د. منى أبو الفضل

د. منى أبو الفضل.. مراحل المشروع الفكري

ما بين انفتاح وخصوبة الفكر، وعزلة ومعاناة الإنسان أمضت د. منى أبو الفضل الأستاذة العالمة – كغيرها من المفكرين الاستثنائيين – سنوات عمرها الستيني، كان لكلا النقيضين (الانفتاح إلى حد الجدل، والعزلة إلى حد الوحدة) وظيفته في إنماء مشروعها الفكري وتفجير طاقاته، كما كان لهما أثرهما في خلق أزماته وجدلياته، وكما أن أيا من البشر – حتى الأنبياء منهم

لم يقدم مشروعا مغلقا، فإن الدكتورة منى أبو الفضل بدورها تركت مشروعها الفكري مفتوحا يطلب إسهامات آخرين أولهم من يمكن اعتبارهم تلامذتها وعناصر مدرستها الفكرية.
مشروع منى أبو الفضل: مراحل أربعة
في نهاية السبعينيات من القرن الماضي كان موعد القدر مع الأستاذة الشابة العائدة من أوروبا لتطرح إرهاصات مشروعها الفكري، مشروع عناصره: الإسلام، والتجديد، أسئلته: كيف يمكن لأبناء القرن الجديد في العالم العربي والإسلامي أن يقدموا رؤية أصيلة جديدة لحل أزماتهم الفكرية والحضارية والحياتية المركبة من واقع قيم هذا الدين ومبادئه؟ رؤية تحمل بعنصريها (الدين والحياة) حلا تاريخيا لأزمة التمزق والانفصام بين الأصيل والوافد التي يعانيها الجميع على مستويي الوجود الفردي والجماعي على حد سواء.. اشتركت د. منى مع كثيرين سبقوها ولحقوها في مغامرة الإجابة عن هذا السؤال المصيري ومواجهة تبعاته وخوض حروبه مع الخصوم، سواء أصحاب الطرح التغريبي العلماني أو الطرح السلفي المتشدد.
كان تفاعلها العميق بين معايشة الفكر الغربي (رمز القوة والنجاح الحضاري الراهن) عبر سنوات الدراسة الطويلة في جامعات ومكتبات أوروبا وبين تكوين وتربية شرقية متدينة منفتحة على الحياة تعانقت مع تشرب خبرة نجاح مشروع والدتها الدكتورة زهيرة عابدين في خدمة المجتمع من خلال الجمع بين العلم والأثر المعنوي الهائل للدين قد أثمرا لديها في النهاية بنية إنسانية متماسكة حلت معضلات التناقض الشخصي بين الحداثة والدين، ووجدت أن الدين يمكن بل يتعين أن يكون قوة هائلة في الخروج بحلول لأزمة الإنسان المسلم.. كغيرها وجدت د. منى في نجاح معضلتها الفردية إرهاصة تصلح للتعميم والخروج بمعادلة الحل لمعضلات الوجود الجماعي، وإشارة نحو مشروع أكبر ربما يحتاج إلى تكريس للذات وكثير من الجهد والعمل الفكري أو لنقل رسالة حياة.
بداية الرحلة والسؤال المؤرق
هكذا بدأت رحلتها الطويلة للإجابة عن السؤال المؤرق: كيف يمكن تفعيل الإسلام كمصدر هائل للقيم والأفكار وللطاقة الروحية في الأمة بأسرها لإخراج العالم الإسلامي من أزمته الحضارية المستحكمة؟
عادت الدكتورة منى إلى وطنها والسؤال القديم لا يزال معلقا، فمن أهمهم السؤال تباينت عزائمهم في الإجابة عنه، بعضهم اعتبر مجرد طرح السؤال كافيا، وآخرون اكتفوا بالدعوة إلى حل المعادلة، وبعضهم الآخر قدم حلولا دينية محضة دون جهد فكري، وآخرون بذلوا جهودا فكرية تباينت محصلتها.
عادت العالمة المصرية الشابة في مطلع الثمانينيات إلى جامعة القاهرة التي كانت تعتمل بصراعات غلب عليها الطابع الأيديولوجي بين اليسار الماركسي، وتيار التغريب بنزعته الاستسلامية وشعاراته الاستهلاكية الفردية المستقوية بالحكم، والتيار السلفي الجامح الذي اجتاح مجتمعا مأزوما لافظا فكرة التجديد وطارحا الحلول في كتب السلف وتجربتهم.. لا شك أن ذلك المناخ المستفز والصراع حول هوية مشروع النهضة “كان محركا لفكر الأستاذة العائدة إلى جانب عوامل أخرى أولها قراءتها لمشروع د. حامد ربيع الذي طرح ثلاثة نماذج حضارية كبرى وضع النموذج الإسلامي واحدا منها، وذلك لأول مرة في المؤسسة الأكاديمية المصرية التي قامت على قواعد راسخة من العلمانية“.
خبرة الصراع الفكري أضيفت لها في جديد العودة احتكاك د. منى بالقاعدة الطلابية من خلال تدريس النظم العربية وقبلها الفكر الغربي.. إن لغة الأستاذة الإنجليزية شديدة الرقي والصعوبة كونها لغة أمهات الكتب، وصعوبة تعبيرها عن أفكارها باللغة العربية البسيطة، فضلا عن أسلوبها القائم على ممارسة عملية التفكير المعمق بكامل أبعادها ومعاناتها في قاعات الدرس لساعات طويلة بين طلبة تشتعل أفئدتهم بالحماسة وتسيطر عليهم الشعارات الفاقعة وأجواء الصراع السياسي، كل ذلك لم يتح لها فرصا من التفاعل الواسع النطاق مع طلابها، ولقد ظلت قضية اللغة والتواصل بين الدكتورة منى والآخرين منذ تلك اللحظة واحدة من أكبر معضلات حياتها وأسباب معاناتها حتى مع المقربين لها وتلامذتها، لكن هذه الصعوبات بذاتها أتاحت نوعا من الترشيح والانتقاء لعناصر متميزة من الطلبة الذين حملوا ذات الهم وسعوا للارتقاء إلى مستوى الأستاذة بعد أن تلاقحت أفكارهم الجنينية الغضة مع طروحاتها الناضجة الواعدة ونظرتها الجديدة للإسلام كمصدر للمعرفة والتعامل العقلي لا الأيديولوجي مع الأزمة.
المشروع الفكري.. من الفردي إلى المؤسسي
جاءت المرحلة الثالثة في تطور الأستاذة الدكتورة منى أبو الفضل أكثر قدرية من عودتها لمصر في لحظة أزموية فارقة، فقد بدأت رحلتها التاريخية إلى الولايات المتحدة التي بدت في أول الأمر مجرد بعثة علمية عادية لم يكن مقدر لها أن تمتد لأكثر من عام وانتهت رحلة حياتية حطت رحالها مع انطفاء آخر ضوء للحياة فيها.
لقد شاء القدر أن يتماس مشروع د. منى الفردي في تشخيص وحل أزمة الأمة مع مشروع مؤسسي طور بشكل متزامن اتجاها متقاربا واتخذ لنفسه مرفأ بعيدا عن الوطن بآلاف الأميال.. ففي هذه اللحظة القدرية كان عدد من شباب العلماء العرب والمسلمين المهاجرين يضعون ملامح مشروع إسلامية المعرفة في فرجينيا الأمريكية ويرون إبعاد هذا المشروع عن الصراعات والاستقطابات المعتملة في دار الإسلام، وعن الانجرار السياسي والأيديولوجي، كان المشروع يحمل أفقا نظريا فكريا يمثله د. إسماعيل الفاروقي الذي تشابه في تجربته الفكرية وتعمقه في المشروع الغربي مع د. منى، مع جناح إسلامي تجديدي نادر المثال جسده الأصولي الفقيه د. طه العلواني وأجنحة تطبيقية أخرى.
لقد أثمر هذا الاحتكاك طفرة لا نبالغ في وصفها بأنها غير مسبوقة في الخطاب الإسلامي هي الحل أو الطرح المعرفي الإبستمولوجي للأزمة الحضارية للأمة، لقد خبر الخطاب الإسلامي طروحا تتراوح بين الفقهي، والدعوي، وأحاديث نمت الطروح الفكرية والأيديولوجية والجهادية التكفيرية، ومن هنا جاءت القيمة التاريخية للقاء منى أبو الفضل ومجموعة “إسلامية المعرفة” في فرجينيا بالولايات المتحدة.. قيمة تتمثل في تطوير خطاب جديد هو الخطاب المعرفي، حمل هذا الخطاب رؤية متميزة أبعادها أن أسس المعرفة ورؤية الوجود التي ينبني علها التأسيس الحضاري لدى الغرب والشرق متباينة، وأن نهضة الشرق الإسلامي تتوقف على الحفر بعمق حتى المستوى المعرفي / والبحث بعمق في أسس التعامل الإسلامي المعرفي مع الوجود ذاته والوعي بها، كما تتوقف في مرحلة أخرى على النقد الإسلامي لأسس المعرفة الحضارية البديلة التي تفرض نفسها فرضا وتفيض من كل جانب على الوجود الإسلامي، والمقارنة بين النموذجين.. وبعد مرحلة الوعي بأسس تكوين الذات والآخر تبدأ مرحلة تنزيل وسحب هذه الخصائص المعرفية على كافة جوانب الممارسة الفكرية والعلمية بل الحياتية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وحتى فرديا.
في إطار هذه الرؤية بدأت د. منى تجربة خصبة ومريرة في الاندماج مع مشروع إسلامية المعرفة، تجربة أثمرت أهم أفكارها وأعمالها في الخطاب المعرفي، على رأسها تطوير مفهوم المنظور الحضاري للإسلام وتطبيقه على دراسة النظم السياسية العربية، وطرح فكرة الأنساق المعرفية المتقابلة في فهم الذات والآخر، ومحاولة سبر أغوار الأمة عبر نموذج الأمة القطب كتأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام، ونقد النظرية الاجتماعية الغربية المعاصرة، وطرح رؤية معرفية توحيدية بديلة في أصول التنظير.
كانت تجربة فرجينيا ذروة الحياة الفكرية للعالمة منى أبو الفضل أثمرت أهم إنتاجاتها الفكرية على الإطلاق، لكنها لم تخل من رديف المعاناة القدري؛ معاناة العزلة والاغتراب وصعوبة اندماج العقل الاستثنائي في فريق، معاناة تحمل الدكتورة أبو الفضل بعض تبعاتها نتيجة عجزها المزمن في التواصل اللغوي والاجتماعي ونمط توحدها الفكري، وتحمل الأطراف الأخرى بعض تبعاتها جراء سيادة أنماط التفاعل الذكوري في الفكر العربي، وأثر حسابات السياسات والمنافسات الشخصية والانتماءات المناطقية على الجماعة العلمية، ما حال في النهاية دون اندماجها الكامل في المشروع المؤسسي لإسلامية المعرفة، وإن ظلت في قلب وعلى قمة الخطاب المعرفي الإسلامي.
الخطاب النسوي.. مدخل إلى النقد والإصلاح
في النصف الثاني من التسعينيات، اتخذ اهتمام العالمة منى أبو الفضل العلمي مسارا جديدا هو قراءة ونقد الفكر النسوي الغربي، ربما كان هذا التحول أحد تداعيات المعاناة والإخفاق الذي عاناه مشروع إسلامية المعرفة الذي اتجه بعد وفاة أهم منظريه: د. إسماعيل الفاروقي، إلى الاهتمام بالدراسات التطبيقية دون أن تنضج مقدماته النظرية، كما عكس هذا الاتجاه من جانب آخر محاولة من العالمة لتعديل خطابها المغرق في القضايا النظرية إلى قضايا أكثر إلحاحا في البيئة الأمريكية على رأسها الخطاب النسوي المكتسح سياسيا وقانونيا وأكاديميا في الغرب، خاصة بعد أن أقدمت مع زوجها العالم البارز د. طه العلواني على افتتاح مشروع جامعة العلوم الاجتماعية والإسلامية بفرجينيا..
ويبقى من المؤكد أن الباحثة العالمة أبو الفضل قد وجدت وبكل تأكيد في دراسة الفكر النسوي مدخلا لممارسة اهتمامها الأصيل في نقد الفكر الغربي عبر واحد من أهم مساراته وأكثرها نفوذا في القرن الحادي والعشرين.. كانت د. منى ترى في الفكر النسوي مدخلا لبحث فكر ما بعد الحداثة الرافض للقيم الإنسانية المستقرة والداعي لثورة تاريخية على تلك القيم، كما كانت ترى في ذلك مواجهة لواحد من أخطر وآخر أدوات السياسة الغربية في ضرب الأمة الإسلامية من خلال تصدير الأفكار التي تطورت في رحم التيار النسوي الراديكالي والداعية إلى هدم مؤسسة الأسرة التقليدية وإعادة النظر في الدين كمرجعية وهدم منظومة الأدوار الاجتماعية، وفي المقابل طرحت الدكتورة منى سؤالا تتردد في ثناياه أصداء أسئلتها النظرية القديمة: كيف يمكن أن يكون الإسلام قيما ومبادئ وأسسا معرفية منطلقا لإنصاف المرأة المسلمة وإزالة المظالم عنها دون هدم عالمها ودينها.
جمعية دراسات المرأة والحضارة
من هذا المنطلق النظري جاءت رحلتها إلى القاهرة عام 1998 التي أسست خلالها مع مجموعة من طالباتها السابقات في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة جمعية دراسات المرأة والحضارة المؤسسة رسميًّا عام 1999.
وعلى خلاف غالبية المؤسسات المعنية بالمرأة في مصر والعالم العربي، التي تتخذ من الجوانب الاجتماعية الميدانية شغلها الشاغل، ركزت جمعية دراسات المرأة والحضارة برعاية د. منى أبو الفضل بالاقتراب المعرفي من قضايا المرأة ومراجعة التراث الفكري الخاص بالمرأة، سواء ما يتعلق بالكتابات النسوية الغربية أو العربية.. أصدرت الجمعية دورية تحت عنوان “المرأة والحضارة” صدر منها ثلاثة أعداد على مدار ثلاث سنوات من عام 2000 إلى عام 2002، وفي خضم الطفرة غير المسبوقة في الكتابة عن المرأة وقضاياها في الآونة المعاصرة، ورغم قصر عمرها نجحت “المرأة والحضارة” كدورية أكاديمية في أن تحتل مكانة متميزة جعلتها محل اهتمام الباحثين باعتبارها من الإصدارات النادرة التي تركز على الجوانب النظرية والفكرية في دراسات المرأة في العالم الإسلامي وتتخذ نهجًا نقديًّا عميقًا يخلو من التبعية إزاء كل من الفكر الغربي والتراث الإسلامي على حد سواء كما تنفتح عليهما دون عقد الإحساس بالدونية.
طرحت جمعية دراسات المرأة والحضارة في ظل الرعاية الفكرية للدكتورة أبو الفضل طموحات كبيرة من بينها الدعوة إلى إعادة بناء المعرفة النسوية من منظور إسلامي، على أساس القراءة النقدية للنسويات الغربية، وإعادة قراءة المصادر الإسلامية، وجاء العدد الثالث والأخير للدورية والذي قدم قراءة جديدة لموقف القرآن الكريم من قضية المرأة بمثابة واسطة العقد في هذا المشروع الطموح.
مَثَلت جمعية دراسات المرأة والحضارة تجربة متميزة لكل من د. منى أبو الفضل ومجموعة الباحثات المشاركات عبر نشاطات وفعاليات عدة منها ندوة بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر التي صممت د. منى فعالياتها تصميمًا مركبًا قام على أساس المقابلة بين السياق العام والتجربة الخاصة للمفكر، ومن هذه الأنشطة مشروع أوقاف النساء، والمسح المهم الذي أجرته باحثات الجمعية حول خطاب المرأة المعاصرة عبر بيبلوجرافيا للكتب عن ومن المرأة جمعت أكثر من ثلاثة آلاف عنوان ومقدمة تحليلية معمقة.
كانت جمعية دراسات المرأة والحضارة هي الابن الذي لم تنجبه منى أبو الفضل، فقد عاشت هذه السيدة بحق مخلصة لمحراب العلم، وحين أنجبت، أنجبت مدرسة فكرية“.
إن تاريخ العالم الحقيقي هو تاريخ المعاناة لإنسان خلقه الله في كبد كما ذكر تعالى في كتابه الكريم، يختار الإنسان معاناته أحيانًا… هكذا فعلت د. منى طوال حياتها من خلال خياراتها الفكرية الصعبة… وتختاره المعاناة أحيانًا أخرى كما فعل المرض بجسدها الصغير… وما بين الاختيار والقدر تمضي قصة الإنسان التي يصنع كل منهما جزءًا منها.

إسلام أون لاين
5 أكتوبر  2008

د. أماني صالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق