د. نادية مصطفىمختارات

سياسات تعبئة الموارد السياسية الخارجية لمصر في عهد أنور السادات

مقدمة:

مرت السياسة الخارجية المصرية خلال السبعينيات بمرحلة تعد من أخطر مراحل التاريخ السياسي المصري المعاصر، فلقد واجهت معضلات حادة على صعيد الاختيار بين بدائل استراتيجيات التنمية، السياسات الداخلية والدور الإقليمي والعالمي، ويرجع ذلك إلى صعوبة التوفيق بين أهداف متعارضة وإلى مشاكل تعبئة وتوزيع موارد قاصرة، نظرًا لتنوع وتعقد التأثيرات الداخلية والخارجية الاقتصادية منها والسياسية على النحو الذي قاد هذه السياسة إلى وضع التبعية.
وتحاول هذه الدراسة تحليل خصائص وأسباب وعواقب هذا الوضع انطلاقًا من أحد الأهداف النظرية لهذه الندوة أي محاولة الإضافة إلى أدبيات السياسة الخارجية “الدول العالم الثالث بصفة خاصة”، وذلك فيما يتصل بإشكالية العلاقة بين السياسة الخارجية وبين الموارد، ومن ثم دراسة تأثير فجوة الموارد –القدرات على سلوك السياسية الخارجية المصرية. على أساس أن أحدى الوظائف والأساسية لهذه السياسة –خلال السبعينيات- كانت تعبئة الموارد الخارجية لسد هذه الفجوة. ولقد قدمت مصر –خلال هذا العقد- نموذجًا متميزًا صارخًا لإحدى دول العالم الثالث التي جعلت من السياسة الخارجية آلية لتعبئة الموارد الإقليمية والعالمية، من خلال دور اتسم بالتبعية.
هذا ويمكن أن تتضح من الملاحظتين التاليتين مغزى محاولة الإضافة التي ستحاول هذه الدراسة الإسهام في تحقيقها:
أولا: يقع “تحليل القدرات” وأثره على السياسة الخارجية في نطاق تحليل ما يعرف –في أدب المنظور الغربي للعلاقات الدولية- “الخصائص القومية National attributes” الذي يعد أحد الأبعاد النظرية لتفسير سلوك السياسة الخارجية[1].
وبالرغم من وجود نوع من الاتفاق العام –في هذا الأدب- على أن التنوع في الموارد وعناصر القوة يؤدي إلى تنوع السياسة الخارجية إلا أنه لم يكن هناك –كما يقول البعض-[2] إلا قدر ضئيل من الاتفاق حول تجديد أنماط معينة من سلوك الدول الصغرى التي تتأثر بالعلاقة بين الموارد والقدرات.
ثانيًا: ومن ثم فهناك ضرورة لتحديد أهمية هذه الإشكالية –في نطاق دراسات العالم الثالث- وخاصة من حيث مدى الحاحها بالمقارنة بمتغيرات أخرى داخلية وخارجية على حد سواء.
وتتسم هذه المشكلة (أي فجوة الموارد –القدرات وأثرها على السياسة الخارجية) بحساسية خاصة بالنسبة لهذه الدول. فإذا كان الاختيار يعد عملية أساسية في صنع السياسات واتخاذ القرارات، فهو يكون أحيانًا محسوبًا ويكون أحيانًا أخرى لا مفر من الوقوع فيه. ويقع على قادة العالم الثالث عبء ضرورة الاختيار بين بدائل السياسات والقرارات وذلك في ظل إطار من الموارد القاصرة التي قد لا تكفي أحيانًا لإشباع الحاجات الأساسية، وكذلك في ظل ضغوط خارجية متنوعة ومتداخلة تنال من درجة الاستقلال الاقتصادي ومن ثم الاستقلال السياسي. بعبارة أخرى فإنه مع تزايد واتساع نطاق المطالب والتوقعات الجماهيرية التي يصعب مواجهتها تثور ضغوط كبيرة على العلاقات الخارجية لدول العالم الثالث وعلى سياساتها الاقتصادية الداخلية. ومن ثم تضطر النظم في هذه الدول للبحث عن مزيد من سبل السيطرة على الموارد الاقتصادية داخليًا وعن تعبئة القدر المستطاع منها من الخارج، ولذا تعد عملية تعبئة الموارد الخارجية من أهم وظائف السياسة الخارجية في هذه الدول[3]. وذلك في عصر تربعت فيه الاقتصاديات –حتى بالنسبة للدول المتقدمة- على قمة أجندة السياسات الخارجية نظرًا لتسييس المشاكل الاقتصادية القومية والدولية.
ولقد عكست بعض الأعمال التي طرحت أطرا متجددة لدراسة السياسات الخارجية لدول العالم الثالث هذا الوضع الحساس والخاص لهذه المشكلة بين عناصر هذه الأطر.
نجد مثلا أن بعض الدراسات التي انطلقت من انتقاد ما أسمته المناهج التقليدية التي غلبت على دراسة السياسات الخارجية للدول النامية حتى بداية السبعينيات[4] قد دعت إلى النظر إلى عملية السياسة الخارجية في هذه الدول باعتبارها جزءًا من عملية اجتماعية أوسع تعكس خصائص مجتمعات هذه الدول، كما تعكس وضعها التابع في النظام الدولي، ومن ثم دعت إلى الاهتمام بهذين العنصرين (أي الاقتصاد السياسي لوضع الفاعل في النظام الدولي، والمصادر الداخلية)، واللذان يمارسان تأثيراتهما على سلوك السياسة الخارجية وعلى تحديد الأهداف. ومن بين أهم هذه الأبعاد السلوكية وهذه الأهداف تلك الخاصة بتعبئة الموارد الخارجية للتنمية.
كذلك نجد أحدى الأعمال الأخرى في مجال الدراسة المقارنة للسياسات الخارجية لدول العالم الثالث[5] قد أبرزت الأهمية النسبية للأوضاع الاقتصادية بالمقارنة بالمصادر الداخلية الأخرى لهذه السياسات وذلك على أساس أنه ليس من الضروري دراسة أثر كل المتغيرات ولكن تحديد أكثرها إلحاحًا وأهمية في ظل ظروف معينة؟. ولهذا يرى هذا الاتجاه أنه من بين المتغيرات التي يمكن إعطائها الأولوية على غيرها: القضايا الاقتصادية، وظيفة السياسة الخارجية، وعلاقات التبعية.
وبالنظر إلى الملاحظتين السابقتين وإلى المنطلق النظري لهذه الدراسة، يمكن القول أنها تستند إلى افتراض أساسي مؤداه أن العامل الاقتصادي بأبعاده المختلفة كان أكثر العوامل تأثيرًا على السياسة الخارجية المصرية، خلال السبعينيات في ظل قيادة سياسية معينة ومحددات وعوامل داخلية وإقليمية ودولية معينة.
وهكذا يمكن القول أن دراسة السياسة الخارجية المصرية من هذا المنطلق، إنما تطرح قضية التفاعل بين الأبعاد الداخلية والخارجية في دراسات العالم والثالث، ولكن من منظور أو من زاوية أكثر تجددًا وهي “الاقتصاد السياسي للسياسة الخارجية”[6]. أي التركيز على التفاعل بين العوامل الاقتصادية والسياسية المؤثرة على أهداف وسلوك السياسة الخارجية. ويعد ذلك حلقة مكملة أو مرتبطة بالاتجاه الجديد في دراسة العلاقات الدولية والذي يبرز أهمية العلاقة التفاعلية بين الاقتصاديات وبين السياسات في التأثير على تطور النظام الدولي المعاصر وهو الاتجاه المعروف “بالاقتصاد السياسي الدولي”، ذلك لأنه لم يعد من الممكن الاستمرار في الفصل بين المتغيرات الاقتصادية والسياسية في مجال دراسة السياسة الخارجية كما لم يعد من الممكن أيضًا الاستمرار في معالجة المتغيرات الاقتصادية على اعتبار أنها مجرد عناصر ققوة أو أدوات للسياسة[7].
وتحاول دراسات “الاقتصاد السياسي للسياسة الخارجية” البحث في أثر الخصائص الهيكلية الاقتصادية والسياسية الدولية، وأثر الضغوط الاقتصادية الداخلية النابعة من طبيعة الموارد والمشاكل والقوى الاقتصادية الداخلية على سلوك السياسة الخارجية، ومن ثم فإن هذا المنظور إنما يثير –بالنسبة لدول العالم الثالث- كل أبعاد التفاعلات بين قضايا التنمية والاستقلال والتبعية وبين سياساتها الخارجية، كما يطرح بالنسبة للسياسة الخارجية المصرية في السبعينيات تحد\ي تفسير أثر التفاعل بين العوامل السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية والتي لعبت بينها فجوة –الموارد- القدرات دورًا ملحوظًا.
هذا وستنقسم الدراسة إلى ثلاثة أجزاء: التوجه والأهداف، السلوك، التفسير وذلك في محاولة للإجابة على التساؤلات التالية:
ما هي خصائص الموقف الداخلي والخارجي الذي واجهته القيادة المصرية؟ وكيف أدركته؟ وما هو تحديد القيادة للقضايا المصرية الأكثر الحاحًا من غيرها (المشاكل الاقتصادية أم النفوذ والمكانة والدور المستقل؟) وكيف وإلى أي حد جاءت الأهداف ترجمة لهذا الإدراك، وكيف نفذت السياسات هذه الأهداف؟ وهل يمكن أن نتبين شكلا للعلاقة بين بعض المصادر الداخلية والخارجية لهذه السياسة من حيث تأثيرها على الصباغة والتنفيذ والنتائج؟

التوجه والأهداف

أولا: التوجه orientation هو الطريقة التي يدرك بها صانعو السياسة الخارجية العالم المحيط والدور الذي تضطلع به دولتهم على صعيده بعبارة أخرى هو الاتجاهات والالتزامات نحو البيئة الخارجية، والاستراتيجية اللازمة لتحقيق الأهداف القومية[8].
ومن ثم فإن دراسة توجه السياسة الخارجية لنظام السادات يقتضي تحليل ما يلي: أولا: رؤية القيادة للدور المصري وذلك في ظل مدركاتها عن النظام العالمي والإقليمي من ناحية وعن طبيعة ضغوط وتحديات الأوضاع الداخلية وخاصة مشكلة عجز الموارد عن مواجهة المتطلبات الاقتصادية الملحة من ناحية أخرى. وحيث أن هذه المدركات في مجموعها تحدد توجه السياسة الخارجية فإنه يمكن القول أن هذا التوجه هو نتاج للمحددات (الذاتية) أي كما تدركها القيادة، وأن هذا الإدراك يتبلور في مفهوم القيادة عن الدور (عزلة، حياد، عدم انحياز، العضوية في تحالف، دور نشط أم سلبي، ثوري أم معتدل…). ونظرًا لهذا الطابع الذاتي للتوجه[9] فإن مفهوم الدور الذي يقترن به يساعد على تفسير الاختلافات في السلوك والتوجه بين مجموعة من دول العالم الثالث التي تشترك في بعض الخصائص أو بالنسبة للدولة الواحدة في ظل قيادتين مختلفتين[10].
ثانيًا: تحديد الأهداف التي يقوم متخذ القرار باختيارها من بين البدائل المطروحة أمامه[11]، ويتأثر ذلك الاختيار برئية القيادة للدور وتواجه عادة دول العالم الثالث –عند تحديد الأهداف ذات الأولوية- معضلة الاختيار بين البدائل في المجموعات الثلاثة الأساسية التالية: المعونة أم الاستقلال، الموارد-الأهداف، الأمن أم التنمية[12].
ولقد واجهت مصر مع السادات وعبد الناصر عدة خيارات في مجال السياسات الدنيا (استراتيجية التنمية) والسياسات العليا[13].
وتتلخص خيارات السياسات العليا في عدة مجموعات من البدائل: الحرب أم السلام مع إسرائيل، العروبة أم المصرية، الحياد الإيجابي أم الانحياز للغرب أو الشرق، أما خيارات استراتيجية التنمية فتتلخص كالآتي: الزراعة أم الصناعة، الاشتراكية أم الرأسمالية الدولة أم القطاع الخاص، التسلطية أم الليبرالية المقيدة[14].
ولقد جاء اختيار السادات من بين هذه البدائل نحو أبرز إعادة بناء توجه السياسة الخارجية المصرية بالمقارنة بنظيره في ظل عبد الناصر. وتتلخص الأهداف الكبرى لهذه السياسة –كما عبر عنها السادات- كالتالي:
– استعادة الأراضي المصرية المحتلة عن طريق التسوية التفاوضية بقدر الإمكان.
– إنهاء الحرب مع إسرائيل نظرًا لضخامة التكلفة الاقتصادية التي أضحى ينوء بها كاهل الاقتصاد المصري.
– تحسين وتدعيم العلاقات مع واشنطن فهي التي تستطيع الضغط على إسرائيل.
– تجديد وإحياء الاقتصاد المصري وذلك بالاستعانة برأس المال الخاص والتكنولوجيا والخبرة الغربية.
– تعديل سياسات مصر الإقليمية والعالمية على نحو يخدم ويحقق هذه الأهداف[15].
هذا وتبرز لنا في هذا الموضع التساؤلات التالية حول أبعاد التوجه الخارجي للسادات:
– هل تعد التطورات في السياسة المصرية مع السادات بمثابة تحول جذري أم مجرد تغيير في طرق وسبل إدارة هذه السياسة؟
– هل حدث التغيير دفعة واحدة أم مر أولا بمرحلة انتقالية؟ وكيف كانت حدود الاستمرارية والتغيير؟
– هل هناك علاقة بين التغيير في السياسات الداخلية والسياسة الاقتصادية وبين التغيير في السياسة الخارجية؟
– وما هي الدوافع لإحداث التغيير –أيًا كانت درجته؟
ويمكن الإجابة على هذه التساؤلات على النحو التالي:
من ناحية: لم يكن التغيير في أهداف وسلوك السياسة المصرية مع السادات ناجمًا عن اختلاف التكتيك أو أساليب إدارة هذه السياسة، ولكنه كان يعكس إعادة نظر عميقة في مدركات القيادة للنظام الإقليمي والعالمي ولدور مصر في إطارهما، كما كان يعني أن هناك نوع من المساومة والمقايضة بين أهداف سياسية وأهداف اقتصادية تتعلق بمحاولة التوفيق بين مقتضيات القيام بدور استقلالي نشط وبين مقتضيات مواجهة المشاكل الاقتصادية الملحة[16].
ومن ناحية أخرى: لم يبرز التغيير دفعة واحدة، ولكنه أفصح عن نفسه بقوة بعد حرب أكتوبر التي كانت مصدر شرعية جديدة للسادات، كما فتحت نتائجها الطريق أمام خيارات جديدة للسياسة المصرية داخليًا وخارجيًا وذلك بعد فترة انتقالية (1970- 1973) امتزجت فيها صور الاستمرارية مع التغيير[17].
ومن ناحية ثالثة: يمكن أن نتلمس علاقة معينة بين التغير في السياسات الداخلية والسياسة الاقتصادية وبين التغير في السياسة الخارجية، كيف؟ يتضح لنا من المقارنة بين أهداف مصر (السادات) في مجموعها وبين نظائرها مع عبد الناصر أن هناك نوع من علاقات التأثير المتبادل بين المجموعتين الأساسيتين من المعضلات التي تواجه عملية اختيار هذه الأهداف (السياسات العليا) والسياسات الدنيا (أي استراتيجية التنمية). يتضح أيضًا أن اختيار أحد البديلين في إحدى المجموعات الفرعية إنما يؤثر ويتأثر بالاختيار بين البديلين في المجموعات الفرعية الأخرى. بعبارة أخرى هناك نوع من Policy Package بين البدائل ومن ثم بين الاختيارات المطروحة ومن ثم بين الأهداف.
فمثلا لابد وأن يقود –إلى حد كبير- اختيار بديل القطاع الخاص إلى تطوير علاقات مميزة مع الغرب وإلى الليبرالية المقيدة وإلى السلام مع إسرائيل، وذلك انطلاقًا من بعض التحليلات[18]، التي تقول بوجود نوع من الرابطة بين نمط التنمية في المنطقة العربية (أو في مصر) (مستقلا، أو مندمجًا في النظام الرأسمالي العالمي)، وبين نمط تسوية الصراع العربي الإسرائيلي ونمط العلاقات مع القوتين الأعظم والدول العربية، ولهذا فإذا كانت إعادة بناء توجه وسلوك السياسة المصرية مع السادات قد أبرزت تفصيل نمط التنمية التابعة للغرب فإن هذا ما كان ليتم بدون السلام مع إسرائيل أو بدون تحولات في التوجه نحو القوتين الأعظم (أحادية الاعتماد على الغرب) ونحو الدول العربية (التخلي عن الكفاحية والثورية ومن ثم مهادنة النظم العربية “المحافظة”). بعبارة أخرى فإن التغيرات في نموذج التنمية والتغيرات في السياسة الخارجية اتسمت بالاعتماد المتبادل أن لم يكن الارتباط Correlation[19].
وهكذا يمكن أن نلاحظ –من ناحية رابعة- أن التوجه العام للسياسة المصرية مع السادات –عكس حلا مختلفًا عن حل عبد الناصر- لتلك المعضلة والتي تواجه تعبئة الموارد والتي تفرض أما التوفيق بين هدفين كبيرين هما الدور الاستقلالي النشط وتحقيق التنمية أو إعطاء أحدهما الأولوية وفقًا لتقدير مدى الحاحة، ففي حين أعطى السادات الأولوية لعملية التنمية التابعة كسبيل لمواجهة الحاح المشاكل الاقتصادية المتفاقمة فإن عبد الناصر أعطى الأولوية لهدف الدور الاستقلالي النشط الذي يرتكز على تعبئة الموارد القومية اللازمة للتنمية المستقلة[20].
ويرجع الاختلاف في الاختيار إلى اختلاف إلحاح المشاكل التي واجهها القائدان في ظل اختلاف إدراكهما لأولويتها وفي ظل إطار دولي وإقليمي وداخلي متغير.
فلقد جاء تقدير السادات لهذه الأولوية نتاج مدركاته[21] عن الأوضاع الاقتصادية المصرية ودرجة الحاحها على ضوء أعباء النفقات العسكرية التي تستنزف جهود التنمية والتي كانت قد بدأت في التعثر منذ منتصف الستينيات. وكان السادات يشعر أنه يتحرك في ظل إطار من الموارد المحدودة التي لا تتوازن (نظرًا لسوء تعبئتها أو سواء استخدامها وتوزيعها) مع تفاقم المشكلة السكانية بأبعادها وعواقبها المختلفة. ومن ثم لعبت العوامل الاقتصادية –كما يقول البعض-[22] دورًا خطيرًا في تحديد أهداف السياسة الخارجية المصرية، فلقد أضحى على هذه السياسة –في نظر السادات- وظيفة ومهمة صعبة –تأثرت بها كل الأهداف الأخرى- ألا وهي تعبئة الموارد الخارجية للتخفيف من حدة الفجوة بين الموارد والاحتياجات وخاصة وأنه كان لتلك الفجوة عواقب سلبية على السياسة المصرية داخليًا (مشاكل وقلاقل اقتصادية وسياسية –كما برز أثناء أحداث يناير 1977) وخارجيًا (صعوبة الاستمرار في اتباع سياسة خارجية نشطة ومستقلة تحركها الحماسة الأيديولوجية)، الأمر الذي رأت القيادة المصرية معه ضرورة البحث عن مساعدة مالية خارجية لمواجهة المشاكل الاقتصادية الداخلية التي أضحت تهدد بقاء النظام ذاته، ومن ثم أعطى السادات الأولوية لمواجهة هذه المشاكل تحقيقًا لهدف أساس هو استمرار النظام والحفاظ عليه، وكان أسلوب المواجهة –أي الاعتماد على الخارج- يتطلب –كما سبقت الإشارة- تغيير استراتيجية المواجهة مع إسرائيل من ناحية وتغيير نمط العلاقات مع القوتين الأعظم والدول العربية من ناحية أخرى، وكان السادات يدرك هذا ويسعى إلى تنفيذه[23].
1- المواجهة مع إسرائيل: كان حسم خيار الحرب أو السلام مع إسرائيل له مدلولات وأبعاد اقتصادية عديدة نظرًا لتكلفة الاستعدادات العسكرية التي اثقلت دائمًا الإمكانيات الاقتصادية المصرية. واجتهد السادات قبل سنة 1973- -مثله في ذلك مثل عبد الناصر- في محاولة الجمع والتوفيق بين مواصلة جهود التنمية وبين الحفاظ على مصداقية القوة العسكرية المصرية ولقد وضع هذا الهدف المزدوج ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد المصري[24].
ثم اختار السادات وبوضوح بعد حرب أكتوبر طريق التسوية التفاوضية من ناحية وسياسة الانفتاح الاقتصادي من ناحية أخرى. ولقد ارتبط الخياران في رؤية السادات حول كيفية مواجهة مشاكل مصر الاقتصادية وحول علاقة هذه المشاكل باستمرار المواجهة العسكرية مع إسرائيل. أي لم يكن بمقدور مصر –كما تصور السادات- أن تعالج هذه المشاكل بالأسلوب الذي اختاره (أي التنمية التابعة للغرب) مع استمرار خطر اندلاع حرب جديدة بينها وبين إسرائيل. ولم تفصح هذه الرؤية عن نفسها بوضوح إلا بعد حرب أكتوبر. ومن هنا يبرز مدلول الفارق بين مضمون كل من ورقة الحوار سنة 1973 وورقة أكتوبر 1974 وما اقترن بهما من تطورات على صعيد الساحة السياسية الداخلية في مصر وعلى صعيد الساحة الدولية (الانفراج) والساحة الاقليمية (تزايد الثروة البترولية).
– وورقة الحوار هي وثيقة سياسية أصدرتها لجنة مشتركة من الاتحاد الاشتراكي والبرلمان المصري في أغسطس 1973. ولقد أكدت الروح العامة للورقة على ضرورة إحياء الاقتصاد المصري وضرورة الصمود في الصراع مع إسرائيل وعلى استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وحماية الصداقة مع الاتحاد السوفيتي بصفة خاصة. وبالرغم من إشارة الورقة إلى عواقب الانفراج على فعالية ونطاق العلاقات بين مصر والقوتين الأعظم إلا أنها لم تعبر صراحة عما كان السادات يفكر فيه حقيقة، فلقد كان الرئيس المصري (ورئيس وزرائه محمود فوزي) يعتقدان أن التقارب مع السعودية يمكن أن يؤدي إلى تعبئة الفوائض العربية البترولية لتمويل برامج التنمية المصرية، وكانا يعتقدان أيضًا أن بداية الانفراج بين القوتين الأعظم تحمل معها إمكانيات انفتاح سياسي واقتصادي لمصر تجاه الغرب يمكن لمصر أن تستغلها مثلها في ذلك مثل الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا. ولكن بالرغم من أن الانفراج كان –في نظر السادات- يتيح لمصر فرصة تبني سياسات جديدة إلا أنه ظل يؤكد أهمية التعاون مع الاتحاد السوفيتي وزيادة التضامن العربي لمساندة المواجهة مع إسرائيل ولجذب التمويل العربي. ولم تفصح السيناريوهات الجديدة عن نفسها إلا في أكتوبر سنة 1974[25].
نفى حديث صحفي في 9 أكتوبر سنة 1974 عبر السادات بوضوح عن رؤيته للرابطة بين تدهور الوضع الاقتصادي المصري وبين قرار حرب أكتوبر سنة 1973. حيث فتحت الحرب الطريق أمام المعونة العربية والتي ما كانت لتتجه إلى مصر بدون الإنجاز المصري الفعال في هذه الحرب. كما أوضح من ناحية أخرى استمرار تدهور الوضع الاقتصادي الأمر الذي كان يعني أن على السادات أن يقدم على خطوات أخرى لجذب المزيد من المعونات والاستثمارات العربية والأجنبية أيضًا. واقتضى هذا إعادة تشكيل السياسة الاقتصادية المصرية والحفاظ على تدعيم السلام في المنطقة. ومن هنا يبرز مغزى ورقة أكتوبر 1974[26].
-فلقد جاءت هذه الورقة- التي تمثل الإعلان عن التحول في توجه السادات- لتجسد عدة أمور معًا:
من ناحية: أولوية قضية التنمية على قضية الحرب والدور المستقل وفي هذا الصدد قال السادات “… التنمية بالنسبة لنا قضية حياة أو موت”… ولذلك فإن نجاحنا في معركة التنمية هو الذي سيحدد أوضاعنا المحلية والدولية”، وطبقًا لهذه الرؤية كانت سياسة المواجهة المستمرة من أجل الدفاع عن الدور الاستقلالي النشط تؤدي ليس فقط إلى التضحية بالهدف التنممي ولكن أيضًا المساس بالاستقلال الوطني. ومن هنا كانت دعوة السادات لأن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب حتى لا تثقل الأعباء العسكرية على جهود التنمية. وفي هذا الصدد ذكر السادات في الورقة أن عبء الانفاق العسكري قد هبط بمعدل التنمية في مصر من 6.7% وهي النسبة التي سادت الفترة (1956- 1965) إلى أقل من 0.5%..، ومن ثم فإن المهم هو تحرير الأرض المصرية دون “تبذير” أو “بعثرة” الموارد المحدودة في حرب غير مأمونة العواقب في الوقت الراهن[27].
ومن ناحية أخرى عكست هذه الورقة تصور القيادة المصرية لأسس ومنطلقات سياسة الانفتاح الاقتصادي، فقد ركزت الورقة –في المجال الاقتصادي- على أمرين، أولهما: ضرورة تنقية التجربة المصرية من كل السلبيات التي أعاقت حركتها ومن ثم ضرورة إصلاح القطاع العام وتوفير الظروف التي تساعد القطاع الخاص على تدعيم وتنمية نشاطه الإنتاجي وثانيهما ضرورة المواءمة بين حركة العمل الوطني في المجال الاقتصادي وبين الظروف الجديدة التي يعيشها العالم، ومن ثم فإن الاقتصاد المصري في أمس الحاجة إلى الموارد الخارجية التي تلزم لتقويته ولدفع معدلات نموه والتي يمكن الحصول عليها من فوائض الدول العربية البترولية ومن خلال الترحيب بالاستثمارات الأجنبية بالاستثمارات الأجنبية ومن خلال فتح المناطق الحرة وجعل مصر مركزًا عالميًا وإقليميًا[28]. وهكذا نجد أن تلك الدعوة للانفتاح استندت إلى حساب للاجتياحات الاقتصادية المصرية من ناحية، وللموارد الخارجية المتاحة والمعروضة (رأس المال العربي البترولي) من ناحية أخرى، كما استندت إلى عدة مبررات تتلخص في فشل التجربة الناصرية الاشتراكية وفي الإطار الدولي للانفراج، ومن ثم اتخذت هذه السياسة لنفسها أهدافًا محددة هي جذب رؤوس الأموال الأجنبية من خلال سياسة استثمار ليبرالية، أي فتح مرحلة جديدة للتنمية الاقتصادية المصرية من خلال مشروعات ثلاثية مشتركة بين رأس المال البترولي العربي والعمالة المصرية والتكنولوجيا والإدارة الغربية[29].
وكانت هذه الأهداف هي السبيل في إطار هذه السياسة الجديدة لعلاج وإصلاح عديد من الأوضاع التي ارتبطت بالتجربة الناصرية وهي: الاعتماد على القطع العام، العلاقات الاقتصادية الوطيدة مع الاتحاد السوفيتي، العداء للاستثمارات الخارجية، العداء للنظم العربية المحافظة الغنية[30].
2- العلاقات مع القوتين الأعظم: انطلق توجه السادات نحو البحث عن علاقات متميزة مع الولايات المتحدة على حساب العلاقات مع الاتحاد السوفيتي من عدة اعتبارات أخرى منها: عدائه للسوفيت وللشيوعية والذي أفصحت عنه نغمة تصريحاته المختلفة التي تكررت فيها إشارته لتجاربه السلبية مع السوفيت، واعتقاده في امتلاك الولايات المتحدة لأوراق الضغط على إسرائيل، وفي قدرتها على مساعدة مصر في حل مشاكلها الاقتصادية، كذلك اعتقد السادات أنه في حالة ما إذا أصبحت مصر حجر الزاوية للسياسة الأمريكية في المنطقة فإنه سيتقلص أثر الاتجاه العربي المعارض للسياسة المصرية تجاه إسرائيل، وأخيرًا سهلت رؤيته للانفراج الدولي كاتفاق بين القوتين الأعظم على القضايا الدولية بحيث لم يعد هناك فرقًا بين موقفيهما من قضية الشرق الأوسط سهلت له تبرير التحول من الاعتماد على إحداهما إلى الاعتماد على الأخرى[31].
3- العلاقات مع الدول العربية: أن رؤية السادات لضرورة اجتذاب رؤوس الأموال البترولية العربية إلى مصر اقترنت برؤية خاصة لوضع ولدور مصر في النظام العربي. فعلى عكس عبد الناصر الذي رأى في الساحة العربية المجال الطبيعي والأساس للقيادة أو النفوذ المصري، فإن السادات لم يفهم ضرورة اتباع سياسة عربية نشطة للحفاظ على هذه القيادة لأنه اعتقد أن هذه القيادة لا يمكن تحديها أو انتزاعها من مصر لأنها خصيصة هيكلية، ولكن في نفس الوقت أدرك السادات أن القيد الأساسي على الدور المصري النشط في المنطقة العربية يكمن في قصور مواردها بالمقارنة بموارد المراكز الجديدة للثروة في المنطقة[32]. ولقد أراد في البداية (1970- 1973) مهادنة هذه المراكز لتعبئة جبهة عربية ضد إسرائيل، ثم أراد أن يحصل منها بعد ذلك (1974- 1977) على ثمن التضحية المصرية.

ثانيًا: سلوك تعبئة الموارد الخارجية

سلوك السياسة الخارجية هو الذي يتبع لتحقيق الأهداف والذي يترجم التوجه. ولن نتطرق بالطبع إلى تحليل تفصيلي لإبعاد السلوك الخارجي تجاه كل قضايا السياسة الخارجية المصرية[33]. ولكننا سنهتم ببعض الأنماط السلوكية، وهي الأنماط التي تبين كيفية التفاعل أو الترابط بين نموذج التنمية وبين السياسة الخارجية المصرية، ذلك التفاعل الذي بين كما سبق وأشرنا أن هذه السياسة هي جزء من ظاهرة أوسع، ألا وهي تغير التوجه السياسي في مجال التنمية.
ويجدر بنا في البداية أن نشير إلى الملاحظات التالية:
أولا: ضرورة التمييز بين نمطين من أنماط السلوك (وفق محتوى ومضمون كل منهما)، من ناحية: سلوك اقتصادي يفرز سياسات وعلاقات اقتصادية خارجية وداخلية تنصب على تعبئة الموارد الخارجية وينبثق عنها أو يرتبط بها مجموعة من المؤشرات التي توضح نمط هذا السلوك (تابع؟ ولمن؟ أم مستقل؟ وكيف؟) ومن أمثلة هذه المؤشرات المديونية الخارجية ونمط التجارة الخارجية (العلاقة بين معدلات الاستيراد والتصدير والتوزيع الجغرافي للصادرات والواردات)[34].
ومن ناحية أخرى سلوك سياسي يفرز سياسات غير مباشرة لتعبئة الموارد وتتعلق بالتحالفات الإقليمية والدولية اللازمة لتدعيم التحول في السياسات الاقتصادية أو التي هي في الواقع تضغط لأحداث هذا التحول نحو وجهة معينة (ليبرالية) كشرط مسبق لتوجيه الموارد الخارجية (قروض- معونات، استثمارات) نحو مصر، وبمثل هذان النمطان أسلوب مواجهة فجوة الموارد –القدرات والذي يبين كيفية التفاعل بين نموذج التنمية وبين السياسة الخارجية. وهناك أيضًا مؤشرات سياسية على السلوك السياسي للدولة التابعة اقتصاديًا مثل التصويت في الأمم المتحدة ومنح القواعد العسكرية والانحياز إلى مواقف أحدى الكتلتين[35]، ولن تتعرض الدراسة لهذا النمط الأخير من المؤشرات ولكن ستتطرق إلى بعض المؤشرات الاقتصادية ذات المغزى في توضيح معنى التبعية في تعبئة الموارد أو نمط التنمية التابع.
ثانيًا: يجب الاهتمام بملاحظة مدى ودرجة الارتباط بين السياسات الاقتصادية الخارجية والداخلية ومحورها تعبئة الموارد الخارجية) وبين أبعاد السلوك السياسي الخارجي (تجاه إسرائيل وتجاه القوتين الأعظم والدول العربية)، وإلى أي حد يمكن اكتشاف علاقة سببية بين هذه السياسات وهذا السلوك؟ بمعنى آخر أيهما المتغير المستقل وأيهما المتغير التابع؟ أم أن هناك علاقة تأثير متبادل بين الحاجة إلى تعبئة الموارد من الغرب وبين الاندفاع نحو قبول التسوية التفاوضية مع إسرائيل ونحو أحادية الاعتماد على الغرب، أو بين الحاجة إلى تعبئة الموارد البترولية العربية وبين التطور في شكل العلاقات المصرية-العربية؟
ثالثًا: يجب التمييز بين عدة مراحل فرعية تطور خلالها السلوك المصري منذ سنة 1970 وبصورة تدريجية حتى اتضحت ملامح تغيره الحقيقي منذ سنة 1977 وتنتهي المرحلة الأولى مع حرب أكتوبر، وتبدأ الثانية منذ نهاية هذه الحرب وحتى زيارة الرئيس السادات للقدس في نوفمبر سنة 1997، ثم تمتد المرحلة الأخيرة حتى وفاة السادات.
ويلاحظ اختلاف المراحل الثلاثة من حيث أنماط التفاعلات بين السياسات والاقتصاديات المصرية الداخلية والخارجية، وستدور الرؤية المقارنة بين هذه المراحل الثلاثة حول عدة محاور: السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية والمؤشرات الاقتصادية المرتبطة بها، العلاقات مع القوتين الأعظم والدول العربية، وتطور المواجهة مع إسرائيل، وبالطبع لن يتم استعراض تفاصيل علاقات مصر مع هذه الأطراف ولكن المقصود هو إبراز أهم التطورات التي أثرت على المبادلات ذات التأثير المباشر على الاقتصاد المصري وعلى القرارات التي تحدد استراتيجيات النمو الاقتصادي وذلك في إطار المناخ السياسي العام لهذه العلاقات.
وقد تطورت مراحل السلوك المصري في الفترة 1970- 1981 على النحو التالي:

المرحلة الأولى: بين الاستمرارية والتغيير

1- استمرت المعالم الأساسية لإدارة الاقتصاد المصري تقريبًا كما هي دون تغيير جوهري. بيد أن المشاكل الاقتصادية بدأت تتزاحم نتيجة تراخي جهود التنمية وتأثير الاستعداد للحرب على كيفية تخصيص الموارد، ولكن كانت الحملة التي تظهر بين حين وآخر ضد التجربة الناصرية تشير إلى أن ثمة تحولات جذرية سوف تحدث في القريب. ولم تكن صورة الديون الخارجية قد ازدادت حدة بسبب ضبط حركة قطاع التجارة الخارجية وأن كانت الدولة قد بدأت خطواتها الأولى لإحداث تغير في هذه السياسات[36]، فالنظرة المدققة للسياسات الاقتصادية خلال السنوات السابقة على ورقة أكتوبر سنة 1974 تبين أن عدة قرارات كانت تمهد الطريق للإعلان الرسمي عن سياسة الباب المفتوح[37].
2- وبالنسبة للعلاقات مع القوتين الأعظم، فعلى الصعيد السياسي[38] استمرت الولايات المتحدة في مساندتها الكاملة لإسرائيل في نفس الوقت الذي كانت ترسى فيه أسس الانفراج وتحاول إنهاء تورطها في فيتنام. ولم تؤد مبادرة السادات للتسوية الجزئية سنة 1971، أو قرار طرد الخبراء السوفييت (يوليو 1972) أو محاولات الوساطة السعودية أو جهود مستشار الأمن القومي المصري “حافظ إسماعيل” إلى تحسن مناخ العلاقات المصرية –الأمريكية.
وفي المقابل كانت العلاقات المصرية –السوفيتية تواجه عدة تحديات ابتداء من أحداث مايو سنة 1971، ومروا بالمساندة المصرية للنظام السوداني لسحق الانقلاب الشيوعي في يوليه سنة 1972، وانتهاء بطرد الخبراء السوفييت إلى جانب تردد السوفييت في الاستجابة لطلبات مصر من السلاح.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كانت هناك مؤشرات كمية مادية (حجم وتوزيع الاتفاقات الدولية التجارية التي عقدتها مصر مع دول الشرق والغرب، تطور توزيع واردات وصادرات مصر بين الدولتين الأعظم)[39] تدعم التحليلات حول بداية تحول السلوك المصري نحو علاقات أكثر تميزًا مع الغرب عن ذي قبل ولكن دون التضحية بالعلاقات مع الشرق.
والملاحظ أنه في هذه الفترة بدأت تدور في أوساط أكاديمية وسياسة هامة في مصر وعلى صفحات بعض الدوريات الهامة مناقشات وتحليلات حول إمكانية وضرورة إحداث تغيير في السياسة الخارجية المصرية في ظل المعطيات الدولية الجديدة المرتبطة بالانفراج الدولي، وما كانت هذه المناقشات لتتم أو ليعلن عنها في هذه الفترة بدون ضوء أخضر من القيادة السياسية التي أرادت توجيه رسالة غير مباشرة وأخيرة لموسكو قبل انعقاد القمة الأمريكية-السوفيتية الأولى[40].
3- وبالنسبة للعلاقات مع الدول العربية، أراد السادات أن يستفيد من التغير في السوق البترولية لصالح الدول المنتجة (نتائج مؤتمري طهران وطرابلس 1971). وتحرك السادات في عدة طرق، فكان النظام الليبي الجديد هدفه الأول، ثم حاول –مع أول قانون استثمار أجنبي في نوفمبر 1971 وبعد تأسيس البنك العربي الدولي- جذب رأس المال العربي من السعودية والكويت بصفة خاصة[41].
ولقد استطاعت مصر بفضل استمرار الدعم العربي أن تواجه تأثير الاستعدادات للحرب على الموارد. ولقد اقترن هذا الدعم بتطور العلاقات المصرية-العربية في هذه الفترة التي شهدت تحركًا مصريًا لدعم جهة المواجهة وجبهة المساندة في الصراع مع إسرائيل على أساس أن خيار الحرب بمفرده لن يكون كافيًا لتحقيق نتائج فعالة ولكن يجب دعمه بسلاح البترول، ولهذا برز في نفس الوقت اتجاه للتقارب مع الدول البترولية وخاصة السعودية والكويت والجزائر واتجاه لخلق علاقات جديدة مع الأردن وسوريا[42].
بعبارة أخرى حدث تقارب مصري مع دول محافظة ومعتدلة وراديكالية على حد سواء لأن المحك الأساسي كان هو مقدار ما يمكن أن تساعد به هذه العلاقات في تدعيم الجانب المصري-العربي في مواجهة إسرائيل.
ويتضح من المقارنة بين سمات هذه المرحلة وسمات سياسات آخر فترة في حكم عبد الناصر (1967- 1970) أي تحت تأثير عواقب حرب 1967 الداخلية والإقليمية والعالمية[43]، أن هناك قدرًا من الاستمرارية أي أن هذه المرحلة كانت مرحلة انتقالية حتى حانت لحظة الإعلان عن إعادة الهيكلة الحقيقية في توجه وسلوك السياسة الخارجية المصرية بعد حرب أكتوبر.

المرحلة الثانية: التحول والتنازل والانتقال نحو التبعية

وفرت حرب أكتوبر للسادات مصادر شرعية جديدة استند إليها في بداية أحداث التحولات العميقة في السلوك المصري، وساعدة على ذلك تفاعل نتائج الحرب مع متغيرات دولية وإقليمية مؤثرة.
1- فلقد أصبح لحكومته الحرية في الإعلان عن تبني وتنفيذ سياسة الباب المفتوح أي تحرير العلاقات الاقتصادية الخارجية وغيرت سياسة الانفتاح معالم ومضمون الإدارة الاقتصادية للاقتصاد المصري على نحو أبرز مدى الاعتماد على المصادر الخارجية لتمويل عملية التنمية وتراجع دور التخطيط، وشارت التساؤلات حول مستقبل القطاع العام، كما طرحت عديد من قضايا السياسات الاقتصادية للبحث والتطوير بما يتلائم والتوجه الاقتصادي الجديد[44].
وبالرغم من أن إحدى مبررات الانفتاح كان ما سيأتي به الانفتاح من موارد خارجية بدلا من الافتراض أو على الأقل لتقليص حاجة مصر للاقتراض الخارجي، إلا أن النظر إلى مؤشرات حالة الدين الخارجي المصري (1974- 1977)[45] تبين التزايد في حجمه بمعدلات كبيرة بالمقارنة بالفترة من 72- 74 وارتفاع أعباء خدمة الدين بدرجة كبيرة بحيث أضحت مصر من أسوأ دول العالم الثالث في هذا المجال.
2- ولقد لعبت العلاقات المصرية بالدول العربية البترولية دورها في هذا المجال، فكان تمويل العجز (الذي تضاعف سنة 1976 بالمقارنة بسنة 1973) يتم في هذه الفترة عن طريق معونات عربية أو قروض عربية قصيرة الأجل، فضلا عن دخل السياحة العربية ودخول المصريين العاملين بالدول العربية البترولية[46].
ومع تفاقم حجم ديون مصر وتزايد أعباء خدمتها، لم تبد السعودية والولايات المتحدة “والهيئات الاقتصادية والمالية الدولية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) أي استعداد لوضع حد حقيقي وفعال لمتاعب مصر، وخاصة بعد أن تفاقمت أزمة المدفوعات الخارجية (1975- 1976)، فكان كل ما يقدم لمصر مجرد موارد لمنع حدوث انهيار كبير، ولم تكن هذه الموارد بالدرجة التي تكفي الأحداث نقطة تحول هامة في الاقتصاد المصري لماذا؟
هنا يمكن القول أن الدول البترولية العربية[47] اشترطت على مصر، حتى تساعدها ماليًا، أن تقبل شروط صندوق النقد الدولي، أي أن هذه الدول العربية الغنية كانت تتحرك كأدوات منفذه لسياسات مراكز التمويل العالمي التي تمارس ضغوطها على مصر، أي كانت هذه الدول كما يقول البعض[48]، “إداة للرأسمالية العالمية في المنطقة”.
وكانت مصر حتى نهاية 1976 قد قطعت شوطًا كبيرًا نحو قبول شروط صندوق النقد الدولي لتجعل اقتصادها أكثر ملائمة للسوق الرأسمالي العالمي، ولكن ظلت الحكومة المصرية تبدى احجامًا شديدًا عن رفع الدعم وتعديل سعر الجنيه المصري لما لهما من أثار سلبية على القاعدة الشعبية الفقيرة وما يمكن أن يسفر عن ذلك من قلاقل سياسية كما حدث إبان أحداث يناير سنة 1977، ولم تهرع الولايات المتحدة والسعودية لنجدة مصر إلا بعد هذه الأحداث[49].
3- بالنسبة للقوتين الأعظم[50]: فلقد كانت حرب أكتوبر وما أعقبها من تطورات بداية جديدة للدور الأمريكي. وأضحى لهذا الدور تأثيرًا كبيرًا على التغييرات الاقتصادية والسياسية في مصر وذلك بعد أن لعب كيسنجر دوره المشهور في عقد اتفاقيتي فصل القوات على الجبهة المصرية (1974- 1975) على نحو أبرز بداية احتكار الولايات المتحدة لجهود التسوية. ولكن ظلت الحكومة المصرية ترفض عقد صلح منفرد مع إسرائيل لا تشترك فيه سوريا والأردن أو تستبعد منه الفلسطينيون. ولهذا وبالرغم من الدعاية الكبيرة التي أحاطت بالبيان المشترك الصادر عقب زيارة نيكسون لمصر في يونيه سنة 1974 والتي أثارت توقعات مصرية كبيرة، فإن القفزة الحقيقية في المعونات والقروض الأمريكية لمصر لم تحدث إلا سنة 1979 أي بعد أن تخلت مصر عن رفضها لهذا الصلح.
وكانت الولايات المتحدة –كما أشار البعض[51] تدرك حقيقة الروابط السياسية- الاقتصادية في الحالة المصرية، فأدركت أنه حتى لا يصبح التغير في السياسة الخارجية المصرية مجرد تحرك تكتيكي مؤقت فإنه يجب أن يرتبط بتغير في نموذج التنمية وفي الإجراءات والقوانين الاقتصادية السارية. وأعرب كيسنجر للإسرائيلين خلال جولاته “المكوكية” بعد حرب سنة 1973 عن اعتقاده في أن تحرك عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي في مصر بعيدًا عن النموذج الاشتراكي –البيروقراطي يمكن أن يعد بداية تنسيق الهياكل وتكوين المصالح المشتركة الحقيقية بين مصر والولايات المتحدة، ومن ثم فإن المساعدة في تحقيق هذا التحول في مصر نحو الاقتصاد الليبرالي التنافسي يقتضي من الغرب تقديم التكنولوجيا والفروض المعونات. وهكذا يمكن فهم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة (من خلال صندوق النقد الدولي والسعودية) على الاقتصاد المصري لإدخال تعديلات تدعم اندماجه في النظام الرأسمالي العالمي من ناحية وتدفع مصر لتقديم المزيد من التنازلات السياسية لإسرائيل من ناحية أخرى.
4- وبالنسبة للاتحاد السوفيتي، ففي حين كانت الاتفاقات المعقودة بين مصر وبين الغرب وخاصة الولايات المتحدة في المجال العسكري قد تضاعف في الفترة (1974- 1976) بالمقارنة (1972- 1974)، كانت العلاقات المصرية السوفيتية تتدهور حتى وصلت إلى مرحلة خطيرة في مارس سنة 1976 مع إلغاء مصر معاهدة الصداقة والتعاون[52]. وانخفض التبادل التجاري بين مصر والاتحاد السوفيتي لدرجة كبيرة، فبعد أن كان نصيب الاتحاد السوفيتي من الصادرات المصرية 50% في 1970- 1975 انخفض إلى 15% سنة 1975، وانخفضت الواردات المصرية من الاتحاد السوفيتي من 25% إلى 10% في نفس الفترة. وبعد أن رفض الاتحاد السوفيتي إعادة جدولة الديون المصرية والتي وصلت عام 1975 إلى 4 بليون دولار للديون المدنية و7 بليون دولار للديون العسكرية، أعلن السادات في أغسطس 1977 وقف صادرات القطن المصري له كما أوقف في أكتوبر 1977 دفع الديون لمدة عشرة سنوات ابتداء من يناير 1978، ولقد صاحب هذا التدهور في العلاقات الاقتصادية السوفيتية المصرية- تدهور في مناخ العلاقات السياسية جسده إلغاء مصر لمعاهدة الصداقة والتحالف ومساندة السوفييت لليبيا في نزاعها مع مصر في 1976- 1977[53].

ثالثًا: المرحلة الثالثة: سنوات التبعية

1- ساهمت أحداث يناير سنة 1977 في تأجيل بعض التنازلات التي كان يشترطها صندوق النقد الدولي وفي امتداد المفاوضات مع مصر. وأصبحت موافقة الصندوق على تقديم قروض لمصر أمرًا ملحًا لاعتبارين، أولهما اقناع المقرضين الغربيين بسلامة الاقتصاد المصري لأنه مع تزايد خدمة الدين العام أصبح من الضروري دعم القروض العربية (القصيرة الأجل) بقروض غربية متوسطة وطويلة الأجل، ومن ناحية أخرى إزداد هذا الأمر الحاحًا مع قطع الموارد العربية عن مصر بعد كامب ديفيد[54].
وفي الوقت الذي شهد ازدياد هجوم وانتقد السادات للدول العربية بت مصر على أعتاب أزمة مالية حادة على غرار الأزمة التي عانت منها في 75- 1976 والتي ساعدت في احتوائها القروض العربية قصيرة الأجل، ولكن لم يعان الاقتصاد المصري هذه الأزمة فعليًا بل شهد فترة من الانتعاش في 77- 1978 نتيجة وصول المعونات الغربية إلى مستويات لم تتعهدها مصر من قبل وبمعدلات فاقت ما كانت تتلقاه من الدول العربية[55].
2- وتتضح لنا حقيقة هذا الوضع بصورة أعمق على ضوء التطور في شكل العلاقات المصرية بالقوتين الأعظم منذ زيارة السادات للقدس أي بداية مشوار السلام المصري الإسرائيلي.
3- وبالنسبة للاتحاد السوفيتي، فإنه مع سنة 1979 وصل التدهور في العلاقات الاقتصادية مع مصر إلى درجة قصوى، وفي نفس الوقت تدهورت العلاقات السياسية حيث أغلقت القنصليات ببورسعيد والإسكندرية في ديسمبر سنة 1977 ثم طلب من السفير السوفيتي سنة 1981 مغادرة مصر[56].
وبالنسبة للولايات المتحدة، فقد ازداد دورها في عملية السلام على نحو لم تعد معه مجرد وسيط ولكن كشريك كامل، إلا أنها لم تمارس ضغوطًا قوية على إسرائيل، ولكن ساهمت جهود “كارتر” في الوصول إلى اتفاقيتي كامب ديفيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية التي مهدت الطريق لنمو العلاقات العسكرية والاقتصادية المتميزة بين مصر والولايات المتحدة[57].
بعبارة أخرى، فإن رؤية السادات لحيوية دور الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا دفعته (فضلا عن الضغوط التي تعرض لها) إلى مسلكين متكاملين: التخلي عن فكرة التسوية الشاملة، وعرض القيام بدور الشرطي الإقليمي ضد خطر التوسع السوفيتي في المنطقة وذلك لضمان إمدادات السلاح الأمريكي والمعونات الاقتصادية الغربية، وبالمثل فإن الولايات المتحدة قد ربطت بعمق بين برامج مساعدتها الاقتصادية لمصر وبين هدفين متكاملين: الحفاظ على عملية السلام ومساندة الأوضاع الاقتصادية المصرية على نحو يضمن بقاء نظام السادات[58] بعبارة أخرى فإن الفكرتين الأساسيتين اللتين أثرتا على قدر مشاركة الولايات المتحدة في الاقتصاد المصري منذ نهاية السبعينيات هما: من ناحية الاهتمام بالسلاح مع الاعتقاد بقيام مصر بدور حساس في هذه العملية الأمر الذي يتطلب تقديم مساندة لإشباع الحاجات الاقتصادية للشعب المصري، ومن ناحية أخرى: قبول مصر للقيام بإصلاحات في ظل سياسة الباب المفتوح[59].
وحصل السادات على ما كان يطلبه من الولايات المتحدة وأساسًا منذ سنة 1979، فإذا كان إجمالي المساعدات الأمريكية لمصر قد بلغت في الفترة من 1946- 1980 نحو 7.2 بليون دولار فإن معظمها 94% قدم في آواخر السبعينيات[60] أي أن الزيادة الهائلة في المساعدة الاقتصادية الأمريكية تزامنت مع التحول في السياسات المصرية الداخلية والخارجية أي مع تحرير العلاقات الاقتصادية ومع التسوية السلمية المنفصلة مع إسرائيل ومع التدهور في العلاقات مع الشرق ومع القطيعة المصرية-العربية، حيث كانت هذه المساعدات إداة ترغيب أحيانًا وأداة ضغط أحيانًا أخرى.
والأقوال المؤكدة لهذه الرابطة عديدة. فالبعض[61] يشير إلى مقولة “روكفلر” رئيس بنك “تشيس مانهاتن” أثناء زيارته لمصر سنة 1974، كذلك يتحدث آخرون عن سنوات التنازل[62] وعن جائزة حسن السلوك[63]، ويشير البعض إلى العلاقة بين مساعدة الوكالة الدولية للتنمية وبين السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر والتي توضحها عدة وثائق متتالية صدرت عن الوكالة في أواخر 1976[64] وفي 1980[65] وفي 1981[66] وتبرز بعض التحليلات[67] مغزى لقاءات الرئيس السادات في واشنطن (بعد توقيع كامب ديفيد) مع رجال الأعمال والمستثمرين الأمريكيين، ومغزى اجتماعاته مع رئيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تناولت قضية الانفتاح في ظل السلام المصري –الإسرائيلي حيث رأت هذه الأطراف أنه إذا كان عدم استقرار العلاقات بين مصر وإسرائيل في الماضي قد أدى إلى أحجام رؤوس الأموال عن التوجه إلى مصر، فإن على الحكومة المصرية أن تواصل العمل على إصلاح المسار الاقتصادي حتى يصبح الطريق ممهدًا أمام رأس المال الخاص وتتضح لنا هذه الرابط أيضًا من خلال المقارنة بين سمات المراحل الثلاث السابقة لتطور السلوك المصري على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

ثالثًا: التفسير: الوزن النسبي بتأثير المتغيرات الداخلية والخارجية على تحول السياسة الخارجية المصرية في ظل نموذج التنمية التابعة.

يتضح لنا من المقارنة بين التوجه وبين السلوك أن هناك نوع من التطابق بينهما وكان السادات يدرك أنه ليتمكن من تعبئة موارد خارجية من الغرب فإن عليه أن يحدث تحولات في نموذج التنمية المصرية وفي تحالفاته الإقليمية والدولية وهذا ما أوضحه التحليل في الجزء السابق.
وبالنظر إلى الإشكالية الأساسية للدراسة والتي هي محور، أهتمام كل دول نامية والتي تتلخص في كيفية التوفيق بين الاستقلالية النشطة في السياسية الخارجية من ناحية وبين مقتضيات التنمية من ناحية أخرى، يبرز التساؤل التالي[68]: هل حقق التغير في السياسة الخارجية والأولوية التي احتلها نموذج النمو الانفتاحي حل المعادلة الصعبة التي كانت السبب وراء اختباره من جانب القيادة المصرية؟ وتفرض الإجابة على هذا التساؤل تقييم نتائج الانفتاح بالنسبة للقدرات وتفرض الإجابة على هذا التساؤل تقييم نتائج الانفتاح بالنسبة للقدرات المصرية ومدى فعاليتها في مساندة تحقيق الأهداف القومية ذات الأولوية: التنمية وتحرير الأرض المحتلة.
ونثير أيضًا تساؤلا آخر: هل كان السادات مضطر إلى أحداث هذا التحول في نموذج التنمية وما ارتبط به من انعكاسات على السياسة الخارجية؟ أي هل كان هذا التحول هو البديل الممكن أم البديل الذي كان لا مفر منه تحت تأثير الأوضاع الداخلية والخارجية المحيطة بعملية صنع واتخاذ القرار المصري؟ وأي هذه الأوضاع كان الأكثر تأثيرًا على التوجة الجديد وعلى نتائجه؟
وتتطلب الإجابة على هذه التساؤلات الإشارة في البداية إلى الملاحظات التالية:
1- إذا كان التوجه قد القى بنا في غمار تحليل الرؤية الذاتية القيادة لهذه المحددات. أي إلى اعتبار شخصية القيادة كمتغير تدخلى Intervening variable وليس مستقل يحل لنا مشكلة هامة تواجه عملية تفسير السياسة الخارجية لدول العالم الثالث بصفة عامة وهي مشكلة الاختيار بين دراسة تأثير العوامل الهيكلية أو دراسة تأثير العوامل الشخصية[69] فإن تناولنا لهذه المحددات في هذه الجزئية المتعلقة بالتفسير إنما يلقى بنا في غمار المحددات الموضوعية Real Life determinanys التي سقط عليها إدراك القيادة فعكستها رؤيتها في صورة توجه وأهداف من ناحية والتي اصطدم بها السلوك فحكمت على درجة فعاليته في تحقيق الأهداف من ناحية أخرى –أي المحددات التي أثرت في صياغة السياسة وفي نتائجها.
2- ومن ثم فإذا قبلنا أن نتائج السلوك ليست إلا ظاهرة تعكس تأثيرات المحددات الموضوعية، فإن تفسيرنا للسياسة المصرية في السبعينيات يجب أن يستند إلى ركنين أساسيين، من ناحية المعطيات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية لتقدير مدى حجم فجوة الموارد في ظل الهياكل الاجتماعية والاقتصادية القائمة ودلالتها بالنسبة لمدى الحاح المشاكل الاقتصادية وانعكاسها على القدرة على ممارسة الدور الاستقلالي النشط أو الاضطرار إلى الدور السلبي أن لم يكن التابع، ومن ناحية أخرى: المعطيات السياسية والاقتصادية الدولية القائمة.
بعبارة أخرى وبالرغم من تعدد الأبعاد النظرية لتفسير سلوك السياسة الخارجية ومدى تحوله، وبالرغم من تعدد وتنوع الأراء حول الاستناد إلى عامل واحد أو عدة عوامل للقيام بهذا التفسير[70]، فإننا في هذه الجزئية من الدراسة ننطلق من ضرورة الاهتمام بالروابط بين تأثيرات المحددات المختلفة على مستويات مختلفة أي نبحث في وزن تأثير العوامل الاقتصادية ولكن في ظل إطار داخلي وخارجي ذو خصائص معينة وذلك إطلاقًا من الاعتراف بأنه في ظل ظروف معينة قد تصبح مجموعة تغيرات أكثر حيوية وأهمية في تفسير السياسة الخارجية عن مجموعة أخرى، وهذا ينطبق على حالة مصر في السبعينيات- حيث أن ظروفها الاقتصادية وأوضاعها الإقليمية والدولية وخصائص قيادتها تبرر التركيز على كيفية التفاعل بين المشاكل الاقتصادية وبين نموذج التنمية وبين مجموعة من المحددات النظمية الدولية ومجموعة من المتغيرات الداخلية حتى يمكن تفسير إعادة الهيكلة بعد فترة انتقالية (1970- 1973) تبلورت خلالها بعض السمات التي أفصحت عن نفسها باستحياء بعد 1967.
3- ولكن يبقى القول أن هذه الدراسة لا تستطيع الادعاء بتقديم جديد بالمقارنة بما كتب عن سياسة مصر السبعينيات، إلا إذا حاولت أن تقدم تصنيفًا لأهم الاتجاهات التي فسرت ما آلت إليه السياسة المصرية ولغرض محدد بالذات. كيف؟ وما هو؟
من ناحية لا تدعى هذه الدراسة القدرة على الحصر الكامل للكتابات التي تعكس أهم الاتجاهات التي انقسمت بينها التفسيرات بالاستناد إلى مجموعة أو أخرى من المحددات، أو القدرة على مناقشة الأطر النظرية المتنوعة (ليبرالية، تبعية) التي تنطلق منها هذه التفسيرات المختلفة أو الحكم بالخطأ التام أو الصواب التام عليها، ولكن ستحاول هذه الدراسة أن تنظر إلى هذه التفسيرات المختلفة بنظرة تكاملية تساعد على تقديم تفسير كلي متعدد الأبعاد لظاهرة التحول في السياسة المصرية خلال السبعينيات ومن ثم فهي لا تنطلق من القبول الكامل لمنطلقات (التبعية) التي تركز على مسئولية العامل الخارجي، أو لمنطلقات مدرسة (التحديث) التي تركز على أولوية المتغيرات الداخلية. ومن ثم أيضًا فإن التساؤل هل المتغيرات الداخلية أم الخارجية لها الأولوية في التأثير على تحول السياسة المصرية، يجب أن يطرح بشكل آخر: كيف لعبت كل من المجموعتين من المتغيرات دورها في تشكيل وفي تحديد فعالية السياسة المصرية؟
وفي ضوء ذلك سنبدأ بتقديم نماذج لبعض التحليلات المختلفة حول نتائج الانفتاح، ثم تنتقل إل استعراض نماذج لبعض الاتجاهات التي تعطي الأولوية في التفسير إلى تأثير المتغيرات الداخلية أو الخارجية، حتى نصل في النهاية إلى محاولة الجمع بين خيوط هذه التفسيرات المختلفة في تصور مبدئي عن كيفية ودرجة تأثير هذه المتغيرات المتنوعة على تشكيل وفعالية السياسة المصرية.

(أ‌) حول نتائج الانفتاح:

أثرت سياسة الانفتاح كما طبقت في مصر على الاقتصاد المصري وعلى علاقاته الاقتصادية الخارجية بصورة عميقة جعلت من مصر أكثر دول العالم الثالث اعتمادًا على الخارج وتعرضًا للاضطرابات الاقتصادية.
وهنا يجب التمييز بين مجموعتين من الأراء الأولى ترى في الانفتاح بعض الايجابيات، والأخرى تحكم عليه بصورة سلبية.
وتجسد المجموعة الأولى بعض المقولات التي استند عليها البعض[71] في تحليله للاقتصاد السياسي لمصر والتي تتلخص كالآتي:
إن الاعتماد على الخارج يؤدي إلى نمو حقيقي في دول الهامش، وأن هذا الاعتماد لا يتزامن مع استمرار تكريس التخلف والفقر، وأن مصر من بين مجموعة من دول العالم الثالث التي لها من الخصائص والموارد ما يمكنها من تحقيق الرخاء الاقتصادي، ولكنها في حاجة إلى استمرار الاعتماد على الخارج لاستيراد التكنولوجيا المتقدمة وبعض المواد الأولية وإلى أن تكون مركزًا لنشاط البنوك العالمية لما لها من وزن عالمي وإقليمي[72]. بعبارة أخرى فإن هذا الاتجاه يدافع عن إيجابيات نمط التنمية التابعة في وقت تتضاءل فيه فرص نجاح بديلين أخرين هما: الاعتماد الجماعي على الذات مع العرب والعالم الثالث، والتنمية المستقلة. حيث إن هناك –كما يشير البعض الآخر[73] دلائل إيجابية على نجاح النموذج الإنتاجي في إحداث مزيد من التقدم للاقتصاد المصري نظرًا لتحقيق بعض معدلات “النمو” في الدخل القومي وحصيلة النقد الأجنبي.
وتعتبر أيضًا عن هذا الاتجاه بعض الدراسات الغربية لسياسة المعونة الأمريكية لمصر[74]، والتي ترى أن اعتماد مصر على العالم الصناعي الغربي بعد “ثمنا لا مفر منه للنمو” وأن المعونات ذات الأبعاد السياسية تحمل في طياتها مكاسب ملحوظة، ومن ثم فإن علاقات مصر الاقتصادية مع الولايات المتحدة وباقي الدول الصناعية الغربية لا ينطبق عليها تماما –بالرغم من سمات عدم تكافؤها –النموذج التقليدي للتبعية. ومن ثم فإن هذا الاتجاه يخلص إلى أن اعتماد السادات على الخارج بدرجة كبيرة إنما هو نتاج قرارات وأوضاع اقتصادية ذات جذور سابقة، ومن ثم فإن سياسات الولايات المتحدة وأن م تحقق نجاحًا كبيرًا في دفع الإصلاح الاقتصادي المصري إلا أن هذا الفشل في المساعدة في بناء اقتصاد مصري إنتاجي قادر على الاعتماد على ذاته لم يكن نتاج سعي الولايات المتحدة للحفاظ على مصر في وضع ضعيف وإنما هو نتاج عوامل أخرى داخلية على رأسها عدم قدرة المصريين على إدارة الموارد والتكنولوجيا الجديدة بنجاح.
وهكذا يتضح لنا أن هذه الدراسات المعبرة عن هذا الاتجاه في تقييمها لنتائج الانفتاح الإيجابية تعتمد على مظاهر “النمو التقليدية” وترفض اتهام “النظام الدولي” بتحمل مسئولية الفشل في تحقيق “التنمية الشاملة”.
وتقف على طرف نقيض من هذا الاتجاه دراسات أخرى ترى، أنه رغم بعض الولايات المظهرية لنجاح الانفتاح في تقوية القاعدة الاقتصادية للسياسة الخارجية، أن الانفتاح أدى إلى نتيجتين سلبيتين وهما:
أولا: تحقيق النمو وليس التنمية الشاملة لأن قطاعات الإنتاج المحلي التي تمثل الركيزة الحقيقية للسياسة الخارجية (الصناعة والزراعة) لم تحرز أي تقدم بل وتأخرت نسبيًا الأمر الذي يضعف السياسة المستقلة نظرًا لإضعاف ركيزتها الاقتصادية والاجتماعية[75].
ثانيًا: زيادة الاعتماد على الخارج إلى نقطة الخطر، ويظهر هذا –من تحليل ميزان المدفوعات المصري الذي عبر خلال الفترة (74- 81) عن أربع خصائص أساسية: العجز المستمر والكبير في الميزان التجاري، تعاظم أهمية العوامل الخارجية كمصدر للنقد الأجنبي، تناقص أهمية التصدير السلعي (غير البترولي)، زيادة اندماج مصر في السوق الرأسمالي العالمي، والاعتماد المتزايد على القروض الخارجية[76].
وهذه الخصائص توضح أن قطاعات النمو الرائدة في فترة السبعينيات (السياحة، البترول، القناة، التحويلات، القروض) هي أولا وقبل كل شيء قطاعات تعتمد على الخارج بدرجة خطيرة، ولذلك فإن تطور النمو واستمراره يرتبطان بالتغيرات الخارجية أكثر من ارتباطهما بالإدارة الوطنية وبالتالي يسهل الضغط على السياسة الخارجية المستقلة وضربها عن طريق التحكم في أسسها الاقتصادية[77].
وتجدر الإشارة إلى أن هاتين المجموعتين من الأراء تختلفان أيضًا حول تقدير نتائج السلوك السياسي المصري تجاه إسرائيل وتجاه الدول العربية، ففي مقابل دفاع الأولى عن إيجابية السياسة الخارجية المصرية لاستردادها الأرض المحتلة وعدم خضوعها للضغوط العربية، نجد اتهامها من جانب المجموعة الثانية بالتضحية بالقضية الفلسطينية وبالتضامن مع الدول العربية في سبيل سلام منفصل مع إسرائيل، الأمر الذي ترتب عليه ردود فعل داخلية سلبية من جانب قوى سياسية مصرية مثلت تحديًا لنظام السادات وانتهت باغتياله.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الخلاف بين هاتين المجموعتين من الأراء حول تقييم نتائج الانفتاح الاقتصادي إنما يثير في خلفياته كل أبعاد الجدل حول استراتيجيات التنمية المختلفة وحول النموذج الأمثل للتنمية وما يتطلبه من تغيرات سياسية واجتماعية، وكذلك يثير –ولو بطريقة غير مباشرة- الجدل حول أولوية تأثير المتغيرات الداخلية أو الخارجية على نتائج السياسات المنصرية وعلى تشكيلها في البداية وهذا يقودنا إلى الشق الثاني من التفسير.

(ب) حول تأثير المتغيرات الخارجية والداخلية على تشكيل وفعالية السياسة المصرية:

1- تناولت التحليلات التي تهتم بتفوق تأثير المحددات الخارجية الموضوع من زوايا مختلفة، وفيما يلي إشارة إلى بعض نماذجها.
نجد البعض[78] يدعو للاهتمام بتأثير “العوامل الخارجية على عملية صنع سياسة الباب المفتوح على أساس أنه من الخطأ الفصل بين دراسة هذه العملية في الدول النامية وبين طبيعة المحيط الدولي والضغوط الخارجية، لأن الدول النامية تتعرض بقوة لتأثيرات خارجية نظرًا لضعف مؤسساتها السياسية وعدم استقرارها السياسي والاجتماعي ونظرًا لطبيعة وضعها في الهيكل العام للعلاقات الاقتصادية الدولية الذي يبرز اعتمادها الكبير على الخارج، ومن ثم فإذا قررت القيادة الحاكمة تطبيق استراتيجية تنمية قائمة على المساعدة الخارجية ورأس المال الأجنبي، فإنه يترتب على ذلك ضرورة اتخاذ العديد من الإجراءات اللازمة لجذب هذه المساعدة وهذا المال. وكلما فشلت القيادة في تبني استراتيجية متجانسة تحدد أولويات التنمية وكلما زاد اعتمادها على الخارج كلما زاد تعرضها لضغوط خارجية. ولقد أفرزت هذه الضغوط آثارها الحاسمة على عملية صنع سياسة الباب المفتوح في مصر نظرًا لغموض أهداف هذه السياسة وعدم تحقق رضا كامل حولها بين عناصر الصفوة الحاكمة.
(ب‌) ونجد البعض الآخر[79] يشير إلى أنه إذا كانت طبيعة الموارد البشرية والمادية في الدول التي تقع تحت السيطرة السياسية والاقتصادية الخارجية تمارس تأثيرها على نمط ومعدل النمو الاقتصادي، إلا أن درجة استغلال هذه الموارد بل وأحيانًا اكتشافها تعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الخارجية المسيطرة، ولذلك يجب التركيز على تأثير “العوامل الخارجية والضغوط الخارجية” على تطور السياسة المصرية انطلاقًا من افتراض محدد وهو أنه قد حدث التحول في هذه السياسة من “اقتصاد مغلق” إلى “اقتصاد ليبرالي مفتوح” ليس كنتاج لتطورات داخلية طرأت على توازن القوى بين مختلف أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية ولكن بسبب ضغوط وعوامل خارجية. ومن ثم فإنه لا يمكن أن نفهم ما مرت به مصر دون أن نأخذ في الاعتبار أمرين: أولا- التغيرات التي طرأت على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين القوتين الأعظم في مرحلة الانفراج[80] والتي مارست تأثيرها على وضع مصر بينهما بطريقة مزدوجة. من ناحية اعتمد الاتحاد السوفيتي على نفوذه في مصر كورقة في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول مختلف الصفقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بينهما، وفي نفس الوقت أضحى زيادة التوسع الأمريكي في المنطقة العربية ضرورة حيوية للاقتصاد الأمريكي في ظل تأزم النظام الاقتصادي العالمي. ومن ناحية أخرى: حرم الانفراج دول العالم الثالث ومنها مصر من قدرتها على المناورة بين القوتين الأعظم والتي تمتعت بها خلال فترة الحرب الباردة على النحو الذي مكنها من تعبئة المساندة المالية والسياسية وذلك بالتلاعب بكل من القوتين ضد الأخرى، أما في ظل الانفراج فلقد فقدت دول العالم الثالث قدرتها على تحييد الضغوط المفروضة عليها من إحدى القوتين عن طريق اللجوء إلى الأخرى: ذلك أن كلاهما لم يعد يخشى –في ظل الانفراج- تدخل القوة الأخرى خلال محاولة سيطرته التامة على أحدى دول العالم الثالث، ولذا تأكد لهذه الدول –الواحدة بعد الأخرى- أن أيا من القوتين لن تقبل إلا الولاء الكامل وترك شعارات الحياد وعدم الانحياز في مقابل المساندة السياسية والمعونة الاقتصادية.
ثانيًا: تأثير التطورات في الاقتصاد الإسرائيلي[81] التي أوصلته مع نهاية الستينيات إلى مرحلة برزت فيها حاجته للتوسع كسبيل لحل مشاكله التي لم تعد مجالات توسعه التقليدية (في أوروبا وأمريكا) بقادرة على تقديم الحلول لها، ومن ثم برز التوجه فتح السوق المصرية –ومن خلالها السوق العربية- ومن هنا يبرز مغزى ربط الدوائر الرأسمالية العالمية بين إنهاء الحرب بين مصر وإسرائيل وتطبيع العلاقات بينهما وبين تدفق رؤوس الأموال إلى مصر.
ومن ثم وعلى ضوء مدلول خبرة التاريخ السياسي والاقتصادي لمصر عبر القرنين الماضيين يخلص هذا الاتجاه إلى نتيجة هامة[82] وهي أن العقبات الحقيقية في طريق إقامة نظام اقتصادي مصري يعتمد على الذات لا تتعلق بإمكانيات مصر الاقتصادية بقدر ما تتعلق بظروف العالم المحيط بها. وسوف تظل فرصة مصر لتحقيق هذا الاقتصاد المعتمد على الذات فرصة ضئيلة للغاية إلا إذا حدث أمران: أن تتغير الظروف الدولية التي أدت بمصر إلى ما هي عليه الآن، أو أن تحاول مصر أن تستغل بأقصى قدر ممكن ما تياح أمامها استغلاله من تناقضات فيما بين القوى الدولية التي تحاول إخضاعها.
(جـ) وتهتم اتجاهات كبرى في دراسات الاقتصاد السياسي الدولي بانعكاسات أزمة النظام الاقتصادي العالمي على دول العالم الثالث منذ بداية السبعينيات فإذا كان عقد الستينيات يسمى عقد التنمية وعدم الانحياز فإن عقد السبعينيات يسمى عقد التبعية[83].
بعبارة أخرى فإن هذا التحول إلى المزيد من الأخذ بسياسة الحرية الاقتصادية في مصر وما ترتب عليه من عواقب لا يقتصر على مصر وحدها بل أن مصر تعبر عن نمط عام شهدته عدد كبير من دول العالم الثالث ومن بينها بعض الدول العربية ولو بدرجات مختلفة “كما سنرى”[84].
ولكن ظلت مصر أكثر النماذج حدة من حيث درجة وعواقب الاعتماد على الغرب. أي من الصعب –كما يقول البعض[85] العثور على مثال واحد لدول أخرى حدث فيها هذا التحول بنفس الدرجة من العمق والشمول فهل هذا مرده إلى سمات خاصة للأوضاع الداخلية المصرية؟.
من العرض السابق لهذه النماذج الثلاثة يتضح لنا أنه يندرج ضمن “العوامل الخارجية ما يلي”: قوى ضاغطة خارجية، عوامل نظمية شاملة وخاصة حالة وطبيعة العلاقات بين القوتين الأعظم، وحالة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، وجميع هذه النماذج تبين أن التغيرات في السياسات المصرية ليست نتاج الفلسفة السياسية والاقتصادية للرئيس السادات فقط ولكن نتاج البيئة الخارجية” التي قد تضطر القائد إلى اختيار مجموعة من بدائل دون أخرى، بل ويظل النجاح في تطبيق هذا البديل مرهونًا أيضًا –كما رأينا- بضغوط خارجية.
2- وتتعدد أيضًا الزوايا التي تتناولها التحليلات التي تهتم بتفوق تأثير المتغيرات الداخلية.
(أ‌) فبعضها يكمل الاتجاهات الراديكالية التي ترى أن الدول النامية ليس لديها أية حرية في الاختيار –لأنها تقع تحت السيطرة المباشرة أو غير المباشرة لتأثيرات خارجية، وذلك بالتركيز على توضيح كيف تم التحول إلى سياسة الباب المفتوح وأن مرجع حدوثه كان تغير في توازن القوى والمصالح الاجتماعية والاقتصادية على نحو أبرز نمو قوى اجتماعية جديدة ترتبط مصالحها بقوة بهذه السياسة وبالقوى الضاغطة الخارجية المؤثرة عليها. ومن ثم تبدأ إحدى الدراسات الممثلة لهذا الاتجاه[86]. وبالقول أن: الانفتاح.. ظهر من خلال عملية صراع اجتماعي تدخلت في تحديد مسارها عوامل داخلية وخارجية عديدة…
وأنه كان نتاجًا طبيعيًا لمحاولة القوى الرأسمالية المحلية والأجنبية استعادة المواقع التي أقصتها عنها ثورة يوليه “… فالصراع مع القوى الرأسمالية وكبار الملاك لم يكن ليتوقف بمجرد صدور” القرارات الاشتراكية حيث لم تكن هذه القرارات كافية في حد ذاتها وبالأسلوب الذي تمت به لتجريد هذه القوى من كل أسلحتها، وقد حاولت هذه القوى استغلال الثغرات التي شابت عملية التحول الاجتماعي لتثبيت ما تبقى لها من مواقع وخاصة بعد عواقب هزيمة 1967 على الكيان الاجتماعي وعلى العلاقات العربية-المصرية وعلى العلاقات مع السوفييت والتي معها أصبح الجو مهيئًا من الناحية السياسية لعودة القوى الرأسمالية إلى الساحة المصرية منذ (1971)، حيث أصبحت مصر مستعدة لقبول الاستثمارات الأجنبية وذلك تحت ضغط قلة الموارد، وهكذا بدأ ثم اكتمل المسار بقيام تحالف اجتماعي جديد في ظل طريق رأسمالي للتنمية.
وتمخض ذلك عن تطور ملموس في القاعدة الاقتصادية للنظام الاجتماعي تمثل في نمو الطبقة الرأسمالية ونمط الإنتاج الرأسمالي بمعدلات متسارعة منذ ما بعد 1967. ومن ثم فحين أعلنت سياسة الانفتاح كان سندها الاجتماعي جاهزًا ومع هذه السياسة حدث التحول من رأسمالية الدولة القائدة المستقلة إلى رأسمالية الدولة التابعة التي تستند على تحالف قوى متآلفة في كثير من الدول النامية، ألا وهو التحالف بين الرأسمالية المحلية والأجنبية والدولة.
ويتضح لنا مما سبق أن هذا الاتجاه يطرح انتقادًا راديكاليا لفشل التطبيق الكامل للاشتراكية وأثره على نتائج الصراع الاجتماعي وعلى نحو يساعد –كما سنرى- على تفسير نجاح السادات في إعادة هيكلة توجه نظام عبد الناصر.
(ب‌) وإذا كان اتجاه السابق قد أثار بعض عواقب إنجاز التجربة الناصرية من منطلق معين محوره عدم تطبيقها الكامل للاشتراكية، فإن اتجاهات أخرى تثير بدورها نتائج إنجاز هذه التجربة ولكن من منطلق آخر محوره الهجوم على التجربة الاشتراكية. وهنا تقع كتابات معظم المعلقين الغربيين ومنشورات هيئات المعونة الدولية والتي فسرت التحول في السياسة الاقتصادية المصرية منذ سنة 1970 والتي أضحت تمثل النقيض لسياسة الستينيات بالحاجة إلى علاج عواقب تلك الأخيرة التي أدت إلى حالة الانهيار التي وصل إليها الاقتصاد المصري. ولقد ترجمت هذه الحالة نفسها في العديد من المؤشرات مثل: انخفاض معدل الاستثمار، انخفاض معدل الإدخار مع عجز تدفقات الموارد الخارجية عن تعويض هذا الانخفاض، فشل سياسة الإحلال محل الواردات وفي تخفيف العبء عن ميزان المدفوعات وضخامة الإنفاق العسكري، لقد ازدادت عواقب هذا الانهيار –كما رأت هذه التحليلات- من جراء السياسات المصرية المغامرة في الخارج والبعد عن الواقعية في أسلوب المواجهة مع إسرائيل[87].
ويعبر عن هذا التصور تحليل “جون واتربوري” Waterbury للاقتصاد السياسي المصري[88]، وينطلق[89] من رفض القبول التام لفكر وتحليل التبعية الذي يركز على التأثير الكبير للنظام الدولي، أي الذي وينكر وجود أي فرصة متاحة أمام الدول النامية للحركة المستقلة نظرًا للضغوط الخارجية التي تتعرض لها وتعجز عن الحد من تأثيرها على أزماتها الإنمائية، بعبارة أخرى فهو يرفض منطلقات التبعية في تفسير استمرار التخلف ومن ثم يؤكدان التبعية نتيجة وليست سببًا، أي هي نتيجة لعوامل داخلية من أهمها رؤية القيادة والأوضاع الاقتصادية.
ولهذا كله فهو يلخص في تحليله النهائي[90] إلى رفض مقولة البعض بتأثير ظهور قوى جديدة سائدة في مصر على توجهها نحو الانفتاح، كما يرفض القول أن التبعية الخارجية لمصر هي التي تفسر فشل التجربة الاشتراكية ومن ثم التحول إلى سياسات الحرية الاقتصادية، ولذا أيضًا فهو يلقى بمسئولية وضع نهاية التحول الاشتراكي في مصر على عاتق القطاع العام الذي اثبت عدم كفاءته.
(جـ) وعن التصور الذي يجمع خيوط هذه التفسيرات التي تختلف في بؤر تركيزها وأولوياتها، يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1- توضح القراءة المتعمقة لنماذج التفسيرات المختلفة السابقة أمرين: من ناحية يرجع الاختلاف في إعطاء الأولوية لمجموعة من المتغيرات (داخلية أو خارجية) دون الأخرى إلى اختلاف المنظور الذي ينطلق منه التحليل هو “التبعية Dependency أم المنظور الليبرالي (منظور التحديث) الذي يعترف بوجود علاقات اعتماد Dependence مبعث تفاقمها هو الأوضاع الداخلية.
ومن ناحية أخرى: يمكن أن نلحظ اعترافًا –ولو ضمنيًا- بوجود قدر من التفاعل بين المحددات الداخلية والخارجية.
2- وهكذا يجب إلا يؤدي الاهتمام بالتركيز على تفوق تأثير بعض هذه المحددات –إلى خطأ الوقوع في أسار النظرة الحتمية Deterministic view التي تعني أن لا شيء غير هذه المحددات يؤثر على السياسة الخارجية، حيث أنه إذا كانت الضغوط الخارجية تلعب دورًا هامًا في حالة الدول النامية إلا أن هناك عوامل أخرى تلعب دورها أيضًا. بل أن النسبة بين الفرص المتاحة وبين الضغوط المفروضة من الإطار المحيط قد تتغير انطلاقًًا من تغير عوامل داخلية مثل توافر القيادة القادرة على والراغبة في التعبئة الحقيقية لمختلف الموارد المتاحة أمام الدولة[91].
3- ولهذا وبالرغم من الاعتراف بالنجاح المحدود لتجارب التنمية في هذه الدول وتزايد حدة المشاكل الاقتصادية والسياسية، وبالرغم من الاعتراف أيضًا بأن التوازن بين الاهتمامات الخارجية (وخاصة الدور المستقل الذي يستند على الحماسة الأيديولوجية) وبين الاهتمامات الداخلية (تزايد الحاح المشاكل الاقتصادية) قد تأثر بقوة لصالح الأخيرة وعلى حساب الأولى منذ السبعينيات[92]. إلا أن هذا كله لا يمنع من القول[93]: أن المشكلة الكبرى التي واجهت نظام السادات هي اتجاهه بدرة كبيرة للخارج بحثًا عن الحلول في حين كان من الأفضل النظر أيضًا إلى الداخل والعمل على تعبئة الموارد القومية تعبئة سليمة، ذلك لأن رؤوس الأموال الأجنبية والخبرة التكنولوجية الغربية لم يكن بمقدورها أن تحل العديد من المشاكل الجوهرية (الفساد، اللامبالاة، عدم الكفاءة، ضعف الديمقراطية…)، بل أن هذه المشاكل حالت دون الاستفادة الكاملة من كل هذه العناصر.
ولا تعني هذه الدعوة للبحث عن الحلول في الداخل التقليل من أهمية تأثير الضغوط والعوامل الخارجية، ومن ثم فهي لا تعني أيضًا القبول المطلق للآراء التي فسرت تحول مصر نحو الانفتاح بالحاجة إلى مواجهة المشكلات الاقتصادية التي تراكمت نتيجة عواقب سياسة الانغلاق التي انتهجتها مصر قبل سنة 1970، وذلك لأن هذه السلبيات لم يكن مردها فقط وإلى هذه السياسة –كما يقول البعض- لأن مصر لم تكن طوال الفترة من 1955 إلى 1970 مطلقة الحرية في اختيار سياساتها، ولكنها ومنذ سنة 1967 بل ومنذ سنة 1965 واجهت ضغوطًا خارجية عديدة ساهمت في إضعاف الاستقلالية وفي بروز تلك المشاكل التي استند إليها البعض –كما رأينا- في تبرير التحول إلى الانفتاح كسبيل لعلاج أوضاع اقتصادية داخلية وخارجية فاشلة.
ولهذا كله فإنه عند تفسير التحول في السياسة الخارجية المصرية وعند تقييم نتائج هذا التحول في السبعينيات والذي أبرز التفاعل بين نماذج الانفتاح وبين هذه السياسة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عدة متغيرات هامة في تفاعلها معًا، وهي التي تم استخلاصها على ضوء المقارنة بين نتائج الدراسات حول إعادة هيكلة وتوجه وسلوك السياسات الخارجية لدول العالم الثالث.
وهي تتلخص كالآتي: خصائص القيادة وبمعناها الواسع، طبيعة التفاعلات غير المتكافئة بين الدول الكبرى والصغرى، العلاقات بين القوتين الأعظم[94]. ولقد اجتمع بالفعل التأثير المتبادل بين هذه المتغيرات على السياسة الخارجية المصرية لنظام السادات بحيث لا يمكن القول أن هذه السياسة كانت نتائج شخصية وفلسفة السادات فقط، ولكنها جاءت نتيجة التفاعل بينها وبين أوضاع داخلية وإقليمية وعالمية كانت قد بدأت في التغير منذ سنة 1967 حتى تبلورت وتجسدت مع بداية السبعينيات. أن القادة لا يتحركون في فراغ ومن ثم فإن تصوراتهم ومدركاتهم ونتائجها لا تنبع من فراغ أيضًا، ولكن تحدد الخصائص الهيكلية الداخلية والإقليمية والعالمية سمات البيئة التي يتحرك في ظلها القائد، كما أن طبيعة القيادة تؤثر بدورها على المناخ الذي نمارس في ظله هذه الخصائص تأثيراتها. ويتضح هذا في حالة مصر –السادات على النحو التالي الذي يساعدنا على تفسير إعادة الهيكلة بالمقارنة بسياسة نظام ناصر.
(أ‌) فعلى الصعيد الداخلي: نجد أنه إذا كانت عدة قوى اجتماعية وسياسية قد قاومت تطبيق النموذج الاشتراكي في ظل عبد الناصر ذاته إلا أنه لم تحقق أهدافها في تلك الفترة لأن المركز الرئاسي لم يأخذ جانبها. وعلى العكس فإنه في ظل السادات لم تكن إرادة المركز الرئاسي تتعارض مع مصالح هذه القوى التي كانت ضغوطها قد بدأت في الظهور منذ ما بعد سنة 1967 أي حين بدأت الأوضاع المحيطة بنظام عبد الناصر في التغيير، ومن ثم فحينما أعلنت سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي (1974) كانت أسانيدها الاجتماعية والاقتصادية قائمة ومستعدة للقيام بدورها في ظل عدم رسوخ القوى والمؤسسات التي خلفها نظام ناصر وعجزها عن فرض الاستمرار من بعده، وفي ظل تبلور التغيرات الإقليمية (عواقب الثورة البترولية على نمط توزيع القوة وعلى مصادر ودرجة الصراع) والتغيرات العالمية (الانفراج). ولقد ساعد التزايد في أهمية القوى ذات المصالح المشتركة مع الغرب على اختراق نظام صنع السياسة المصرية والذي قامت به قوى خارجية هامة مثل المنظمات الدولية الاقتصادية والمالية، الحكومات الأجنبية على نحو أدى إلى الاستنزاف المتزايد للقطاعات الاقتصادية الرائدة.
(ب‌) وفيما يتعلق بطريقة التفاعلات غير المتكافئة بين الدول الكبرى والصغرى في ظل القطبية الثنائية فإنه في ظلها سرعان ما تنتقل الدول الصغرى من الشعور بالعرفان لما تقدمه لها الدولة العظمى الحليفة من مساعدات اقتصادية وعسكرية إلى الشعور بالتبعية. ومن ثم تبلور نوايا فصم هذه العلاقات وخاصة إذا وجدت الدولة الصغرى –فرصة تحقيق مكاسب من وراء التحول تجاه القوة العظمى الأخرى. وهذا ما أدركه وفعله السادات. وساعده على ذلك التحول في طبيعة العلاقة بين القوتين الأعظم في هذه الفترة وانعكاساتها على توازنهما في المنطقة هذا يقودنا إلى المتغير التالي.
(جـ) ساعد مناخ الانفراج على تحول مصر نحو الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية حرب أكتوبر سنة 1973 وذلك بعد أن نجح السادات في المناورة بين القوتين الأعظم في الفترة التي شهدت الإعداد لتأسيس هذا الانفراج (70-73). وإذا كان الاتحاد السوفيتي قد اقتصر في دوره بعد 7
تجاه عملية تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بصفة خاصة على اتخاذ مواقف رد الفعل للوساطة الأمريكية، فإن هذه المحدودية للدور السوفيتي لم ترجع فقط إلى التطورات الداخلية في مصر بصفة خاصة والتي سهلت من قيام الولايات المتحدة بدور نشط ولكن ترجع أيضًا إلى طبيعة أهداف وحسابات الاتحاد السوفيتي ذاته والتي بينت كيف أن التراجع في الدور السوفيتي في المنطقة إنما كان تراجعًا محسوبا استند إلى أمور عديدة من أهمها:
أولا: تضاف الأهمية الاستراتيجية لدول المواجهة العربية بين أولويات السياسة السوفيتية نظرًا التضاؤل أهمية المنطقة في تحقيق الاحتياجات العسكرية السوفيتية بالمقارنة باهميتها خلال الستينيات، فلقد تحول الاهتمام الاستراتيجي السوفيتي في السبعينيات. إلى منطقة المحيط الهندي ومنطقة الخليج.
ثانيًا: حرص السوفيت على الحفاظ على الانفراج مع الولايات المتحدة فحيث لم تعد المنطقة تحتل أهميتها السابقة في الاستراتيجية السوفيتية أضحى الاتحاد السوفيتي مستعدًا للتعاون مع الولايات المتحدة بحيث يترك لها حرية التحرك في هذه المنطقة مقابل حصوله على مزايا استراتيجية في مناطق أخرى تحيط بهذه المنطقة (اليمن الجنوبي، اثيوبيا، انجولا ثم أفغانستان) وأيضًا في سبيل الحصول على مزايا اقتصادية من وراء دعم التعاون مع الغرب. وذلك في وقت كان فيه الاتحاد السوفيتي يعاني من مشاكل اقتصادية هامة[95].
فلقد كانت رغبة الاستعانة بالغرب لحل هذه المشاكل من أهم القوى الدافعة –لدى الشرق- إلى التحول نحو الانفراج[96]. ومن هذا المنطلق –أي حرص السوفيت على عنصر التعاون في المجال الاقتصادي والحد من التسلح الاستراتيجي أيضًا- يتضح الاختلاف الأساسي بين سياسة للتعايش السلمي وسياسة الانفراج في المتطور السوفيتي، فإن الاهتمام السوفيتي بهذا التعاون كسبيل أساسي لحل مشاكل الاقتصادية ما كان يمكن أن يتبلور بدون التغيرات السياسية الهامة التي حدثت وأدت إلى انخفاض كبير في توتر العلاقات السياسية بين الشرق والغرب (سياسات بون في الانفتاح على الشرق، محورية الانفراج في سياسة إدارة نيكسون)[97]. وتظل هذه الحقيقة –أي حرص السوفيت على خدمة مصالحه بدعم التعاون الاقتصادي مع الغرب في ظل الانفراج –صالحة لتفسير جانب هام من أسباب تراجع الدور السوفيتي في مصر بصفة خاصة. وذلك مع الأخذ في الاعتبار أبعاد التحليلات[98] حول اختلاف الافتراضات التي انطلقت منها رؤية كل من القوتين الأعظم لسياسات الانفراج وخاصة ما يتعلق بسياسات الربط Linkage Politics بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فإذا كان ينكسون وكيسنجر قد تمسكا بهذت الربط حيث نظرًا إلى التعاون الاقتصادي مع الشرق كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أساسًا وليس مجرد غاية وهدف لتحقيق مكاسب اقتصادية فقط، وإذا كان القادة السوفيت –على العكس- قد حرصوا على تأكيد الفصل بين الأبعاد المختلفة لسياسات الانفراج، في نفس الوقت الذي كانت فيه الأهداف والمكاسب الاقتصادية تحوز الأولوية النسبية على نظائرها السياسية لديهم، إلا أن خبرة النصف الأول من التسعينيات توضح أن الولايات المتحدة قد نجحت في استغلال رغبة الشرق في دعم الأبعاد المختلفة للتعاون الاقتصادي (التجارة، القروض، نقل التكنولوجية) للحصول على تنازلات سياسية كثمن لهذا الدعم وذلك بإغراء السوفيت بالتفاهم حول القضايا التي تهدد استقرار العلاقات بين القوتين الأعظم (وخاصة الشرق الأوسط، الهند الصينية، التسلح الاستراتيجي)[99] ولكن وبعد أن ازدادت منذ سنة 1974 قيود الكونجرس الأمريكي على التعاون الاقتصادي مع الشرق سرعان ما برز عدم استعداد السوفيت لدفع الثمن السياسي لهذا التعاون مهما بلغت أهمية. ومن هذا الغى سنة 1975 الاتفاق التجاري الهام الذي عقد بين القوتين الأعظم في أكتوبر سنة 1972 والذي كان يعد حجر الزاوية في البعد الاقتصادي للانفراج[100]. وبدأت “السياسات المغامرة” السوفيتية في أفريقيا والتي عرضت الانفراج لأزمته الخطيرة خلال النصف الثاني من السبعينيات والتي وصلت إلى قمتها مع غزو أفغانستان، والتي أثارت كل الانتقادات لمدى فعالية سياسات الربط، ومن ثم قادت إلى العودة إلى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على الاتحاد السوفيتي. وظل التراجع المحسوب للدور السوفيتي في المنطقة واضحًا بالرغم من نشاطه في مناطق أخرى. ويعود هذا –كما سبقت الإشارة إلى تضاؤل أهميتها في الاستراتيجية السوفيتية بالمقارنة بهذه المناطق.
(د) أما عن الإطار الإقليمي الذي تحركت في ظله مصر السادات وكانت جزأ من تفاعلاته: فلقد اتسم بعدة خصائص يمكن أن تساعدني فهم تراجع الدور المصري القيادي الذي سبق واينع منذ منتصف الخمسينيات، وفي فهم نمط العلاقات المصرية العربية. ومن أهم المتغيرات التي تشكلت هذه الخصائص في عقد السبعينيات أو التي انبثقت عنها أهم هذه الخصائص متغير الثروة البترولية الذي غير في توجهات النظام العربي والمجتمعات العربية على حد سواء فلقد كان هذا المتغير وراء التغير في نمط توزيع القوة والقيادة (من نمط أحادي يتمحور حول مصر إلى نمط تنتشر وتتعدد فيه مراكز القوة المؤثرة) ومصادرها (اختلاف الأهمية النسبية للقوة العسكرية والسياسية مع بروز أهمية القوة الاقتصادية المالية بصفة خاصة).
كما كانت الثروة البترولية وراء التغير في مصادر الصراعات في المنطقة ودرجة اشتدادها: فلقد تغلبت التوجهات البراجماتية على الحماسة الايديولوجية سواء على صعيد المواجهة مع إسرائيل حيث برزت اتجاهات التسوية السلمية والتفاوضية، أو على صعود العلاقات العربية –العربية ذاتها حيث اهتزت الحدود الفاصلة بين ما يسمى المعسكر الراديكالي والمعسكر المحافظ، أو على صعيد العلاقات مع القوتين الأعظم حيث تغلبت المرونة وروح الحوار مع كل من القوتين بدلا من الاستقطاب الثنائي الحاد للمنطقة بينهما والذي سبق وانقسمت معه الدول العربية بين أما مؤيد للسوفيت أو مؤيد للولايات المتحدة فقط. ومن ثم لم تعد مركز القوة المؤثرة الوحيدة[101].
خلاصة القول أن بعض الظروف (الانفراج) التي أحاطت بالسادات سهلت له اختيار طريق إعادة هيكلة وتوجه السياسة المصرية، كما أن مدركاته لكيفية مواجهة بعض الظروف الأخرى (تأزم الأوضاع الاقتصادية الداخلية واحجام الدول العربية عن تقديم المساعدة المناسبة) ه التي دفعته إلى هذا الاختيار. كما أن بعض الظروف الأخرى (الضغوط الخارجية المتعددة المصادر والتي استغلت نمو قوى اجتماعية واقتصادية جديدة ذات مصالح متشابكة مع مصالحها).
دفعت به ظروف هذا الخيار بدون حسابات مسبقة أو استراتيجيات محددة كان يمكنها أن تساهم في تقليص الآثار السلبية للانفتاح وتجعله قناة إيجابية.
أن حالة السياسة المصرية في ظل نظام السادات إنما تقدم مثالا صارخًا لإحدى دول العالم الثالث التي عاشت جميعها –ولكن بدرجات مختلفة- عقد التبعية الذي واجهت خلاله شبكة من التأثيرات المتبادلة المتداخلة بين أوضاع التبعية الاقتصادية وبين قرارات السياسات العليا.
وفي نفس الوقت الذي يستمر فيه الجدل بين مؤيدي استراتيجيات التنمية المختلفة: أي التنمية بالانتشار، التنمية المستقلة، وفي نفس الوقت الذي يتضح فيه إجماع الدول النامية والغربين المعتدلين حول العواقب السلبية للأوضاع الراهنة للتجارة الدولية، وحركة رؤوس الأموال، إلا أنه يستكر –من ناحية أخرى- تكالب الدول النامية على المعونات والفروض الخارجية وعلى اجتذاب الاستثمارات الأجنبية. ويثير هذا الوضع التساؤلات والشكوك حول الامكانيات الفعلية لتطبيق نموذج التنمية المستقلة الذي يرتكن على الذات مع تطوير أنماط علاقات “رشيدة” مع الخارج، كما يقود هذا الوضع إلى ضرورة الاهتمام بتأثير حالة توازن القوى على المستوى العالمي وعلى المستوى القومي (داخل الدول النامية) والتي لازالت تفرض استمرار نموذج التنمية التابعة[102]. ومن ثم ضرورة الإجابة على التساؤل التالي: ما هي الظروف العالمية والاقليمية والقومية التي يمكن في ظلها أن تخرج دول العالم الثالث من أزمة التنمية وما يرتبط بها من انعكاسات على سياساتها الخارجية وعلى مصيرها كله أن هذا التساؤل وينطلق من واقع رؤية محددة لوضع العالم الثالث في النظام الدولي. وهي الرؤية التي ترفض إلقاء مسئولية كل مشاكله على النظام الدولي فقط (كما يفعل المتطرفون من أبنائه) أو على الأوضاع الداخلية في دولة فقط (كما يفعل المتطرفون الغربيون) ولكن التي تعترف بحقيقة العلاقات التبادلية التداخلية بين تأثيرات العامل الخارجي والعامل الداخلي على السياسات الخارجية لدول العالم الثالث ومن ثم على وضعهم في النظام الدولي[103] والإجابة على التساؤل المطروح عاليًا تحتاج وقفة أخرى ولكنها ضرورية حتى يمكن استشراف البدائل المتاحة والممكنة أمام مصر للتخلص من نموذج التعبئة التابعة للموارد ولعلاج عواقبه على السياسة الخارجية المصرية وذلك انطلاقًا من الافتراض النظري الأساسي للدراسة ألا وهو وجود علاقة حيوية بين نموذج التنمية (وما ارتبط به من أساليب تعبئة الموارد) وبين توجه وسلوك السياسة الخارجية في دول العالم الثالث.
*****

الهوامش:

[1] Charles F. Herman, Maurice East: Introduction (in) M. East, S.Salmore, G.Herman (eds): Why Nations act? Sage Publications, London, 1978, pp.11-24.
– ولمزيد من التفصيل حول أهم افتراضات وخصائص هذا البعد والتي يتضح منها أنها تثير كل أبعاد مفهوم القوة والمصلحة القومية انظر على سبيل المثال:
– M. East: National attributes and foreign Policy, (in) Ibid: pp.124-137.
– James Kean, Pat McGowan: National attributes and Foreign Policy Behavior. (in) P.McGowan (ed): Sage International Yearbook of Foreign Policy Studies Vol. 1. Sage Publication, pp. 223-230.
– Klaus Knorr: Notes on the Analysis of National Capabilities. (in) J.Rosenau, Vincent Davis, M.East (eds): The Analysis of International Politics. Free Press, 1972. Pp. 182- 185.
– Michael Sullivan: International Relations Theories and evidence. Prentice Hill, 1976. Pp. 103-110
[2] – J.Kean, p.McGowan: op. cit. p.226.
[3] C.Claphan: Conclusion: Comparative Foreign Policy and developing states. (in). C.Claphan, W.Wallace (eds): Foreign Policy Making in developing states Westmed, Saxon House, 1977. P. 169.
[4] Bahgat Korany, Ali E. Hillal Dessouki (eds): The Foreign Policied of Arab States. West view Press, AUC, 1984. Pp. 5- 8.
– Bahgat Korany: The Findings, The Two Asian Giants, and decision.
– Making Theory. (in) B. Kovany (ed): How Foreign Policy decisions are made in the Third World West View, 1984. Pp. 168- 172.
– B. Korany: Les Modèles de Politique Étrangère et leur pertinence empirique pour les acteurs du Tiers Monde. Critique et contre proposition. (in) Philippe Braillard (ed): Théories des relations internationals, presses Universitaires de France, 1977. Pp. 152- 157.
[5] Christopher Hill; Theories of Foreign Policy Making for developing countries. (in) C. Claphan, W. Wallace (eds): op. cit. pp. 1- 11.
[6] Charles W. Kegley, Jr; Pat. Mc. Gowan: Political Economy and the Study of Foreign Policy (in) C.Kegley, P. McGowan (eds): The Political Economy of Foreign Policy Behavior. Sage Publication, London, 1981. Pp 7- 20.
[7] حول أبعاد الاختلاف بين المنظور التقليدي لسياسات القوى وبين واحد من أحداث منظورات دراسة العلاقات الدولية وذلك من كيفية تناول كل منهما لوضع ونتائج المتغيرات الاقتصادية المؤثرة على تطور النظام الدولي:
انظر:
– د. نادية محمود مصطفى: نظرية العلاقات الدولية والدعوة إلى منظور جديد. السياسة الدولية- أكتوبر 1985، ص 62-67.
[8] B. Korany, A.E.H. Dessouki: op. cit, p. 15.
[9] أثار هذا المحور في الدراسة الكثير من التساؤلات حول ضرورة الاستعانة “ببعض المناهج الميكروكزمية الخاصة بدراسة التوجهات والتي تظهر في الأدب الخاص بالمنظومة الذهنية Cognitive Map أو الشفرة العملية Operational Code. وبالرغم من الاعتراف باهميتها إلا أن تطبيقها يحتاج إلى تفصيل ليس موضعه هذه الدراسة.
[10] B.Korany: Les Modèles de Politique Etrangère… op. cit. pp. 160- 166.
[11] كان الرئيس السادات يعد مركز صنع واتخاذ القرار الخارجي حول عملية صنع القرار والهيكل السياسي الداخلي في مصر خلال السبعينيات انظر:
A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics: The Foreign Policy of Egypt (in) B.Korany, A.E.H. Dessouki (eds): op.cit. pp. 131- 135.
– وإذا كانت أهم المصادر الداخلية للسياسة الخارجية تتلخص في الخصائص –الشخصية للقيادة وهيكل وعملية القرار وطبيعة النظام السياسي وأخيرًا الخصائص القومية فإن تركيز هذه الدراسة على تحليل التفاعل بين توجه المركز الرئاسي وبين ما تفرضه تأثيرات الخصائص القومية (بالمعنى السابق تحديده) يعني أن الدراسة قد اختارت زاوية خاصة ننظر من خلالها للمصادر الداخلية على النحو الذي يتفق والمنطق النظري لها. هذا فضلا بالطبع عن الاهتمام بالمصادر الخارجية النابعة من النظام الدولي –كما نرى.
[12] B. Korany: A.E>H. Dessouki: op. cit. p. 8.
[13] Low Politics, High Politics.
– حول مدلول هذين المصطلحين انظر: د. نادية محمود مصطفى: مرجع سابق، ص 63.
[14] John Waterbury: Egypt, Burdens of the Past; Options for the Future. Hanover N.H: American University Field Staff, 1976. Introduction).
[15] A.E.H. Dessouki: op. cit. p. 129.
[16] Ibid: p. 119.
[17] J.Waterbury: op.cit.p. 1.
[18] Michel Chatelus: Stratégies pour le Moyen Orient.
– كذلك انظر حول فكرة “الواقعية السياسية”، والعوامل التي ساهمت في إبرازها:
– جميل مطر، د.علي الدين هلال: النظام الإقليمي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بددت، ط 1، سنة 1979، ص 82-83.
[19] B. Korany: Under development and Foreign Policy change: Sadat’s Egypt in Comparative Perspective Canadian Political Science Association Meeting. Halifax, Nova Scotia, May 1981. Pp. 20-21.
[20] د.بهجت قرني: المعادلة الصعبة في السياسة الخارجية المصرية، السياسة الدولية، يوليه 1982، ص 138.
[21] تتطلب دراسة توجه الرئيس السادات تحليلا لبعض أهم تصريحاته وخطبة المتتالية. ولا يتسع نطاق هذه الدراسة لهذه العملية، ومن ثم تم الرجوع إلى بعض المصادر غير المباشرة التي تناولت المنعطفات الهامة في التوجه.
[22] A.E.H. Dessouki: op. cit. pp. 123- 124.
[23] تثور هنا بعض التساؤلات التي لا يتسع للإجابة عليها حجم الدراسة مثل: كيف كان السادات يدرك طبيعة عملية التنمية وأهدافها وأساليبها وكيفية توزيع عوائدها وأعبائها؟ كيف أدرك عواقب التنمية التابعة بالنسبة لاستقلالية القرار المصري؟ هل كان هذا النمط من التنمية سبيله الأساسي للاستمرار في السلطة أم إحياء الاقتصاد المصري ليكون –من جديد ركيزة لدور مستقل؟ وتبرز هذه التساؤلات من ثنايا علامات الاستفهام حول مدى مصداقية التصريحات في التعبير عن التوجه والأهداف الحقيقية وحول العلاقة بين الإدراك والسلوك وحول عواقب سوء الإدراك بالنسبة لنتائج السلوك.
[24] J. Waterbury: op. cit. (Introduction).
[25] J. Waterbury: The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of two regimes. New Jersey Princeton University Press, 1983 pp 124- 127.
[26] Ibid: pp. 127- 128.
[27] نقلا عن د.بهجت قرني: مرجع سابق، ص 139.
[28] نقلا عن د. رمزي زكي: الاقتصاد السياسي لديون مصر الخارجية بحيث متقدم إلى “المؤتمر العلمي السنوي التاسع للاقتصاديين المصريين” حول: الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيرها على البلاد النامية مع اشارة خاصة لمصر. الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، القاهرة: نوفمبر سنة 1984، ص 8- 9.
[29] A.E.H. Dessouki: op. cit. p. 125.
انظر مزيدًا من التفصيل في:
A.E.H. Dessouki: The Politics of income distribution in Egypt. (in) Gouda Abdel-khalek, R. Tignor (eds): The Political Economy of income Distribution in Egypt. Holmes and Meier. New York, 1982. pp.55- 87.
[30] J. Waterbury: Egypt… op. cit. pp. 207- 208.
[31] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics…: op. cit. pp. 129-130.
[32] Ibid: pp. 130- 131.
[33] حول أهمية السلوك في دراسة السياسة الخارجية وحول معايير تصنيف أنماطه، انظر:
– Charles Herman: Foreign Policy Behavior that which is to be explained. (in) C. Herrman, M. East (eds) op. cit. pp. 32-44.
[34] حول استخدام نوعين من المؤشرات الكمية لقياس السلوك التاسع مع التطبيق على مصر (1967- 1976) انظر:
B. Korany: Dépendance Financière et comportement international. Revue Française de Sciences Politiques. No. 6, 1978.
[35] حول العلاقة بين التبعية وبين سلوك السياسة الخارجية أنظر:
– د. محمد السيد سليم: تحليل السياسة الخارجية، دار بروفيشنال للنشر، القاهرة، 1984، ص 173- 176.
[36] د. رمزي زكي: مرجع سابق، ص 7-8.
[37] A.E.H. Dessouki: Policy Making in Egypt: A Case Study of the Open Door Economic Policy Social Problems, Vo. 28. No. 4, 1981 p. 410.
– وحول مزيد من التفصيل عن الإجراءات والخطوات التدريجية للتحول نحو مزيد من الأخذ بسياسة الحرية الاقتصادية انظر:
– Ibid: pp 411- 412.
– J. Waterbury: The Egypt of Nasser and Sadat… op. cit, pp. 128- 131.
[38] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics… op. cit. pp. 135- 139.
– J. Waterbury: op. cit. pp. 392- 393, p. 399.
[39] B.Korany: Dèpendace Financier… op. cit. pp. 1084- 1084.
[40] B.Korany: Underdevelopment and Foreign Policy… op, cit, pp. 12-17.
[41] J. Waterbury: op. cit. pp. 415- 416.
[42] د.نادية محمود مصطفى: دور القوتين الأعظم في حل الصراع العربي الإسرائيلي وأثره على العلاقات المصرية العربية (1967- 1973) في: د. ودودة بدران، د. نادية محمود مصطفى: القوتان الأعظم والعلاقات المصرية العربية، بحث قدم في الندوة التي نظمها قسم العلوم السياسية حول (مصر والوطن العربي) فبراير 1984، كلية الاقتصاد- جامعة القاهرة، ص 70- 75.
[43] انظر: دراسة د. ودودة بدران حول سياسة عبد الناصر منذ ما بعد 1976 وخاصة ما يتعلق بتهدئة مناخ العلاقات مع الدول العربية المحافظة، تلمس طريق الحوار مع واشنطن، الاتجاه نحو التسوية السلمية مع إسرائيل (قبول مبادرة روجرز).
[44] د. رمزي زكي: مرجع سابق، ص 9.
– J. Waterbury: op. cit. pp.130-139.
[45] Osama Hamed: Egypt’s Open Door Economic Policy: and attempt at Economic integration in the Middle East. International Journal of Middle East Studies. Vo 13, No.1, 1981. Pp 4-6.
– J. Waterbury: op. cit. pp. 416.
– حول مزيد من التفصيل عن دور الأموال الخليجية تجاه أزمة الدين الخارجي المصري (75-1976): انظر: عادل حسين، مرجع سابق، ص 155- 255.
[46]J. Waterbury: op. cit. pp.421
– د.جلال أمين: التحول إلى الانفتاح: العوامل الخارجية (في) د.جودة عبد الخالق (محرر) الانفتاح: الجذور والحصاد والمستقبل، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة، 1982، ص 107- 108.
[47] عادل حسين، مرجع سابق، ص 200.
[48] A.E.H. Dessouki, Policy Making in Egypt…op. cit. pp. 413- 414.
[49] J. Waterbury: op. cit. pp. 394-395, pp. 400, 403.
– A.E.H. Dessouki: Egypt and the Great Powers (1973- 1981). Institute of Developing Economies Tokyo, Japan, 1983. Pp. 28- 66.
[50] B. Korany: Underdevelopment and Foreign Policy Change. Op. cit. p. 27.
[51] B. Korany: Dépendance Financière…. Op. cit. 1084. P.5.
[52] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics. Op. cit. p. 136.
[53] J. Waterbury: op. cit. p. 410- 412.
[54] د.جلال أمين: مرجع سابق، ص 110- 111.
[55] A.E.H.Dessouki: op. cit. pp. 140-142.
[56] Ibid: pp. 139- 140.
[57] J.Waterbury: op. cit. pp. 401- 402.
[58]Donald Brown: Egypt and the U.S Collaboration in Economic Development. Middle East Journal, Vo. 35, No. 1, 1981. P. 8.
[59] حول حجم وتوزيع هذه المساعدات على المجالات المختلفة أنظر:
– Donald Brown: op. cit. pp. 8- 14.
– Marvin G. Weinbaum: Politics and Development in Foreign Aid: US Economic Assistance to Egypt (1975- 1982). Middle East Journal. Vol 37, No. 4, 1983. Pp. 636- 655.
– وحول دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر، انظر:
– Stanley Reed: Dateline Cairo “Shaken Pillar Foreign Policy Vol. 45, 1981, 1982. Pp. 176- 179.
– وحول التطور في عدد المؤشرات الاقتصادية التي تبرز مدى التحول نحو أحادية الاعتماد على الغرب (1971- 1981) انظر:
– د.بهجت قرني: مرجع سابق، ص 141- 142.
[60] J. Waterbury: op. cit. p. 207.
– عادل حسين: ص 189- 190.
[61] د.جلال أمين: مرجع سابق، ص 98- 99.
[62] المرجع السابق، ص 111.
– عادل حسين: ص 174- 176، ص 187- 188.
[63] المرجع السابق، ص 257- 258.
[64] المرجع السابق، ص 262.
[65] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics. Op. cit. p. 141.
[66] عادل حسين: مرجع سابق، ص 513.
[67] د.بهجت قرني: مرجع سابق، ص 142.
[68] B. Korany: Underdevelopment and Foreign Policy Change. Op. cit. p. 19.
[69] C. Herman, M. East. Op. cit. pp. 7- 23.
[70] J. Waterbury: op. cit. pp. 22- 27.
[71] Ibid: pp. 38- 39.
[72] Donald Brown: op. cit. pp. 6-7.
[73] Marving G. Weinbaum: Dependen development and U.S. Economic Aid to Egypt. International Journal of Middle East Studies. May 1986. Pp. 119- 120.
[74] د.بهجت قرني: مرجع سابق، ص 143.
كذلك انظر:
– Marie Christine Aulas: Egypt Confronts Peace. Merip Reports. Vol. 31, No. 9, November 1978. pp. 3- 11.
[75] د. رمزي زكي: مرجع سابق، ص 14.
[76] د.بهجت قرني: مرجع سابق، ص 143.
كذلك انظر: د.جلال أمين: مرجع سابق، ص 112- 113.
[77] A.E.H. Dessouki: Policy Making in Egypt… op. cit: pp. 412- 414.
[78] Galal Amin: External Factors in the Reorientation of Egypt’s Economic Policy. (in) Malcolm Kerr, El Sayed Yassin (eds): Rich and Poor States in the Middle East. 1982. Pp. 285- 286.
[79] Ibid: pp. 30- 301.
[80] Ibid: pp. 303- 309.
[81] د.جلال أمين: مرجع سابق، ص 119- 120.
[82] C. Diaphane: op. cit. pp. 169- 170.
[83] يجدر الإشارة إلى أن الاتجاه القوي نحو الغرب للحصول على مزيد من القروض ولجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا ولتنشيط المبادلات التجارية لم يقتصر على دول العالم الثالث فقط ولكن عرفته أيضًا خلال السبعينيات دول شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي وأن اختلفت بالطبع الدوافع والنتائج. انظر على سبيل المثال:
– Michael Montias: Observations on Trends in East-West Trade in the 1970’s (in) Steven Bethlen, Ivan Volgyes (eds):Europe and the Superpowers. Westview Replica Editica Edition 1985. Pp. 129- 140.
[84] د. جلال أمين: مرجع سابق، ص 92- 93.
[85] د. إبراهيم العيسوي: للتحول إلى الانفتاح: العوامل الداخلية (في) د.جودة عبد الخالق (محرر): مرجع سابق، ص 71-89.
[86] د.جلال أمين: مرجع سابق، ص 93- 95.
[87] J. Waterbury: op. cit. pp. 20-40.
[88] Ibid: pp 3-5.
[89] Ibid: pp. 432- 433.
[90] B. Korany, A.E.H. Dessouki: The Global System and Arab Foreign Policies: The Primacy of constraints (in) B.Korany, A.E.H. Dessouki (eds): op. cit. p. 35.
[91] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economics…op. cit. p. 125.
[92] A.H.E. Dessouki: Policy Making… op. cit, pp. 415- 416.
[93] A.E.H. Dessouki: The Primacy of Economic… op. cit. p. 121.
[94] د.ودودة بدران: دور القوتين الأعظم في حل الصراع العربي الإسرائيلي وأثره على العلاقات المصرية العربية (1973- 1980)، (في) د. ودودة بدران، د.نادية محمود مصطفى، مرجع سابق، ص 96.
[95] Joan Edelman Spero: The Politics of International Economic Relations. St. Martin’s Press, New York, 1981 (2′ edition). pp. 297- 300.
[96] Franklyn D. Holzman, Robert legvold: The Economics and Politics of East-West Relations. (in) Fred Bergsten, Lawrence Krause (eds): World Politics and International Economics. Brookings Institute, Washington, D. C., 1975. p. 296.
[97] انظر ملخصنا لبعض أهم هذه التحليلات في: د.نادية محمود مصطفى: القوتان الأعظم والعالم الثالث من الحرب الباردة إلى الحرب الباردة، مجلة الفكر الاستراتيجي العربي- عدد يوليه- أكتوبر سنة 1986.
[98] F. Holzman, R. Legvold: op. cit, pp. 294- 295.
– وحول مزيد من التفصيل عن مدى انطباق الانفراج من عدمه على تنافس القوتين الأعظم في الشرق الأوسط، انظر: د.نادية محمود مصطفى: النظام الدولي السائد والنظام الإقليمي العربي، (في) د. ودودة بدران، د.نادية محمود مصطفى: مرجع سابق، ص 20-27.
[99] J. E. Spero: op. cit. pp. 314-319.
[100] حول تحليل تفصيلي لهذه الخصائص ومدلولها بالنسبة للسياسة المصرية انظر على سبيل المثال:
Paul C. Noble, The Arab System: Opportunities, Constraints, Pressures. (in) B. Korany, A. Dessouki (eds): op. cit. pp. 50- 67.
[101] فعلى سبيل المثال استطاعت دول شرق أوروبا –ماعدا بولندا- أن تحكم وتسيطر على حجم الدين الخارجي بعد أن تضاعف ما يقرب من الثلاث مرات خلال النصف الثاني من السبعينيات.
[102] عادل حسين: مرجع سابق، ص 283- 299، ص ص 330- 355.
[103] من الأعمال الهامة الممثلة لهذه النظرة التوفيقية، انظر:
– Robert L. Rothstein: The Weak in the World of the Strange The developing Countries in the International golem, Columbia University Press, Now York, 1977.

نُشرت هذه الدراسة (في): د. علي الدين هلال (محرر): دراسات في السياسة الخارجية المصرية من ابن طولون إلى أنور السادات، جامعة القاهرة:مركز البحوث والدراسات السياسية، 1987م

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق