المنطقة العربية

خريطةُ الوضع على الأرض والتَّغيُّرُ في التحالُفات في ليبيا

مـقـدمـة:

يُقاربُ عُمرُ الأزمة السِّياسيَّة الليبيَّة اليوم الأربع سنواتٍ (2014-2018)، ولا بوادر واضحة تلُوحُ في الأفق للوُصُول إلى حـلٍّ قريبٍ، وكلما تأخر أطرافُ الصِّراع في التوصُّل إلى تسويةٍ مُلائمةٍ كانت النتيجة مزيداً من التعقيد في المشهد الليبيِّ، ومزيداً من الوقت الضائع على الوطن في ظل أزماتٍ مُستفحلةٍ كأزمة الانقسام السِّياسيِّ (وهي أخطرُها على الإطلاق، ومن ملامحها حاليّا: دخولُ حُكُومة الوفاق الوطني الـمُنبثقة عن اتفاق الصخيرات طرابلس في مارس 2017 دُون الحُصُول على الثقة من البرلمان الموجُود في طبرق والذي انبثقت عنه حُكُومة عبدالله الثني)، والأزمة الاقتصاديَّة (والتي من ملامحها: نقصُ السُّيُولة النقديَّة في المصـارف، تدنِّي سعر صرف الدينار الليبي في مُقابل العملات الأجنبيَّة، تزايد العجز في المُوازنة العامَّة للدَّولة، ارتفاعُ الأسعــار والتَّضخُّم).. وغيرهـا.
وغنيٌّ عن البيان، أنَّ الأوضاع الحاليَّة في ليبيا تشي بغيابٍ يكادُ يكُونُ كاملاً لمُؤسَّسات الدَّولة وعوز تام للأمن والقانُون، وبالتالي للسلم المُجتمعي والأمان الأهلي، وأن المجتمع والدولة الليبية تواجه الآن مُعظم أزمات بناء الدولة في وقتٍ مُتزامنٍ ما يُفاقمُ تأثيرها ونتائجها. فالمُلاحظ أنَّ هُناك تساؤلات كثيرة حول الهويَّة، ومشاكل مُلحَّة حول الشرعية، وعوزا واضحا في تغلغُـل مُؤسَّسات الدولة، وعجزا كبيرا في قدرات الدَّولة التَّوزيعيَّة، وشُكُوكا حاضرة حول جدوى المشاركة السياسية وتأثيرها على القرار السياسي واتجاهـاته(1).
ومع تزايُد الانقسام السِّياسيِّ في ليبيا وتحوُّل الصراع السِّياسيِّ إلى صراعٍ مُسلَّحٍ بعد انتخابات يونيو 2014 ورفْض الإسلاميين الاعتراف بهزيمتهم في الانتخابات لصالح التيَّار المدنيِّ، أصبح هُناك مُعسكران رئيسيَّان هُما: معسكرُ “عمليَّة الكرامة” بقيادة المُشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطنيِّ الليبيِّ التابع للبرلمان المُنتخب من الشعب، والموجُود في مدينة طبرق (شرق البلاد)، والثاني: “تحالُفُ فجر ليبيا” المدعُـوم من قبل الأحزاب والقوى الإسلاميَّة والمُؤتمر الوطني العام المُنتهية ولايته وحُكُومة الإنقاذ الإسلاميَّة المنحلَّة(2).
وقد نتج عن تلك الأزمة بأبعادها المُختلفة تأثيرات سلبيَّة واضحة على ليبيا، (سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً)، بالإضافة إلى تنامي إرهاب التنظيمات المتطرفة كداعش والقاعدة، ولم تُفلـح جُهُـودُ المُجتمع الدَّوليِّ إلى الآن في حـلّ هـذه الأزمة..، خُصُوصـاً بعثة الأمم المُتحدة للدَّعْـمِ في ليبيا، التي أخفقت في التوفيق بين المصالح السِّياسيَّة لأطـراف الصـراع(3). وشهدت البلادُ في ظل هذه الأوضاع الصعبة تحالفات(*) صراعية متعددة في الشرق والغرب، يسعى كل طرف من خلالها إلى دعم مصالحه، وتحقيق أهـدافـه.
ورغم توقيع الفرقاء الليبيين للاتفاق السياسي بالصخيرات المغربيَّة، برعاية الأمم المتحدة، في 17ديسمبر2015، بعد جولات حوار مضنية وشاقة، لتشكيل المجلس الرئاسي، تمهيداً لتشكيل حكومة الوفاق الوطني. ورغم مباركة المجتمع الدولي لهذا الاتفـاق، إلاَّ أن المخاطر التي تواجهها ليبيا ما تزال قائمة على ما يبدو حتى هذه اللحظة؛ لأنَّ هـذه الخطوة رغـم أهميتها تمثل بدايةَ الطريق الطويل نحو تحقيق السَّلام والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وبناء دولة القانون والمؤسسات، والسير قدماً نحو قيام حكومة الوفاق الوطنيِّ بمهامها، ومعالجة كلِّ المشاكل القائمة، والملفات العالقة، وتطبيق تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق، هذا بالإضافة إلى القلق من مسألة النجاح في تشكيل الحكومة ومنحها الثقة في مجلس النواب في الوقت المحدد، خصوصاً بعد الجدل الذي دار داخل المجلس حول المادة الثامنة بالأحكام الإضافية، والتي رفضها المجلس، وشدَّد على ضرورة إلغائها من الاتفاق السياسي؛ مما تسبب في امتعاض الطرف الآخر (المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته)، الذي أكد على ضرورة قبول الاتفاق حُزمة واحدة(4).
ضمـن هـذا السِّيـاق تتناولُ هـذه الورقة “خريطة الوضع على الأرض والتغير في التحالفات في ليبيا”، خصوصا منذ بداية عملية القضاء على تنظيم “داعش” الإرهابي (في سوريا والعراق وليبيا)، وصعـود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وسيكون ذلك وفق المحـاور الرئيسيـة التـاليـة: أوَّلاً: أبرزُ مـراحـل الأزمـة السِّـيـاسـيَّة الليـبيَّـة، ثانياً: خريطة الصِّراع الليبيِّ وأنماطُ التحالُفات، ثالثاً: مـلامـحُ المشهـد السِّيـاسيِّ الليبيِّ الراهــن.

أولاً- أبرزُ مراحـل الأزمة السِّياسيَّة الليبيَّة:

بدأت بوادرُ الخلافات السِّياسيَّة تلُوحُ في الأفُق عام 2014، حيثُ كانت ولاية المُؤتمر الوطني العام ستنتهي بحلول 7 فبراير من ذلك العام، وبدأت تخرُجُ أصواتٌ من داخله تقترحُ التمديد له حتى نهاية العام، وذلك لم يكُن موضع قبولٍ شعبي، بل خرجت تظاهـرات رافضة له في العديد من المُدُن الليبية خاصة مع تواضُع أداء المؤتمر

الوطني على أصعـدة مُختلفة ومنهـا الجـانب الأمني(5). ورغم ذلك واصل المؤتمر الوطني أداءه لمهامه، بناءً على مقرَّرات خارطة الطريق التي تم إقرارها من المُؤتمر، والتي تنتهي بتسليم السلطة إلى جسم منتخب آخر بعـد عام. وقد أُجريت انتخابات مجلس النواب في أغسطس 2014 وفق قانون الانتخاب قبل أن يتمَّ الطعن في الفقرة (11) من المادة الثلاثين من التعديل الدستوري أمام المحكمة الليبية العُليا التي حكمت في 6 نوفمبر 2014 بعدم دستوريَّة هذه الفقرة، وكلُّ مـا يترتبُ عليها من آثـارٍ.
وبعد جولاتٍ مُضنيةٍ من الحوار تمَّ التوقيعُ على “الاتفاق السِّياسيِّ الليبيِّ” في 17/ديسمبر/2015، في الصخيرات المغربيَّة؛ وهُو اتفاقٌ يتكوَّنُ من سبعةٍ وستين مادَّة، بالإضافة إلى الأحكام الإضافيَّة (15) مادة، والملاحق الستة وهي: أسمـاء المُرشحين لعضـويَّة مجلس رئاسـة الوزراء، أولـويات حُكُـومة الوفـاق الوطني، القـواعـد الأساسية لعمل مجلس الدولة، مقترح لتعديـل الإعـلان الدُّستوريِّ، مبـادئٌ تنظيميَّةٌ لإدارة السياسة الليبية المالية والأصول الوطنية، والترتيبات الأمنية. وقد أكَّد الاتفاق على أنَّ مدة ولاية حكومة الوفاق عامٌ واحدٌ يبدأ من تاريخ نيلها ثقة البرلمان، وفي حال عدم إصدار الدستور خلال ولايتها يتم التجديد لها تلقائيّاً لعامٍ إضافي. وفيما يتعلق بدخول الاتفاق حيز التنفيذ فقد نصت المادة (67) على التالي: “يدخـل هـذا الاتفـاق حيز التنفيذ فـور قيـام أطـراف الحـوار السيـاسي بإقـراره واعتمـاده كـامـلا وتوقيعـه”(6).
العلاقات بين المُؤسَّسات الليبيَّة في اتفاق الصخيرات (2015)


المصدر: التقرير الاستراتيجي العربي 2016(7)

ورغم أن مجلس النواب أقر الاتفاق في يناير 2016 إلا أنه ألغى المادة (8) من باب الأحكام الإضافية، التي نقلت صلاحيات المناصب الأمنية لمجلس رئاسة الوزراء ليثير بذلك عقدة الشق الأمني في الاتفاق، خاصة أن إلغاء هذه المادة جاء حفاظًا من مجلس النواب على تحالفاته مع المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الليبي التابع للبرلمان.
كما برزت عراقيل أخرى في إنفاذ اتفاق الصخيرات تجلت في عدم منح حكومة الوفاق الوطني الثقة من مجلس النواب، حيث بدا هذ الأخير مُنقسماً على نفسه تجاه تشكيلة الحكومة، ولم يمنع ذلك فايز السراج (رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق) من دُخُول العاصمة طرابلس في نهاية مارس 2016، مُعتمداً في ذلك على تحالفاتٍ مناطقيَّةٍ في الغرب الليبيِّ مع مصراتة، إضافة إلى بيان تأييدٍ لمئة من أعضاء مجلس النواب، بعد فشل اكتمال نصابه أو انعقاده من الأساس أكثر من مرة للتصويت على الحكومة، إضافة إلى الدعم الدولي، وخاصة من القوى الأوروبية والولايات المتحدة، كما أن مجلس الأمن اعتبرها المُمثلة الشرعية الوحيدة لهـذا البلد، وراهنت عليهـا تلك الأطرافُ لتحقيق الاستقـرار(8).
وهذا يُمثلُ تسارُع الدعم الدولي لتنزيل نُصُوص “اتفاق الصخيرات” على الأرض خلال عام 2016، من خلال تكريس سلطة حكومة الوفاق الوطني، برئاسة السراج، كأحد نواتج تسوية الصخيرات، رغم كل العراقيل التي أشرنا لها سلفا، كعدم نيل الحُكُومة لثقة مجلس النواب الليبي، والخلافات حول الشق الأمني(9).
كما أنَّ من مُؤشِّرات ذلك الدَّعم الدَّولي المُؤتمَرَيْنِ الدَّوليين حول ليبيا في روما (ديسمبر 2015)، وفيينا (مايو 2016)، اللذين أقرَّت خلالهُما القوى الدَّوليَّة الاعتراف بالمجلس الرئاسي، وحُكُومة الوفاق الوطني كحُكُومةٍ شرعيَّةٍ، ومُمثلاً وحيداً لليبيا. لكنَّ استمرار تضارُب المواقف الدَّوليَّة والإقليميَّة بشأن الاتفاق كان أحد العوامل التي شجَّعت أطرافاً مُتعنتة على التشبث بموقفها الرافض للاتفاق، من أجل انتزاع مُكتسباتٍ تُعزِّزُ موقفها في العمليَّة السِّياسيَّة، أو على الأقل المُحافظة على مكانتها، وصلاحياتها، من خلال خلق مُبرِّراتٍ تهدفُ إلى إطالة أمد الأزمة، واستمرار امتلاك أغلب الصلاحيَّات والنفوذ التي انتقلت إلى حُكُومة الوفاق الوطنيِّ(10).
وفي هذا الصَّدد، تلقى فايز السراج دعما مُضافا من الغرب الليبيِّ، بعد تشكُّل المجلس الأعلى للدَّولة في أبريل 2016، كجُزءٍ من إنقاذ “اتفاق الصخيرات”، الأمر الذي أخرج المُؤتمر الوطني العام نظريّاً من اللعبة السِّياسيَّة، رغم مُعارضة بعض أعضائه للاتفاق. في الوقت نفسه، سعى السراج في مايو 2016 إلى بناء ظهيرٍ عسكريٍّ لاستيعاب بعض الميلشيات في الغـرب ضمـن ما سُمِّيَ “الحرس الرئاسي”، الذي أنيط به تأمين المُنشـآت الحيويَّة، وهُو يتبعُ مُباشرةً للقائد الأعلى للجيش، الذي هُو من اختصاص مجلس رئاسة الوزراء، وفقاً للمـادَّة الثامنة (بند 2) من “اتفاق الصخيرات”(11).
وفي ظلِّ الصِّراع السِّياسيِّ الذي تشهدُهُ الدَّولةُ، والذي ساهم في خلق فراغاتٍ جيواستراتيجيَّة، تزايد تمدُّدُ التنظيمات الإرهابيَّة في ليبيا كداعش، الذي عمل على إعادة تموضُعه في أكثر المناطق حيويَّة منْ أجل تدعيم عوامل بقائه. من زاويةٍ أخرى، فإنَّ ليبيا تُعَدُّ سُوقاً رائجة لتجارة الأسلحة(*) التي يحتاجُ إليها مُقاتلو التنظيم، بالإضافة إلى صُعُوبة ضبط الحُدُود بِمَا يسمحُ بانتقال المُقاتلين القادمين منْ دُول الشَّمال الإفريقيِّ، ومنطقة السَّاحل والصحراء، وجنُوب أوروبا، والتحاقهم بالتنظيم بسُهُولةٍ أكبر من سوريا(12). وبسبب هذه الظُّرُوف، وفي مُحاولةٍ لتثبيت شرعيَّتِهِ وتغيير موازين القوى، سواءٌ تجاه مُعارضيه في طرابلس أو مع مجلس النواب وحُلفائه في الشرق، دخل المجلسُ الرئاسي لحُكُومة الوفاق وحُلفائه معركة سرت في مايو 2016، لإنهاء سيطرة داعش على المدينة، خاصة مع تمدد هجمات التنظيم إلى طرابلس ومصراتة والهلال النفطي.
واستطاعت قوات “البنيان المرصُوص”، المدعُومة بقُوَّةٍ جويَّةٍ أمريكيَّةٍ، تحرير غالبية سرت مع نهاية يوليو وأغسطس 2016، وأدَّى ذلك إلى خللٍ في موازين القوى مع تحالفات الشرق، بالنظر إلى أهمِّيَّة سرت كنُقطةٍ جيُوسياسيَّة تُحيطُ بها الموانئُ النفطيَّة، فضلاً عن تأييد القوى الكُبرى لسيطرة حُكُومة الوفاق على النفط(13).
وفي مُنتصف أكتوبر 2016 عادت حُكُومة الإنقاذ الوطني المُنتهية ولايتها برئاسة خليفة الغويل، مدعُومة ببقايا أعضاء من المؤتمر الوطني الرافضين للاتفاق السياسي، لتستولي على مقر مجلس الدولة، بعد انشقاق الحرس الرئاسي على السراج، ودعا الغويل الحُكُومة المُؤقتة في الشرق برئاسة عبد الله الثني إلى تشكيل حُكُومة وحدةٍ وطنيَّةٍ على أساس حوار ليبي–ليبي، وقد رفض السراج هذه الخُطوة، التي وُصِفَتْ بالانقلاب.
وتضامنت معهُ في هذا الموقف القوى الكبرى، والأمم المتحدة، وكذلك حُلفاؤه في غرب ليبيا، مثل: عبد الرحمن السويحلي، رئيس مجلس الدولة، وحزب العدالة والبناء- الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. بيد أن فقدان السيطرة على طرابلس نسبيا أضعف موقف حكومة الوفاق، ودفعها باتجاه التكيف مع موازين القوى لتحالفات الشرق. إذ عرض السراج في مقابلة تليفزيونية، في 23/أكتوبر/2016، لقاء المشير خليفة حفتر أو أي قيادة عسكرية لحل الأزمة الليبية، كما أعلن أنه يجهز لتشكيل حكومة لعرضها على مجلس النواب، لكن بالمقابل، اتخذ المستشار عقيلة صالح أقويدر، رئيس مجلس النواب، موقفا مضادا لشخصية السـراج ذاته، وطـالب بتكليف شخصيـة بديلة لهـا(14).
وقد شهد عام 2017 تحول الكثير من معادلات الصراع على المستويين السياسي والعسكري، سواء بين الأطراف المتنازعة في الداخل الليبي، أو بين الأطراف الخارجية إقليميا ودوليا. وكان نتاج هذه التحولات هو وقوف ليبيا بنهاية عام 2017 على أبواب مرحلة جديدة من التفاوض لإقرار إطار التسوية السياسية؛ نظرا لقيام المجتمع الدولي، من خلال الأمم المتحدة، بلعب دورٍ مُختلفٍ في المشهد الليبي، يرتبط بالتخطيط طويل المـدى أكثر من ارتباطـه بتوفير الحُلُـول الآنيَّة لوقف الاقتتال أو تسكين الصِّـراع، وهُـو النمـطُ الذي اتبعـتهُ بعثة الأمم المتحـدة للدَّعـم في ليبيا خـلال ولايـة كُـلٍّ مـن: برناردينو ليـون، ومـارتن كـوبلر(15).

ثانياً- خريطة الصِّـراع الليبيِّ وأنمـاطُ التحالُفـات:

المصــدر: من إعــداد البـاحث من واقـع خـريطــة الصِّــــراع الليبي

كما يتضحُ من هذا الجدول فإنَّ ثمَّة أطرافا مُتعدِّدة في الأزمة السِّياسيَّة الليبيَّة، باختلاف مراحلها، وباختلاف أدوار تلك الأطراف، والمآلات التي وصلت إليها(*). ويُضافُ إلى ما سبق: مُحافظ البنك المركزي المُقال من البرلمان الليبي المُنتخب، والمُفتي السابق للديار الليبية الموجُود في طرابلس، كذلك التنظيمات الإرهابية الدولية مثل: تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وغيرهما؛ لما تقوم به من دور في إحداث مزيد الفوضى والإرباك في المشهد الليبي، استغلالاً للظرُوف التي تعيشُها الدولة من تشـرذمٍ وانقســامٍ سيــــاسيٍّ.
ويرى بعض الباحثين: أنه ترتب على إسقاط النظام السابق وتدمير البُنية الأساسية للدولة الليبية وظهُور المليشيات المُسلحة، ظهور قوى جديدة (من رحم هذه الفوضى) تمكنت من السَّيطرة على السُّلطة والاستحواذ على مُقدرات الدولة ونهب مواردها المالية والنفطية بالتعاون مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية، سياسات الهيمنة لهذه القوى على ثروات الدولة الليبية أدت إلى إفقار الطبقة الوُسْطى وبُؤس الطبقة الدنيا ممَّا زاد من عدد الذين يعيشُون تحت خط الفقر إلى حوالي ثلاثة ملايين.
تتكوَّنُ هذه القوى من العديد من العناصر أبرزهم: بعضُ كبار التجار وبعض كبار مُوظفي المصارف (المركزي والتجارية)، ومُهرِّبي النفط و المواد الغذائية ومُهربي الهجرة غير الشرعية، كبار قيادات المليشيات، وبعض مُوظفي المُؤسَّسات الاستثماريَّة الدَّاخلية والخارجيَّة، وبعض عناصر النظام السابق التي اكتنزت أموال هائلة، سماسرة العقارات والمضاربون في السوق السوداء وتجار العملة (الدولار)، بعض البرلمانيين (بمجلس النواب والمؤتمر الوطني)، المجلس الرئاسي. والتداعيات السلبية لهيمنة القوى الجديدة على مُستقبل ليبيا منها: إدراك هذه القوى بأنَّ مصالحها ترتبط بالحفاظ على الوضعيَّة السَّائدة والدفاع عليها وعدم العمل على تغييرها؛ لذلك ستسعى هذه القوى بما لديها من سُلطة ونفوذ على إعاقة بناء الدولة(*) وتحقيق الاستقرار والأمـن(16) .وبالتالي، “تكمُنُ الـمُعضلة الجوهريَّةُ (في هذه الأزمة والوساطات التي تُجْرَى لحلِّها) في كيفيَّة التَّوصُّل إلى اتفاق سلامٍ مقبُولٍ ومُتوازنٍ، وقابلٍ للتنفيذ، يُلبِّي الاحتياجات المُتنافسة للفواعل المُتصارعة، في ضوء قيُود مطرُوحة، كتعدُّديَّة أطراف الصراع وانقساماتهم الداخلية، وامتلاك كُلٍّ منهُم لظهيرٍ إقليميٍّ، وتردُّد القوى الكبرى في التدخل العسكريِّ لحسم الصــراع الليبي”(17).

2- أنمـاطُ التحالُفـات في الصـراع الليبيِّ:
خــلال السَّنـوات الخمـس المـاضيـة شهــدت ليبيا تغـيُّراً مُستمـرّاً في التحـالفـات السِّيــاســيَّة والاجتمــاعــيَّة؛ نظــراً للتقلبات السياسية والأمنية التي واكبت وفاقمت تعقيدات المشهد العام، وأبرزت تقاطع المصالح القبلية، والجهـويـة، والأيديُولوجيَّة، فضـلاً عـن مـا رافقهـا مـن تدخُّــلٍ إقليميٍّ ودوليٍّ. وخلال العامين الماضيين لم تتوقف أطرافُ القتال عن عقد التحالفات ونقضها، وهو ما يُفسِّرُ غياب القُدرة على ضبط المشهد المحلي، الذي يتسمُ بالانشطار المُستمرِّ؛ نظراً لهشـاشـة الأسس التي أقيمت عليها التحالفــات، وتغيُّر المصـالــح، وتقاطُعهــا، وتعارُضهــا في كثيرٍ من الأحيـــان(18).
ففي عام 2014 و2015 شهد هذا الصِّراعُ مجمُوعة من التحالفات، أبرزُها: في الغرب الليبيِّ: تجمُّعُ الميلشيات المعرُوف بالجيش وتحالُفُهُ مع ما يُعـرف بــ”جيش القبائل”، ودرع الوُسطى وتحالُفُهُ مع ميلشيات عددٍ من المُدُن في الغـرب، ودرع الشرقيَّة وتحالُفُهُ مع أنصـار الشريعـة ومجلس شـورى ثوَّار بنغازي. وفي درنة يوجد “مجلسُ شورى الشباب”، الذي أعلن مُبايعته لتنظيم الدولة الإسلاميَّة (داعش)، وهُو يسعى للتمدُّد خارج المدينة من خلال تحالفه مع جماعاتٍ تحملُ التوجُّه نفسه في مناطق مُختلفة من البلاد(19).
وفي 16 مايو 2014 انطلقت في بنغازي “عملية الكرامة” بقيادة اللواء خليفة حفتر، وهذه العملية العسكرية قامت على تحالف ضم ضباطا من الجيش الليبي، وأبناء القرى والمناطق الشرقية (الذين ينتمون للعديد من القبائل)، ويتسمون باختلاف توجهاتهم السياسية، ورؤيتهم لشكل الدولة، والنظام السياسي فيها، حيثُ شمل هذا التحالف: مُؤيِّدين للفيدرالية، ومُعارضين لها، ومحسُوبين على النظام السِّياسيِّ السَّابق، وثورة فبراير، وليبراليين، وسلفيين، وبدوا وحضرا(20). وبالتالي، اتَّسم هذا التحالُفُ بالتَّنوُّع الوَاضِحِ، وكان الهدفُ الرَّئيسيُّ الذي يجمعُ كُلَّ هؤلاء هُو مُحاربة الإرهاب، ووقف الاغتيالات التي شهدتها بنغازي. وقد حققت هذه العمليَّة انتصارات واضحة، رغم أنها بدأت بإمكانيات بسيطة، وبعددٍ محدُودٍ من العسكريين، ولم يمض وقتٌ طويلٌ حتى تبناها البرلمانُ الليبيُّ، واعترفت بها الحُكُومة المُنبثقة عنه(21).
وبسبب تغيُّر المصالح اختلفت مواقفُ هذا الـمُعسكر من مُخرجات عمليَّة الحوار السِّياسيِّ بين الرَّفض والقبُول، وهُو ما يُمكنُ مُلاحظته مثلا من خلال قبُول المهدي البرغثي قائد الكتيبة 204 دبابات (سابقا) بمنصب وزير الدفاع في حُكُومة الوفاق الوطني، مدعُوماً ببعض التحالفات..، وجهاز حرس المُنشآت النفطيَّة بالمنطقة الوسطى، الذي كان يقُودُهُ إبراهيم الجضران، المُسيطر على موانئ النفط الرَّئيسيَّة في البلاد منذ يونيو 2013(22).
وفي المُقابل، انطلقت في طرابلس في 13/يوليو/2014 عملية “فجر ليبيا” العسكرية، التي أعلن قادتها أنهم الثوار الحقيقيون، وأن حربهم للدفاع عن أهداف ثورة فبراير(23)، ورغم عدم قدرة تحالف “فجر ليبيا” على الصمود أمام التطورات السياسية، فإنه مثل في جوهره كيانا ضمَّ أبناء المُدُن الرَّئيسيَّة في غرب ليبيا، مثل: مصراتة، وطرابلس، والزاوية..، في مواجهة الزنتان وورشفانة المتحالفتين مع عملية الكرامة في الشرق. وضمَّت “فجر ليبيا” في مُكوِّناتها أطرافا مُختلفة في توجهاتها السياسية والاجتماعية، ما بين الاعتدال والتشدد، حيث شملت رجـال أعـمال، وإسـلاميين معتدلين ومتشددين.. وقد استهدفت هذه العملية منع خُصُومها من محاولات الهيمنة على العاصمة طرابلس. كما أن تباين مواقف هذه المكونات من الاتفاق السياسي أدى إلى تشظي هذا التحالف، فقوته الضاربة المتمثلة في مدينة مصراتة ومجموعاتها المسلحة، انقسمت على نفسها بشأن الموقف من الاتفاق، حيث كان المجلس البلدي ونادي رجال الأعمال في المدينة من أبرز المؤيدين للاتفاق السياسي، في حين لا يزال كل من المجلس العسكري ومجلس الحكماء والشورى منقسمين حول ترتيبات الاتفاق، التي يرون أنها خضعت للتأثير الإقليمي والدولي أكثر من التأثير المحلي(24).
إن عملية “فجر ليبيا” تسببت في دمار مطار طرابلس العالمي، وخسائر فادحة للدولة، وهي عمليّة تحالفت فيها عديد التشكيلات الحربيّة التي يجمعُها نزوعها “الإسلامي” المتشدد (السياسي والحركي والجهادي). ولعـلّ آخر مُؤشّر يدلّ على الطبيعة الأيديولوجيّة/الفئويّة لهذه العمليّة هُو قائمة القادة والميليشيات المُنضوية تحتها، ومنهُم: صلاح بادي الذي عينه المُؤتمر الوطني العام مُديرا للاستخبارات العسكرية، وأمراء الكتائب التابعة لدرع الوسطى ودرع الغربيَّة والقوَّة الوطنيَّة المُتحرّكة والقوة الرابعة وفرسان جنزور، و”غُرفة عمليات ثوار ليبيا” التي يقُـودُها عُـضو تنظيم القاعـدة شعبان هـدية المُلقب بـ«أبي عُبيدة الزاوي»(25).
وفي هذا الصدد، رأى البعض أن هناك خطوطا متشابكة ومصلحية بين ما هو إسلام سياسي ومسلح، فتراجع الحصة الانتخابية للتيار الإسلامي، وخاصة حزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، التي هيمنت عليها التيارات المدنية والفيدرالية والقومية، دفع بالحزب إلى التمترس خلف ميلشيات “فجر ليبيا” ومصراتة والمؤتمر الوطني وحكومة طرابلس المُوازية.
وبدا أداء التيار الإسلامي وخصوصا حزب العدالة والبناء خلال 2015 مرنا وبراجماتيا بين تقديم الدعم لـ”فجر ليبيا” في صراعه المسلح مع معسكر مجلس النواب من جهة، وبين دعم جهود التسوية السلمية التي يقودها مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا من جهة أخرى، مما عرضه لانتقادات حادة من شركائه في غرب البلاد، خصوصا تحالف “فجر ليبيا” بعد أن شارك في جلسات الحوار الوطني، وتوقيعه على اتفاق السلام الليبي(26).

* تغيُّرُ التحالفـات القبليَّة والسِّياسيَّة في ليبيا:

شهدت التحالفات القبلية-السِّياسيَّة تقلبات عدَّة منذ توقيع الاتفاق السياسي الليبي في 17/12/2015 وتشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج(*)، حيث أدَّى تبايُنُ مواقف القوى القبلية والسياسية والعسكرية الليبية بداخل التحالف الواحد من الاتفاق السياسي إلى إعادة تشكيل تلك التحالفات. وقد زاد من تقلب وتغيُّر التحالفات القبلية-السياسية إدراك أطراف الأزمة لمدى أهمِّيَّة وثقل العامل القبلي في قلب موازين الصراع والقوة على الأرض، ومُحاولة استقطابهم بمنح عددٍ من أبنائهم مناصب سياسيَّة وأمنيَّة في مُؤسَّسات الدَّولة.
فعلى صعيد تحالف “معسكر الكرامة” المدعوم أساسًا من قبل المنطقة الشرقية، فقد انشق عنه إبراهيم الجضران قائد “جهاز حرس المنشآت النفطية”، ودخل في تحالف عسكري مع مصراتة، وشن هجوما على المشير حفتر، معتبرا أنه يسعى لتأسيس حكم عسكري، وانتهت المواجهات بين قوات الجضران وقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر بنجاح الأخيرة في السيطرة على منطقة الهلال النفطي الاستراتيجية (البريقة، الزويتينة، رأس لانوف، السدرة)، وطرد قوات الجضران منها في سبتمبر 2016(27). فيما سمي عملية “البرق الخاطف”، المدعومة من مجلس النواب، وقبيلة المغاربة التي ساندت الجيش، ومنعت أبناءها من القتال في صفوف ميليشيا الجضران. أثار ذلك التحول لمصلحة تحالفات الشرق تغييرا لقواعد اللعبة، فبدا أن ثمة ميلا، سواء أكان داخليا أم دوليا لاستيعاب المشير حفتر، خاصة في ضوء مُقترحٍ تفاوضي برز لحلحلة الشق الأمني في اتفاق الصخيرات، ويتعلق بإنشاء هيئة خماسية (فايز السراج، وأحمد معيتيق، ومـوسى الكـوني، وعقيلة صالـح، والمشير خليفة حفتر)، تقـوم بدور القائد الأعلى للجيش.
وبعد أن طرد الجيش قوات الجضران أعلن المشير حفتر أنه سيسلم إدارة الموانئ النفطية للمؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما رحبت به القـوى الغـربية، رغـم أنها دعته للانسحـاب دون قيد أو شـرط(28).
ولوحظ خلال تلك الفترة قيام المجلس الرئاسي بإصدار قرارات تعيين في مناصب سياسية لأشخاص من قبائل الشرق، أو من معسكر الكرامة؛ لإحداث انقسامات في التحالفات القبلية، كتعيين المهدي البرغثي وزيرا للدفاع في حكومة الوفاق، وتعيين فرج قعيم وكيلاً لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق، بالإضافة إلى تعيينات أخرى (بنفس الأسلوب) في السفـارات والقنصليات الليبية في الخـارج.
وقد أصدر عددٌ من أعيان ومشائخ قبيلة العواقير من بينهم نائب رئيس المجلس الرئاسي (علي القطراني)، وعميد بلدية بنغازي المستشار (عبد الرحمن العبار)، بيانا أعلنُوا فيه دعمهُم للجيش الوطني الليبيِّ بقيادة المشير خليفة حفتر ومجلس النواب والحُكُومة المُؤقتة المُنبثقة عنهُ، ودعوا فيه أبناء قبيلة العواقير إلى عـدم التعامُل مع المجلس الرئاسي لحكومة الوفـاق(29)، (المرفُـوضة من مجلس النواب).
وتشير المعطيات إلى تقدم ملموس للمنطقة الشرقية والمشير خليفة حفتر على المستويين السياسي والعسكري عام (2017)، وهو التقدم الذي من المتوقع أن يستمر خلال عـام 2018، خاصة إذا ما نجحت المُحاولات التي ترعـاهـا مصر لتوحيد الجيش الليبي، حيث إن عـودة الضباط السابقين إلى صفوف الجيش ستقوم بتفريغ الغرب الليبي من عدد من القيادات العسكرية، كما سيرسخ من صورة المشير حفتر كقائد قادر على صياغة تحالفات ناجحة، سواء مع النخب القبلية، أو السياسية، أو العسكرية(30). ولا ننسى أن الجيش الوطني الليبي تمكن من بسط سيطرته على رقعة جغرافية شاسعـة، إذ تمكن من السيطرة عـلى حيز جـغـرافي كبير من شمال شرق ليبيا، بدءا من طبرق قـرب الحـدود المصـرية، وحتى بن جـواد والنوفـلية في المنتصف، مـع وجـود تحـالفـات له في الجنوب الشـرقي مـع قبائل التبو(31).

المصدر: موقع إرم نيوز(32)
وعلى صعيد تحالف الإسلاميين في الغرب الليبي والمسمى بـ”تحالف فجر ليبيا”، فقد شهد انقسامات (كما أسلفت) على خلفية تباين المواقف من الاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني، حيث شهدت مصراتة -أكبر داعم للتيار الإسلامي في ليبيا- انقسامات بين مكوناتها السياسية والعسكرية ما بين مؤيد للاتفاق السياسي وحكومة الوفاق ورافض له. وفي حين يرغب أعيان مصراتة في الانخراط في المسار السياسي لحل الأزمة الليبية وإنجاز ملف المصالحة الوطنية حرصا على مصالحها الاقتصادية، التي تأثرت سلبا من الصراع الليبي والاستنزاف العسكري الذي تعرضت له في قتالها ضد “داعش” في سرت، ترغب بعض المجموعات الأخرى مثل: الجماعة الليبية المقاتلة وكتيبة ثوار طرابلس وسرايا الدفاع عن بنغازي وميليشيات صلاح بادي في استمرار القتال ضد الجيش الوطني الليبي، وترفض الاتفاق السياسي معتبرة إياه خيانة لدماء الشهداء. وقد وصل الخلاف لحد مطالبة المجلس العسكري مصراتة في مارس 2017 بإسقاط المجلس البلدي مصراتة، وتشكيل مجلس جديد لإدارة شؤون المدينة(33).
ويُمكنُ تفسيرُ مُراوحة تيار الإسلام السِّياسيِّ – مُتمثلاً هُنا في حزب العـدالة والبناء- بين مُعسكري الحرب والسَّلام بعوامل عدَّة منها: سعي مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا لدمج الإسلاميين في التسوية السلمية لتقليص حدة التيارات المُتطرفة، وفي الوقت نفسه، طبيعة الانقسامات في مُعسكر “فجر ليبيا”، وخُصُوصاً مع ميل مصراتة للحوار وإنهاء الحرب التي يُشكِّـلُ استمرارُها تأثيرا سلبيّاً على مكانتها الاقتصادية، والأهـمُّ من ذلك أنَّ القاعـدة الشعبيَّة للتيَّار الإخـوانيِّ في ليبيا أضعـفُ من نظيرتها السَّلفيَّة(34).
وقد شهد الغربُ الليبيُّ استمرار حالة التشرذم التي بدأت منذ توقيع اتفاق الصخيرات، وهو ما أفصحت عنه المعارك التي ضربت مدينة طرابلس عام 2017، بين ميلشيات خليفة الغويل وقوات المجلس الرئاسي، والتي أظهرت بوضوح أن الغرب خاصة طرابلس، لا يزال يبحث عن قوة عسكرية قادرة على قلب موازين القوى، ولكن القوى العسكرية المختلفة في الغرب قريبة من بعضها في خبراتها القتالية ونفوذها الميداني، وهو ما يعد نقطة تفوق للشرق الليبي في هذا الشأن؛ حيث إنه يمر بمرحلة من التماسك السياسي والعسكري، وتحول الجيش الوطني الليبي، وفقا لكل الحقائق الميدانية، إلى الكيان العسكري الأقوى والأكثر مهنية بين كل الكيانات العسكرية الأخرى في ليبيا(35).
وفي الغرب الليبي رصدت اﻷجهزة الاستخباراتية الغربية خلال شهـر مارس (2018) مُحاوﻻت لتوطين “جماعة أنصار اﻹسلام والمُسلمين” في مناطق جنوب غرب ليبيا، و يمثل ذلك أول ظهور لهذا التحالف الجديد في مسرح العمليات الليبي، وهو التحالف الذي يضم أكثر من 15 تنظيما إرهابيا ومتمردا من مالي والنيجر وتشاد والسودان تنتشرُ على طول منطقة الساحل، من بينها تنظيم “داعش” وتنظيم “القاعـدة في المغرب اﻹسلامي”، وأكدت بعض المصادر المحلية أن عددا من قيادات هذه التنظيمات التقوا بغرض تعزيز التعاون بينهم فيما يتعلق بتبادل المعلومات(*). ويترددُ أنَّ الاجتماع درس تسهيل انتقال عناصر المجمُوعات المُختلفة من المناطق التي تُسيطرُ عليها مجمُوعات أخرى حليفة. كما تمَّ تدارُسُ مُشكلة السَّيطرة على نقاطٍ على الشواطئ البحرية لتأمين وُصُول المقاتلين والدعم من سوريا والعراق. ويُعتقدُ بأنَّ هُناك توافُقاً بشأن أهمِّيَّة مدينة “درنة” في هذا اﻹطار، ما يستدعي (بالنسبة لهذه الجماعـات الإرهـابية) دعمها حتى ﻻ تسقط تحت سيطرة الجيش الليبي(36).
جدير بالذكر أن المشير حفتر القائد العام للقوات المسلحة أعلن في منتصف مايو الماضي “ساعة الصفر لتحرير درنة”(37). وأكد الناطق الرسمي باسم القيادة العامة العميد/أحمد المسماري أنه: “تمت السيطرة على مواقع العدو الحصينة في محور الظهر الحمر والحيلة ومرتوبة. وتم تكبيد العدو خسائر فادحة في الأفراد والآليات”. كما قام سلاح الجو بشن غارات استهـدفت العدو قبل انسحابهم من مواقعهم(38).

ثالثاً-ملامـحُ المشهد السياسي الليبي الراهـن: توصيفٌ مُـوجزٌ:

كما تبين لنا من خـلال مـا تقـدم فإن الأزمة السياسية الليبية(39) تتسمُ بالتعقيـد الشـديد، وهي “تهـددُ ليبيا بالفشل أو الانهيار”(40)، ولم تكُن حالة عدم الاستقرار التي تعيشُ فيها الدولة نتاجا لتراكُمات النظام السابق فقط، بل إنَّ هشاشة السلطة الانتقالية بعد 2011 في مُواجهة قوى الانتماءات الأولية الصاعدة (القبلية، والدينية، والمناطقية) أسهمت في تغذية وديمُومة عدم الاستقرار(41). وبمُوجب الاتفاق السِّياسيِّ الذي وُقِّعَ عام 2015 دخلت البلادُ مرحلة انتقالية رابعة، تختلفُ عن الثلاث السابقة في أنَّ الخلافات السياسية وحالة الصراع كانت في بدايتها(42). وقد اتسم عـاما 2016 و2017 بجُمُود المسار السِّياسيِّ(43)، وبقاء الوضع على ما هُو عليه.
ومن المعرُوف أنَّ دور الأطراف الخارجيَّة (الإقليميَّة والدَّوليَّة) في هذه الأزمة مُهمٌّ ومُؤثرٌ بشكلٍ كبيرٍ(44)، وسوف نُشيرُ بإيجازٍ للدَّور الفرنسي في هذا الجانب؛ حيثُ إنَّ فرنسا كانت أوَّل دولةٍ تدخلت عسكريّاً ضدَّ القذافي(45)، كما أنها قدَّمت مُبادرتها للحل السِّياسيِّ في “اجتماع باريس” بين المُشير حفتر وفايز السراج في يوليو 2017، وشملت نقاط الاتفاق وقفا مشرُوطاً لإطلاق النار وتنظيم انتخابات رئاسية ونيابية عام 2018، وتنفيذ المادة الـ34 من الاتفاق السياسي بشأن الترتيبات الأمنية. وقال ماكرون إن “المُبادرة الفرنسية لإحلال الاستقرار في ليبيا جاءت على خلفية تزايُد العقبات التي منعت تطبيق اتفاق الصخيرات”. و رأى البعض أن “موقف فرنسا من الجيش الليبي يُعتبرُ رسالة صريحة للأطراف الداخلية والخارجية على أنه الجهة الوحيدة التي ستُوكلُ إليها مُهمَّة الأمن والاستقرار في ليبيا”(46).
وفي 29/5/2018 احتضنت باريس اجتماعا مُهمّاً حول الأزمة الليبية، (حضرهُ: المشير حفتر قائد الجيش الليبي، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، وخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة)، قُدِّمت فيه “مُبادرة فرنسية” تضمَّنت عدَّة بُنُودٍ، منها: الدَّعـوة إلى “توحيد البنك المركزيِّ الليبيِّ فوراً، وحل جميع المُؤسَّسات المُوازية”، وإلى ضرُورة “الالتزام بدعم الحوار العسكريِّ الجاري في القاهرة وتوحيد الجيش الوطنيِّ الليبيِّ، وتشكيل الهيكل الوطنيِّ العسكريِّ الذي سيتمُّ تنفيذُهُ بعد الانتخابات تحت السُّلطة المدنيَّة”(47). كما تضمنت “الإقرار بأهمية وضع أسس دستورية” للانتخابات القادمة، وأن الانتخابات ستُجْرَى وفق هذه الأسس مع الاستمرار في مُعالجة موضوع الدستور، ودعم المُمثل الخاص للأمم المتحدة في المُشاورات التي يُجريها مع السلطات الليبية بشأن تقديم اقتراحٍ لاعتماد الدستور، والاتفاق على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وفق ما يحدده “المبعوث الأممي” بعد التشاور مع الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى. كما تم التأكيد على أن الجهة التشريعية الوحيدة التي ستعتمد “الأسس الدستورية” وقانون الانتخابات هي البرلمان بعد “استشارة” مجلس الدولة. كما أشارت إلى ما يشبه القرار الأممي بانتهاء كافة الأجسام الحالية وحكوماتها، وأنه في حال اعتماد ما أعلن عنه ستكون شرعية كل الأجسام المُوقعة عليه نابعة من وثيقة “اتفاق باريس” فقط، والتي ستنتهي في ديسمبر 2018(48).
والمُلاحظة المُهمَّة أن الأطراف الحاضرين لم يُوقعُوا على المُبادرة؛ لإعطاء فرصة للرجوع إلى ليبيا، والتشاور مع الجهات التي يُمثلونها، رغم أنهم وافقوا على مضمُون هذه المُبادرة؛ حيث أصدر المجلس الأعلى للدولة، الذي بات تحت سيطرة الاسلام السياسي ويعبر صراحة عن وجهة نظره، بياناً وافق عبره -بعد تردد طويل- على المُشاركة، غير أنه وضع قائمة شروط تصادم طبيعة الحوار وحجم أطرافه على الأرض.
وأصدرت المجالس العسكرية والكتائب -جنزور والزنتان وغريان وصبراتة والزاوية وزليطن وجادو ومسلاته وتاجوراء وسوق الجمعة والخمس وقوة الردع الخاصة- بياناً هي الأخرى جاء مُفككاً، ويُؤكدُ ما تعيشُهُ هذه المجاميعُ من تخبط وفوضى وشُحٍّ معرفيٍّ. وأكدُوا فيه أن المُبادرة الفرنسية “لا تمثلهم”.. وهُو ما يُشيرُ الى احتمالات عـرقلة الانتخابات التي يُعـوِّلُ عـليها المُجتمـع الدَّوليُّ.
إن هذا الاتفاق سيظل حبرا على ورق ما لم تكن هناك إرادة ليبية حقيقية لإنهاء الصراع، وما لم تتقاطع مصالحُ الدول الكبرى الراعية له بشكل يُؤدِّي إلى انسحاب أحـدهـا منه(49). ويرى بعض المراقبين أن الاتفاق حمّل مجلس النواب مسؤولية تحقيق النقلة المرجوة؛ كي يأخذ الاتفاق طريقه إلى التنفيذ وصولا إلى استحقاق الانتخابات في 10 ديسمبر 2018. وقد حدد الاتفاق في بنده الرابع مسؤولية مجلس النواب في اعتماد المجلس القوانين الانتخابية المطلوبة وتنفيذها؛ وفقا للجدول الزمني المحدد ولآلية التشاور مع المجلس الأعلى للدولة؛ التي تم الاتفاق عليها في الاتفاق السياسي الليبي. وقد رحب العديد من النواب بالاتفاق، وأكدوا أن المسار الدستوري يرتكز على التوافق بين أقاليم ليبيا التاريخية بأغلبية موصوفة، تمثل التوافق في كل مرحلة أو استحقاق من المسار الذي ينتهي بإصدار قانون استفتاء شعبي يرتكز على موافقة ثلثي كل إقليم من الأقاليم الثلاثة (المنطقة الشرقية والمنطقة الجنوبية وطرابلس)(50). ويسعى مجلس النواب لخلق حالة من التوافق بين جميع الأطراف، حتى يعم السلام والاستقرار البلاد(51). وأكد المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن الطرف الآخر يريد الوصول إلى تحقيق أهـدافه، وإلا فإنه لن يسير في الحوار، فهم يريدون اقتسام السلطة التنفيذية، ويأخذون وزارات معينة(52). وذكر المستشار في تصريح آخر بأن “المجلس الرئاسي جسم غير شرعي وفقاً للإعلان الدستوري، ولم يتحصل على الثقة من مجلس النواب ويعمل بالمخالفة للدستور المؤقت للبلاد”(53).
من جهته أعلن الجيش الليبي أن قبول المشير خليفة حفتر دعوة الرئيس الفرنسي للجلوس على طاولة الحوار (مع المجلس الرئاسي ومجلس الدولة) كان اضطراريا فرضه الواقع وحكمته المتغيرات السياسية التي تمر بها البلاد، وهو تجنب لمحاولات القفز على السلطة والانفراد بها من قبل تلك الأطراف غير الشرعية. وهو -حسب بيان الجيش- ما دعمته فيه الدول الحليفة والصديقة حتى لا تكون القيادة العامة في مظهر الرافض للحوار والسلام في ليبيا. ونقل الجيش من خلال مكتبه الإعلامي توضيح القيادة العامة بأن “قبولها لهذا النوع من التفاوض لا يعني تنازلا للإرهابيين، ولا اعترافا بهم، أو تفريطا في دماء الشهداء من أبناء الجيش الوطني والقوات المساندة له، وأن اللقاء المزمع مع هؤلاء لا يعني منحهم الشرعية”، كما تؤكد القيادة أن “كسر شوكة الإرهاب في ليبيا مازال في سلم أولوياتها سواء في درنة أو طرابلس أو مصراتة وجميع ربوع البلاد”(54).
ورغم أهمية “مُبادرة باريس” إلا أنها تفتقرُ إلى آلياتٍ عمليَّةٍ للتنفيذ على أرض الواقع، وتحتاجُ إلى بيئةٍ مُلائمةٍ من الثقة والعمـل الجـاد من أجل إنهاء الصراع وإنقاذ الوطن وتحقيق السـلام الدائم من قبل كـافة الأطـراف.

الخـاتمـة:

يجدُرُ القـولُ ختامًا أن التحالفات المُختلفة في ظـل تعقد الأزمة الليبية اتسمت بالتغير والتبدل المُستمر؛ تبعًا لاختلاف الظروف، وتبايُن المراحل، واختلاف مواقف الأطراف، وأن إنهاء الأزمة وتحقيق التسوية المُلائمة يتطلبُ إدراك الجميع لخطورة المرحلة وحساسيتها، وأن من ركائز الدولة بناء المؤسسات الديمقراطية، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الفئوية أو الحزبية، لبناء توافق وطني قوي، ينقذ البلد من خطر الانهيار، والأطماع الخارجية، ويُعطي للشعب فرصة لكي يقول كلمته في الدستور القـادم، والانتخابات البرلمانية والرئاسية.
*****

الهوامش:

(*) كـاتب وبـاحـث سيــاسي ليـبي.
(1) زاهي بشير المغيربي، “بناء الدولة والتعايُش السياسي والمُجتمعي في ليبيا (1)”، موقع: أخبار ليبيا، بتاريخ: 27/مايو/2016م، متــاح عـلى الرابــط التـــالي: https://goo.gl/BZwf1S
-انظر أيضًا: خالد حنفي علي، “الاشتباك المُنخفض: التحوُّلات الانتقالية في السِّياسة الخارجيَّة الليبيَّة”، مجلة: السياسة الدولية، العدد: 193، المجلد: 48، يوليو 2013، ص 85. وفي هذا الصدد يرى د.خالد حنفي علي أن: الدولة الليبية عانت منذ استقلالها خللا بنائيا..، يشير إلى الفجوة بين جُغرافيا مُترامية الأطراف، وموارد نفطية هائلة، مُقابل ضعف سكاني، وهشاشة للجيش.. وفي مرحلة ما بعد الثورة أضيف للخلل الجيواستراتيجي لليبيا ثغرات جديدة كالقابلية للاختراق الإقليمي، والتشكك في بقاء الدولة المركزية الموحدة، بعد مطالب بعض الأقاليم بالفيدرالية..، مع ظُهُور مليشيات مُسلحة تتنازعُ مع الدَّولة الضعيفة على الوظيفة الأمنيَّة.
(2) عبد اللطيف حجازي، “التشابكات والتفاعلات القبلية والسياسية في ليبيا”، الملف المصري، القاهرة، العدد: 38، أكتوبر 2017، ص 7.
(3) للمزيد أنظر: كريستوفر تورنتون، ليبيا على حافة الهاوية وكيفية استرجاعها: خيارات للفاعلين الدوليين، ترجمة: ماريا المنجد، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2015، ص 5.
-كذلك: عماد حمدي، “ليبيا وإعادة تمركز داعش: المخاطر ومسارات المواجهة”، مجلة: السياسة الدولية، القاهرة، مؤسسة الأهرام، العدد: 204، أبريل 2016، ص ص 184-185.
(*) يُشيرُ بعضُ الباحثين: “أنَّ التحالفاتِ هِيَ ارْتِبَاطاتٌ يتمُّ تشكيلُها لدعم المصالح أو القضايا المُشتركة. وهي علاقة يتفقُ عليها بين مجمُوعةٍ من الدُّول أو الجماعات أو غيرها”. كما أنها تعني “اتحادا مؤقتا بين مجموعتين أو أكثر من أجل الحصول على تأثير أعظم أو نفوذ أكبر من الجماعات والأحزاب المنفردة عندما تريد تحقيق أهدافها”.
للمزيد أنظر مثلا: طالب حسين حافظ، “الأدوار الجديدة لحلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة”، مجلة: دراسات دولية، العدد: 46، جامعة بغداد، يونيو، 2010، ص 135.
-و أحمد مختار الجمال، “الموسُوعة السِّياسيَّة المُعاصرةُ: الحلقة 29″، مجلة: شؤون عربية، العدد: 158، الصيف، 2014،ص ص 163-166.
-“تحالف القوى: دليل لبناء وللانضمام وبناء التحالفات السياسية”، موقع: المعهد الديمقراطي الوطني: https://goo.gl/dyu17R

(4) خالد خميس السحاتي، “الأزمة الليبية: هل من أفق للتسوية؟”، تقرير: قضايا ونظرات، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية، العـدد: الأول، مـارس 2016، ص 101.
(5) نادين سعد، “تطور الأوضاع الدستورية والسياسية في بلدان الثورات والانتفاضات: تونس- مصر- ليبيا- اليمن”، في علي الدين هـلال (تحرير)، حـال الأمة العربية: 2014-2015، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015، ص 210.
(6) للمـزيـد أنظـر: نـص “الاتفـاق السـيـاسي الليبي”، الـذي ترعـاه الأمـم المُتحـدة، ووقِّـع بتاريـخ: 17/ديسمـبر/2015. وكـذلك: طارق متري، مسالك وعرة: سنتان في ليبيا ومن أجلها، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2015، وخـالـد خميس السَّحـاتي، “الأزمة الليبية: هـل مـن أفـق للتسـوية؟”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص ص 110-112.
(7) مجمُوعة باحثين،التقرير الاستراتيجي العربي 2016،القاهرة:مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام،2017،ص 236.
(8) مجموعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العربي: 2016، مـرجـع سبـق ذكـره، ص ص 235-236.
(9) خالد حنفي علي، “الأزمة الليبية بين مُحفِّزات التسوية وعراقيل الإنفاذ”، السياسة الدولية، العدد: 205، يوليو 2016، ص 118.
(10) كامل عبد الله، “ليبيا بين مفارقات المشهد الداخلي والمواقف الإقليمية والدولية”، مجلة: السياسة الدولية، العدد: 205، مرجع سبق ذكره، ص 150.
(11) مجمـوعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العربي: 2016، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 236.
(*) كان لتشجيع المجلس الانتقالي السابق في ليبيا على تشكيل مجالس عسكرية وكتائب مسلحة في المناطق ودعمها بالمال بطريقة غير خاضعة للقيود والرقابة، أن أصبح في كل منطقة كتائب وجماعات مسلحة بدعم المجلس الانتقالي، بينما ظهرت جماعات مسلحة مرتبطة بالعصابات، مستغلة الظروف وغياب أية سلطة فاعلة تحتكر استخدام السلاح، فازداد انتشار السلاح، وتم تشكيل فصائل جديدة. وأشارت تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عام 2015 أن هناك نحو 1700 مجموعة مسلحة نشطة في ليبيا. للمزيد أنظر: يوسف محمد الصواني، “التحديات الأمنية للربيع العربي: من إصلاح المُؤسسات إلى مُقاربة جديدة للأمن”، مجلة: المستقبل العربي، بيروت، العدد: 416، السنة: 36، أكتوبر/ تشـرين الأول 2013، ص 31. وكذلك: محمد جمعة، “مُستقبل التشكيلات المُسلحة في ليبيا”، الملف المصري، العـدد: 38، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 10. وأحمد عبدالعليم حسن علاء الدين، الفاعلون المُسلحون من غير الدول وتأثيرُهُم على الاستقرار السياسي في ليبيا خلال الفترة (2011-2015)، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2017.
(12) عماد حمدي، “ليبيا وإعادة تمركز داعش: المخاطر ومسارات المواجهة”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص ص 184-185.
(13) مجمـوعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العربي: 2016، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 236.
(14) المـرجـع السـابق نفسـه، ص 237.
(15) مجمُـوعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العـربي 2017، القـاهرة: مركز الدراسات السيـاسيـة والاستراتيجيـة بالأهـرام، 2018، ص 158.
(*) على سبيل المثال: اختفت حكومة الإنقاذ من المشهد السياسي الليبي، والمؤتمر الوطني العــام المنتهية ولايته، أصبـح بعد توقيع الاتفاق السياسي: المجلس الأعلى للدولة، وبعد تحرير بنغازي من الإرهاب عام 2016 خرجت كل الجماعات الإرهابية من المدينة، وبعضها انتهى فعليا، والبعض الآخر انتقل إلى أماكن أخرى داخل ليبيا (بالذات في المنطقة الغربية) فـرارا من الجيش الوطني الليبي..
(*) تعدّ الصفقات ذات الطابع الاقتصادي حاضرة في هذا المضمار، إذ أنَّ شبكة العلاقات التي يتمُّ إرساؤُها على مُستوى الأجهزة البيروقراطية، ذات الخلفية الإثنية، تسندُ المصالح الاقتصادية لأعضاء الإثنية المعنية. ويفسر ذلك جوانب كثيرة من الحركية السياسية في
ليبيا بعد الأزمة؛ كالتنافس القبلي للتموقع السلطوي على كل المستويات، فالسلطة هي المُخولة بتوزيع القيم المادية وعائدات المحرُوقات
على نحو خاصٍّ؛ ويفسر ذلك أيضًا الاستقطاب الحاصل بين طرابلس وطبرق، والذي تسندُهُ مواقف سياسية تنطوي في جوهرها على تمايزات قبلية/عشائرية .في هذا الصدد، يشار إلى التقرير السنوي لديوان المحاسبة لسنة 2017، وتناول قطاعات الدولة المالية، وتشعباتها مع الأزمة المعيشية والسياسية. وأكد التقرير بالأرقام ما وصفه بالمبالغة في الإنفاق المالي، إلى درجة الهدر والإسراف .كما أوضح التقرير دور البنك المركزي في تدمير اقتصاد الدولة والفساد وتهريب المال العام. وأن من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلد غياب الدولة ممثلة في البنك المركزي (المعني بإدارة النقد) عن هذا السوق، بسبب الادعـاء بوجود حظـر دولي على توريد العمـلة. للمزيد أنظر: عادل زقاغ وسفيان منصوري، “الاقتصـاد السيـاسي للأزمة الليبية”، مجلة: سياسات عربية، العـدد: 25، مارس 2017، ص 50.وكذلك: “أرقام مفزعة يطرحها ديوان المحاسبة للعام 2017″، صحيفة: أخبار بنغـازي، العـدد:3267، بتاريخ: 27/مايو/2018، ص 1.
(16) أنظر: مالك عبيد أبو شهيوة، “ليبيا إلى أين؟ مخاطر السيطرة على السلطة و الثروة و السلاح وتداعياتها على المجتمع والدولة”، بتاريخ: 31/3/2018، الصفحـة الشخصية عـلى الفيس بوك:
https://goo.gl/RpfziQ
(17) للمزيد أنظر: خالد حنفي علي، “مُعضلات الوساطة الأممية في الصراع الليبي”، مجلة: السياسة الدولية، العدد: 203، يناير 2016، ص ص 154-161. وخالد حنفي علي، “الإشكاليات الأربع: احتمالات التدخل الدولي في الصراع بين خليفة حفتر والقوى الإسلامية في ليبيا”، حـالة الإقليم، القاهـرة، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، العـدد: 10، أغسطس 2014. وكذلك: خالد حنفي علي، “أبعاد وجهود تسوية الصراع الليبي من منظور حساسية النزاعات”، مساراتٌ مُتشابكةٌ: إدارة الصراعات الداخلية المعقدة في الشرق الأوسط، القاهرة: المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، لندن: مجموعة أكسفورد للأبحاث،2015. وخالد حنفي علي، “مُعضلات الهوية الوطنية بعد الثورات: ليبيا نمُوذجاً”، مجلة: الديمقراطية، القاهرة، مؤسسة الأهـرام، العـدد: 56، أكتوبر 2014، ص ص 67-71.
(18) كامل عبد الله، “ليبيا بين مفارقات المشهد الداخلي والمواقف الإقليمية والدولية”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 151.
(19) محمد مصطفى التير، “ليبيا: من الدولة الفاشلة إلى اللادولة”، في: علي الدين هلال (تحرير) وآخرين، حال الأمة العربية(2014-2015) الإعصار: من تغيير النظم إلى تفكيك الدول، مـرجـع سبـق ذكــره، ص ص 565-598.
(20) كامل عبد الله، مـرجـع سبـق ذكـره، ص ص 151-152.
(21) أنظـر: محمد مصطفى التير، مـرجـع سبـق ذكــره، ص ص 592-593.
(22) أنظـر: كامـل عبد الله، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 152.
(23) محمد مصطفى التير، مـرجـع سبـق ذكــره، ص 593.
(24) كامـل عبد الله، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 152.
(25) “كل ما تريد أن تعرفه عن “عملية فجر ليبيا”، بوابة إفريقيا الإخبارية، طرابلس،بتاريخ:24/8/2014، متـاح عـلى الرابط التـالي:
https://goo.gl/x8pC5n
(26) “مآلات ثلاثية: اتجاهات التطورات الداخلية في الدول المغاربية”، في: مجمُوعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العـربي: 2015، القاهرة: مركـز الدراسـات السياسية والاستراتيجية بالأهـرام، 2016، ص 247.
(*) أكد فايز السراج منذ توليه لمنصب رئيس المجلس الرئاسي أنه: “سيعمل على توحيد مؤسسات الدولة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتنفيذ مجموعة من الإجراءات العاجلة للتخفيف من معاناة الشعب الليبي”، إلا أنه أخفق في تحقيق أي من هذه الوعود حتى هذه اللحظة. أنظر: صالح صرار وآخرين، “هل سيتمكن فايز السراج من توحيد ليبيا”، مجلة: بلومبرج بزنس ويك الشرق الأوسط، الإمارات العربية المتحدة، (UMS International FZ LLC)، بتاريخ: 1 مايو-31 مايو 2016، ص ص 40-43.
(27) عبد اللطيف الحجـازي، “التشـابكـات والتفاعـلات القـبليـة والسيـاسيـة في ليبيا”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 8.
(28) مجمـوعة بـاحثين، التقرير الاستراتيجي العـربي: 2016، مـرجـع سبـق ذكـره، ص ص 236-237.
(29) عبد اللطيف الحجازي، مـرجـع سبـق ذكــره، ص 8.
(30) مجمُـوعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العـربي 2017، مـرجع سبـق ذكـره، ص 165.
(31) المرجع السابق نفسه، ص 159.
(32) الخريطة العكسرية الجديدة لليبيا تظهر سيطرة المشير حفتر، موقع إرم نيوز، منشور بتاريخ 24 يوليو 2017، متاح على الرابط التالي: https://goo.gl/nEQ81e
(33) عبد اللطيف الحجازي، مـرجـع سبـق ذكــره، ص ص 8-9.
(34) “مآلات ثلاثية: اتجاهات التطورات الداخلية في الدول المغـاربية”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 247. للمزيد حول تيار الإسلام السياسي في الوطن العربي بشكل عام وليبيا بشكل خاص أنظر: مصطفى عبد الله أبو القاسم خشيم، “الإخوان المسلمون في ليبيا: تحولات العلاقة مع السلطة”، في مجموعة باحثين، ليبيا: الدين والقبيلة والسياسة، دبي/ الإمارات المتحدة: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2014، ص ص 115-158. وميلاد مفتاح الحراثي، “الإسلاميون وقضايا الحكم الديمقراطي”، مجلة: شؤون الأوسط، بيروت، العدد: 145، ربيع/ صيف 2013،ص ص 150-184. وجمال سند السويدي، السـراب، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2015. وملف: “الإسلام السياسي إلى أين؟”، مجلة: الديمقراطية، القاهرة، مؤسسة الأهرام، العـدد: 54، أبريل 2014.
وكذلك: “الجماعات الإسـلامية في ليبيا: حظوظ الهيمنة السياسية وتحدياتها”، ألمانيا: منظمة فريدريش إيبرت، (د.ت)، على الرابط التالي: https://goo.gl/oTgTE3

(35) “فجـوة عميقة: الأزمـة الليبية بين الانقسـام السيـاسي والصـراع العسكـري”، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 160.
(*) جدير بالذكر أن من أخطر نتائج هذه الأزمة المعقدة استغلال الجماعات الإرهابية لظروف الفوضى والتشرذم والقيام بعدة أعمال إرهابية، وبالتالي، دخول الدولة في إطار “الدول الفاشلة”. حيث سجلت ليبيا في عام 2016 الترتيب الـ 25 من 178 دولة. للمزيد أنظر: ناجي عيسى سالم القطراني، “تصنيف الدولة الفاشلة وأثره على السيادة: ليبيا نموذجا”، مجلة: العلوم السياسية والقانون، برلين/ ألمانيا، المركز الديمقراطي العربي، العدد: 9، يونيو 2018، ص ص 464-465. ومحمد أمين بن جيلالي، مشكلة بناء الدولة: دراسة إبستيمولوجية وفق أدبيات السياسة المقارنة، رسالة ماجستير غير منشورة، الجزائر: جامعة أبي بكر بلقايد- تلمسان، 2013/2014.
(36) “ليبيا و التحـالفات الجـديـدة”، مـوقـع: أخبار ليبيا، بتـاريـخ: 18 / مـارس/ 2018، مـتاح على الرابـط الإلكتروني التــالي:
https://goo.gl/XC4LBy
(37) “الجيش الليبي يكبد شورى درنة خسائر فادحة: ثلاثة دوافع وراء المعركة”، صحيفة: برنيق، العدد: 378، بتاريخ: 21/مايو/2018،ص1.
(38) “المشير يحدد أفق زمني لعودة درنة الزاهرة”، صحيفة: أخبار بنغازي، بنغازي، العـدد 3266، بتاريخ 24/مايو/2018، ص 1.
(39) أنظر: ظريف شاكر، “ليبيا بعد خمس سنوات من سقوط نظام القذافي”، مجلة: شؤون الأوسط، بيروت، العدد: 153، ربيع – صيف 2016، ص ص 197-209. وعبد النور بن عنتر، “تهديدات غير وجودية: الارتهان المغاربي لصراعات ما دون الحرب”، تحولات استراتيجية على خريطة السياسة الدولية، ملحق مجلة: السياسة الدولية، العدد: 191، يناير 2013، ص ص 23-28.
(40) مصطفى عبد الله أبو القاسم خشيم، “تأثير الهجرة غير الشرعـية في العلاقـات الإيطالية- الليبية”، مجلة: السياسة الدولية، القاهـرة، العـدد: 212، المجـلد: 53، أبريل 2018، ص 67.
(41) مجموعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العربي: 2013-2014، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2015، ص 143.
(42) كامل عبد الله، مرجع سابق، ص 153. حول مفهوم انتقالية انظر: محمد برادة، “انتقال: كلمة إشكالية”،دبي الثقافية، العدد 11، أكتوبر 2014، ص 53.
(43) مجموعة باحثين، التقرير الاستراتيجي العربي: 2016، مرجع سابق، ص 235. والتقرير الاستراتيجي العربي:2017، ص 165.
(44) للمزيد أنظر: كامل عبد الله، مرجع سابق، ص ص 152-153. وتوفيق بوستي، مواجهة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي: المُقاربة الجزائرية، كراسـات استراتيجية، القاهرة، مركز الدراسـات السياسية والاستراتيجية بالأهـرام، العـدد: 283، ديسمبر 2017.
(45) طارق متري، مسالك وعـرة: سنتان في ليبيا ومن أجلهـا، مـرجـع سبـق ذكـره، ص 21.
(46) “إجماع على أهمية لقاء باريس بين حفتر والسراج”، موقع: صحيفة العرب، لندن، بتاريخ: 27/7/2017، على الرابط التـالي:
https://goo.gl/2fsxrW
(47) منية غانمي، “المبادرة الفرنسية لحلّ أزمة ليبيا.أي فرص للنجاح؟”، موقع: العربية نت، بتاريخ: 28/مايو/2018، هذا الرابط: https://goo.gl/xXaicd
(48) “إعلان سياسي بشأن ليبيا” نص مبادرة باريس، بتاريخ:29 /مايو 2018، ص ص 1-3.
(49) عيسى عبد القيوم، “قراءة أولية في “باريس”، و”باريس فى عيون: مؤسسات ومليشيات وشخصيات ليبية”، الصفحة الشخصية على الفيس بوك، متاح على الرابط التالي:
https://goo.gl/2Qy3rB
(50) “مبادرة باريس: نواب يرحبون، وآخرون: أمنيات مطبوعة على ورق”، بتاريخ: 1/6/2018، على الرابط الإلكتروني التالي:
https://goo.gl/x1GTd2
(51) “فخامة رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح يعود لأرض الوطن بعد مشاركته في اجتماع باريس”، بتاريخ: 31/5/2018، موقع: وكالة الأنباء الليبية، متاح على الرابط الإلكتروني التـالي: https://goo.gl/sNjQVn
(52) كلمة مسجلة للمستشار عقيلة صالح (رئيس مجلس النواب)، برنامج: ليبيا الدار، قناة:ليبيا الفضائية، السبت، 26/5/2018،الساعة:2:00 صباحا.
(53) “تصـريـح للمستشار عقيلة صالح حـول مُبادرة السـراج”، بتاريخ: 17/7/2017، موقـع: مجلس النواب الليبي، على الرابـط التـالي: https://goo.gl/85h7aS
(54) “اجتماعات باريس: الاستشـاري يتراجـع…وإيطاليا غـاضبة والجيـش: الجلـوس معهـم لا يعني الاعتراف بهم”، بتاريخ: 1/6/2018، متاح على الرابط الإلكتروني التـالي:
https://goo.gl/PWFraR

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق