العالم الإسلاميالمنطقة العربية

فلسطين 2008: الصمود والخذلان أمام الحصار والعدوان

مقدمة:

مثلما يحدث في مطلع كل عام، تساءل المراقبون عما عسى أن يحمله عام 2008 من جديد للشعب الفلسطيني المبتلى؟ هل من جديد حقًّا أم تُراه يكون امتدادًا واستمرارًا طبيعيًّا للعام السابق (2007)، الذي وصفته بعض المصادر الفلسطينية بأنه “الأسوأ لفلسطين خاصة في أعقاب الانشطار الجيوسياسي ما بين غزة والضفة”[1]؟
والواقع أن عام 2008 لم يحمل إلى الفلسطينيين إلا مزيدًا من المعاناة، وإمعانًا في محاولات التركيع والدفع باتجاه الاستسلام للرؤية الإسرائيلية. لقد تمكنت استراتيجية الحرب على ما يسمونه “الإرهاب” والتلبيس بها على “المقاومة” من تقسيم فلسطين إلى ثلاث دوائر كلها تحت الحصار: الضفة المحتواة في ظلال مهادِنة، حيث لم تعد تُبدي مانعية أو حصانةً ما، وغزة التي وقعت تحت المحاصرة الفعلية والكاملة من كل الجهات منذ منتصف يونيو 2007، وفلسطينيو 48 الذين أضحوا بين خيار النقل (الترانسفير) الجغرافي أو الانصياع لعملية السلخ السياسي والحضاري.
وتكتمل منظومة الحصار للقضية وخنقها بالتخلي والخذلان العربي والإسلامي التدريجي عنها. فبعدما بدت الأنظمة العربية ماضية في طريقها لاستكمال عملية الانسحاب من “الورطة” الفلسطينية، وإعادة ترتيب أوضاعها باتجاه مفهوم “الأخوة المحايدة”، الملتزمة ببقايا علاقات شكلية ومتهالكة مع الفلسطينيين وباتجاه علاقات عملية ومتنامية مع إسرائيل، وبعدما صار البُعد الإسلامي محمَّلاً بالكثير من الاتهامات والأثقال السيكولوجية ضمن استراتيجية “الترهيب والتنفير من الإسلامية”، … بعد كل ذلك، يأتي رأس البلاء الفلسطيني في تعدي السلطة الوطنية الفلسطينية على إرادة الشعب واختياره: بـالانقلاب على حكومة حماس المنتخبة.
وفي هذا المقام، لا شك أن الراصد يواجه معاناة كبيرة في تسمية الأمور بأسمائها، في ظل تضليل إعلامي وسياسي غامر؛ بحيث تبدو “التسمية” و”الوصف” –فضلاً عن التوصيف والتصنيف- أشبه بالدخول في معركة مع السياق والرؤية السائدة، وممارسة للسباحة ضد تيار جارف. فهل حكومة الضفة تمثل “السلطة الشرعية” حقًّا، وهذا هو اسمها الحقيقي؟ وهل حكومة غزة هي –حقًّا- “حكومة مقالة”؛ أي تمت إقالتها إقالة شرعية؟ وهل ما قامت به حماس 14 يونيو 2007 هو “انقلاب دستوري”، وما قام به أبو مازن من دعوى الإقالة وتشكيل حكومة فياض هو “حق دستوري”؟ فإذا كانت إجابة الدستور والقانون بالنفي، والمصادر التي نتعامل معها برمتها تقرر الإيجاب، فبم يتكلم الباحث؟ وهل يساعد المنهج الوضعي الذي تعلمنا به في تبني موقف معين من المسألة؛ خروجًا من تهمة الأدلجة والتحيز الفكري الشائعة والجاهزة؟ أم أن “اللغة المائية” التي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة تمثل خيانة مشينة؟
استمرار ثنائيات الحصار-الصمود، والعدوان-المقاومة (غارات إسرائيلية شبه متواصلة على غزة، وتوغلات في الضفة الغربية، واعتقالات للنشطاء الفلسطينيين، إضافة إلى استمرار الاستيطان واعتداءات المتطرفين اليهود) .. وقيام الهدنة-انقضاؤها، .. ومواصلة الحوار الهزيل بين سلطة فتح وحماس- وانقطاعه، والغلق الخانق للحدود والمعابر مع مصر -والتي أنذرت بتصعيدات خطيرة خلال العام- وتفريجها قليلاً، … كانت هذه هي العناوين الرئيسة البارزة لفلسطين 2008، ودونها عناوين أخرى كتبت بخط “مائي” وينبغي تجليتها للعيان، ومن أهمها: الوضعية التي تطور إليها الموقف العربي والإسلامي من “القضية الفلسطينية” على المستويين السياسي والثقافي، ودلالات هذا الموقف على مستقبل القضية. وفيما يلي محاولة لرصد جديد العام 2008 على الساحة الفلسطينية، عبر محاورها المختلفة وغزة والضفة الغربية والقدس وعرب فلسطين، وموقف الدائرة العربية والإسلامية من تطورات الأوضاع الفلسطينية عبر العام.
وكما سبق، توزعت الخارطة الفلسطينية بين أربعة مناطق لها مشكلاتها التي يمكن تصنيفها بين غزة وأخواتها، بحيث تؤلف في جملتها صورة الحالة الفلسطينية بين: عدوان وحصار وصمود في غزة، وأسر واعتصار لعرب يعيشون في الضفة والقدس أو داخل الطوق الإسرائيلي ويُطالَبون بالانفصال عن وطنهم العربي لصالح التبعية لـ”دولة يهودية” صريحة أو يرسلوا إلى معازل التمييز العنصري. هذا بالإضافة إلى مجموعة من القضايا الرئيسة مثل الشقاق وتعثر الحوار بين القوتين الفلسطينيتين البارزتين: فتح وحماس، ومآلات عملية التفاوض الفلسطيني- الإسرائيلي.

1- غزة بين العدوان والحصار والصمود:

تقع غزة بين إسرائيل (شمالاً وشرقًا) ومصر (جنوبًا وجنوب غرب) والبحر المتوسط غربًا. ومنذ سيطرة حماس عليه في منتصف 2007 وفي معظم العام 2008 أغلقت إسرائيل بشكل محكم معابر غزة من جهتها متذرعة بأقاويل مختلفة، كما منعت إمداد غزة بالوقود والأدوية والغذاء وقطعت الكهرباء عن القطاع فترات طويلة؛ مما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع بشكل كارثي.
لكن المشكلة التي فرضت نفسها على ملف الحصار تمثلت في “الموقف المصري” منه؛ إذ لا معنى لمقولة “حصار غزة” مهما فعلت إسرائيل ما لم تشارك مصر في هذه العملية بإغلاق معبر رفح. ذلك أنه ليس لغزة مخرج إلى العالم الخارجي سوى معابر سبعة تسيطر إسرائيل على خمسة منها سيطرة تامة ومنفردة، وتشترك إسرائيل ومصر في الإشراف على معبر كرم أبو سالم، بينما يفترض أن يقع “معبر رفح” تحت سيطرة فلسطينية بالتنسيق مع مصر وبمراقبة الاتحاد الأوروبي، لكن الحكومة المصرية تتعامل معه وكأنه تحت سيطرة دولة الاحتلال[2]. وهو الأمر الذي سيبرز أكثر من غيره عبر العام.

زيارة بوش ومجزرة الزيتون
ولقد كان مطلع العام 2008 مفعمًا بالأحداث المتزامنة والدالة بصدد “حصار غزة”. فقد شغلت الساحة في الأسبوع الأول بانتظار زيارة الرئيس الأمريكي بوش الابن بين متفائل ومتشائم، إلى أن حلّ الزائر بالقدس 9 يناير وأكد على حقائق العلاقة الوثيقة بين أمريكا وإسرائيل، وتحمُّل الأولى مسئولية أمن الثانية باعتبارها “دولة يهودية”، وهاجم الإرهاب النابع من غزة، والتقى محمود عباس في رام الله مباركًا حكومته (الشرعية)، ومقترحًا تقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين بدلاً من الكلام عن “حق العودة” (لأكثر من أربعة ملايين لاجئ فلسطيني وأسرهم)[3]، ومشددًا على ضرورة بذل الرئيس الفلسطيني جهدًا أكبر لمكافحة الإرهاب (في غزة) حتى يتسنى الحديث عن وقف الاستيطان.
وقال بوش: “ما دام الإرهاب موجودًا في غزة فسيكون من الصعب جدًّا الوصول إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين”… “لن يكون هناك سلام إذا لم يتوقف الإرهاب، والإرهاب يجب أن يتوقف في كل مكان، وقد أوضحت للفلسطينيين هذا، وهم يعلمون بهذا، ويدركون أن غزة لا بد أن تكون جزءًا من أي اتفاق”. أما حول مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي بشر بها مؤتمر أنابوليس والتي تم الإعلان عن بدئها عشية هذه الزيارة، أشار بوش إلى وجود “تسويات صعبة، ومفاوضات شاقة، ولا بد أن يفهم الجميع أن الولايات المتحدة لا يمكنها فرض تسوية على الأطراف، لكنها يمكن أن تساعد، وستساعد”[4].
وفي مؤتمر صحفي مشترك مع عباس في رام الله، قال بوش: “رسالتي إلى الجانب الإسرائيلي أن عليه مساعدة الجانب الفلسطيني على توفير الأمـن. عبرتُ في إسرائيل عن القلق من توسيع المستوطنات وفق ما تقتضيه خريطة الطريق”، غير أنه أضاف أن نقاط التفتيش والحواجز الإسرائيلية بالضفة تعطي إحساسًا بالأمن للطرف الإسرائيلي، وأنه تحدث مع الرئيس عباس عن ضرورة محاربة ما وصفهم بـ”المتطرفين”، مشيرًا إلى أن الرئيس الفلسطيني يتفهم الوضع. ولم يفوت الرئيس الأمريكي فرصة لمهاجمة حركة حماس؛ إذ قال: “ما جلبته حماس هو البؤس، وحكومة (سلام) فياض هي المفعمة بالأمل”.
وأردف يقول: إن غزة تمثل وضعًا صعبًا، ولا أعرف كيف يكون الحل، وعلى الرئيس عباس أن يعالج الأمر”. أما الرئيس عباس، فحيّا بوش بوصفه “أول رئيس أمريكي يلتزم بشكل كامل بتأييد دولة فلسطينية”. وجدد تأكيد التزام الجانب الفلسطيني بتعهداته، وطالب بالتزام مماثل من الجانب الإسرائيلي. وقال: إن الحديث عن العقبة الأولى، وهي الاستيطان، مع الرئيس بوش كان إيجابيًّا، “ونحن راضون بالنتائج التي وصلنا إليها من خلال زيارة بوش وكل المواضيع واضحة، وسنذهب إلى المفاوضات الثنائية قريبًا”.. وجدد الرئيس عباس وصفه سيطرة حماس عسكريًّا على غزة بأنه “انقلاب”، مضيفا “لم أنسَ غـزة. نصرف 58% من ميزانية السلطة على القطاع”[5].
وهكذا، إشادات متبادلة بين الثلاثي الإسرائيلي والأمريكي والسلطة، ووعود وآمال، لم تلبث إلا يسيرًا أن اغتالتها الآلة العسكرية الإسرائيلية بغارات عنيفة وكثيفة على غزة أسقطت نحو أربعين شهيدًا وعشرات الجرحى. ففيما لم تتوقف مطلقًا الغارات والقصفات والاجتياحات الإسرائيلية اليومية على القطاع، وعقب أقل من خمسة أيام فقط من زيارة بوش، قامت أكثر من (20) آلية عسكرية ودبابة إسرائيلية -وبتغطية من مروحيات هجومية وطائرات الاستطلاع- بقصف مدفعي لمنطقة “دوار ملكة” بحي الزيتون شرق مدينة غزة في 15 يناير، في “مجزرة” أسفرت في اليوم الأول عن استشهاد (18) فلسطينيًّا، وإصابة ما يزيد على (40) آخرين بجراح. غالبية شهداء المجزرة ينتمون لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس، وبينهم حسام أحد أنجال الدكتور محمود الزهار.
ولأيام ظلت إسرائيل تصعّد قصفاتها بينما ترد حماس والفصائل بعشرات من صواريخها محلية الصنع. وتعهد رئيس حكومة إسرائيل “إيهود أولمرت” بمواصلة ما أسماه “الحرب” في غزة؛ لمنع المقاومة الفلسطينية من إطلاق الصواريخ من القطاع على المستوطنات القريبة. وقال أولمرت في كلمة ألقاها: “تدور حرب في الجنوب.. كل يوم وكل ليلة، لا يمكننا أن نتسامح ولن نتسامح مع إطلاق النار الذي لا يتوقف على المواطنين الإسرائيليين؛ لذلك سنستمر في العمل.. بحكمة وجرأة.. بأقصى قدر من الدقة التي ستمكننا من ضرب أولئك الذين يريدون مهاجمتنا”، “وأتوقع أن تؤدي الضغوط العسكرية الإسرائيلية إلى إجبار النشطاء على وقف إطلاق الصواريخ”[6].
ومع اشتداد الأزمة وزيادة انكشاف العجز العربي والإسلامي إزاءها طالب أمين عام الجامعة العربية العرب برفع الصوت على الأقل لوقف الحصار: “أطالب كل العرب أن يرفعوا أصواتهم على الأقل لوقف الحصار على غزة وإمداد أهلها بكل ما يستطيعون من أموال ودواء وطعام، وخاصة أنها في حصار كامل وعدوان يومي، وهذا أمر يجب ألا يترك دون موقف عربي”[7]. واندلعت المظاهرات هنا وهناك بما فيها مسيرات في غزة نفسها، واحتج أغلب القادة العرب بما فيهم أبو مازن، إلى أن العدوان استمر بشكل أقل كثافة، في ظل استقرار العدوان والحرب الأخرى: الحصار، الذي مثل حربًا اقتصادية تمهيدية على غرار ما جرى مع العراق، كما لاحظ بعض المراقبين[8].

أزمة مصرية من جراء الحصار:

وكان من جراء استمرار الحصار الخانق، والعدوان الدموي، أن تعالت الأصوات من الداخل والخارج تطالب الحكومة المصرية بموقف إيجابي من الحدود ومعبر رفح خاصة. والحقيقة أنه برز اضطراب بين الخطاب الرسمي المصري وبين الأداء الفعلي على الأرض، بالإضافة إلى تنازع هذا الخطاب مع نفسه بين آونة وأخرى بخصوص المعابر. ففي نهايات العام 2007 كررت الحكومة المصرية أنها لن تتخلى عن مسئولياتها التاريخية والأدبية تجاه الشعب الفلسطيني وأعربت عن تألمها لمعاناة الفلسطينيين في غزة، لكن دون جديد فعلي. ففي العشرين من ديسمبر 2007 حمّل المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية (السفير حسام زكى) إسرائيل مسئولية كبرى إزاء انهيار الأوضاع في القطاع؛ “لأنها تتبع أساليب وحشية وغير إنسانية في الحصار وتغلق المعابر بشكل مخالف للقانون الدولي”، وقال: “إننا حذرنا إسرائيل أكثر من مرة من هذه الأساليب غير الحضارية، حتى إن دولاً في الاتحاد الأوروبي قالت لإسرائيل إن هذه الأساليب غير حضارية(!) .. إذا كان هناك صاروخ يضرب فليضرب مكانه وينتهي الأمر، ولا يجب أن يكون هناك عقاب جماعي للسكان المدنيين؛ لأن ذلك ضد اتفاقيات جنيف والقانون الدولي، ولكن الطرفين لابد أن يعرفوا مصالحهم، والجانب الفلسطيني لابد أن يعرف مصلحته”[9].
ودائمًا ما بدا النظام المصري حريصًا على نفي تعمده غلق المعبر أمام الحاجات الإنسانية لغزة، وقال نفس المتحدث: “إن مصر على مدار عشرة شهور سمحت بعبور عشرين ألف فلسطيني دخولاً وخروجا عبر معبر رفح”. وقال إن مصر أدخلت سلعًا وشحنات إلى القطاع بما يزيد عن (25) مليون جنيه مصري[10]. ولكن ما وقع في أواخر يناير 2008 كاد أن يحصر القضية فيما بين غزة: حكومتها وشعبها، وبين النظام المصري وحرس حدوده.
ففي 23 يناير 2008 تدفق الآلاف (قيل مئات الألوف وقيل عشرات) من الفلسطينيين على مصر بعد أن دمّر ناشطون فلسطينيون بالمتفجرات أجزاء من السياج الفاصل بينها وبين قطاع غزة لكسر الحصار الكامل للقطاع. وتدفق هؤلاء الآلاف على مدن رفح والعريش والشيخ زويد في شمال سيناء. ولأسبوعين تهافت الفلسطينيون على شراء مواد أساسية غذائية وتموينية كادت أن تنفد من غزة بسبب الحصار. وقدّر تجار ومسئولون مصريون الصفقات التجارية التي تمت بين تجار فلسطينيين من غزة وتجار مصريين خلال أيام فتح الحدود بين مصر والقطاع بحوالي 250 مليون دولار. وأبرم تجار من مختلف محافظات مصر حضروا بشاحناتهم المملوءة بالبضائع مئات الصفقات العاجلة مع تجار فلسطينيين من غزة.
ونتيجة لهذه الحادثة، توترت العلاقات بين مصر وحركة حماس بشكل ملحوظ، وبدا الخطاب الرسمي -في بدايته- وقوات الأمن المصرية في حالة استنفار قصوى وكأن إسرائيل قد أغارت على سيناء واحتلتها. فحذرت مصر الفلسطينيين من أي محاولة جديدة لاقتحام حدودها مع قطاع غزة، وقال وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إن بلاده لن تسمح باقتحام حدودها ثانية. وقال: “من سيكسر خط الحدود المصرية ستُكسر قدمه”[11]. وحذر أبو الغيط فلسطينيي غزة من اختبار صبر مصر، وطور الكلام فقال: إن مصر لم –ولن- تعترف بسيطرة حماس على غزة، وإن هناك سلطة واحدة شرعية للفلسطينيين هي السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وقال إن حماس لن يكون لها أي دور في معبر رفح، وما حدث من اقتحام الحدود في يناير لن يتكرر مهما كانت العواقب. وقال إن مصر لن تعيد فتح معبر رفح إلا “بطريقة قانونية” وبعد موافقة إسرائيل والاتحاد الأوروبي وحركة فتح.
كما أكد مجلس الشعب (المصري) أن “أمن مصر وحدودها فوق أي اعتبار”، وندد باقتحام الفلسطينيين لحدود مصر, في حين لم يكد يمر شهر في مصر دون تنظيم مظاهرات للمطالبة بفك الحصار عن غزة وفتح معبر رفح. حتى إنه من طرائف الموقف المصري في هذه الآونة من أواخر يناير 2008 ما قام به لاعب المنتخب الوطني المصري لكرة القدم محمد أبو تريكة بعد إحرازه هدفًا في مباراة مصر والسودان (26/1/2008)؛ حيث رفع قميصه الأحمر كاشفًا عن قميص أبيض تحته، مكتوب عليه بالعربية والإنجليزية: “تعاطفًا مع غزة”؛ غير مبالٍ بأية عقوبات قد تمسه؛ الأمر الذي لاقى تقديرًا من الرأي لعام المصري والفلسطيني والعربي، حتى عرف الإنذار لذي عوقب به بـ”أشرف إنذار”[12].
وفي محاولة لامتصاص الصدمة، أبدت تصريحات القادة المصريين تعاطفًا مع فلسطينيي غزة؛ حيث حرص مبارك على إبداء تفهمه لما يكابده أهالي قطاع غزة، وقال إن عددًا كبيرًا من الفلسطينيين كسروا الحصار في يناير؛ “لأنهم يعانون من الجوع بسبب الحصار الإسرائيلي”. وأضاف: “قلت لهم (لقوات الأمن): اتركوهم يدخلوا ليأكلوا وليشتروا الأغذية، ثم يعودوا (إلى غزة) طالما أنهم لا يحملون أسلحة”. ولكن مع مرور الوقت عادت حدة الانتقادات المصرية لحركة حماس المسيطرة على غزة حتى وصلت إلى التهديد برد قوي ورادع في حال إعادة اجتياح الحدود على نحو ما جرى في أواخر يناير. واتهمت مصر حماس بمحاولة الضغط عليها وتصدير مشكلاتها الداخلية للقاهرة.
وجرت في هذه الأثناء اشتباكات بين الفلسطينيين المقتحمين للحدود والشرطة المصرية خلال تظاهرة شارك فيها نحو ألفي فلسطيني احتجاجًا على إعادة إغلاق الحدود، أدت إلى قتلى وجرحى. وقالت مصادر مصرية إن الصدامات اندلعت بعد أن قامت “مجموعات مسلحة من الفلسطينيين بمحاولات لاختراق الحدود الدولية عند معبر رفح من خلال ثغرات جديدة للدخول إلى الأراضي المصرية”. وأضافت أن الفلسطينيين “قاموا بإطلاق النار ورشق القوات المصرية بالحجارة إلا أن القوات المصرية تصدت لهم ومنعتهم من اختراق الحدود أو الدخول إلى الأراضي المصرية”.
وتباينت الرؤى للموقف المصري ظاهر الانشداد بين طرفي النقيض. فبينما أبدت إسرائيل وبعض حلفائها ملاحظات مستفزة على ما وصفته بتقاعس مصري في مراقبة الحدود وضبطها بما يسمح بتسريب الأسلحة إلى غزة، اتهمت كثير من الأصوات الفلسطينية والعربية والإسلامية -بل أصوات في إسرائيل نفسها- الحكومة المصرية بالمشاركة العمدية في جريمة الحصار؛ إما انصياعًا لإملاءات أمريكية، أو معاداة للإسلاميين بعامة ومنهم حماس؛ الأمر الذي تبدى في عبارات بعض رجال النظام المصرية حول رفض مصر قيام “إمارة إسلامية” على حدودها.
لكن على أية حال، فإن الأحداث كانت كاشفة لأي مدى وصل العلاقة المصرية الرسمية بالملف الفلسطيني من جهة وبقضية المقاومة من جهة أخرى. فقد استغرق الخطاب المتبادل بين مصر وفلسطين شهري فبراير ومارس، وقدم فيه وزير الخارجية المصري رؤية أثارت الكثير من الجدل.
ففي العاشر من فبراير طوّر أحمد أبو الغيط الخطاب من حديث المعابر إلى حديث المقاومة، وانتقد حركة حماس لاشتباكها مع إسرائيل؛ وقال إن أداء حماس في هذا الصدد “يبدو كاريكاتوريًّا ومضحكًا”، وإن الصواريخ التي تطلقها حماس “تفقد في الرمال داخل إسرائيل”، لكنها تعطي الفرصة لإسرائيل لقتل الفلسطينيين، وإن حماس تصر على معاقبة الفلسطينيين في غزة من خلال إطلاق صواريخها التي وصفها بـ”العبثية”. وعلى الرغم من وجود خطاب من بعض قيادات المقاومة يحمّل مصر التبعات ويكيل إليها التهم، فإن الخط الرسمي لحماس التزم ضبط النفس التام مع النظام المصري؛ فأعربت حماس عن أسفها عقب تصريحات أبو الغيط، وقالت إن لفلسطين ومصر عدوًّا واحدًا مشتركًا هو الاحتلال الإسرائيلي ، وإن أمن فلسطين من أمن مصر، وأمن مصر من أمن فلسطين. ونفت حكومة حماس ما يشاع عن أفكار فلسطينية بشأن التوطين في سيناء.
كما شهدت الأشهر الأولى من عام 2008 حملة إعلامية شرسة ضد حركة حماس شنّها كتاب وصحفيون مصريون. وذهبت صحف قومية إلى الربط بين ما يجري على الحدود وجماعة الإخوان في الداخل، وقالت إن أجهزة الأمن رصدت مخططًا للإخوان وحماس لزعزعة الاستقرار الداخلي وإثارة القلاقل. ولكن من جهة أخرى، أثارت تصريحات أبو الغيط ضد الفلسطينيين ردود فعل غاضبة في مصر؛ حيث أعرب رموز من القوى الوطنية عن استيائهم البالغ منه وجرت مطالبات بإقالته بسبب إساءته للشعب الفلسطيني. فأكد المفكر الكبير د.عبد الوهاب المسيري منسق حركة كفاية -والذي رحل في يوليو 2008- أن التاريخ سوف يحفظ ما قاله أبو الغيط في سجلات سوداء عن الحقبة التي تعيشها مصر، والتي حولت النظام من مدافع عن حق الفلسطينيين في البقاء على ظهر الحياة إلى الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود حتى ولو كان المقابل تجويع الشعب الفلسطيني. وأضاف بأن ما ردده أبو الغيط من تصريحات يهدد خلالها بسحق أي فلسطيني يحاول دخول مصر يكشف بجلاء كيف هوى نفوذ الخارجية المصرية للحضيض[13].
وعلى هامش تفاعل الداخل المصري مع الأوضاع بشكل مختلف، اعتقلت السلطات المصرية (12) مهندسًا مدنيًّا وضابطين بتهمة الارتباط بتنظيم القاعدة، والإعداد لهجمات ضد إسرائيل على حد قول أحد محاميهم لوكالة الأنباء الفرنسية. وذكر المحامي (منتصر الزيات) أنهم اعتقلوا في نوفمبر خلال عملية دهم في محافظتي القاهرة والإسكندرية. وقال مصدر قريب من التحقيق: إن المجموعة متهمة بالتخطيط لمهاجمة أهداف في إسرائيل بواسطة صواريخ وطائرة شراعية انطلاقًا من سيناء المتاخمة للأراضي الإسرائيلية وقطاع غزة[14].

أنفاق.. وسفن.. ومسيرات.. وحجاج محرومون:

لقد استمرت هذه المراوحات عبر العام وتعددت التنويعات والمستجدات في الحوادث والخطابات على هامش الحقيقة المستقرة والمستفحلة حول عنق غزة: الحصار. فشهدت الساحة محاولات عدة لنقب السد الحصاري سواء من بحر غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل، أو من أسوار الحدود مع مصر عبر “الأنفاق” التي مثلت “شرايين الحياة لغزة”، والتي حظيت باهتمام عالمي بالغ وكانت مثار تدخلات أمريكية وأوروبية وإسرائيلية في السياسة المصرية عبر العام وحتى آخر أيام الإدارة البوشية التي أنهت مسيرتها بعقد مذكرة تفاهم استراتيجية مع إسرائيل تقضي بتحمل الولايات المتحدة مسئولية تامة عن تأمين المجال الحيوي لإسرائيل ومنه الحدود مع مصر بكافة السبل[15].
فبالإضافة إلى أن إسرائيل تلوح بهذه “الورقة” من آن إلى آخر لتوتير العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، توالت تصريحات الرئيس الأمريكي وتهديدات وزيرة خارجيته رايس، ولوح الأوروبيون لمصر بملف انتهاكات حقوق الإنسان وأدانها البرلمان الأوروبي إدانة واضحة تسببت في بوادر أزمة، كما اشتدت لهجة الكونجرس الأمريكي على مصر والتهديد بمنع المعونة إن لم تقف مصر موقفًا حاسمًا من قضية “الأنفاق”؛ كما ترددت أنباء عن احتمال أن يكون هناك وجود أمريكي دائم على الحدود، وذلك عقب قيام وفد من (17) نائبًا بالكونجرس بزيارة لمنطقة الحدود بين مصر وقطاع غزة والحدود الإسرائيلية في مطلع العام، وكتابة تقارير للجهات الرسمية الأمريكية تتضمن نصائح للتغلب على مزاعم وجود أنفاق يهرب فيها السلاح لحركة حماس من مصر عبر سيناء. وقد نفى أبو الغيط هذا التواجد[16].
لكن الموقف المصري تجلى أكثر في مطالبة مصر أن يسمح لها بزيادة أعداد قوات الأمن على الحدود (حيث لا يمكنها عمليًّا السيطرة على منطقة مساحتها 12.5 كلم مربع بـ(750) جنديًّا فقط؛ إذ يحدد اتفاق السلام المصري-الإسرائيلي عدد القوات في هذه المنطقة وتسليحها)، ثم اندفاع مصر الشديد منذ أبريل 2008 وطوال العام في عمليات نسف وردم لعشرات الأنفاق ومصادرة كميات كبيرة من الوقود والأغذية التي كانت تمرر عبرها. وقالت مصادر مصرية إن أمريكا زودت السلطات المصرية بوسائل الكترونية متطورة (-قيل إنها روبوتات وأجهزة استشعار– للبحث عن الأنفاق والتدريب على هذه الأجهزة، بحسب ما ذكرته قدس برس) لمساعدتها في اكتشاف هذه الأنفاق، كما يجري تنسيق بين لجنة أمنية مصرية-إسرائيلية أنشئت وفقا لاتفاق السلام لمعالجة الأمر.
من جانبها، أكدت حركة حماس مرارًا عدم تهريبها أسلحة عبر الأنفاق بين مصر وغزة، مؤكدة أنها تصنع سلاحها الخفيف في القطاع وتِهرّب “الثقيل منه، إن وجد، عبر البحر. وقالت إن الأنفاق “تستخدم فقط في تهريب البضائع والأدوية الشحيحة”. وتعهدت بإنهاء هذه الظاهرة في حال فتح مصر معبر رفح. وفي المقابل أكدت مصادر مصرية أن تهريب السلاح “يتم عبر البحر، وأن إسرائيل تعلم ذلك جيدًا”.
وعلى الجهة الأخرى، وفي ظل الهجوم الدولي على أنفاق غزة، وتعثر الشحنات الإغاثية من مصر وغيرها أمام معبر رفح، برزت ظاهرة “سفن كسر حصار غزة”. فعبر العام وخاصة في أواخره، بدأت مطالبات بإيصال مساعدات لغزة عن طريق البحر، أطلقها ناشطون غربيون وعرب ومسلمون يعيشون في الغرب، وكان من بينهم ناشطون إسرائيليون، ثم تبعتها مطالبات ومحاولات عربية. فقد تمكنت حركة «غزة حرة» بالاشتراك مع «الحملة الأوروبية لكسر الحصار» من تنظيم أربع رحلات إلى قطاع غزة، لإيصال المساعدات الإنسانية إلى أكثر من مليون ونصف المليون شخص. ووصلت أول سفينتين وهما «الأمل» و«الكرامة»، إلى سواحل غزة يوم 23 أغسطس. وكانت السفينة “الكرامة” التي أبحرت من مرفأ لارنكا في قبرص قد أقلت قطريين ولبنانيين وناشطة إسرائيلية وصحافيًّا إسرائيليا ومتضامنين أوروبيين بالإضافة إلى أدوية ومستلزمات طبية وحليب أطفال.
وحاولت سفينة ليبية (المروة) أن تكسر الحصار لكن البحرية الإسرائيلية أجبرتها على العودة، بينما تمكنت سفينة قطرية من الوصول إلى غزة يوم 20 ديسمبر، كما أعلنت عدة جهات عربية نيتها إرسال سفن تضامن إلى غزة.
ومن جهة أخرى، أطلق العمل الجماهيري التابع لحركة حماس ما عرف بـ”مسيرة المعابر” لمطالبة الحكومة المصرية بتخفيف معاناة القطاع، وللفت نظر العالم بشكل سلمي إلى معاناة نحو مليون ونصف فلسطيني في القطاع من تبعات الحصار الذي يقيد حركة السكان، وحركة نقل البضائع من وإلى القطاع.
اتجهت هذه المسيرة مرات عديدة ومتتالية نحو معبر رفح بمشاركة آلاف الغزاويين، الذين يحملون رايات حماس الخضراء، والأعلام الفلسطينية، وهم يرددون الهتافات الغاضبة التي تطالب الحكومة المصرية بفتح المعبر الذي يمثل “الرئة الأساسية لقطاع غزة”. وفي كل مرة كانت مصر تكتفي بتعزيز تواجدها الأمني بأعداد مزيدة من قوات الأمن المركزي؛ تحسبًا لأية صدامات أو أعمال عنف تستهدف اختراق المعبر، مع التأكيد على أن مصر تفتح المعبر من حين إلى آخر لاستقبال المرضى والجرحى؛ لتلقي العلاج في مستشفياتها. هذا، بينما يؤكد قادة حماس أنها “مسيرة وصرخة سلمية”، مع تحذيرات موازية بأنه “في حال استمرّ الحصار فسيكون الانفجار الشعبي الذي لن تحمد عواقبه؛ لذلك فإنه من اللازم على القيادة المصرية أن تتخذ قرارًا جريئًا لكسر الحصار”، أوكم قال أشرف أبو دية مسئول العمل الجماهيري في حماس: “إنّ كافة الخيارات مفتوحة أمام جماهير شعبنا الفلسطيني من أجل فك الحصار عن القطاع”().
ومما ترتب أيضًا على الحصار وأثار مشكلة خاصة لعامة أهل فلسطين، ما عرف بـ”أزمة الحجاج الفلسطينيين”، والتي تجلت فيها بلاغة العجز العربي من جهة وعمق الشقاق الفلسطيني من جهة أخرى.
فقبل نهاية العام منعت الخلافات بين مصر السعودية وحكومة رام الله من جهة والحكومة المقالة في غزة من جهة حجاج القطاع من أداء المناسك. فقد منحت السعودية تأشيرات الحج المخصصة لحجاج الضفة وغزة إلى حكومة رام الله (بعكس ما فعلته عام 2007 حينما منحت حكومة غزة تأشيرات القطاع). ومن جانبها منعت مصر مرور أي حاج غير حاصل على تأشيرة من حكومة رام الله ولم تعترف بالإجراءات التي أجرتها حكومة حماس في غزة. ومن جانبها رفضت حكومة حماس السماح للحجاج بمغادرة القطاع وقالت إنها هي الحكومة الشرعية المنتخبة التي من حقها وحدها السماح بسفر الحجاج. وكانت بالطبع مناسبة لتبادل الاتهامات بين الجميع: فحملت حماس مصر والسعودية وحكومة رام الله المسئولية عن أزمة الحجاج، واتهم مسئول أمني بحماس حركة فتح بالتلاعب في تأشيرات الحج و منحها للحجاج التابعين لها و حرمان الحجاج التابعين لحركة حماس من أجاء فريضة دينهم. أما سلطة رام الله فاتهمت حكومة حماس بمنع الحجاج من الذهاب إلى مكة المكرمة، وقالت إن حماس تقوم بهدم ركن من أركان الدين الإسلامي[17].

تهدئة عسكرية ولا جديد:

وإذا كان ملف الحصار قد أظهر الدولة المصرية في أسوأ صورها، فإن ثمة ملفين أساسين سجلت فيها الحكومة المصرية نجاحًا ملحوظًا: ملف المصالحة الفلسطينية الذي يأتي الحديث عنه تاليًا، وإقامة “تهدئة” أشبه بالهدنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المقاوِمة وعلى رأسها حكومة حماس. فقد تمكنت الدبلوماسية المصرية -وعقب أكثر من شهرين من المحادثات والوساطة المُضنية- من تحقيق الاتفاق على “التهدئة”. وعبر أبريل-يونيو راوغت الحكومة الإسرائيلية كثيرًا في الاستجابة للمبادرة المصرية بالسلب أو الإيجاب، وحرصت على بقاء موقفها أشبه بالرفض والتهديد المستمر بهجوم وشيك على غزة، مع توزيع الأدوار في التعبير عن هذه اللعبة بين أقطاب الحكومة الإسرائيلية الثلاثة (أولمرت، ووزير دفاعه إيهود باراك، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني)؛ في محاولة واضحة لاستنزاف رؤية المقاومة وإحراج فصائلها، حيث أبدت هي الأخرى درجة عالية من الإباء في مناقشة حيثيات هذه التهدئة.
استمرت الوساطة المصرية ومحادثاتها مع الطرفين وسط تهجمات إسرائيلية مستفزة على القطاع من يوم لآخر، وسقوط شهداء كل يوم تقريبًا وأعداد من الجرحى والمصابين، وأعداد من المنازل أو المكاتب التابعة لحكومة القطاع، مهدومة على الرءوس (كان من أشدها مذبحة جباليا واعتداءات وغارات وتوغلات مارس 2008). الأمر الذي استمرت الأجنحة العسكرية لحماس والفصائل تواجهه بقصفات صواريخ وهاون على المستوطنات المجاورة، وأحيانًا على بعض المعابر (مثل معبر الشجاعية)؛ مع تبادل للاتهامات والتهديدات بين الطرفين، وتصريحات عن صعوبة الاستجابة للمبادرة المصرية في ظل هذا الهجوم، وأن كل طرف لن يسمح بفرض منطق الآخر عليه، ولن يقبل بالظهور بمظهر الخاضع أمام هجمات الآخر[18].
وصلت التهديدات الإسرائيلية من الحكومة وبمشاركة إعلامية واسعة حدودًا لا تقل بحال عن إرهاصات عدوان نهاية العام، وفي حرب نفسية واضحة المعالم واجهتها حماس بصمود مكافئ. ففي تهديدات أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت من على متن الطائرة التي عادت به من زيارة للولايات المتحدة [في ] قال: “إن إسرائيل أقرب كثيرًا من القيام بعمل عسكري في غزة من أي شيء آخر”، في إشارة للتهدئة. وتوافق تصريح أولمرت مع تصريح لوزير دفاعه إيهود باراك، قال فيه: إن العمليات العسكرية الكبرى التي يعتزم جيش الاحتلال شنها على القطاع “أصبحت قريبة جدًّا، وأقرب مما يتخيله الكثيرون”.
وأبدى الإعلام الإسرائيلي وغيره أولمرت في صورة المضغوط في الداخل لشن عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة؛ وبدعوى العمل على وقف إطلاق الصواريخ من غزة على البلدات الإسرائيلية المجاورة. وفي هذه الأثناء أبدت وسائل إعلام إسرائيلية أن لدى كل من أولمرت وباراك اتجاهًا لرفض مبادرة التهدئة المصرية، وتنفيذ عملية عسكرية كبيرة ضد غزة قبيل اجتماعهم للرد النهائي على المبادرة. وتمادت وسائل الإعلام هذه في تعديد الأسباب الخاصة بكل منهما في رفض التهدئة.. فأولمرت يريد القيام بعملية عسكرية كبيرة ضد غزة للتغطية على فضائحه المالية، وباراك يؤيد العملية لإرضاء المتمردين عليه داخل حزب العمل، فيما عرف بـ”ضغط الكيبوتسات”.حيث إنه خلال شهر مايو انهالت قذائف حماس المطورة على قرى تعاونية تتبع اتحاد (الكيبوتسات)، وهو أكبر معسكر في حزب العمل الذي يرأسه باراك، الأمر الذي دفع قادة الاتحاد للمطالبة بشن عملية عسكرية على غزة، حسب الإذاعة الإسرائيلية التي حرصت على التنويه إلى أسباب أخرى ترفع من احتمالات قيام إسرائيل بعملية عسكرية ضد غزة تتمثل في حلول الصيف وتوفر الظروف الجوية المناسبة جدا للعمل العسكري، إلى جانب أن حلول العطلة المدرسية في إسرائيل يسمح بإجلاء الأسر من المستوطنات المجاورة حتى لا تقع خسائر بسبب رد المقاومة المحتمل. كما شددت الإذاعة على أن أولمرت حصل على دعم أمريكي بشأن شن العملية العسكرية خلال زيارته (ساعتها) للولايات المتحدة، وهو ما يوفر لهذه العملية الغطاء الدولي.
وأشارت القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي إلى أن مؤسسة الحكم في إسرائيل “باتت ترى أنه من شبه المستحيل عليها حاليًا بعد سلسلة الهجمات التي شنتها المقاومة مؤخرًا أن توافق على التهدئة”. وأضافت أن كبار الوزراء وكبار الجنرالات وقادة الاستخبارات يرون أن موافقة إسرائيل على التهدئة سيفسر على أنه “خضوع للضغط العسكري الذي مارسته حركة حماس، لاسيما أن حماس ربطت بين عملياتها وبين مواصلة الحصار”. ونقلت القناة الإسرائيلية عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها: إن “الموافقة الإسرائيلية على التهدئة في ظل هذه الظروف سيساهم في تراجع قوة الردع الإسرائيلية، ويدلل على أن الحكومة الإسرائيلية وافقت على التهدئة من موقع ضعف”.
لم يكتفِ إعلام الحرب النفسية بالحديث عن احتمالية القيام بعملية عسكرية على غزة، بل تجاوزه للخوض في تفاصيل هذه العملية وتكتيكاتها. فمن جهته قال أليكس فيشمان، المعلق العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارًا: إن إسرائيل ستكون بحاجة إلى معلومات استخبارية حول الأهداف التي يتوجب ضربها، الأمر الذي يوجب منح جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك)، وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) الإمكانيات لجمع المعلومات من خلال السيطرة على مساحات كبيرة من الأرض. كما أكدت مصادر إسرائيلية مطلعة أن إسرائيل بصدد شن عملية واسعة متدحرجة على قطاع غزة، تبدأ بغارات جوية وقصف مؤسسات مدنية تعود لحماس وحكومتها. وبالتوازي استمرت التهجمات الإسرائيلية الاستفزازية للضغط على الفصائل؛ بحيث إما تبدو هي المصعّدة والمسعرة لنار الحرب، أو تقبل بالتهدئة في ظل ظروف غير كريمة.
لكن الخط الذي اتخذته المقاومة بدا متوازنًا بين مقابلة الخطابات بخطابات مكافئة والممارسات بما تستأهله. فرحبت حماس وبعض الفصائل –دون الجهاد والجبهة الشعبية أحيانًا- بالمبادرة المصرية، لكن بشروط، الأمر الذي استمر ثابتًا مع تجديد في التفاصيل تارة باتجاه السعة وتارة باتجاه التشدد، بينما بدا الموقف الإسرائيلي يتراجع رويدًا. فبينما أمرت الحكومة الإسرائيلية جيشها بالاستعداد لتنفيذ عملية عسكرية في غزة، إذا فشلت الجهود المصرية في التوصل إلى التهدئة، وجه رئيس حكومة حماس إسماعيل هنية تحذيرًا الجيش الإسرائيلي من عواقب تنفيذ أي اجتياح للقطاع. وحدد هنية -خلال لقاء له بمئات النقابيين بغزة- شروطًا للتهدئة بقوله: “إذا كان هناك توجه نحو تهدئة فلابد أن يقابلها رفع الحصار، ولابد من تواريخ محددة لفتح المعابر (مع غزة) ونوعية البضائع التي ستدخل للقطاع”. في الوقت الذي لم تكف فيه الفصائل -وعلى رأسها حماس- في الرد على التهجمات الإسرائيلية بقصفات الصواريخ والهاون.
ومن أمثلة ذلك الرد على قصف مدفعي إسرائيلي على حي الشجاعية شرق مدينة غزة، استهدف عناصر في الوحدة الخاصة التابعة لكتائب القسام؛ مما أودى بحياة ثلاثة منهم، فضلاً عن الجرحى من المواطنين، وأعلنت كتائب القسام مسئوليتها عن قصف معبر الشجاعية (نحال عزو) الإسرائيلي بـ(18) قذيفة هاون؛ ردًّا على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بحق أهالي غزة المحاصرة. وفي مقابل هجوم إسرائيلي آخر اخترق أحاديث التهدئة هدد هنية ومشعل بأنه لا تهدئة ولا شاليت، وأنه ليس من خيار في مواجهة العدوان إلا لمقاومة[19].
وأمام هذا الصمود والتحدي في ظل الحصار الذي قارب العام، تراجعت الحرب النفسية الإسرائيلية إلى الخطاب التفاوضي أعلن الثلاثي الوزاري الإسرائيلي أن يبحث خيارين هما: إما القبول بالتهدئة التي تسعى الحكومة المصرية إلى إقناع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بها، وإما تنفيذ تهديدات أطلقها باراك السابقة بشن عملية عسكرية واسعة النطاق على القطاع. وصرح المحلل العسكري بالقناة الثانية في تلفزيون إسرائيل، روني دانييل، بأن الأجهزة الأمنية باتت “مقتنعة بأن حماس ترغب فعلا في التهدئة”، لاسيما أن مصر وعدت بزيادة ضبطها للحدود مع غزة، ومنع تهريب السلاح إلى داخل غزة عبر الأنفاق الحدودية. وتراجع الإعلام التخويفي لصالح إعلام التهدئة؛ فنقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن مصادر أمنية تحذيرها من أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق ستؤدي إلى تفويت الفرصة لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، الأسير لدى حماس منذ يونيو 2006. وذلك غداة الإعلان عن تلقي عائلة شاليت رسالة منه، عبر مركز الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، يقول فيها: “لست في وضع جيد.. أنقذوني، ولا تتخلوا عني، أريد العودة سريعا إلى المنزل”، وفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية اليوم.
ومن هنا بدا كأن حماس فرضت منطق القبول بالتهدئة مع تبادل الشروط المناسبة؛ فاشترط الإسرائيليون الحصول على معلومات حول مصير الجندي للقبول بأي تهدئة مع حماس (لا فك أسره)، فيما اشترطت الحركة رفع الحصار عن غزة مقابل وقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل، إضافة إلى الإفراج عن المئات من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال مقابل إطلاق سراح شاليت.
وفي الأسبوع الثاني من يونيو، تراءت الموافقة من الطرفين على التهدئة، وتأخرت صيغتها لنهائية على الجانب الإسرائيلي، إلى أن أعلنت عنها مصر. فصرح المتحدث باسم الخارجية المصرية حسام زكي أن عاموس جلعاد رئيس الطاقم السياسي الأمني بوزارة الدفاع الإسرائيلية أبلغ مدير المخابرات المصرية الوزير عمر سليمان موافقة إسرائيل على التهدئة مع الفصائل. وأوضح زكي في تصريحات لقناة “الجزيرة” أن: “المطالب الإسرائيلية تمحورت حول أمور خاصة بملف الجندي الإسرائيلي الأسير (لدى حماس)، ووقف ما قالت إنه عمليات تهريب للأسلحة إلى غزة عبر الحدود المصرية”. وبالفعل بدأت التهدئة في 18 يونيو 2008، على أن تستمر ستة أشهر قابلة للتمديد. وذلك دون أن تكون هناك التزامات نهائية برفع الحصار أو وقف إطلاق الصواريخ؛ الأمر الذي جعلها أقرب إلى تهدئة الخواطر لا أكثر.
وبطبيعة الحال لم تلتزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها على القطاع، بل واصلت من آونة لأخرى قتل نفس أو أكثر هنا وإصابة جرحى هناك، واجتياحًا تارة وقصفًا أخرى، وإن على فترات أكثر تباعدًا؛ الأمر الذي استوجب ردودًا من فصائل المقاومة، خاصة أن بعض الفصائل لم ترَ أنها ملزمة بالتهدئة في ظل إلى خرق إسرائيلي لها (حركة الجهاد الإسلامي).
نعم،بدأت طائرات الاستطلاع تغيب تدريجيًّا عن سماء غزة في الأيام التالية لإعلان التهدئة، وبدأت إسرائيل تسمح بدخول الشاحنات عبر المعابر التجارية الثلاثة من جهتها، مع السماح بدخول الإسمنت لأول مرة ثم حديد التسليح، وتحركت أموال باتجاه الضفة وبعضها القليل باتجاه غزة (منها 29 مليون دولار من البنك الدولي إلى السلطة ونصفهم إلى غزة غرة يوليو 2008)… لكن الهدنة بدت “هشة” وقابلة للانقشاع في أية لحظة باتفاق الجميع؛ حيث تلاعبت إسرائيل بمسألة المعابر على حد قول إسماعيل هنية (7/7/2008): فتحًا وإغلاقًا؛ ومن حيث نوعية البضائع التي تمر وكمياتها، وتعثرت صفقة تبادل الأسرى بعد إعلان كل من إسرائيل وحماس تفاؤلاً كبيرًا، وانطلقت إسرائيل عبر يوليو تحاول تفكيك البنية التحتية لحماس في الضفة
وبمرور الوقت بدت التهدئة في حكم الهيكل العظمي لكائن ميت، وتوالت عمليات الاعتداء والمقاومة وتصاعدت، وسط تهديدات متبادلة بإنهاء التهدئة، وتحركات مصرية بالأساس وعربية للحفاظ على الأوضاع عند الحد الأدنى من التوتر والتصعيد.

وفي الثامن عشر من ديسمبر انتهت المدة المحددة لاتفاق التهدئة، ورفضت حماس والفصائل تجديدها؛ باعتبارها وهمًا لم يحقق لا رفعًا للحصار ولا وقفًا للاعتداءات الإسرائيلية اليومية، بل تفاقمت أزمة القطاع أكثر، الأمر الذي اتخذته إسرائيل ذريعة لهجوم شامل على القطاع في الأيام الأخيرة من العام 27 ديسمبر 2008 واستمر اثنين وعشرين يومًا.

كانت هذه هي مجمل الأوضاع في غزة وحول سياجها، والتي تتلخص في محاصرة عدوانية غاشمة يباشرها الكيان الصهيوني وتعززها سلبية حكام الضفة والنظام المصري، ويؤازرها نظام عالمي يقوده الغرب، ويتولى عنها قادة العرب والمسلمون، وتتصايح حولها شعوب متأثرة، وجماعات ناشطة هاهنا وهاهناك، بلا تأثير حقيقي. كما تتكرر المظاهرات والمسيرات والمؤتمرات والخطابات والكتابات المنددة بالصمت العربي الرسمي ذلك الصمت والغياب الذي امتد أحيانًا كثيرة إلى الشارع والنخب بعدما طال عليهم الأمر، وكأنهم يئسوا؛ ليبقى الزمام بعد كل هذا بيد القوة المادية وموازينها، خاصةً إذا ما قصُرت القوى المعنوية والثقافية والفكرية أن تستنبت لها أظفارًا ومخالب تدافع بها عن نفسها، وترفع بها من أسهمها.

2) وداخل الضفة والقدس والخط الأخضر:

على جنبات غزة المحاصرة بقاع ونفوس يحيط بها الاحتلال اليهودي البغيض؛ مباشرة بالنسبة للمقدسيين وفلسطينيي 48 أو ما يعرف بالخط الأخضر، وعبر السلطة المهادنة للاحتلال في الضفة الغربية. ولقد عانت الضفة من حصاريْن لطيفين: أحدهما تمثله المستوطنات والمستوطنون ومشاكساتهم بدعم حكومي وعسكري إسرائيلي، والآخر تمثله السياسة السلطوية الجديدة بألا صوت يعلو فوق صوت المقاطعة: ليس مقاطعة البضائع الإسرائيلية، بل مقاطعة (أي منطقة) رام الله؛ حيث تقطن الرئاسة.
فلقد شهد عام 2008 انتشار قوات الأمن الفلسطينية في مدن الضفة الغربية، وكان آخرها انتشار 600 عنصر في مدينة الخليل في شهر أكتوبر، لتصبح الخليل المدينة الثالثة التي تنتشر فيها قوات الأمن الفلسطينية بالتنسيق مع إسرائيل بعد نابلس وجنين. وأعلنت السلطة الفلسطينية أن هدف هذه الانتشارات هو تنفيذ حملات أمنية تستهدف المطلوبين للعدالة بهدف “توحيد البندقية الفلسطينية”، والإجابة عن الشروط الدولية لدفع عملية السلام. لكن حركة حماس اعتبرت أن هذه الحملات موجهة ضدها، خصوصًا مع ازدياد الاعتقالات بحق أنصارها الموجودين في الضفة.
وهكذا صارت الضفة ساحة لتصفية الحسابات مع فصائل المقاومة التي تحمل بنادق من غير عيار بنادق السلطة، وتتحفظ على الشروط الدولية للتسوية. ففي مقابل حظر السلطة (16/12/2007) احتفالات حماس بذكرى انطلاقتها العشرين في الضفة الغربية، خلت غزة من مظاهر الاحتفال بانطلاقة فتح في أول يوم من عام 2008، وما من اقتتال أو عمليات اغتيال أو اعتقال كانت تجري في غزة إلى وتسمع صداها وترى ظلالها في الضفة. الفارق الأساس في هذا الصدد بين الغرفتين المنفصلتين أن إسرائيل كانت تؤازر حكام إحداهما، بينما تندلع المقاومة المؤثرة من الغرفة الأخرى. وعلى كلٍّ، فقد حمل أهل بيت المقدس والضفة وعرب 48 الكثير من جراء سياسات الاحتلال وعملياته التأمينية، ومن الاستيطان والمستوطنين والتهويد واليهود المتطرفين ومن مواصلة مدّ الجدار العازل، ومن الغارات الجوية والتوغلات البرية بين الحين والآخر.
تبادل الاحتلال مع السلطة تأمين أوضاعه في الضفة. ففي 8/1 يشيد الشاباك الإسرائيلي بحملة أجهزة أمن السلطة على حماس في الضفة، ثم يعقبها باعتراف (14/1) بقتل 1000 فلسطيني في غزة خلال العامين الماضيين. ويتعاون الاحتلال مع السلطة في تعقب معارضيها، فيقتل جيش الاحتلال (19/1) قائدًا بارزًا في كتائب الأقصى (التابعة لفتح) ممن رفضوا تسليم أسلحتهم إلى السلطة، ثم يعتقل (70) مطلوبًا في الضفة في منتصف فبراير.
ورغم توصيات قادة عسكريين بتقليل الحواجز العسكرية التي تمثل انسدادًا في شرايين الحياة الاقتصادية واليومية في الضفة؛ فقد نفت السلطة تحقق شيء من ذلك عبر الأشهر التالية، حتى لقد تقدمت السلطةُ بشكوى لواشنطن، ثم أعلنت السلطة أن وزيرة الخارجية الأمريكية رايس لم تنجح -في زيارتها الـ16 لرام الله (18/6)- في إزالة حاجز إسرائيلي واحد[20].
ومع اشتداد العدوان على غزة بين أواخر فبراير وأوائل مارس، تحركت الضفة لنصرة القطاع، وجرت تهديدات بإطلاق انتفاضة جديدة إذا استمر العدوان، الأمر الذي بدا تأثيره في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي (4/3) وتأكيده على استئناف المفاوضات؛ “لمنع تحول الضفة إلى غزة”. لكن سلسلة الاعتقالات والاجتياحات لم تتوقف: فاعتقل الاحتلال مسئولاً عسكريًّا في الجبهة الشعبية في نابلس 24/2، وأعقبته هجمات إسرائيلية على مخيم قرب نابلس (29/2) قتلت ناشطين، واعتقال 29 11/3، واعتقال 30 من فتح وحماس 10/4، واعتقال خمسة في نابلس 14/7، ثم 12 من حماس بينهما امرأتان، …[21].
تكلل هذا بإعلان باراك (26/3) بقاء المسئولية الأمنية الكاملة في الضفة بيد الاحتلال. ولقد أدى استمرار ذلك إلى تهديد محمود عباس (23/7) بسحب شرطته من المدن في حال تواصل الإجراءات الإسرائيلية[22]؛ الأمر الذي أعقبه تخفيف إسرائيل بعض القيود المفروضة على الضفة؛ ومنها السماح لبعض الفلسطينيين بالصلاة في المسجد الأقصى في الأيام الأولى من شهر رمضان، ثم موافقة باراك (6/9) على إدخال ألف بندقية كلاشينكوف للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالضفة[23].
ومن ناحية أخرى، وبقيام التهدئة بين إسرائيل وفصائل القطاع، تحول الاستهداف الإسرائيلي إلى الضفة؛ لهدم البنية التحتية لحماس في الضفة بإغلاق مؤسسات تابعة لها، ومصادرة مجمع تجاري ضخم في نابلس يضم (70) محلاًّ في 9/7، ثم تراجعها 18/7 بسبب الاحتجاجات الشعبية، واستهداف ناشطي حماس (28/7، و1/8)[24].
وبالنسبة لملف المستوطنات، ففي 18/2 صدر تقرير إسرائيلي يعترف بأن ثلث مستوطنات الضفة أقيمت على أراضٍ مصادرة لأسباب أمنية. وفي إطار التوسع الاستيطاني الذي حقق فيه أولمرت أرقامًا متقدمة، وافق أولمرت 10/3 على بناء (750) وحدة سكنية في مستعمرة بالضفة، وفي اليوم التالي صدقت بلدية القدس على مشروع بناء 400 وحدة سكنية بالقدس الشرقية، فيما بدأت عملية تسجيل العقارات في الحي اليهودي في البلدة القديمة؛ بغرض تثبيت ملكية يهودية عليها، فيما بدا استغلالاً معلنًا لآثار عملية القدس في توسيع الاستيطان (كمخطط الاستيطان الجديد قرب بيت لحم والمعلن عنه في 24/3) وتسريع تهويد القدس.
وفي الأول من أبريل كشفت حركة السلام الآن في إسرائيل عن بناء الآلاف من الوحدات السكنية 101 مستوطنة في الضفة والقدس شرق الجدار. وبعد ذلك بيومين (3/4) صادقت وزارة الإسكان الإسرائيلية بتنسيق مع أولمرت على بناء 1900 وحدة استيطانية في القدس.
ولم يكن التوسع الاستيطان نفسه هو مصدر الإزعاج الأول في الضفة والقدس، بقدر ما تصاعد خطر المستوطنين وتوالت اعتداءاتهم. فتكررت هجمات المستوطنين في الضفة على سكان القرى الفلسطينية المجاورة دون رادع أو حماية، ومنها الاعتداءات في موسم قطاف الزيتون[25]. وفي 5/3 أفرجت إسرائيل عن مستوطن متهم بقتل فتى فلسطيني في الضفة، فيما تأتي الأنباء 9/3 عن تكبيل الأسيرات الفلسطينيات أثناء الولادة[26].
ومن وجوه المعاناة على هذا الجانب من فلسطين، ما عرف بـ”حصار الزيتون”. فقد شهد موسم قطاف الزيتون في شهري أكتوبر ونوفمبر، الذي يعتبر أحد المصادر الحيوية للاقتصاد الفلسطيني، حوادث عديدة؛ إذ هاجم المستوطنون في الضفة الغربية المزارعين الفلسطينيين، كما عرقل الجيش الإسرائيلي حركتهم خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات. وبلغ حجم الخسائر الاقتصادية في الضفة أكثر من (16) مليون دولار من جراء الحرق والقلع لأشجار الزيتون، وكذلك منع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم للاعتناء بها. ولم تسلم أراضي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر من هذه الحملة؛ إذ تعرضت كروم الزيتون في الناصرة ومحيطها للحرق والقلع[27].
­­­وكان من أبرز مشاهد العدوان من اليهود على العرب -بما فيهم عرب الداخل- ما جرى في عكا في أكتوبر 2008، من اشتباكات عنيفة بين العرب واليهود على إثر الاعتداء على عربيّ قاد سيارته في يوم الغفران؛ حيث أُحضر 850 يهوديًّا متطرفًا من طبرية وصفد ليشاركوا في الاعتداءات، التي ما لبثت تهدأ حتى تجددت بهجمات وحرق منازل، ونزوح عائلات عربية من أحياء يهودية، الأمر الذي تدخلت فيه الشرطة بتهدئة خواطر اليهود: باعتقال العربي الذي قاد سيارته في يوم الغفران؛ بتهمة عدم احترام الديانة اليهودية!!
تلقى عرب 48 ضربة مضاعفة إبان زيارة الرئيس الأمريكي بوش للمنطقة بتكراره تصريحه في إسرائيل بتأييده ليهودية الدولة؛ الأمر الذي ينتقص من حقوقهم ووضعهم داخل الكيان العبري، ويحيلهم من أصحاب بيت إلى ضيوف. وترافق هذا مع تصاعد الاعتداءات العنصرية تجاههم على نحو ما جرى من اعتداء على مسجد في يافا (5/3)، ثم أحداث عكا بسبب يوم الغفران اليهودي على نحو ما ورد أعلاه.
وعلى إثر اعتداءات في احتفال عرب الداخل بـ”هبّة الأقصى”(ذكرى شهداء “هبة القدس والأقصى”، الذين سقطوا برصاص شرطة الاحتلال في مسيرات انطلقت في 30 أكتوبر 2000؛ تضامنا مع أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة بعيد انطلاق انتفاضة الأقصى)، و إغلاق التحقيق فيها، أعلن عرب الداخل إضرابًا شاملاً في البلديات العربية في إسرائيل.
وفي هذا الإطار استمرت عمليات التضييق على عرب الداخل، ومنها رفع دعوى لسحب الجنسية الإسرائيلية عن عزمي بشارة؛ الأمر الذي رفضه القضاء الإسرائيلي (2 سبتمبر 2008).
أما عن القدس، فقد استهلت إسرائيل العام 2008 ببناء (60) مسكنًا في القدس الشرقية (9/1)، وتسكين (11) عائلة يهودية في حي سلوان بالقدس الشرقية (17/1)، ثم بالسماح ببناء 2500 مسكن في القدس (24/1).
وبالرغم من هذا فلم تسلم القدس نائمة آمنة للاحتلال؛ فقد كانت القدس والمقدسيون على مسمع ومرأى مما يجري في غزة؛ الأمر الذي أدى إلى استنفار شرطة الاحتلال كل حين في المدينة المقدسة كلما حمي الوطيس. ففي 8/3 وقع هجوم على مدرسة دينية بالقدس، قتل فيه ثمانية إسرائيليين وجرح (35)، وأعلنت حماس مسئولتها عن العملية، واحتفى سبعة آلاف فلسطيني في غزة بالعملية؛ بينما أعلنت إسرائيل عن صدمتها الشديدة، وقامت بإغلاق الضفة، مع اندلاع حملة تحريض رسمية وإعلامية إسرائيلية ضد “المقدسيين” ودعوات إلى تقييد حركتهم وفصلهم عن اليهود[28].
وفي 3/7 يقتل مقدسي ثلاثة إسرائيليين في القدس بجرافة، ويجرح (40)، وتتبنى كتائب أحرار الجليل العملية. وقد أسفر الحادث عن كشف عمليات تهجير مقدسيين لصالح مستوطنين[29]. ثم جرى جرح شرطيين بالرصاص في 13/7. وفي 19/7 اتهمت إسرائيل أربعة مقدسيين واثنين من عرب الداخل بمحاولة تشكيل خلية لتنظيم القاعدة. وفي 23/7 وقع هجوم ثانٍ بجرافة في القدس أدى إلى مقتل سائقها، وإصابة (16) جريحًا إسرائيليًّا[30]؛ مما ضاعف الرعب في إسرائيل من انفلات أمني.
ومع حلول شهر رمضان تجددت سياسات التقييد الحذِر والاستنفار الأمني في القدس؛ حيث نشرت إسرائيل 3000 من شرطتها في الجمعة الأولى من رمضان في المسجد الأقصى الذي أمّه مائة ألف مصلٍّ في هذه الجمعة، ومائتا ألف في الجمعة الثالثة[31]. وفي 17/10، اقتحم مستوطنون يهود المسجد الأقصى –للمرة الثانية، فيما افتتح متطرفون معبدًا يهوديًّا على بعد أمتار منه.
وبالطبع لم يبدر عن إسرائيل أو أي من قبيلها عبر العام أية بادرة بخصوص التفاوض على القدس. فقبيل التهدئة بيومين تؤكد إسرائيل (16/6) أن “القدس والتكتلات الكبرى في الضفة” ستبقى تحت سيطرتها في أي اتفاق سلام[32].

3) الصدع الفلسطيني ومسار الحوار العليل:

منذ مطلع العام، وقضية الوحدة الوطنية تمثل الشغل الشاغل لسائر القوى الفلسطينية، لكن أكثرها يقدم فيها رؤى طرفية لا جمعية. فخلال الأيام 23-25/ يناير 2008، عقد في دمشق المؤتمر الوطني الفلسطيني تحت شعار “الوحدة الوطنية طريق للتحرير والعودة” شارك فيه ألف ومائتا مندوب مثلوا جماهير الشعب الفلسطيني وفصائله ومؤسساته الأهلية والشعبية في فلسطين المحتلة ومخيمات اللجوء والمغترَبات، بالإضافة إلى وفود عربية وإسلامية .. كل هؤلاء دون تمثيل لحركة فتح والسلطة في الضفة!
وأكد البيان الختامي لهذا المؤتمر أن “فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، ومن رفح إلى رأس الناقورة، حق الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء من الأرض العربية والإسلامية، لا يجوز التصرف بها أو التنازل عنها، أو عن أي جزء منها تحت أي ذريعة..”[33]. وأكد على أن حق لعودة حق طبيعي في رد على طرح بوش إبان زيارته، وأن الوحدة ثابت وطني، وأن المقاومة حق مشروع واستهدافها إنما هو في خدمة الاحتلال، مع وجوب احترام إرادة جماهير الشعب في الضفة وغزة، في إشارة إلى ما أفرزته انتخابات 2006، وضرورة الاحتكام إلى لغة الحوار.. في الوقت الذي قال البيان إن “فريق أوسلو لا يعبر عن الإجماع الفلسطيني ولا يمثله”، ودعا “مناضلي حركة فتح” إلى “التعبير عن إرادتهم وانحيازهم إلى قضايا شعبنا وأهدافه الوطنية”، في تبنٍّ تام لخطاب حماس بل صقور حماس.
ومن ثم لم يكن هذا صلحًا ولا تهيئة لصلح بقدر ما كان جزءًا من حملات إعلامية متضادة توسع الشقة. يضاف إلى ذلك اهتمام القوتين الفلسطينيتين الكبريين بتعزيز سلطة كل منها في موقعها. فبينما عززت حركة حماس طوال عام 2008 سيطرتها على قطاع غزة، واستفادت من التهدئة التي وقعت مع إسرائيل لإحكام سيطرتها الأمنية على القطاع، بعد أن قضت على كل الجيوب المعارضة لها، الأمر الذي تجلى في إعلان قادة «حماس» في الذكرى العشرين لتأسيس الحركة في شهر ديسمبر 2007، وفي احتفال جماهيري حاشد تمسكهم بغزة، ورفضهم التفاوض مع إسرائيل، ورفضهم شروط حركة فتح للحوار.
وفي أول هجوم استشهادي قام به فلسطينيان (أحدهما من كتائب الأقصى الفتحاوية) ردًّا على مجزرة الزيتون، ووقع في ديمونة (5/2) وأسفر عن قتيلة إسرائيلية (عالمة في الطاقة النووية) وتسعة جرحى، تجلت سعة الخلاف بين مباركة من سائر فصائل المقاومة وحماس التي اعتبرتها رد فعل بطوليًّا، وبين السلطة في رام الله التي استنكرت وأدانت[34].
وفي هذا الصدد استمرت حملات الاعتقال المتبادلة في الضفة والقطاع. ففي 21 فبراير اعتقلت حماس ضابطًا في جهاز الاستخبارات الفلسطينية بتهمة الضلوع في محاولة اغتيال إسماعيل هنية. بينما تعتقل سلطة رام الله وكذلك سلطة الاحتلال كوادر وقيادات من حماس والجهاد والجبهة الشعبية، وتندلع التظاهرات بعد وفاة إمام مسجد من حماس في سجن للاستحبارات في رام الله، وصدور التهم بتعذيبه[35].
هذا، فيما أصبحت قضية انتهاء ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس في التاسع من يناير 2009، مادة خلافية بين الحركتين. وفي هذا السياق بادر المجلس المركزي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية»، في 27 نوفمبر، إلى انتخاب عباس رئيسًا لدولة فلسطين، إلى جانب رئاسته للسلطة الوطنية، وذلك لتجنب أي فراغ في المؤسسات، الأمر الذي رفضته «حماس» وأكدت أنها لن تعترف بعباس بعد التاسع من يناير. ورفضت «حماس» أيضا دعوات عباس المتكررة إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، وذلك بعد أن فشلت محاولات مصرية متكررة لجمع الفصيلين المتناحرين في مؤتمر حوار وطني.
هذا، وقد سبقت الإشارة على أن ملف الحصار قد أظهر الدولة المصرية في أسوأ صورها، لكن الواقع الذي شهده العام 2008 أسفر عن خلو الساحة تقريبًا من فاعل حقيقيّ سوى مصر في ملف المصالحة الفلسطينية، وإن شاب مضمون مساعيها تحيزات معلومة. فبعد أن كان لأطراف مثل السعودية وقطر محاولات لرأب الصدع عبر العام 2007، توالت المحاولات المصرية شبه المنفردة لإحداث تقدم ما في الحوار ما بين فتح وحماس عبر العام 2008، واستضافت القاهرة وشرم الشيخ العديد من اللقاءات بين الجانبين، في مد وجزر لم ينته بعد.
فعقب الاندفاع الفلسطيني عبر الحدود أواخر يناير، دعت مصر المسئولين في رام الله وغزة لمباحثات في القاهرة؛ لمناقشة أزمة معبر رفح، لكن دون القدرة على جمع الطرفين على طاولة واحدة للحوار؛ مما أفشل المباحثات في مهدها. ولاحظ المراقبون مرونة عالية من جانب حماس وعرضًا وطنيًّا متكاملاً لإدارة معبر رفح خارج دائرة الصراع السياسي والاستقطاب السياسي بين الحركتين[36]، فيما وضع الوفد الفتحاوي عراقيل أفشلت المحاولة المصرية.
وبالتوازي ع حوار القاهرة المتعثر، شهد مارس 2008 فجرًا كاذبًا في النجاح اليمني بجمع حركتي فتح وحماس للتوقيع على “إعلان صنعاء” 23 مارس، بعد مفاوضات مكثفة رعاها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح؛ حيث أكد د.موسى أبو مرزوق –رئيس وفد حماس- أن استئناف لحوار سيتم في إطار المبادرة اليمنية، كما أن كل نقاط المبادرة ستكون على جدول أعمال الحوار، وأن الأساس هو العودة بالأوضاع الفلسطينية إلى ما قبل أحداث غزة. سرعان ما تبدد الأمل بعد ساعات قليلة من توقيع الإعلان؛ إذ خرج على قتاة الجزيرة القطرية نمر حماد –مستشار رئيس السلطة- ليعلن أن ما حدث من توقيع على إعلان صنعاء بين عزام الأحمد –ممثلاً عن حركة فتح- ود.موسى أبو مرزوق عن حماس كان خطئًا؛ إذ لم يبلغ الأحمد رئيس السلطة بفحوى الاتفاق قبل التوقيع. وقال إن مثل هذا التوقيع سيدخلنا في متاهات الضغوط الأمريكية والإقليمية، وهذا ليس في مصلحة الشعب الفلسطيني. وتمت فرقعة الاتفاق[37]؛ لتعود الكرة إلى اللاعب المصري.
في هذه الآونة توترت العلاقات بين مصر وحماس على خلفية اعتقال مصر (39) عنصرًا من حماس وجرى استجوابهم في تفاصيل أمنية تتعلق بتكتيكات تأمين القيادات وغيرها، إلى أن تم إطلاق سراح (33) منهم والسماح لهم بالعبور إلى غزة من معبر رفح. وكذلك توترت العلاقات في ظل إحكام لحصار على القطاع من الجانبين الإسرائيلي والمصري بعد استكمال سد الثغرات، وتفاقم أزمة الوقود (والغذاء والدواء) بعد تقليص الكميات، وتحذير حماس والجهاد من انفجار وشيك في اتجاه الحدود المصرية؛ مما أدى إلى استنفار أمني مصري في مدن شمال سيناء، وتهديدات لمن يحاول اقتحام لحدود عنوة[38].
وفيما شغل اتفاق التهدئة ثم الحفاظ عليها كلاًّ من مصر والفلسطينيين لفترة، استمرت التوترات بين حركتي فتح وحماس ولم يقتصر على المواقف السياسية. ففي 25 يوليو، قُتل خمسة من ناشطي «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس» في تفجير على شاطئ غزة. واتهمت «حماس» حركة فتح بالوقوف وراءه، واعتقلت أكثر من 300 شخص أغلبيتهم كوادر وأعضاء في حركة فتح في غزة. وفي 2 أغسطس، قتل تسعة فلسطينيين وجرح أكثر من تسعين آخرين في غزة في اشتباكات بين شرطة «حماس» وأعضاء في «فتح» من أفراد أسرة « أحمد حلس». وانتهت الاشتباكات بهروب 108 من مقاتلي «فتح» من القطاع، وسمحت إسرائيل لهم بدخول أراضيها واللجوء إلى الضفة، بعد حصولهم على ضمانات تتعلق بأمنهم. وبعد وساطات مع «حماس»، عاد في شهر أكتوبر القيادي «الفتحاوي» أحمد حلس إلى غزة وتمت تصفية صراعه مع حكومة حماس.
وهكذا استُغرقت الساحة الفلسطينية في صراع دموي واعتقالات متبادلة عبر يوليو-أغسطس 2008، لم تلبث أن تهادت فقط دون أن تنتهي؛ لتبدأ مصر جولة جديدة من محاولة البحث عن مدخل لتحريك حوار المصالحة بلقاءات مصرية مع قيادات من حركة الجهاد الفلسطينية (24-27/8) ثم وفد من الجبهة الشعبية (1/9)، ووسط مباركات خطابية من فتح وحماس، لم تنته إلى جملة مفيدة. ثم تعود اللقاءات في الأسبوع الثاني من أكتوبر بلقاء عمر سليمان (8/10) وفدًا من حماس في القاهرة، وإعلان الزهار عن الرغبة في إتمام المصالحة “لكن ليس بأي ثمن”[39].
وفيما يُعلن في (10/10) عن اتجاه فتح وحماس نحو إعلان مبادئ للحوار، ترفض فتح بعدها بأيام (16/10) لقاء حماس إلا بعد توقيع حماس على تشكيل “حكومة توافق”. واستمرت هذه الحالة اللزجة والمائعة من الترحيب بالحوار وتعويقه، دون حسم مصري أو تأثير واضح على الأطراف، كأنها استمرأت حالة “الملتقى الأخوي” بلا ثمرة. ففي 21/10 تلقت الفصائل دعوة مصرية للمشاركة في “الحوار الموسع” بالقاهرة، وفي اليوم التالي تعلن حماس تقبلها لوثيقة الاتفاق المصرية، التي تقترح تشكيل حكومة توافق وطني تتولى الإعداد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة. لكن حماس تحفظت على عدة بنود وطالبت حركة فتح بالإفراج عن جميع معتقليها في الضفة الغربية قبل بدء الحوار وهو ما رفضته فتح[40] ثم ذيلت حماس موافقتها بسؤال: “من سيلزم فتح إذا تنصلت؟”؛ ليذاع بعد أيام أن حماس والجهاد تنسقان فيما بينهما بخصوص “الورقة المصرية بخصوص الحوار الفلسطيني”، ثم يعود كلٌّ إلى موقعه، ثم يحدث انقطاع، … وهكذا.
وفي الثامن من نوفمبر، أعلنت مصر تأجيل الجولة الأخيرة الحوار الفلسطيني لعام 2008 إلى موعد لاحق لم يحدد، بناء على طلب حركة حماس قبل يومين فقط من الموعد المقرر لعقد جلساته. وحمل فوزي برهوم المتحدث باسم حماس الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح مسؤولية فشل الحوار وقال ان الرئيس محمود عباس لم يستجب لطلبات القيادة المصرية بإنهاء ملف الاعتقال السياسي”. ومن جانبها ألقت حركة فتح بالمسئولية على حركة حماس وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن قرار حماس بعدم المشاركة في الحوار غير مفاجئ فقد كان واضحًا أن حماس لا تريد الجلوس على طاولة الحوار الفلسطيني إلا وفقا لشروطها كاملة”. وأشارت فتح إلى خلافات داخلية حادة بين القيادة الميدانية لحماس في غزة والمكتب السياسي وقيادتها في الضفة الغربية من جهة أخرى”[41].
ومع انتهاء الهدنة، وقبيل شن إسرائيل حربها على غزة، دعا الرئيس الفلسطيني إلى حوار وطني يشمل حركة حماس لإنهاء الانقسام الفلسطيني وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، معربًا عن عزمه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، وهي الدعوة التي قوبلت بترحيب حماس التي أكدت ضرورة أن يتم الحوار تحت المظلة العربية وفى إطار الأجندة الوطنية الفلسطينية، و”بلا تدخلات أجنبية”.
ورأى مراقبون أن هذه الدعوة ربما تكون قد جاءت بعد علمه باستعداد إسرائيل للقيام بعمل عسكري ضد غزة. وفُسّر ذلك بأن الرئيس الفلسطيني بدعوته للحوار أراد أن يظهر بمظهر القائد الذي أدى ما عليه من واجبات بشأن منح الفرصة للحوار مع خصومه السياسيين، أو أن دعوته أتت من باب تسجيل موقف قبل أن تقوم إسرائيل بعمليتها العسكرية ضد القطاع.
وهكذا انتهى العام بلا أدنى تضييق للفجوة بين غزة والضفة، رغم التشارك في معاناة ويلات الاحتلال والحصار، بل شهد العام محطات صراع واقتتال تنذر بمزيد من التباعد والتناحر؛ الأمر الذي لا شك يصب في صالح جهة واحدة: الاحتلال وحزبه وأوليائه.

4) عام صفري على صعيد المفاوضات:

في البيان الختامي لاجتماع أنابوليس أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن بدء المفاوضات الثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول القضايا الجوهرية من دون استثناء في إطار جدول زمني سقفه نهاية العام 2008. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش أعلن في كلمته الافتتاحية للقمة أن الفلسطينيين والإسرائيليين اتفقوا على بدء مفاوضات فوراً بغرض التوصل إلى معاهدة سلام لإنهاء عقود من العنف. وقال بوش قارئاً من الوثيقة المشتركة التي اتفق عليها الجانبان: “اتفقنا على بذل كافة الجهود للوصول إلى اتفاق قبيل نهاية عام 2008، وتسوية كافة القضايا المعلقة بما في ذلك القضايا الأساسية بلا استثناء بالإضافة إلى تشكيل لجنة لمتابعة تنفيذ التزامات الجانبين المدرجة في “خريطة الطريق”، على أن تراقب الولايات المتحدة التنفيذ[42].
انتهى العام 2007 على أنغام أنابوليس وأحلامها، وعقد الفلسطينيون والإسرائيليون بعدها العديد من الجلسات دون تحقيق تقدم في المسائل الرئيسية. وقد كانت تفاعلات إسرائيل مع غزة، ونشاط المقاومة في مقابل العدوان المتواصل بالإضافة إلى عدم استعداد إسرائيل لتقديم أية محفزات أو تنازلات فعالة لمفاوضي الضفة في ظل مواصلة الاستيطان والتهويد والاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات والحواجز العسكرية في الضفة نفسها،.. كانت هذه الأمور حوائل دون الخوض في تفاوض حقيقي عبر العام 2008.
وبدأ العام 2008 وزار بوش رام الله، ووعد بدفع المفاوضات، لكنه –كما سبق ذكره- اشترط الحصول على غزة وإدخالها في أي اتفاق سلام. وكان هذا الشرط واقعيًّا بكل المقاييس؛ إذ لم يتسنّ لأي من الطرفين الالتفات عما يجري في غزة وحولها.
وعلى الرغم من تهديدات السلطة الفلسطينية في الضفة بتقويض المفاوضات كلما اشتدت الوطأة في غزة أو الضفة، فقد تكررت لقاءات عباس وأولمرت الحميمة، ولقاءات المفاوضين من الجانبين في القدس والولايات المتحدة وفي عواصم أوروبية، سرًّا وجهرًا، وعرضت أفكار يمكن القول بأنها قادمة من خارج السياق؛ من مثل الحديث عن مساعٍ أجراها مسئولون كبار من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في لقاءات عدة في الولايات المتحدة الأميركية وعدة دول أوروبية أخرى لبلورة فكرة إقامة “كونفدرالية اتحادية بين الفلسطينيين والإسرائيليين” إذا فشلت مساعي السلام الجارية. وتحدثت المصادر في تصريحات لوكالة قدس نت للأنباء: “أن هذه اللقاءات أجريت بوساطة أوروبية”. هذا، وتوقفت المفاوضات التي يجريها مفاوضون فلسطينيون وإسرائيليون منذ فوز وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني برئاسة حزب كاديما الحاكم وفشلها من ناحية أخرى في تشكيل ائتلاف حكومي على إثر رفض الأحزاب اليمينية المتطرفة في إسرائيل الانخراط فيها ما أدى إلى إعلان الرئيس الإسرائيلي انتخابات مبكرة[43].
وفي النهاية، اختتم الرئيس الفلسطيني محمود عباس العام 2008 بإعرابه عن ثقته في تصميم الإدارة الأمريكية القادمة لباراك أوباما على مواصلة الجهود التي يقوم بها الرئيس بوش المنتهية فترة رئاسته لتسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. وقال عباس أثناء زيارة وداع للرئيس بوش في واشنطن في العشرين من ديسمبر: “لا زلنا نذكر وسنذكر دائمًا وأبدا جهودكم من أجل عملية السلام. أنتم أول من أطلق شعار الدولتين: فلسطين وإسرائيل تعيشان بأمن وسلام”.
وذكر عباس كيف أعاد بوش إطلاق عملية السلام التي ظلت متعثرة لسنوات في مؤتمر أنابوليس بالقرب من واشنطن في نوفمبر 2007. وقال عباس: “خلال السنة الماضية وضعنا معكم هذه العملية وبالتأكيد سنتابع هذا في المستقبل، إنما نكون قد بنينا على شيء أنتم أصحاب الفضل في تثبيته”.
ورغم عدم تحقيق الهدف المعلن في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بنهاية 2008، أكد عباس أنه سيواصل المفاوضات بعد تولي باراك أوباما السلطة في 20 يناير2009. وخاصة أن مجلس الأمن كان قد اعتمد قبل ذلك بأسبوع قرارًا بدعم عملية السلام. وأوضح بوش أن قرار مجلس الأمن “يؤكد أن عملية المفاوضات الثنائية لا رجعة فيها، وان هذا هو الطريق نحو قيام دولة فلسطينية، وهو الطريق نحو السلام في الشرق الأوسط”.
وأخيرًا، لم يجنِ المفاوضون الفلسطينيون من مسيرة العام 2008 سوى الأصفار، ثم المخاوف المتجددة على هذه الأصفار ومصير المفاوضات في حال فوز بنيامين نتنياهو زعيم جناح الصقور في حزب الليكود اليميني في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 10 فبراير كما توقعت استطلاعات الرأي (وحدث)، والمعروف أن نتنياهو يعارض إقامة دولة فلسطينية تتمتع بالسيادة.
الدائرة العربية والإسلامية وفلسطين:
في عجالة، نؤشر على معالم التفاعل العربي والإسلامي مع مجريات الأمور التي رصدناها في الساحة الفلسطينية بقطاعاتها: غزة والضفة والقدس وعرب الداخل، وبقضاياها العديدة: حصار غزة، والاعتداءات اليومية على سائر الأجزاء، وعملية التسوية. ومن الواضح أن الوعي والسعي بالقضية في مجالها الحيوي العربي والإسلامي دون المعقول والمقبول وذلك باعترافات القادة والنخب والجماهير؛ مع اختلافهم في تفسير ذلك، وردّه على أسبابه الحقيقية، وإلى المسئولين الفعليين عنه.
بالنسبة للوعي بما يجري على الساحة الفلسطينية، فلا شك أن القيادات الرسمية والنخب السياسية والفكرية المتخصصة أوعى من القواعد بتفاصيل الكثير من المسائل الفلسطينية، فأكثر قواعد الأمة لا تعلم إلا ما يلقيه إليها الإعلام ويضخمه من الشئون الكبرى، بالإضافة إلى تعرض ذاكرتهم لعمليات الشحن والتفريغ اليومي التي ربما لا تستبقي إلا الصور الأخيرة، ومعها الانفعال الآني بها. ومن ثم فإن قضايا تهويد القدس، وما يجري من مخططات وممارسات حول الأقصى، وما يقع لعرب الداخل ولأهل الضفة من المستوطنين ومتطرفي اليهود، فضلاً عن يوميات الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال وأحوال اللاجئين، تلك الأمور التي لا يتكرس لها إعلام صامد، تكون بمنأى عن الوعي الراسخ لدى الجماهير.
لكن الإشكال لا يتعلق فقط بكمّية الوعي وحجمه، ولا بالقضايا التي ينصرف إليها، الأمر الذي تتفوق فيه النخب على الجماهير، فثمة جانب مهم يتعلق بنوعية الوعي العربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية ومسائلها وتكييف هذا الوعي. فبينما يركز أكثر الرسميين والمراقبين على البعد السياسي للقضية، والتعاطي البراجماتي وحسابات “القوة-المصلحة” المادية مع تفاعلاتها، فإن الشعوب تبدي اقترابًا آخر من القضية؛ يمكن وصفه بالاقتراب الثقافي والمنظور الحضاري، الذي يتسم بالسعة والشمول والوصل بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والعقدي والديني والتاريخي، كما يتسم باستحضار جوانب الصلات والفوارق الحضارية وأثرها على تبني المواقف وبناء الاتجاهات.
ومن ثم نجد أنفسنا بين فجوتي الكم والكيف، الموزعتين بين القمم والقواعد.
ينسحب الأمر أيضًا على جانب السعي. فبينما تبدو تفاعلات الرسميين والنخب التنفيذية والإعلامية كثيرة وكثيفة ويومية، وتكاد الفعاليات الشعبية تقتصر على المناسبات والأحداث المثيرة لمشاعرهم، فثمة ملاحظتان تتعلقان أيضًا بمسألة الكم والكيف. فقد تبدى للمتابع للعام المنصرم اتجاه الفعاليات الرسمية العربية والإسلامية –حتى الروتيني منها- إلى التضاؤل والانكماش المتواصل، بالإضافة إلى تضاؤل قيمة هذه المساعي وتأثيرها على مسار الأحداث. هذا، بينما تشهد الأدوار الشعبية تصاعدًا وبروزًا واتجاهًا نحو التنظيم والانتظام بالتدريج.

ومن ثم، نوجز الملاحظات التالية على الموقف العربي والإسلامي من الأوضاع الفلسطينية عبر 2008:

1- بدت الدولة المصرية الطرف العربي الأكثر انخراطًا وبروزًا في المشهد الفلسطيني على مستويات ثلاثة: مشكلة حصار غزة التي تشارك مر في جزء منها، ومحاولات لم الشمل الفلسطيني، ومحاولات دفع عجلة المفاوضات وتحريك عملية التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية. وإذا كان موقف الحكومة المصرية في المستوى الأول سالبًا ويمثل خصمًا من الدور والموضع المصري في المنظومة العربية والإسلامية، فإن موقفها في الملفين الآخرين بدا ضعيفًا وغير مؤثر بحال، مقارنة بقفزات حققتها دول مثل تركيا وقطر. وإذا كان يعاب على التوجه المصري ما يبدو عليه من حياد بارد في التوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن اقترابه من نفس الموقف في الوساطة بين القوى الفلسطينية –مع تحيز نسبي على محمود عباس وفريقه- هو ما يحسب له، وكان محل تقدير واضح من سائر الفصائل.
2- أما الدور السوري، فعلى الرغم من وقوعه فيما يشبه الحصار الدولي والعربي –في نفس سلة إيران وجماعات المقاومة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي- خاصة في ظل توترات علاقة سوريا بكل من مصر والسعودية، فقد بدا هذا الدور قانعًا بالاقتصار على توفير المحضن السياسي والظهير الإعلامي للتكوينات السياسية للمقاومة، وغابت حركته أو فاعليته على سائر الساحة الفلسطينية، وانخرط باعتباره طرفًا في النزاع الفلسطيني- الفلسطيني. وفي هذا تبدو سوريا في سائر سياستها الخارجية أقرب إلى المنفعل أو المنتظر لأفعال الآخرين لترد عليها بحذر أشبه باللافعل[44]. ووما يذكر في هذا أن الخطاب السوري الرسمي دائمًا ما بدا أقوى وأعلى من الأداء الفعلي.
3- أما الموقف والدور السعودي فقد انطفأت أنواره بعد انقلاب الفرقاء الفلسطينيين على اتفاق مكة الذي عقد في أوائل العام 2007، ولم تكد ترى له أثرًا عبر مجريات العام اللهم إلا تصريحات مقتضبة للعاهل السعودي وخطاب رصين من وزير الخارجية، يكاد يتفوق على الخطاب السوري. ففي اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في دورته العادية رقم 130 (سبتمبر 2008) قدم سعود الفيصل رؤية نقدية ومتسقة لملامح الموقف العربي المحيط بالأزمة الفلسطينية، فقال: “التحديات والمخاطر التي نواجهها اليوم باتت تتطلب اعتماد نهج المصارحة والمكاشفة بيننا، فالقضية العربية المركزية، بل والانتماء العربي والهوية العربية باتت كلها على المحك، في ظل انقسامات بينية وداخلية خطيرة في العالم العربي من جهة، وتدخلات إقليمية ودولية تستهدف بسط نفوذها وهيمنتها وخدمة مصالحها على حساب العروبة والعرب من جهة أخرى، وفي مقدمة التحديات التي تواجهنا ما تشهده الجبهة الفلسطينية من تفكك وانقسام وصلا إلى حد الاقتتال وإراقة الدماء”، .. إن “هذا الوضع يهدد –بكل جدية- بتصفية القضية الفلسطينية من أساسها، وتحويلها من كونها قضية شعب يرزح تحت احتلال غاشم إلى نموذج متقدم من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، وهو نموذج ينذرنا بقابليته للتعميم والانتشار، ما لم نتحمل جميعًا مسئوليتنا ونغير مجتمعين من واقعنا”[45]. هذا الخطاب لا يحتاج إلا إلى سؤال واحد: ثم ماذا بعد؟ وليس سوى جواب واحد على صعيد الأداء السعودي والتأثير في قضية القضايا: لا شيء.
4- ثمة دول مثل قطر، نشطت في سياق جديد، وتمكنت من التأثير في ملفات ساخنة مثل الملف اللبناني، لكنها حين تقترب من الحومة الفلسطينية تجد نفسها في معادلات أكثر اتساعًا وامتدادًا من جسدها النحيل، فلا تملك سوى أن تقع في أسر الاستقطاب لطرف من الأطراف، وقد اختارت في النهاية طرف المقاومة، لكن ليس للنهاية؛ مما أظهر مواردها السياسية والاستراتيجية أقل بكثير من التعاطي مع الأبعاد الدولية والإقليمية للأزمة. أكبر إشكال في الحركة الإقليمية القطرية ميلها إلى العزف المنفرد، والقضية الفلسطينية خير نموذج على فشل الانفراديين.
5- ويقارن بهذه الحالة الدور التركي بخصوصياته؛ فهو يعود إلى المنطقة بمدخل مركب من الكثير من الأبعاد، التي يخدم كل منها على الآخر فيقويه ويحميه، لا سيما البعدين الاستراتيجي والحضاري. فالبعد الاستراتيجي للسياسة التركية تجاه القضية استتبع الحفاظ على علاقات جادة مع إسرائيل والولايات المتحدة من موقع إرادة المشاركة لا المتابعة، واستتبع كذلك وجاهة العناية بالمجال الحيوي التركي في جنوبها العربي؛ ومن ثم ضرورة الانخراط في القضية الفلسطينية من باب “إدارة الأزمات وحل الصراعات الإقليمية الكبرى”. أما البعد الحضاري فقد تم توظيف سعة أفقه في تأطير التعاطف مع الجانب الفلسطيني بأطر قيمية وقانونية وحقوقية أشبه بالنهج الليبرالي المستساغ غربيًّا. وإذا كان الذكاء القطري بدا في صياغة الحلول الوسط والمشتركة بين المتنازعين، فإن الحنكة التركية تجلت في تقديم الذات بتوازن ملموس بين المشترك الإنساني والخصوصية الحضارية، وبجمع بارز بين منطق المصالح والقوة ومنطق القيم والإرادة النفسية.
6- الجامعة العربية بدت أشبه بالوعاء الجغرافي الذي يكتنفها: النظام المصري: قريبة جدًّا من يوميات فلسطين، كثافة في التصريحات والتحركات من الأمين العام عمرو موسى، مع استعارات من طعم الخطابين السعودي والسوري، التزام بالنتيجة النهائية التي يشترك فيها مثلث دول الأركان هذا: عدم التأثير.
7- أما إيران فإنها شاركت الفلسطينيين أزمة مواجهة العالم بلا نصر حقيقي؛ مضافًا إليها أن الخطاب الإسرائيلي والأمريكي وحربه النفسية والإعلامية حرص على تحميلها على ظهر المقاومة الفلسطينية (واللبنانية طبعًا) في صورة طبقات من الفزاعات الراديكالية، والذرائع لمزيد من الضغط على الجانبين. وقد أدى ذلك إلى لعب إيران دور الظهير السياسي البعيد للمقاومة، سرًّا ومن وراء حجاب.
8- ثم تأتي البقية: الدول الإسلامية الكبيرة (إندونيسيا وماليزيا وباكستان ونيجيريا، وسائر الخليج والمغرب..)، فقد واصلت العمل بمعادلة “المسافة المكانية”، وكأن موقعها الجغرافي من فلسطين هو المحدد لدرجة تعاطيها مع الشأن الفلسطيني.
9- الأقليات المسلمة في الغرب كانت حالة خاصة، في ظل شعورها بالتمكين النسبي في بلاد أمن وحرية. ومن معين هذه الأقليات خرجت فعاليات سفن كسر الحصار قبل أن تتنادى بها دول ومنظمات عربية. كما أن الفاعلية الأهلية والمدنية لهذه الأقليات كانت نموذجًا جديرًا بالملاحظة والدراسة لا سيما في خصائص التنظيم والتخطيط والتنسيق والتشبيك والقدرة على ابتكار الوسائل لتحقيق غايات التواصل مع القضية الفلسطينية بكافة أبعادها الساخنة والمتوارية.
10- أما الشعوب العربية والإسلامية، فرغم ما وصف به وعيها وسعيها المتعلق بالشأن الفلسطيني، فقد شهد العام 2008 –أوله ومنتصفه ونهايته الموصولة بعام 2009 مع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة- تطورًا نسبيًّا في تواصل التجاوب الشعبي مع فلسطين. فعلى الرغم من تراجع أحجام التظاهرات والمسيرات بعد انتهاء الأحداث المثيرة، ورغم قصور الكثير من الجهود واقتصارها على الدعم الكلامي والشكلي غير المنتظم، إلا أن المشهد العام يشي بتزايد في التكوينات المؤسسية المنبثقة عن التحركات الشعبية، وتحول التجاوب الشعبي من مجرد الانفعال الوجداني والتعاطف الإنساني مع معاناة الشعب من الحصار أو إراقة دماء ونثر أشلاء، تحوله على توجهات سياسية تربط بين الاستبداد والفساد في الداخل والوهن والعجز في الخارج، وتربط بين أيديولوجيات نظم الحكم وضعف نصرتها للأخ والأخت والأبناء في فلسطين.

وبعد،

فإن وراء الأكمة غيبًا لا يعلمه إلا الله، يتحرك وفق سنن الله تعالى ونواميسه في الخلق والحياة، والأمم والأفراد. ومن هذه السنن أن الظلم مؤذن بخراب عمران الظالمين، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن بعد العسر يسرا. لقد قدم قطاع عريض من الفلسطينيين عبر العام المنصرم صورة مضيئة للصمود وتحمل مشاق الحصار والتجويع، وتحدوا العدوان بمقاومة متصاعدة، ورابطوا في ثغورهم: القدس وغزة والضفة والخط الأخضر. والكلمة الحسنى لا تتم إلا على الصابرين. ومن ناحية أخرى لا يزال مرض الشقاق والبأس بين الإخوان يعطل مسيرة النصر، ويؤخر ميقات الفرج، خاصة إذا كان في الفريق من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، فينصرف الجمع عن مواجهة العدو إلى التنازع فالفشل وذهاب الشوكة.
والأمة حول فلسطين تعيش حالة مخاض طويلة نسبيًّا، مخاض وعي وسعي، يزيح رويدًا العظام النخرة، ويحل محلها هممًا عالية ورؤى واعية بذاتها ومقدراتها ونواقصها ومستلزمات انتصارها. ومن ثم فبقدر ما بدت فلسطين وأبناؤها في أمس الحاجة لعون الأمة ونصرتها بقدر ما بدت الأمة تتغذى معنويًّا وتستعيد ذاتها من خلال تفاعلها مع الهم الفلسطيني. فالمصريون والسوريون والمغاربة والعراقيون والأفغان والباكستان والماليزيون والمسلمون الافارقة ومسلمو الهند والصين وآسيا الوسطى والبلقان ومسلمو أوروبا وأمريكا واستراليا وكندا -مضافًا إليهم أهل من يرافقونهم حضاريًّا من غير المسلمين- .. أولئك الذين يمثلون “الأمة العربية والإسلامية”، لا يجمعهم اليوم شيء مثلما يجمعهم أمران: الهم الفلسطيني، والهجمة الغربية بزعامة الولايات المتحدة على بقاع عديدة من الأمة: سياسيًّا واقتصاديّا وعسكريّا، وأيضًا الهجمات على رموزنا وأصولنا الثقافية والدينية: الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والقرآن، والإسلام برمته.
وبناء على كل ما سبق، فإن القضية الفلسطينية ستبقى لحقبة زادًا تمارس عبره الأمة استعادتها للكثير من مكوناتها وخصائصها التي قد يستحيل استعادتها بغير معاناة الهزائم ومواجهة المحن وذوق حرارة الجهاد وحلاوته.
*****

الهوامش:

[1] نواف الزرو، فلسطين 2008- الى أين؟! http://www.arabs48.com/display.x?cid=7&sid=25&id=51161
[2] استخدم معبر رفح وفقا لاتفاقية المعابر الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في نوفمبر 2005، لعبور كل فلسطيني يحمل هوية فلسطينية. ويستخدم المعبر لتصدير البضائع الفلسطينية خاصة منها المنتجات الزراعية رغم اعتراض إسرائيل. واشترطت إسرائيل على السلطة الفلسطينية إبلاغها بأسماء كل من يريد استخدام معبر رفح قبل 48 ساعة، لتقرر ما إذا كانت ستسمح له بالعبور أو تمنعه. وكثيرا ما فرضت إسرائيل إغلاق معبر رفح متذرعة ببند في اتفاقية المعابر لا يسمح بفتح المعبر إلا بوجود البعثة الأوروبية. http://www.aljazeera.net/news/archive/archive?ArchiveId=1081795
[3] انظر: د. السيد عوض عثمان، الحصاد المر لجولة بوش الشرق أوسطية: القدس (مركز الإعلام العربي)، ع 110، فبراير 2008، ص ص 51-52.
[4] إسلام أون لاين نت 9/1/2008.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1199279428120
[5] إسلام أون لاين نت الخميس. يناير. 10, 2008
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1199279439233&pagename=Zone-Arabic-News%2FNWALayout
[6] الشرق الأوسط: 18 فبراير 2008، العدد 10674.
وإسلام أون لاين نت 16/1/2008. http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1199279660592
[7] إسلام أون لاين نت 16/1/2008.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1199279636201
[8] انظر: طلعت رميح: هل يمكننا فك حصار غزة؟ نعم!، القدس (مركز الإعلام العربي)، ع 110، فبراير 2008، ص 58-62.
[9]http://www.masrawy.com/News/MidEast/General/2008/december/27/palestine.aspx?ref=rss
[10] فلسطين 2008 .. حصار واجتياح حدود وتهدئة هشة: http://www.masrawy.com/News/MidEast/General/2008/december/27/palestine.aspx?ref=rss
[11] المصدر السابق.
[12] القدس (مركز الإعلام العربي)، ع 110، فبراير 2008، ص 9.
[13] http://www.masrawy.com/News/MidEast/General/2008/december/27/palestine.aspx?ref=rss
[14] إسلام أون لاين، 13 يناير. 2008:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1199279534284
[15] راجع مذكرة التفاهم: موقع الخارجية الأمريكية:
www.america.gov/…/2009/January/20090116173213ssissirdile0.6991999.html – 2009-01-16
[16] إسلام أون لاين، أبو الغيط: لا وجود أمريكيا دائمًا على حدود غزة، 11 يناير 2008:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1199279472144
[17] إسلام أون لاين: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1227019238687
وانظر:
http://www.masrawy.com/News/MidEast/General/2008/december/27/palestine.aspx?ref=rss
وانظر: http://www.aljareeda.com/aljarida/Article.aspx?id=90836
[18] لقد بدت المقاومة عبر مارس 2008 مع اشتداد وتواصل التوغلات والغارات الإسرائيلية والقصف المدفعي المتكرر، أشبه بالتحول من الدفاع إلى الهجوم المضاد، خاصة بعد إصابة مروحية إسرائيلية، والحديث عن تطويرات في صواريخ حماس والجهاد، وجرح مساعد وزير الأمن الإسرائيلي 5 أبريل في عملية مشتركة تبنتها حماس وشهداء الأقصى.
[19] إسلام أون لاين نت: 10 يونيو 2008: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1212925185528
[20] القدس ع116.
[21] انظر: القدس: الأعداد من 113-119.
[22] القدس، ع 118
[23] القدس، ع 118، وانظر: http://www.mooga.com/MoogaNews//news_details.asp?id=134716 و http://www.islammemo.cc/akhbar/arab/2008/09/08/69199.html
[24] القدس: ع 116، ع117. وراجع: http://alzaytouna.net/arabic/?c=1149&a=68231
[25] القدس، ع 118، 119. وراجع: http://www.poica.org/editor/case_studies/view.php?recordID=1698
[26] القدس ع 112. وراجع ملفًا خاصًّا في: http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=10213
[27]راجع: http://www.aljareeda.com/aljarida/Article.aspx?id=90836 وانظر: القدس، ع 120.
[28] القدس، ع 112.
[29] القدس، ع 116.
[30] القدس، ع 117.
[31] القدس، ع 118، 119.
[32] القدس، ع 116.
[33] القدس، ع 110، فبراير 2008، ص 100.
[34] القدس، ع 111، ص 113.
[35] راجع: http://www.aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?p=1074819
[36] أمجد أحمد جبريل، بعد أزمة معبر رفح.. هل تتحرك مصر والسعودية لاستئناف الحوار الوطني الفلسطيني، القدس، ع 111، فبراير 2008، ص ص 28-29.
[37] صلاح عبد المقصود: “إعلان صنعاء” .. هل ينقذه العقلاء؟، القدس، ع 112، ص 114.
[38] القدس، ع 113، ص ص 111- 113.
[39] القدس، ع 120.
[40] إسلام أون لاين نت:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1224089020625
[41] http://www.alwatanvoice.com/arabic/content-133042.html
[42] http://www.almadapaper.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=33384
[43]http://www.alwatanvoice.com/arabic/content-133172.html
[44] راجع: إبراهيم غالي، السياسة السورية.. براجماتية متعددة الأوجه ينقصها البعد العربي، القدس، ع 118.
[45] أمجد أحمد: العرب والانقسام الفلسطيني.. من المسئول عن الأزمة الراهنة؟، القدس، ع 118، ص ص 24-28.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2009

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق