د. حامد ربيعد. نادية مصطفى

قراءة في أعمال د. حامد ربيع عن العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

تنعقد الندوة، كما حدد منظموها، انطلاقًا من تقليد “ثقافة التذكير” باعتباره تقليدًا أوروبيًا تعرفه الجامعات والمراكز الأوروبية.
ومع قمة مثل د. حامد ربيع فإن الأمر لا يتصل “بالتذكير” فقط، ولكن بالإحياء والاستلهام للنمط الذي يمثله والرمز الذي يقدمه. فما أحوجنا إليه الآن، علمًا وعملاً، ناهيك عن أن تقاليد تراثنا العربي والإسلامي تعرف نظائر هذه “الثقافة” وما أحوجنا إلى استدعائها في زمن لم تنقطع فيه الروابط بين الأستاذ والتلميذ فقط ولكن انقطعت الروابط بين الأساتذة الأحياء المعاصرين.
كما تهدف الندوة إلى تقديم قراءة نقدية في أعمال هذا العالم الموسوعي، وعلى هذا النحو الذي تنعقد عليه الندوة، أي تدارس حالة الإضافة والتراكم المعرفي الذي حققه د. حامد ربيع في مجالات العلوم السياسية المختلفة، فإذا بالندوة تجسد ما وصل إليه حال العلاقة بين هذه المجالات في المرحلة الراهنة من تطور علم السياسة. فكأن د. حامد ربيع وهو ينتقل بين مجالات العلم المختلفة إنما يسجل حقيقة مهمة وهي التداخل والتواصل والتفاعل بين هذه المجالات وعدم الانفصال بينها.
ولكن يبقى للعملة وجه آخر؛
كيف يمكن تقديم قراءة نقدية في أعمال د.حامد ربيع في مجال من المجالات –مثل العلاقات الدولية أو غيرها؟ وماذا يعني بالنسبة لتلاميذه –كبارًا وصغارًا؟
إن الذي يدفعني إلى هذا السؤال -عدا الاعتبارات المنهجية الخاصة بمنهج إعداد البحث- أمران؛ من ناحية: أن إعادة قراءة د. حامد ربيع بعد سنوات طويلة منذ الاقتراب منها لأول مرة يمثل اختبارًا للقدرات الذاتية وللخريطة الفكرية الذاتية وللتوجه الذاتي العلمي. لأن إعادة قراءة نموذج فكري ونظري عميق القسمات مثل د.حامد لابد وأن يضع كل ذات أمام نفسها، لأن هذه القراءة تدفع لاتخاذ مواقف علمية وعملية على حد سواء.
ومن ناحية أخرى: مع تفرع شبكة مؤلفات د.حامد، ألا يمكن تحديد دائرة تحتل الأولوية يمكن من خلالها إرساء قواعد بناء عملية القراءة المقارنة؟
وانطلاقًا من هذين الأمرين تحدد منهجي لإعداد هذا البحث وهو يتمثل في خطوتين أساسيتين؛ الأولى: رسم خريطة مكتبة د.حامد ربيع –من منظوري كمتخصص في العلاقات الدولية- حتى يمكنني أن أحدد ملامح خريطته البحثية في مجال العلاقات الدولية، ومن ثم أحدد أي المواقع أو الزوايا التي يمكن أن أنفذ من خلالها مهمتي البحثية، وخاصة على ضوء المتوفر من هذه المؤلفات لدى قسم العلوم السياسية.
الثانية: القراءة الأولية في المتوفر من هذه المؤلفات بغرض إعادة اكتشاف خصائص منهاجية كبرى، ناهيك عمّا يمكن اكتشافه من قراءة عناوين المؤلفات ذاتها؛ فلقد كان للـ د.حامد ربيع ملكة صياغة العناوين الموحية المستثيرة للتساؤلات. وبعد هذه القراءة الأولية لابد من الاختيار والانتقاء لبعض النماذج لتقديم نتائج القراءة النقدية التفصيلية فيها.
وعلى ضوء كل ما سبق، فإن الدراسة تتضمن جزئين: الأول يتضمن الخطوات المنهجية، والثاني يتضمن نتائج القراءة النقدية في بعض النماذج من مؤلفات د. حامد ربيع.

الجزء الأول: خطوات منهجية

أولاً- رسم خريطة مكتبة د.حامد ربيع في العلاقات الدولية(*)

بمراجعة العناوين التي تتضمنها قائمة مؤلفات د.حامد ربيع، والتي انبنت على محتوياتها القراءات المقدمة في هذه الندوة، يتضح لي أنه ما يتصل بالعلاقات الدولية يمكن تقسيمه إلى المجموعات التالية:
1. نظرية العلاقات الدولية.
2. العلاقات الدولية – العربية أو المنطقة العربية في النظام الدولي.
3. الأبعاد الإسلامية في دراسة العلاقات الدولية.
4. النظام الدولي.
5. مصر.
6. الوظيفة الدبلوماسية.

وفيما يلي تسجيل لمحتويات كل مجموعة بالرجوع إلى العناوين فقط كما وردت في قائمة المؤلفات لدى قسم العلوم السياسية(**).

أولاً- في نظرية العلاقات الدولية:

نظرية القيم السياسية (د.ت)، نظرية السياسة الخارجية (1972)، نظرية الدعاية الخارجية (1972)، الإرهاب الدولي ونظرية السياسة الخارجية (د.ت)، حول نظرية السياسة الخارجية وقواعد التعامل الدولي.

ثانيًا- المنطقة العربية، الشرق الأوسط في النظام الدولي:

– المتغيرات الدولية وأزمة الشرق الأوسط (79).
– الأوضاع الدولية والتطور المعاصر للدور الإقليمي للمنطقة العربية (85).
– الأبعاد الاستراتيجية لصراع القوى الكبرى حول الخليج العربي (83).
– الحوار العربي الأوربي واستراتيجية التعامل مع الدول الكبرى.
– الصراعات الدولية حول الوطن العربي، حرب الخليج، الاستراتيجية الإسرائيلية في التسعينات (86).
– الصهيونية بين الواقع الإقليمي والمتغيرات الدولية (79).
– نظرية التعامل الدولي ومشكلة الشرق الأوسط (81)، 79، 78.
– السياسات الخارجية ومشكلة الشرق الأوسط.
– السلاح الكيماوي والجرثومي واستراتيجية التعامل العسكري في منطقة الشرق الأوسط (د.ت).
– القدس وصراع القوى الدولية حول منطقة الشرق الأوسط (86).
– سلاح الغذاء ومستقبل التعامل الدولي مع الوطن العربي.
– الثقافة العربية في مواجهة النفوذ الأجنبي والصهيوني.
– الاقتصاد العربي والتبادل البترولي مع الدول النامية.
– العلاقات العربية اليابانية (1979).
– البحر المتوسط والاستراتيجيات الكبرى – حول سياسة عربية بحر متوسطية (198).
– العرب في قلب العاصفة في (السياسة السوفيتية، في ملف الاستراتيجية الأمريكية، بين صراع العمالقة، أو ربا الغربية)، مستقبل إسرائيل بين المطرقة العربية والسندان الإسلامي (1978) هل فشل العرب في التعامل مع مشكلة الشرق الأوسط ومتغيراته.
– الاستراتيجية الأمريكية الجديدة وأزمة الشرق الأوسط (1984).
– الدفاع عن الخليج دفاع عن الأمن القومي العربي (1984).
– لماذا الفشل العربي في التعامل الدولي.
– جامعة الدول العربية والمنظمات الإقليمية البديلة: كيف سقطت القيادات العربية في فخ المخطط الصهيوني (1986).
– مخطط دولي لتفتيت الوطن العربي: توافق استراتيجي في السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط (د.ت).
– معركة العرب على جبهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي (1984).
– السياسة الخارجية والسياسة الإنمائية: الواقع العربي والبعد الثقافي للتعامل الدولي بين التداخل والتبعية (1984).
– سبل تعزيز الدور العربي في الأمم المتحدة (1987).
– الوطن العربي وديناميات التعامل الدولي مع الكتل المختلفة في نهاية القرن الحالي: نظرة مستقبلية (1984).
– الظاهرة الإنمائية والواقع العربي: حول تحليل موضوع المتغير الثقافي في العملية الإنمائية وخبرة التطور السياسي في العالم المعاصر (1984).
– الأبعاد الدولية للمشاكل الإنمائية في الوطن العربي.
– سياسة ليبيا الخارجية والصراع الدولي (1984).
– السياسة الليبية وتوازن القوى الدولية في البحر المتوسط.
– العراق في لعبة الأمم: حول تطور الوظيفة الدولية للعراق خلال الأعوام القادمة.
– البترول العربي واتجاهات السياسة الدولية.

ثالثًا- البعد الإسلامي في دراسة العلاقات الدولية:

– الإسلام والقوى الدولية (1981).
– سوف أظل عربيًا (13 رؤية) (1978 -1980): نحن والعالم، قيمنا المعنوية في التاريخ الإنساني، القيم الإسلامية والتراث الأوربي، الحضارة الإسلامية، الدولة العالمية والعروبة الإسلامية نحن والحضارة البيضاء إلى أين الطريق.
– الإسلام في لعبة الأمم: الصحوة الإسلامية حركة شعوب تبحث عن ذاتها وليس تحريكًا لجيوش تسعى إلى القتال (1985 ).
– حوار مع د.حامد ربيع حول المشروع الحضاري الإسلامي: الفكر القومي في العالم العربي عفا عليه الزمن ( 1988).
– عملية توظيف الورقة الإسلامية في تحطيم القدرات الذاتية للوطن العربي الإطار الفكري للتعامل.
– الإسلام وعملية تخريب الوطن العربي.
– إشكالية التراث وتدريس العلوم السياسية في الجامعات العربية (1985).
– استراتيجية التعامل الدولي في تقاليد الممارسة الإسلامية.
– خطاب من د. حامد ربيع إلى الرئيس الخميني (31/7/ 1988 من بغداد).

رابعًا- النظام الدولي:

– خصائص المجتمع الدولي المعاصرة (د.ت).
– تطور العلاقات الصينية الإسرائيلية (د.ت).
– الاستراتيجية الأمريكية الحديثة.
– تطور العلاقات الصينية مع الكيان الصهيوني (1987).
– ظاهرة التكتل الإقليمي في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة وعلاقتها بالحقيقة المعاصرة للإطار النظامي لظاهرة الدولة (1961).
– القارب الهندي يعبر خضم الصراعات الدولية أم يغرق (1984).

خامسًا- مصر:

– ثورة 23 يوليوووظيفة مصر الإقليمية: حول التعريف بمفهوم الدولة القائد وعملية التطور الوحدوي (86-87).
– سوف أظل عربيًا (رقم 13): بين مصر العربية والعروبة المصرية (1980).
– سياسة عبد الناصر الخارجية في الميزان (1983).
– ثورة 23 يوليوفي عصر العمالقة: جمال عبد الناصر والإدراك لوظيفة مصر الدولية (1984).
– الساسة الخارجية المصرية (د.ت).
– مشروع بحث عن وظيفة مصر الإقليمية: حول تحليل الأبعاد السياسية للدور الحضاري المصري في منطقة الشرق الأوسط.

سادسًا- الوظيفة الدبلوماسية:

– حول تأصيل نظرية السياسة الخارجية وقواعد التعامل الدولي (د.ت).
– الوظيفة الدبلوماسية بين إعداد السياسة الخارجية ومقياس اتجاهات الرأي العام.
– نظرية الدعاية والعمل الدبلوماسي (68).
– الأداة الدبلوماسية والعمل الدعائي الخارجي (د.ت).
– نظرية التعامل الدولي ومشكلة الشرق الأوسط.
– نظرية مناهج البحث في خدمة الوظيفة الدبلوماسية.

ويمكن من قراءة العناوين السابقة وكذلك من واقع القراءة في بعض هذه الأدبيات (16 نصًا هي المتوافرة من القائمة المذكورة سابقًا) أن أسجل الملاحظات التالية حول المشروع الفكري للـ د. حامد ربيع وحول خصائص منهاجيته:
1- الانطلاق من الأطر الفكرية والمنهاجية والنظرية للتعامل مع القضايا والأحداث والتطورات؛ حيث لا يصبح الاقتراب رصديًا وصفيًا بقدر ما هواختباريًا لقواعد نظرية، ومن ثم عدم الفصل بين العلم والحركة. فإن مفتاحا إنتاج د.حامد ربيع في مجال العلاقات الدولية هما النظرية والحركة في تفاعل دائم؛ فالنظرية لديه لخدمة الحركة والحركة لديه سبيل للنظرية أيضًا. وأٌقصد بالحركة اتجاهه لصانع السياسة والقرار العربي متسائلاً دائمًا عن وعيهم وفهمهم للمتطلبات الاستراتيجية لتحقيق أهداف الأمن القومي العربي والإسلامي ولحمايته من المخاطر والتهديدات القائمة، ومن ثم فإن أطروحات د. حامد ربيع هي أطروحات صاحب رؤية استراتيجية ومحلل استراتيجي يهدف إلى الربط بين العلم والحركة. وأقصد بالنظرية ما درج هو على تسميته دائمًا قواعد التعامل الدولي. ولم تكن مقالاته ودراساته تخلو من ملاحظات منهاجية وإطار نظري واستدلالات نظرية، ناهيك بالطبع عن الدراسات النظرية بطبيعتها.
2- الأبعاد الخارجية امتداد للداخلية والعلاقة التفاعلية بين النظام الدولي الشامل والنظم الإقليمية.
3- الأبعاد الحضارية والثقافية إلى جانب الأبعاد الأخرى، والإسلام في قلب الرؤية والعلم لدى د.حامد ربيع.
4- النظام العربي ليس مفعولاً به، ولكنه أيضًا فاعل يجب أن يطور من رؤاه وآلياته وفق تصور استراتيجي يحدد التهديدات ويطرح البدائل في ظل فقه الواقع.
5- والنظام العربي –على مستويات تفاعلاته المتنوعة– يقع في قلب اهتمامات د. حامد على نحو يجعلني أصفه بالعالم المهموم بأمته فكرًا وحركة وعلمًا.
فهوالعالم ذوالرؤية الاستراتيجية الذي يبحث في قضايا وتفاعلات أمته بمنظار استراتيجي لا يصف أو يرصد، فقط ولكن يشخص ويقارن ويطرح تصورات مستقبلية. وهو العالم الذي تنعكس خصوصيته الحضارية على إنتاجه النظري والحركي على حد سواء. فهو العالم الكفاحي الذي يؤمن بقدرة العالم على إحداث تغييرات ليس على صعيد الفكر والنظرية فقط، ولكن على صعيد الواقع أيضًا، حيث لا انفصال لديه بين العلم والحركة. وكم اعترف د.حامد ربيع وتألم من أن أسباب الفشل العربي ترجع إلى إسقاط هذا الجانب.
ولعل كفاحية د.حامد ربيع تظهر في قوة المصطلحات التي ينحتها وصلابة الصياغات اللغوية التي ينشأها.
وأخيرًا، فلعل من أهم خصائص مؤلفات د.حامد ربيع أنها تنضح بالمنهج من ا سطرها لأول؛ حيث يمسك بيد القارئ ويرشده إلى خطواته في القراءة كما لو كان يريد مشاركته في نتائج عملية المعاناة التي أفرزت هذا العمل. إنك وأنت تقرأ د.حامد ربيع تشعر أنه يحدثك ويناقشك أو يتكلم في جمع من الناس يهزهم ينبههم ليدركوا حجم التحدي الذي يحمل همه.

ثانيًا- القراءة النقدية: منهج اختيار النماذج والقراءة

سيتضح لنا مغزى الملاحظات الكلية التمهيدية السابقة علي ضوء القراءة النقدية المقارنة في بعض أدبيات د.حامد ربيع.
وبالطبع ليس من الممكن تقديم نتائج القراءة النقدية في جميع الأعمال التي سبق الإشارة إليها -والتي تمثل من وجهة نظري- إسهامه في مجال العلاقات الدولية (إلى جانب جزء مما يتصل بالصراع العربي الإسرائيلي)، ولكن سيقتصر البحث على القراءة التفصيلية في النماذج التالية: من ناحية نظرية السياسة الخارجية، والإرهاب والسياسة الخارجية، ومن ناحية أخرى: الأبعاد الاستراتيجية لصراع القوى الكبرى حول الخليج العربي: العراق في لعبة الأمم، السياسة الخارجية والإنمائية (البعد الثقافي)، ومن ناحية ثالثة: الإسلام والقوى الدولية.
وتمثل هذه القراءات نماذج من ثلاث فئات التي تم تصنيف الأدبيات بينها. فلماذا تم اختيارها دون غيرها؟ فضلاً عن الصعوبة المنهاجية لتقديم نتائج القراءة المقارنة لهذه الأعمال العميقة في بحث محدود الصفحات ولتتم مناقشته في جلسة محدودة الزمان، وهو الأمر الذي يفرض ضرورة الانتقاء والاختيار، فإن هذا الانتقاء تفسره بعض الأسباب.
من ناحية: سبق وتفاعلت مع “نظرية السياسة الخارجية، والإسلام والقوى الدولية منذ ما يقرب من ربع قرن، ومما لاشك فيه أن إعادة القراءة ستكون أمرًا لا يمكن مقاومته.
أما الآخريين في الفئة الثانية فلكل منها جاذبيته؛ ففي ظل ما يحدث في العراق الآن في خبرة عمل د.حامد الطويلة في العراق، كان لابد من التساؤل ماذا كتب د.حامد عن العراق منذ ما يقرب من العقدين وفي ظل ظروف دولية وإقليمية مختلفة؟ أما النموذج الثاني فيبرز على صعيد عنوانه مصطلح “الثقافي” وهوالأمر الذي يمثل جاذبية للنظر في مفهوم د. حامد عن ذلك الأمر، وذلك قبل عقدين من تجدد الاهتمام الراهن بذلك البعد الثقافي وكذلك الحضاري بل والديني في دراسة العلاقات الدولية.
ولكن هل هناك منهج محدد اقتدت به القراءة في الأدبيات. سيتضح لنا من العرض التالي كيف أن طبيعة كل موضوع فرضت إشكالياتها الخاصة خلال القراءة الأولية وخلال تسجيل نتائج هذه القراءة، ومع ذلك فإن عملية الإعداد للقراءة قد أحاط بها ثلاثة أسئلة أساسية:
§ ما قدر السبق والإضافة الذي حققهما د. حامد عند دراسة بعض الموضوعات، وهل دشنت هذه الدراسات منذ نشرها عملية تراكم معرفي حول هذا الموضوع؟ فعلى سبيل المثال ما الذي قدمه في مجال نظرية السياسة الخارجية (1972) وما الذي يميز إسهامه في هذا المجال باعتباره أستاذ نظرية سياسية أساسًا؟
§ كيف ظهرت كفاحية د. حامد العلمية والعملية؟ وكيف تتضح خصوصية تمسكه بتقاليد أمته وقيمها؟ فمثلاً كيف برر الحاجة إلى تنظير إسلامي في العلاقات الدولية- انطلاقًا من التقاليد الإسلامية؟
§ ما قدر مصداقية تصورات د.حامد العالم ذي الفكر الاستراتيجي الذي يقدم التصورات والبدائل والسيناريوهات؟ هل تحققت رؤاه؟ هل كان ذا رؤية استشرافية ثاقبة؟ فعلى سبيل المثال، حاز الخليج العربي اهتمامًا خاصًا لدى د.حامد ربيع، فما الذي قدم بشأنه؟

ثلاثة أسئلة فرضتها همومي العلمية والعملية في مجال دراسة العلاقات الدولية فما كان مني إلا أن أسقتطها على تفاعلي مع أستاذي رحمه الله.
وما كنت –حين تتلمذت على يديه– أملك إشكاليات أقيس عليها وحولها ما أتلقاه عنه. ولكني كنت أتشكل بناءً على مدخلات محاضراته إلى فكري ووجداني. وها أنا الآن بعد ثلاثة عقود من تتلمذي على يديه أجد ذهني وفكري ووجداني يزخر بالإشكاليات، ومن أهمها الثلاث التالية:
· أولاً- لماذا افتقار المكتبة العربية إلى الأدبيات النظرية في مجال العلاقات الدولية؟ ولماذا الافتقار بصفة عامة إلى الأطر النظرية والوضوح المنهجي في الدراسات السيارة؟
· ثانيًا- إلى متى سيظل التحيز للمنظورات الغربية ومصادرها سائدًا في مدارسنا الفكرية ومقرراتنا الجامعية وبحوثنا العملية والنظرية في آن واحد؟ كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ كيف يمكن دفع ودعم الدعوة التي دشنها د.حامد ربيع منذ ربع القرن لجعل تراثنا مصدرًا للتنظير؟
· ثالثًا- ماذا ألَّم بقدراتنا العربية والإسلامية عبر نصف قرن من الزمان، شهد فيه العالم تحولات هيكلية وظرفية متنوعة أفرزت بدورها تحديات هائلة أمام النظم والشعوب العربية والإسلامية؟
وكيف نحدد العلاقة بين هذا الفشل وبين حالة العلم وكذلك حالة العلاقة بين العلم والحركة؟ فهل قامت وتقوم مراكزنا البحثية وجامعاتنا بواجبها الكفاحي العلمي أو العملي، أم أن هذا الواجب والفرض قد نالت منه قيود القهر والاستبداد؟

بعبارة أخرى، فإن انتقائي النماذج المشار إليها من ناحية، ووضع ما قبل منهج القراءة النقدية من ناحية أخرى قد حكمته اعتبارات ذاتية أكثر مما حكمته الاعتبارات الموضوعية. ولكن في خبرة مثل خبرة التفاعل مع العظماء من أمثال د.حامد ربيع لابد وأن يلتقي الذاتي والموضوعي في تناغم واضح.

1) المجموعة النظرية

النظرية والحركة لا يفترقان في فكر د.حامد ربيع؛ فهو لم يهتم بالنظرية انطلاقًا من تجريدات، ولكن انطلاقًا من فقه الواقع، ونحو بدائل أفضل للحركة واستراتيجياتها وقواعدها. كما أن الممارسة لديه –فكرًا ونظمًا– هي مصدر أساسي من مصادر التنظير.
وتتضمن المجموعة النظرية عددًا محدودًا من المؤلفات بالمقارنة بمجموعات أخرى – كما سبق ورأينا. وبدون الدخول في تفاصيل الأطروحات النظرية –وهي جد عميقة وممتدة وشاملة وتدل على استيعاب وهضم لمنظورات نظرية العلاقات الدولية وأطرها النظرية- فيكفي أن أشير إلى ملاحظات عامة تخص بعض هذه المؤلفات، كما أتوقف بقدر من التفصيل عند واحد منها بالأساس وهو نظرية السياسة الخارجية.

1- نظرية الدعاية الخارجية، نظرية القيم، الإرهاب ونظرية السياسة الخارجية؛ أعمال ثلاثة تمت خلال السبعينيات، تحمل مضامين ذات أبعاد استشرافية شديدة الأهمية. فماذا نرى الآن: أضحت الدعاية في عصر المعلومات والعولمة أداة لا تقل خطورة عن الأداة العسكرية.
القيم: تجدد الاهتمام بها وتم رد الاعتبار إليها وكان لـ د.حامد ربيع –في ظل قمة ثورة السلوكية- فضل التذكِرة بالقيم التي أرادت السلوكية أن تخلق علمًا خاليًا منها.
الإرهاب الدولي: تحدث أساسًا عنه د.حامد باعتباره إرهاب الدولة وخاصة القوتين الأعظم وإسرائيل، وذلك على ضوء التفرقة بين إرهاب الفرد النابع من سطوة وسيطرة، وبين إرهاب الدول باعتباره أداة من أدوات السياسية الخارجية تتقاطع مع الأدوات الأخرى في ظل توافر الشروط الدولية والداخلية لاتباع الإرهاب وخاصة من جانب القوتين الأعظم.
فماذا يعني هذا ونحن بعدما يقرب من الربع قرن نواجه فيضانًا من الفكر والحركة تجاه ما يسمى الإرهاب الإسلامي: سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات المنظمة أو بعض الدول.
2- نظرية السياسية الخارجية (1972): هي عنوان مذكرة –غير منشورة- قدمها د.حامد ربيع لطلبة السنة التمهيدية لدراسة الماجستير.
وكنت من بين الطلبة الذين تلقوا المحاضرات التي تتصل بموضوع هذه المذكرة.
أقرأها الآن وأكتب ملاحظات عنها بعد ما يزيد عن العقود الثلاثة منذ أول تلقٍ عنها وقراءة فيها. فكيف أرى ما فيها؟
وعلى ضوء قراءة المقدمة العامة لهذا العمل تحت عنوان “حول تأصيل نظرية السياسة الخارجية”، وبالنظر في الهيكل العام لهذه المذكرة بأقسامها وفصولها ومباحثها، يمكن أن أسجل مجموعات ثلاثة من الملاحظات الأساسية:
المجموعة الأولى: تتصل بطبيعة الاقتراب من الموضوع وكيف أثر على مضمونه.
المجموعة الثانية: تتصل بطبيعة الهدف من هذا الاقتراب.
المجموعة الثالثة: تتناول بعض أهم القضايا المنهاجية التي أثارها هذا الطرح لنظرية السياسية الخارجية من جانب عالم نظرية سياسية.
1- طبيعة الاقتراب من الموضوع:
اقترب د.حامد من نظرية السياسة الخارجية من منطلق تخصصه في النظرية السياسية. ولذا فإن الخيط الناظم والرابط بين أقسام هذه المذكرة هو لماذا وكيف يتعين على عالم النظرية السياسية أن يهتم أيضًا بالسلوك الدولي في تحليله لظاهرة السلطة؟
ولذا؛ فإن منطلق الإجابة على هذا السؤال وجوهره –والذي قدمته صفحات هذه المذكرة- هو أبعاد العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية. ومن أهم هذه الأبعاد: من ناحية: الأسباب التي أسقطت التمييز التقليدي بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية. وهذه الأسباب التي ذكرها د. حامد ربيع هي: طغيان الأبعاد الأيديولوجية، انهيار الحواجز بين المجتمعات السياسية، سيطرة النواحي الجماهيرية على السلوك السياسي، التطور التكنولوجي. ومن ناحية أخرى: تعريف السياسة الخارجية ومستويات تحليلها وأهداف السياسة الخارجية. فالسياسة الخارجية –لدى د. حامد- هي إحدى كليات النشاط السياسي، وبهذا المعنى هي أحد ميادين النظرية السياسية وهي امتداد للسياسة الداخلية. كما أن عملية صنع القرار السياسي أحد أهم مجالات اهتمام عالم النظرية السياسية، والقرار السياسي أكثر تعبيرًا عن العلاقة الوثيقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية. وتبرز المفاهيم الثلاثة التي يدور حولها تحليل د.حامد للسياسة الخارجية هذه الرابطة بين السياسة الداخلية والخارجية في تعريف السياسة الخارجية. فالسياسة الخارجية –في تحديد آخر للدكتور حامد- هي عملية صنع القرار، على أن ينظر إليه على أنه نوع من الاتصال بين القوى السياسية الداخلية والخارجية كأداة من أدوات تأكيد السلطة والسيطرة في المجتمع الدولي. والمفاهيم الثلاثة التي تبرز من هذا التحديد هي: القرار السياسي، عملية الاتصال، نظرية السيطرة.
ومن ناحية ثالثة: يدرس د. حامد نظرية السياسة الخارجية في أجزاء ثلاثة: السياسة الخارجية وقواعد الحركة السياسية، السياسة الخارجية وعملية التحليل السياسي، نماذج تطبيقية.
والجزء الأول- وفق تقديم د. حامد له- هوالذي يبين بدرجة واضحة العلاقة بين النظرية السياسية والسياسة الخارجية. لأن تحليل قواعد النشاط السياسي تثير الأبعاد التالية: كيف تؤثر قوة النظام السياسي وثباته من عدمه، نجاح السياسة الخارجية أو فشلها يؤثر في السياسة الداخلية والعكس، العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية هي علاقة التحام عضوي وعندما يتفاعلان يخلقان السلطة والسيطرة للدولة المعاصرة.
هذا، وتفصح عناوين فصول هذا الجزء الأول عن حقيقة تناول نظرية السياسة الخارجية من جانب عالم نظرية سياسية، وهي كالآتي: الإطار الفكري لتحليل السياسة الخارجية، النظرية الديموقراطية للسلطة والسياسة الخارجية، نظرية الطابع القومي والسياسة الخارجية، المواطن وإعداد السياسة الخارجية، السياسة الخارجية والتخلف الاقتصادي.
2- الغاية من هذا الاقتراب: دور خبير السلطة والدراسة العلمية للعلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية، انطلاقًا من الطبيعة الكفاحية للعالم التي يجسدها د. حامد، وتعبيرًا عن هذه الكفاحية. فإن اهتمام د. حامد بنظرية السياسة الخارجية- إنما ينبع من اهتمامه بدور خبير السلطة في المجال الخارجي وآفاق هذا الدور. وهوالدور الذي يرتبط بما أسماه د. حامد الإطار الفكري للنظرية السياسية، فإذا كانت النظرية السياسية وفق تعريفه هي عملية اكتشاف القواعد التي تسمح بالتنبؤ، وبالتالي التحكم في التطور السياسي، وإذا كان التنبؤ بأوسع معانيه لا يعدو أن يكون تخطيطًا سياسيًّا، وإذا كان التخطيط السياسي هو عمل خبير السلطة، فإن هذا العمل يفرض النظرة الكلية الشاملة التي لا تسمح بتجزئة الحركة السياسية والفصل ين النشاط الداخلي والنشاط الخارجي.
ويشير د.حامد إلى أن النظرية السياسة هي التي استطاعت أن تقدم الأساليب العلمية للتحليل السياسي؛ ولذا كان علماء النظرية السياسية وحدهم القادرين على خدمة أغراض الحركة السياسية، والقيام بدور خبير السلطة على أساس أن النظرية السياسية هي التي قدمت لعلم السياسة الخارجية المهناجية التجريبية الوضعية للتحليل السياسي. وهذه العلمية هي التي سمحت لخبير السلطة أن يباشر وظيفته في نطاق السياسة الخارجية.
وفي الجزء الثاني من المذكرة تحت عنوان السياسة الخارجية وعملية التحليل السياسي، يستفيض د.حامد في شرح كيف أن الاتجاه لتطبيق مفهوم التخطيط الحركي على نطاق واسع -وخاصة في الدول الكبرى– قد زاد من الاتجاه للمنهاجية العلمية. لأن التخطيط الحركي، بمعنى تجريد المفاهيم ووضع إطار مسبق للاحتمالات مع بناء واضح ومحدد لأبعاد الحركة كان لابد وأن يؤدي إلى فرض الطابع العلمي لتحليل السياسة. ولهذا يعيد د. حامد -استدعاء أهمية دور خبير السلطة ودور مراكز البحوث المتخصصة والمستقلة عن الدولة والتي يعهد إليها -بناءً على تكليف من السلطات المسئولة- القيام بدراسات عملية حول التصور المقبل للأوضاع الدولية وكيفية مواجهتها.
هذا، ويجدر الإشارة إلى أن مؤلفات د.حامد ربيع، والتي سيرد الإشارة لاحقًا إلى النتائج القراءة النقدية في بعض منها، تبين -كما سنرى في موضعه- كيف أن د. حامد حاول أن يقوم بدور خبير السلطة.

3- بعض القضايا المنهاجية:

على ضوء التطور في اتجاه دراسة السياسة الخارجية والتطور في منظورات دراسة العلاقات الدولية بصفة عامة في المرحلة التالية على إصدار د.حامد هذا التأصيل للسياسة الخارجية (1972)، وعلى ضوء طبيعة المرحلة ذاتها التي كانت تمر بها دراسة العلاقات الدولية بصفة عامة والسياسة الخارجية بصفة خاصة عند إصدار هذا العمل (قمة الجدال بين السلوكية والتقليدية، وقمة ما وصلت إليه الواقعية من صدارة وسيادة) يمكن أن أسجل الملاحظات التالية:
‌أ- أبرز د.حامد ربيع بعض ملامح المنظور الحديث في دراسة السياسة الخارجية، التي لا ترى أن الدولة هي الفاعل الوحيد الذي يمكن دراسة سياسته الخارجية. كما أو ضح مستويات عدة لدراسة السياسة الخارجية؛ ابتداءً من دراسة سياسة الوحدة الواحدة، إلى دراسة السياسات الخارجية المقارنة، إلى دراسة المستوى النظمي الكلي لتفاعل السياسات الخارجية. ومن ناحية ثالثة، اهتم د.حامد ببيان كيف ضاقت التمايزات والفروق بين النظرية السياسية (باعتبارها دراسة لظاهرة السلطة كقدرة وطاقة وإرادة وشرعية، وذلك بغض النظر عن الخلاف حول وحدة التحليل) وبين نظرية العلاقات الدولية (باعتبارها دراسة ظاهرة عدم السلطة) وهو التقارب الذي أرجعه د.حامد لعوامل عديدة تشير إلى تطورات العلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية، وتعد دراسة العلاقة بين هاتين السياسيتين من أهم سمات المنظور الحديث لدراسة السياسة الخارجية.
‌ب- أبرز د.حامد اتجاه التطور من المنهاجية التقليدية لدراسة العلاقات الدولية والسياسة الخارجية (التأريخ، القانون) إلى المنهاجية السلوكية والتي اعتبرها تمثل خطوة مهمة في تطور نظرية السياسة الخارجية في أكثر من بعد واحد. وأحد هذه الأبعاد هوإدخال المنهاجية العلمية التجريبية، لأن هذه المنهاجية تقود إلى التساؤل عن إمكانيات التنبؤ. ولقد اعتبر د.حامد هذه المنهاجية هي أساس منهاجية خبير السلطة والتخطيط الحركي للسياسة الخارجية.
‌ج- وعن الاختيار بين واحد من الموقفين الذي انقسمت بينهما التحليلات التقليدية للسياسات الدولية: أي الواقعية (بمعنى التجريب والغاية تبرر الوسيلة) والمثالية (بمعنى الخيالية والقيم الخلقية)، نجد أن د.حامد ينتصر بوضوح صريح للواقعية وهو يقول “السياسة الخارجية هي سياسة القوة والمدرسة المثالية تخلط بين الهدف والوسيلة… وطالما نظل نعيش في مجتمع دولي لا تسيطر عليه فكرة السلطة الواحدة المتدرجة المتصاعدة فلن يقدر للدولة أن تلجأ إلا إلى إمكانيات الذاتية لحماية تلك الأهداف القومية. ومن ثم، فالحديث عن مثاليات ليس سوى حديث الضعفاء”.

2- العلاقات الدولية للمنطقة العربية

بالنظر في مجموعة المؤلفات المتصلة بالعلاقات الدولية للمنطقة العربية، نجد أن د. حامد ربيع قد اتجه نحو هذا المجال البحثي من اقتراب نظمي يهتم بأثر المتغيرات الدولية أو الأوضاع الدولية أو الصراع الدولي أو الصراع بين القوى الكبرى، وأهتم د. حامد بعدة مجالات للتحليل:
الصراع العربي الإسرائيلي أو مشكلة الشرق الأوسط، الدور الإقليمي للمنطقة العربية، أمن الخليج العربي، الحوار العربي الأوربي، السياسات الخارجية للدول الكبرى تجاه المنطقة وقضاياها وأدواتها من بين الأدوات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، الوظيفة الإقليمية لبعض القوى العربية، مثل العراق وليبيا ومصر.
واستكمالاً لما سبق طرحه في المقدمة من خصائص منهاجية عامة اتسمت بها أعمال د. حامد ربيع – نستدعي هنا خصيصة “الرؤية الاستراتيجية” التي تتسم بالكفاحية والتي تنطلق من واقع مشاكل الأمة العربية سعيًا نحو فهم جذور هذه المشاكل وطرح سبل إدارتها وعلاجها.
فإن مفهوم “الاستراتيجية” وعلاقتها بالأمن القومي، علم استراتيجي عربي، تقاليد الاستراتيجية الدولية العربية، جميعها مصطلحات تكررت وغيرها في مقدمات وثنايا المؤلفات الخاصة بالمنطقة العربية.
وذلك الأمر يبين أن د.حامد ربيع مفكر استراتيجي يهتم بالرؤى والكليات ويحمل هم التردي العربي ويرجعه إلى افتقار التخطيط الاستراتيجي والفصل بين العلم وبين الحركة؛ ولذا فإن منهجه في معالجة قضايا وتفاعلات الأمة العربية مع النظام الدولي ينطلق دائمًا من التساؤل عن أسباب الضعف والفشل ومصادر القوة الكامنة وإمكانيات تفعيلها في المستقبل، وذلك انطلاقًا من فهم حقيقة الإطار الدولي المحيط وانعكاساته على الداخل الإقليمي والعربي. ولذا؛ فإن دراسات د.حامد ربيع لم تتسم بالسرد والتفاصيل أكثر مما تضمنت تحليلاً استراتيجيًّا.
وإذا كان موضوع الصراع العربي الإسرائيلي سيتم تناوله في محور آخر من محاور الندوة، لذا فإن النموذج الأول الذي سأقدمه في هذا الموضع هو النموذج الخاص بأمن الخليج ومصادر تهديده وتهديد المنطقة العربية برمتها. وتبرز قراءة بعض المؤلفات الخاصة بهذا الموضوع في مكتبة د. حامد أن مصادر التهديد الأساسي لأمن الخليج -في نظر د.حامد – يبرز من الإطار الدولي المحيط –وإن كان لا ينكر مسئولية الإطار الداخلي إلا أنه يتناوله دائمًا بقدر تأثيره وتأثره بالإطار الدولي. ومن ناحية أخرى، فإن أمن الخليج لا ينفصل في نظر د.حامد ربيع –عن تطورات الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات الإسرائيلية الأمريكية.
ولذا؛ قدم د.حامد تصورًا استراتيجيًّا عن وضع الخليج، وكذلك عن العراق في استراتيجية القوى الكبرى تجاه الخليج وفي استراتيجية الصراع العالمي. ويبرز التصوران حقيقة واضحة في ذهن د. حامد وهي أن أهداف القوى الكبرى تجاه الخليج إنما تمر بالعراق.
ومن ثم، فإن مؤلَفان تحت عنوان: الأبعاد الاستراتيجية للقوى الكبرى تجاه الخليج (1983)، و”العراق في لعبة الأمم: حول تطور الوظيفة الدولية للعراق خلال الأعوام القادمة” (1984) إنما يمثلان وجهان لعملة واحدة.
ولسنا بالطبع في محل عرض تفصيلي لمحتويات هذين المؤلفين ولكن تم الاقتراب منهما انطلاقًا من سؤالين محددين.
وفضلاً عن ارتباط هذين السؤالين بأهداف هذه الدراسة والسابق تحديدها في المقدمة- فمما لاشك فيه أن الوضع الراهن للخليج والعراق يقدم مبررات أخرى لسبب طرح هذين السؤالين. وهما كالآتي:
– كيف تصور د.حامد ربيع -وهوالعالم الكفاحي الاستراتيجي- في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات (أي في ظل أو ضاع إقليمية وعالمية خاصة) المآل المستقبلي لوضع الخليج والعراق في لعبة القوى العالمية؟
– وهل يكشف تحليل د.حامد ربيع عن تحيزه للعراق في مقابل إدانته أو هجومه على كل من إيران ودول الخليج الأخرى؟ وخاصة وأن هذين المؤلَفين قد صدرا في نفس الوقت الذي كان يشغل فيه د.حامد ربيع منصب رئيس قسم الدراسات السياسية والقومية بمعهد البحوث والدراسات العربية ببغداد؟

وفيما يتصل بالمؤلَف الأول، سأقتصر على استدعاء الموضوعين التاليين؛ وهما يبرزان أبعاد الرؤية الاستراتيجية في تحليل د.حامد ربيع.
الموضوع الأول؛ تحت عنوان فرعي “المحيط الهندي وأمن الخليج في الاستراتيجيات الكبرى”، يسجل د. حامد أن حرب الأيام الستة كانت نقطة الفصل نحو انتقال الولايات المتحدة إلى التمركز في المحيط الهندي، وأثر ذلك على الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج ومن ثم أهمية هذه المنطقة لتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية الأمريكية، ويبين المصالح الأمريكية في المنطقة العربية ولكن ربطها مع الاستراتيجية الأمريكية في آسيا. ومن ثم، فإن الطرح التفصيلي الذي قدمه د. حامد في بداية الثمانينيات إنما هو رصيد لبداية التطور المتصاعد منذ 1979 (مع الثورة الإيرانية والغزوالسوفيتي لأفغانستان) لتوظيف الاستراتيجية الأمريكية للمحيط الهندي والخليج لتحقيق أهدافها العالمية، وعلى النحو الذي أثبت بعد ذلك كيف أن الخليج تحول تدريجيًا طوال الثمانينيات والتسعينيات ليصبح أحد مراكز القلب بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية (كما تأكد من المرحلة الراهنة). فلم تكن الحرب العراقية الإيرانية إلا المحطة الأولى التي تلتها حرب الخليج الثانية ثم حرب أفغانستان ثم احتلال العراق، فلم يكن الطريق إلى أفغانستان ممكنًا إلا من خلال المحطتين السابقتين.
هذا، ويجدر الإرشاد إلى أن تحليل د.حامد ربيع لسياق المحطة الأولى (الحرب العراقية الإيرانية) أبرز الرابطة بين السياسة الأمريكية والصهيونية.
ولهذا؛ فهو يتساءل (ص44) تساؤلاً استراتيجيًا قدمت التطورات اللاحقة عبر الثمانينيات والتسعينيات وصولاً للمرحلة الراهنة الإجابة عليه. ويتلخص كالآتي:
“أين الكيان الصهيوني من هذا التطور العام للاستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيط الهندي؟ هل سوف تتغير الدبلوماسية الأمريكية بصدد التعامل مع ذلك الكيان؛ بمعنى أنها هل ستتابع سياستها التي استمرت حتى عام 1975 في الدفاع عن إسرائيل في حدودها السابقة على حرب عام 67 وقد حددت وظيفتها بأنها شرطي المنطقة ضد الدول العربية المحيطة بها دون أن يتعدى الدور تلك الحدود، أم أنها سوف تسير في سياسة أساسها أن الكيان الصهيوني سوف يصبح أحد أركان الاستراتجية الشاملة في المحيط الهندي بما يعني ذلك من مساندة لتوسيع إقليمي معين ولو على الأقل بتأييد وحماية للأوضاع التي خلقتها حرب الأيام الستة؛ بمعنى قبول احتواء إسرائيل للأراضي المحتلة وبصفة خاصة الضفة الغربية والجولان وغزة؟ بل إن أحداث لبنان تدعو للقناعة بأن السياسة الأمريكية قد حسمت هذا الافتراض لصالح الكيان الصهيوني. ولا يجوز أن تخدعنا غضبات الرئيس ريجان التلفزيونية، فعملية الإخراج المسرحي هي أحد خصائص تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، والرئيس الأمريكي الحالي بتاريخه المهني خير من يصلح لأداء هذا الدور الذي يندرج في تقاليد سياسة واشنطن مع الدول العربية”.
الموضوع الثاني؛ وتحت عنوان “احتلال آبار النفط واحتمالاته الاستراتيجية”، يقدم د. حامد ربيع تحليلاً يعد من أبرز علامات الرؤى الاستراتيجية التي اتسمت بها دراسات د.حامد. وبهذا الصدد نذكر ثلاث ملاحظات أساسية نابعة من عدم رفض د. حامد ربيع لهذا الاحتمال (وهوالاحتمال الذي تواترت في حين صدوره ولعدة سنوات بعد حرب أكتوبر تأكيدات أمريكية وعربية برفضه وعدم مصداقيته). وهذه الملاحظات الثلاث ذات دلالة استراتيجية مهمة بالنسبة لما آل إليه الوضع بعد عقدين من نشر هذه الدراسة؛ فمن ناحية: في معرض حديث د.حامد عن السيناريوهات المتدارسة في الولايات المتحدة حول “احتلال آبار النفط” أشار في جملة اعتراضية إلى عدم وجود مراكز معلومات عربية تتولى عملية تقييم تلك التقارير وتغليب وتصديق البعض منها في مواجهة البعض الآخر، وخاصة فيما يتصل باحتمالات استخدام جيش الكيان الصهيوني لحساب الإدارة الأمريكية. وقد لمس د.حامد ربيع هنا وترًا حساسًا يترجم افتقاد آليات الفكر والتخطيط الاستراتيجي العربي ودراسة فكر مصدر التهديد ومخططاته؛ فهل ما حدث 1990-1991، ثم طوال التسعينيات وحتى احتلال العراق، لم تكن تتداول بدائله وسيناريوهاته مراكز العقل الاستراتيجي الأمريكي؟؟ وهل كان صانع السياسة العربي يعرف بوجود مثل هذه التقارير أو على الأقل يعرف دلالاتها؟
ومن ناحية أخرى رفض د.حامد استبعاد التجاء الولايات المتحدة للأداة الصهيونية في احتلال آبار النفط. ومن ناحية ثالثة، حذر د.حامد ربيع من اتجاه الدعاية الأمريكية إلى ترسيب مفهوم معين في المنطقة والعقل العربي أساسه أن التواجد الأمريكي في المنطقة ليس إلا لحماية المنطقة. وإذا كان هذا يعني براعة في المنطق الدعائي الأمريكي ولكنه يعنى أيضًا -في نظر د.حامد- سذاجة معينة عند الجانب العربي.
كما يشير د.حامد ربيع إلى أن نجاح الولايات المتحدة في إعادة تشكيل مشاكل المنطقة- أي نجاحها في إبراز أن التهديد السوفيتي هو الأساس، ومن ثم فإن عصب الصراع في المنطقة يجب أن ينتقل من المشكلة الفلسطينية إلى مشكلة أمن الخليج- إنما يدل على مدى براعة السياسة الإسرائيلية في تشكيل المنطق الأمريكي.
ماذا يمكن القول عن الوضع الراهن من حيث المنطق الدعائي الأمريكي الراهن (بعد التصدي للتهديد السوفيتي جاء دور التصدي لمعادي الديمقراطية والإرهابيين)، ومن حيث براعة السياسة الإسرائيلية في تشكيل المنطق الأمريكي حول “الإرهاب” وسبل محاربته.

وأخيرًا، يختم د. حامد كتابه بالفقرة التالية: (ص78 )
ما “يجب أن يلفت الانتباه هو أنه ليس من صالح كلتا القوتين أن تتميز المنطقة بأي نوع من الاستقرار والاستقلالية، كذلك فإن القوى الدولية المحيطة بالمنطقة -أو بعبارة أخرى القوى الدولية المطلة على المحيط الهندي- لابد أن تتعامل مع منطقة الخليج بفلسفة معينة ليست لصالح الاستقرار وعدم إثارة القلاقل. ثم تأتي تلك القوى المختلفة، والتي تنتمي إلى منطقة الخليج، فإذا بالبعض منها قد يعينه في لحظة معينة تدخل أجنبي لتوجيه التيارات السياسية لصالحه، وتزداد خطورة هذه الناحية بسبب التفاوت في مصادر الثروة بين بعض أجزاء تلك المنطقة. يرتبط بذلك أيضًا أن بعض القوى المحلية غير منضبطة سواء لقدرتها على خلق القلاقل أو لعدم فاعلية الأداة الحاكمة ومن ثم هي صالحة لخلق تفجيرات داخلية قادرة بدورها على أن تعد وتمهد لصراعات إقليمية أو دولية؛ بعبارة أكثر دقة لتدخل أجنبي ليس لصالح أمن منطقة الخليج العربي.
فهل هذه الفترة كانت تستشرف ما حدث لاحقًا 1990-1991، ثم ما وصل إلى قمته الآن باحتلال العراق؟؟

المؤلَف الثاني، العراق لعبة الأمم، حول تطور الوظيفة الدولية للعراق خلال الأعوام القادمة (1984).
هذا المؤلف يستدعي عدة موضوعات أخرى تستكمل دلالات الموضوعين اللذين استدعاهما المؤلف الأول، وعلى النحو الذي يبين كيف أن أمن الخليج في نظر الاستراتيجية الأمريكية يمر عبر العراق-ولو بطرق مختلفة.
ينطلق د.حامد في هذه الدراسة من سؤال خطير طرحته عليه الحرب العراقية الإيرانية، وهو سؤال ما زالت دلالته قائمة حتى الآن، ولو بتنويعات مختلفة وفقًا للسياق الإقليمي والعلمي المحيط، والسؤال هو: كيف كانت العراق مصدرًا لتهديد النظم المحافظة في الخليج، فأضحت الوسيلة الأساسية بل والأداة الفاعلة الحقيقية لحماية تلك الدول؛ حيث أضحت الحرب العراقية الإيرانية قنبلة الثمانينيات التي تدور حول العراق كأداة لأمن الخليج؟ واستطرد د.حامد شارحًا هذا السؤال بأسئلة متفرعة عنه: كيف حدث ذلك؟ وما أثر ذلك على مجمل تطور الأوضاع في المنطقة وعلى مستقبل العراق؟ هل يستطيع العراق أن يستغل هذا الوضع الجديد بحيث ينتزع له وظيفة إقليمية ذات أبعاد دولية وبحيث يستطيع من خلال دبلوماسية ذكية التضخيم في إمكانيات ذلك الدور أن يخلق له وزن معين في عملية التوازنات الكبرى بين موسكو وواشنطن؟
للإجابة عن هذا السؤال المتفرع، يتوقف د.حامد على التوالي عند عدة موضوعات مترابطة تثير -على ضوء تطورات التسعينيات وحتى الآن- دلالات مهمة. وتتلخص هذه الموضوعات كالآتي:
1- العلاقة بين الحرب العراقية الإيرانية والصراعات الأخرى في المنطقة: الصراع العربي الإسرائيلي، حول المحيط الهندي، حول شرق البحر المتوسط.
2- تلاعب القوتين الأعظم بالحرب سواء بموقف الحياد أو الدفع لاستمرارية الحرب، ذلك لأن أهداف القوى الكبرى تجاه وضع العراق-منذ ما قبل نشوب الحرب هي: منع ازدياد النفوذ والمد الوحدوي والقومي الذي يستمد مصادره من قوة الرافدين، منع القوة الاقتصادية من التزايد في أرض العراق، منع الأداة العراقية من التدخل لممارسة أي ضغط في مواجهة عملية استئصال الوجود الفلسطيني.
3- خصائص كل من السياسة السعودية والعراقية والإيرانية، باعتبارهم أركان توازن القوى الثلاثي في أمن الخليج، وكيفية تلاعب الولايات المتحدة بكل منهم في مواجهة الآخر: مثلاً كيف تستخدم ورقة تهديد العراق لترويض القيادة السعودية وقت الحاجة وبعد أن انتهت إلى ترسيب الخوف من القدرة العراقية لدى الرأي العام الخليجي ثم الخوف من عواقب النموذج الإيراني بعد الثورة.
4- الإدراك الأمريكي للعلاقة بين أمن الخليج والأمن الأمريكي، والإعلان الأمريكي عن كيفية تحقيق السيطرة على المنطقة بعد الثورة الإيرانية. ويثير طرح د. حامد بشأن هذا الموضوع إشكالية مهمة خاصة بالإدراك الأمريكي لدور العراق في الاستراتيجية الأمريكية. ويتلخص هذا الطرح كالآتي:
إمكانية أن تؤدي العراق وظيفة استراتيجية معينة لصالح النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. ومن ثم هل تقود هذه الإمكانية إلى تغيير في التوجه الأمريكي؟ ولكن ماذا عن أثر وجود إسرائيل كقوة فاعلة إقليمية ومتحكمة في التصور والإدراك الأمريكي؟
بعبارة أخرى، فوفقًا لطرح د.حامد، فإن حقيقة اللعبة الكبرى التي تدور رحاها حول المنطقة والتي سوف تتحكم في أحداث المنطقة بل وفي مستقبل التعاملات الدولية حولها، هو الموازنة بين دور العراق ودور إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية.
5- عناصر القدرة الاستراتيجية العراقية التي تحدد حقيقة الإمكانيات التي من خلالها تصبح الإرادة العراقية قادرة على أن تطوع الإطار الإقليمي لتنتزع وظيفة تسمح لها بالتعامل مع القوتين الأعظم بدرجة معينة من الفاعلية.
وقد يتساءل البعض، هل نفهم من هذا الطرح أن د.حامد ربيع كان منظرًا لآفاق الدور الإقليمي العراقي ذي الأبعاد العالمية الذي يسمح لها بانتزاع وظيفة تمكنها من التفاعل مع النظام الدولي بدرجة من الفاعلية؟ وهو الأمر الذي اعتقد صدام حسين أنه قادر على فعله ولكن من خلال غزو الكويت؟ حقيقة نظر د.حامد لدور إقليمي عراقي نشط، ولكنه أحاطه بمجموعة من الشروط والتحذيرات. فمن ناحية، حرص في بداية تحليله لهذه الجزئية على أن يؤكد حقيقة مهمة وأساسية هي أن السياسة الخارجية ليست فقط قدرة قيادية وصلاحية لحساب الخسائر والمكتسبات بدقة ووضوح ثم استعداد للمغامرة المحسوبة، ولكن الاختيار أيضًا لا ينطلق من فراغ ولكنه لابد وأن يستند إلى الدراسة الجادة الواعية والمستندة إلى المجموعة القيادية التي تعرف كيفية توقيت القرار وتدبير لحظة التوقيت، فضلاً عن القدرة على التطويع القتالي لا فقط للجسد ليساير القيادة بل وكذلك القيادة لتساير الإطار الإقليمي والدولي… السياسة الخارجية امتداد للقدرات الداخلية والذاتية.
ومن ناحية أخرى، حدد د.حامد ربيع مجموع من التغيرات تفرض على العراق أن يتعامل إقليميًا ودوليًّا بحذر وحساب لأنه حديث العهد بالتعامل الدولي، ولأنه يمتاز في تاريخه الحديث بنوع من الانغلاق لا يكاد يعرف أي انفتاح على العالم الخارجي، ولأنه لا يملك جهازًا دبلوماسيًا نشطًا وقادرًا على المغامرة، وأخيرًا لأن الصورة الخارجية للعراق مشوهة، كل ذلك في مقابل أن الواقع القائم يدعو العراق للتعامل مع قوى كبرى لها تقاليد في المناورة الدبلوماسية.
ومن ناحية ثالثة، بدأ د.حامد بتحديد عناصر الضعف الاستراتيجية في الجسد العراقي قبل أن يحدد العناصر الإيجابية. فالأولى تتمثل في: عدم تجانس السكان، طول الحدود وصعوبة الدفاع العسكري، تمركز القوة الحضارية في المدن.. أما الثانية، فتتمثل في طبيعة الثروة البترولية والموقع الاستراتيجي، وذلك الأخير –على سبيل المثال- يرشحها لعدة أدوار. ومن هذه الأدوار التي أبرزها طرْح د.حامد ربيع هو كيف تخدم العراق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران وعالم الشيعة بصفة عامة، وفي مواجهة الاتحاد السوفيتي. وحدد د.حامد الوظائف التالية:
1) أن تعوق العراق التلاحم بين شيعة إيران وشيعة العراق وسوريا ولبنان، وهذه الإعاقة هي لصالح الاتحاد السوفيتي.
2) أن تصير العراق درعًا يحمي التواجد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط من احتمالات هذا الفيضان الشيعي الذي من الممكن أن يصير سلاحًا يمكن الدبلوماسية السوفيتية من اختراق الحائط الأمريكي ويفتقد حلف الأطلنطي كل فاعليته.
3) أن تهدد العراق بقدرتها على أن تقود الحركة الشيعية في نموذج عصري متطور.

ومن ناحية أخرى، تحدث د.حامد عن دور ثانٍ للعراق باعتباره فاصلاً بين التلاحم الأمريكي والتواجد السوفيتي إذا ما استطاعت العراق أن تحقق عدة شروط لأداء هذا الدور، وخاصة أن تصبح بديلاً لإيران وأن تحتضن سوريا لتحقيق عمق استراتيجي يغنيها عن التبعية لمنطقة الخليج.
أما الدور الثالث الذي يرشح د.حامد ربيع- العراق لتقوم به، فهو دورها في الاستراتيجية الكونية الأمريكية لتربط بين الدفاع الأطلنطي والتواجد في القرن الأفريقي، وبذا فإن العراق يصبح قادرًا على التعلم من أخطاء عبد الناصر وأخطاء السادات على حد سواء، بحيث يستطيع العراق أن يستفيد من الواقع الاستراتيجي ليمتلك أداة للتهديد الخفي وللمساومة التي تنتهي بالحصول على مكتسبات دون أن يتحول إلى تبعية تنتهي بالاستسلام كما حدث مع السادات، أو ينتهي ببناء إطار للحركة أساسه التناطح العنيف كما حدث مع عبد الناصر. ولقد حدد د.حامد شروط نجاح ذلك الدور بالآتي: قيادة واعية وفريق متكامل لإعداد السياسة الخارجية وإدارة الدبلوماسية، ذلك لأنه ليس هناك أصعب من تعامل الدول الصغيرة مع القوى الكبرى؛ حيث أنه هو في جوهره تحويل الضعف إلى قوة وتقييد القوة فإذا بها ضعف وحاجة. ولكن تجدر الإشارة إلى حرص د.حامد على أن ينفي أن طرحه الأسبق يطالب أو يتصور بوقوع العراق في الفلك الأمريكي، وأن ما أراد التأكيد عليه هو أن العراق يملك ورقة استراتيجية خطيرة تستطيع القيادة أن تتلاعب بها في مواجهة القوتين الأعظم.
6- عن مصر وإسرائيل ودور آخر من أدوار العراق في الاستراتيجية الأمريكية، يقدم د.حامد ما أسماه خيال استراتيجي بشأن مستقبل علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، كما يقدم آمال استراتيجية عن مستقبل علاقة مصر والعراق. ففي مقابل افتراض انقلاب إسرائيل على الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق مصالحها على النحو الذي يرسخ وظيفة عراقية لمساندة مصالح الولايات المتحدة في مواجهة الانقلاب الإسرائيلي، نجد دعوة د. حامد لتعاون استراتيجي مصري عراقي لصالح الطرفين وصالح الأمن القومي العربي. إذن، أي السيناريوهين ثبتت مصداقيته حتى الآن؟
7- قدم د.حامد تصورات سلبية عن مستقبل إيران في مقابل تصورات إيجابية عن أهداف السياسة الخارجية العراقية ومستقبل صورة العراق في العالم. يقول د.حامد أن الحرب العراقية الإيرانية أدت إلى تدهور خطير في قوة إيران وفي قدرتها على الصمود إزاء الأحداث الداخلية. وإذا كان استمرار الحرب يمنع تفككها، فإن الأمر الذي لا شك فيه أن الضعف الذي أحاط بإيران يجعلها مفتوحة أمام جميع الاحتمالات. فهل سوف تتكرر قصة أفغانستان؟ كما تصور د. حامد أنه عقب إنهاء الحرب ستظل رغبة الانتقام والكراهية لدى إيران تفرض على المنطقة تحديات حروب أخرى من جانب إيران حتى لو تغير النظام القائم.
وفي المقابل، فإن د.حامد يقدم تصورًا إيجابيًّا عن صورة العراق الدولية التي تغيرت، حيث أصبحت مقرونة بالاعتدال من جانب، والتطور نحو التحضر من جانب ثانٍ، والاستقرار الداخلي من جانب ثالث، ثم قدرة المجتمع العراقي على التماسك والصلابة من جانب رابع.
ومن ثم، لابد أن نتساءل ما سبب هذا الطرح المتحيز للعراق على حساب إيران تمامًا؟ ألم تكن العراق مسئولة عن اندلاع الحرب قدر مسئولية إيران؟ أليس في هذا الطرح إغفالاً لإمكانات إيران وقدراتها ووضعها أيضًا في الاستراتيجية الأمريكية؟
أما عن أو لويات السياسة الخارجية العراقية، فتحددها أربعة أهداف من وجهة نظر د. حامد ربيع: وهي وضع حد للحرب العراقية الإيرانية، التحالف الاستراتيجي مع أرض الشام لتحطيم الحصار الثلاثي المفروض من جانب إيران وتركيا ونظام الأسد، إعادة بناء الاقتصاد القوي وإزالة آثار الحرب، إقامة تنظيم إقليمي على أساس واضح من التعاون بين دول الخليج بما في ذلك العراق.
ومن الأدوات المقترحة: تطبيق مبدأ المساندة المحلية في النطاق الإقليمي، العمل على استغلال الضعف الإيراني بجميع الوسائل بما في ذلك تفتيت الجسد الإيراني، وضع سياسة طويلة الأجل أساسها الاندماج الإقليمي، وتدعيم تواجد العراق الدولي بجميع أدواته وأساليبه، ووضع خطة لإعلام خارجي فاعل بقصد إزالة الصورة المشوهة، والاستناد إلى سياسة المحالفات الثنائية وبصفة خاصة مع مصر من جانب والسعودية من جانب آخر.

خلاصة القول:

إذا كان هذا النموذج من التحليل الاستراتيجي، بغض النظر عن مصداقيتة وصلاحيته، وذلك على ضوء ما حدث من تطورات عقب طرحه من أبرز الأدلة على المنحى الاستراتيجي السياسي في فكر د. حامد ربيع العالم، المفكر الاستراتيجي، المهموم بكيفية تفعيل قواعد التعامل الدولي من جانب القوى الإقليمية الرائدة سعيًا نحو تحسين وضع المنطقة العربية وحماية أمنها القومي في مواجهة تهديدات الإطار الدولي المحيط، فإن هذا الجانب من طرح د. حامد ربيع إنما نبع وارتبط من تقاليده النظرية ومع اعتراف بأهمية وظيفة الفكر السياسي العلمي في وضع الخطط وتصورات تنفيذها.
ولكن يظل السؤال قائمًا، ما مصداقية أطروحاته بصدد العراق وإيران بعد ما يقرب من العقدين من طرحها؟ هل تنم عن رؤية طويلة المدى تستطيع الاستشراف وتستطيع تقديم البدائل؟ أم أن بدائل الفكر السياسي العلمي تظل قاصرة عن التنفيذ وذلك تحت تأثير التحيزات في التوجهات (نحو العراق وضد إيران) أو تحت ضغط وقيود النظام الإقليمي والدولي المحيط ومدى قدرة القوى الكبرى على فرض بدائلها على حساب بدائل الحسابات العربية، مثل تلك التي قدمها د. حامد ربيع؟
وأخيرًا، فإنني أدعو للإجابة عن السؤال المطروح عاليًا، وذلك على ضوء فكر د. حامد الاستراتيجي حول وظيفة العراق الإقليمية. ذلك الفكر الذي طُرِحَ منذ ما يقرب من العقدين قبل احتلال العراق، فما سبب فشل إدارة سياسة العراق ليحدث هذا البون الشاسع بين تصور متفائل –منذ عقدين- وبين وضع مأساوي راهن؟

والنموذج الثاني الذي سأقدمه هو النموذج الخاص بالأبعاد الحضارية القيمية الأخلاقية في تحول النظم والمجتمعات العربية.
لم يكن فكر د.حامد يعكس فقط التوجه الاستراتيجي الذي يقدم البدائل والتصورات عن السلوك المستقبلي اللازم لتفعيل خدمة مصالح القوى الإقليمية الكبرى والمنطقة العربية برمتها -كما اتضح لدينا من المؤلفين السابقين، ولكنه كان أيضًا انعكاسًا للتفاعل الصادق مع لحظات التحول المفصلية في المنطقة، يحسن إدراكها ويحسن التعبير عنها بحس ووعي حضاري واسع النطاق. وأقصد بذلك الوعي بالأبعاد الحضارية القيمية الأخلاقية ومدى تأثيرها سلبًا أو إيجابًا على مسار تطور النظم والمجتمعات العربية والمنطقة العربية برمتها. ولم يكن الاهتمام بتلك الأبعاد الحضارية القيمية الأخلاقية وعلاقتها بالسياسات الداخلية والخارجية بالأمر السائد أو الشائع بين اقترابات علماء السياسة المصريين في تلك المرحلة (بداية الثمانينيات) التي قدم خلالها د. حامد ربيع إسهامه في ذلك المجال، وهو الإسهام الذي دشن سلسلة من الإسهامات المناظرة التي توالت عبر الثمانينيات.
ومن أبرز الدراسات التي تقدم ذلك الإسهام دراسة تحت عنوان “السياسة الخارجية والسياسة الإنمائية: الواقع العربي والبعد الثقافي للتعامل الدولي بين التداخل والتبعية 1984)؛ فمحور هذه الدراسة –كما يتضح من مقدمتها- تشخيص العلاقة بين السياسة الإنمائية والسياسة الخارجية في المنطقة العربية، وهي العلاقة التي تبرز قدر التدخل الأمريكي بأساليب متنوعة، في نطاق سياسة المساعدة، تسعى إلى إجهاض تجارب التنمية في سبيل دعم روابط التبعية. ويسجل د. حامد ربيع أربعة منطلقات يشرح من خلالها فكرته المحورية، محاولاً الإجابة عن السؤال التالي: كيف نجحت الولايات المتحدة في تحقيق هذا الاستيعاب للقوى المحلية ذات التقاليد الحضارية رغم أنها لم تكن تملك من أدوات التعامل في الأسرة الدولية سوى عنصر القوة المادية.
أول هذه المنطلقات يدور حول الخلط بين الأمية والثقافة على نحو يدفع لقول البعض أن المجتمعات المتخلفة التي تسودها الأمية لا تمثل سوى شرائح إنسانية لا تملك أي قيم ثقافية. والمثقف كما يعرفه د. حامد هو “من يستطيع أن يقيم المواقف ابتداءً من إطار حضاري محدد”، وهوبهذا المعنى يملك نطاقًا متكاملاً للقيم ويستطيع بصلاحيته الذاتية أن يخلق علاقة الترابط بين ذلك النظام للقيم الثقافية والمواقف أو الوقائع الاجتماعية المتجددة.
المنطلق الآخر والذي استطاع -وفق كلمات د. حامد- أن يدمر خلال الأعوام العشرة الماضية (1974- 1984) كل ما يمكن أن يوصف بأنه تعبير عن إرادة التماسك الحضاري في العالم العربي. وهذا المنطلق هو الربط بين التنمية الاقتصادية والتنمية السياسية والاجتماعية من جانب آخر، على أساس أن الأول هي رصدها التي تقود إلى الثانية.
وينتقد د.حامد هذا المفهوم على أساس أن التنمية الاقتصادية تعني في حقيقة الأمر القدرة المادية، في حين يعني التطور السياسي والاجتماعي السعي نحو نظام للقيم أكثر كمالاً وأشد قدرة على التعبير الحضاري والسمو الأخلاقي. هل التقدم الاجتماعي بهذا المعنى الأخلاقي –كما يتساءل د. حامد- لا يمكن أن يتم إلا من خلال التقدم المادي، متى كانت الأخلاقيات هي النتيجة الثابتة واللازمة لليسر والغنى على مستوى الأفراد أو مستوى الجماعات. والخطورة أن الدعاية الأمريكية نجحت في ترسيب القناعة لدى المواطن العربي أن جميع مشاكله سوف يتم حلها عندما تقدر له الميسرة الاقتصادية.
المنطلق الثالث الذي تسعى من خلاله السياسة الأمريكية لإعادة تشكيل الطابع القومي العربي هو إحلال قيم الرفاهية والمقدرة واليسر، وأن تكون جميع القيم الأخرى، أخلاقية كانت أو حضارية، ما هي إلا نتيجة لذلك.
المنطلق الرابع، وهو -كما يقول د.حامد- بدأ متلصصًا في أول الأمر ثم حملت لواءه في بادئ الأمر بعض المراكز العلمية المصرية بخبث ودهاء بل وجندت من أجله القيادات والكفاءات وانطلقت أسواقه من الجامعة الأمريكية، ثم سرعان ما انتقلت وبلا حياء إلى قاعات كلية الاقتصاد. مدار هذا المفهوم هو أن الأسلوب الأمثل للحياة السياسية هو ذلك النموذج الأمريكي التعددي باسم الديمقراطية الليبرالية من جانب، ومفهوم انتشار السلطة من جانب آخر، وهو ذلك النموذج الذي على المجتمعات المتخلفة أن تسرع في التخلي عن كل ما تركته لها الأجيال الماضية وأن تقبل على أسلوب الحياة الأمريكي، الذي هو وحده خالق الحضارات الكبرى الصالحة لمناطق القرن الواحد والعشرين.
بهذه الكلمات شارك د.حامد ربيع في “حملة العولمة” التي بدأت في الدائرة العربية بعد ما يقرب من العقد من رحيله؟ وماذا كان عساه أن يقول عن العدوان على العراق باسم التحرير والتحول الديمقراطي وحقوق الإنسان؟ وماذا كان عساه أن يقول عن العدوان على العرب والمسلمين باسم مكافحة الإرهاب وجذوره في الثقافة والحضارة العربية والإسلامية؟

3- الأبعاد الإسلامية في دراسة العلاقات الدولية:

يتضح من المجموعة الثالثة من المؤلفات وجه آخر من وجوه د. حامد ربيع؛ فإلى جانب وجهه القومي، ووجهه النظري، يبرز وجهه الحضاري، يبرز د.حامد ربيع كنموذج العالم – الفقيه: بين الخصوصية والعالمية. وإذا كانت هذه المجموعة تتضمن عدة دراسات، إلا أنني سأتوقف هنا عند كتاب “الإسلام والقوى الدولية” (1981). ويحمل تاريخ نشر هذا الكتاب دلالات كبيرة، فقد صدر في صميم ما يعرف بمرحلة الصحوة الإسلامية التي دشنتها الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية؛ حيث بدأ منذ ذلك الحين استدعاء كل ما يتصل بالإسلام والمسلمين إلى قلب تفاعلات النظام الدولي، طوال الربع الأخير من القرن العشرين وحتى الآن.
بل إن عنوان الكتاب يسبقه عنوان آخر هو “نحوثورة القرن الواحد والعشرين (1)، وهو الأمر الذي لابد وأنه أثار تساؤلات كثيرة حين صدور الكتاب (1981).
ولنقرأ معًا أولاً السطور التي خطبها د. حامد عند تقديمه لكتاب الإسلام والقوى الدولية (مرفق 1). ماذا تعني هذه السطور من وجهة نظري؟ إنها تعني ما يلي:
1- د.حامد نموذج العالم الذي عايش بداءة العلوم في الغرب وتفاعل معها ولكن لم ينسَ علوم دائرته الحضارية.
2- د.حامد نموذج عالم السياسة الذي بدأ تكوينه مع علوم الحضارات والعلوم القانونية، وأدرك أن دراسة الحضارات المقارنة نطاق أرحب يخدم الإسهام في دراسة الحضارة الذاتية. فلا تتحقق معرفة قدر هذه الحضارة دون مقارنتها بالحضارات الأخرى.
3- ليس بالعاطفة والحماس والانفعال يتحقق الاهتمام بالحضارة الذاتية والشعور بالانتماء إليها أو تبريره ولكن يجب أن يتحقق بالعلم أيضًا، وذلك ببيان قدر إمكانية هذه الحضارة على المساهمة في العلوم الحديثة.
4- العلاقة التفاعلية بين فقه الواقع الحضاري وبين فقه التراث الحضاري وأصوله أملاً في إيجاد الحلول الذاتية لمشاكل الواقع من ناحية، وسعيًا نحو توظيف التراث الذاتي في التنظير إيمانًا بأن المصادر الغربية ليست بمفردها الكافية في هذا المجال.
وحين كنت أسطر الملاحظات الأربعة السابقة كنت استشعر بداخلي واستدعي تلك الانفعالات التي كانت تنتابني وأنا استمع إلى محاضرات د. حامد ربيع كطالبة في السنة الثالثة (1970- 1971) والرابعة (1971- 1972) والسنة التمهيدية للماجستير (1972- 1973) تلك المحاضرات التي تلقيت خلالها أول رسالة عن العلاقة بين العلوم السياسية والإسلام أو عن موضع الإسلام في هذه العلوم.
كما استدعيت من ناحية أخرى خبرة مباشرة مع د. حامد ربيع -وكانت في قبرص، خلال أول اجتماع للجمعية العربية للعلوم السياسية في لارنكا 1984، حين دار حديث معه –بحضور الأخت الفاضلة د. ودودة بدران- أوضح فيه ضرورة دراسة موضوع الإسلام والعلاقات الدولية.
ولقد سنحت الفرصة بعد عامين للانخراط في تنفيذ متطلبات هذه الضرورة –في نطاق علم العلاقات الدولية- وذلك مع بداية مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (1986)، والذي أعتبر خبرته (حتى 1996) من ناحية، ثم تداعيات ما بعد نشره وحتى الآن من ناحية أخرى (عملية بناء منظور حضاري مقارن لدراسة العلاقات الدولية) خطوات مكملة لما بدأه أستاذنا د. حامد ربيع.
بالطبع ليست الغاية هنا تحديد قدر الاستمرارية والتواصل بين إسهام د. حامد في مجال العلاقات الدولية من رؤية إسلامية وبين إسهام مشروع العلاقات الدولية في الإسلام وما بعده، فهذا يتطلب عرض نتائج القراءة النقدية لكل دراسات وبحوث د. حامد ربيع في هذا المجال، ولكن حيث أنني في هذه الدراسة أقدم قراءة في كتاب واحد فقط هو “الإسلام والقوى الدولية”، فإن الأسئلة التي تمت على ضوئها القراءة وصياغة نتائجها لابد وأن تكون قد تأثرت بمتطلبات تحديد قدر الاستمرارية الذي تمثله جهود تلاميذ د.حامد ربيع بالمقارنة بما دشنه وأسسه في هذا المجال. وتتلخص هذه الأسئلة كالتالي:
· ما هي أهم الأبعاد المنهاجية التي يعكسها هذا الكتاب؟
· هل يقدم تحليلاً لمشاكل العالم الإسلامي أم يمتد إلى التنظير لهذه المشاكل انطلاقًا من تقاليد التراث الإسلامي في مجال العلاقات الدولية (فكرًا وممارسة تاريخية)؟
· ما قدر تلاحمه وتفاعله مع إنتاج العقل الغربي في هذا المجال؟
· ما هي تصوراته عن كيفية دفع البحث والدراسة في هذا المجال؟

وتتلخص الإجابات عن هذه الأسئلة المتداخلة في المحاور التالية: الخصائص المنهاجية، نحت المصطلحات ذات الدلالة الحضارية، أبعاد الرؤية الاستشرافية.

‌أ- الخصائص المنهاجية:

تتلخص كالآتي:
1. إن دراسة د.حامد للعلاقات الدولية الإسلامية أو للبعد الحضاري في العلاقات الدولية ليس منقطع الصلة عن الاهتمام بالبعد الحضاري الإسلامي في الفكر والنظرية والنظم.
2. العلاقة التفاعلية بين فقه الواقع الحضاري وبين فقه التراث الحضاري وأصوله سعيًّا نحو إيجاد الحلول الذاتية لمشاكل الواقع من ناحية، وسعيها من ناحية أخرى نحو توظيف التراث الذاتي في التنظير إيمانًا بأن المصادر الغربية ليست بمفردها الكافية في هذا المجال. ولذا؛ فإن الهم الأساسي الذي يعكسه هذا الكتاب هو حال ضعف العالم الإسلامي وسبل رفعه إلى مصاف القوى الدولية في مرحلة ثارت فيها التوقعات والآمال حول مستقبل عالم الإسلام والمسلمين، وهو الأمر الذي لن يتحقق في نظر د.حامد إلا بالتفاعل بين الفكر السياسي الإسلامي العلمي وبين متطلبات الحركة الاستراتيجية في الواقع. فإن من أهم شروط نجاح المفكر السياسي الإسلامي لدى د. حامد هي الجمع بين مفاهيم الإسلام وبين منهاجية التحليل العلمي المعاصر بإمكانياتها التي لا حدود لها.
3. وتحت عنوان منهاجية التعامل مع الظاهرة الإسلامية وقواعد المنهاجية المتبعة لطرح مشاكل الوجود السياسي من منطلق النظرة الإسلامية، حدد د.حامد هذه المنهاجية بأنها يجب أن تجمع بين أسلوب اكتشاف الماضي واستقراء الحاضر؛ فالعودة للتاريخ هي تفسير لأوضاع معينة نستطيع من خلالها تقييم الخبرة المعاشة. ولقد اقترنت هذه المنهاجية بالمنهاجية المقارنة بين الإسلام والمسيحية في أكثر من موضع في الكتاب انطلاقًا من أن دراسة فقه الحضارات المقارن والأديان المقارنة هو الذي يساعد على اكتشاف وتحديد قيمة الإسلام.
4. العالم الإسلامي جزء مندمج من العالم، ومن ثم فإن فلسفة التجديد السياسي لدى المسلمين يجب أن تكون عملية متبادلة؛ فهناك حاجة لتجديد إسلامي من ناحية وتجديد مماثل في حضارة القرن العشرين من ناحية أخرى تستلهم من قيم الإسلام وقواعده.
5. تتجسد أهمية البعد الدولي في الإسلام على ضوء طبيعة العلاقة بين البعد الداخلي والخارجي في الإسلام فكرًا وواقعًا، تتجسد في تعبيرات متنوعة عبر الكتاب. ومن أهم هذه التعبيرات ما يلي:
§ يأتي الداخل الإسلامي ومتطلباته كتمهيد أساسي للحديث عن وضع الإسلام كقوة دولية. فيأتي المبحث الأول في الكتاب عن موضوع الإسلام ومدركاته السياسية عن التجديد وعن المواجهة الحضارية وعن ضرورة تطويع التراث الإسلامي، وعن حقيقة الثورة الإسلامية المعاصرة، وعن علمانية الدولة والحقيقة الدينية في المجتمع المعاصر. ويناقش هذا المبحث مقولات متنوعة تتصل بوضع البعد الدولي في الإسلام وتجلياته المعاصرة (كما سنرى لاحقًا).
§ ولكن يرى د.حامد من ناحية أخرى أن العجز عن فهم حقيقة الإطار الدولي هو أحد أهم أسباب فشل القيادات الإسلامية. كما يشير إلى أن حديثه في الكتاب عن الإسلام كقوة دولية وإن كان لا يدور عن الداخلي، إلا أن الإسلام كقوة سياسية لا يستطيع أن يرتفع إلى مصاف القوى الدولية بدون أن يهيئ نفسه داخليًّا؛ ولذا فإن د.حامد يرى أن التجديد ليس عملية داخلية فقط ولكن ذات بعد خارجي مهم (كما سبقت الإشارة، وكما سنشير بقدر أكبر من التفصيل لاحقًا).
§ وتتضح طبيعة العلاقة بين الداخلي والخارجي –كما يقدمها الكتاب- على صعيد تناول موضوع وحدة قواعد التعامل في النطاق الداخلي والممارسات الخارجية من ناحية، وتعريف الظاهرة الإسلامية والإسلام من ناحية أخرى.
§ فعن وحدة قواعد التعامل، يشير د.حامد إلى أن الحضارة الإسلامية هي النموذج الوحيد، بالمقارنة بالنماذج الأخرى التي عرفتها الإنسانية، الذي أبى إلا أن يجعل قواعد التعامل مع غير المسلم –في الخارج والداخل- تخضع لنفس القواعد التي يخضع لها تعامله مع المسلم. وهذا يبين أن قيم السلوك لا يجوز أن تتعدد وأنها مطلقة، أنها تنبع من إنسانية المتعامل معها. (ص 59).
وفي تعريف للظاهرة الإسلامية (ص 73، 77) بين د.حامد أنها متعددة الأبعاد؛ فهي أولاً دين، وثانيًا حضارة ونظام للتعامل المدني، وثالثًا أسلوب من أساليب إدارة الصراع الدولي وتصور وإدراك متميز للتعامل الدولي.
ومن ثم يشير د. حامد (ص 73- 75) إلى أن ما نحن في حاجة إليه (اليوم) ليس فقط البعد الديني أو الجانب المدني، بل إن التعامل مع الشعوب غير الإسلامية لا يقل أهمية، لأن التعامل الخارجي في عالمنا المعاصر يزداد أهمية في عالم الصراع الأيديولوجي الذي هو وحده (وفقًا لـ د. حامد) وسيلتنا في تأكيد ذاتيتنا السياسية على النطاق الدولي. ولذا يتساءل د. حامد محذرًا، أليس تجهيل هذه الناحية وإلهاء العالم الإسلامي بالنواحي الدينية إلى حد الإغراق هو وسيلة لإبعاد الفكر عن الاهتمام بأبعاد أخرى لابد وأن تقلق مضاجع القوى الدولية؟ كما يتساءل د. حامد –مستكملاً– أليس هذا (التجهيل بالبعد الدولي) مما يتضمن مخالفة صريحة لطبيعة الدعوة الإسلامية لأن أي دعوة متكاملة لا تقبل التمييز والتجزئة؟
وأخيرًا، يرى د.حامد أنه إذا كان الفقه الإسلامي قد صمت في تراثنا عن فترة الإيناع عن هذا الجانب، إلا أن الحاجة (اليوم) مختلفة ونحن نعيش مراحل الضعف التي تفرض علينا التحدي للاحتفاظ بالثقة في الذات. وهذه الكلمات تقودنا إلى الملاحظة الأخيرة الخاصة بالأبعاد المنهاجية.
6. هل هناك تقاليد إسلامية في إدارة التعامل الدولي؟ وما هي خصائصها من واقع تشخيص حالة دراسة العلاقات الدولية الإسلامية في مصادر تراث خبرة القرون الثلاثة الهجرية الأولى؟ سجل د. حامد ربيع نتيجة مفادها ضعف الاهتمام بدراسة التعامل الدولي، وحدد أسباب هذا الضعف، واقترح سبل سد هذا الفراغ من خلال دراسة مجموعة متكاملة من المصادر الأصولية والتراثية (الفكرية والتاريخية) المتكاملة وعلى النحو الذي يساعد على فهم خصائص القيادة الإسلامية الاستراتيجية الدولية. وفي صفحات ممتدة من التحليل (77 – 112) قدم د. حامد -بلغة علم السياسة- تحليلاً للإجابة على السؤال السابق طرحه عاليًا. ولقد جمع التحليل بين خبرة تاريخ الخلافة الإسلامية وبين قواعد الأصول وأحكامه وقيمه، ولكن بمفردات لغة عالم السياسة المهموم بمشكلة أساسية من مشاكل واقع أمته الراهن (ألا وهى تعثر إدارة تعاملها الدولي). ومن ثم فإن هذه المنهاجية تترجم ما سبق ودعى د. حامد إلى تأسيسه، ألا وهو جعل التراث الذاتي مصدرًا للتنظير ولفهم الواقع في آن واحد، وبالفعل فلقد قدم د. حامد نتاج تفاعل حي لعالم السياسة مع الأصول والتراث.
7. وانتظارًا لتأسيس تقاليد إسلامية لإدارة التعامل الدولي أو قيادة إسلامية للاستراتيجية الدولية في هذه المرحلة الخطيرة من حياة الأمة، فإن د. حامد ربيع قد تبنى منهجًا هجوميًا على التقاليد الغربية في التعامل مع الحضارة الإسلامية وليس اعتذاريًّا أو دفاعيًّا عن الأمة.
فعلى سبيل المثال، تكلم عن الإسقاط الحضاري، أي إسقاط الغرب لخصائصه على الحضارة الإسلامية وسوء فهم الأدبيات الاستشراقية لهذه الحضارة وتعمد تشويهها، في نفس الوقت الذي لا نجد -من جانب الحضارة الإسلامية أي أنواع التشويه أو الاختلاف أو الكذب بخصوص الصورة الأوربية أو الكاثوليكية بصفة خاصة. يعتبر د. حامد هذا الأمر تعبيرًا عن حقيقة نفسية مختلفة في حاجة لتحليل ودراسة أكثر تفصيلية.

‌ب- في نحت المصطلحات ذات الدلالة الحضارية المقارنة:

من بين ما يمكن رصده من أمثلة على هذا الصعيد ما يلي:
§ الإسلام ليس قناعة دينية ولكن حضارة متكاملة، الإسلام دين القوة يقوم على أساس أن الحق دون قوة لا موضع له، الوظيفة الحضارية للأمة الإسلامية حقيقة تتصل بطبيعة الظاهرة الإسلامية كظاهرة متعددة المستويات: فهي دين وحضارة ونظام مدني وقواعد للتعامل الدولي.
§ عقدة الإسقاط الحضاري لدى الغرب، أي إضفاء عيوب الذات على الغير ومن ثم وصف العالم العربي والحضارة الإسلامية بأنها تنبع من مفهوم التحلل الأخلاقي والشهوة الجنسية الذي هو أدق صفات الحضارة الغربية.
§ عملية التسميم السياسي؛ خلق القناعة بعدم الأصالة الحضارية وعدم الثقة في الذات القومية، وخلق القناعة بعدم صلاحية الإسلام كأساس للحياة المدنية والبراعة في خلق أناس من بين أبناء العالم الإسلامي يدعون إلى التخلي عن تراثنا وحضارتنا، لأن تشويه الإسلام والاستئصال والإحاطة ليست إلا منطلق عكسي لخلق القناعة بالكاثوليكية ونجاح حركات التبشير.
§ عملية التجديد السياسي في الإسلام، يقول د.حامد أن الإسلام دعوة إلى التجديد وهو بطبيعته حقيقة ثورية، كذلك فإن تاريخ الإسلام هو تاريخ التجديد ومتابعة التاريخ الفكري لذلك التراث تؤكد أنه حتى في فترات التخلف والجمود كان دائمًا انطلاقه نحو المستقبل.
وعن فلسفته في التجديد السياسي، يرى د.حامد أنه انطلاقًا من اتجاه أكثر ثقة بذاتنا الحضارية، فإن عملية التجديد ليست كما هي لدى اتجاهات أخرى عملية تطويع التراث الإسلامي لحضارة القرن العشرين وتوفيق معها أو رفض للتجديد ذاته، ولكن عملية متبادلة؛ أي تجديد إسلامي وتجديد مماثل في حضارة القرن العشرين، أي هي عملية تطور مشترك ومتبادل؛ إسلام يجب أن يستعيد نفسه ويعيد بناء تركيبه الوظيفي من منطلق قيمة التقليدية أولا، وخبرته التاريخية ثانيًا، ووظيفته الحضارية ثالثًا. ولكن من جانب آخر فعلى القرن العشرين أن يؤقلم نفسه مع الإسلام. وعلى العالم الغربي أن يعلم أنه قد فشل جزئيًا وأن إنقاذه من هذا الفشل لن يتم إلا من خلال العودة إلى حضارة أخرى أو على الأقل نظام آخر للقيم أكثر تماسكاً وأكثر منطقية. إن الحديث عن انهيار الحضارة الأوروبية أضحى معادًا، ونحن لن نصل إلى حد القول بأن تلك الحضارة قد آن لها أن تختفي، ولكن عليها من منطلق إرادتها الواعية أن تعيد تشكيل نظامها للقيم.
§ التقوقع الديني والتفرنج الحضاري؛ يقول د.حامد: علماؤنا لا يجرءون على تناول أمر مواجهة مشاكل التخلف الفكري وهم في غالبيتهم واحد من اثنين؛ متقوقع حول المفاهيم الدينية لا يرى في الظاهرة الإسلامية سوى تعامل ديني، أو متفرنج لا يعرف شيئًا عن تراثنا التاريخي.

‌ج- موضوعات ذات امتدادات راهنة: ملامح رؤية استشرافية وإجابات عن أسئلة مزمنة:

1- طرق د.حامد ربيع وهو يبرر أهمية دراسة البعد الدولي للإسلام وكيفية هذه الدراسة موضوعات يتبلور الآن الاهتمام بها على صعيد الدراسة المنظمة للعلاقات الدولية تطرح تراكمات منهاجية اتضحت مصداقيتها في التطور اللاحق لعلم العلاقات الدولية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. ومن هذه الموضوعات ما يلي: فواعل وقضايا ومحركات العلاقات الدولية، الأبعاد الحضارية في الصراعات الدولية.
فمن ناحية، يشير د.حامد (ص 33) بين مبررات الاهتمام بوضع الإسلام كقوة في النظام الدولي الراهن، إلى أننا نعيش في عصر القوى الدولية غير الحكومية، والأسرة الدولية المعاصرة لم تعد مجرد تفاعل بين الحكومات.
كما يسجل د. حامد تطورات أخرى، وهي اتجاه العالم المعاصر إلى رفض مفهوم الدولة القومية (ص 34)، وكذلك الاتجاه إلى بروز العلاقة بين الدين والظاهرة الاجتماعية في ظل مناقشة إشكاليات علمانية الدولة ودلالات وآثار الحقيقة الدينية على درجة وطبيعة هذه العلمانية (ص 28)، كما أشار د. حامد ربيع إلى حاجة الغرب لمراجعة نظامه القيمي.
ولعلنا الآن –على ضوء التطور في منظورات العلاقات الدولية وعمليات مراجعة حالة العلم– نستطيع القول أن هذه الموضوعات المشار إليها عاليا تقع الآن في صميم الجدالات الكبرى في علم العلاقات الدولية وخاصة وقد تجدد الاهتمام في الدراسات النظرية الغربية بأثر الدين والثقافة على العلاقات الدولية، وبالدراسات القيمية وفي قلبها تأثيرات الإسلام.
ومن ناحية أخرى، يمثل اهتمام د.حامد بوضع الإسلام بين القوى الدولية المؤثرة على العالم سبقًا على اهتمام هانتنجتون ولكنه السبق الذي يختلف من نواحٍ شتى. فهو يحمل معانٍ إيجابية أكثر مما يحمل من معانٍ سلبية بالنسبة لمستقبل وضع الإسلام والمسلمين في العالم. حيث أن د. حامد يتساءل عن أسباب الضعف وإمكانيات الصعود من ناحية، كما يتساءل كيف يمكن أن يصبح الإسلام أحد مصادر الطاقة التي تتحكم في صنع القرار الدولي وكيف يمكن أن يقدم إطارًا يسمح ببناء كتلة تأثير دولية تحل محل كتلة عدم الانحياز التي أصابها الجمود.
وإذا كانت طبيعة اللحظة التاريخية التي أفرزت هذا التصور لدى د.حامد (الثورة الإيرانية، الصحوة الإسلامية وانطلاق ما يسمى الإسلام السياسي) تختلف عن نظيرتها التي انطلقت في سياقها تصورات هانتنجتون (فشل الإسلام السياسي، الحروب ذات الجذور الدينية والعرقية، البحث عن عدو جديد للغرب)، إلا أنه جمع بين اللحظتين التاريخيتين في بداية الثمانينيات وبداية التسعينيات قاسم مشترك وهو ذلك الذي سجله بوضوح وعمق د.حامد ربيع تحت عنوان تراث كراهية الأوربيين تجاه الإسلام وتشويه الأوربيين للحقيقة الإسلامية، كما سجل أيضًا د.حامد الترجمة السياسية لهذا البعد الحضاري في التساؤل التالي: هل لمست القوتان الأعظم (من واقع سلوكهما تجاه الحرب العراقية الإيرانية) أن إحدى نقاط التلاقي في مصالحها هي منع القوة الإسلامية الناشئة من أن يكتمل عودها بأي طريق كان؟
بعبارة أخرى، تساؤل د.حامد هل حقيقة الإطار الدولي الذي تعيشه الإنسانية المعاصرة يسمح للدين الإسلامي بأن يرفع هامته، لأن النهج الحقيقي لوضع الإسلام كقوة دولية يفترض المعرفة الكاملة لخصائص التطور الدولي؟ وإذا كان هذا السؤال يحمل في طياته قسمات الإجابة –لدى د.حامد– إلا أنه كان لابد وأن يطرحه على هذا النحو انعكاسًا لتقديره لأهمية البعد الدولي في المرحلة الراهنة من حياة الشعوب الإسلامية –كما سبق ورأينا. ومع ذلك، فإن دوافع طرح هذا السؤال لم تكن تكمن في “الخارج” فقط وما يفرضه من قيود وضغوط، ولكن كانت تكمن أيضًا في “الداخل” بما يحمله –في نظر د.حامد- من فرص وإمكانيات. فهو يقول أن ثورة إيران ليست مفاجئة وليست إلا البداية في حركات الرفض الإسلامية وأن الثورات قادمة ومتلاحقة في العالم الإسلامي. كما قال إن للإسلام قدرة مقاومة في مواجهة الاستعمار الجديد وآلياته المؤثرة على الثقة بالذات الحضارية.
ولعل التطورات المتلاحقة طوال الثمانينيات والتسعينيات، خلال مرحلة تصفية الحرب الباردة وبعد نهايتها تقدم الكثير من المدلولات عن الامتدادات الراهنة لتلك الرؤى التي قدمها د.حامد عن الأبعاد الحضارية للعلاقات الدولية في ظل قيام الإسلام كقوة دولية مؤثرة.
2- قدم د.حامد ربيع -وبوضوحٍ شديد- إجابات بسيطة عن أسئلة مزمنة، ومن أهم هذه الأسئلة: ما هي الأسلحة التي يجب أن تتوفر في العالم الإسلامي ليستطيع أن يرتفع إلى مصاف القوى الدولية، وبحيث يضع حدًا لعناصر ضعفه، وبحيث يستخدم عناصر قوته في إطار دولي مهيئ لذلك؟ ولقد قدم د.حامد تصورًا يتطلب أربعة متغيرات (ص 56-57)؛ أسماها المتغيرات الأساسية للوظيفة الدولية للإسلام السياسي وهي: إعادة البناء الأيديولوجي، القدرة على الفصل بين الإسلام كظاهرة قومية والإسلام كدعوة عالمية، تخطي عدم التجانس الداخلي، فرص التنظيم الإقليمي. ولقد تساءل بمعرض شرح المتغير الأول، لماذا نجحت حضارة وثنية (الرومانية لمدة 5 قرون تتحكم في العالم) حيث فشلت الحضارة الدينية المثالية (الإسلامية حيث لم تتحكم في العالم إلا قرابة القرن؟ والإجابة كانت كالآتي: التراث الإسلامي يملك نظامًا للقيم ولكن لم يقدم تصورًا عن نظام ثم أساليب التعامل مع الواقع بقصد تطويره وفقًا لهذه القيم. والإدراك الإسلامي للمثالية السياسية، أي النظام الإسلامي للقيم من حيث علاقته بالمثالية التي تعيشها الإنسانية المعاصرة هي سيادة العدالة في بناء نظام القيم السياسية، رفض منطق التمييز العنصري في التراث الإسلامي، جعل العلاقة بين المواطن والحاكم تسودها فكرة المعنوية التي تربط الفرد بالجماعة على أساس الوظيفة الحضارية، وحدة قواعد التعامل في النطاق الداخلي والممارسات الخارجية.
*****

الهوامش:

(*) من واقع القائمة لدى قسم العلوم السياسية.
(**) يمكن الرجوع للقائمة لاستيفاء بقية بيانات كل مصدر.

بحث مقدم لندوة (تراث ربيع.. بين كفاحية العالم ومقتضيات المنهج)
أعمال ندوة قسم العلوم السياسية
القاهرة 29- 30 يونيه 2003
تحرير: د. حسن نافعة – د. عمرو حمزاوي

للتحميل اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق