الولايات المتحدة وأوروباتقارير ودراسات

مكافحة الإرهاب والتطرف ومواجهة الوباء: كيف أثَّر كلاهما في الآخر في رؤى غربية؟

مقدمة:

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 صار الإرهاب ومكافحته على رأس قضايا الأمن العالمي، وأصبح أولوية لعديد من الدول، وصار التهديد الأبرز والأكثر احتمالية لأمنها القومي، واستخدمته عديد من الأنظمة الحاكمة ذريعة للاستبداد الداخلي، وأخرى للتدخلات الخارجية، وخُصصت له الأنصبة الأكبر في الميزانيات، ودرّبت الجيوش وقوات الأمن لمكافحته بكافة طرقه وأشكاله، غير أنه -وفي مطلع هذا العام 2020- ومع تفشي وباء كورنا المستجد COVID-19 في غالب دول العالم وتحوله لجائحة عالمية ظهر أنه ثمة تهديدات أكثر خطورة من مصادر لم تكن في الحسبان.

تسبب الفيروس –الذي لا يُرى بالعين المجردة- في أن يمكث ملايين من البشر في بيوتهم هربًا من الوباء سريع الانتشار، تطبيقًا لسياسات التباعد الاجتماعي التي طبقتها الحكومات طوعًا وكرهًا، وتأثرت كافة أنشطة البشر بالتغيرات التي أحدثها الفيروس، وفوجئت الحكومات أن ثمة مؤسسات وهيئات كان ينبغي الالتفات إليها كما التفتت إلى الإرهاب واستراتيجيات مكافحته والميزانيات المخصصة لذلك.

في الورقة التالية نسعى لفحص علاقة التأثير والتأثر بين كل من الإرهاب وطرق مكافحته من جهة، وجائحة كورونا وآليات مكافحتها من جهة أخرى، لاسيما في الرؤى الغربية، وسوف نتعرض لرؤية الأمم المتحدة، ثم نتعرض لحالة بريطانيا كنموذج لفحص التأثير المتبادل بين الظاهرتين (مكافحة الإرهاب ومكافحة الوباء)، وعلى هذا سيكون ترتيب الورقة كالتالي: المحور الأول: كورونا والإرهاب: التداعيات الفعلية والمآلات المحتملة، المحور الثاني : تأثير الجائحة على مكافحة الإرهاب وفق رؤية الأمم المتحدة، المحور الثالث: بريطانيا.. توظيف استراتيجية مكافحة الإرهاب لمواجهة تفشي الوباء، قبل أن نصل إلى مجموعة استنتاجات.

المحور الأول- كورونا والإرهاب: تداعيات فعلية ومآلات محتملة:

في هذا المحور نستعرض أهم الرؤى النظرية للتغيرات التي يمكن أن تطرأ على ما يسمى بالإرهاب نفسه وما في حكمه من جرائم العنف والكراهية، على مستويي الأفكار والعمليات؛ مع عدد من النماذج والأمثلة الواقعية الدالة على وقوع ذلك فعلا، لإبراز كيف تؤثر جائحة كورنا وما صاحبها من تحولات في الدول والمجتمعات على العمليات الإرهابية والأفكار المتطرفة وحامليها([1]):

  • تصاعد المواقف المناهضة للحكومات وكشف الستار عن أفكار متطرفة

أدت السياسات التي اتخذت لمواجهة تفشي جائحة كورنا والمتمثلة في إغلاق مواقع التجمع وفرض تباعد اجتماعي إلى تصاعد حدة المواقف المناهضة للحكومات وتراجع ثقة المواطنين فيها وازدياد مستويات الإحباط في كافة أنحاء العالم، وقد وتوفر هذه العوامل بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة وتتيح فرصًا قد يستغلها المتطرفون.

بالعودة إلى التاريخ، فقبل قرابة مائة عام في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت المناطق الأكثر تضررًا بالأنفلونزا الأسبانية هي الأكثر ميلا إلى الأفكار المتطرفة؛ ففي ألمانيا مثلا ارتفع دعم سكانها للحزب النازي في الانتخابات اللاحقة في أوائل الثلاثينات. كذلك فالظرف الحالي يسمح بترويج الشائعات والأفكار المضللة ونظريات المؤامرة؛ ومنها مثلا من انتشر من ادعاءات بأن أبراج شبكات الجيل الخامس للاتصالات 5G تتسبب في نقل الفيروس، وأن الفيروس ظهر في مدينة ووهان الصينية أول الأمر لأنها بدأت في استخدام تلك التكنولوجيا؛ وهو ما دفع بعض المواطنين للهجوم على عدد من أبراج الاتصالات في أبريل المنصرم وصل إلى 77 برجا)[2](؛ مما دفع الشركات الأربع الكبرى في مجال الاتصالات لإصدار بيان يطلب المساعدة لحماية تلك الأبراج من أصحاب نظرية المؤامرة، وتكرر الهجوم على الأبراج في هولندا أيضًا، وكانت منظمة الصحة العالمية قد نفت تلك المزاعم؛ مصرحة بأن: “الفيروسات لا تستطيع الانتقال عبر موجات الراديو أو شبكات الهواتف المحمولة. ينتشر مرض كوفيد-19 في العديد من البلدان التي لا توجد فيها شبكات الجيل الخامس للهواتف المحمولة”)[3](.

كذلك ارتفعت أصوات بعض الأفكار اليمينية المتطرفة، كما فعلت حركة قانون ([4])QAnon في الولايات المتحدة حين ادّعت أن هناك من يقف خلف انتشار الفيروس ربما الصين أو بل جييتس ومؤسساته، ومن خلفه “الدولة العميقة” التي تعمل على إعاقة ترامب وإفشاله، وعلى الجانب الآخر لاحت الفرصة لحركات يمينة متطرفة مثل حركة بوجالو التي شجعت على العنف)[5](؛ للرد على المظاهرات التي وقعت في الولايات المتحدة عقب مقتل الأمريكي الأفريقي جورج فلويد على يد شرطي في مينيسوتا.

  • تحفيز حركات متطرفة تعتنق نبوءات دينية بنهاية العالم:

إن كانت هناك حركات متطرفة تستغل الوباء لممارسة نشاطاتها أو ترويج أفكارها، فثمة حركات أخرى تعاملت مع الوباء بشكل سلبي؛ لأنها تتبنى معتقدات تزعم بأن العالم بشكله الحالي لابد أن ينتهي، فعمل الوباء في القضاء على البشر هو هدف مرغوب بالنسبة إليها أو قدر محتوم، إلا أن الجماعات والحركات الأكثر خطورة هي التي ترى أنه لا بد من التدخل للإسراع من عملية نهاية العالم بصورته الحالية، وتبشَّر بألفية سعيدة تنتظر البشرية بعد نهاية العالم الحالي، ومن أمثلة تلك الحركات طائفة أوم شينريكيو اليابانية، وجماعة العهد والسيف وذراع الرب CSA في الولايات المتحدة الأمريكية([6]) التي تحمل معتقداتها تنبؤات بأن المجتمع الأمريكي سينهار قريبًا على إثر اضطرابات ضخمة، وأن الولايات المتحدة ستعاني من انهيار اقتصادي أو ربما تتعرض لحرب نووية.

  • النشاط المتطرف صار متاحًا من البيت:

طالت القيود التي اتخذت لمواجهة الوباء كل البشر، ولم يُستثنَ من هذا المتطرفون، لكن أتاح البقاء في المنزل فرصًا وأوقاتًا للمتطرفين لتحسين مهاراتهم التقنية؛ كالسعي لأخذ دورات لتعلم كيفية صناعة القنابل على سبيل المثال، والازدياد في نشر وإنتاج المواد الدعائية لترويج أفكار تلك الكيانات، وإذا كانت الجائحة قد حالت دون إقامة معسكرات للتدريب فقد ظهرت بدائل افتراضية على برامج المحادثات المسموعة والمرئية التي أعيد اكتشافها وأقبل عليها الملايين حول العالم مثل برنامج زووم Zoom. ومن ناحية أخرى، فهناك فرص لشن هجمات سيبرانية لإصابة بُنى تحتية وأهداف حيوية، منها المستشفيات والمراكز الطبية بما يساعد في تفاقم الوباء وإعاقة سبل مواجهته([7]).

  • إمكانية تحول الفيروس لسلاح إرهاب بيولوجي:

كشفت جائحة كورونا عن نقاط ضعف عديدة في الأنظمة الصحية للدول سواء في دول الشمال المتقدمة أو الدول الفقيرة والنامية، وظهر ذلك في ضعف القدرة على مواجهة انتشار الفيروس مما أدى إلى إصابة الملايين في مختلف دول العالم، وقد دفع هذا إلى تفكير بعض المتطرفين في استخدام الفيروس كسلاح بيولوجي، وإن كانت هذه الفكرة لم تلاقِ قبولًا إلا عند فئة محدودة. وكانت حركة النازيين الجدد قد شجعت أتباعهم على “تعمد نقل العدوى” بفيروس كورونا إلى اليهود والمسلمين([8]).

وفي حالة استخدام الفيروس سلاحا بيولوجيا يُستهدف به البشر فإن أضراره لن تقتصر على الأضرار البدنية لمن يُصاب بالفيروس، بل ثمة أضرار نفسية واجتماعية ستلحق بغير المصابين نتيجة الذعر والخوف من استخدام الفيروس سلاحا ضدهم.

 

  • انخراط المتطرفين في نشاطات مفيدة للمجتمعات؟!

اتصفت ردود أفعال الحكومات تجاه انتشار الجائحة بالقصور، وتفاوتت درجات القصور بين مختلف الدول، ولم تنجُ دول الشمال المتقدمة من هذا، فتضاربت القرارات والسياسات الخاصة بإدارة الأزمة، ولما كان انتشار الفيروس قد طال مناطق متعددة في كافة الدول التي انتشر فيها الفيروس فقد واجهت بعض الحكومات صعوبات في التعامل مع المناطق النائية والفقيرة والتي تفتقر إلى الحدود الدنيا من الرعاية الصحية؛ وهو ما أتاح فرصة لتنظيمات غير قانونية بالتدخل كبديل للحكومة المحلية لمساعدة المتضررين من الفيروس؛ وهو ما يُعد فرصة للترويج والدعاية لأفكار تلك التنظيمات، وربما لتجنيد أفراد جدد والحصول على تمويل فيما بعد. وفي الولايات المتحدة قامت بعض الجماعات الفوضوية بتوزيع مجاني للغذاء وقدمت جهودًا كبيرة للمساعدة في معالجة الاضطراب الاجتماعي الناجم عن الوباء([9]).

  • ازدياد فرص التعرض والتأثر بالدعايات المروجة للتطرف

تبنت معظم دول العالم سياسات الإغلاق لضمان التباعد الاجتماعي التي شملت المؤسسات الحكومية والخاصة، والمدراس والجامعات، وظهرت أدوات وبرامج للعمل عن بعد وللتعليم عن بعد لمواصلة الأعمال بأقل خسائر ممكنة ولإكمال المسارات الدراسية؛ وهو ما أدى إلى المكوث على الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لفترات أطول من المعدلات المعتادة، ومن ناحية أخرى فقد سادت عدة مشاعر سلبية لدى الكثيرين كالخوف من الإصابة بالمرض، أو الإحباط واليأس نتيجة فقدان الوظيفة، والقلق بشأن المستقبل المبهم نتيجة تغير الأحداث بشكل جذري على نحو مفاجئ، وربما يتطور الحال لدى البعض إلى انتهاج سلوكيات مدمرة للذات أو إدمان المخدرات، وكل ما سبق من عوامل اجتماعية ونفسية أدت إلى ازدياد فرص التعرض للدعاية التي يقوم بها أصحاب الأفكار المتطرفة، لاسيما أن الأخيرين قد استغلوا الظروف الراهنة ونشطوا في الدعوة لأفكارهم.

ففي الولايات المتحدة شهدت القنوات المشفرة على تلجرام Telegram المرتبطة بعدد من المجموعات اليمينية المتطرفة نموًا كبيرًا في المشتركين الجدد بعد إنفاذ سياسات الإغلاق، وبعد عشرة أيام من إجراءات الغلق زاد المحتوى الخاص باليمين المتطرف والمعروض بنسبة 13%، وزاد انتشاره ومشاركته بنسبة 20% على شبكة الإنترنت([10]).

  • استهداف مواقع غير تقليدية أو مؤمنة أثناء الوباء

نظرًا لسياسات الإغلاق فإن الأهداف التقليدية للعمليات التخريبية مثل المطارات ومحطات مترو الأنفاق وأماكن الترفيه لم تعد ذات أهمية لانخفاض معدلات التواجد البشري فيها وربما انعدامه، لكن من ناحية أخرى ازداد الإقبال على المستشفيات والمراكز الطبية، ومن ثم صارت تلك الأماكن أهدافًا محتملة للمخربين، فاستهداف مستشفى في ظل الجائحة سيكون ذا تأثير إعلامي ضخم. وفي مارس قُتل مواطن أمريكي يُدعى تيموثي ويلسون -له صلة بالنازيين الجدد- على يد قوات التحقيق الفيدرالي، بعدما فشلت الأخيرة في القبض عليه عندما لتفجير مستشفى يُعالج فيه مرضى مصابون بفيروس كورونا([11]).

ومن ناحية أخرى، أدت سياسات التباعد إلى خفض مستوى التأمين على بعض المنشآت الحيوية، وقد يكون لهذا الوضع ثلاث عواقب على الأقل بالنسبة للإرهاب: أولها- إتاحة الفرصة لاستهداف أماكن ومنشآت حيوية، حتى لو كانت غير مأهولة بالمواطنين لكنها ذات دلالة رمزية مثل الأماكن المقدسة، وثانيها- إتاحة الفرصة لاستهداف منشآت ذات أهمية استراتيجية مثل مخازن السلاح، وثالثها- تفكير بعض المتطرفين في مهاجمة السجون وأماكن الاحتجاز لتحرير ذويهم([12]).

ويخلص هذا المحور غلى أن ثمة ارتباطا عالي الاحتمال وله شواهد واقعية غلى أن بيئة الكوارث مثل جائحة كورونا هي بيئة موائمة لأفكار التطرف والعنف وممارساتهما في الغرب، ولكن ذلك لا يخلو من متغيرات وسيطة تؤازر ذلك التأثير أو تثبط من قوته وعلى رأسها الأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة. ومن ثم ننتقل إلى رؤية أكثر تدقيقا في الإطار ذاته.

المحور الثاني- تأثير الجائحة على مكافحة الإرهاب وفق رؤية الأمم المتحدة

في يوليو الماضي عقدت الأمم المتحدة سلسلة من الحلقات الدراسية الشبكية والنقاشات التفاعلية حول “التحديات الاستراتيجية والعملية لمكافحة الإرهاب في بيئة وبائية عالمية” في أسبوع سُمي بأسبوع مكافحة الإرهاب، وصرح الأمين العام في الجلسة الافتتاحية رفيعة المستوى والتي جاءت بعنوان: “عالم ما بعد كوفيد-19: ملامح ونقاط محورية ومزايا التعاون متعدد الأطراف” أنه برغم تسبب كوفيد-19 في إحداث اضطرابات شديدة في النظم الصحية والاقتصادات والمجتمعات المحلية حول العالم، إلا أنه من السابق لأوانه إجراء تقييم كامل لآثار هذه الجائحة على المشهد الإرهابي، وسلط الأمين العام للأمم المتحدة الضوء على خمسة مجالات لتوجيه الأعمال المستقبلية في مجال مكافحة الإرهاب؛ وهي([13]):

  • التأكيد على الاستمرار في مكافحة الإرهاب رغم صعوبته في ظل الجائحة.
  • مراقبة التهديدات والاتجاهات الإرهابية المستحدثة.
  • الاستجابات لمكافحة الإرهاب مع الحفاظ على حقوق الإنسان.
  • معالجة انتشار السرديات الإرهابية والأفكار المتطرفة.
  • تبادل المعلومات الاستخباراتية بين كافة الدول

أعقب ذلك في أغسطس الماضي -وعبر جلسة افتراضية لمجلس الأمن عبر الشبكة العنكبوتية- صرح فلاديمير فورونكوف مدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أن “أزمة جائحة كورونا قد أبرزت التحديات التي ينطوي عليها القضاء على الإرهاب، وأن هذه البيئة الوبائية تثير العديد من التحديات الاستراتيجية والعملية لمكافحة الإرهاب([14]).

في السطور الآتية نعرض لتأثيرات فيروس كورونا على التطرف والإرهاب حسب ما طرحه معهد التدريب والبحث التابع للأمم المتحدة UNITAR وأبرز فيه أهم الاتجاهات الإيجابية، والاتجاهات السلبية والسبل المقترحة لمواجهتها، والتحديات المستجدة التي أفرزتها الجائحة، وهي كما يلي([15]):

  • الاتجاهات الإيجابية:
  • تراجع عمليات التجنيد والتوطيف للجماعات المتطرفة: نظرًا لسياسات الإغلاق والتباعد الاجتماعي، ففرص جذب أفراد جدد للتنظيمات المتطرفة انحسرت بشكل كبير نتيجة التزام عدد كبير من المواطنين بالمكوث في البيت.
  • تراجع الاهتمام الإعلامي بالجماعات المتطرفة بسبب التركيز على الجائحة: فلا شك أن أحد أهداف الحركات المتطرفة بث الخوف والرعب في نفوس الجمهور، وما هو سينحسر أيضًا بسبب تسليط وسائل الإعلام المحلية والعالمية على الجائحة وتداعياتها.
  • السخط المحتمل من أعضاء التنظيمات المتطرفة تجاه قادتهم: فإن كانت الحكومات ستنال نصيبها من المعارضة والانتقادات اللاذعة من شعوبها، فعلى الجانب الآخر يدين أعضاء التنظيمات المتطرفة بالولاء لقادتهم، وفي حال فشل هؤلاء القادة في حماية قواعدها من الوباء فربما يؤدي هذا إلى حالة من السخط تجاههم يؤول إلى انصراف الأتباع عن القادة والتنظيم بالكلية بحثًا عن الآمان.
  • الاتجاهات السلبية والآليات المقترحة لمواجتها:
  • زيادة انتشار المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة والدعاية السلبية: وقد سبقت الإشارة لهذه النقطة، ويقترح التقرير أن تواجه ببناء وتطوير استراتيجيات للاتصال الفعال لمنع ومكافحة انتشار المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة المتعلقة بالوباء، وتحسين قدرات الجهات الفاعلة الرئيسية، مثل قادة المجتمع ومنظمات المجتمع المدني المحلية؛ لمواجهة الرسائل والروايات المتطرفة وخطاب الكراهية وانتشار المعلومات الكاذبة، مع الحفاظ على حرية التعبير.
  • زيادة عمليات التوظيف والتجنيد عبر الإنترنت: وتواجه من خلال تطوير الحلول والأدوات الرقمية للوصول إلى الأفراد المعرضين للخطر، وتشجيع قادة الرأي ورجال الدين لمواجهة التجنيد عبر الإنترنت.
  • وقوع نتائج عكسية لسياسات الإغلاق والتباعد الاجتماعي من احتجاجات وفوضى: وتواجه عبر تطوير قدرات قوات الأمن والسلطات المحلية لضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية أثناء تطبيق تدابير الإغلاق، بناء وتطوير قدرات قوات الأمن لتحسين التواصل والتفاهم مع المواطنين.
  • التحديات المستجدة لعمليات مكافحة الإرهاب:

أشار التقرير إلى عدد من التحديات التي تواجه عمليات مكافحة التطرف والإرهاب منها:

  • الاستراتيجيات المعدلة لشن هجمات عنيفة مثل استهداف المستشفيات بدلًا من الأماكن العامة، وتعمد نشر العدوى بين المواطنين لبث الذعر، وأبرز آليات المواجهة تكمن في تحسين إمكانيات قوات الأمن وزيادة تأمين المستشفيات والمراكز الطبية وتطوير أدوات لمنع انتشار العدوى.
  • أدى انتشار الجائحة إلى تقليص أعداد قوات الأمن الدولي المنتشرة في عدة دول لمساعدة القوات المحلية لمواجهة التطرف وتقديم الدعم والتدريب اللازم مما أضعف قدرات القوات المحلية على مواجهة الإرهاب، وأبرز آليات المواجهة هي؛ البحث عن بدائل للتدريب عبر الشبكة العنكبويتة، والاستمرار في دعم البلدان الأكثر عرضة للعمليات الإرهابية، والسعي لتطوير القوات المحلية لكي تتمكن من تطوير قدراتها ذاتيًا دون الحاجة إلى مساعدة القوات الدولية قدر المستطاع.
  • أسهمت الجائحة في توقف مبادرات السلام وعمليات التنمية التي تسهم بشكل كبير في دعم الحكومات المحلية وتقويض النشاطات الإرهابية؛ وهو ما قد يتسبب في إحياء دور الحركات المتطرفة حينما تعرض نفسها مقدمةً خدمات وتشارك في توفير الغذاء والسلع الأساسية للسكان “المعرضين للخطر”؛ ومن ثمّ اكتساب الثقة والتقدير لزيادة قاعدة الدعم والتجنيد، وأبرز الحلول المقترحة لمواجهة توقف عمليات التنمية وبناء السلام هي: زيادة دعم وتعزيز قدرات الفواعل المحلية مثل منظمات المجتمع المدني لبناء وتنفيذ مبادرات بقيادة محلية، والسعي لإقامة مباردات عبر الإنترنت من أجل دعم جهود التنمية حيثما أمكن ذلك، وتطوير حلول تكنولوجية مبدعة عبر الإنترنت لدعم جهود بناء السلام أثناء الوباء.
  • ظهور طرق جديدة لتمويل الإرهاب؛ منها: الحصول على تبرعات خفية ظاهرها مساعدات إنسانية لإغاثة المتضررين من الجائحة لكنها توظف في تمويل العمليات الإرهابية، وتواجه عبر استحداث آليات للرقابة المالية لمنع المتطرفين من جمع الأموال ونقلها، وزيادة التوعية المجتمعية بما تقوم به تلك التنظيمات.

تركز ما سبق على تأثير الجائحة القادمة (المتغير الجديد) وسياسات التعامل معها على المشكلة القائمة (التطرف والإرهاب: المتغير القديم)، وتبين أن آثارها المحتملة وتداعياتها الفعلية تتراواح بين سلبيات كبيرة وإيجابيات ممكنة، لكن ثمة وجها آخر للعملة يتعلق بنماذج من استراتيجيات التعامل مع الوباء من أرضية التعامل مع الخطر الإرهابي، على النحو الذي أبرزته التجربة البريطانية ونستعرضه فيما يلي.

المحور الثالث- توظيف استراتيجية مكافحة الإرهاب لمواجهة تفشي الوباء: بريطانيا نموذجا

خلافًا لغالبية دول العالم قامت الاستجابة الأولى في بريطانيا لتفشي الفيروس على سياسة مناعة القطيع، وتعتمد هذه الطريقة على أنه يمكن الحد من تفشي الفيروس بعدما يصيب عددا كافيا من الناس ثم يتوقف انتشاره نتيجة تكون أجسام مضادة تحول دون انتقال العدوى بنفس القوة، إلا أن هذا النهج لم يستمر، وكانت المفارقة أن رئيس الوزراء البريطاني الذي أعلن عن مناعة القطيع أصيب بكورونا ونُقل إلى المستشفى قبل أن يتماثل للشفاء، ومع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس، تأكدت دوائر صنع القرار أنه يمثل تهديدًا حقيقًا لبريطانيا.

ومن ثم فقد عملت –فيما قامت به- على استثمار استراتيجياتها لمكافجة الإرهاب في مكافحة تفشي الفيروس، وسنتناول فيما يلي توضيح استراتيجية مكافحة الإرهاب في بريطانيا، وكيف أسهمت في إيجاد آليات لمواجهة انتشار الوباء.

  • استراتيجية مكافحة الإرهاب الخاصة بالمملكة المتحدة CONTEST Strategy:

وضعت بريطانيا استراتيجية لمكافحة الإرهاب تُسمى CONTEST Strategy وتهدف إلى تقليل المخاطر التي قد تتعرض لها أراضي بريطانيا أو رعاياها أو مصالحها بالخارج)[16](، حتى يمارس مواطنوها حياتهم بحرية وثقة، ويُرمز إلى هذه الاستراتيجية بـ4P اختصاًرا للأحرف الأول من الأفعال الأربعة: Prevent, Pursue, Protect, Prepare، إشارة إلى الركائز الأربع لهذه الاستراتيجية، ويمكن توضيحها كما يلي)[17](:

أ) المنع (Prevent): لمنع الأفراد أن يتحولوا لإرهابيين أو داعمين للإرهاب، وذلك عبر عدة آليات، منها:

  • التركيز على تأمين الأهداف التي لها أولوية عند التنظيمات الإرهابية.
  • عقد برامج تأهيلية للأفراد الأكثر عرضة للتوظيف والتجنيد من قِبل الإرهابيين.
  • مراقبة الشبكة العنكبوتية لمنع نشر المواد الدعائية المروجة للتطرف.
  • بناء شراكات أقوى مع المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات القطاع العام والقطاع الخاص.

ب) التعقب (Pursue): لوقف الهجمات الإرهابية التي قد تحدث في بريطانيا وتعرقل المصالح الخارجية البريطانية، عبر بما  يلي:

  • سن تشريعات جديدة لمكافحة الإرهاب بغرض إعاقة التهديدات الإرهابية في بريطانيا في مرحلة مبكرة.
  • تقديم المقاتلين الأجانب للعدالة وفقا للإجراءات القانونية اللازمة إذا كانت هناك أدلة على ارتكاب جرائم، بغض النظر عن جنسياتهم.
  • توظيف أكثر من 1900 موظف إضافي في جميع أجهزة الأمن والاستخبارات، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي عام 2015.

ج) الحماية (Protect): لتعزيز الوقاية من أي هجوم إرهابي، من خلال:

  • تجميع وتحليل أكبر قدر من البيانات عالية الدقة لتعزيز القدرة على استهداف الأشخاص المشتبه انتماؤهم للتنظيمات الإرهابية.
  • رفع مستوى التأمين في الأماكن المزدحمة، والتعاون مع أكبر قدر ممكن من الجهات الحكومية وغير الحكومية لتحقيق ذلك.
  • عقد شراكات مع قطاع الطيران والشركاء الدوليين لتوفير قاعدة أمنية قوية ومستدامة للطيران في بريطانيا وخارجها.

د) الاستعداد ( Prepare): للتخفيف من تأثيرات أي هجوم إرهابي، والسعي لتلافي آثاره بشكل سريع، من خلال الآليات الآتية:

  • استمرار تقديم الدعم والتمويل للأجهزة المعنية بمعالجة حالات الطوارئ والظروف الاستثنائية.
  • ضمان أن تظل الحكومة البريطانية قادرة على التصدي لكافة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرة.
  • العمل على إحداث توافق وتجانس بين المستويات والأجهزة المنوط بها التعامل مع حالات الطوارئ.
  • إجراء تدريبات مستمرة واختبارات متكررة لكل الجهات التي تتصدى لحالات الطوارئ، لمواجهة للتهديدات المحتملة ابتداءً، وسرعة الإفاقة والتعافي حال وقوع تهديدات فعلية، وتقليل الخسائر الناجمة عنها.
  • استثمار هياكل مكافحة الإرهاب وآليات مواجهة الجائحة:

ارتأت الحكومة البريطانية أن ثمة تداخلا بين طرق مكافحة الإرهاب التقليدية وطرق مكافحة انتشار الوباء؛ ومن ثم سعت لتطويع واستثمار استراتيجتها تلك لمواجهة الوباء الذي بدأ في الانتشار في أراضيها، وفيما يلي أهم مظاهر التداخل بينهما:

  • استعارة حالة التأهب القصوى خماسية المستويات:

أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن تصميم وإعلان حالة تأهب قصوى من مستويات خمس متدرجة ومختلفة الألوان بحيث يعبر عن درجة انتشار المرض وعدد الحالات المصابة في شتى أنحاء البلاد، وبالتالي تحديد الإجراءات الواجب اتخاذها، والمستويات الخمس للإنذار وهي)[18](:

  • المستوى الأول- أخضر فاتح (منخفض): ويعني أن الوباء لم يعد موجودًا داخل البلاد؛ ومن ثم لا تُتخذ أية إجراءات، ويعمل كل من القطاع العام والخاص وفقًا للظروف المعتادة.
  • المستوى الثاني – أخضر غامق (محدود المدى): ويعبر عن انتشار محدود للوباء، وبناء عليه تعمل المؤسسات الصحية الوطنية بشكل طبيعي، وتُفتح المدارس والشركات وفق إجراءات احتزازية.
  • المستوى الثالث – أصفر (ضرر كبير): ويعبر عن انتشار الوباء في الحياة العامة، وعليه تعمل المؤسسات الصحية الوطنية بتعبئة إضافية، وتستمر القيود المفروضة على القطاع العام والخاص وسائر أعمال الحياة اليومية.
  • المستوى الرابع – برتقالي (خطر محقق): ويعبر عن أن الوباء أصبح ينتقل بسهولة عبر الهواء والرذاذ، ويواجه بالإغلاق الجزئي، وتبذل المؤسسات الصحية الوطنية قصارى جهدها لمواجهة تفشي الوباء.
  • المستوى الخامس – أحمر (أقصى درجات الخطر): ويعني تفشي الوباء بصورة سريعة وعلى نطاق واسع، ويواجه بكل من الإغلاق الكامل لكافة المؤسسات، ودعم المؤسسات الصحية الوطنية للحيلولة دون انهيارها مع زيادة الأعداد.

يقلد)[19](هذا النظامُ المستخدم لحالة التأهب لمواجهة الجائحة النظامَ المتبع في حالة إعلان الطوارئ حالة وقوع تهديدات إرهابية، والذي ابتكره المركز المشترك لمكافحة الإرهابThe Joint Terrorism Analysis Center (JTAC))[20]( ، وكان المركز قد حدد مستويات خمسة للتهديدات الإرهابية، وهي)[21](:

  • منخفض: ويعني استبعاد وجود تهديدات.
  • متوسط: ويعني إمكان وقوع تهديدات لكنها لا يرجح وقوعها في الأمد القريب.
  • حقيقي: ويعني احتمالية غير مؤكدة وقوع تهديدات .
  • خطير: ويعني وجود احتمالية مؤكدة لوقوع تهديدات .
  • حرج : ويعني وجود احتمالية مؤكدة لوقوع تهديدات.
  • تعيين مسئول أمني ليرأس المركز المستحدث لمواجهة الأوبئة:

أنشأت الحكومة البريطانية جهازًا جديدًا وسمته مركز الأمن الحيوي (JBC) Joint Biosecurity Centre، وللمركز وظيفتان أساسيتان؛ الأولى وظيفة تحليل البيانات الخاصة بتفشي الأوبئة (كورونا وما بعده) لفهم وتقييم معدلات الإصابة داخل البلاد، والثاني تقديم الاستشارات للحكومة بشأن الطرق المثلى لمواجهة الوباء، وتحديد درجة الفتح والإغلاق للمؤسسات الحكومية والخاصة.

الجدير بالذكر أنه تم تعيين توم هارد Tom Hurd ليصبح أول مدير لمركز الأمن الحيوي، ويتمتع هارد بخبرة واسعة في العمل في مجال مكافحة الإرهاب والشئون الأمنية؛ وهو أيضًا خبير في شئون الشرق الأوسط وسبق له العمل ديبلوماسيا في المنطقة، وقد سبق أن تولى منصب المدير العام لمركز الشئون الأمنية ومكافحة الإرهاب التابع للحكومة البريطانية[22].

  • مواجهة تفشي الوباء عبر مسار مشابه لاستراتيجية مكافحة الإرهاب CONTEST

اتبعت الحكومة البريطانية مسارًا مشابهًا لإستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب CONTEST، والتي تعتمد على الركائز الأربع السابق ذكرها أعلاه (الحماية والوقاية والمتابعة والاستعداد)؛ وتستند هذه الاستراتيجية إلى حالة المرونة والانسجام بين مختلف الهيئات، مع التأكيد على حماية المنشآت الحيوية، وكافة وسائل المواصلات، ويظهر هذا التشابه في الأطوار الأربعة لمكافحة الوباء والتي أعلنتها الحكومة البريطانية، وهي:

الطور الأول (الاحتواء containment): وتتضمن مرحلة الاحتواء محاولة اكتشاف الحالات مبكرًا وتتبع جميع المخالطين لتجنب انتشار المرض.

الطور الثاني (التعطيل Delay): في حال إخفاق مرحلة الاحتواء وبدأ المرض في الانتشار، وارتفعت الحالات بشكل كبير، يتم الانتقال إلى مرحلة التعطيل، حيث تُكثف الجهود لتأخير انتشار المرض عبر سياسات “التباعد الاجتماعي” وهي سياسات قابلة للتطبيق  لمحاولة منع تفشي الوباء حتى يتم اكتشاف لقاح.

الطور الثالث (البحث العلمي Research): في حالة الإخفاق في تأخير الانتشار (المرحلة الثانية)، تتجه الحكومة لتكثيف الجهود لمعرفة المزيد حول كيفية انتشار الفيروس وكيف يمكن علاج المصابين به بشكل أكثر فعالية.

المرحلة الرابعة (التخفيف Migitate): وهو السيناريو الأسوأ حين تبدأ تزيد الضغوط على الخدمات العامة بشكل واضح، ويصير الفيروس في هذه المرحلة متفشيًا على نطاق واسع ، ويتم تحجيم دور الشرطة فلا تتعامل إلا مع الحالات شديدة الخطورة، وتغلق المستشفيات فلا تستقبل إلا حالات شديدة الخطورة، ويُمكن استدعاء المتقاعدين من العمل في المجال الطبي، مع تأمين كل من يعمل في القطاع الطبي ويتعامل مع حاملي الفيروس.

  • تشابه الخطاب الإعلامي:

في الأول من نوفمبر عام 2016 أطلقت حملة إعلامية في بريطانيا من قبل وزير السكك الحديدية بول ماينارد، من أجل تشجيع ركاب القطار على الإبلاغ عن أي عناصر أو أنشطة غير عادية)[23](، وعُلقت ملصقات على الحافلات ووسائل النقل العامة تحمل عبارة (See it, Say it, Sorted)، ومعنى الأفعال الثلاثة؛ دقق النظر)[24](: أي كن يقظًا لأي شيء يبدو في غير محله أو غير معتاد في القطارات أو في المحطات، وانطق بما رأيت: أي إذا شاهدت شيئًا مريبًا فأخبرنا به، وسنعتني بما تدلو به من معلومات ونضعها في مكانها المناسب.

استخدمت الحكومة البريطانية الآلية السابقة لمواجهة الجائحة؛ فعلقت ملصقات على وسائل المواصلات والقطارات لنشر التوعية بما يجب على المواطينين فعله)[25](، بالتنبيه على أهمية المكوث في المنزل والامتناع عن الخروج إلى الشوارع والأماكن العامة إلا للضرورة، والمواظبة على غسل اليدين، والإبقاء على مسافة كافية من الآخرين، وهو ما يُرسخ في أذهان المواطنين خطورة الفيروس، وأهمية الالتزام بالاحتياطات عندما يقارن بين تلك الملصقات ونظائرها الخاصة بدوره في مكافحة الإرهاب والتي سبق أن رآها من قبل، وقد وصف وزير الصحة البريطاني مات هانكوك مواجهة فيروس كورونا بأنها “حرب ضد قاتل غير مرئي” !

  • استدعاء حالة “الاستثناء التشريعي”

حين تواجه دول ما تهديدات إرهابية، فإحدى آليات المواجهة هي استحداث تشريعات جديدة و”استثنائية”؛ وهو ما تم استدعاؤه في مواجهة الجائحة، ففي مارس الفائت كشف صحيفة ديلي تلجراف عن تشريعات عاجلة تمنح حكومة جونسون سلطات كاسحة لمواجهة انتشار الجائحة في بريطانيا، وكانت أبرز هذه التشريعات المقترحة)[26](:

  • للشرطة حق إنهاء التجمعات وإجبار الناس على العودة إلى منازلهم للحد من انتشار المرض.
  • للحكومة الحق في الأمر بإحراق جثث الموتى بدلا من دفنها، والحق في نقل الجثث والتخلص منها بالطرق التي تراها مناسبة.
  • فيما يتعلق بالصحة النفسية والعقلية، فإنه وفقا لمشروع القانون يصبح من الممكن إيداع شخص مصحة عقلية أو نفسية وفقا لرأي طبيب واحد، بدلا من طبيبين كما هو متبع وفقا لقانون الصحة النفسية لعام 1983.
  • لدى مسئولي الصحة العامة والهجرة السلطة الكاملة “لتنفيذ معايير الصحة العامة، بما في ذلك إعادة الأشخاص إلى الأماكن التي طُلب منهم البقاء فيها”.
  • إقامة جلسات المحاكمات عبر خدمة الفيديو، لتفادي الاحتكاك بين عدد كبير من حاضري المحاكمات([27]).
  • إمكانية استدعاء الأطباء والممرضين والمختصين الذين تقاعدوا خلال السنوات الماضية، لمواكبة الضغط المتزايد المتوقع على المستشفيات في حال تفشي المرض على نطاق واسع.

مما سبق يتضح أن الحكومة البريطانية وظّفت ما سبق وأن طرحته من استراتيجيات وآليات لمكافحة الإرهاب لتواجه به الجائحة التي تفشت في البلاد، وإلى الآن فالرأي العام في بريطانيا بين مؤيد لهذا التوظيف أملًا في نجاحه في مهمته المستحدثة، ومعارض لها لكونها تمنح الحكومة صلاحيات واسعة يُخشى أن تستغل في تقييد الحريات مستقبلًا، فضلًا عن الفروقات بين كلا التهديدين والتي تشكك من جدوى نقل آليات مكافحة الإرهاب للتصدي لكورنا!

استنتاجات:

تساءل التقرير عما عسى أن يكون من تأثير متبادل بين الجائحة الصحية والتهديد الأمني، وقد توصل البحث إلى هذه الخلاصات والنتائح:

  • عند الحديث عن تأثيرات وتداعيات جائحة كورنا على الإرهاب ومكافحته فلابد من التأكيد على أننا نتحدث عن أزمات لا زالت قيد التشكل ولم تتبلور بعد بصورة كاملة، وعلى هذا يصعب الجزم بتداعيات الجائحة على الإرهاب في المستقبل القريب أو البعيد، وفي الوقت نفسه فالأزمة التي تمر بها دول العالم ربما تكون الحدث الأبرز التي يمر بها النظام العالمي بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتداعياتها، والتي أسهمت في إعادة تشكيل العلاقات الدولية على نحو مختلف.
  • تعددت تأثيرات الجائحة على الأنشطة الإرهابية، فمن ناحية عطلت بعض النشاطات كالأعمال التقليدية، وسرعت وحدثت من نشاطات أخرى كالدعايات الإلكترونية، وربما تُحدث أنواعًا أخرى من التهديدات كإمكانية استخدام الفيروس سلاحا بيولوجيا.
  • استُغلت الجائحة سياسًا من قبل الأنظمة الحكومية ومعارضيها، فالأولى وسعت من صلاحياتها ونفوذها واتخذت مواجهة الوباء تبريرا لذلك، والثانية استغلت الإخفاق الحكومي في التعامل الأمثل مع الوباء لاجتذاب معارضين في صفها وشن هجوم على الأنظمة الحاكمة.
  • تسبب الجائحة في تعديل الأولويات الأمنية للدول، فبعدما كان الأرهاب يمثل التهديد الأكبر، استعدت له الدولة بتحسين قدراتها العسكرية والأمنية والاستراتيجية، صارت قضية “الأمن الصحي” على رأس الأولويات، وبعدما كانت الدول الكبرى تنظر للأمن الصحي كوسيلة لمساعدة الدول الفقيرة التي تعاني من أوبئة؛ أي التعامل على نطاق دولي، فوجئت الدول الكبرى أنها تعاني من فجوات ضخمة وخلل واضح في منظوماتها الصحية، لم يكن في الحسبان في مواجهة عدو لا يُرى بالعين.
  • إحدى أهم القضايا التي ستظهر على السطح فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب بعد انقضاء جائحة هو الموازنة في تخصيص الميزانية المناسبة للأخطار والتهديدات المتوقعة، فبعدما كانت الأولوية في الميزانية لمكافحة الإرهاب التقليدي، لاعتقاد الدول أن الإرهاب هو الخطر الأقرب والأكثر وقوعا، فوجئت الدول بتهديد من نوع آخر، تسبب في خسائر بشرية أكثر مما يفعله الإرهاب، ومن ثم ستسعى الدول الكبرى مستقبلًا في تدعيم منظوماتها الصحية وتخصيص ميزانية أكبر مما اعتيد عليه في السابق، وهو ما قد ينعكس سلبًا على ميزانية مكافحة الإرهاب.
  • ربما تتفاوت ردود أفعال الأنظمة الحاكمة بعدما تنقضي الأزمة، فبعضها سيسعى إلى تجديد وتطوير دوائر الأمن القومي الخاصة بها، وإدماج الأمن الصحي وقضاياه داخل تصوراتها وآلياتها للحفاظ على أمنها وسلامة مواطنيها، وإيجاد مؤسسات تتسم بالمرونة والقدرة على التعامل مع التهديدات المختلفة، والبعض الأخر سيستغل الظروف الاستثنائية من تقييدٍ للحريات وتعدٍ على الخصوصيات، ويقلب الاستثناء أصلًا لفرض مزيد من السيطرة والاستبداد.
  • انعكست السياسات والمواقف المتباينة التي اتخذتها الحكومات حول العالم، وردود أفعال شعوبها لمواجهة الجائحة على السجالات الفكرية التي يهتم بها دارسو العلاقات الدولية والدراسات الأمنية من مختلف المدارس النظرية، ومن أهم هذه السجالات ما يدور حول مفهوم “الأمن” بين الأمن القومي والأمن العالمي والأمن الإنساني، وما يسمى بعملية “الأمننة” لقضايا كانت تبتعد عن الأمن التقليدي، وعلى رأسها قضايا الصحة، فتحولات وتغيرات عالم ما بعد كورنا لن تقتصر على السياسات العملية بل ستمتد حتمًا لعالم الأفكار والتنظيرات!

*****

الهوامش

([1]) Gary Ackerman and Hayley Peterson, Terrorism and COVID-19: Actual and Potential Impacts, PERSPECTIVES ON TERRORISM, Volume 14, Issue 3, P60, available at: https://cutt.us/V7tMe

(([2] الشيخ اليوسي، “QAnon”.. هكذا تنشر حركة أمريكية نظريات مؤامرة حول ترامب، موقع هيسبريس، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/DLkJQ

([3]) أحمد عواد، بعد إحراق بعضها في بريطانيا وهولندا.. هل تنشر أبراج الـ 5G فيروس «كورونا»؟، موقع جريدة المال، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/x1z8b

([4]) أفكار انتشرت في الولايات المتحدة عبر الشبكة العنكبوتية تتبنى نظرية المؤامرة، وأن هناك محاولات لإفشال ترامب تقودها الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وتتخذ هذه الأفكار من زعماء الحزب الديمقراطي أعداءً لها .

([5]) “فيسبوك تحظر حسابات مرتبطة بحركة بوجالو الأمريكية المناهضة للحكومة”، خبر منشور على موقع جريدة الشروق، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/dWeYr

([6]) لمزيد من التفاصيل حول هذه الحركة انظر التعريف بها على موقع ويكيبديا باللغة الانجليزية على الرابط: https://cutt.us/hMxTW

([7]) Gary Ackerman and Hayley Peterson, Op.Cit, P 63 .

([8]) ليزي ديردن، النازيون الجدد يوصون أنصارهم بنقل عدوى كورونا إلى اليهود والمسلمين، موقع independentarabia، على الرابط:  https://cutt.us/SK3Jf

([9]) Gary Ackerman and Hayley Peterson, Op.Cit, P 61.

([10]) Ibid, P 62.

([11]) Ibid, P 66.

([12]) Ibid, P 66.

([13]) مكافحة الإرهاب في ظل كوفيد-19: الأمين العام يسلط الضوء على خمسة مجالات بشأن مستقبل مكافحة الإرهاب، موقع أخبار الأمم المتحدة، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/YneUe

([14]) مجلس الأمن: تعزيز التعاون العالمي بشأن مكافحة الإرهاب ينبغي أن يظل أولوية أثناء وبعد كوفيد-19، موقع أخبار الأمم المتحدة، متاح عبر الرابط التالي: https://news.un.org/ar/story/2020/08/1060292

([15]) IMPACT OF COVID-19 for Peace ON VIOLENT EXTREMISMAND TERRORISM, UNITAT,available at: https://cutt.us/aALca

([16]) Raffaello Pantucci, Key Questions for Counter-TerrorismPost-COVID-19, counterterrorist Trends and Analysis, vol12, No 3, April2020, P 1, available at: https://cutt.us/W5o1v

([17]) “CONTEST: the United Kingdom’s Strategy for Countering Terrorism,” Home Office (UK), June2018, P P 10, available at: https://cutt.us/KwTKl

([18]) Dan Sabbagh, Boris Johnson announces five-tier coronavirus alert system, The Guardian Website, available at: https://cutt.us/4IikW

([19]) Nikita Malik, Pandemic Preparedness: A U.K. Perspective on Overlaps with Countering Terrorism, CTC SENTINEL, Vol 13, No 6, June 2020, P 50, available at: https://cutt.us/4lQSd

([20]) جهاز أنشأه المكتب الخامس البريطاني (المخابرات الحربية) عام 2003 بغرض تحليل وتقييم كافة المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب الدولي، داخل بريطانيا وخارجها، ويحدد الجهاز مستويات التهديد، ويصدر الإنذارات، ويتابع كافة القضايا المتعلقة بالإرهاب مع عدد كبير من الأجهزة والإدارات الحكومية، ويصدر تقارير لمتابعة اتجاهات وقدرات وتحولات التنظيمات الإرهابية، لمزيد من التفاصيل انظر الموقع الرسمي للجهاز على الرابط: https://cutt.us/OCGDP

([21]) Threat Levels of Security Service M5, available at: https://cutt.us/uT3Ty

([22]) Nikita Malik, Op. Cit.

([23]) New National Rail security campaign starts today: “See It. Say It. Sorted”, British Transport Police Website, available at: https://cutt.us/GFxEf

([24]) ‘See It. Say It. Sorted.’ How you can help keep the railway safe, British Transport Police Website, available at: https://cutt.us/svYNp

([25]) Nikita Malik, Op Cit, P 50

([26]) الديلي تلغراف: “سلطات غير مسبوقة” لحكومة بريطانيا لمواجهة وباء كورونا،موقع بي بي سي عربي، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/e1yg1

([27]) بريطانيا .. قانون طارئ للتعامل مع تفشي فيروس كورونا، موقع عرب لندن، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/i43Ox

فصلية قضايا ونظرات- العدد التاسع عشر – أكتوبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى