تقارير ودراساتد. نادية مصطفى

ما بعد الموجة الأولى من كورونا، هل من بوادر تغيير؟

اعتاد الساسة والمحللون الشروع في التفكير في “ما بعد” أحداث ما، والإعلان عن تصوراتٍ قبل أن تضع هذه الأحداث أوزارها: حروبًا كانت أو كوارثَ طبيعية أو أزمات عالمية أو اتفاقيات ومعاهدات كبرى أو مؤتمرات عالمية….الخ. والسؤال هو: لماذا هذه “الما بعديات”؟ وما مغزي المفهوم أو المصطلح ذاته؟

إنه يعني ببساطة أن وضعًا ما في حالة تغير ولا يقين بعد عن مآله أو نتيجته؛ ومن ثم تتعدد وتتشابك التوقعات وتنتج صورة مركَّبة ومعقَّدة تحتمل أكثر من نهاية، إلا أنَّ كلَّ بديل أو توقُّع يحمل في جعبته مؤشرات عن مصداقيته مقارنةً بغيره؛ ومن ثم تتعدد المؤشرات عن الشيء وعكسه، وتظل هناك مساحات رمادية يتقابل عندها وتتقاطع كافة السيناريوهات، وهي أن غدًا لن يكون كالأمس، وقد تطول التوقعات والاحتمالات وقد تقصر عن “الما بعد” وفقًا لطبيعة الحدث، هيكليًا كان أم ظرفيًا أم طارئًا، عالميًا كان أم قطريًا أم إقليميًا وبالطبع تزداد “المابعديات” تعقدًا أو تركيبًا مع الأحداث الهيكلية العالمية: العسكرية، الاقتصادية، البيئية.. وما إليها.

هكذا كان الحال في “ما بعد” الحرب العالمية الأولى، واستغرق الأمر قرابة ثلاثة عقود حتى اتضحت ملامح نظام دولي جديد ثنائي القطبية بعد نظام تعدد القوى أدى فشله إلى اندلاع تلك الحرب الأولى. وهكذا كان الحال في “ما بعد” الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينات من القرن العشرين، وهكذا كان الحال من قبلهما في “ما بعد” الثورة البلشفية، والثورة الصينية، والثورة الإيرانية، وهكذا كان الحال أيضًا في “ما بعد” وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين، و”ما بعد” نشأة دولة إسرائيل، وهكذا كان الحال ومازال، مع “ما بعد” الحرب الباردة، و”ما بعد” القطبية الثنائية، و”ما بعد” العدوان على العراق، و”ما بعد” الربيع العربي والانقلاب عليه، وحتى “ما بعد” صفقة القرن 2020.

فمازالت أدبيات العلاقات الدولية -بعد ثلاثين عامًا من انتهاء الحرب الباردة- تتراوح بين أحاديث: استمرار أحادية أمريكية أم تعددية قطبية أم زوال الهيمنة الأمريكية؟ ومن ثم لا اتفاق على وصف النظام المعاصر: ما بعد الدولية، ما بعد العولمية، ما بعد ويستفاليا، ما بعد الرأسمالية الليبرالية!

ولقد ساعدت تطورات عالمية مهمة على كثافة وامتداد “المابعديات” دون حسم سريع أو جذري، وعلى رأسها الثورة التكنولوجية في شبكات الاتصالات والتواصل الاجتماعي بكافة أنواعها، وهي التي سهلت من توالد منصات المشروعات والأفكار التي تتفاعل فيما بينها “افتراضيًا”؛ منشئة وعيًا جماعيًا نوعيًا يتمركز حول سيناريوهات أو بدائل مبتغاة، حتى ولو لم يكن لديها على أرض الواقع، قاعدة واحدة. وفي المقابل تظل “السياسات العليا” الرسمية -وفق المنظور الواقعي- سواء العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية، هي التي تدير وتوجه “الحركة”، وقد تواجه معارضات وانتقادات ذات أصوات عالية من فوق المنصات الافتراضية تعيد تشكيل وعي ورأي قطاعات نوعية، ولكنها -أي المعارضات- لا تقدر على إحداث تغيير نوعي جذري يحدث نقلة نوعية تحولية في هيكل أو عمليات أو منظومة قيم النظام العالمي. ومن ثم يظل التصادم والتضاد، على صعيد البلد الواحد، أو الواقعة الواحدة، قائمًا بين اتجاهات “السلطة الرسمية” واتجاهات “السلطة الرابعة” ولا أقول المعارضات المنظمة. فلقد ولدت الساحات والمنصات الافتراضية قوى دفع على الأرض لتجميع صفوف وأصوات “الناس” في مجموعة ثالثة بين أصحاب السياسة والأموال وبين الحاكمين والمعارضين لهم.

وكان لما بعد “كورونا” مساحة خاصة بارزة لدى هذه المجموعة الثالثة، فقد بدا مع مرور الوقت أن “الدول”؛ أي الكيانات والسلطات الرسمية (على الأقل ظاهريًا) ما زالت تفكر وتعمل بنفس منطق ما قبل كورونا، فإذا كانت أزمة كورونا أحيت آمالاً في بدايتها إمكانيات تغيير([1])؛ فيبدو الأمر الآن  بعد تسعة أشهر مفصحًا عن وضع آخر، جعلنا نطرح هذا السؤال في في هذا العدد: ماذا عن بوادر تغير في مواقف الدول؟ والأهم: تجاه ماذا؟ وكيف؟

(1)

يبدو الأمر منذ أغسطس 2020 وتخفيف الإجراءات الاحترازية ورفع الإغلاق العام عبر معظم أرجاء العالم الذي صعد خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام، أن ما بعد كورونا، قد تراجع أمام تصاعد الطبول السياسية والعكسرية والاقتصادية غير ذات العلاقات المباشرة بتداعيات أزمة كورونا وإن كان لهذه التداعيات بالطبع أثارها على الفرص والقيود التي تواجهها سياسات الدول ومواقفها. فهل منعت أزمة كورونا ما يلي من تجليات؟!:

  • تصاعد المواجهة العسكرية في ليبيا بين حفتر وفريقه وبين الحكومة الشرعية في طرابلس، فإن إستعادة السيطرة على ضواحي طرابلس وحتى محور الجفرة- سرت تم في ظل الموجة الأولى من الجائحة، ولم يكن للتهدئة ومحاولات الحل السياسي الجارية علاقة بتراجعها، وها هي تتجدد من جديد انتهاكات وقف النار بين الطرفين الذي تم إقراره في أغسطس بعد موجة اتصالات دولية متعددة ورغم استمرار تدفقات السلاح والمحاربين على الطرفين منذ أن توقف الهجوم المضاد لحكومة الوفاق عند محور سرت- الجفرة.
  • استمرار الاستنزاف العسكري في اليمن بين الفرقاء المتحاربين واستمرار محاولات الإمارات السيطرة على الساحل الجنوبي لليمن وجزيرة سقطرى بعد عدن، في نفس الوقت الذي يتداعي الشعب اليمني بين ويلات القتال ونقص التغذية والأدوية وويلات الأوبئة المتفشية إلى جانب كورونا.
  • استمرار الفوضي السياسية والأمنية في العراق مع سقوط حكومة وصعود أخرى، منذ بداية الاحتجاجات الشعبية في العراق في بداية 2020 ومع استمرار الانفجارات والشد والجذب في التحالف مع إيران تحت ضغوط الوجود الأمريكي العسكري والتهديد بسحبه في وقت تعود داعش من آن لآخر لتطل برأسها من جديد في العراق.
  • الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان مع استمرار الفشل الحكومي في الإصلاح وحتى واقعة انفجار مرفأ بيروت التي وضعت كل شيء في لبنان على المحكّ في ظل هجمة تدخلات خارجية غربية، بالمنع مثل الولايات المتحدة، أو المراقبة والوعد بالمعونات مثل الاتحاد الأوروبي والسعودية، أو التهديد وإعلان الوصاية مثل فرنسا، أو التحفز والحذر مثل إيران حليف حزب الله. بل لقد كشفت أزمة لبنان الحالية تجدد الوجه الاستعماري التقليدي لفرنسا؛ فلقد أخذ ماكرون يبحث لنفسه عن دور خارجي ينقذ ماء وجهه من جوانب فشله الداخلية، وذلك مع اقتراب جولة انتخابات فرنسية برلمانية ورئاسية، ولقد وصل هذا الدور إلى حدّ التدخل صراحة والضغط من أجل إصلاحات سياسية داخلية ذات وجهة معينة.
  • تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران والتهديد بفرض عقوبات دولية من جديدٍ عليها، وتوجّه إيران نحو التهدئة والحذر وفتح الخطوط مع الأوروبيين لقلب المائدة على الولايات المتحدة.
  • تصاعد جهود كافة الأطراف الإقليمية والدولية لاحتواء وتقييد الدور التركي النشِط؛ سواء في ليبيا أو سوريا أو شرق المتوسط، في مقابل مبادرة دءوبة دبلوماسية من جانب تركيا تجاه كافة الأطراف الأوروبية والروسية والأمريكية والأطراف الإقليمية للحفاظ على زخم حركتها ولتقليل العداء والصدام وفتح جبهات التعاون أو المناورة، مع التأكيد المستمر على التمسك بحقوق تركيا ومصالحها في شرق المتوسط.
  • استمرار سياسة شد الأطراف مع مصر؛ سواء من الجنوب (سدّ النهضة) أو من الغرب (التدخل في ليبيا)، وسياسة توظيف النظام المصري لتجفيف منابع المعارضة في مصر؛ في ظل استنزاف للموارد المصرية فيما لا يصبُّ في عافية القدرات المصرية التنموية الحقيقية بل يصبُّ في مساحات خدمة النخب الجديدة المساندة لنظام ما بعد ثورة يناير.
  • استحكام كمَّاشة الضغوط في الخارج على السعودية: إدانات في أوروبا والولايات المتحدة للسياسات السعودية الداخلية والإقليمية، وتهديدات مستمرة بوقف مبيعات السلاح، وكشفٌ مستمرٌ إعلاميًا لممارسات ولي العهد السعودي (مثل واقعة الجابري مؤخرًا). فما المطلوب من السعودية أكثر مما تقدمه داخليًا وإقليميًا؟ هل التطبيع الرسمي والمعلن مع إسرائيل؟ ألم تكن فزاعة إيران التي رفعتها إدارة ترامب في وجه الخليج والتي أوصلت المواجهة العسكرية إلى حافة الهاوية لأكثر من مرة، من ناحية، وفزاعة التهديد بسحب الوجود العسكري ودعوة السعودية للاعتماد على النفس في الدفاع عن أمنها من ناحية أخري.. ألم تكن هاتان الفزاعتان بمثابة ضغوط صريحة أو ناعمة تدفع بالسعودية نحو التطبيع مع إسرائيل أكثر فأكثر؟
  • من جمود صفقة القرن؛ لأسباب داخلية إسرائيلية أمريكية، إلى التطبيع الإماراتي الإسرائيلي في غمرة الأزمة الداخلية التي يواجهها نيتنياهو واستنزاف الموارد الإماراتية والفشل في السياسات الإقليمية الإماراتية؛ سواء في اليمن أو ليبيا. وفي المقابل كان ردُّ الفعل العربي والإسلامي تجاه هذا التطبيع مترديًا وضعيفًا في حين تداعى الإعلان الإسرائيلي والأمريكي بفجاجة عن قرب دخول دول عربية وإسلامية أخرى في اتفاقات تطبيع مناظرة مع إسرائيل. وبالفعل تصدرت البحرين القائمة بإعلان ترامب قبل أيام من توقيع اتفاق الإمارات وإسرائيل أنه سيتم أيضًا توقيع اتفاق مع البحرين يتضمن قيام علاقات دبلوماسية كاملة وفتح سفارتين في عاصمتي الدولتين (أين ستكون سفارة البحرين: هل في القدس؟).
  • فشل الكيان الجماعي العربي المسمّى الجامعة العربية في إدانة الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، ولم يصدر عن اجتماع وزراء الخارجية أوائل سبتمبر، إلا بيان هزيل يؤكد تردي دور الجامعة القومي في الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني بل والشعوب العربية كافة.
  • فشل أو تقييد أدوار أرادت أن تقوم بها بعض الدول الإسلامية لتثبيط وتهدئة الصراعات الإقليمية مثل الدور الباكستاني بين السعودية وإيران، والدور الماليزي (مهاتير محمد) لتدعيم التضامن الإسلامي.
  • تردُّد أصداء الانقلابات العسكرية من جديد في أفريقيا، بعد انقلاب السودان على البشير ثم على الثورة السودانية، وفشل الحكومة الانتقالية إلا في أمرٍ واحد؛ وهو الهرولة للتطبيع مع إسرائيل ثمنًا لرفع العقوبات الأمريكية ولرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي المقابل يستمر الفشل في مواجهة مشاكل المواطنين السودانيين وتحقيق آمال ثورتهم.
  • تعاضد أوروبا مع اليونان في المواجهة مع تركيا شرق البحر المتوسط، وعلى نحو لم يسبق خلال جائحة كورونا، حين انكفأت الدول الأوروبية على حدودها وتهاوى التضامن عبر الحدود على نحو أثار تكهنات البعض حول مستقبل تجربة الوحدة الأوروبية وقدرتها على الصمود، أما التداعيات الاقتصادية والسياسية للجائحة على أداء الاتحاد الأوروبي تجاه دوله الأعضاء.
  • احتدام الصدام الصيني الأمريكي المباشر على الصعيد الاقتصادي بصفة خاصة بعد أن توالت الاتهامات الأمريكية للصين بالتآمر عليها بفيروس كورونا، كذلك انفجرت بؤر للمواجهة غير المباشرة على ساحة حلفاء للطرفين؛ هونج كونج، والحدود الهندية الصينية، وتايوان، والفلبين. في نفس الوقت الذي استمر التنسيق الصيني الروسي العلني والمناورات الروسية الأمريكية حول ساحات التنافس المعقدة في سوريا وليبيا بصفة خاصة، ولم تعدّ العلاقة مع الصين ورقة انتخابية في يد ترامب بقدر أوراق أخرى، مثل التطبيع بين العرب وإسرائيل.
  • ومن ناحية أخرى اختبرت المصالح الاقتصادية مع الصين علاقات التحالف الأمريكية الأوروبية، حيث راهنت أوروبا على المحافظة على العلاقات الاقتصادية مع الصين ولو اغضب ذلك الحليف الأمريكي، وخاصة أن الأخير يعيد حساباته العسكرية على أطراف القارة الشرقية في مواجهة تجدد تنافسه العسكري مع روسيا (بولندا) والسياسي (أوكرانيا وبيلاروسيا).

(2)

وبقدر ما كانت وطأة أزمة كورونا على الاقتصاديات الوطنية والعالمية شديدة على مستوى كافة القطاعات، بقدر ما كانت تداعياتها على طبيعة النظم السياسية والاجتماعية أكثر شدة، ناهيك عن تداعياتها على جهود المجتمع المدني العالمي. وإذا كانت الجهود الرسمية، وخاصة للقوى الكبرى، قد تسارعت لإعطاء قبلة الحياة للاقتصاديات ولو على حساب الحماية الإنسانية من الوباء إلا أنه كان “لما بعد كورونا” تأثيرات مغايرة على مجالات (غير المجالات الصلدة) أي الاجتماعية والشعبية والمدنية، وعلى نحو يبرز مؤشرات تغير، سواء سلبية أو إيجابية.

فمن ناحية، لم تمنع تداعيات كورونا وخاصة الاقتصادية والاجتماعية، بل قد تكون حفزت، حركات احتجاجية وتعاونية وبنائية من جانب الشعوب، ومن ناحية المجتمع المدني العالمي في مواجهة الاستبداد والفساد والعنصرية والظلم الاجتماعي وعدم المساواة في توزيع الموارد. ومن أبرز المشاهد ما يلي:

  • محاولة إنقاذ دور منظمة الصحة العالمية بعد الانسحاب الأمريكي من تمويلها واتهام ترامب لمديرها بالتنسيق مع قيادة الصين لإخفاء حقيقة الوباء عن العالم في بدايته. فمن تبرعات مالية من جانب الاتحاد الأوروبي لدعم جهود المنظمة في مجال اكتشاف لقاح ضد الفيروس، إلى مساندات معنوية وإعلامية مدنية لأهمية دور المنظمة عالميًا وقت الأوبئة، إلى دعوات الحكومات للأخذ بنتائج الدراسات والبحوث التي توفرها المنظمة عند تخطيط وتصميم سياسات وبرامج الإجراءات الاحترازية، وقرارات الحكومات الخاصة بالتعليم والتواصل الاجتماعي والسياحة بصفة خاصة.
  • وفي مقابل الجهود التعاونية عبر القومية، فإن المنافسات القومية بين الدول الكبرى قد بلغت أشدها للفوز بسبق الوصول إلى لقاح، لما يترتب على ذلك من مكاسب اقتصادية ومكانة سياسية.
  • لم تحُل الإجراءات الاحترازية والإغلاق الجزئي أو العام دون الشعوب الحرة والخروج السلمي، وأحيانًا العنيف، ضد العنصرية (بعد واقعة جورج فلويد) وإن تركزت المظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع، إلا أنها امتدت أيضًا إلى أرجاء أوروبا، وخاصة الدول الاستعمارية الكبرى السابقة.
  • ولقد انفجرت المظاهرات أيضًا في بيلاروسيا وبدون توقف طوال شهر أغسطس 2020؛ اعتراضًا على تزوير الانتخابات الرئاسية التي استبقت رئيسًا لمرة سادسة، وهي مظاهرات من أجل الحرية السياسية وحقوق الإنسان واحترام القانون، تحملُ في طياتها توجهًا نحو الغرب وبعيدًا عن روسيا في الشرق؛ وهو الأمر الذي يضع هذه الحركة في مأزق سبق وتعرضت له أوكرانيا، فمازال التنافس الروسي الغربي يمسك بخناق هذه الجمهوريات منذ استقلالها بداية التسعينيات.
  • ولم تخرج للأسف مثل هذه المظاهرات في أوطاننا العربية والإسلامية التي تضج هي الأخرى بأشكال متعددة من العنصرية، والاستبداد السياسي والفساد والطائفية بل والاحتلال.
  • إلا أن أشكالاً متقطعة من المظاهرات ظهرت في العراق، وبالطبع في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، وفي المقابل في ظل الجائحة توقف الحراك الشعبي الجزائري الذي انتظم لما يزيد عن العام، ضد الاستبداد والفساد والطائفية.
  • و لم تحُل كورونا دون خروج المقدسيين المستمر رباطًا من أجل الأقصى، وكان الاحتفاء بإعادة الصلوات إلى الأقصى متجليًا في عدد المصلين في باحات المسجد وخاصة أيام الجُمَع.
  • كما كان مشهد الشعب التركي في أول صلاة جمعة في آيا صوفيا بعد عودتها مسجدًا في منتصف يوليو، مشهدًا شديد الدلالة على اجتماع شعوبنا العربية والإسلامية في مشاهد إيمانية لا تقل أهمية ودلالة عن مشاهد الاجتماع البشري التظاهري في عواصم الغرب ضد العنصرية؛ العنصرية التي تنخر في صميم جذور المجتمعات الغربية ونظمها منذ قرون والتي تجلت وكشفت عن نفسها جلية واضحة في موجات وممارسات الاستعمار الأوروبي عبر العالم، ولم تستطع ادّعاءات “مهمة الرجل الأبيض في تمدين وتحضر الشعوب المستعمرة” إخفاء جذور وملامح هذه العنصرية بأشكالها المختلفة الدينية والمعرفية والثقافية والاجتماعية بل والسياسية والاقتصادية وبالأخص عند استخدام القوة العسكرية.
  • التطور البارع والسريع لوسائل التواصل الاجتماعي لتصبح أكثر استجابة لمتطلبات “التواصل عن بُعد” الجماعية؛ سواء على مستوى: مؤتمرات، اجتماعات عمل، وسائل ترفيه، وسائل تعليمية، خدمات متنوعة، تسويق.. وهو الأمر الذي -وإن وفر استجابات عاجلة لمتطلبات استمرار الحياة وإدارتها- إلا أنه لا يخلو من تداعيات سلبية على إنسانية الاجتماع البشري. ناهيك عن عدم القدرة على ادّعاء أن جميع أهل الأرض في مختلف بقاعها، قادرون على الاستفادة من هذا التطور الافتراضي السريع، بل ربما لا يعرف البعض عنه؛ ومن ثم فإن هذا الوضع العالمي الذي يلعب فيه التفاعل الافتراضي دورًا بارزًا، يصبح وضعًا يعاني من أنواع عديدة من الفروق والفجوات؛ ومن ثم الخلل وعدم التجانس؛ وذلك لصالح نخب جديدة أو طبقات جديدة، أو طبيعة جديدة للحياة والعالم، ما فتئ البعض يرسم ملامحها، في حين يحذر البعض الآخر من مخاطرها على الإنسانية، إلا أن فريقًا ثالثًا يرى أنها سنة التطور الطبيعي لدورات الحياة.

(3)

ويبقى عند الحديث عن “بوادر تغير في الأوضاع” وجهٌ ثالثٌ يجمع بين الرسمي وغير الرسمي، يجمع بين السياسات العليا والسياسات الدنيا، يجمع بين القيمي والمصلحي؛ ولكن في مشاهد تشير إلى استحكام سلبيات الأوضاع المأمول تغييرها تحت وطأة وباء عالمي فجّر مع بدايته كل آمال علوّ القيم والأخلاق من جديد لإنقاذ الإنسانية؛ ولكن إذا بالممارسات، خلال احتدام الموجة الأولى في قلب الغرب وما بعدها وانتقالها من بقعة إلى أخرى على الأرض، تكشف عن قدر الاستمرارية في الوجه القبيح للسياسة ليس فقط على مستوى السياسات العليا، ولكن أيضًا ما يسمى قضايا إنسانية عالمية. وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

  • مشهد أزمة الديمقراطية الأمريكية والغربية بصفة عامة في مقابل استحكام قبضة العسكرة والاستبداد والتبعية والتصهين على الصعيد العربي بصفة خاصة. ففي حين فجرت إدارة أزمة كورونا في الولايات المتحدة وأوروبا، جدالاً واسعًا حول فعالية الخدمات والعلاقة بين مؤسسات السلطة وحول قواعد إدارتها خدمة لمصالح الإنسان أم الاقتصاد؟ وفي حين لم تحل الأزمة الوبائية دون اندلاع المظاهرات ضد العنصرية وخاصة في أمريكا وأوروبا، فإن نصف الكرة الأرضية الآخر -شرقها وجنوبها- كان يشهد استحكام نمط آخر من علاقات السلطة؛ وأبرزَ هذا النمط استحكام قبضة الاستبداد والتبعية والتصهين وتمكنها من رقاب الشعوب، التي انكفأت خوفًا على حياتها في ظل دقات طبول الحرب ضد الوباء العالمي أو بحثًا عن قوت اليوم في ظل التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب.

وفي نفس الوقت، تسارعت النظم التسلطية في ممارساتها تنفيذًا لتصوراتها عن “المصلحة الوطنية وعن الاستقرار والسلام العالمي”، وجميعها ممارسات تثير معارضات داخلية إلا أن أصوات المعارضة قد تم وأدها تحت مباركة القوى الكبرى وتحت ذريعة حماية الدول من مصير “المشهد السوري”.

ومن أبرز مشاهد هذا التسارع في ممارسات النظم الاستبدادية: اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، عدم فعالية الموقف المصري تجاه “سد النهضة”، انطفاء جذوة الموجة الثانية من الثورات في لبنان والعراق والجزائر والأردن…، توالي موجات الاعتقال في الداخل السعودي باسم مقاومة الفساد، إحكام قبضة الإمارات على الساحل الجنوبي لليمن والسيطرة على سقطري لصالح التعاون مع إسرائيل، الهدوء المؤقت للمشهد السوري وتراجعه عن صداره الإعلام لصالح المشهد الليبي، اتخاذ المفاوضات للاتفاق على حل سياسي في ليبيا ذريعة لتزويد معسكر حفتر بالسلاح، أزمة معسكر الثورة في تونس نتيجة هجوم معسكر الثورة المضادة المتحالف مع الإمارات، وعلى نحو تعرض معه النظام التونسي لأزمات متلاحقة.

  • مشهد تواري أزمة اللاجئين عن الصدارة الإعلامية، بل عن مساندة الاتحاد الأوروبي لعمليات إغاثة اللاجئين من البحر أو توفير ملاجئ آمنة لهم حتى تنظيم استقبال بعضهم أو إعادة البعض الآخر لأوطانهم أو ترك فريق ثالث نهبًا لأوضاع المعسكرات المؤقتة لاستقبال اللاجئين. فلقد رفضت قبرص وإيطاليا واليونان، أواخر أغسطس، نداءات الاستغاثة التي أطلقتها سفينة محملة باللاجئين على وشك الغرق، فهل هذه بداية تراجع سياسة الاتحاد الأوروبي في حماية شواطئه ولو على حساب حماية اللاجئين من الغرق؟

ويرتبط بهذا المشهد وجه آخر للعملة “الإنسانية” يكشف عن التردي في حماية هذه “الإنسانية” تحت وطأة “الواقعية المفرطة” للسياسات الوطنية أو الجماعية على صعيد أقاليم العالم، فرغم تعدد مؤتمرات “دعم” سوريا، واليمن، وليبيا، وأخيرًا لبنان، ورغم تعدد الوعود الدولية بتقديم الأموال اللازمة للإغاثة الإنسانية، إلا أن هذه الإغاثات تظل في أضيق الحدود، ناهيك عن تعثر وصولها بسبب الاعتبارات السياسية أو الصدامات العسكرية بين الأطراف المتحاربة.

وازدادت هذه الأزمة استحكامًا في ظل التداعيات الاقتصادية لكورونا على ميزانيات الدول والمؤسسات الدولية، ولذا لم يكف أمين عام الأمم المتحدة عن التحذير من عواقب كورونا على أوضاع اللاجئين في مناطق الحروب، وعلى الفقراء عبر أرجاء العالم.

وحظيت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة بنصيب لا يقل عما أصاب أوضاع أنماط اللاجئين الأخرى، في الدول العربية والإسلامية بصفة عامة. فلقد كادت تتوقف مفوضية اللاجئين الفلسطينين عن أداء أعمالها الإغاثية بعد الانسحاب الأمريكي من تمويلها وجمود التدفقات الدولية الأخرى إليها، ورغم بعض المساعدات الاستثنائية من جانب بعض الدول، إلا أن أعمال المفوضية في تردٍّ دائم، تمثل في تكرار التظاهرات في غزة أمام أبواب مؤسساتها طلبًا لصرف مستحقات الإغاثة، وذلك في وقت تزداد فيه قيود الحصار من إسرائيل حتى أضحت غزة نموذجًا عالميًا للحصار الممتد من ناحية، ولمقاومة هذا الحصار من ناحية أخرى. ولم تشفع كورونا أو غيرها لفك هذا الحصار أو تخفيفه، فلقد وصل الحصار الإسرائيلي على غزة أقصاه متمثلاً في منع الوقود وإغلاق المعابر من إسرائيل لغزة طوال أغسطس عقابًا على أعمال المقاومة الشعبية من غزة (البالونات الحارقة)، بعد جُمع كسر الحصار طوال ما يزيد عن العام، كما وصل العقاب الإسرائيلي للسلطة في الضفة أقصاه أيضًا بعد رفض وإدانة صفقه القرن ثم التطبيع الإماراتي الإسرائيلي ووصف أبو مازن محمود عباس له بالخيانة.

  • المشهد الثالث والأخير من مشاهد “الأبعاد الإنسانية” ما بعد كورونا، ومآلاتها في ظل ضغوط سياسات القوى الصلدة، مشهد استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في سجون الدول العربية والإسلامية، وهي الانتهاكات ضد المعارضين السياسيين بصفة خاصة؛ والتي تمثل سياسات ممنهجة ذات أهداف سياسية، فرغم تكرار تقارير المنظمات الدولية والعالمية لحماية حقوق الإنسان؛ سواء الرسمية، مثل لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة، أو المدنية مثل هيومان رايتس وتش أو منظمة العفو الدولية، ناهيك عن منظمات إقليمية عربية وإسلامية (ذات مقار في الخارج)، ترصد وتوثِّق -وتعلن عن- وتُدين هذه الانتهاكات، رغم ذلك تظل هذه الانتهاكات مستمرة، بل وفي تصاعد في نفس الوقت الذي تنكر فيه النظم وجودها أو تبقى صامتة دون ردّ، والأكثر دلالة في هذا الصدد، هو موقف حكومات الدول الغربية (حيث مقار هذه المنظمات والمؤسسات) “البارد” من هذه الانتهاكات ومن هذه الإدانات، طالما أن النظم المتهمة هي نظم تلقى المساندة والدعم بحجة أنها تحافظ على الاستقرار وتشارك في الحرب العالمية ضد الإرهاب.

فإن هذه الحكومات  الغربية وإن لم تمتنع عن إصدار إدانات لانتهاكات حقوق السجناء والمختفين قسريًا، إلا أنها إدانات محدودة وعامة ولا تتجاوز الخطاب المعلن إلى عقوبات أو ضغوط حقيقية على هذه النظم المستبدة لتغيير سياساتها الداخلية ضد المعارضين، ولم تكن بالطبع كورونا لتمثل ظرفًا طارئًا يستوجب غير هذا النمط، فإنها لغة المصالح أولاً قبل قيمة حياة الإنسان ولو كان معارضًا سجينًا. ولقد كشفت واقعة المعارض الروسي أليكسي نافالني التي احتلت الصدارة الإعلامية الأسبوعين الأخيرين من أغسطس والأسبوع الأول من سبتمبر 2020، حقيقة النفاق والمعايير المزدوجة التي تتصف بها مواقف الحكومات الغربية تجاه هذه القضية الإنسانية.

فبعد نقل المعارض الروسي، إلى ألمانيا للعلاج، أفاضت السلطات الألمانية في 3، 4 سبتمبر 2020 في اتهام الحكومة الروسية بتسميم المعارض الروسي، واصطف الاتحاد الأوروبي وراء المواقف الألماني في إدانة روسيا بل وفي التهديد باتخاذ مواقف عقابية ضدها تتمثل في وقف خط غاز سيبريا إلى أوروبا…!! اعتراضًا على هذا الموقف الروسي من المعارضين لبوتين، بل وصل الأمر بالناتو إلى اتهام روسيا بعدم احترام معاهدة خطر استخدام الأسلحة البيولوجية على اعتبار أن المعارض الروسي قد تم تسميمه بغاز أعصاب يستخدم في الحروب البيولوجية، وإذا كانت روسيا قد رفضت وأدانت هذا التوظيف السياسي الغربي لهذه الواقعة إلا أن المشهد مازال مفتوحًا لم يصل إلى نهايته، فهل ستفرض عقوبات أوروبية على روسيا؟ ولماذا هذا التصعيد الآن ضد روسيا؟ وقد سبق واتخذت أوروبا وألمانيا بصفة خاصة مواقف أقل حدة من اتهام ترامب الصين بأنها المسؤولة عن تفشي وباء كورونا وانتقاله إلى الولايات المتحدة بصفة خاصة؟ بل إن أوروبا وألمانيا بصفة خاصة أعطت الأولوية للحفاظ على المصالح الاقتصادية مع الصين ولو على حساب الاصطفاف مع مواقف ترامب ضد الصين؛ ولكن الأهم، هل معارض روسي واحد يفوق في الأهمية آلاف سجناء الرأي والمعارضين في سجون النظم العربية والإسلامية وفي إسرائيل، بحيث لا يستحق هؤلاء ما هو أكثر من الإدانة اللفظية العابرة من حكومات غربية؟ ولماذا؟ إنها حسابات المصالح وتوازنات القوى التي تفوق أي اعتبارات أخلاقية وقيمية، فتلك الاعتبارات تقوم على توظيفها حكومات القوى الكبرى حين تحقق مصالحها وليس دفاعًا عن حقوق منتهكة.

خلاصة القول: إن هذه المجموعات الثلاث من مشاهد “المابعديات” في مسلسل كورونا والنظام العالمي، وقدر ما يكون قد أصاب هذا النظام العالمي من تغير أو عدمه، تشير للآتي:

تغلب “الواقعية البراجماتية الملتحفة بالقيم والأخلاق” على سياسات نظم الدول الكبرى أو الصغرى على حد سواء، غربًا وشرقًا وجنوبًا، وفي المقابل تناضل مؤسسات المجتمع المدني العالمي وقوى المعارضة الداخلية من أجل تغييرات في داخل النظم، على اختلافها ديموقراطية أو مستبدة (لأن جميعها يمر بأزمته)، وعلى الصعيد العالمي، فإن وباءً عالميًا مثل كورونا، ورغم كل التوقعات التي فجرها عن آثاره على النظام العالمي والتي اجتهد الجميع لرصد ملامحها على مستوى الدول والمؤسسات العالمية (انظر الملف السابق)، فمما لا شك فيه أن التفكير الجدي في “ما بعد كورونا” على ضوء الشهور الثلاثة الأخيرة منذ بداية تخفيف الإغلاق والإجراءات الاحترازية (رغم التحذير من موجه ثانية قادمة أكثر حدة من الجائحة)، يبين أنْ لا بوادر في تغيرات جذرية في طبيعة سياسات القوى وتوازناتها بين الدول، وأنه رغم اهتزاز منظومة القيم السائدة المهيمنة (قسرًا من أعلى)؛ وهي قيم النظام الرأسمالي الاستهلاكي العولمي الذي يخترق الجهاز العصبي للشعوب، وذلك تحت وطأة وحشية العولمة وسلبياتها، إلا أن تداعيات جائحة كورونا لم توجه لهذه المنظومة ضربة في الصميم تفرض تغيرها ليصبح العالم أكثر صحة وحرية وإنسانية وعدالة؛ ولهذا يواجه النظام العالمي والنظم الإقليمية أزمات نوعية متعددة تختبر مدى استمرارية أو التغير في العالم في ظل “ما بعد كورونا”([2]).

وكل هذا يفرض ويستوجب التفكير الجدي في كيفية تحويل دعاوي ومطالب الاتجاهات النقدية الغربية و”الحضارية” غير الغربية -وعلى رأسها “منظور حضاري إسلامي”- من أجل “التغيير العالمي” من مجرد تصورات فكرية لما يجب أن يكون إلى سيناريوهات حركة وعمل مدينة وشعبية لتدعيم حركات التغيير السلمية في المجتمعات وتوطيد شبكاتها عبر القومية وعبر الإقليمية، لتعلو الأصوات المطالبة بالتغيير وتصبح أكثر تأثيرًا وفعالية وينتفى اتهامها بالمثالية واللاشرعية أو اللامشروعية أو الهامشية وعدم الواقعية.

فالحقوق تحتاج قوة تحميها وتخدمها، والشعوب تحتاج نظما تمثلها حقيقة، والفقراء والمهمشون لن يظلوا صامتين للأبد، ومشاكل الإنسانية المعذبة لن تظل طويلاً مجرد قنابل موقوقة، فهل قاربت على الانفجار؟! أستكون هي “الحرب العالمية الثالثة” أم سيكون جشع الكبار وصراعاتهم وخاصة الاقتصادية اللاأخلاقية هي المفجر لهذه الحرب كما حدث مع الحرب العالمية الأولى التي فجرتها التنافسات الاستعمارية، والحرب العالمية الثانية التي فجرتها تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، والحرب الباردة التي فجرها تقسيم أيديولوجي وحروب بالوكالة بين قطبين، والحرب العالمية على الإرهاب التي فجرتها الولايات المتحدة لتأكيد هيمنتها الأحادية على العالم باستخدام كافة الأسلحة الملتحفة برداء ديني ثقافي مقيت؟ فما إذًا هو نمط الحرب الذي تتصوره سرديات “ما بعد كورونا”: حرب تكنولوجية تغير نمط الحياة البشرية، وتزيد من الفجوات بين الشعوب والأمم بل وداخل الشعب الواحد والأمة الواحدة؟ أم ماذا؟

الحمد لله

سبتمبر 2020

******************

الهوامش

([1]) انظر العدد الثامن عشر من قضايا ونظرات، متاح على موقع مركز الحضارة للدراسات والبحوث، عبر الرابط التالي: https://cutt.us/aVvMZ

([2]) وتقدم تقارير هذا العدد من الفصلية نماذج لها.

 

فصلية قضايا ونظرات – العدد التاسع عشر – أكتوبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى