في فرنسا؟ وهل مقولات الاندماج هي مبررات استبعاد ما هو باقيًّا من الأديان في فرنسا، ويمثله زخم الإسلام الآن؟ أن مشهد الحجاب ليس إلا مشهدًا واحدًا من رواية ذات فصول متوالية، سابقة ولاحقة، عن تاريخ الإسلام مع أوروبا.
*****

هوامش الدراسة

(*) نص المحاضرة بعد تحريرها وتوثيقها.
(*) أشكر السيدة برنادت بشارة من القسم الصحفي في السفارة الفرنسية على ما وفرته من مادة علمية مترجمة إلى العربية، كما أشكر الباحثة ياسمين زين العابدين على جمع المادة العلمية من تصريحات ومقالات ومناقشات الجمعية الوطنية لمشروع القرار قبل التصويت عليه.

1- حول النموذج الفرنسي مقارنة بنماذج أوروبية أخرى للاندماج، وفي ظل خصائص الهجرة إلى فرنسا وتطور سياسات تنظيم الهجرة والاندماج، انظر: إيمانويل بيينيار، الهجرة إلى فرنسا (المصدر: القسم الصحفي، سفارة فرنسا في جمهورية مصر العربية).

2- حول الإطار العلماني للاندماج في الجمهورية الفرنسية، من حيث تاريخ نشأة العلمانية وتطورها من علمانية نضالية في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية، إلى علمانية التهدئة وحتى المرحلة الراهنة، وعلى النحو الذي يعالج إشكاليات العلاقة بين الدين والدولة في النموذج الفرنسي للعلمانية.
انظر على سبيل المثال جان بوبيرو: العلمانية، أستاذ في المدرسة العملية للدراسات العليا ومدير مجموعة علم اجتماع الأديان في (CNRS) (المصدر: القسم الصحفي، سفارة فرنسا في جمهورية مصر العربية).
3- دانييل هرفيو ليجيه: وضع الأديان في فرنسا.
(مدير دراسات بكلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية وهي مديرة مركز الدراسات المتشعبة للشؤون الدينية/ ETFR, CNRS, EHESS)
4- Message du Président de la République, M. Jacques Chirac, Lors de la séance d`ouverture du colloque organisé par le forum Euro-Mediterraneé, Science, Développement et Paix sur le thème “Le choc des civilizations n`aura pas lieu” www.diplomatie.gouv.fr/actu/bulletin
5- Colloque international: “Le choc des civilizations n`aura pas lieu”. Discours de M. Dominique de Villepin. UNESCO (Paris, le 17 janvier 2004)
6- دومونيك دوفيلبان: أوجه متعددة للإسلام والغرب من عالم الماضي إلى عالم الغد. خطاب وزير الخارجية الفرنسي أمام مجلس الشيوخ الفرنسي 14/6/2003 (المصدر: القسم الصحفي في سفارة فرنسا جمهورية مصر العربية)
7- حديث وزير الداخلية والأمن الداخلي والحريات المحلية: نيقولا ساركوزي لصحيفة ليبيراسيون” باريس 21/2/2003 (المصدر: القسم الصحفي في سفارة فرنسا، جمهورية مصر العربية. وحول المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) انظر: الوثيقة الصادرة عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء الفرنسي في 23/4/2003. (المصدر: القسم الصحفي، سفارة فرنسا، جمهورية مصر العربية).
8- تصريح وزير الداخلية الفرنسي أثناء لقائه بالإمام الأكبر شيخ الأزهر، القاهرة 30/12/2003 (المصدر: القسم الصحفي، سفارة فرنسا، جمهورية مصر العربية).
9- 19eme dîner du conseil représentatif des institutions juives de France (CRIF) allocution du premier ministre, M. Jean-Pierre Raffarin.
http://www.diplomatie.gouv.fr/actu/article
10- Question sur la réaction de pays étrangers au projet de loi sur les signes religieux ostensibles
Réponses du porte-parole aux questions du point de presse (Paris, le 19 janvier 2004)
http://www.diplomatie.gouv.fr/actu/article
– Projet de loi sur la laïcité
Déclaration du port-parole du Quai d`Orsay (Paris, le 23 janvier 2004)
http://www.diplomatie.gouv.fr/actu/article
11- Projet de loi relative à l’application du principe de laïcité dans les écoles, collège et lycées publics: Allocution du premier ministre, M. Jean-Pierre Raffarin, À L’Assemblée Nationale.
http://www.diplomatie.gouv.fr/actu/bulletin
12- انعقدت عدة جلسات لمناقشة القانون في الفترة من 3 فبراير إلى 12 فبراير. انظر النص الكامل لهذه المناقشات في موقع الجمعية الوطنية الفرنسية على شبكة المعلومات الدولية.
13- دانييل هرفيو ليجيه: مرجع سابق.

نُشر في: نادية مصطفى (تحرير)، الهوية الإسلامية في أوروبا.. إشكاليات الاندماج: قراءة في المشهد الفرنسي، (القاهرة: برنامج حوار الحضارات – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2005).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق