د. نادية مصطفى

في أنماط استجابة المسلمين لتحديات الهوية في عالم ما بعد الحرب الباردة والعولمة

مقدمة: منطلق الدراسة من المفهوم عن الاستجابات والتحديات

إن الحديث عن استجابات المسلمين للإشكالية التي تطرحها قضية الحوكمة العالمية والهوية، لابد وأن يستند إلى بيان ماهية التحدي، أو التهديد، الذي يستجيب إليه المسلمون. فإن تشخيص الاستجابة وتقييمها لا يبدأ من فراغ، وليس عملية فكرية أو سياسية محايدة، ولكنها مملوءة بكافة التحيزات. فعن أي تحدي نتكلم وعن أي استجابة نتحدث؟
بعد صعود صراع الأيديولوجيات مع تراجع الاهتمام بدور الأبعاد الدينية والثقافية في تشكيل التفاعلات الدولية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، فإن مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وخاصةً منذ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، شهدت صعودًا مستمرًا في الاهتمام بدور هذه الأبعاد سواء على مستوى الدوائر الأكاديمية والفكرية أو الدوائر السياسية. وحيث إن هذه الأبعاد تتصل بالأفكار والعقائد أساسًا، وحيث إن تلك الأخيرة تتصل بالشعوب وليس بالحكام أو القادة الدبلوماسيين والعسكريين والنخب فقط، فلقد قفزت قضية الهوية والانتماء إلى قلب الاهتمامات الدولية، وخلال العقدين الماضيين كانت أوضاع الإسلام والمسلمين العالمية ساحة لاختبار أسباب صعود الاهتمام بهذه الأبعاد وكيفية إدارتها والأهداف والمآلات. وبقدر ما كان العالم الإسلامي (أو الأمة الإسلامية أو الدائرة الإسلامية الحضارية مجملها) مفعولًا به بقدر ما كان فاعلًا أيضًا، فلقد واجه سياسات عالمية وغربية بصفةٍ خاصة (أوروبية– أمريكية بالأساس) استهدفت –كما استهدفت دائمًا خلال مراحل الهجمة الأوروبية الحديثة عبر ما يزيد عن ثلاثة قرون- الإنسان والهوية والعقول والأفكار، إلا أن المرحلة الراهنة من الهجمة في ظل العولمة أعطت الأولوية للإنسان، ليس باعتباره غاية في حد ذاته فقط، ولكن بقدر ما يصبح أداة لاستكمال السيطرة السابقة على الأرض والموارد. بعبارة أخرى، دخلت عملية التفاعل بين الأبعاد الدينية– الثقافية والأبعاد المصلحية المادية (العسكرية والاقتصادية…) في الاستراتيجية الغربية (الأوروبية والأمريكية) مرحلة جديدة في ظل العولمة وما بعد نهاية الحرب الباردة، سواء من حيث الأهداف أو الأدوات بل والتبريرات. ولذا؛ وجدنا كيف أن استراتيجية الحرب على الإرهاب قد جمعت بين أدوات القوة الصلدة والقوة الرخوة من أجل إحكام الهيمنة العالمية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. ففي حين اجتاحت الجيوش الأمريكية العالم الإسلامي، بدرجات متنوعة مدعومة بمساندة الاتحاد الأوروبي العسكرية والاقتصادية وبما يسمى سياسات الشرعية الدولية، فلقد تنامت وتصاعدت سياسات وأدوات أخرى رخوة تخدم وتمهد بل وتبرر أدوات القوة الصلدة. وعلى رأس هذه السياسات الدبلوماسية العامة وأدواتها ومن خلال آلية “الحوار”. كل ذلك في إطار عمليات العولمة التي نالت من المغزى التقليدي للحيز الزماني والمكاني ومن ثم استهدفت الشعوب.
وعلى ضوء طبيعة هذه التحديات، جاءت الاستجابات من العالم الإسلامي، من دوائره الثقافية وأقاليمه المتنوعة، وعلى المستويات الرسمية وغير الرسمية. وعبر العقدين الماضيين كان العالم الإسلامي في قلب الاهتمامات العالمية وتفاوتت النتائج وتعددت التفسيرات والتبريرات من منطقة إلى أخرى. وإن ظل لكل دائرة خصوصيتها، إلا أن هناك قواسم مشتركة لا يمكن إغفالها، تجعل بمقدورنا الحديث عن “استجابات المسلمين” بقدر ما انطلقنا من قواسم مشتركة عن تحديات “الغرب”.
وتقوم الدراسة على مناقشة المقولة التالية: حيث إن التحديات قد استدعت قضية الهوية إلى قلب سياسات صلدة ورخوة معًا، فإن استجابات المسلمين كان لابد وأن تتنوع أيضًا ما بين أدوات القوة الصلدة وأدوات القوة الرخوة وأن تنجدل أبعادها المادية مع أبعادها الفكرية، وحيث إن الحكومات في معظمها قد كفت عن الأولى وركزت على الثانية، فلقد ظلت الشعوب مصدرًا لاستجابات صلدة تجسدت في مشروعات المقاومة العسكرية.
ومن ثم، ففي حين برز التوظيف السياسي الغربي لأدوات القوة الرخوة، فلقد وصمت السياسات الغربية بل وما يسمى الشرعية الدولية، بالإرهاب جميع أدوات الاستجابة الصلدة من جانب المسلمين، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، حين استسلمت خطابات وسياسات عربية ومسلمة لمبادرات غربية لتغيير العقول والقلوب تحت ذريعة مقاومة جذور الإرهاب، فإن خطابات أخرى استجابت على نحوٍ مخالف إما رفضًا تامًا للحوار وسياسات التغيير الثقافي المفروضة من أعلى ومن الخارج وإما قبولًا لها بشروط لتفعيل “الحوار” باعتباره جهاد العصر، غير مقطوع عن أنماط الجهاد الأخرى، كل في مناطه وفي إطار مقاومة حضارية شاملة تنجدل على صعيدها الأبعاد المادية مع الأبعاد القيمية.
كل هذا بالطبع في ظل استجابات مناظرة للعولمة، قبولًا أو رفضًا، حيث إن العولمة مثلت الإطار العام الذي اندرجت في ظله سياسات مكافحة الإرهاب وسياسات إعادة تشكيل العقول والقلوب، بأشكالها المنجدلة والمتضافرة والمتحاضنة معًا، أي الصلدة والرخوة. كما ظلت هذه العولمة تفرض تحدياتها على استجابات المسلمين من أجل مقاومة حضارية
ومن ثم، تهدف الدراسة إلى مناقشة المقولة السابقة على مستويين: من ناحية، رسم خريطة الخطابات والسياسات الصادرة عن العالم الإسلامي استجابة لنظائرها الغربية، مستدعية التضافر بين الصلد والرخو وخاصة لبيان إشكالية التوظيف السياسي للحوار وبيان العلاقة بين الثقافي والسياسي، ومن ناحية أخرى التوقف عند شروط تفعيل “الحوار” والمقاومة (الحوار بالقوة العسكرية)، سعيًا لإعداد استجابات رشيدة في عالم تتضافر تحدياته على الإسلام والمسلمين.
ومن ثم، تنقسم الدراسة إلى تمهيد يقدم رؤية موجزة عن خريطة التحديات التي تطرحها العولمة والسياسات الغربية على العالم الإسلامي.
ثم تتناول الدراسة في جزئين: نمطان كليان من أنماط الاستجابة وهما؛ استجابات رد الفعل، والاستجابات البنائية.

التمهيد: في أنماط تحديات العولمة والسياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي[1]:

تمارس أيديولوجية العولمة وسياساتها تأثيراتها على العالم الإسلامي على صعيد عدة مجالات مترابطة من التحديات:
فإذا كانت التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تبرز من إطار سياسات العولمة وفي ظل عملياتها، إنما تمثل درجة متقدمة ومتطورة من الخطورة التي سبق وواجهتها الأمة ولو في ظل سياقات أخرى وبأشكال أخرى للتدخلات الخارجية (الإصلاحات والتنظيمات، الاستعمار التقليدي، الاستعمار الجديد، الحرب الباردة) إلا أن المجال الحقيقي للتحديات الأكثر خطورة والتي اكتسبت أبعادًا متطورة هو المجال الحضاري –الثقافي في ظل عمليات العولمة الراهنة التي لا تعكس مجرد تدخلات خارجية ولكن اختراق واجتياح الخارجي للداخلي.
بعبارة أخرى، فإن المرحلة الراهنة من تطور النظام العالمي هي المرحلة التي يخوض فيها (الغرب) المعركة في مواجهة (الباقي) لاستكمال تنميط العالم ليس اقتصاديًا فحسب على النمط الرأسمالي، أو سياسيًا فحسب على نمط الديموقراطية البرلمانية، ولكن أيضًا في إطار منظومة القيم الثقافية –الحضارية الغربية. ولن يكتمل الانتصار الاقتصادي أو السياسي من دون الثقافي الحضاري. وفي المقابل فإن الفشل على الساحة الثقافية –الحضارية يحمل كل إمكانات نمو مراكز قوة عالمية بديلة قد ينعكس معها وبها مسار التفاعلات العالمية وتوازنات القوى العالمية.
وإذا كان البعد الثقافي الحضاري للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي في ظل العولمة وفي ظل تداعيات ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) (الحرب الأمريكية على الإرهاب)، قد اكتسب زخمًا في حد ذاته، إلا أن الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية لهذه التحديات أحاط بها –بدورها- إطار ثقافي وحضاري.
فبالنظر إلى مجالات التحديات الأساسية التي تفرضها سياسات العولمة والحرب الأمريكية ضد الإرهاب نجد أنها تنقسم على النحو التالي:
* مجال منع الدول الإسلامية من حيازة أسلحة الدمار الشامل.
* الضغوط بورقة التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان لتحقيق تدخلات خارجية باسم الاعتبارات الإنسانية والاستقرار العالمي.
* عواقب تحرير التجارة العالمية وعولمة رأس المال بصفة عامة.
* وأخيرًا السياسات الخاصة بتغيير المجتمعات من خلال مدخل المرأة والأسرة والتعليم بصفة عامة، والدين منه بصفة خاصة، وآثارها على منظومات القيم الثقافية
ولقد أثار كل مجال من هذه المجالات قضايا شتى في العلاقات بين الشمال والجنوب بصفة عامة، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، واكتسبت هذه القضايا أبعادًا خطيرة في ظل العولمة الاقتصادية، والعولمة العسكرية، والعولمة السياسية، بعد نهاية الحرب الباردة من ناحية، وبعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) من ناحية أخرى، حين تأكد دخول العالم مرحلة الأحادية القطبية.
وإذا أخذنا على سبيل المثال ماهية تأثير أحد هذه المجالات، فلنتوقف عند سياسات تقنين العولمة في المجال الاجتماعي الخاص بالأسرة والمرأة والطفولة، فلقد أثارت نقاشات هامة حول آثارها.
حيث فجَّرت سياسات تقنين العولمة في المجال الاجتماعي -الخاص بالأسرة والمرأة والطفولة- نقاشات وتفاعلات هامة حول آثارها على منظومات القيم واتجاهات التغيير في المجتمعات العربية والإسلامية، على اعتبار أن هذه السياسات تتصدى للأوضاع التقليدية التي أحاطت بالمرأة والطفل والأسرة، والتي حالت دون تطويرها. وإن كانت عديد من هذه الأوضاع ترجع إلى أعراف وتقاليد، فإن بعضها تم تفسيره بالرجوع إلى الإسلام؛ وهو الأمر الذي جعل من أهم متطلبات تغيير الأبعاد السلبية لهذه الأوضاع، هو تقديم اجتهادات إسلامية جديدة تتفق ومقتضيات العصر، ودون المساس بثوابت الأمة. ولذا فإن مجالات التغيير الاجتماعي من أكثر المجالات إثارة للجدل حول التحديات الثقافية التي تفرضها سياسات العولمة على الدول والمجتمعات العربية والإسلامية.
ولقد أضافت (الحرب الأمريكية على الإرهاب) مجالاً آخر من مجالات هذا الجدال؛ ألا وهو الخاص بتجديد التعليم الديني والخطاب الديني على اعتبار أن السائد منهما –وفق الرؤية الأمريكية- يمثل مصدرًا من مصادر فكر الإرهاب ودوافعه، وأن استئصال هذه الظاهرة يقتضي استئصال جذورها في عمليات التعليم والفكر.
وبالنظر إلى الإشكاليات التي تطرحها القضايا السابقة نجد أن أكثرها وضوحًا هو الطابع القسري الإكراهي الذي يحيط بانتشار (أو فرض) النموذج الحضاري المنتصر في الحرب الباردة، وذلك بأساليب متنوعة وشاملة يتداخل على صعيدها –وبقوة- المادي وغير المادي، وذلك في مواجهة النموذج الحضاري الإسلامي، والذي وإن شابته تشوّهات قرون الانحدار، إلا أنه مازال يملك عناصر المقاومة الحضارية، وليس فقط ردود الفعل الإرهابية، ردود الفعل تلك التي يستند إليها الغرب لاتهام أمة بأسرها وحضارة بأسرها بأنها تتسم بالإرهارب ورفض الآخر وعدم التسامح، والانغلاق… في حين أن الفحص الدقيق للدلالات الثقافية والقيمية للسياسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تجاه الأمة وآثارها عليها لتبين انحيازًا وتحيزًا حضاريًا غربيًا، فإن الآثار المباشرة على الأمة تتحقق من خلال النمط الاستهلاكي النفعي المفرط في ماديته، ومن خلال الإعلان عن التفوق الذي يعلو الآخرين في دونيتهم الثقافية والمادية، ومن خلال التلويح بقيمة القوة –وخاصة العسكرية- واستخدامها لأغراض شتى، ومنها فرض الديموقراطية التي تحتاج إلى قوة القيمة الأخلاقية والمعنوية، وقوة النموذج وقدرته على الانتشار الذاتي، ومن خلال محتويات الحرية بلا حدود والتي تتعالى على ضوابط الحرية- من منظور الثقافات الأخرى- بل وتتهمها بالانغلاق والجحود والتعصُّب.
وهكذا يمكنني القول إنه بالرغم من أهمية وخطورة التأثيرات على صعيد المجالات المختلفة، إلا أن ما يتصل منها بالمجتمعات والثقافة أضحى الأكثر خطورة الآن، فإن آليات العولمة لا تتجه أساسًا للنظم والنخب ولكن تتجه للشعوب، للإنسان العادي، لعصب الأمة، ليس سعيًا فقط نحو التنميط ولكن سعيًا نحو مزيد من التشويه القائم للنموذج الحضاري الإسلامي والحيلولة دون إصلاحه من داخله وبآليات التفاعل الحضاري (وليس الفرض والقسر) مع الآخر. والآثار على هذا الصعيد الثقافي-الاجتماعي إنما تغذي من الآثار على الأصعدة الأخرى. إنها المعركة المتجددة بين الإسلام والتغريب والعلمنة، ولكن هذه المرة على صعيد الشعوب وبآليات العولمة التي تخترق الداخل: العولمة والتعليم، العولمة والتربية، العولمة والهوية، العولمة والأسرة، العولمة والإعلام،… وفيما يتصل بمصر بصفة خاصة، فإنها وإن كانت تشترك مع الدول الإسلامية الأخرى حول إشكاليات التعليم الدولي، دعاوي تجديد الخطاب الديني، … ولكن يستوقف الاهتمام بها –خلال السنوات الخمس الماضية (تعديلات الدستور، انتخابات الرئاسة، الانتخابات البرلمانية) كيف أن قضايا المواطنة، والحريات الدينية، قد استدعت من جديد كل ما يتصل بالعلاقة بين الإسلام والمجتمع والدولة) وذلك في مرحلة اجتياح الحديث عن التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (المكون السياسي للعولمة) وعن محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي وعن الليبرالية والعلمنة كمتطلبات للتغيير الثقافي (المكون الثقافي للعولمة). وجميعها ساحات تستخدم فيها الولايات المتحدة آليات العولمة (الأمريكية والأممية) مثل المجتمع المدني والإعلام، وعلى النحو الذي يبين أن الولايات المتحدة، بعد أن أدركت أنها لا تستطيع إزاحة الإسلام من قلب مشروع المعارضة في مصر، فعليها أن تُدشِّن وتنشر “صورة الإسلام ونمطه” الذي تقبله: الإسلام المدني، الحداثي، العلماني، الليبرالي. وهي بهذا تحقق هدفين؛ من ناحية تضييق الخناق على “الإسلام السياسي” الذي وإن اتخذ موقف المعارضة السلمية، فهو أيضًا غير مقبول، وبذا تترك الساحة أمام النظام لتصفيته دون أي معارضة أمريكية لانتهاك الديمقراطية أو أحب آلياتها وهي الانتخابات.
ومن ناحية أخرى، دق إسفين الفرقة بين صفوف المعارضة الوطنية، الإسلامية وغيرها، حيث أن موضع العلاقة بين الإسلام والمجتمع والدولة من الأمور المفرقة، والتي تلقي بالضباب على توافق الصفوف ضد الاستبداد السياسي القائم وضد التدخلات الأمريكية في المنطقة وعدوانها السافر على بعض دولها. واللعب بورقة الأقباط والمسلمين، من أهم أوراق هذا السيناريو، مثلما توجد أوراق أخرى يتم اللعب بها في دول إسلامية أخرى مثل: السنة-الشيعة، العروبة-الزنوجة، العروبة-الأكراد،… إلخ. كل هذا تحت ستار دعاوى حقوق الإنسان، وهي دعاوى هامة بلا شك ولكن توظيفها في مصر وغيرها يعود بآثار تفكيكية على الدول والمجتمعات.
ومن هذا الإطار الكلي الذي تجسده العولمة كعملية وكأيديولوجية، تُبرر سياسات الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي وأدواتها وهي تُمثِّل منظومة متكاملة ينجدل فيها الديني-الثقافي الحضاري مع السياسي والاقتصادي والعسكري[2].
وتصدق هذه الرؤية بدرجةٍ أكبر على إدارة المحافظين الجدد، ولكنها تصدق أيضًا –ولو بدرجة أقل- على إدارات سابقة وعلى إدارة أوباما[3] وعلى توجه الاستراتيجيات الغربية في مجملها تجاه العالم الإسلامي، ليس في عصر العولمة الراهن فقط، ولكن أيضًا منذ بداية الهجمة الأوروبية الثانية على العالم الإسلامي (ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي). فإن هذه الهجمة هي عملية تاريخية ممتدة، استخدمت خلالها القوى الأوروبية أدوات متنوعة وفي منظومات مختلفة باختلاف الزمان والمكان لتحقيق أهداف السيطرة الكاملة على الأرض والثروة والبشر.
ولهذا –وبالتركيز على المرحلة منذ نهاية الحرب الباردة- يجب أن نعيد صياغة الأسئلة التي تحاول تفسير السياسة الأمريكية بصفة خاصة تجاه العالم الإسلامي، أي سياسة الحرب الأمريكية ضد الإرهاب (الإسلامي والأصولي) والتي كشفت عن نفسها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعد أن دشنت قواعدها منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة والقطبية الثنائية. فبدلاً من السؤال هل العامل الديني-الثقافي الحضاري هو الذي يفسِّر هذه الحرب أم المصالح الاستراتيجية الكبرى التي تريد تحقيقها الولايات المتحدة تحت رداء الديني-الثقافي-… لابد وأن نصيغ السؤال كيف تتعاضد هذه الأبعاد سواء على مستوى الدوافع أو السياسات أو الأدوات؟
إن استعراض مجالات تأثير العولمة على العالم الإسلامي (كما سنرى في السؤال الخامس) سيقدم لنا الأدلة من واقع السياسات الأمريكية التدخلية في العالم الإسلامي، على صلاحية ومصداقية هذه الصياغة المقترحة للسؤال، إلا أنه يكفي الآن –بعد التأكيد على التكامل بين أدوات وسياسات الولايات المتحدة- التوقف عند نقطة أساسية تتصل ببروز أهمية وأولوية الأبعاد الثقافية بين جملة التحديات التي تمثلها السياسات والأدوات الأمريكية، وهي النقطة المتصلة بالدوافع “الحركية” وراء هذه السياسات والأدوات التي تمزج بين الثقافي والسياسي والاقتصادي بل والعسكري في هذه المرحلة من تطور العلاقة بين العالم الغربي والإسلامي.
فبعد أن تحققت الهيمنة الغربية السياسية والعسكرية (أولاً الاحتلال ثم التبعية في مرحلة ما بعد الاستقلال) وبعد أن تحققت الهيمنة الاقتصادية أيضًا، فلم يتبق إلا اكتمال الهيمنة على الصعيد الثقافي بل والديني. فإذا كانت أبنية العالم الإسلامي غير ممانعة للتبعية الاقتصادية، ولا تزال تمانع نمط الديمقراطية الغربية، فإن الجبهة الثقافية تشهد مقاومة شديدة من أجل عدم الانسحاق الكامل أو الاستيعاب الكامل وسعيًا نحو علاج تشوهات النموذج الحضاري الإسلامي وتجديده، باعتباره خط الدفاع الأخير، بل والخط الأول للنهوض من جديد.
ولا غرابة أن اجتمعت رؤى مفكري القرنين التاسع عشر والعشرين على أن أسباب داء الأمة الإسلامية تكمن في العوامل القيمية والفكرية والأخلاقية، ومن ثم فإن أزمة الأمة ليست مادية بقدر ما هي فكرية، تستدعي التجديد الديني والفكري والتربوي ليتحقق النهوض المادي من جديد.
ولا غرابة أيضًا، من ناحية أخرى، أن أطروحات الفكر الاستراتيجي الغربي وعلى رأسها أطروحة صدام الحضارات وأطروحة التهديد الإسلامي للغرب، لا غرابة أنهما ينطلقان من هذا البعد الديني-الثقافي-الحضاري أيضًا، على اعتبار أن النموذج الإسلامي وغيره، بالرغم مما يعانيه من ضعف مادي –هو مصدر التحدي والتهديد لاستمرار هيمنة الغرب وتفوقه.
ومن هنا مصدر الخطورة الأساسية التي تمثلها عمليات العولمة وسياساتها على العالم الإسلامي؛ فهي تستهدف بالأساس –المجال الديني-الثقافي-الحضاري- سواء بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة من خلال المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ولهذا، وإذا كانت مراجعة حالة علم العلاقات الدولية –في عصر ما بعد نهاية الحرب الباردة والعولة- قد أفسحت مجالاً لإسهام منظور حضاري إسلامي مقارن في هذا العلم (في ظل مقولات أن عالمية العلم لن تتحقق بدون مشاركة منظورات أخرى)، إلا أن للعملية وجه آخر سلبي، وهو وجه معقد توظفه السياسات والبرامج الغربية مستهدفة “العصب في مجتمعاتنا” والنواة الصلدة لهويتنا، في نفس الوقت الذي تتذرع به بذرائع دينية-ثقافية (الإرهاب) وغيرها (أسلحة الدمار الشامل) لتعيد تشكيل المنطقة تحقيقًا لأهداف استراتيجية أخرى –إلى جانب هدف الإجهاز على ما تبقى من نموذج حضاري إسلامي- أي أهداف البترول والسياسة والمنافسة مع القوى الكبرى الصاعدة مثل الصين وروسيا بل والاتحاد الأوروبي واليابان.
وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول أن المشروع الأمريكي عن الشرق الأوسط الكبير، الذي تتطابق حدوده تقريبًا مع حدود الخلافة العباسية في أزهى عصورها، والذي تقوم على تنفيذه إدارة المحافظين الجدد، إنما يستند إلى عمليات العولمة وإلى سياسات العولمة.
فإن احتلال أفغانستان ثم احتلال العراق قد استند –علنًا- إلى دافع محاربة الإرهاب ومنع أسلحة الدمار مغلفة بدوافع دينية وثقافية، وسياسات التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان تتمحور في قلبها محاولات تغيير القلوب والعقول من خلال أدوات عديدة، وسياسات تجزئة المجزأ في العالم العربي تستند إلى أسس دينية ومذهبية وطائفية وقومية وعرقية وهكذا…

الجزء الأول: في نمط استجابات رد الفعل

ترتبط العولمة ارتباطًا وثيقًا بالأبعاد الثقافية في العلاقات الدولية بصفة عامة وبما يتصل بسياسات “الحوار” بين الأديان والثقافات والحضارات بصفة خاصة.
ومن ثم، اقترنت الاستجابات للعولمة بالاستجابات تجاه مبادرات وسياسات إدارة العلاقة بين الحضارات (صراعًا أم حوارًا).

أولاً: استجابات المسلمين تجاه العولمة[4]

الفكر الإسلامي المعاصر، متعدد الروافد والمدارس والتيارات والحركات، وجميعها وإن كان إطارها المرجعي هو الإسلام، إلا أنها تتخذ مواقف مختلفة تجاه “الغرب” بصفة عامة و”العولمة” بصفة خاصة، التي تُعَدّ في نظر البعض المرادف المعاصر للأمركة أو التغريب أو العلمنة.
ولذا فإن الإجابة على هذا السؤال الثالث لا يمكن أن تسقط في التعميم لأن ذلك سيعد خطئًا منهجيًا خطيرًا. وحيث أنه لا يمكنني –كما لم يمكنني مع الرؤى الغربية- أن أرسم خريطة محددة التفاصيل، فإنني أكتفي بهذه الملاحظات:
الفكر الإسلامي في مجموعه، يشترك –مع القومي واليساري- في رفض هيمنة المحتوى الغربي على عمليات العولمة، ومن ثم اعتبارها عمليات ذات طابع إجباري قسري إكراهي تهدف إلى تنميط العالم وفق النموذج الحضاري الغربي: الرأسمالي، الاستعماري. وبالطبع يختلف الفكر الإسلامي في جوانب أخرى مع هذه المدارس المضادة أيضًا لأيديولوجية العولمة ولسياساتها. وإذا كانت قد تبلورت رؤى يسارية وقومية، بل ورؤى غربية أيضًا مضادة للعولمة، في جانب أو آخر من جوانبها، لذا يظل السؤال التالي مطروحًا: ما الذي ميَّز (الأطروحات) الإسلامية “بمعنى تلك التي قدمها رموز وأعلام الفكر الإسلامي المعاصر بروافده المتنوعة” عن نظائرها المنبثقة من أطر مرجعية أخرى ومن نسق معرفي مختلف؟ وهل هناك رؤية إسلامية أو منظور إسلامي واضح المعالم بشأن العولمة؟ أم –كما يقول البعض: لم تستطع المدرسة الإسلامية أن تقدم التصور الذي يرقى إلى مستوى التحدي الذي تمثله العولمة، أو الذي يرقى إلى مستوى تماسك وشمول رؤى منظورات أخرى؟ حيث إن رد المثقفين والمفكرين المسلمين على إشكاليات العولمة جاء قاصرًا وقد تجاوزه الزمن؟
حقيقة لم تقتصر ردود الفعل والاستجابات (التي تم وصفها بالإسلامية) على تلك الأطروحات الفكرية التي نهتم بها أساسًا. فلقد ساد الساحة العربية والإسلامية خلال النصف الثاني من التسعينيات حالات متنوعة من الخطاب (الرافض) للعولمة: هجومًا: وهجاءً وكرهًا، وتهويلاً، وإحباطًا، وقفزًا على الوقائع؛ بحيث أضحى المدخل القيمي –ولكن الانفعالي وبلا تدبر ونظر- هو العلامة المميزة والدالة على ما وصلت إليه بعض الخطابات الموصوفة بـ(الإسلامية). وهي التي فشلت في فهم العولمة وتداعياتها واقتصرت على رفضها؛ ولذا فهي –بالطبع- لم تعبر عن رؤية متماسكة وشاملة حول ما يتصل بالعولمة.
بالطبع إن هذه الرؤى الإنفعالية الحماسية لم تدرك أو لم تقدر على إدراك ضرورة التمييز –السابق شرحه في السؤال الأول- بين العولمة كعملية والعولمة كأيديولوجيا والعولمة كسياسات. وهو الأمر الذي قامت به وعليه دراسات جادة ومعمقة قدَّمها مفكرون إسلاميون أو مسلمون، وهي دراسات اجتهدت للإجابة على سؤالين:
– ما هي التحديات التي تفرضها العولمة على العالم الإسلامي على الأصعدة الاقتصادية…إلخ؟ وكيف يمكن مواجهة العواقب السلبية للعولمة وما آليات العولمة المضادة؟ وما الفارق بين العولمة والعالمية؟
ولكن تظل هذه الدراسات في مجموعها واحد من صنفين: أحدهما يركز على المدخل الثقافي فقط معطيًا له الأولوية، والثاني يرسم خريطة مداخل التأثير المختلفة للعولمة دون بيان صلاتها بعضها ببعض، وخاصةً من حيث كيف أن الثقافي أضحى مجدولاً بقوة بكل الأبعاد الأخرى. وهو الأمر الذي يمثل ويجسد خصوصية العولمة في المرحلة الراهنة مقارنةً بغيرها من المراحل في تطورها (بفرض قبولنا أنها عملية ممتدة، أو مقارنة بغيرها من العمليات الدولية مثل الاعتماد المتبادل أو الإمبريالية والتي لم يحظ فيها البعد الثقافي بما حظى به ذلك البعد في ظل العولمة. وهذا الأمر (أي الجدل بين الثقافي وغيره) هو الذي يميز رؤية إسلامية للعلاقات الدولية وللعولمة بصفة خاصة انطلاقًا من أولوية وزن “القيمي”، ولكن بدون إنفصال عن “المادي”، وكذلك انطلاقًا من تكامل وشمول الظاهرة ومخاطر النظرة المجزئة لأبعادها، وستتضح هذه الأمور عند الإجابة على السؤال التالي كما سبقت الإشارة.
(1) يعتبر الجميع أن العولمة مصدر تحدي أو تهديد مباشر للمجتمعات الإسلامية بالأساس وللشعوب الإسلامية في مجموعها، وأكثر من كونها تهديدًا للحكومات أو الأنظمة أو النخب، وعلى أساس أن معظم الحكومات الإسلامية تتخذ هدف “اللحاق بالعولمة” والركوب في قطار العولمة، هدفًا استراتيجيًا، مركزين في ذلك على قبول وتنفيذ سياسات العولمة في المجالات المختلفة، دون تقدير لتأثيراتها على الشعوب –الثقافة والهوية- وعلى استقلال الدول وعلى الوحدة بين الدول الإسلامية.
بعبارة أخرى، المدخل الأساسي للفكر الإسلامي تجاه العولمة هو “المكون الثقافي ومنظومته”؛ فالتركيز الغالب على الآثار الثقافية للعولمة، الآثار على الهوية والسلوك بدرجة تفوق الاهتمام بالآثار الاقتصادية وبالآثار السياسية، مما يعني عدم الاهتمام، إلا في ما بين المتخصصين- باستقراء الرابطة بين القيمي وبين السياسي والاقتصادي، وذلك وفق ما تتطلبه الرؤية الإسلامية للعولمة، وهذا ما سيرد تناوله عند الإجابة على السؤال التالي، حيث أقدم رؤية عن “الجدْل بين الثقافي وغيره” في سياسات الولايات المتحدة.
(2) أن بؤرًا منيرة في الفكر الإسلامي، قدَّمت اجتهادات لبيان كيف يمكن لمنظومة القيم الإسلامية أن تكون مقياسًا وميزانًا يفضح فخ العولمة ويكشف توحشها وعدم إنسانيتها، وهي في هذا اتبعت أحد مدخلين: أحدهما المقارنة بين العولمة والعالمية، وثانيهما بيان كيف يمكن لمنظومة القيم الإسلامية أن تساهم في إعادة بناء النظام العالمي وتجديده.
ومن الملاحظ أن كل من المدخلين إنما ينطلق من اعتبار العولمة عملية تاريخية، ولكن ليست حتمية أو قدرًا لا فكاك منه بل هي عملية تخضع للسنن الإلهية التي تفسر لنا تطور وضع الأمة الإسلامية.
كما أن المدخلين يعكسان المقابلة بين الآليات القسرية الإكراهية (التي تتداخل على صعيدها الأبعاد الاقتصادية والسياسية مع الثقافية) لفرض نموذج حضاري واحد، على اعتبار أنه الأصلح والعالمي من ناحية، وبين الآليات الطوعية الإختيارية لانتشار نموذج يعترف بأن التنوع الحضاري وغيره سنة من سنن الله في العمران والاجتماع أي أن الاختلاف سنة والتعدد والتنوع سنة، والتعارف والحوار سنة من سنن الله. وبالرغم من أهمية هذا الإسهام الفكري تجاه آثار العولمة، إلا أنه يظل بينه وبين فقه واقع المسلمين فجوة كبيرة تطرح التساؤل: كيف يمكن للمسلمين المساهمة في ذلك؟
(3) نادرًا ما يظهر على صعيد أدبيات الفكر الإسلامي تناول لإيجابيات العولمة أو كيف يمكن أن يوظف المسلمون آليات العولمة لخدمة مصالحهم، حيث أن التركيز على كوننا “ضحايا العولمة”، على كوننا “موضوع للعولمة، ومن ثم تغيب النظرة لنا كفاعل من فواعل العولمة قادر على أن يواجه تحدياتها أو ما يمكن –على الأقل- من الاستفادة من إيجابياتها. وسنأتي على ذكر هذا الأمر في الإجابة على السؤال السابع (المتصل بفكر الحركة الممكنة).
وخلاصة القول: هناك ثلاثة أبعاد أساسية تشترك فيها الرؤى الإسلامية عن العولمة: أولها- هو التحدي الذي يمثله الغرب من الناحية الثقافية والحضارية، وكيف يمكن للمسلمين –انطلاقًا من الإطار المرجعي الإسلامي- أن يقدموا رؤية حضارية لإعادة التوازن في العلاقات الدولية؟
البعد الثاني- هو الانطلاق من منظور قيمي أساسًا يقوم على الاعتراف بالتعددية الثقافية والتنوع الحضاري، والتعارف الحضاري، وليس التنميط الحضاري، أو القولبة الحضارية كما في مقولات الليبرالية الجديدة عن العولمة، أو مقولات بعض روافد الواقعية عن الصراع الحضاري في ظل العولمة.
والبعد الثالث- هو إبراز دور الدين في توفير الأساس الأخلاقي والقيمي للتفاعل بين الدول؛ للمساهمة في التطوير القيمي والثقافي العالمي اللازم للاستجابة لسلبيات العولمة وتشوهاتها. وهو التطوير الذي تساهم فيه –أيضًا- روافد فكرية ونظرية غربية تجدد اهتمامها بالبعد الثقافي والقيمي في دراسة الظاهرة الاجتماعية بصفة عامة والعلاقات الدولية، ومن ثم العولمة. فإن منظورات العلاقات الدولية –والعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية بصفة عامة والعلاقات الدولية، ومن ثم العولمة. فإن منظورات العلاقات الدولية- والعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية بصفة عامة- قد شهدت، بعد انشغال شديد بالعامل الأيديولوجي، والعامل العسكري، والعامل الاقتصادي، شهدت تجدد الاهتمام بالأبعاد الثقافي وكذلك البعد القيمي وضرورة أخذهما في الاعتبار عند النظر في قضايا ومشاكل العالم والإنسانية.

ثانيًا: خريطة الخطابات العربية والإسلامية تجاه إشكالية العلاقة بين الأديان والثقافات والحضارات

إذا كان عقد التسعينيات يمكن وصفه بعقد الجدالات حول أطروحات هنتنجتون، فإن العقد الأول من القرن الواحد وعشرين يمكن وصفه بعقد الحوارات. واستدعاء خبرة هذين العقدين تساعد على إبراز الأمور التالية:
الأمر الأول: إن الحوار بين “الإسلام والغرب” قد اختطف الحديث عن أو في أو حول “حوار الأديان والثقافات والحضارات” وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة، بحيث طغى لدينا في الدائرة العربية الإسلامية الاهتمام بهذا المستوى العام من الحوار، الذي يجمع الأمة برمتها في مواجهة الغرب برمته. وبالرغم من أهمية الإشكاليات العامة إلا أنها تختزل صورة شديدة التركيب، وهي صورة ما يسمى “الحوارات”. حيث يدور العديد منها في دوائر متنوعة، تتسم كل دائرة بخصوصية ثقافية، من حيث مشاكلها التي تفجر الحاجة للحوار أو من حيث خبرة الحوارات ذاتها. فإذا كان لدينا حوارات في البلقان، فلدينا أيضًا “حوارات الإيمان” Interfaith- Dialogue في الولايات المتحدة وأوروبا. كذلك لدينا الحوارات بين شمال وجنوب المتوسط التي تديرها مؤسسة آناليند إحدى أذرع الاتحاد الأوروبي، والحوارات من أجل ثقافة السلام داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وها هو الناتو الآن يتحدث عن حوار بين طالبان وحكومة كابول…إلخ. وهكذا نستطيع أن نميز دوائر متداخلة من الحوارات تبرز جميعها الأبعاد الثقافية في حوار الحضارات، وتستدعي كل منها اهتمامًا منفردًا، لتزداد الصورة وضوحًا وحتى لا نقع في إشكاليات ناجمة عن التعميم في نطاق ما يسمى الحوار بين الغرب والإسلام، وهو التعميم الذي يقود إلى عدم الخروج بنتائج محددة، بحيث تصبح اللقاءات مجرد هدف في حد ذاته.
الأمر الثانى: هو أن هذا التعميم أو هذا الإطار العام للحوار بين الإسلام والغرب دفع دائمًا للتساؤل؛ هل الحديث عن الحوار في حد ذاته وكهدف وغاية قد اختطف الحديث عن الحوار كسبيل لحل الصراعات؟ بحيث طغى الحوار وهو أحد وجهي العملة، على الوجه الآخر من العملة، ألا وهو حقيقة الصراع الذي يراد حله؟ ولذا؛ ثارت التساؤلات ما هي مخرجات ونتائج هذه الحوارات العامة التي يلتقي خلالها وعلى نحو متكرر مجموعات متنوعة من الرسميين أو النخب (الفكرية، الإعلامية، الأكاديمية، المدنية) أو الشعوب يجتمعون وينفضون، وفق أجندات الجهات الداعية (إسلامية أو غيرها) دون أن يتمكنوا من تحديد دقيق للنتائج على جانبي الحوار. وكم تساءلت بنفسي كأستاذة علاقات دولية وكمديرة لمركز بحثي في مجال “الحوار” ولمدة عقدين من الزمان تقريبًا عن نتائج ما شاركت فيه من لقاءات عديدة ومتنوعة داخل وخارج مصر، وخاصة النتائج بالنسبة لإدارة الصراعات والنزاعات. حيث استطعت من ناحية أخرى أن أتفاعل مع هذه اللقاءات باعتبارها ساحات حوارية مهمة، كنت أرصد خلالها وأسجل تقييمي لحالة الحوارات (من يحاور من، خريطة الاتجاهات، أجندة القضايا، الحجج والحجج المضادة، أين خطاب الصراع؟ شروط فعالية الحوار وعقباته.. والأهم كيف تؤثر السياسة على الحوار والعكس؟).
كل ذلك في نفس الوقت الذي لا تكف فيه أدوات القوة الأخرى العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية من لعب دورها في إدارة هذه الصراعات، سواء المتفجرة منها أو التي تم تسكينها وتجري محاولة تسويتها, بل وعلى نحو دفع للتساؤل ما جدوى هذه الحوارات، هل هي شرط مسبق لإسكات الصراعات أم أن تسوية هذه الصراعات بطرق عادلة هو الشرط المسبق لتصبح الحوارات عملية طبيعية ممتدة تتفاعل خلالها الخبرات الإنسانية لتدعيم أركان عالم أكثر عدالة وإنسانية وليس مجرد عالم أكثر استقرارًا وأمنًا وسلامًا للأقوياء الذين يفرضون الاستقرار والأمن والسلام لهم بأدوات عدة منها “الحوارات غير المتكافئة باسم الدين أو الثقافة أو الحضارة، فهي حوارات تجري بين الضحية والمعتدي، بين القوي والضعيف، وبين الغني والفقير، بين الظالم والمظلوم، بين الذي يمتلك المعرفة والذي لا يمتلكها…
الأمر الثالث: إن الحوارات ليست عملية محايدة. فإذا كان من المفترض أن الحوار بالأساس هو عملية فكرية طوعية تتم بين البشر على كافة المستويات ليحدث التواصل والتعارف والتثاقف والتجديد، وليتحقق الفهم المتبادل والإدراك المتبادل، في إطار سنة التنوع والتعدد من سنن الله في الاجتماع البشري. والمفهوم على هذا النحو يفترض شروطًا ليحقق الحوار أهدافه[5]. إلا أن خبرتي مع عقد من الحوارات قد بينت أن الحوارات الآن هي أداة من أدوات السياسات الخارجية للقوى الكبرى توظفها، حول قضايا أو في مناطق محددة، لتحقيق أهداف سياسية انطلاقاً من أن المدخل الثقافي لإدارة الصراعات قد تجدد الاهتمام به وازداد بروزًا في الفكر والسياسة منذ نهاية الحرب الباردة وتجاه أرجاء العالم الإسلامي بصفة خاصة، فلقد أضحت مبادرات الحوارات تبدأ أساسًا من القوى الكبرى، سواء على المستوى الرسمي أو الأكاديمي أو المدني أو الشعبي، ولا تجد الأطراف الأخرى إلا الاستجابة للمبادرة أو الاتجاه نحو المبادرة أيضًا على هذا الصعيد. ومن هنا تبرز ظاهرة تسييس الحوارات التي هي في الأصل عملية فكرية إنسانية ممتدة عبر التاريخ البشري. والتسييس قد يكون من طبائع الأمور على ضوء المفهوم الواسع للسياسة الذي يسع ما هو قيمي إنساني، وقد يكون من غير طبائع الأمور على اعتبار المفهوم التقليدي للسياسة باعتبارها صراع قوى مادية، ومن ثم يصبح الحوار في هذه الحالة الأخيرة مجرد أداة لتحقيق أهداف سياسية من منظور صاحب الغلبة السياسية والتفوق المادي.
الأمر الرابع: إن بروز الحوارات لا يرجع فقط إلى تحولات ما بعد نهاية الحرب الباردة، ودخول النظام العالمي مرحلة جديدة من التغيرات في هيكله وسياساته ومنظومة قيمه، في ظل تجليات العولمة، وأيديولوجية العولمة وسياسات العولمة، ولكن يتجسد أيضًا بروز الحوارات على الصعيد المعرفي والتنظيري، بل إن هذا الأخير يمثل الإطار للحوارات على أرض الواقع. حيث تجدد، في ظل العولمة وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الاهتمام بالأبعاد القيمية والأبعاد الثقافية في التنظير للعلاقات الدولية، وعلى نحو اقترن بالدعوة إلى تعددية المنظورات الحضارية ليخرج علم العلاقات الدولية من أزمته وليجد العالم حلولاً لمشاكله المزمنة وليحدث تغييرًا عالميًا يصبح معه العالم أكثر عدالة وإنسانية.
كل ذلك انطلاقًا من نقد ذاتي من داخل الغرب للمركزية الغربية –في كافة تجلياتها- وسعيًا لتطوير فهم جديد (بديل لفهم الحداثة والتنوير والعلمانية) لثقافات وحضارات العالم، قائم على إدراك جوهر التعددية وقيمة الاختلاف، ومعترفًا بأثر تنوع القيم والأفكار والتصورات والرؤى الحاكمة على المجتمع والسياسة سواء في داخل كل إطار ثقافي-حضاري أو فيما بين بعض هذه الأطر. وذلك نقضًا أو بعدًا عن الإدراك الحداثي لهذه الأطر المتنوعة إما باعتبارها غير مؤثرة على الإطلاق أو باعتبارها جامدة لا تتغير أو لا تقدر على التغير.
ولهذا فإن المدرسة البنائية الجديدة والمدرسة النقدية يؤسسون لهذا التوجه ويدعون ثقافات الحضارات الأخرى لتقديم إسهامات في التنظير للعلاقات الدولية في المرحلة الراهنة من تطور هذه الثقافات. وبالتالي، يصبح السؤال هو: كيف تتوزع الأدوار بين الخطابات الفكرية والنظرية وبين السياسات؟
إن هذه الأمور الأربعة وما أبرزته من دلالات إنما تجسد أربعة مداخل نحو البعد الثقافي في حوار الحضارات تمثل أيضًا مداخل خريطة استجابات المسلمين محل الاهتمام:
1. مدخل الحوار بين “الإسلام والغرب” كمدخل عام للحوار وباعتباره سبيلاً للتهدئة العالمية تشارك فيه فواعل عديدة تنتمي لثقافات مختلفة (في إطار رابطة الإسلام) وبين الحضارة الغربية.
2. مدخل الحوارات في الدوائر الثقافية –سواء في حضارة واحدة أو بين عدة حضارات (الحوارات في البلقان، في المنطقة العربية، في آسيا…إلخ).
3. مدخل توظيف السياسة للبعد الثقافي في الحوارات بين أطراف للصراعات العالمية أو الإقليمية أو الداخلية وهو مدخل نوعي جزئي يقتصر على دوائر الصراعات الممتدة.
4. مدخل حوار التعارف والتعددية الثقافية في التنظير للعلاقات الدولية في مقابل منظور الواقعية الصراعي.
وهكذا، يتضح لنا أن البعد الثقافي في حوار الحضارات في نظام عالمي يتأرجح بين الانسجام والتباين هو بعد مركب بقدر ما أن حوار الحضارات هو مجال مركب يقع في صميمه الاختلاف بين الأديان والثقافات التي تمثل الجانب القيمي من التكوين الحضاري والذي لابد وأن ينعكس على جانبه المادي.
وبدون إدعاء القدرة على تغطية هذه المداخل الأربعة، أكتفي بالاقتراب من المدخل العام ويظل للتمهيد السابق فضل التعريف بدوائر الحوار الحضاري الواجب التمييز بينها انطلاقًا من البحث في أثر البعد الثقافي عليه. والمقصود بالبعد الثقافي هنا ذلك المتصل بآثار اختلاف الثقافة والحضارة على اختلاف الرؤى والقيم وقواعد السلوك والأخلاق، وعلى اختلاف الرؤية للعالم ودوافع السلوك وأسس الهوية، وهو ذو تأثير على المستويات التالية: أسس جديدة لتقسيم العالم، محرك للتفاعلات الدولية ومحدد لنمطها ولحالة النظام الدولي، أداة من أدوات السياسة وموضوع من موضوعاتها، محدد لخطاب النخب وخطابات القاعدة، وعنصر تفسيري أو تبريري للتحالفات، وأخيرًا مكون للقوة.

إن المداخل الأربعة السابقة تطرح إشكاليات سواء خاصة برصد الخطابات ورسم خريطة اتجاهاتها أو سواء خاصة بشروط تفعيل هذه الحوارات تحقيقًا لأهدافها المعرفية والفكرية والسياسية. ذلك لأن الخطابات سواء العربية الإسلامية أو الغربية حول حوار الحضارات وفي قضاياها إنما تنقسم حول المشروعية والجدوى والفاعلية والتوظيف السياسي للحوار ضمن علاقة الأمة الإسلامية مع سائر أمم العالم، إلا أنني –بالطبع- أركز على حالة الجانب العربي الإسلامي[6]، في محاولة لبيان نمط استجابات المسلمين على مستوى “الخطابات” عن التحديات التي يفرضها الحوار.
فلقد جادلت كتابات كثيرة عبر العقدين الماضيين عن مشروعية إقامة علاقات سلمية، وتعاونية، وإجراء تفاعلات حوارية وتواصلية مع أهل الحضارات والثقافات والأديان الأخرى غير الإسلامية. وفي المقابل تُطرح رؤى أخرى تنفي هذه المشروعية وتدخلها ضمن مقولات: موالاة الأعداء ومداهنة الأقوياء المعتدين. وتجلى لنا كيف يستند أولئك وهؤلاء إلى تأويلات مختلفة لنصوص شرعية، وأيضًا إلى تكييفات للصدامات الواقعة والمعارك المحتدمة بين أمة الإسلام والغرب خاصة. ونتيجة هذا الشد والجذب الفكري والدعوي والإعلامي تمضى فعاليات هذه الحوارات الهوينى، ولا تتطور إلا قليلاً.
لكن الأمر الذي يتوافق عليه الأكثرية من الجانبين هو التشكيك في “الجدوى” التي يمكن أن تعود على وضعية الأمة وموازين القوة بينها وبين الغرب من وراء هذه الحوارات؛ سواء على صعيد السجال الفكري من إيقاف غزو ثقافي أو تحصين للذات، أو على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتتأكد هذه الشكوك والشكاوى من مدخلين: أولهما- الإقرار بافتقاد الشروط اللازمة لصحية الحوار؛ خاصة فى ظل اختلال موازين القوى، وثانيهما- مدخل الخبرة والعبرة من مسيرة الحوار عبر الفترة الماضية. فبعد نحو عشر سنوات من مولد هذه الحوارات ونموها وتراكمها وتشييد مؤسساتها وهيئاتها الراعية عبر العالم والدول، يبدو الذين خاضوا تجارب هذه الحوارات متثائبين لا تنشط نفوسهم تجاه استمراره، وكثير منهم متشائم بصدد مستقبله.
ومن ناحية ثالثة: يرتبط بمسألة الجدوى موضوع “الفاعلية الإسلامية” في هذه الحوارات، وقدرات النخب المسلمة على التأثير فى الأطراف الأخرى (داخل الإطار الحواري) أو في الواقع الفكري- فضلاً عن العملي- سواء في داخل بلادنا أو في بلاد الآخرين. ومن ثم يقارن بعضهم بين “الآثار” التي يمكن أن تحدثها مثل هذه الحوارات وبين “الثمار” التي يُؤمَّل أن تجنيها جهود المقاومة والجهاد، والجهود المركزة من أجل إعادة بناء البيت الإسلامي وترتيبه.
وفي خط موازٍ ينتقل كثيرون من نقد “لافاعلية” الطرف الإسلامي في هذه الحوارات والنعي على ضآلة “الجدوى” المنتظرة منها، إلى بحث مرامي الغرب من تشجيع هذا المضمار و”توظيف” رجاله السياسيين والاستراتيجيين والتبشيريين والإمبرياليين لهذه الحوارات؛ ويذكرون أغراضًا عدة: منها استقطاب تيارات فكرية مسالمة (باسم المعتدلين moderates أو الوسطيين) لضرب تيارات أخرى توصم بالتطرف والعنف والغلو والإرهاب، أو تبريد النفسية المقاوِمة والتنفيس عن الاحتقان الإسلامي نتيجة الاعتداءات والتعديات المتواصلة من الغرب تجاه الأمة أقصاها وأدناها. ومن ثم يتحدث بعض الناقدين عن أن هذه الحوارات إن هي إلا ذرائع “تطبيع حضاري” على منوال التطبيع الشرق أوسطي المستمر، وعلى الأصعدة المختلفة وفي قلبها: البعد الثقافي والفكري والعقدي.
وعبر ثلاث محطات رئيسية من المحطات التي مر بها مسار الحوار، ولكن في ظل احتدام أنماط من الصراع المسلح عبر أرجاء العالم الإسلامي، يمكن أن تستخلص الخصائص الكبرى لحالة “الحوار”، وخريطة اتجاهاته عبر عقدين من الحوار[7].
وهذه المحطات الثلاث هي كالتالي:
المحطة الأولى: ردود الفعل والاستجابات للعولمة مقترنة بأطروحات هنتنجتون والتي أبرزت الجدال حول أصل العلاقة بين الحضارات صراعًا أم حوارًا[8]، والمحطة الثانية ردود الفعل والاستجابات تجاه تداعيات الحادي عشر من سبتمبر والتي أبرزت الجدل حول شروط الحوار وجدواه. والمحطة الثالثة هي محطة أزمات الحوار وأكتفي بواحدة فقط هي أزمة الرسوم الدانماركية التي أبرزت بل وجسدت فقدان المصداقية في الحوار تحت تأثير تزايد مظاهر العداء للإسلام والمسلمين (وليس الإسلاموفوبيا)[9].
وتستكمل أزمات أخرى هذه المحطة الثالثة مثل أزمة تصريحات بابا الفاتيكان[10] وأزمة الحجاب في فرنسا[11]، وأزمة الفيلم الهولندي الفتنة وصولاً إلى أزمة المآذن في سويسرا[12]، وهي سلسلة من الأزمات -مثلت كما سبق الإشارة- محطة كبرى في التأزيم المتكرر في مسار الحوار بين الحضارتين العربية الإسلامية، والغربية (الأوروبية الأمريكية)[13]. وقد كان للمسلمين خلالها استجابات متنوعة.
وبالنظر إلى اتجاهات الخطابات يجدر القول أن إشكالية العلاقة بين البعد السياسي والبعد الثقافي قد تبوأت مكانة واضحة في الجدال بين هذه الاتجاهات، وفي هذه الجدالات كانت الخطابات عن الحوار والخطابات عن صراع الحضارات بمثابة وجهان لعملة واحدة. ولقد تبلورت الجدالات حول أمرين: فمن ناحية أولى: أيُّ البعدين هو المتغير المستقل وأيُّهما التابع؟ ومن ناحية أخرى: هل الاختلافات في الدين والثقافة والحضارة لابد أن تقود بالضرورة للصراع؟ وما هو تأثير طبيعة السياق الدولي على بروز حالة الصراع أو إمكانية الحوار؟ ومن ثّم، ما هو أصل العلاقة بين الحضارات؟ وهل حلَّ صراعُ الحضارات محلَّ صراع القوى التقليدي أو صراع الطبقات؟ أم يمكن اكتشاف نمط جديد للعلاقة بين البعدين المادي والقيمي في تفسير العلاقات الدولية على نحو يكسر الحواجز بين علمانية هذا التفسير أو تديينه؟
وتتلخص خريطة اتجاهات الخطابات العربية الإسلامية المتجادلة خلال المحطات التالية فيما يلي:
من ناحية؛ اتجاهات الجدل حول أطروحات هانتنجتون[14] والعولمة:
ولقد انقسمت هذه الاتجاهات بين ثلاثة: الأول- يؤكد مقولات هانتنجتون، ولكن يرفض إمكانية الحوار انطلاقًا من حقائق اختلال توازنات القوى الدولية، وسياسات القوى الغربية تجاه الجنوب أو العالم الإسلامي، أو باعتبار أن مبعث هذه السياسات هو الأبعاد الثقافية الحضارية؛ أي مبعثها هو الصراع الحضاري من جانب الغرب تجاه عالم الإسلام والمسلمين، ومن ثم فإن الحوار لن يكون إلا سبيلاً جديدًا لفرض الهيمنة الثقافية والحضارية، واتجاه ثانٍ- يرفض مقولات هانتنجتون: إما رفضًا أن تكون العلاقة بين الحضارات –وليس توازن القوى والمصالح- هي المفسر الأساسي للعلاقات الدولية، انطلاقًا من رؤية واقعية للعلاقات الدولية ترفض تسييس الحضارات، وإما رفضًا لإلصاق التهمة بالإسلام والحضارة الإسلامية باعتبارها مصادر للصراع والتصادم، ومن ثم دفاعًا عن الإسلام والمسلمين الذين يقبلون الآخر ولا يرفضونه، بل يتعاونون معه ومستعدون للحوار معه، وإما دفاعًا عن التعددية الثقافية والحوار بين الثقافات والحضارات باعتباره الأساس في العلاقات الدولية انطلاقًا من رؤية إنسانية عالمية، أو انطلاقًا من رؤية إسلامية تعترف بأهمية الحوار، والتعارف الحضاري بين الأمم والشعوب، وكأساس من أسس الرسالة العالمية للإسلام، وليس مجرد الدفاع والاعتذار عن الإسلام.
والاتجاه الثالث- يقول إن الحوار أو الصراع هي حالات للعلاقات بين الحضارات. وفي حين يرى رافد من هذا الاتجاه أن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار ثقافات أو حضارات حقيقي نظرًا لاختلال ميزان القوى الدولية؛ بحيث لن يقود الحوار إلا إلى فرض نمط حضاري على الآخر، فإن رافدًا آخر يرى أن الحوار ضروري للخروج بالعالم من أزمته الراهنة، إلا أنه لابد وأن تتوافر له الشروط لكي يحقق أهدافه الحقيقية ووفق ما يقتضيه مفهوم الحوار ذاته؛ أي باعتباره سبيلاً للتفاهم المشترك وإزالة العوائق أمام العلاقات السليمة.
بعبارة أخرى، ولد اتجاه “حوار الحضارات” من رحم التصدي لمقولة صدام الحضارات في الدائرة العربية والإسلامية، ومن زخم الاعتراض على هذه المقولة وتفريعاتها انطلاقًا من تعريفات متنوعة للحضارة والثقافة، والعلاقة بينهما والحوار الفكري والحضاري، وانطلاقًا من أسانيد معرفية وفكرية مختلفة تؤثر على طبيعة الرؤى للعالم، والعلاقة بين مكوناته، بل وتؤثر على الموقف من اتخاذ الحضارات، أو الثقافات وحدات للتحليل السياسي من عدمه.
وفي المقابل، لماذا لا نقول إذًا إن مفهومنا –من الدائرة الإسلامية- عن نمط العلاقة بين الحضارات هو “تعارف الحضارات”، وأنا هنا أستخدم ذلك المصطلح الذي بادر بتقديمه بعض الأساتذة مثل أ.زكي الميلاد ود.سيف الدين عبد الفتاح[15].
وإذا كان لابد أن نسجل أن المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات كما أصل له الفكر الإسلامي المعاصر[16] ينبني على رؤية الأصول (قرآنًا وسنة) ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار الثقافي أو الحضاري، كما لابد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه.
ومن ثم، فإن استخدام “تعارف الحضارات” وليس حوارها أو صراعها يمثل استجابة “إيجابية” وليس مجرد رد فعل لما أثارته أطروحات “صراع الحضارات”.
ومن ناحية ثانية: عن اتجاهات الجدالات حول جدوى الحوار وشروطه وبروز إشكالية السياسي- الثقافي بعد الحادي عشر من سبتمبر[17]:
فلقد تجددت الجدالات حول العلاقة بين الحضارات بقوة وزخم، وتم استدعاء مقولات هانتنجتون وأنصاره، والمقولات المضادة له. ولكن كان السياق أكثر تدهورًا مما كان عليه في بداية التسعينيات؛ حيث أضحى العالم الإسلامي في موقف المتهم بعد أن كان في موضع مصدر التهديد المحتمل؛ ففي حين رأى البعض في الهجمات على نيويورك وواشنطن دليلاً على “الغضب المسلم” ضد سيطرة القيم الغربية وضد السياسات الغربية، فإن البعض الآخر اتجه إلى النظر إلى الهجمات في سياق صراع المصالح ودور الشبكات المتشعبة الإرهابية في العلاقات الدولية؛ ولهذا فإن الجدال حول دور العلاقة بين الأبعاد الثقافية الحضارية، وبين الأبعاد الاستراتيجية في تفسير هذه الأحداث وما تلاها من تطورات في الخطابات الأمريكية والسياسات الأمريكية، قد اكتسب زخمًا كبيرًا؛ حيث برز السؤال التالي مجددًا: هل الصراع الحضاري هو الذي يحكم العالم؟ ما هو مصدره؟ وما السبيل لمواجهته؟ وهل يقدر حوار الحضارات على إدارة هذه المرحلة؟.
واستمر نفس الجدل وانقسام الاتجاهات حول وزن الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بغيرها، ولكن اقترن في هذه المرة بسياق زماني ومكاني محدد يرتبط بالسياسة الأمريكية العالمية وتجاه عالم الإسلام والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر؛ فبالرغم من تزايد الاعتراف بوضوح المفردات الثقافية والحضارية في الخطابات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية –سواء الصدامية منها أو الحوارية– فلقد ظل هناك اتجاه يرفض التفسير الثقافوي للعالم على اعتبار أنه لن يقود إلى حل المشاكل نظرًا لصعوبة تنازل الثقافات عن ثوابتها، ومن ثم لا سبيل إلى الحوار إلا بعد توافر شروطه، وفي المقابل اعترف اتجاه آخر أن المرحلة الراهنة من السياسة الأمريكية تكشف بوضوح عن صراع حضاري تجاه الإسلام والمسلمين، يصبح معه الحديث عن الحوار من قبيل الاستسلام، لأن الحوار الذي سيدور سيكون بشروط الغرب، ووفق مدركاته، ونحو غاياته ألا وهو “الإسلام المعٌَدل” ولأن السياسة الأمريكية توظف الأبعاد الثقافية لخدمة أغراض سياسية بالدرجة الأولى في حين رأى اتجاه ثالث أن الحوار أو الصراع الفكري ليس إلا أداة أو نوعًا من التكتيك لإدارة مرحلة الأزمة التي تحتدم فيها الصراعات حول المصالح، وارتبط بهذا الانقسام انقسام آخر جدد ما سبق وثار حول أطروحات هنتنجتون، ألا وهو الانقسام حول إمكانيات الحوار في مقابل الضغوط نحو الصراع في العلاقات بين الولايات المتحدة وعالم الإسلام والمسلمين.
ولكن الحوار في ماذا؟ أو الصراع في ماذا؟ وكيف؟ حقيقة تتعدد القضايا التي يتم تناولها بالتحليل المقارن بين المنظورات المختلفة: وعلى رأسها تأتي قضايا العنف، حقوق الإنسان، ثقافة السلام، ثقافة التسامح بين الخصوصية والعالمية. ولكن ظلت أدبيات العلاقة بين الحضارات تفتقد الاهتمام بأجندة حوار الحضارات المتنازع على مصداقيته وجدواه.
كما تظل الأنباء تتواتر بلا انقطاع عن مؤتمرات وندوات ولقاءات ومناظرات، على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، وعلى الأصعدة الرسمية والمدنية والشعبية، على نحو يثير التساؤل عن مدى وجود استراتيجية كبرى لتعظيم نتائج هذه الملتقيات؟ أم أن هذه الملتقيات أضحت غاية في حد ذاتها، ومجرد استجابة –غير منظمة- لحملة العدوان المتصاعدة ضد العرب والمسلمين وضد المرجعية الإسلامية من ناحية، ولحالة التأزَم العالمي التي تهدم الأمن والاستقرار من ناحية أخرى.
والجدير بالملاحظة أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قفز الاهتمام بالقضايا والآليات قفزة واضحة. حيث فرضت طبيعة تحديات هذه المرحلة، على المؤسسات الرسمية بصفة خاصة الانتقال بدرجة أكبر إلى هذه الجوانب العملية؛ فلقد أضحت الضغوط نحو ضرورات ومتطلبات الحوار أكثر وضوحًا، ليس في نظر الحكومات فقط ولكن بالنسبة أيضًا لبعض الروافد الفكرية التي كانت ترفضه أو تتحفظ عليه.
وفي نفس الوقت الذي استمر فيه الجدل بين الاتجاهات الفكرية والسياسية حول جدوى الحوار وشروطه، فإن الواقع المحيط كان يفرض تحدياته على هذا الجدال؛ حيث برزت بقوة إشكالية العلاقة بين السياسي والثقافي (الحضاري- الديني).
فلقد بينت السياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي –في إطار الحرب الأمريكية على الإرهاب- كيف أن أدوات القوة العسكرية والاقتصادية كانت تلعب دورها الصدامي وذلك في وقت لم تكف الأصوات الغربية عن دعوة المسلمين للحوار تحت مبررات عديدة.
ولذا؛ ظل السؤال الحائر: ما الذي يمكن أن يتحقق للمسلمين من وراء الحوار الذي تسارع الجميع لتدشينه؟ بعبارة أخرى لم يعد السؤال دائرًا لتكييف نمط العلاقة القائمة بين حوار أم صراع؟ ولكن أضحى السؤال، بعد أن كشفت الوقائع بذاتها عن نمط السياسات الصراعية الأمريكية، هل للحوار الذي تسوِّقه بالأساس مؤسسات وهيئات غربية هل له مصداقية؟
بعبارة أخرى، في ظل سياق إقليمي وعالمي متدهور، طُرح السؤال بقوة عن مصداقية الحديث عن حوار حضاري أو حوار بين الحضارات أو الثقافات أو الأديان، في نفس الوقت الذي تتصاعد فيه لغة القوة العسكرية الغاشمة، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد عالم المسلمين.
ومن هنا، وعلى ضوء المقابلة بين زخم الوقائع والأحداث والتطورات على ساحة عالم المسلمين، والتي تنضح جميعها بالأدلة على الصراع الذي يديره الغرب مع عالم المسلمين من ناحية، وبين زخم المؤتمرات والملتقيات العالمية والإقليمية والوطنية المتواترة والتي تنضح بخطابات المتجادلين حول جدوى إدارة حوار فعال ودوافعه من ناحية أخرى، برز السؤال التالي: ألم تقدم خبرات الأعوام الثلاثة على الحادي عشر من سبتمبر الدلالات الكافية حول ما إذا كانت الحالة القائمة من العلاقات بين عالم المسلمين وعالم الغرب هي حالة صراع حضاري أم صراع مصالح؟ وحول ما إذا كان الحوار مازال ممكنًا أو ما زال قادرًا على أن يساهم بفاعلية في إدارة معضلات هذه العلاقات في بداية القرن الواحد والعشرين؟
ولذا؛ فإن خبرات الملتقيات الحوارية، والمؤتمرات العلمية التي شاركتُ فيها طيلة أربع سنوات (2002- 2006) قد أفرزت اتجاهات أكثر تفصيلاً عن فلسفة الحوارات وأهدافها ومشاكل إدارتها على الجانب العربي، على النحو الذي يضع مصداقية الحوار على المحك، كما طُرِح للاختبار مدى كون الحوار قضية سياسية بالدرجة الأولى وإن كانت ذات أبعاد ثقافية تستدعي الدين. ولذا كان مطروحًا بقوة السؤال عن درجة العداء للإسلام وتأثيرها على آفاق الحوار باعتبار هذا العداء مسألة سياسية بقدر ما هي معرفية وفكرية في آن واحد، وتنوعت الاتجاهات حول القضية[18].
ومن ناحية ثالثة: اتجاهات حول إمكانية الحوار بعد بروز أعمال العداء ضد الإسلام وتكرار أعمال “العنف باسم الإسلام” ومن ثم حول عواقب تسييس الأبعاد الدينية والثقافية في العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي.
لقد صعد هذا السؤال بوضوح على ضوء مغزى أزمة الرسوم الدانماركية. ولقد سبق وتردد هذا السؤال وصعد الاهتمام بمناقشته مع عدد من الأزمات المتفجرة على التوالي؛ وهي نوعان: النوع الأول- من الدول الغربية تجاه العالم الإسلامي وبأدوات القوة الصلدة أساسًا، ومن أهمها: العدوان الإسرائيلي المستمر منذ مارس 2002 على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، العدوان الأمريكي على أفغانستان وتداعياته منذ أكتوبر 2001، العدوان على العراق، التدخلات الدولية في الأزمة اللبنانية منذ مقتل الحريري وصدور القرار 1559، الملف النووي الإيراني، التدخلات الدولية في دارفور. هذا إلى جانب أدوات التدخل بالقوة المرنة (تجديد الخطاب الديني، التربية المدنية، تطوير التعليم، تحديث الشباب والمرأة..)، في نفس الوقت الذي لم تنقطع فيع أعمال الهجوم المعرفي –الفكري وفي الإعلام ضد الإسلام والمسلمين. ولم تكن الرسوم الدنماركية إلا بمثابة قمة جبل الثلج العائم.
والنوع الثاني يأتي من قوى مارست أعمال العنف باسم الإسلام أو اتُهم فيها مسلمون ابتداءً من تفجيرات مدريد 9/3/2004، ثم تفجيرات لندن في 7/7/2005، وعنف ضواحي باريس (2005)، وقبل ذلك تفجيرات بالي في إندونيسيا (2003)، تفجيرات طابا (2004) شرم الشيخ في يوليو 2005، ودهب (أبريل 2006)، تفجيرات الأردن (2005)، تفجيرات المغرب (2004)، تفجيرات السعودية، وتفجيرات في تركيا وتونس وفي الأرجنتين وبومباي. ويتضح من اتساع هذه الخريطة –داخل العالم الإسلامي وخارجه- كيف أن تعقد الأمور منذ 2001، قد تزايد ولم ينته، كما كانت ترجو الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، وكما يرجو الداعون إلى الحوارات.
وبين النوعين ظلت جهود فكرية ومدنية على الجانبين تسعى لإعلاء صوت الحوار والدعوة للعدالة قبل السلام. وفي نفس الوقت، لم تستطع الجهود الرسمية الوطنية والإقليمية (العربية والإسلامية) أن تحقق التنسيق الفاعل بينها في مجال الحوارات على نحو يحدث اختراقًا في المجتمعات الغربية، يناظر ما حققته نظائرها الغربية في مجتمعاتنا، مثلاً: تأسيس مؤسسة آناليند لحوار الثقافات الأورومتوسطية تجسيدًا للبعد الثقافي للشراكة الأورومتوسطية[19] في مقابل جمود دور مفوضية حوار الحضارات على صعيد الجامعة العربية، واستمرار تناثر جهود المؤسسات الإسلامية الوطنية منها والإقليمية وعبر الإقليمية.
وكانت ردود الفعل تجاه الرسوم الدانماركية –في الخطابات العربية والإسلامية- ذات دلالات واضحة حول مدى الشرخ الذي أصاب صورة الحوار على الساحة العربية والإسلامية.
وقد أوضحت ردود الفعل تجاه أزمة الرسوم الدانماركية في الخطابات العربية والإسلامية مدى الشرخ الذي أصاب صورة الحوار على الساحتين العربية والإسلامية. وقد أدت الأزمة إلى تراجع رموز إسلامية داعمة للحوار وممارسة له عن دعمها أمام وطأة التسييس والإهانة. من ناحية أخرى، اجتمعت رموز من تيارات مختلفة قومية وليبرالية وإسلامية -بشكل غير مسبوق– على إدانة الغطرسة الأوروبية وحق حرية التعبير بلا ضوابط أو مسئولية، وفقًا للنمط الليبرالي الغربي المزعوم.
إن الأزمة التي فجرتها الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول- عليه الصلاة والسلام- كانت أزمة غير مسبوقة، نظرًا لطبيعة تطورات الحدث الذي فجرها وردود الفعل تجاهها، واتساع نطاق تداعياتها، وتعدد القضايا محل الاهتمام وتداخلها، وتعدد الفواعل الرسمية والمدنية والشعبية التي تحركت.
وهكذا، وفي حين كان يتصاعد معدل الاساءة للإسلام والمسلمين بصور متعددة، نجد أن مسلسل تجريم معاداة السامية – أو بالأحرى إسرائيل[20] تتوالى حلقاته بصورة متزايدة.
لقد أكدت أزمة الرسوم الدانماركية سمة المعايير المزدوجة للسياسات الغربية بعد أن اختبرت أسس الرؤية التي تنبني عليها: الصراع، العنصرية والمادية. وهناك في الغرب ذاته تيارات فكرية نقدية تحذر من مخاطر أزمة الحضارة الغربية، والتي تتولد من داخلها. ولذا، وحيث تنتقد رؤى حضارية إسلامية نقائص هذه الحضارة الغربية فإن بعضها يؤكد أن هذه الأزمة لا يمكن حلها فقط من داخلها، خاصة بعد أن وصلت إلى مرحلة متطرفة من الاستعلاء وإنكار الحضارات والثقافات الأخرى. ولذا، فهي في حاجة إلى مراجعة تنظر إلى ما تقدمه نماذج حضارية أخرى، مثل النموذج الإسلامي، من قيم الاجتماع والعمران البشري العادل والمتكافئ[21].
إن الأزمة الدانماركية ومسار تطورها دعا الكثيرين –ومنهم رموز ليبرالية وقومية ويسارية وليس فقط رموزًا إسلامية- إلى التحذير من محاولة بعض التيارات في الغرب فرض منظومة قيم ثقافية ورؤى للعالم تجافي خصوصيتنا الثقافية أو فرض مفهوم حرية التعبير، كما تفهمه العلمانية الغربية.
كما حذرت من مؤشرات العمد والقصد في الإساءة للإسلام والمسلمين في هذه الأزمة. ولعل من أوضح الأدلة على ذلك “رفض الاعتذار” أو “الاعتذار المشروط” أو التلاعب بالأعذار أو تأكيد حيوية “حرية التعبير” وتسريب مبررات حول عدم إمكانية تشريع دولي لتجريم ازدراء الأديان بحجة عدم إمكانية منع من يريد انتقاد الأديان.
وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول –وبعد متابعة تطور وقائع السياسة وتفاعلاتها على الساحة الإسلامية الدولية والداخلية، وتطور الجدالات النظرية والفكرية والمعرفية على ساحة العلاقة بين “الإسلام والغرب” منذ نهاية الحرب الباردة– إن خطابات صراع الحضارات والنهايات (الدين، الأيديولوجيا، التاريخ) ليست مجرد مبررات ثقافية ودينية تستخدمها السياسات الأمريكية والأوروبية في نطاق ما يسمى الحرب على الإرهاب. بل لقد أصبحت إحدى المصالح الاستراتيجية العليا للغرب هي إعادة تشكيل عقل المسلمين وفكرهم وفرض قيم ثقافية ومعرفية في محاولة للتصدي للإسلام المقاوم والممانع.
ولهذا يجب –عند تقييم نتائج الحوار– ألا نقتصر على لوم أنفسنا بالتقصير في أداء ما علينا من واجبات. فقد آن الأوان لأن نضع الآخر أمام مسئوليته أيضًا، ونلفت نظره إلى تزايد عنصريته والإساءات المتعمدة المقصودة ضد الإسلام والمسلمين.
بعبارة أخرى، آن الأوان لاستراتيجية هجومية وليست دفاعية فقط، وللمطالبة بتقنين أسس ومتطلبات الحوار العادل المتكافئ. إن سيل المبادرات الرسمية والمدنية، التي أخذت تتوالى خلال الأزمة الدانماركية وما بعدها وحتى الآن، لم تكن تهدف إلى منع تكرار ما حدث، ولكن إلى مجرد رأب الصدع الذي وقع مع “المسلمين المعتدلين”. فلقد تبين كيف كان توحد النخبة مع العامة واضحًا وكيف انتقدت بشدة نخب عربية، تؤمن بالحوار وتمارسه، ما حدث من الدنمارك وحلفائها في أوروبا، واعتبرته تطرفًا ووقاحة دبلوماسية ومؤامرة أوروبية.
إن القراءة في أحداث وخطابات وتفاعلات الأزمة ساعدت على بيان أن الحوار المطلوب مستقبلاً –ليكون عادلاً ومتكافئًا– يجب أن يرتكز على التقنين الدولي لتجريم تعمد ازدراء أو تحقير الإسلام والمسلمين، بقدر ما تم من تجريم معاداة السامية. إن ازدراء وتحقير المسلمين واتهامهم بما ليس فيهم لم يعد من قبيل الجهل أو حرية التعبير، ولكنه توظيف سياسي لتكريس اتهام مسلمي الغرب بعدم الاندماج، ومسلمي العالم بتهديد الاستقرار والسلم. وبذلك، يتم تبرير كل أنماط السياسات العدوانية والتدخلية ضدهم، سواء لأسباب سياسية أو دينية.
خاتمة القول: إن “حالة” الجدالات بين خطابات الحوار وخطابات الصراع عبر ما يزيد عن العقد من الزمان هي “حالة” واضحة المعالم تتنازع على صعيدها الحجج الثقافية مع نظائرها السياسية، كما أن المتابعة المقارنة بين الوقائع الإقليمية والعالمية والخطابات الفكرية توضح درجة تسييس دعوات الحوار الآتية من الغرب، كما توضح من ناحية أخرى درجة تسييس أزمات الحوار أو فلنقل جولات “الصراع” التي توظف فيها بعض فئات “الغرب” السياسية والفكرية الأطروحات الحضارية- الثقافية- الدينية (الصراعية) لأهداف سياسية. ومع استمرار وضوح هذا التسييس على هذين المستويين يصبح السؤال التالي مشروعًا: ما جدوى الحوار إذن؟ على اعتبار أن الحوار ليس مجرد أداة من أدوات السياسات الخارجية ولكن هو بالأساس استراتيجية وتعبير عن رؤية معرفية ذات تأثيرات متعددة المستويات، وخاصة المستويات المدنية والشعبية. ويظل المحك مرة أخرى ليس هو مدى فاعلية الدوائر المدنية والشعبية “العربية والإسلامية” في جهودها الحوارية، ولكن المحك هو مدى استجابة الدوائر المدنية والشعبية “في الغرب” مع هذه الجهود، وخاصة وأن تلك الأخيرة لا تقارن بنظائرها الصراعية من جانب دوائر العداء للإسلام والمسلمين، سواء في مجال الفكر أو الإعلام أو السياسة. ولذا، وبعد اتضاح درجة التسييس في توظيف الحوار أو الصراع –الحضاري- فإنه ليس فقط مقبولاً الآن الاعتذار، بالجهل بالإسلام- كذريعة لتوجيه الاتهامات للإسلام أو لإهانة وتحقير رموزه. وعلى القطاعات المدنية والشعبية والفكرية في “الغرب” أن تدرك قدر الأزمة التي استحكمت حول علاقات الشعوب العربية الإسلامية، على نحو يفرض عليها جهودًا متزايدة لخدمة العدالة وليس الحديث عن السلام والاستقرار.
كما على القطاعات المدنية والشعبية والفكرية في “الشرق” أن تدرك قدر الجهد اللازم بذله لإحياء وتجديد ثقافة المقاومة جنبًا إلى جنب مع ثقافة التعارف –ولا أقول السلام. ولعل الدلالات الحضارية -في اشتباكها مع دلالات سياسات القوى للعدوان الإسرائيلي على لبنان ثم غزة- تزيد الرؤية وضوحًا عن من يكره من ولماذا؟ ومَنْ يقود صراعًا حضاريًا وهو يدّعى العمل من أجل الحرية وحقوق الإنسان؟ ولعل هذه الدلالات تتضح لنا من المقارنة بين خطابات حسن نصر الله وخطابات كل من بوش وبلير وأولمرت وخطابات كل من الملك عبد الله بن سعود، وعبد الله بن الحسين، والرئيس حسني مبارك، ومن المقارنة بين سلوك الحرب الإسرائيلية وبين روح المقاومة الإسلامية لحزب الله، ومن المقارنة بين الزخم المدني والشعبي المؤيد للمقاومة في الدول العربية والإسلامية وبين نظيره في الغرب المدين للعدوان على المدنيين في لبنان وفي غزة… إن المشهد اللبناني والعربي والإسلامي والعالمي منذ 12 يوليو 2006 ثم مع مشهد العدوان على غزة ديسمبر /يناير (2008-2009)، ومشاهد العدوان والعنف المتكررة والمستمرة على ساحات أخرى إسلامية سواء في العالم العربي أو في أفغانستان وباكستان وكشمير و سينكيانج والقوقاز أو في البلقان وتجاه مسلمي أوروبا والولايات المتحدة، وفي المقابل تبرز مشاهد أخرى تقدم دلالات متناقضة. ففي حين يتجه الرئيس الأمريكي أوباما للعالم الإسلامي بخطاب من جامعة القاهرة في يونيو 2009 وهو خطاب أثار ردود فعل متباينة[22]، نجد أن المملكة العربية السعودية تدعم من مبادرة الملك عبد الله من أجل حوار الأديان والثقافات فتنعقد على التوالي مؤتمرات نيويورك (2008) ومدريد 2008 وسويسرا 2009 في إطار مقولة الفصل بين الحوار وبين السياسة أو التسييس[23]. وفي حقيقة الأمر كانت مبادرة السعودية في صميم السياسة حيث كانت محاولة لكسر الجمود الذي أصاب الحوار من جراء عنف السياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي. ثم ها نحن أمام جمود سياسات أوباما تجاه العالم الإسلامي وعجزها عن الاستجابة لتطلعات الشعوب الإسلامية تجاه هذه القيادة الأمريكية الجديدة[24].
كل هذه المشاهد تستدعي قراءة حضارية مركبة ولابد وأن تقدم مزيدًا من الدلالات حول مغزى جدالات الحوار/ الصراع وإشكاليات العلاقة بين الحضاري-السياسي في المرحلة الراهنة من تطور وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي. وهي مرحلة تسطر لها الآن المقاومة الإسلامية في لبنان وفي غزة وفي كل مكان سمات جديدة نأمل أن يتم استثمارها في مزيد من إحياء قدرات الأمة وثقة شعوبها بأنفسها وبإمكانيات التصدي لمؤامرة الهيمنة والسيطرة الأمريكية الصهيونية، سواء بأدوات المقاومة العسكرية (ما يسميه د. المسيرى: الحوار العسكري) أو بأدوات الحوار النقدي وليس حوار الاستسلام.
كذلك، فإن الأمر يتطلب تضافر جهود الجميع الآن، وتوزيع الأدوار فيما بينهم وفق رؤية استراتيجية تنظر للحوار بين الأديان والثقافات باعتباره قضية سياسية وأداة من أدوات إدارة الصراع وليس بديلاً عنه، ومن ثم تحتاج المبادرة به وإدارته وعيًا كاملاً بالسياق السياسي المحيط والأهداف السياسية لأطرافه، وكل هذا دون التخلي عن الحوار كاستراتيجية ومبدأ في الأساس، تتعدد مجالاته وروافده في الأدب والفنون والسياسة.
فإن الحوار النقدي يمكن أن يكون سندًا للحوار العسكري لأن الحوار- باعتباره نمطًا من أنماط العلاقات الحضارية- ليس غاية في حد ذاته، كما أن له سياق دولي يبرز الحاجة إليه أو يواريه فضلاً عن الشروط اللازمة لتحقيق أهدافه. ومن ثم فإن قبوله كنمط من أنماط التفاعل هو قبول مشروط لا يجب أن يعني موقفًا اعتذاريًا دفاعيًا في مواجهة اتهامات الغرب أو في مواجهة سياساتهم الصراعية، حفاظًا على البقاء أو درءًا للأخطار، واستعواضًا عن الضعف المادي، ولكن يجب أن يكون الحوار انطلاقًا من ذاتية ثوابت الأمة، ومن قضاياها وتعبيرًا عن مجرد آلية بين آليات أخرى تستجيب لمتغيرات السياسة. وكذلك شريطة أن يكون مقرونًا في المرحلة الراهنة بالوعي بالأبعاد الصراعية في دواعي الطرف الآخر، حتى ولو كانت مغلفة بخطابات الحوار، ومقرونًا بالوعي بحقيقة أثر توازنات القوى على تحديد قضايا الحوار، وغاياته، ونتائجه. وشريطة أن تتوافر له شروط الحوار السوي والفاعل وعلى رأسها الحوار البيني (بين ثقافات وشعوب الحضارة الإسلامية) المسبق على المستوى الرسمي والفكري، وأخيرًا شريطة ألا تنتقل ضغوط الواقع على الرسميين إلى النخب والمفكرين. فهم مطالبون بالحوار، لأنه من بين أساليب جهاد العصر وليس اعتذار العصر (وفق مقولة العلامة القرضاوي).
ولا يكون الحوار أحد سبل جهاد العصر إلا من خلال تحري نموذج المقاصد الشرعية، وقيم الاستخلاف والتزكية والعمران والتعارف. هو جهاد في العصر يتحدث عن المقاومة والعدالة في مقابل لغة السلام التي يتحدث بها الداعون إلى الحوار من الدائرة الغربية. فإن السلام لا يتحقق بالحوار إذا كانت العدالة مفقودة وإذا ماتت المقاومة. بعبارة أخرى فإن ثقافة الحوار – لدينا- يجب أن تنطلق من مفهوم العدالة كغاية وحتى لا يكون ثمن السلام هو الاستسلام، أو الاعتذار أو الدفاع عن براءة الذات الحضارية. أن هذه الرؤية عن الحوار إنما تنبثق عن رؤية معرفية وفكرية عن “تغيير العالم” وليس مجرد تحقيق الاستقرار والسلام من منظور القوى المهيمنة في النظام الدولي. وهذا هو موضوع الجزء الثاني من الدراسة.

الجزء الثاني: في نمط الاستجابات البنائية: رؤية تعارفية إنسانية

ماذا يفعل المسلمون لمواجهة التحديات؟ وماذا يقدمون للعالم وهم جزء منه؟
إن إصلاح أحوال المسلمين مطلوب لإحداث التغيير العالمي المنشود نحو نظام عالمي أكثر عدالة وإنسانية.
وهنا، يقترن أمران: أنماط الإصلاح كاستجابة من الداخل ونحو الداخل، وأنماط تفعيل الحوار كاستجابة للمساهمة في تغيير عالمي.

أولاً: أنماط الإصلاح: الاستجابة من الداخل ونحو الداخل

إن التنوع في نماذج الإصلاح يعتبر من أبجديات “المرجعية الإسلامية” التي يؤمن بها رواد الإصلاح والتجديد، ويسترشدون بمبادئها في اجتهاداتهم، ويسعون للتجديد والنهوض بمجتمعاتهم في ضوئها. بهذا المعنى يمكن القول إن التعدد في إطار وحدة المرجعية ليس فقط مقبولاً؛ بل هو ضروري ولازم، وهو من مظاهر التعبير عن فهم الإسلام بوصفه نظامًا شاملاً. المنطلقات واحدة إلا أن تعدد جوانب الحياة والتنوع في المشكلات والقضايا وتغيرها من فترة لأخرى، ومن مكان إلى آخر؛ كل ذلك يقود إلى اختلاف الرؤى وتعدد برامج الإصلاح. هذا التنوع في الرؤى والبرامج الإصلاحية على أساس المرجعية الإسلامية؛ إنما يعبر عن أصل الأشياء، وينسجم مع حقائق الوقائع الاجتماعية والسياسية، ويعكس جوهر الفطرة الإنسانية التي تتأبى على التنميط والقولبة وتنزع دومًا للتنوع وتتآلف مع حقائق التعدد في الكون وفي معطيات الحياة الاجتماعية. المرجعية الإسلامية ذاتها هي التي تفتح الأبواب المغلقة، وترحب بجميع الاجتهادات التي تشتبك مع الواقع وتهدف لإصلاحه وتطويره.
إن الوضع المثالي هو التعدد على أرضية واحدة وليس التقيد بخبرة واحدة بذاتها دون غيرها. ويرتبط ذلك بخصوصية الرؤية الإسلامية النابعة من شموليتها، حيث لا يمكن الفصل بين الديني وغير الديني، فالديني يغطي بطرق متفاوتة أبعاد الحياة الإنسانية على كثرتها، ومن بينها السياسي؛ خاصة إذا ما تم تبني تعريف شامل وواسع لماهية السياسي. وعندما تبدأ مراجعة حقيقية وجادة لأهمية الوصل وليس الفصل بين الديني وغير الديني -حيث لا توجد في الأصول المرجعية ما يدعم فكرة الفصل- ستكون خطوة مهمة قد أنجزت فى سبيل رفع مستوى فعالية وإنجاز أي عملية إصلاحية في العالم الإسلامي.
وانطلاقًا من تنوع وتعدد نماذج الإصلاح المستندة للرؤية الإسلامية، يبرز سؤال المؤتمر الرئيسي: ما هي مداخل التغيير المتنافسة في سبيل الإصلاح والنهضة في مجتمعات العالم الإسلامي المعاصر؟ وأين موضع حركة فتح الله كولن منها؟
تشير تجارب الإصلاح والتجديد على امتداد العالم الإسلامي المعاصر إلى وجود عدد من الرؤى الاجتهادية، كما تشير إلى أن كلاًّ منها له زاوية اهتمام رئيسية تختلف عن زاوية اهتمام الرؤى الأخرى، وله مزاياه وإنجازاته، كما أن له نواقصه وإخفاقاته. من هذه الرؤى ما يركز على أن الإصلاح يبدأ من أعلى، وأن إصلاح السلطة السياسية مقدّم على الإصلاح الاجتماعي والتربوي، في مقابل رؤية أخرى تؤكد على أن البداية الصحيحة يجب أن تكون من القاعدة الاجتماعية، ويجب أن ترتكز على التربية والتنشئة والتنمية الروحية والأخلاقية. وهناك رؤية يعتقد أصحابُها أن الإصلاح رهنُ استخدام القوة الخشِنة في مواجهة عوامل التأخر، وأسباب التدهور سواء كانت داخلية أم خارجية؛ أي إنه يجب أطْر الناس على الإصلاح أطرًا، في مقابل رؤية أخرى يعتقد أصحابها أن الإصلاح لا يؤتي ثماره إلا بالوسائل السلمية التدريجية طويلة النفس. هناك من يركز على إصلاح ما فسد من عقائد الناس، وهناك من يرى أن التركيز يجب أن يتجه إلى العلاقات والمعاملات والمؤسسات، وأن إصلاحها سيلقي بثماره على الجميع وإن بنسب متفاوتة. هناك أيضًا من يصبّ جل اجتهاداته في مقاومة ضغوط الخارج التي تعوق النهضة والإصلاح، وهناك من يقول له: لا… الأهم هو قهر عوامل التأخر الداخلي أولاً … وهكذا. وعلى أساس اختلاف الرؤى والاجتهادات وتباينها، تشكلت حركات وجماعات ومؤسسات، واكتسب كل منها طابعًا يعكس بؤرة اهتمامه، ويوضح نقطة انطلاقه، ويؤشر على منهجيته في الاجتهاد، وجميعهم في إطار ما تتيحه المرجعية الإسلامية الشاملة. أما الحكم على صحة وجدوى هذه الرؤية أو تلك، أو أفضلية هذا الاجتهاد وصحته وصلاحيته على غيره، فهذا متروك للتجريب في الواقع، ولتقدير ما تنتجه هذه الرؤية أو تلك من مصالح، وما تدفعه من مفاسد. والحَكمُ العدلُ في التقويم العملي هو رأي المواطنين الذين تتشكل منهم الأمة؛ نقصد رأيها العام، ورأيها العام لا يمكن أن يجتمع على إقرار الخطأ وإنكار الصواب، أو قبول الفساد ورفض الإصلاح.
وفي جميع الحالات يظل السؤال الأساسي مطروحًا، وهو: لماذا يعلو بُعد من أبعاد الإصلاح على غيره لدى بعض الإصلاحيين، ويحتل قمة أولويات تحركه؟ هل هذا اختيار قائم على نمط الاستجابة للتحدي؛ أهي مقتضيات الظرف، أم إنها من منطلق الاختيار الاجتهادي؟ أم نتيجة عوامل متعددة ولِما تفرضه هذه العوامل من أولويات للعمل، ولِما يحف بها من أسباب النجاح والفشل؟
إذا ألقينا نظرة عامة على بعض بلدان العالم الإسلامي المعاصر سنجد أن لكل منطقة، وأحيانًا لكل دولة، سماتٍ خاصة، وظروفًا معينة تجعلها مختلفة عن غيرها. “تركيا الحديثة” -على سبيل المثال- لها أكثر من خصوصية ناجمة عن ظروف انتقالها من دولة كبرى إلى دولة هامشية في النظام الدولي، ومن إرث عثماني/ إسلامي إلى توجه علماني تغريبي طيلة ثمانية عقود، وقد فرضت هذه الخصوصيات تحدياتٍ مختلفةً على حركات الإصلاح الإسلامية التركية ، وقدمت في إطارها بدائل متميزة ومسارات لها خصوصيتها تجعل من التركيز على الحالة التركية -ليس فقط عامل إثراء للأطروحات الإصلاحية في العالم الإسلامي- بل أيضا خبرة كاشفة ومفسرة لمحددات الفعالية وعناصر الديناميكية المفقودة فى كثير من الخبرات المناظرة فى الدائرة الحضارية الإسلامية.
ومن ثم، فإن عملية البحث في خبرات الإصلاح لن تحقق أهدافها بدون وضعها في سياق وإطار أوسع يتضمن حالات مقارنة تختلف من حيث سياقها الخارجي ومن حيث سياقها الداخلي، ومن حيث إنجازاتها الداخلية.
وينطلق هذا البحث من إشكاليتين/ تساؤلين أساسيين:
التساؤل الأول عن العلاقة بين الفكر والحركة السياسية. هناك نمط شائع ويحتل الأضواء وهو ذاك الذي يتجه نحو الحركة السياسية المباشرة، وهناك من الفكر ما يقتصر على المجال الحركي الدعوي أو التربوي أو الاجتماعي.
ومن هنا، نلحظ ما يذيع من معايير التمييز بين رواد الإصلاح والتجديد، وأيضًا بين الحركات والتيارات الإسلامية على نحو يخلق استقطابًا ثنائيًّا مصطنعًا بين ما هو سياسي وما هو غير سياسي في حركات وتيارات الإصلاح.
أما كيف تتحول طاقة المشروع الفكري إلى قوة حركة للتغيير الحضاري، وليس السياسي فقط، فهذا هو الحاضر الغائب في كل جهود الإصلاح الإسلامي عبر القرنين الماضيين، أو على الأقل هذا هو الحاضر الغائب في القراءات المقدمة عن هذه الحركات والتيارات وعن مآلها حتى الآن.
ولعلنا نستطيع أن نقول أيضًا إن من أهم ملامح التوافق بين الأدبيات التي قوَّمت جهود الإصلاح والتغيير من أجل النهوض، والتي تعاقبت عبر قرنين، هو عدم تحول المشروع الفكري إلى برامج وخطط حركة بل وإلى مؤسسات تقوم بأدوار متكاملة في مجالات مترابطة تُشكِّل في مجموعها المنظومة الحضارية ابتداءً من منظومة قيم التربية والتعليم والثقافة والاقتصاد والإعلام والسياسة وصولاً إلى الهياكل والمؤسسات التي تهتدي بهذه المنظومات في برامج حركتها.
وإذا كانت بعض الخبرات مثل الخبرة التركية المعاصرة مع فتح الله كولن تبدو أنها تقدم نموذجًا عن كيفية ملء هذه المنطقة الوسطى غير المملوءة عادة في مشروعات إصلاحية سابقة أو راهنة، ألا وهي المنطقة الوسطى بين الفكر التربوي وبين الحركة الاجتماعية وصولاً إلى الحركة السياسية، بعبارة أخرى، المنطقة الوسطى بين تربية الفرد ومنه إلى المجتمع ومنه إلى السياسة، فكيف تتحقق هذه العملية؟ وما شروطها؟ فبدون ادّعاء، بل مع تأكيد عدم الارتباط بالسياسة، فكيف كان لحركة الإصلاح التربوية الحديثة في تركيا مردودٌ اجتماعي واقتصادي وسياسي؟.
التساؤل الثاني عن العلاقة بين عالمية الرسالة الإسلامية وإنسانيتها وبين خصوصيتها: فإلى أي حد اتجهت جهود واجتهادات رواد الإصلاح إلى ما هو أبعد من مجرد الإصلاح الديني أو الفقهي إلى الإصلاح المجتمعي بل وإلى الإصلاح العالمي؛ أي إصلاح حال الإنسانية باعتبار أن المسلمين جزءٌ منها، وإن اختلف بالطبع مفهوم “الإنسانية” من فلسفة حضارية إلى أخرى. بعبارة أخرى، ما هي الامتدادات الخارجية لمشروعات الإصلاح الإسلامية، التي تأسست في أطر وطنية وإقليمية محددة؟ وما هي غايات وأهداف وآليات وأدوات هذا الامتداد؟ وهل اقتصرت على المناطق الإسلامية ومشاكلها فقط؟
إذا كانت الأدبيات -التي تزخر بها الساحة الأكاديمية والفكرية عن رواد وتيارات الإصلاح الراهنة والسابقة في العالم الإسلامي- قد اجتهدت لتصنيف هذه الجهود ودراسة محتوى ومضمون أفكار رموزها، فهل تمثل الإشكاليتان السابقتان جديدًا في هذا المجال؟ وخاصةً من حيث تعديلهما الخطوط الفاصلة بين الفكر والمجتمع والسياسة. وهذا ملمح من ملامح الدراسات الحضارية من مدخل العلوم السياسية، فهي ليست بالدراسات السياسية التقليدية أو الاجتماعية التقليدية أو الفلسفية والفكرية التقليدية[25].

ثانيًا: الخصوصية الثقافية واستجابات المسلمين: الإنسان في قلب الإصلاح في العالم الإسلامي

وهنا، أتوقف عند مقولة هامة، استحضرتها –بصورة مباشرة أو غير مباشرة- الأدبيات التي تصدت للتفكير في الحالة العامة لمواجهة المسلمين للعولمة.
وهذه المقولة هي: أن انشغال المسلمين بالهوية وخوفهم على الإسلام وثقافته ومقتضيات تنظيمه أمور الدنيا، قد حالت دون قدرتهم على الإصلاح الحقيقي اللازم للاستجابة لتحديات العولمة الأكثر خطورة وإلحاحًا، أي على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية. وهذه المقولة وإن تجددت بشأن العولمة، فلقد سبق طرحها في مراحل سابقة حول سبل المواجهة بين الإسلام وبين العلمانية والتحديث والتغريب. بل ويرى البعض أن نجاح الصين واليابان -مقارنةً بالدول العربية ومعظم الدول الإسلامية- في التحديث يرجع إلى تركيزهما على التحديث دون خوف من تناقضه مع الهوية أو الدين. كما يرى البعض الآخر أن حديث الخصوصية الثقافية (بمعنى ضيق أي مجرد الهوية والعادات والتقاليد) –وخاصةً حين يستدعيه الحكام العرب والمسلمين- هو حديث استهلاكي للتغطية على الفشل السياسي والاقتصادي مقارنةً بما يحدث في العالم، وهو حديث تعبوي موجه بالأساس للداخل –وليس للخارج كما يبدو- وذلك من أجل دغدغة الشعوب خلال اللعبة السياسية مع قوى المعارضة. وإن استخدمت تلك القوى المعارضة حديث الخصوصية أيضًا، فإنما تستخدمه بمنطلقات أخرى وفي نفس اللعبة السياسية.
وبدون التطرق إلى تفاصيل الأطر الإقليمية والعالمية التي أحاطت بكل من الصين واليابان، ومثَّلت بالنسبة لهما بيئة محايدة، إن لم تكن مساعدة، وذلك على عكس الدول العربية والإسلامية، حيث تم إجهاض محاولات التحديث والنهضة باستقلال عن الغرب، بدون التطرق إلى هذه التفاصيل يكفي الإشارة إلى أن قوى الممانعة الدينية والثقافية في الحالتين اليابانية والصينية، لا ترقيان إلى نظائرهما العربية والإسلامية، نظرًا لاختلاف مناط الممانعة؛ فالإسلام ليس الكونفوشيوسية أو البوذية. هذا مع الاعتراف بما كان للقيم الآسيوية من دور في تجارب التنمية الآسيوية. ولذا لابد وأن نتسائل لماذا لم تفرز المجتمعات الإسلامية إلى جانب قوى الممانعة للتغريب والعلمنة (التي وصلت بالمسلمين في معظم الأحيان إلى الجمود)، لماذا لم تفرز في المقابل بدائل تجديدية أصيلة؟ هل الخوف على الإسلام قد أدى إلى الحفظ لدرجة الجمود؟ لماذا لم تتحول الخصوصية الثقافية –بمعناها الواسع الذي هو أكثر رحابة من مجرد العادات والتقاليد، والذي يمتد إلى الموقع والتاريخ والقيم– لماذا لم تقدر هذه الخصوصية الثقافية على التحول إلى طاقة تجديدية؟
إن الجدل حول دوافع وأهداف خطاب الخصوصية الثقافية في مواجهة العولمة والهيمنة الأمريكية حديث ذو جانبين: جانب رد الفعل والتوظيف السياسي، وجانب آخر هو الفعل الإيجابي المبني على العلمية التي لا تنكر أهمية الثقافي (بمعناه الواسع) مجدولاً بالسياسي سواء في استراتيجية الهجوم علينا أو في استراتيجية دفاعنا، بل والأهم إعادة بنائنا[26].
إن القدرة على إصلاح وتجديد عالم المسلمين، من داخل الإسلام وبالإسلام، ودون انغلاق وانعزال، أي بقدرة على التفاعل الحضاري الرشيد مع العالم المحيط، إن هذه القدرة في حاجة إلى أمرين ضروريين: من ناحية نظم حاكمة مستقلة وذات رؤية ذاتية للتجديد ولا تطغ أو تستبد من أجل مجرد الاستمرار في السلطة، ومن ناحية أخرى بيئة دولية محيطة يرتفع في ظلها سقف “الإصلاح الإسلامي” ولو ما يسمى المعتدل. ومن الواضح أن من أقوى أسباب عدم قدرة المسلمين على الاستجابة بفعالية لتحديات العولمة، هو عدم توافر هذين الأمرين، ناهيك عما أصاب المنطقة العصب، أي المجتمع –مدنيًا كان أم شعبيًا أم أهليًا- من عجز وتفريط وإفراط، على نحو مكَّن من استمرار قيود وضغوط التحالف بين الاستبداد في الداخل والاستعمار من الخارج.
هذه الصورة تتطلب أولاً الوعي بالإمكانيات وبالقيود القائمة. ومن ثم تتطلب ثانيًا تصميم مشروع حضاري إسلامي، تكون الشعوب (جماعات وأفراد) هي منطلقه وقاعدته وأدواته وآلياته، سعيًا نحو تغيير ثقافي ومجتمعي دؤوب ومستمر ومتراكم، لابد وأن يحدث، ولو في المدى الطويل –تغييرًا من أعلى.
إن نماذج كل من ماليزيا، تركيا، إيران، بالرغم من اختلافاتها، تقدم دلالات متنوعة. فإن التنوع والتعدد والتعارف والتداول والتدافع الحضاري سنن الله.
وفيما يتصل بالرؤى حول آليات وكيفية مواجهة عواقب العولمة على الخصوصية الثقافية ومن ثم على مآلات عمليات الإصلاح، وموضع البعد الثقافي –والبعد القيمي بصفة خاصة- من هذه العملية، فيمكن الإشارة إلى المجالين التاليين:
المجال الأول- أن الدلالات الثقافية والقيمية للآثار الاقتصادية والسياسية والعسكرية المباشرة على الأمة، تدفع للقول بأنه لا يكفي أن تجري عملية مواجهة مباشرة على هذه الصُّعد فقط، بل قد لا تتحقق نتائجها؛ نظرًا لإشكالية العلاقة بين الممكن والمستحيل في ظل التدهور الحالي للقوة المادية الإسلامية؛ ونظرًا لأن هذه العواقب والمشكلات المادية ذات أبعاد ثقافية خطيرة. فهي ناجمة عن قصور في الرؤية الكلية للعلاقة بين العالم والإنسان والكون، ترتب عليها فصل القيم عن العقل؛ ومن هنا أهمية الرؤية الكونية المؤمنة التي تركز على الاجتماع الإنساني.
ومن ثم، فإن فقه مواجهة العولمة لابد أن ينطلق ابتداءً من الإنسان وكل ما يتعلق به، سواء من إعادة تشكيل البناء العقلي، والتربية العقدية الجهادية من أجل علاج ما أصاب الهوية الحضارية الإسلامية من مثالب انعكست في شكل تدهور القدرات المادية.
فهذا الوعي المتجدد بالذات الحضارية –قوةً وضعفًا- من دون تعصب في مواجهة الآخر هو المنطلق للانتقال من الممكن إلى الإمكان، ثم إلى التمكين للقدرات المتجددة للأمة.
بعبارة أخرى، بقدر ما للأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية للعولمة من آثار مادية سلبية مباشرة على الأمة الإسلامية، بقدر ما لهذه الأبعاد من آثار ثقافية وقيمية لا تقل خطورة؛ مما يستلزم وجهين للعُملة خلال اعتبارات مادية وخارجية أساسًا. فإن اتفقت معها الرؤى الإسلامية حول تجليات العواقب المادية (على سبيل المثال: عواقب الرأسمالية المتوحشة على فقراء العالم) فهي لا تتفق معها حول أسانيد تفسير هذه العواقب (على سبيل المثال: هناك رؤية إسلامية تتصل بمخاطر تحول المال إلى سلعة للمتاجرة والمضاربة). كما أن موطن المواجهة –في الرؤية الإسلامية- هو الداخل؛ وذلك دحضًا لمقولة حتمية العولمة وأنه لا فكاك منها إلا باللحاق بها. كما أن موطن الإصلاح العالمي برمته هو قوة القيم وليس قيمة القوة.
المجال الثاني- ضرورة مشاركة الدعوة الإسلامية في التجديد والتطوير الثقافي العالمي على النحو الذي يُمكِّن من مواجهة عواقب العولمة المادية وغير المادية على حد سواء. ويلتقي في هذا المجال كل مناهضي العولمة الذين ينطلقون من أسس وقواعد قيمية وأخلاقية مشتركة بين الأديان، تحترم الانتماءات، والوعي بالذات والشعور بالهوية في ظل التنوع والتعددية؛ حيث إن الدوائر الحضارية المختلفة تشهد إحياءً وتجديدًا روحيًا وأخلاقيًا على نحو يبرز ما أضحى عليه دور الدين في الثقافة.
وبقدر ما يمكن أن يغذي هذا الإحياء لهذا الدور صراعًا حضاريًا وثقافيًا عبر الحدود وفي داخلها، بقدر ما يمكن أن يكون أساسًا لتعارف وتعاون يغذي قوى مضادة للعولمة ذات أبعاد قيمية وروحية وأخلاقية، وهي القوى التي تعمل في نطاق المجتمع المدني العالمي. هذا المجتمع الذي هو إفراز للعولمة بقدر ما يتصادم معها بحثًا عن عولمة بديلة.
بعبارة أخرى: في مواجهة سلبيات العولمة الساعية لفرض نموذج ثقافي بعينه خدمةً لأغراض اقتصادية، لابد من تفعيل (العالمية) التي تقوم على تعارف الثقافات والحضارات وحوارها وتفاعلها الإيجابي دونما قسر أو إكراه. فإن القيام بهذا الدور على صعيد الاجتماع الإنساني كفيل بنشر ثقافة مضادة لثقافة العولمة، تنطلق في معالجة مشاكل وعواقب العولمة (الفقر، مشاكل المرأة والأسرة والشباب…) من تفعيل قيم العدالة والمساواة والتضامن والتعارف خدمةً لمصالح الإنسان وتحقيقًا للوسطية والاعتدال والتوازن، وهي أساس رؤية إسلامية.
بعبارة أخيرة: إن جدالات العولمة ثم جدالات ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) كشفت عن –ثم أكدت على التوالي- عمق ما وصلت إليه أزمة المسلمين في عصر العولمة وعصر الهيمنة الأمريكية، وعلى نحو أضحت معه الحاجة ماسة للبحث عن مؤشرات الممانعة والمقاومة في مقابل دعوات الانهزامية باسم العقلانية والرشادة والبراجماتية والواقعية حفاظًا على مصالح قطرية ضيقة.
إن على الرؤى الإسلامية في عصر ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) –وليد عصر العولمة- فريضةَ وضع أسس (فقه المقاومة)، و(فقه الحركة). ولعل من أهم المنطلقات التي يجب أن تحكم تشكيل هذه الرؤى ومخرجاتها ما يلي:
كيف لا يجب اعتبار العولمة قدرًا محتومًا لا فكاك منه؟ ثم كيف يجب ألا نجعل تاريخ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) إسارًا لإدراكنا بأننا المتهمون، وأن الولايات المتحدة في موقف رد الفعل والدفاع؟ وكيف نحرر مدركاتنا ومصطلحاتنا ومفاهيمنا، فنستدعي: التحرير، المقاومة، الاستعمار، العدوان في مقابل السائد الآن: الإرهاب، الآخر، السلام، الأقليات؟ وكيف يجب عدم فصل الاهتمام بالبعد الحضاري الثقافي عن الأبعاد السياسية وتوازن القوى؛ بحيث لا نغرق في مقولات دوافع الصراع الحضارية ناسين دوافع توازنات القوى ومصالحها أو العكس صحيح؟.
وكيف نجمع بين أزمة العالم وأزمة الأمة تأكيدًا على ما أضحى عليه وضع الأمة الأمة في العالم الآن؟ وكذلك، ضرورة الوعي بأن ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ليس نقطة فاصلة جديدة في السياسة الأمريكية بعد الحرب الباردة. وهو الأمر الذي يجعل من الضروري أن يظل السؤال التالي مطروحًا: من المسئول عن أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؟ ومن الذي خطط لها؟ ومن الذي نفذها؟ وكيف نفك الاشتباك بين المفهومين الذائعين: (حوار الحضارات) و(صراع الحضارات)، ونوفر أو تتضح لنا الشروط اللازمة لإجراء حوار صحي، ونحدد الظروف التي تعزز صراعًا حضاريًا، لأن الاختلاف بين الحضارات –وكذلك الأديان- لا يولِّد في حد ذاته الصراع؟.
إن عناصر الإجابة عن الأسئلة السابقة، إنما تمثل عناصر رؤية فكرية إسلامية شاملة. وهي رؤية لن تتحقق بسياسات حكومية رسمية فقط، إنما هي رؤية تقوم على الاعتراف بمسئولية الإنسان الفرد وليس الحكومات فقط. فإذا كان واقع الأمة الراهن لا يفرز استجابات رسمية وحكومية فاعله للتحديات التي تواجهها الأمة، فإن هناك مصادر أخرى لإمكانيات الحركة المستجيبة؛ ابتداء من الفرد، إلى الأسرة، إلى قوى المجتمع المدني في تكافلها وتداخلها فيما بينها، وعبر حدودها القومية نحو تضامن عالمي مع القوى الغربية والشرقية، المناصرة لحقوق الإنسان، والمضادة للعولمة وللحرب الأمريكية ضد الإرهاب، إن مشاركة المسلمين –أفرادًا وهيئات ومؤسسات وحركات اجتماعية ومدنية- في هذه التفاعلات من أجل العدالة والحرية والمساواة، لهو من أهم سبل تفعيل الاستجابة للتحديات العالمية التي تواجه عالم الإسلام والمسلمين في القرن الحادي والعشرين، حيث تبدو النظم والحكومات غير قادرة وعاجزة عن الاستجابة بفعالية.
إن هذه المشاركات المدنية الشعبية عبر الحدود لَهيَ من أهم الإيجابيات التي يوفرها عصر العولمة للمسلمين والإسلام، في مواجهة تحديات (الحرب الأمريكية على الإرهاب). إلا أنه يجدر القول: إن هذه المشاركات لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن التغييرات الجذرية المطلوبة في الهياكل الدستورية والتشريعية والسياسية التي تنظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على النحو الذي يحقق الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، عندئذ تكتمل صور الاستجابة الفاعلة للتحديات الخارجية التي لن يكف عالم الإسلام والمسلمين عن مواجهتها.
ثالثًا: شروط تفعيل الحوار بين الثقافات: من الاستجابة الهجومية إلى الاستجابة البنائية:
وإذا كان الحوار في نظر البعض سبيلاً لزيادة قوى الانسجام على حساب قوى التباين في إطار العولمة[27]، إلا أن آثار التسييس السابق شرحها قد بينت أن التباين يزداد تكرسًا في ظل خطابات وسياسات الهيمنة الغربية الحضارية على العالم برمته وليس العالم الإسلامي فقط، مما ولد مشروعات مقاومة متعددة المصادر والتوجهات والأدوات منها المشروع الصيني، لدرجة دفعت البعض إلى وصف القرن الواحد والعشرين بقرن آسيا، ومنها المشروع الإيراني، والمشروع اللاتيني، والمشروع الإسلامي. وأنا هنا لا أتحدث عن مجرد قوى صاعدة منافسة للقوة الأمريكية وحليفتها القوة الأوروبية، ولا أتحدث عن حضارات متقابلة ولكن أتحدث عن مشروعات متقابلة تنظر لمستقبل العالم برؤى متنوعة انطلاقًا من تنوع الرؤى للعالم التي يستند إليها كل مشروع وفى صميم كل من هذه الرؤى ماهية الثقافة والهوية مجدولة بالاعتبارات السياسية والاقتصادية.
إذن ما المقصود بالاستجابة الهجومية من رؤية تعارفية إنسانية؟
أ- وفيما يتصل بالمشروع الإسلامي بصفة خاصة، وما يتصل بحواره مع المشروع الحضاري الغربي في ظل اختلال توازن القوة المادية بين حاملي كل من المشروعين، يمكن القول إن المشروع الحضاري الإسلامي ليس بمفرده الذي يواجه أزمة تدعى الحداثة الغربية منذ أكثر من قرن قدرتها على حل هذه الأزمة إذا ما تم الاندماج كاملاً في مشروعها، إلا أن المشروع الحضاري الغربي (الحداثي الوضعي العلماني) يواجه بدوره أزمة وإن اختلفت في النوع والطبيعة. فإن الركن الركين من أركان هذا المشروع: الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية إنما تمر بأزمة تنعكس على أزمة المجتمعات الحداثية وعلى أزمة في النظام العالمي برمته. وهي أزمات تدور حولها مراجعات معرفية وفكرية ونظرية مهمة في الغرب ذاته[28].
إذن فلابد أن تكون هذه الأزمات بدورها مجالاً للحوار حيث أن هذه الأزمات تنعكس على أزمات الدوائر الحضارية المختلفة وعلى رأسها دائرة الحضارة الإسلامية. فلماذا تظل الحوارات قاصرة على أزمات المسلمين وعلى نحو يبدو معهم “الآخر” مقدمًا النصح أو فارضًا الحل وكأنه لا يعان من أي أزمة، وليس في أي حاجة إلى الآخر الحضاري؟
ب- ومن أهم الاتجاهات الغربية التي تشارك في هذه المراجعات للأحادية الحضارية الغربية اتجاهات البنائية الجديدة والنقدية التي تهتم بدور الأفكار والتصورات والمعتقدات في تشكيل العلاقات الدولية، وتنطلق من نقد الهيمنة الحضارية المدعاة من الغرب وتقبل بتعدد المنظورات الحضارية. وحين شاركت هذه الاتجاهات مع اتجاهات أخرى ليبرالية وواقعية في الدعوة إلى الديمقراطية العالمية كسبيل لدرجة أكبر من الاستقرار والسلام، فإن دعوتهم لم تخرج أيضًا عن النطاق “الغربي”. كيف؟
إن هذه المحاولة لتحقيق الديمقراطية على المستوى العالمي ليست بجديدة وهي ليست منتجًا من منتجات العولمة فقط، ومن ثم فإن الحوار بين الثقافات حولها ذو جذور سابقة. وما يهمنا هنا هو أن الحوار حول الديموقراطية العالمية الدائر عبر العقدين الماضيين هو حوار أيضًا حول منظومة القيم الديموقراطية المطلوب عولمتها والفلسفة التي تنبني عليها. فهل من الجدوى الاستمرار في هذا النمط من الحوار كسبيل من سبل علاج قصور الحوارات السابقة أم يجب الانتقال إلى مجال آخر أكثر فاعلية؟
إن رصد الجدالات بين الاتجاهات الفكرية والنظرية في الغرب، حول الديموقراطية العالمية لتبين الآتي[29]: إن هناك عدم توافق على المفهوم ناهيك عن التساؤل هل هي “ديمقراطية عالمية حقًا”؛ حيث يتضح أن المقصود هو الديموقراطية الليبرالية الرأسمالية النابعة من الخبرة الحضارية الغربية.
ومن ثم، فيبدو الحوار البيني – الغربي هو استجابة لأزمة الديموقراطيات الغربية أساسًا تحت تداعيات التحولات العالمية وآثارها الداخلية في الغرب، وفي محاولة لدعم نشرها باعتبارها الوجه الآخر للسلام اللازم فرضه ولو بالقوة القهرية، ولذا فغير الغربيين –وخاصة المسلمين- غير موجودين في خريطة هذا الاتجاه الليبرالي إلا بقدر كوننا موضوعات ومفعول بنا لأننا غير ديموقراطيين، بل نحن معرضون للحروب باسم الديموقراطية من أجل أن تصبح عالمية؛ حيث أن غاية هذه الديموقراطية كما يرى الليبراليون منع الحروب وتحقيق السلام.
هذا، وتستبطن هذه النتائج التي تسفر عن رصد الجدالات حول “الديموقراطية العالمية” مجموعة من الثنائيات (الداخلي /الخارجي، الحروب /السلام، الشعوب/الدول، إجراءات الديموقراطية/ فلسفتها…).
وفي المقابل، فإن منظورًا حضاريًا من مرجعية إسلامية يساعد على تجاوز هذه الثنائيات تحقيقًا لدرجة أكبر من الانسجام والتناسق والتوافق وليس التناقض والصراع والتنافر الذي تنضح به الثنائيات المشار إليها عاليًا، والتي لن تجعل من الديمقراطية العالمية –في ظل أوضاع القوى العالمية الراهنة تحت هيمنة أحادية حضارية– إلا مجرد ثوب جديد لنفس الجسد.
كذلك، فإن الاتجاهات البنائية تقدم رؤية أكثر نقدية للمنظور التقليدي للعلاقات الدولية، الذي يستهدف الحفاظ على نظام الهيمنة الدولية القائمة ومن ثم فهو أكثر انفتاحًا وتعددية يتساءل عن ديمقراطية كونية وليس مجرد ديموقراطية ليبرالية عالمية، ذلك لأنه ينشغل بمشاكل الشعوب الناجمة عن العولمة الاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت هذه الجدالات بين روافد الفكر الغربي هي جدالات حول فلسفة الديمقراطية ومنظومة قيمها وغاياتها العالمية إلا أن عالم الإسلام، وعالم الدين بصفة عامة، غائب بدرجة كبيرة عنها. فكيف نستطيع من مرجعية إسلامية تأخذ الإسلام كمصدر للقيم والمبادئ اللازم تفعيلها لخدمة منظومة الإنسانية، أن نقدم رؤية لا تخلط بين المقاصد والأدوات؟ فإن المقصد هو التغيير العالمي الذي يحقق العدالة الإنسانية.
ج- إن من أهم شروط تفعيل الحوار بين الحضارة الغربية والإسلامية، من منطلق البعد الثقافي أن يتصدى إلى أجندة قضايا جديدة لا تنغلق في قضايا محاكمة الإسلام أو التشكيك فيه أو تنغلق في قضايا ترويج منظومات قيم الغرب ولكن تمتد إلى أجندة إنسانية شاملة، يمكن أن يشارك فيها الجميع من منطلق دوائرهم الثقافية. كيف؟
*فإذا كانت بعض مستويات الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي قد دارت بين رجال دين وعلماء يهتمون بدور الأديان وبين علمانيين أو حتى ملحدين حول قضايا إسلامية وما لها من ارتباطات مع أوضاع مجتمعية وسياسية واقتصادية (الإسلام والمرأة، الإسلام والأقليات، الإسلام والعنف، الإسلام والجهاد والإرهاب، الإسلام والتسامح والسلام).
*وإذا كانت مستويات أخرى من الحوار ترى الاتجاهات الفكرية اليسارية أنها يجب أن تقتصر على قضايا الاستعمار والهيمنة والعدالة التوزيعية للثروات، أي حول أبعاد العلاقة بين الشمال والجنوب بصفة عامة.
*فإن اتجاهات ثالثة، وهي الليبرالية، ترى أن الحوارات هي وسيلة للمشاركة في دراسة وحل مشاكل الإنسانية كلها ولكن من خلال نقل الحداثة والاندماج في النظام العالمي[30].
*وإذا كانت اتجاهات رابعة تقول بأن أحد أهم شروط تفعيل الحوار بين الحضارات هو تأسيس الحوارات البينية على صعيد الحضارة الإسلامية بين شعوبها ودولها حيث تبرز الحاجة مثلاً إلى حوارات عربية- إيرانية، وعربية تركية، وعربية كردية، وعربية أمازيجية، ناهيك عن حوارات المذاهب (الشيعة والسنة) والأديان (المسلمون والمسيحيون) في الشرق[31]. كذلك هناك الحاجة إلى حوارات بين الحضارات الشرقية ذاتها، حيث توالت على سبيل المثال ملتقيات الحوار الإسلامي الياباني والعربي – الصيني، كذلك جرت بعض جولات الحوار العربي اللاتيني[32].
*ففي المقابل، وفى الوقت الذي تتعثر فيه الحوارات سواء البينية أو بين الغرب والعالم الإسلامي، تبرز الأصوات الداعية إلى توسيع دائرة الحوار الإسلامي- المسيحي (عالميًا وإقليميًا) لتزداد استيعابًا لمشاركة اليهود. وهو الأمر الذي يولد استجابات وردود فعل عديدة، على ضوء ما تتعرض له القضية الفلسطينية من عدوان مستمر ومتصاعد وعلى ضوء تسييس الحوارات التي يشارك فيها اليهود لتصبح غطاء لمساندة السياسات الإسرائيلية ومدخلاً مرنًا للتطبيع.
إن هذه الاتجاهات الخمسة التي تتنازع الحوارات في النظام العالمي المعاصر، إنما تعوق فعاليتها عديد من الأسباب، لعل الجزء الأول من الدراسة يكون قد اقترب من بعضها وأهمها، ألا وهو التوظيف السياسي في ظل اختلال توازن القوة العالمية.
ومن هنا، لابد وأن نتصدى لإعادة صياغة أجندات الحوارات (على الأقل التي شهدها العقد الماضي) حتى لا نظل أسرى الدفاع أو الاعتذار من جانب مسلمين أو أسرى التصحيح والإرشاد أو التعالي والاتهام والتشكيك من جانب غربيين، لنقدم خطابًا بنائيًا إنسانيًا من أجل إصلاح الإنسان كجوهر للتغيير العالمي.
إذن، كيف نستطيع أن نشارك فى هذا الحوار: الاستجابة البنائية:
لقد تعددت الرؤى من جانب علماء مسلمين عن إمكانية بل وضرورة مشاركة رؤى إسلامية في “إصلاح العالم من خلال حوارات حضارية تقوم على تعددية ثقافية حقيقية”، وأقتصر هنا على ذكر النماذج الثلاثة التالية: حامد ربيع، منى أبو الفضل، وأحمد داوود أوغلو[33].
وتعالج هذه الرؤى إشكاليتين مترابطتين محل الاهتمام، ألا وهما حاجة العالم لنموذج إسلامي يساهم في التجديد الفكري والمجتمعي العالمي من ناحية، وأن التجديد الفكري والمعرفي على مستوى الأمة وانطلاقًا من مرجعيتها وأسسها الحضارية هو شرط ضروري لتجديد قواها ويصب أيضًا في استقرار وسلام العالم من ناحية أخرى. وتوضح هاتان الإشكاليتان أنه بقدر ما يستطيع الإسلام من وجهة نظر هذه النماذج أن يقدم للعالم، بقدر ما يجب من باب أولى أن يجري حل مشاكل أمته انطلاقًا من أسسه الحضارية الثابتة، وعلى ضوء نموذجه في التعارف والتواصل انطلاقًا من سنة التعدد والتنوع واستنادًا إلى كونه نموذجًا مفتوحًا وليس مغلقًا. بعبارة أخرى، وانطلاقًا من طبيعة الإسلام “الوسطية” وأنه دعوة للعالمين، وانطلاقًا من ناحية أخرى من الخبرات التاريخية للأمة الإسلامية سواء في وقت القوة أو في وقت الضعف، يمكن القول إنه لا انفصال بين ما يقدمه الإسلام للمسلمين وبين ما يقدمه للعالم.
ومن ثم، فإن كل ما يسعى المسلمون لطرحه على العالم –وليس الغرب وحده- هو في واقع الأمر منتج لقناعة بأن الإسلام لديه ما يقدمه للإنسانية من قيم وأفكار، وأن ما يقدمه الإسلام للإنسانية لا يمكن استيعابه إلا من خلال عملية نقد ذاتي لأوضاع المسلمين، عملية من النهضة وإعادة الإحياء؛ إعادة إحياء الرؤية الإسلامية للعالم في فهم ووعي المسلمين قبل غيرهم ربما تكون قادرة على تجاوز ما يرصده المسلمون في هذا العالم من إفلاس أخلاقي وروحاني وإفراط في العنف والطغيان وفي التعريفات المادية للقوة على نحو يجعل من قوة المسلمين قوة مهمشة في العالم[34]. فنحن فعليا أمام حركة ثنائية من نقد الذات ونقد منتج الحداثة والرؤى المادية الوضعية للعالم.
فـ”قضية إصلاح النظام العالمي وكيفية مشاركة المسلمين فيه، سواء من الدول الإسلامية أو من المسلمين في الغرب، هي مشاركة تفترض أن يدير المسلمون في كل مكان إشكاليتين أساسيتين متصلتين بالإدراك المتبادل بينهم وبين غير المسلمين، ألا وهما: أن المسلمين جزءٌ من العالم وفي قلبه لا يمكنهم الانعزال عنه، بل وعليهم دور كبير تجاه الإنسانية وليس تجاه المسلمين فقط، وإن كان هذا الدور يقتضي في البداية إصلاح أحوال المسلمين”[35].
إن الحديث عن تقبل الآخر واستيعاب التعددية الحضارية وإفساح الطريق أمام إسهامات الدوائر المهمشة هو حديث له رونق، ولكن الفكرة على الرغم من لباقتها تستلزم أساسا أن يكون الآخر قادرًا على المشاركة –لديه الرغبة ولديه القدرة على المشاركة- والرغبة والقدرة ترتبطان بالفرد ذاته كما ترتبطان بالنظام السياسي الذي ينتمي إليه وما يتيحه له هذا النظام من قنوات للتمكين، وإلا أصبحت مجرد نموذج آخر من نماذج علاقات الهيمنة والتبعية ولو في شكل أكثر “أناقة”، أو فلنقل أكثر شرعية.
التغير العالمي أو الإصلاح العالمي من رؤية إسلامية ونحو عدالة إنسانية:
هناك جهود متنوعة أخرى حول إسهام الإسلام في التأصيل لعدد من المفاهيم، أو حول نقد المنظومة الليبرالية عن الديمقراطية. وجميعها لا تستدعي “إجراءات أو مؤسسات بقدر ما تستدعي أطر القيم والواجب الاستناد إليها للإصلاح.
ومن نماذج هذه الجهود – دون ادعاء تقديم مسح شامل لها- النماذج التالية: د.هبة رءوف حول نقد الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، د.مصطفى كمال باشا حول العلاقة بين الديمقراطية والإسلام، جوناتان موسز حول مفهوم الأمة – ديمقراطية، إرماندوسلفادورى حول مفهوم المجال العام، ود.عبد الحميد أبو سليمان عن إسهام قيم الإسلام في العالم، ود.إسماعيل الفاروقي عن شكل النظام العالمي، ود.سيف الدين عبد الفتاح حول “المقاصد العليا”، ود.سهيل عناية حول المستقبليات.
إذا كان بناء الديمقراطية العالمية قد استدعى أسس معرفية وفلسفية ليبرالية حددت من يشارك ولماذا وكيف و…إلخ، على نحو افتقد القيم والدين، كما افتقد مفهوم “الآخر الحضاري”، فإن مفهوم إصلاح العالم من رؤية إسلامية يستدعي المشاركة في بناء القيم وتفعيلها على أكثر من مستوى وعلى نحو يبرز “وسطية الإسلام” لإرساء أسس جماعية للتغيير وليس فرض هيمنة أحادية.
ويتجلى ذلك في منظومة الأبعاد الأربعة التالية لرؤية إسلامية حضارية تتجاوز ثنائيات تقليدية:
أولاً- محركات ودوافع الإصلاح والتغيير: منظومة الدعوة – القوة – الجهاد:
فإن الدعوة هي عملية ممتدة جهادية تتعلق بالفرد والأمة، بالداخل والخارج، بالسلم والحرب، فإن الرؤية العقدية القائمة على قيمة التوحيد والتي تحمل رؤى فرعية ومتكاملة حول الإنسان والكون والحياة، في سياق مفاهيم مثل الأمانة والتكليف والعمارة والاستخلاف، لا تكون بتأسيس العلاقة ضمن حالة استثنائية وهي الحرب، أو حالة السلم المؤدية إلى فعل الاسترخاء وعدم الفاعلية والقعود عن معاني الأمانة والرسالة والخيرية. إن السلم الكامل والحرب الدائمة والشاملة ليست سوى أشكال وأساليب حدية على متصل تتفاوت عليه الأشكال[36].
والقوة حقيقة استخلافية تحرك الفعل الحضاري العمراني فهي ليست قوة طغيان ولكن عمران، وهي لا تعني الوهن والهوان بل هي فعل مأمور به (نموذج الانتفاضة الفلسطينية، والمقاومة حزب الله في لبنان).
ولذا فإن هذا المفهوم للقوة قد يفرض إعادة تعريف مفهوم السياسة ذاته بحيث يصبح القيام على الأمر بما يصلحه وتكون القوة هنا عناصر إصلاح وعمران، والسياسة بناء لعمران -وليس كما في المفهوم الغربي توازن واستقرار في ظل تكريس الواقع- والعمران نسق حضاري ومجال معرفي وفكري إسلامي يتخطى حدود الفقه التقليدي ويتجاوزها في رؤيته للعالم التي يستند إليها، ولذا فهو يقدم بديلاً حضاريًا للتقسيم الفقهي التقليدي للمعمورة إلى دار سلم ودار حرب.
والقوة ليست عناصر مادية فقط، فعلى أهمية هذه العناصر القصوى إلا أن هناك أيضًا عناصر معنوية تضفي على معاني القوة معاني الإرادة والإعداد والقدرة[37].

ثانيًا- العلاقة بين دوائر الاجتماع البشري (الإنسان، الجماعة، الأمة، الدولة):

العلاقة بين الفرد، الجماعة، الأمة، الدولة، العالم، هي علاقة ضم inclusion وليس استبعاد دائرة على حساب أخرى. فجميعها دوائر متحاضنة Overlapping Circles ويجسد هذا الضم وهذا التحاضن مفهوم الأمة بصفة عامة والأمة الإسلامية بصفة خاصة[38].
وعلى ضوء هذه الثلاثية: الجماعة – الأمة – الدولة، فإن الرؤية عن مصدر إصلاح “العالم” تتضمن عدة دوائر تتضافر في تأثيراتها وهي كالآتي:
إصلاح الإنسان الفرد على ضوء ميزان الحق والواجب، فحقوق الإنسان ليست مجرد حقوق ولكن ضرورات[39]. والوجه الآخر لها هو الواجبات والالتزامات، فليس للفرد على الدولة أو الحكومة حق المحاسبة والرقابة والشفافية فقط، ولكن ما هو واجبه ليستأهل هذه الحقوق. وهنا يقفز حاليًا ما يسمى التربية المدنية وثقافة الديمقراطية وثقافة التعددية، وجميعها تعبيرات معاصرة لإعداد الإنسان لدوره الديموقراطي أو لنقل الدور المجتمعي العام المشارك في المجال العام. وهذا الإعداد لابد وأن يتم على ضوء ميزان بين ما هو مدني وما هو قيمي ديني وميزان بين ما هو فردي ومجتمعي… كل ذلك انطلاقًا من مفهوم الإنسان وحقوقه في الرؤية الحضارية الإسلامية[40].
إصلاح الجماعة – الأمة /الدولة والنهوض بها (بين الدولة والأمة): إن أسباب ضعف الأمم والجماعات في الرؤية الإسلامية إنما تنطلق من الأسباب القيمية التي تنعكس على الأسباب المادية، ومن ثم فإن النهوض والإصلاح والتجديد والإحياء يبدأ أيضًا من هذه الدائرة القيمية ممتدًا بالتفعيل إلى الدوائر الأخرى. كما أن إصلاح “الكلي” شرط لإصلاح الجزئي، فحال الأمة لابد وأن ينعكس على حال شعوبها ودولها كل على حدة.
كذلك فإن حال الجماعة لابد وأن ينعكس على الدولة التي تجسدها. ومن ثم فإن إشكالية العلاقة بين الأمة/ الدولة (أيهما أسبق على الآخر) تنعكس في إشكالية الإصلاح على هذا المستوى الجمعي، بقدر ما تتجسد أيضًا إشكالية العلاقة بين المادي/القيمي.
والعوامل غير المادية احتلت مكانة أساسية في الرؤية الإسلامية عن تطور النظم التاريخية وعن تفسير التاريخ وذلك على عكس دراسات غربية نظمية سقطت في أحادية عوامل التفسير المادية أساسًا[41].
ثالثًا- قدمت الحضارة الإسلامية في أصولها الإلهية والنبوية، وفي منتوجها الفكري والتاريخي جملة من المفاهيم الحضارية الكبرى التي تنطلق من فقه حضاري متميز له أصوله ومبادئه ومفاهيمه ومسائله. ويمكن الإشارة إلى هذا الفقه وأصوله وإلى بعض مفاهيمه الكبرى وقيمه المعبرة، على النحو التالي:
– التعارف الحضاري – التعددية الحضارية – التنوع الحضاري.
– التدافع الحضاري – حوار الحضارات في مقابل صدامها وصراعها.
– التداول الحضاري – الإنسان في الرؤية الحضارية الإسلامية.
رابعًا: الغاية حال العالم ومنظومة قيم تأسيسه (التوحيد، التزكية، العمران) ومنظومة معايير إصلاحه: العدالة، الاستخلاف، العمران، المصلحة، المقاصد، الإنسانية، جميعها مفاهيم تأسيسية في الرؤية القرآنية عن العالم، وقد تم استحضارها بأكثر من سبيل وفي أكثر من سياق، على نحو يصعب معه التوقف بالشرح عند كل منها. إلا أنه يمكن التوقف عند رؤية جامعة لهذه المنظومة قدمها “خورشيد أحمد”[42] وتتلخص كالآتي:
تمثلت القوة الحقيقية للحضارة الإسلامية في السعي في آن واحد نحو التفوق القيمي والقوة المادية، نحو الرخاء والأمن. واتسمت كل مراحل صعود وتوسع الحضارة الإسلامية بهذه العملية الديناميكية. وحين يختل هذا التوازن بين القيمي والمادي تُحدِث قوى الضعف والتفكك آثارها على نسيج المجتمع المسلم وتؤدي إلى سقوطه.
وشهد تاريخ المسلمين عبر 14 قرنًا مراحل صعود وسقوط، إلا أنه بعد كل تدهور سرعان ما كانت تظهر موجات من الإحياء والتجديد تستجيب بقوة لتحديات كل مرحلة.
من هذه الأبعاد الأربعة يتضح لنا ملمحين أساسيين وراء هذه المنظومة:
الملمح الأول: هذه المنظومة تنطبق داخل وخارج الحضارة الإسلامية وليس داخلها فقط.
الملمح الثاني: هو أن الغاية ليس أن يصبح كل العالم مسلمًا وفق رؤية البعض عن تقسيم دار الحرب ودار السلم، فهذا التقسيم لم يكن إلا تقسيمًا سياسيًا في مواجهة حالة صراع دولي ضد المسلمين. وكان ينظمه ويضع قواعده الرؤية المعرفية الأصلية (الحضارية التعارفية).
ومن ثم، فالتحدي أمام المسلمين هو أن يعرفوا كيف يعيشون في العالم كمسلمين وكجزء مندمج فيه يأخذ ويعطي في ظل سنن التداول.
دون الوقوع في الثنائيات التي تزخر بها خطابات “الديمقراطية العالمية”، ودون اختزال غاية الديمقراطية العالمية في منع الحرب فقط ودون اختزال محتوى الديمقراطية العالمية في إدارة العالم بطريقة ديمقراطية لإيجاد حلول للمشاكل العالمية يشارك فيها الجميع، ولكن وفق فلسفة الديمقراطية الغربية. فإن إصلاح العالم وتغييره يمكن أن تشارك فيه أمم العالم، كل من دائرتها الحضارية، وفي ظل تعددية حقيقية تثري العالم في إطار تعاوني سلمي.
إلا أن الأمر لا يقتصر على الحاجة إلى رؤية وسطية ولكن هناك حاجة أيضًا لتفعيلها في إدارة أجندة عالمية مشتركة تهم الإنسانية بروافدها المتنوعة. كما هناك حاجة لبرامج وخطط عمل مشتركة ومؤسسات إنجاز تحقق تراكمًا يجعل مخرجات الحوار والتعاون مخرجات ملموسة ومحددة ولا تقتصر على “الكلمات”. ولعلي هنا أستدعي كلمة د. مصطفى سيرتش في مؤتمر جنيف 2009، السابق الإشارة إليها في أول مشهد في تمهيد الدراسة، فلقد بدأ كلمته بالحديث عن آلام المسلمين ولكن انتهى بأجندة تهم الإنسانية وهي البيئة والفقر والجوع.
فلا يمكن أن تظل ملتقيات الحوارات العامة، رغم أهميتها، تدور في حلقات مفرغة من الحديث عن دوافع الحوار ومبررات وأهدافه وعن القيم الإنسانية المشتركة وعن… فماذا عن التفعيل ليصب في خدمة تغيير العالم ليصبح أكثر إنسانية بالمعنى الحقيقي للإنسانية وليس بالمعنى الذي تختطفه كل مرجعية من المرجعيات المتصادمة.
خلاصة القول في هذه الدراسة، أن البعد الثقافي في حوار الحضارات وإن كان عاملاً أساسيًا إلا أنه لا يعمل تأثيره في فراغ. فهو وإن لم يكن حتمي التأثير وعلى نحو محدد دائمًا، إلا أنه لا يمكن إسقاط مدلول تفاعله مع عوامل أخرى سياسية واقتصادية.
فليست الثقافة العربية الإسلامية ثقافة صماء، وإن كانت تتعرض لتأثيرات إلا أن التحدي الأساسي أمامها في ظل الصراع الحضاري الموجه إلى شعوبها هو أن تحافظ على ثوابتها وتفرز استجاباتها للتحديات وتضمن لها استمرار النمو والتفاعل مع الثقافات الأخرى مع الحفاظ على نواة خصوصيتها[43]. ومن هنا مغزى مقولة “ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة”[44]، فإن ثقافتنا في حاجة لثقافة التغيير حتى تستطيع المشاركة في تجديد ثقافي عالمي هو مدخل أساسي لعلاج أزمة النظام العالمي المعاصر.
ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة الغربية ذات الجذور المسيحية – اليهودية، إنما تشهد تيارين هامشيين: أحدهما يسعى إلى تأكيد هذه الجذور، كما اتضح خلال معركة دستور الاتحاد الأوروبي[45] واتجاه آخر يتحدث عن التعددية في مصادر هذه الثقافة على نحو يدخل فيها مصادر إسلامية أيضًا[46].
ناهيك عن الحديث عن دور الإسلام وأثره كتهديد أو تحدٍ في خلق الهوية الأوروبية الحديثة[47]. كل ذلك في مقابل التيار السائد الذي يؤكد على أن هوية أوروبا هي منظومة القيم الحديثة: المواطنة، الديموقراطية، حقوق الإنسان، الحرية…إلخ.
بعبارة أخرى فإن حديث “الثقافات وموضعها من الحوار بين الحضارات في نظام عالمي مختلف إنما يستنبط التباين والانسجام بين الثقافات المنتمية إلى حضارة واحدة أو عدة حضارات وعوامل تحديد هذا التباين والانسجام، فهل مبعثها مثلاً الدين، أم التاريخ، أم السياسة أم نمط عمليات التثاقف المستمرة أم…الخ.
وللإجابة عن هذا السؤال أطرح سؤالاً: والسؤال هو أليس تعثر الحوار بين العالم الإسلامي والغرب مرده (الديني – الثقافي) مجدولاً بالسياسة والتاريخ، وليس الدين فقط أو السياسة أو المصالح فقط؟
ومن ناحية أخرى، هل نجحت حوارات الأديان والثقافات في بناء ثقافة تعارف وتواصل وثقافة عيش واحد وثقافة سلام عادل بين العالم الإسلامي والغرب؟[48] سؤال أختم به الدراسة لأنه ستظل الإجابة عنه هي المحك في كل تناول مستقبلي عن استجابات المسلمين للحوارات في النظام العالمي المعاصر الذي يشهد تأزيمًا متكررًا عبر أرجائه نظرًا للتصادم بين قوى التباين وقوى الانسجام وهو التصادم الناجم، ليس عن مجرد عدم تكافؤ في القوة، ولكن الناجم عن التصادم بين رؤيتين معرفيتين؛ رؤيتان للعالم إحداهما صراعية تجعل اختلاف الثقافات أو الأديان مفسرًا أساسيًا للصراع أو تدفع بثقافة القوي (ماديًا) أن يهيمن بالقسر والإكراه مع إدعاء العالمية، والرؤية الأخرى تعارفية إنسانية ترتكن إلى مفهوم القوة أيضًا ولكن الذي يدافع عن حقوق الشعوب وينأى عن استراتيجيات الاستئصال للمخالف ويؤسس للعيش الواحد فتتحقق عالمية حقيقية. فليس اختلاف الأديان والثقافات في حد ذاته سببًا في صراع أو دافعًا لحوار، ولكن الأهم كيف تصبح هذه الاختلافات عاملاً في ثراء التنوع والتعدد.
والحمد لله
القاهرة 1/12/2010
*****

الهوامش:

[1] انظر تفاصيل هذه التحديات وتطوراتها في: د.نادية محمود مصطفى: التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي: الأبعاد الثقافية الحضارية، في: د.نادية محمود مصطفى وآخرون: الأمة في قرن: تداعي التحديات والاستجابات والانتفاض نحو المستقبل، الجزء السادس من موسوعة الأمة في قرن، إشراف د.نادية محمود مصطفى، د.سيف الدين عبد الفتاح، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2002، وانظر أيضًا أعمال العدد الخامس من حولية (أمتي في العالم) الخاص بتداعيات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) على الأمة في المجالات المختلفة.
[2] انظر على سبيل المثال:
– حولية أمتي في العالم (2001- 2002) العدد الخامس، الجزء الأول، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2003.
– الأمة ومشروع النهوض الحضاري: حال الأمة 2008 (أمتي في العالم: كتاب غير دوري)، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، 1430هـ/ 2009م.
– نادية محمود مصطفى (تنسيق علمي وإشراف): معتز بالله عبد الفتاح (تحرير)، الدبلوماسية العامة الأمريكية تجاه العالم العربي، جامعة القاهرة: برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2007.
– نسمة شريف شرارة: الفكر الاستراتيجي الأمريكي تجاه العالم الإسلامي: دراسة بعض مراكز الفكر الاستراتيجي، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، 2009.
– شيرين فهمي، الأبعاد الثقافية للاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية بعد 11 سبتمبر 2001، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة ، 2010.
[3] د. نادية مصطفى، د.سيف الدين عبد الفتاح، د.ريهام باهي (إعداد وتنسيق علمي): عصام عبد الشافي، محمد العربي (مراجعة وتحرير)، الولايات المتحدة والعالم الإسلامي في عهد أوباما: من خطاب القاهرة إلى سياسات الإدارة، : جامعة القاهرة: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، 2010 (تحت الطبع).
[4] د.نادية محمود مصطفى: تحديات العولمة والأبعاد الثقافية الحضارية والقيمية (رؤية إسلامية)، (في): مجموعة باحثين، مستقبل الإسلام، دمشق: دار الفكر العربي، 2004.
[5] حول مفهوم الحوار انظر:
– أميمة عبود: أسلوب الحوار: الدوافع الأهداف، الشروط، الآليات، الأنماط، (في): نادية مصطفى، منى أبو الفضل (محرران)، مرجع سابق.
[6] ورقة مفاهيمية من إعداد أ. مدحت ماهر على ضوء حلقة نقاش داخلية في مركز الحضارة للدراسات السياسية حول خبرة عقد من الحوارات، نوفمبر 2009 (غير منشورة).
[7] انظر تفاصيل هذه المحطات وهذه الخصائص (في): نادية مصطفى: إشكالية العلاقة بين الحضارات في خطابات عربية وإسلامية، مجلة السياسة الدولية، العدد 168، أبريل 2007.

كذلك انظر:
– Nadia M. Mostafa: Arab Islamic Debates on Dialogue and conflict between cultures, (in): Bjorn Hettne (ed.): Human values and Global Governance, studies in development, Security and Culture. Vo. 2. Pal grave, 2008.
[8] انظر: أماني غانم، مرجع سابق.
[9] نادية مصطفى: الرسوم الدانماركية وشروط الحوار العادل قراءة في مغزى العلاقة بين الثقافي والسياسي، موقع إسلام آون لاين، 3 أبريل 2006، متاح على: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout&cid=1173694768963.
[10] انظر على سبيل المثال: نادية مصطفى هل يكفي البابا أن يعتذر أم كان متعمدًا، إسلام أون لاين.
[11] انظر: نادية مصطفى، علا أبو زيد (تحرير)، الهوية الإسلامية في أوروبا: إشكاليات الاندماج قراءة في المشهد الفرنسي، أعمال الندوة التي عقدت في 18-19 فبراير 2004، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، برنامج حوار الحضارات، 2005.
[12] سيفان لاتيون، باتريك هاني: معارك حول الإسلام في الغرب، مبادرة منع المآذن في سويسرا، ترجمة: عوامرية سلطاني، تقديم ومراجعة حسام تمام، إسلام أون لاين، 2009.
[13] انظر أيضًا: محمد سليم العوا: للدين والوطن: فصول في علاقة المسلمين بغير المسلمين، نهضة مصر، ط 3، 2009.
[14] د.نادية محمود مصطفى: إشكاليات الاقتراب من مفهوم حوار الحضارات في أدبيات عربية، (في): حولية أمتي في العالم (2001- 2002) العدد الخامس، الجزء الأول، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2003.
[15] انظر على سبيل المثال:
– زكي الميلاد: تعارف الحضارات، مجلة الكلمة: العدد 16، صيف 1997/ 1418.
– مجموعة مؤلفين، تعارف الحضارات، إعداد زكي الميلاد، دار الفكر، دمشق، 2006.
– د. نادية مصطفى: الاستخلاف في الأرض وإعمارها: تنمية شاملة أساسها الذكر والأنثى، (في): أعمال مؤتمر “لتعارفوا”، طرابلس: جمعية الدعوة العالمية الإسلامية، سبتمبر 2003.
[16] انظر على سبيل المثال:
– د. سليمان الخطيب: أنماط انتقال الأفكار وآلياتها بين التفاعل والاستلاب: دراسة حالة العلاقة بين عالم الغرب وعالم المسلمين، (في) نادية مصطفى، منى أبو الفضل (محرران)، مرجع سابق.
– مجموعة مؤلفين، أي إسلام وأي غرب: كتاب صحيفة الدعوة الإسلامية، ليبيا، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، العدد 2، أكتوبر 2003.
– المجلس المصري للشئون الخارجية، مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب وفاق أم صدام، القاهرة: أوراق المؤتمرات، يناير 2005.
– مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب، مجلة رؤى، العدد الثالث عشر، السنة الثالثة، مركز الدراسات الحضارية بباريس، خريف 2001.

[17] د. نادية محمود مصطفى: خطابات عربية….، مرجع سابق.
– د. نادية محمود مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح: مقدمة حولية أمتي في العالم، العدد الخامس (2001- 2002)، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، 2003.
– د. نادية محمود مصطفى (محرر)، السياسة الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين: إشكالية العلاقة بين الأبعاد الاستراتيجية والأبعاد الثقافية، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، برنامج حوار الحضارات، 2003.
– ومن نماذجه أطروحات السيد ياسين، انظر على سبيل المثال: السيد ياسين: حوار الحضارات: تفاعل الغرب الكوني مع الشرق المتفرد، ميريت للنشر، القاهرة، 2002.
[18] انظر على سبيل المثال:
– نادية مصطفى، علا أبو زيد (محرران): خبرات حوار الحضارات، مرجع سابق.
– نادية مصطفى (محرر): مسارات متنوعة … مرجع سابق.
– نادية مصطفى، علا أبو زيد (محرران): خطابات عربية… مرجع سابق.
[19] حول البعد الثقافي للمشاركة الأوروبية المتوسطية من رؤية نقدية تناقش العلاقة بين البعد السياسي والبعد الثقافي انظر: د. نادية محمود مصطفى: البعد الثقافي للمشاركة الأوروبية المتوسطية (في): نادية محمود مصطفى (إشراف علمي وتنسيق)، مراجعة: علياء وجدي، أوروبا وإدارة حوار الثقافات الأورومتوسطية، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، برنامج حوار الحضارات، 2007.
[20] نادية محمود مصطفى (محرر)، معاداة السامية بين الأيديولوجيا والقانون والسياسة، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والترجمة والتوزيع، 2007.
[21] د. نادية محمود مصطفى: الرسوم الدانماركية وتداعياتها- أزمة في مسار حوار الأديان والثقافات: قراءة في مغزى العلاقة بين الثقافي/ السياسي وشروط حوار عادل ومتكافئ، http://www.hewaronline.net/denmark/2lrosom2ldenemarkya.htm
[22] حلقة نقاش حول تحليل خطاب أوباما عقدها برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، في 25/6/2009. (تحت الطبع)
[23] حول أوجه نقد لهذه المبادرة وأوجه المساندة، انظر:
أمجد جبريل: مبادرة السعودية للحوار بين الأديان، مرجع سابق.
[24] انظر: د. نادية مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح، د. ريهام باهي (إعداد وتنسيق علمي): عصام عبد الشافي، محمد العربي (مراجعة وتحرير): الولايات المتحدة والعالم الإسلامي في عهد أوباما: من خطاب القاهرة إلى سياسات الإدارة، مرجع سابق.
[25] لمزيد من التفاصيل حول تجارب الإصلاح في العالم الإسلامي وخاصة نموذج حركة فتح الله كولن، انظر د. نادية محمود مصطفى، د. إبراهيم البيومي غانم، د. باكينام الشرقاوي، مقدمة: أهداف المؤتمر وفكرته الأساسية، (في)، أعمال مؤتمر: مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي: خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن”، القاهرة: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات (تحت الطبع).

[26] انظر: د. نادية محمود مصطفى (مقدمة التحرير) في، د. نادية محمود مصطفى ، د. محمد بشير صفار (محرران)، الخصوصية الثقافية: نحو تفعيل التغيير السياسى والاجتماعى”11-13/9/2006، جامعة القاهرة: برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد، 2008.

[27] انظر جدال المنظورات حول تعريف العولمة وآثارها في:
– James Roseneau: The dynamics of Globalization Toward an operational formulation, Security Dialogue, vol. 26 (3) 1996, pp 247-262
– Philip Cerny: Globalization and other stories: the search for a new paradigm for international relations, International Journal, Autumn 1996, pp 616-637
– Claire Tiran sjolander: The Rhetoric of globalization: what’s in a world? International Journal, Autumn 1996, Pp 603 -615
– Jan Aart Scholte: Global Capitalism and The state, International Affairs, vol. 73, (3) 1997, Pp 427-440.
– Paul Hirst, Global Economy myths and realities, International Affairs, vol. 73(3) 1997. Pp 409-425
– Philip Cerny: Globalization and the changing logic of collective action International Organization Vo. 49, No. 4, Autumn 1995, PP 595-900
– S. smith , J. baylis: The globalization of world politics (1997)
– The American Journal of Islamic Social Sciences: Globalization, vol. 15, No. 3 1998 all the issue
– هانس – بيتر مارتن، هارالد شومان: فخ العولمة (الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية)، ترجمة د. عدنان عباس علي، عالم المعرفة، 1998.
– العولمة: أمم فقيرة وقوم فقراء، تقرير التنمية البشرية لعام 1997 منشور لحساب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (في): الاجتهاد، العدد 38، شتاء 1998، ص 65-100.

[28] David Held: Democracy and Global order, from the modern state to cosmopolitan Governance, Polity Press, 1997. pp 1-29.
Antony Mcgrew: Democracy beyond Borders? (in) D. Held, A. Mcgrew (eds), The Global transformations Reader: an introduction to the Globalization debate, Polity Press, 2001, pp 405-420.
[29] انظر التفاصيل في:
Nadia Mostafa, Beyond Western Paradigms of International Relations: Towards an Islamic Perspective on Global Democracy, A paper presented to Building Global Democracy Workshop, Cairo 6-8 December 2009.
[30] نادية محمود مصطفى: إشكاليات الاقتراب من مفهوم حوار الحضارات في أدبيات عربية، (في): حولية أمتي في العالم (2001- 2002) العدد الخامس، الجزء الأول، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2003.
[31] انظر على سبيل المثال: نادية مصطفى، باكينام الشرقاوي (تنسيق وإشراف): إيران والعرب: المصالح القومية وتدخلات الخارج (رؤى مصرية وإيرانية)، تحرير ومراجعة: أسامة مجاهد، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، 2009.
– د. باكينام الشرقاوي، د. نادية مصطفى (تنسيق وإشراف): تركيا جسر بين حضارتين، تحرير ومراجعة: أسامة مجاهد، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، ومؤسسة أبانت للحوار بتركيا، (تحت الطبع).
– Nadia M. Mostafa, pakinam El. Sharkawy (eds.): The Middle East After 9- 11: Turkish and Egyptian perspectives, center for political Research and Studies, Cairo University, 2005.

[32] انظر على سبيل المثال:
– The Third Seminar, Dialogue among Civilizations, The Islamic world and Japan, Tehran, Iran, Ministry of Foreign Affairs, Islamic Republic of Iran, 2004.
– مؤتمر “التنمية ما بين التقليدي والحديث: خبرتا المجتمعين المصري والياباني” الذي نظمه مركز الدراسات الحضارية بالتعاون مع مركز الدراسات حول الأديان بطوكيو، في الفترة (12، 13 أكتوبر 2008).
[33] د. نادية محمود مصطفى: ماذا يقدم الإسلام للعالم الحديث، بحث مقدم لمؤتمر الإسلام والعلمانية والحداثة، الذي نظمه مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام مع مؤسسة أبانت التركية للحوار، القاهرة، 2007.

[34] راجع:
Mona Abul-Fadl, Where East Meets West: The West on the Agenda of the Islamic Revival, Islamization of Knowledge series (No. 10), The International Institute of Islamic Thought, Herndon, Virginia, U.S.A, 1992.
[35] من: د. نادية محمود مصطفى: العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي، مرجع سابق.
انظر على سبيل المثال:
– Nasser Ahmed Al – Braik: “Islam and World Order: Foundations and Values”, Ph. D, U.M.I., Dissertation Information Service, 1986.
– Mona Abul Fadl: “Islamization as a Force of Global Renewal: the relevance of Tawhidi episteme to modernity, the American Journal of Islamic Social Sciences, Vo 2, 1988.
– Farish A. Noor: What is the Victory of Islam? Towards a Different Understanding of the Ummah and Political Success in the Contemporary World, (in) Omid Safi (ed.), Progressive Muslims One world, Oxford 2003.
– د. نادية محمود مصطفى: ماذا يقدم الإسلام للعالم الحديث، مرجع سابق.
[36] د. سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، في: مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996 (الجزء الثاني).
[37] المرجع السابق.
[38] د. منى أبو الفضل: الأمة القطب: نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، 2005.
– وانظر قراءة لأهم أبعاد تأصيل هذا المفهوم في: د. نادية محمود مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح: مقدمة العدد الثاني من حولية أمتي في العالم (1999)، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2000.
– د. أمانى صالح: توظيف المفاهيم الحضارية في التحليل السياسي: الأمة كمستوى للتحليل في العلاقات الدولية، (في) د.نادية محمود مصطفى، د.منى أبو الفضل (محرران): مرجع سابق، الجزء الخامس.
[39] د. محمد عمارة: حقوق الإنسان في الإسلام ضرورات وواجبات، سلسلة عالم المعرفة (89)، الكويت، مايو 1985.
[40] انظر بناء المفهوم في: د. نادية محمود مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح وآخرون: منظومة مفاهيم نظم الحكم والعلاقات الدولية في الإسلام، (في) د. أحمد فؤاد باشا وآخرون (محررون): موسوعة الحضارة الإسلامية، في: سلسلة الموسوعات الإسلامية المتخصصة (4)، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وزارة الأوقاف، ج. م. ع، 2005، ص 397-496.
[41] وحول نماذج توظيف التاريخ في الدراسات الغربية عن تغير النظم الدولية وحول خصائص هذا التوظيف من حيث درجة المركزية الأوروبية ونمط العلاقة بين الأبعاد المادية وغير المادية، وحول أبعاد المقارنة بين منظور إسلامي والمنظورات الأخرى التي وظفت التاريخ في دراسة “التغير الدولي” انظر:
– د.نادية محمود مصطفى: أفكار حول إسهام التراث الخلدوني في الفكر الدولي والنظرية الدولية، (في) أعمال المؤتمر الدولي الذي نظمته مكتبة الإسكندرية (ديسمبر 2006): “عالمية ابن خلدون”.
[42] انظر بناء مجموعة هذه المفاهيم (في) د.نادية محمود مصطفى، د.سيف الدين عبد الفتاح: منظومة مفاهيم نظم الحكم والعلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[43] نادية مصطفى (إعداد وتقديم)، خصائص الثقافة العربية والإسلامية في ظل حوار الثقافات، مراجعة وتحرير: أسامة مجاهد، جامعة القاهرة: برنامج حوار الحضارات، دار السلام، 2006.
[44] نقلاً عن عنوان المؤتمر الذي نظمته مؤسسة الفكر العربي (بيروت) في مراكش – المغرب، 2005.
[45] انظر على سبيل المثال:
– د. عمرو حمزاوي، ترابطات الهوية والدين في أوروبا: بين حيادية الدولة والحقوق الثقافية والسياسية للأقليات، في: نادية مصطفى (إشراف)، الهوية الإسلامية في أوروبا، مرجع سابق.
– Frank R. Pfetsch, the European constitution, (in): Amr Hamzawy (ed.), European integration: lessons learned, center for European studies, Cairo University, 2006.
– Ludger Kuhnhardt, constitutionalizing Europe: from national identities, (in): Ibid.
[46] انظر على سبيل المثال:
Lisa Kaul-Seidman, Jorgen S. Nielsen, Markus Vinzent, European identity and cultural pluralism: Judaism, Christianity, and Islam in European curricula, Herbert-Quandt-Stiftung, 2003.
[47] انظر على سبيل المثال:
Tomaz Mastank, Islam and the creation of European identity, University of Westminster, center for the study of democracy, research papers, no. 4, 1994.
[48] حول تقييم لثقافة السلام انظر على سبيل المثال:
نادية مصطفى: إشكالية القراءة في مفهوم ثقافة السلام وخرائط إعادة بنائه من منظور حضاري، إسلام أون لاين.
– سمية متولي، هشام سليمان، اقترابات حل النزاعات وإحلال السلام، ورقة مقدمة لورشة عمل بعنوان “الخريطة المعرفية لدراسات السلام” التي عقدت بمكتبة الإسكندرية في الفترة (14، 15 ديسمبر 2008).
– Hisham Soliman, THE POTENTIAL FOR PEACEBUILDING IN ISLAM: Toward an Islamic Concept of Peace, Journal of religion, conflict and peace, spring 2009, available on: http://www.plowsharesproject.org/journal/php/article.php?issu_list_id=12&article_list_id=39
– سمية متولي، ثقافة السلام، ورقة مقدمة إلى سمينار المعيدين بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 21 نوفمبر 2008.

للتحميل اضغط هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق