العالم الإسلاميالولايات المتحدة وأوروباد. نادية مصطفى

حول القومية والعلمانية والإسلام: من تاريخ البلقان إلى كوسوفا في مرحلة الاستعداد للاستقلال

أفكار من واقع خبرة زيارة كوسوفا بمناسبة الاشتراك في مؤتمر: ستة قرون من إسلام الألبان الذي نظمه الاتحاد الإسلامي في كوسوفا بالتعاون مع كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا 16-17 / 9 / 2006

يرجع اهتمامي بأوضاع مسلمي أوروبا –وغيرهم من الأقليات أو الوجود المسلم في العالم- لاعتبارات عديدة على رأسها اهتمامي بدوائر العلاقات الدولية الإسلامية، وقضايا العالم الإسلامي في النظام الدولي الراهن: ومن بينها بالطبع دائرة المسلمين في خارج الدول الإسلامية؛ وهي ليست دائرة داخلية بالأساس ولكن دائرة يتقاطع فيها الداخلي والخارجي، على الأقل؛ لأن مسلمي الغرب يمثلون مكونًا من مكونات الأمة الإسلامية في العالم. كما أنها دائرة تتقاطع عندها وتلتقي خيوط الدين، الثقافة، الهوية، المواطنة؛ وهي خيوط أضحت تكتسب مسحة متجددة في ظل تداعيات العولمة، وفي ظل صعود وبروز قضايا المسلمين على أولوية الأجندات العالمية.
وفي خلال شهرين خضت جولتين مع قضايا المسلمين في أوروبا، كما خضت جولة ثالثة مع قضايا الخصوصية الثقافية، وكيفية تفعيل التغيير السياسي والمجتمعي، والتي استدعت قضايا مسلمي الغرب، كما استدعت قضايا الإسلام في العالم العربي، ومصر بصفة خاصة.
فبعد المؤتمر الذي نظمه مجلس الإفتاء الأوروبي لمسلمي غرب أوروبا عن الاندماج والمواطنة (2-7 يوليه 2006) في اسطنبول جاء المؤتمر الذي نظمه برنامج حوار الحضارات عن “الخصوصية الثقافية: نحو تفعيل التغيير السياسي والمجتمعي في القاهرة 11- 13/9/2006، ثم جاء المؤتمر الذي نظمه الاتحاد الإسلامي لكوسوفا وكلية الدراسات الإسلامية عن ستة قرون من الإسلام بين الألبان (16- 17 سبتمبر 2006) في بريشتينا.
المؤتمر الأول هو حلقة من سلسلة حلقات ممتدة لمجلس الإفتاء الأوروبي (بالطبع إلى جانب هيئات أخرى) لمناقشة مشاكل اندماج ومواطنة وهوية المسلمين الذين هاجروا إلى غرب أوروبا بجيليهما الأول والثاني، المؤتمر الثاني بحث في مفهوم الخصوصية الثقافية، والعلاقة بين استبعادها أو استدعائها وبين نتائج عمليات التغير. أما الثالث فأراد التأكيد على حقيقة وجود واستمرار الإسلام بين الألبان أقدم أمة في أوروبا والتي تواجه تحديات اقتلاع جذور إسلامها عبر القرنين الماضيين، ودلالة ذلك التاريخ بالنسبة للمرحلة الراهنة.
في غرب أوروبا المسلمون يتمسكون بأن حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وواجباتها لا تتعارض مع انتمائهم الإسلامي وتجلياته على ثقافتهم، ويديرون معركة سلمية مع رؤى أوروبية تختلف في تقدير ما يجب أن تكون عليه تجليات الهوية الإسلامية في مجتمعات أوروبية علمانية. وفي عالمنا العربي والإسلامي –ويا للعجب أيضًا- فإن موضوع الهوية والخصوصية الثقافية على طاولة النقاش، على غير ما قد يعتقد البعض من المسلمين في شرق أو غرب أوروبا، ولكن وإن اختلفت التحديات من حيث الدرجة والطبيعة –مقارنة بأوروبا وغيرها- إلا أن القضية قائمة وتتزايد بالتدريج مؤشرات الحديث عنها في ظل ما يسمى عمليات الإصلاح الجارية بين ما يستخدم من أدوات التدخل أدوات دينية وثقافية.
أما في شرق أوروبا –وبالرغم من أن الإسلام له جذوره وله تجلياته الثقافية الممتدة عبر قرون؛ فإن المسلمين لا يخوضون معارك من أجل استمرار هذه الحقوق وتدعيمها، ولكن يخوضون معارك من أجل عدم اجتثاث وجودهم بالعنف المسلح من جانب الأصولية الصربية وحلفائها في السر والعلانية. وكوسوفا بعد أن صمدت في معركة الاستئصال الأخيرة (حيث سبقتها معارك أخرى عبر القرنين الماضيين)؛ فهي تدير -في ظل الإدارة المدنية للأمم المتحدة- معركة من أجل الاستقلال.
وإذا كانت الأضواء تتركز على الأبعاد الدبلوماسية والسياسية لهذه المعركة؛ فإن هذه المعركة تخفي في أحشائها معركة ثانية هي في واقع الأمر الوجه الآخر للعملة، ألا وهي معركة الهوية والمواطنة (ولا أقول الاندماج)، نعم معركة حقوق هوية ومواطنة أهل البلاد وسكانها المسلمين منذ قرون، وليس مهاجرين جدد إليها. قد يعجب البعض وقد يرفض البعض الآخر هذا التوصيف لهذه المعركة الثانية، على اعتبار أن الألبان المعتزين بقوميتهم الألبانية يعتبرونها –أو يعتبرها الغالبية منهم- مصدر الهوية، كما أن مواطنتهم يكفلها وجودهم القانوني كمواطنين من أهل البلاد وليس مواطنين جدد هاجروا إليه، إلا أن الأمر لم يبدو في نظري خلال زيارتي لبريشتينا على هذا النحو؛ لأنني رأيت وسمعت حديثًا عن أن الإسلام هو الوجه الثاني لعملة الهوية الألبانية، وهذا الوجه يتعرض الآن لموجة جديدة من التحدي تستقم وطبيعة المرحلة الراهنة التي تمر بها كوسوفا؛ أي بعد حرب 1999، وخلال فترة الإدارة المدنية منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وأخيرًا الاستعداد للاستقلال.
هذه المجالات الثلاثة السابق الإشارة إليها؛ هي وجوه ثلاثة لنفس القضية، ويساعد الجمع والمقارنة بينها على الدلالة عن قدر ما أضحى يواجهه المسلمون من تحديات للحفاظ على هويتهم وخصوصياتهم، وربما وجودهم ذاته في عالم يموج بتيار العولمة والعلمانية من ناحية، ويموج بتيار الأصوليات الدينية المتشددة من ناحية أخرى، كما يموج –من ناحية ثالثة- بتيارات الإحياء والتجديد الإسلامي في قرن جديد.
ولكن ما أريد أن أشرحه في هذه الدراسة؛ هو ما يتصل بالوجه الثالث من العملة أي ما يتصل بالبلقان وبكوسوفا خاصة؛ فهذه الدراسة تقدم نتائج معايشتي لخبرة من أكثر خبراتي ثراءً وخصوبة ألا وهي خبرة زيارة كوسوفا (15-20/9/2006) بمناسبة مشاركتي في مؤتمر “ستة قرون من إسلام الألبان”، وهي خبرة ذات ثلاثة مستويات: من ناحية خبرة التفاعل مع تقديم بحوث المؤتمر الغنية، ولا أقول قراءة هذه البحوث؛ لأنه لم تتوافر مسبقًا نسخ من هذه البحوث. ولقد وصل عددها ما يقرب من المائة، وقدمها باحثون وأساتذة ألبان وأتراك وعرب ينتمون لتخصصات متنوعة في التاريخ، والاجتماع، واللغويات، والأديان المقارنة، والدراسات الثقافية… ولم تكن خبرة المناقشات في المؤتمر أقل ثراءً أو دلالة من محتويات عرض البحوث.
ومن ناحية أخرى، خبرة تفاعلي مع نخب متميزة قدمت آرائها من واقع ممارساتها الفعلية الراهنة على أرض كوسوفا ما بعد الحرب (1999- 2006) على نحو سمح لي برسم خريطة (أولية) لتوجهات مجموعات نخب متنوعة في بريشتينا.
ومن ناحية ثالثة، خبرة التفاعل مع ما يسمى “ملح الأرض” أي الناس، من واقع ما رأيته وسمعت عنه في طرقات مدن كوسوفا.
هذا، ولم تنطلق معايشتي مع منتجات ومخرجات الزيارة ومدخلاتها من فراغ، ولكن تأسست على خبرتين سابقتين أكاديميتين بالدرجة الأولى.
الأولى- هي خبرة القراءة في التاريخ الإسلامي والتأليف فيه من مدخل العلاقات الدولية وفق منظور إسلامي[1]؛ وهي الخبرة التي سمحت لي بالقراءة في تاريخ البلقان في فترة الفتح العثماني ثم الحكم العثماني سواء في فترة قوته أو تراجعه أو تصفيته[2].
الخبرة الثانية- هي خبرة دراسة حروب البلقان بعد انتهاء الحرب الباردة وخاصة حالتي البوسنة ثم كوسوفا[3]، والاهتمام بحالة حوار الأديان والثقافات في سياقها البلقاني –مقارنة بالسياق العربي وسياقات إسلامية وعالمية أخرى[4]، وذلك في وقت قفز فيه الاهتمام بالحوارات بين الأديان والثقافات والحضارات، وذلك في مرحلة من تطور النظام الدولي الراهن قد قفز خلالها وزن هذه العوامل في تفسير وتحليل تيار هام في التفاعلات الدولية.
ومن ثم، وعلى ضوء هذه الخبرة المسبقة –على زيارتي- اتجهت إلى كوسوفا وفي ذهني خريطة تتكون من مجموعات أساسية من الثنائيات تنبثق عن إشكالية كبرى وكلية. وهذه الثنائيات هي: القومية الألبانية/ الإسلام.
العثمانيون/ الألبان.
الصرب/ الألبان.
وتجدر الإشارة إلى أن المدارس الفكرية والسياسية المتنوعة التي درست تاريخ البلقان سواء السياسي والاجتماعي والفكري قد قدمت تحليلات مختلفة حول العلاقة بين كل من هذه الثنائيات وفيما بينها أيضًا، هذا وتبرز عن هذه الثنائيات الأسئلة التالية:
هل الألبان أكثر تمسكًا بقوميتهم مقارنة بتمسكهم بالإسلام كمصدر للهوية، ومن ثم؛ فإن حركاتهم التحررية والاستقلالية هي بالأساس حركات قومية لخدمة قوميتهم والحفاظ عليها بالأساس؟
هل العثمانيون احتلوا الألبان، ومن ثم هل النزاع بين القوميتين التركية والألبانية هو مدخل النظر في تاريخ الألبان منذ الفتح العثماني، أم أن العثمانيين أدخلوا الإسلام إلى الألبان وساهم الألبان المسلمون في حضارة البلقان (العثمانية) وفي حكم الدولة العثمانية ذاتها، بل وانتشروا في أرجاء العالم الإسلامي في روابط مع شعوبه؟
هل الصراع الصربي/ الألباني –بؤرة النزاع في البلقان- هو صراع قومي- عرقي بالأساس؟ وكيف أثر العامل الديني فيه؟
والإشكالية الكبرى التي تنبثق عنها هذه الثنائيات تتلخص كالآتي: هل جولات العنف المتفجرة عبر تاريخ البلقان منذ ستة قرون مرجعها دخول الإسلام إلى المنطقة؟ ومن ثم؛ فإن الإسلام عقيدة وقيم وثقافة -سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الدولة– قد شكل حدود التحالفات والتحالفات المضادة بين المسلمين وغير المسلمين في البلقان، أم أن التدخلات الخارجية من جانب القوى الدولية المتنافسة على الهيمنة الإقليمية والهيمنة العالمية قد وظفت هذا العامل بأشكال متنوعة وعلى نحو أثر على انفجار دورات العنف الدموي خلال مراحل التحول في توازنات القوى الدولية في المنطقة وحولها، كما أثر على التشكيلات المجتمعية والثقافية لشعوب هذه المنطقة من المسلمين والمسيحيين (الأرثوذكس والكاثوليك) على حد سواء؟
وانطلاقًا من هذه الإشكالية المركبة، وبالرغم من أن تخصصي في العلوم السياسية لا يتصل مباشرة بالمجالات المعرفية التي تناولت موضوعات المؤتمر إلا أنني اهتممت بموضوعه لاعتبارين أساسيين يقعان في صميم اهتماماتي.
الأول- هو أن منطقة البلقان –التي ينطلق في فضائها موضوع الدين- من أخصب إن لم يكن من أهم مناطق وأقاليم العالم الذي يشرح تاريخها كله التفاعل بين “التطور في توازن القوى الدولي وموجات الصراع والتعاون بين القوى الكبرى التي تمثل أركان هذا التوازن من ناحية، وبين عاملين في غاية الأهمية من ناحية أخرى وهما: القومية والدين؛ فلا يمكن قراءة تاريخ المنطقة، أو تاريخ ألبان المنطقة بصفة خاصة بدون منظار أثر التطور في التوازن الدولي، وأثر عاملي القومية والدين.
ومن ثم؛ فإن إسلام الألبان عبر ستة قرون؛ هو منطقة غنية لابد وأن تبين هذا الأمر بقوة سواء على مستوى الكليات أو الجزئيات الموضوعية والتاريخية.
الاعتبار الثاني: أن مسلمي البلقان -ومنهم بالطبع الألبان- هم جزء ركين من الأمة الإسلامية، تمتد إليهم اهتمامات كل مهتم بشأن هذه الأمة، وتطور أوضاع شعوبها، وما يواجهونه من تحديات؛ فإن كل ساحة من ساحات هذه الشعوب يقدم الكثير من الدلالات عن حقيقة أن الإسلام هو دين عالمي، وأنه لكل زمان ومكان. ومما لا شك فيه أن الفضاء البلقاني لانتشار الإسلام ذو دلالات خصبة وغنية بالنسبة لمعنى الإسلام كعقيدة وقيم وسنن وتاريخ وخاصة في مجال التلاحم “الصراعي أو التعاوني” مع الآخر.
ولذا؛ فإن تاريخ البلقان يقدم دروس هامة، ومقارنة أيضًا بالأندلس –عن مدى قبول الآخر والاعتراف به وحمايته لدى المسلمين مقارنة بمدى قبول هذا الآخر واعترافه بالمسلمين. ومن ثم مدى احترامه حقوقهم، بل ووجودهم في اوروبا.
فها نحن الآن في صميم ما يسمى عالم حقوق الإنسان ودعاوى الديموقراطية التي يرفعها الأوروبيون نختبر حقيقة المعايير المزدوجة لدى الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى: حقوق مَنْ؟ والتسامح تجاه مَنْ وأين وكيف؟
ومن ثم؛ كان سؤالان أساسيان يدوران في رأسي حين اتجهت للمؤتمر: هل موضوعاته في مجالات تأسيسية عن مسار الإسلام في الفضاء الألباني؟ هل ستمتد إلى السمتين الخاصتين بتوازنات القوى الدولية حول مسلمي البلقان وبامتدادات علاقاتهم مع بقية أرجاء الأمة الإسلامية؟
وإذا كانت خبراتي الأكاديمية السابقة قد قدمت لي بعض الإجابات من واقع التطور التاريخي، ومن واقع السياق المعاصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى السياق الراهن بعد نهاية الحرب الباردة؛ فإن خبرة التفاعل مع زيارة كوسوفا -بمستوياتها الثلاث السابق الإشارة إليها، قد قدمت بدورها إجابات متراكمة عن حالة ألبان البلقان بصفة عامة وعن حالة كوسوفا بصفة خاصة.

أولاً- خبرة بحوث المؤتمر ومناقشاته:

(1) وعن عروض البحوث والمناقشات الأكاديمية التي أعقبتها عبر أربع جلسات ممتدة ولمدة يومين يمكن أن أسجل ما يلي:
فلقد حققت جلسات المؤتمر تراكمًا علميًا هادئًا لابد وأن يلحظه المراقب بدقة لمسار أعمال المؤتمر؛ فلقد بدأ في الجلسة الأولى من الموضوعات العامة والكلية عن كيفية دخول الإسلام وانتشاره في ألبانيا، وأثره على هوية وثقافة الألبان ودلالته بصفة خاصة بالنسبة للتعليم واللغة الألبانية، ثم وصل في الجلسة الثانية إلى السياق السياسي للألبان المسلمين من العثمانيين إلى الشيوعيين والآثار الاجتماعية والتعليمية موضحة في نماذج عن الحكم العثماني ودور العلماء والمدارس والتعليم.
ثم انتقل في الجلسة الثالثة إلى ما تعرض له الإرث الألباني المسلم من تدمير منظم –عبر التاريخ- على يد الصرب، ودور المؤسسات الوقفية والأئمة والعلماء في حماية التراث غير المادي للألبان، وأخيرًا في الجلسة الرابعة تناول المؤتمر تراجم شخصيات أثْرَت التاريخ الألباني في مجالات التصوف والحديث والتفسير واللغة، والتعليم وغيرها.
بعبارة أخرى، هذه المجموعات الأربع من الموضوعات اهتمت بعدة مجالات رئيسية؛ هي: الأسلمة والمؤسسات، نماذج تأثير الإسلام على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، قضايا التعليم والفكر والوقف والشريعة، التأثيرات العثمانية والصربية (الملكية ثم الشيوعية) الإسلام والهوية والسياسة، النخب والقيادات.
(2) وبدون التوقف التفصيلي –بالطبع- عند محتويات هذه البحوث والمناقشات التي دارت حولها يكفي التوقف عند مجموعتين من الملاحظات؛ إحداهما منهاجية، والأخرى عن أهم قضايا واتجاهات المناقشة (بالقدر الذي استطعت متابعته من واقع الترجمة من الألبانية– لغة البحوث والمناقشات إلى العربية والإنجليزية).
أ- الأبعاد المنهاجية: كانت بحوث المؤتمر بحوث استاتيكية تاريخية، ذات منهاجية وصفية تأريخية لا تركز على مسارات أو عوامل التطور التاريخي ونتائجه من مرحلة إلى أخرى بالنسبة للقضايا المعنية، بل ركزت على جزيئات تاريخية، ولم تقدم رؤى كلية، ومن ثم؛ كان الحاضر الغائب هو كيفية الاستفادة من دروس التاريخ في الحاضر على اعتبار أن ذاكرة التاريخ هي مصدر للخبرة وليست غاية في حد ذاتها فقط.
ولذا، وبالرغم من ثراء التفاصيل والتحليلات عن الجزئيات التاريخية، وبالرغم من دلالة انعقاد المؤتمر ذاته في كوسوفا في هذه المرحلة إلا أن الحاضر الغائب كان دلالات المؤتمر بالنسبة للوضع الراهن. ولذا؛ فإن الرسائل غير المباشرة التي يمكن استكشافها من مضمون المؤتمر ذات مغزى كبير بالنسبة لقضايا من قبيل: “الإسلام الأوروبي، الخصوصية الثقافية والهوية في ظل الاندماج في أوروبا، قضية الوحدة الألبانية، مدلول التوازنات الدولية القائمة بالنسبة لمستقبل استقلال كوسوفا…، مستقبل الإسلام في ألبانيا، وفي كوسوفا (خريطة القوى والتيارات الإسلامية ووزنها مقارنة بنظائرها الليبرالية واليسارية على صعيد السياسة والمجتمع)..
والجديد بالذكر، أنه إذا كانت أعمال المؤتمر لم تقترب مباشرة من هذه الأمور، أو حتى لم تطرح الأسئلة بصددها في جلساتها (باستثناء ثلاثة بحوث تطرق مقدموها بطريقة مباشرة لبعض هذه الأمور)[5]، إلا أن دلالات المحتويات التاريخية لهذه البحوث واتجاهات المناقشة حولها في المؤتمر قد قدمت رسائل هامة حول بعض الموضوعات محل الجدل، وقد لا تكون هذه الرسائل جديدة في محتواها، ولكن ربما الجديد هو مناسبة طرحها وفي هذا الزمان وهذا المكان لانعقاد المؤتمر في بريشتينا، وفي مرحلة هامة من العلاقات البلقانية- البلقانية، ومن مستقبل كوسوفا ومن مستقبل علاقات البلقان بكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتركيا وروسيا وكذلك العالم الإسلامي. إذن ما هي هذه الرسائل التي وصلتني من واقع قراءتي لهذا الزخم؟
ب- كان من أهم اتجاهات وقضايا المناقشة ما يلي:
القضية الأولى: تصحيح بعض الصور السلبية الشائعة عن العلاقات التاريخية بين العثمانيين والألبان (أو دور العثمانيين في البلقان بصفة عامة: احتلالاً وفرضًا للإسلام بالقوة، أم نشرًا للإسلام من خلال مؤسساته: المسجد، المدرسة، الوقف،..).
فلقد ظهر من بحوث ومناقشات اليوم الأول بصفة خاصة والجلسة الثالثة إلى حد ما توجه دفاعي –وخاصة من جانب الأتراك المشاركين في المؤتمر- عن المرحلة العثمانية من تاريخ الألبان. ولذا، بدا الأمر كما لو أن هناك ريح تركية في كوسوفا وراء الدفاع عن التاريخ العثماني. هذا، ولم يحدث صدام مباشر بين آراء الأتراك أو الألبان، ومن ثم؛ لم يظهر اتجاه الصدام بين القومية والإسلام. بل حين قدم أحد البحوث رؤية اقتصادية مادية تفسر اعتناق الألبان للإسلام (اتساقًا مع حوافز نظام الجزية والملة و…)؛ فلقد بادر بعض الأتراك والألبان بالدفاع عن عدالة وسماحة الدولة العثمانية، وبيان كيف أنه لا يمكن أيضًا الاستناد إلى عوامل اقتصادية فقط لتفسير انتشار الإسلام بين الألبان. ولذا، تساءلوا لماذا لم يرجع الألبان عن إسلامهم بعد انتهاء المرحلة العثمانية.
وفي المقابل، كان البعض الآخر أكثر دقة وموضوعية حين طالب بالتمييز بين مراحل انقسمت بينها الحقبة العثمانية، وبإعطاء قدر أكبر من الاهتمام لدراسة الوثائق العثمانية لتبين كيف أن قدر كبير من العدالة والتسامح كان قائمًا تجاه القوميات والأديان في البلقان وخاصة في مرحلة القوة والهيمنة.
والجدير بالملاحظة، أن البحوث التي قدمها المشاركون الأتراك كانت في مجملها قراءة في وثائق عثمانية جديدة من الأرشيف العثماني، خاصة بمنطقة البلقان. ومن الواضح أن هذا التوجه البحثي التركي ونمط الاستجابة من الباحثين الألبان –على الأقل كما بدت لي في المؤتمر- إنما هو توجه دفاعي بنائي ذو مسحة إسلامية يواجه ويصحح ما سبق من توجه قدمه العلمانيون الأتراك والقوميون الألبان )والصرب بالطبع أيضًا( والذي غلب عليه اتهام وإدانة المرحلة العثمانية من منطلقات علمانية أو قومية. ولذا؛ فإن التوجه الظاهر في المؤتمر هو أن جهود العثمانيين في نشر الإسلام –من خلال المساجد والمدارس والأوقاف والصوفية والعلماء وغيرها من الوسائل السلمية- قد قدم خدمة جليلة للألبان؛ وهي حماية قوميتهم بالإسلام وإلا كان قد تم استيعابها من المحيط الصربي الأرثوذكسي.
ولهذا كله ثار في ذهني التساؤل التالي: ما دلالة هذا النقاش –على صعيد دائرة بحثية ينظمها الاتحاد الإسلامي لكوسوفا وكلية الدراسات الإسلامية- مقارنة بما يجري على أرض الواقع الآن بالنسبة لتوجهات كوسوفا الداخلية والخارجية بعد الاستقلال: ماذا عن مستقبل التوجه القومي في مقابل الإسلامي، التوجه التركي في مقابل الأوروبي، وماذا سيترتب على ذلك من أمور تتصل بالتعليم والثقافة والمجتمع والنظام السياسي والسياسة الخارجية؟
ذلك لأن المناقشة النظرية والمراجعات التاريخية لا تكفي بمفردها، ولذا كان نبض النخب ونبض الشارع ذو دلالة هامة كما سنرى لاحقًا.
القضية الثانية: نمط ممارسات ما يسمى الحضارة المسيحية بشقها الشرقي )الأرثوذكسي: الروسي- الصربي(، وبشقها الغربي اللاتيني )الكاثوليكي والبروتستانتي( تجاه الوجود المسلم في البلقان:
تعددت البحوث في المؤتمر التي توثق وتؤرخ للجريمة المنظمة المتعمدة الممتدة تاريخيًا التي اقترفها الصرب ضد التراث العثماني- الألباني المادي وغير المادي؛ الذي يرتبط بالهوية الإسلامية ناهيك بالطبع عن الممارسات الصربية الأرثوذكسية ثم الشيوعية ضد عقيدة الإسلام لدى الألبان ولا أقول ثقافتهم الإسلامية فقط.
ومن ثم، وإذا كان العلمانيون الغربيون والمسلمون على حد سواء يطالبوننا بتجاوز التاريخ وتخطيه حتى يمكن التغلب على معوقات بناء السلام واقتلاع جذور الصراعات الراهنة، إلا أن للعملة وجه آخر فلا يمكن تجاوز ممارسات التاريخ المتحيزة ضد الإسلام والمسلمين بل يجب توظيف هذه الممارسات في الهجوم المضاد، على أصحاب توجه الصراع الحضاري من الغربيين المعاصرين، الذين لا يلقون بأسهمهم إلا على الحضارة العربية الإسلامية باعتبارها حضارة العنف وعدم التسامح والتمييز التي ترجع إليها ممارسات ما يسمى “الإرهاب الإسلامي” الآن، ومن ثم؛ فإن الأمر لا يتعلق فقط بدفاع عن هذه الحضارة الإسلامية، وذلك باستدعاء نماذج تسامحها وعدلها تاريخنا -وخاصة في مراحل قوتها- ولكن تتعلق بهجوم مضاد على تاريخ الحضارة المسيحية الغربية والشرقية الذي يمتلئ -وخاصة في مراحل القوة- بنماذج عدم التسامح والعنف ضد المخالفين في الدين والمذهب، ومن ثم؛ فإن ممارساتها الراهنة ليست إلا امتداد لجذور تاريخية تكمن في طبيعتها، التي أسست لها –عبر قرون- فلسفات الوضعية والعلمانية والمادية.
وهذا التوظيف في الهجوم المضاد على هذا النحو يحقق هدفًا آخر؛ وهو الرد على هؤلاء الذين في دائرتنا الحضارية ويحذرون من مخاطر الوقوع في أسر مقولات صراع الحضارات التي أطلقتها وروجتها -خلال العقدين الماضيين- نخب فكرية ورسمية أمريكية وأوروبية. وهذا التحذير وإن كان يهدف للتنبيه إلى أن سحب خطاب الصراع الحضاري إنما تحجب أهداف استعمارية وإمبريالية كبرى ترتبط بالأرض والثروة والمكانة، ولكن يجدر –من خلال استدعاء التاريخ الصراع الحضاري للغرب توظيفه في الهجوم المضاد، لبيان أن الاستعمار والهيمنة ليس مصالح مادية فقط، بل وثقافية حضارية أيضًا. حقيقة اختلفت مواقف الولايات المتحدة تجاه فلسطين من ناحية، عن مواقفها من الشيشان من ناحية أخرى وكوسوفا من ناحية ثالثة، وأكراد العراق من ناحية رابعة…
وهذا الاختلاف ليس له صلة بحقوق تقرير المصير وحقوق الإنسان بقدر ماله صلة بالمصالح والحسابات السياسية، إلا أنه لا يمكن استبعاد الأبعاد الثقافية الحضارية، على مستوى الأدوات بل والدوافع في كل حالة من هذه الحالات.
القضية الثالثة: حالة الإسلام بين الألبان وعلاقته بالقومية الألبانية والتحديات المحيطة بها، مَنْ الذي حمى الإسلام حتى الآن؟ وكيف تأثر وأثر بالقومية الألبانية وبالبيئة البلقانية بصفة عامة؟
وهذه القضية تكتسب طابعًا خاصًا؛ لأن الألبان من أكثر الشعوب حماسة لقوميتهم ودفاعًا عنها، ولقد تعرضوا للتقسيم نتيجة تسويات الحروب وتوازنات القوى الإقليمية والدولية في مرحلة تصفية الإمبراطورية العثمانية وفي فترة ما بين الحربين العالميتين وما بعد الحرب العالمية الثانية.
وها هم الألبان يتعرضون مرة أخرى لتأثيرات ما بعد انتهاء الحرب الباردة (الحرب في كوسوفا وما بعدها، الأزمة في مقدونيا). ورغمًا عن ذلك كله فمازال بالإمكان رصد صمود إسلام الألبان. فإذا كان الإسلام قد حمى الألبان من الاستيعاب وحمى القومية الألبانية؛ فإن الألبان قد حموا الإسلام واستمراره على أرضهم وفي قلوبهم وفي ثقافتهم. ومهما قيل عن دور الحكام والجيوش والنظم سواء في انتشار الإسلام أو في حصاره ومحاولة تصفيته في البلقان، إلا أن الشعوب هي التي حمت الإسلام.
وإذا كان الإسلام قد ساهم -في مراحل القوة العثمانية- في البناء الحضاري في البلقان؛ فلقد تحول إلى عامل مقاومة وصمود ضد المخططات الغربية في مرحلة التراجع العثماني، وظل كامنًا في الصدور وفي القلوب يقاوم الاقتلاع القسري في مرحلة هيمنة الأصولية الأرثوذكسية الصربية ثم في مرحلة هيمنة الشيوعية الصربية. ومن ثم؛ فلابد وأن يثور السؤال الآن، على ضوء كل هذه الخبرة التاريخية –ما المراد بالإسلام؟ وكيف سيتجدد ظهوره؟ وما هي التحديات الجديدة التي تواجهه في المرحلة الانتقالية نحو استقلال كوسوفا ومرحلة ما بعد الشيوعية في ألبانيا؟ حيث تتعدد التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه مهمة إحياء الهوية الإسلامية وتجديدها سواء كغاية في حد ذاتها أو باعتبارها وسيلة لاستمرار الوجود.
وبناء على القضايا السابقة واتجاهات المناقشة حولها في أبعادها التاريخية يتضح لنا الدلالة النظرية والفكرية بالنسبة لاحتمالات الوضع الراهن لكوسوفا بصفة خاصة وهي تتمحور حول ثلاثة أمور:
بعد العثمانية ثم الملكية الصربية ثم الشيوعية الصربية، هناك الآن العولمة والاندماجية الأوروبية في ظل اتجاهات الهيمنة التدخلية الأمريكية في العالم.
نمط التوازن الإقليمي والعالمي وأثره على مصير كوسوفا وحلم الدولة الألبانية الكبرى.
نمط الإسلام الذي سيبرز في ظل الاستقلال بعد كل هذا الإرث التاريخي والتحديات الراهنة أمام التركيبة الداخلية وتوجهاتها في ظل الضغوط الأمريكية والأوروبية المتنامية على الإسلام سواء -داخل أوروبا وخارجها-.
وإذا كان الإطار السياسي الخارجي والداخلي كان غير حاضرًا على الإطلاق في بحوث المؤتمر “التاريخية”، إلا أن القضايا المشار إليها ذات أبعاد سياسية واضحة. إذن هل الاقتراب غير المباشر من “السياسة” كان مقصودًا في هذا المؤتمر؟ ومن ثم ما هي الرسالة الضمنية التي ينضح بها المؤتمر بالنسبة لمستقبل التحديات أمام كوسوفا؟ وهي التحديات المتمحورة حول إشكاليات العلاقة بين الدين، الثقافة، المجتمع والسياسة في إطار عملية إعادة بناء الدولة في كوسوفا وفي ظل تدخلات خارجية صريحة فهل هذه الرسالة الضمنية هي الانفصال بين القطاع السياسي والمدني وبين محاولات إحياء وتجديد الهوية الإسلامية؟
بعبارة أخرى، كيف ستؤثر متطلبات إعادة بناء الدولة في ظل وجود أجنبي على الأرض، وفي ظل ضغوط نحو تأكيد الانتماء لأوروبا والاندماج في مؤسساتها؟ كيف ستؤثر هذه المتطلبات في ظل هذه الظروف على اتجاهات وأشكال تجديد وإحياء الهوية الإسلامية؟ فهل سيبرز تناقض بين توجه أوروبي –بحكم الجغرافيا- وبين تجديد الإسلام الحضاري (إن لم يكن السياسي بالطبع)؟

ثانيًا- من قاعة المؤتمرات إلى الخبرات العملية

وبعد يومين في قاعة المؤتمرات جرى تفاعل حي في يومين آخرين مع نخب كوسوفية متنوعة التوجهات؛ وهو الأمر الذي ساعد على اختبار مقولات وافتراضات كما أدى إلى استخلاص بعض النتائج والتوقعات. ولقد شاركني في هذه اللقاءات ثلاثة من الأساتذة العرب: د. محمد نور الدين من لبنان (الجامعة اللبنانية)، د. صالح البيات من العراق (الجامعة الأردنية) د. مهند البيضون من الأردن (جامعة فيلادلفيا- الأردن).
ومن بين هذه النخب رئيس جامعة بريشتينا، وهو أستاذ علاقات دولية عاش في المنفى فترة طويلة ولم يعد إلى كوسوفا إلا 2001، وعمل مستشارًا سياسيًا لعديد من ساسة حزب روجوفا أي أصحاب التوجه السلمي في النضال من أجل الاستقلال، وذوى التوجه العلماني القومي. وكان لقاؤنا الثاني مع رئيس أكاديمية العلوم والفنون وهي أعلى هيئة علمية في كوسوفا، وهو أستاذ اللغويات.
وإلى جانب هذين الوفدين العلميين جرى لقاؤنا أيضًا مع مفتي كوسوفا، ومدير كلية الدراسات الإسلامية؛ حيث إن الاتحاد الإسلامي في كوسوفا تتبعه المشيخة الإسلامية (الإفتاء) وكلية الدراسات الإسلامية، ومدارس إسلامية تحمل اسم علاء الدين للبنين والبنات وحتى مرحلة الثانوية العامة. ولقد زرنا مدرسة علاء الدين في بريشتينا والتقينا بأعضاء هيئة التدريس وبالطلبة وألقينا عليهم كلمات. ولقد صاحبنا طوال الزيارة أ. كمال مورينا المدرس بكلية الدراسات الإسلامية ومنسق المؤتمر، والسيدة بيسة المترجمة الرائعة من الألبانية إلى الإنجليزية وهي أيضًا رئيسة رابطة نساء الاتحاد الإسلامي في كوسوفا.
كما قمنا بجولة –في سيارة- بين أرجاء كوسوفا الخضراء وعبر طرقها (ذات الاتجاه الواحد) التي تربط بين مدنها وقراها. واستغرقت الجولة تسع ساعات توقفنا خلال عند ضريح السلطان مراد الذي فتح كوسوفا، وفي مدينة بيا؛ حيث زرنا مقر المشيخة الإسلامية وتجولنا في طرقات السوق الشعبي وزرنا مسجدها التاريخي الذي يقع في قلب هذه السوق (والذي رممته الحكومة الإيطالية بعد الدمار الذي أصابه خلال الحرب)، كما توقفنا عند النصب التذكاري لشهداء جيش تحرير كوسوفا في منطقة بيرزن، وبجواره كان منزل عائلة آدم ياشاري الذي استبسل في الدفاع عن قريته ضد الصرب 1998 وظل محاصرًا لمدة أربعين يوم حتى قضى شهيدًا هو وكل أفراد أسرته الممتدة. ثم وصلنا إلى مدنية جو كوفا وزرنا أيضًا مقر المشيخة وجامعها الأثري وتجولنا في طرقاتها القديمة وفي متاجرها الخشبية التي يضمها السوق القديم والمحيط أيضًا (كما في بيا) بالمسجد القديم. وانتهى بنا المطاف في نهاية اليوم إلى مدرسة علاء الدين الثانوية في بريشتينا؛ حيث التقينا وسماحة المفتي وأعضاء هيئة التدريس والطلبة من البنين والبنات في لقاء إنساني وفكري حافل.
ومن واقع ما رأيته وما سمعته وما لاحظته خلال هذه اللقاءات والزيارات والجولات أستطيع أن أخرج بنتيجة عامة أفصلها بعد ذلك بعدد من الأفكار التفصيلية.
هذه النتيجة العامة- ما كنت أصل إليها من مجرد القراءة عن كوسوفا في ظل الإدارة المدينة انتظارًا للاستقلال- وهي تتلخص في المقولات التالية:
إن إعادة بناء دولة كوسوفا –استعدادًا للاستقلال- يتم تحت وطأة الإدارة المدنية والتدخلات الأوروبية والأمريكية (الرسمية والمدينة) من أجل ما يسمى استيفاء المعايير المسبقة للحصول على الاستقلال. ويتعاون مع هذه التدخلات ويقود عملية إعداد أبنية الاستقلال من أعلى، نخب قومية أو علمانية ليست ذات توجه غربي قد يكون أوروبيًا أو أمريكيًا، ولكنها ذات توجه عبر أطلنطي، بالأساس لا يرى إمكانية للاستقلال إلا من خلال استمرار الدعم الأمريكي لقضية كوسوفا. كما يعد هدف الاندماج في الاتحاد الأوروبي هدفاً أساسيًا بعد الاستقلال. أما النخب الإسلامية وأن كانت تحرص على الاستقلال ولا تراه أيضًا ممكن التحقيق إلا من خلال الولايات المتحدة، إلا أن اهتماماتها بتجديد الهوية الإسلامية من القاعدة يبدو متناقضًا مع اتجاهات العلمنة من أعلى.
ولذا تبدو كل من الساحة النخبوية والساحة الشعبية على حد سواء منقسمة بين جماعتين متوازيتين وليس متكافئتين من حيث الحجم أو الوزن. وهما النخب العلمانية و التوجه العام في الشارع الذي يبدو في مجملة بعيدًا عن أبسط مظاهر الإسلام الحضاري، ونخب إسلامية وقواعد شعبية محصورة في قطاعات محددة من ناحية أخرى لا تتوافر لها ما يتوافر للجماعة الأولى من موارد المساندة المالية والإعلامية، وهي في معظمها قطاعات تقليدية الأقل حظا من التعليم والثروة، تهتم باللغة العربية وبالروابط مع العالم العربي والإسلامي وتسعى جاهدة للحفاظ على القيم والتقاليد الألبانية المسلمة ودعم مصادر الثقافة الإسلامية والدراسات الإسلامية لتوفير الكوادر الفاعلة اللازمة للحفاظ على عقيدة الألبان المسلمين.
كل هذا يعني أن الشعب الألباني المسلم بعد أن واجه القوة الصلدة الصربية –سواء في ثوبها الملكي أو الشيوعي أو الأصولي القومي- قد أضحى يوجه القوة الرخوة الأمريكية- الأوروبية التي تؤثر بقوة في عملية إعادة تشكيل هوية كوسوفا، والتي ما زال 95% من سكانها يعتنقون الإسلام. بعبارة أخرى فإن إعادة بناء الدولة وإعداد معايير الحصول على الاستقلال ليس سياسيًا اقتصاديًا فقط ولكن بالضرورة وبالأساس ثقافي أيضًا.
ومن ثم يبدو أن العملية العسكرية الأمريكية والأوروبية (بواسطة ذراع الناتو) ثم الغلبة السياسية (تحت مظلة الإدارة المدنية من جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) تسعى أيضًا لتحقيق الغلبة في المعركة السياسية والثقافية الداخلية. ولذا من المنتظر أن تواجه مطالب تجديد الهوية الإسلامية لاستمرار الحفاظ عليها تحديات تحت ذريعة مخاطر التحول إلى دولة إسلامية تصبح موطأً جديدًا لفكر القاعدة والإرهاب، وهي المخاطر التي تروج لها الدعاية الصربية لقطع الطريق على فرص استقلال كوسوفا. وهكذا يبدو التداخل بين ما يسمى الإسلام السياسي وما يسمى الإسلام المدني-الليبرالي الحداثي وبين الإسلام الحضاري.
فبغض النظر عن مدى مصداقية وحجية مخاوف أوروبا من إسلام سياسي ودولة إسلامية في أوروبا، فلا يمكن أن يكون هذا مبررًا لإزاحة تجديد الإسلام الحضاري الذي يمكن أن يتجلى في المجال الخاص والعام على حد سواء وكذلك في الساحة المدنية والسياسية والمجتمعية (على سبيل المثال: أحزاب ذات مرجعية إسلامية، إدخال مقررات التربية الدينية في المدارس، قبول حجاب المرأة في الهيئات الرسمية، وغيرها..)، وهو الإسلام الحضاري الذي تعرض لضربات شديدة على يد الأصولية الصربية الأثوذكسية والشيوعية، والتي لم تكتف بإزاحته إلى أضيق مجال خاص ولكن حاولت استئصاله تمامًا حتى في هذا المجال الخاص. ولذا؛ فإن التوجهات نحو تجديد وإحياء هذا الإسلام الحضاري، في ظل الاستقلال، وفي ظل مناخ حقوق الإنسان والحريات الإنسانية التي يشيعها النموذج العولمي في ثوبه الأوروبي والأمريكي، هذه التوجهات التجديدية لابد وأن تصطدم بعقبات نابعة من الرؤية الغربية عن الدين أو المفهوم الغربي عن الدين والذي وإن سمح بوجوده فذلك يكون في أضيق نطاق من المجال الخاص، وهذا المفهوم هو الذي يتم إسقاطه على الإسلام باسم ما يسمى الإسلام المدني أو الليبرالي أو حتى العلماني.
ومن ثم فإذا كانت كوسوفا مازالت تنتظر مصير استقلالها السياسي، الذي تتضافر كل الجهود الوطنية-القومية والإسلامية- للحصول عليه سلميًا عن طريق التفاوض، فيبدو أن المخاطر التي تحيط بالاستقلال نظرًا لتعثر المفاوضات، تحجب أو تمنع ظهور مواجهة كافية حول أبعاد أخرى للاستقلال وهو الثقافي وفق متطلبات قيم الإسلام الحضاري الذي تتشوق إليه قواعد شعبية ممتدة، كما يمكن أن يكون سبيل حماية ووقاية قواعد شعبية أخرى من كثير من آفات تآكل القيم والتقاليد الألبانية الإيجابية (مثل قيمة تضامن الأسرة الممتدة) والقيم الإسلامية الحاكمة للسلوك الشخصي والحريات العامة، وجميعها قيم لابد وأن تصب في عافية المجتمع الكوسوفي الذي يعايش مرحلة ما بعد الاحتلال وما بعد الحرب بكل سلبياتها وخاصة البطالة، والفساد والخوف وعدم الاستقرار والأمن وأزمة التوجه.
ومما لاشك فيه أن نمط توازن القوى بين التيارات المختلفة، وخاصة من حيث مدى مساندة الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي لأحدها (تيار حزب روجوفا) دون الآخر (تيار جيش تحرير كوسوفا السابق)، هو الذي سيحسم نتائج معركة ما بعد الاستقلال كوسوفا بالنسبة لمآل الدولة الجديدة من حيث التوجه والوجهة؛ أي بالنسبة لتوجه سياستها الخارجية وبالنسبة لوجهة نظامها الداخلي، وخاصة ما يتصل بأبعاد الثقافة الإسلامية.
وكما سبقت الإشارة؛ فإن هذه الأفكار والآراء المذكورة عاليًا، هي نتائج تفاعلات مع أشخاص ومع أماكن ومواقع متفرقة، وحيث لا يمكنني أن أسرد تفاصيل الزيارات والنقاشات خلالها، إلا أنني سأتوقف عند لقطات بعينها. ولقد أدت في تراكمها إلى تجسيد ملامح صورة كلية في ذهني حاولت شرحها في الأفكار المذكورة عاليًا، ومن أهم هذه اللقطات ما يلي (دون تعليق):
1- عدم تفاؤل رئيس الجامعة حول سرعة الاستقلال وإمكانياته من خلال المفاوضات الجارية، نظرًا لبطئها وعدم تقدمها، وخشيته من عواقب فشل المفاوضات نظرًا لسوء الحالة الاجتماعية، ومخاطر الانفجار الداخلي. وفي المقابل، رفض تمامًا إمكانية تجدد خيار المقاومة العسكرية من أجل تحرير كوسوفا مؤكدًا أنه لن تكون هناك حرب أخرى. ولذا؛ فلقد عبر عن إيمانه العميق بأن توجه كوسوفا لن يكون غربيًا، ولكن يجب أن يكون عبر أطلنطيًا؛ لأن الولايات المتحدة هي القادرة على مساندة الاستقلال بدون حرب.
ومن ناحية أخرى؛ فإن رئيس الجامعة كان ينصح بالتوجهات العلمانية في إدارة الجامعة، وخاصة ما يتصل بعدم السماح لإقامة الصلاة وأية شعائر دينية في رحاب الجامعة، وموافقته على عدم السماح بالحجاب في الجامعة (إذا صدر قانون بذلك).
وأخيرًا؛ فإن انتماءه القومي العلماني كان –وفق مقولة صحيحة له- أهم من الانتماء الديني، ولم يكن يتوجس من احتمالات هيمنة أمريكية على كوسوفا، بل ورفض أن تكون هناك رابطة بين السياسة الأمريكية وبين الدين، على اعتبار أن العالم الإسلامي، بل وأوروبا لم تستطع مساعدة كوسوفا.
ومن ثم؛ لم تكن لاعتبارات الخصوصية الثقافية أو الجانب الحضاري حضورًا لديه مقارنة بالاعتبارات الواقعية البرجماتية، كما لو أن المصالح لا يمكن أن تتحقق باستثارة هذه الجوانب الحضارية والثقافية.
2- ومع رئيس أكاديمية العلوم والتفوق؛ فإن انتقال الحديث من السياسة إلى المجتمع ساعد على توضيح مدى تعقد الخريطة المجتمعية وما تفرضه من تحديات؛ حيث اتضح كيف أن جميع الأقليات في كوسوفا، العربية والتركية وغيرها لها الحق في الدراسة بلغتها القومية، وذلك في المدارس العامة، كما أن الدوائر الحكومية تقوم على الترجمة من لغة إلى أخرى.
وهو الأمر الذي لابد وأن يطرح السؤال عن صعوبة تحقيق الاندماج والمواطنة في ظل هذه الظروف التي تحرص على احترام الحقوق القومية والدينية لكل الأقليات على قدم المساواة مع القومية أو الدين صاحب الأغلبية.
ويظل القاسم المشترك بين رئيس الجامعة وبين رئيس أكاديمية العلم هو الإيمان بأن الدور الأمريكي لم يكن يتدخل في شئون كوسوفا وصربيا بل تدخل دوليًّا لعلاج مساوئ اختلال توازن القوى غير العادل.
ولم يبد رئيس الأكاديمية أية مقارنة بين الوضع في كوسوفا والوضع الحالي في لبنان، على نحو يبين كيف أن الإنقاذ الأمريكي لكوسوفا لا يمكن أن ينال منه –على الأقل حتى الآن- أي ظلم أمريكي في مواضع أخرى من عالم المسلمين مثل فلسطين، لبنان، العراق.
3- ومن مكتب رئيس جامعة بريشتينا الذي تصدره صورة وزيرة خارجية أمريكا السابقة مادلين أولبرايت، ثم من مبنى أكاديمية الفنون والعلوم إلى مبنى المشيخة الإسلامية (التي تم بناؤها بمعونة من دولة الإمارات عوضًا عن المبنى القديم الأثري الذي حرّقه الصرب خلال الحرب الأخيرة بكل ما يحتويه من وثائق ومخطوطات) ثم إلى مبنى كلية الدراسات الإسلامية المتهالك القليل الإمكانيات.
بعبارة أخرى، انتقلنا من حديث السياسة العليا إلى حديث السياسة الدنيا؛ أي حديث الثقافة العامة والتعليم وصولاً إلى حديث “التعليم والتربية الإسلامية” الذي اختلط بقوة مع حديث السياستين العليا والدنيا على نحو فريد؛ فمع مدير كلية الدراسات الإسلامية اتضح مدى الصعوبات المادية والأكاديمية والمجتمعية التي يواجهها هذا النمط من التعليم في كوسوفا. وهو التعليم الذي يجتهد لتخريج الدعاة والأئمة الألبان القادرون على الاستمرار في قيادة عملية الحفاظ على العقيدة والعبادات والثقافة الإسلامية، وكذلك القادرون على المبادرة بالبرامج اللازمة للشباب لإعادة بناء علاقته بالمساجد وبالإسلام، ولكن على النحو الذي يستجيب لظروف كوسوفا وخصائصها.
ولذا، اتضح أمران في حديث رئيس الكلية: أولهما العمل بدأب وتؤدة في نفس الوقت من أجل إدخال مادة التربية الدينية في المدارس العامة، وإعادة تصحيح صورة الدين التي تم تشويهها طوال الحكم الشيوعي.
ثانيهما: رفض التيارات والمذاهب الإسلامية الوافدة من الخارج -مثل السلفية والإخوان والجماعات على اعتبار أنها لا تتواءم وظروف المنطقة وتحدياتها الراهنة؛ حيث إن “الإسلاميين” تحت المراقبة، ولن يتم إعطاء الاستقلال لكوسوفا إلا إذا تأكدت الإدارة المدنية “بأننا ليس لنا ارتباطات”، ونظرًا لأن التقارير التي يقدمها –أمثال رئيس قساوسة الأرثوذكس في كوسوفا– للولايات المتحدة تثير مخاوف الأوروبيين والأمريكيين من أن الاستقلال سيؤدي إلى قيام دولة للمتطرفين على غرار بن لادن.
ولهذا كله؛ فإن القائمين على شئون الإسلام في كوسوفا يقدمون مقولة مضادة محاولين تغيير فكر الأمريكيين الذي مازال يؤثر فيه مقولات الصرب، وهذه المقولة المضادة هي عدم الحاجة لمساعدة خارجية تعلمهم شئون دينهم.
المقولة المضادة يصاحبها عمل هادئ وحكيم وبلا ضجة لا يستثير مخاوف المراقبة الدولية، ويسمح في نفس الوقت بخدمة الإسلام والمسلمين في كوسوفا بالقدر الذي تسمح به الموارد والإمكانيات المتاحة ذاتيًا ومن المعونة الخارجية. ولذا؛ فإن العمل الخيري الطوعي هو السبيل الأمثل الذي يتطلب تعبئة كل الجهود من الداخل وعبر الإغاثة من الدول العربية والإسلامية.
4- وأضاف مفتي كوسوفا أبعادًا أخرى سواء تلك المتصلة بواقع الحال أو المطالب المستقبلية، وجميعها يبين كم هو صعب الحفاظ على إسلامك في كوسوفا وألبانيا مقارنة بالحال في الدولة الإسلامية.

ومن أهم سمات الوضع الحالي ما يلي:

تزايد نشاط المنظمات غير الحكومية الأوروبية والأمريكية ذات التوجه المدني والتغريبي، مع زيادة التبشير وحالات التنصير، محدودية الموارد اللازمة لدعم الأنشطة الدعوية والتربوية والثقافية الإسلامية؛ نظرًا لاستنزاف المساعدات في إعادة بناء ما دمرته الحرب، تعدد مكاتب التمثيل الغربية وانعدام نظائرها العربية والإسلامية باستثناء مكتبين لماليزيا وتركيا، الحاجة إلى مزيد من الدعم من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي التي وإن قدمت دعمًا إغاثيًا ومساندة سياسية لاستقلال كوسوفا؛ إلا أن هناك حاجة لمزيد من الاستجابات القوية والفاعلة، عدم تدخل الحكومة والأحزاب الكوسوفية في شئون الاتحاد الإسلامي في كوسوفا، محاولة بعض الدول الإسلامية وضع شروط للمساعدات التي تقدمها، وأخيرًا، إذا لم يتحقق الاستقلال سيستكمل الكوسوفيون التحرير بكل الطرق بما في ذلك العودة للسلاح، والحوارات بين الأديان، وإن كانت قائمة ومستمرة ولكن فهي بلا نتائج فاعلة، ولذا تظل القوة هي المطلب إلى جانب مطالب أخرى مستقبلية.
ومن أهم هذه المطالب المستقبلية: تأسيس وزارة شئون دينية وأوقاف، إدخال مادة تربية دينية في المدارس، إنشاء تلفزيون وإذاعة خاصة بالاتحاد الإسلامي، تنسيق مع دول إسلامية وهيئات الإغاثة الإسلامية، الحاجة لمزيد من المساجد والمدارس الدينية وحضانات الأطفال والكوادر المؤهلة لإدارة هذه المؤسسات.
5- وحملت شهادات نخب أخرى (أ. كمال مورينا، أ. بيسة) مزيد من التفاصيل التي تبين كيف أن مخاوف الاتهام بالتطرف أو سحب المساندة للاستقلال تؤثر سلبًا على مطالب الحفاظ على مظاهر الإسلام الحضاري، ولا نقول الإسلام السياسي أو الأصولي. ومن الوقائع المذكورة ما يلي:
رفض تخصيص ساعتين في الإذاعة يوميًا من أجل توجيه ديني والتذرع بعدم حاجة الشعب لذلك أو التذرع بالنواحي الفنية، رفض رئيس قسم التاريخ في جامعة بريشتينا الاشتراك في مؤتمر 6 قرون من الإسلام بين الألبان، بل والاستعجاب من اختيار هذا الموضوع في حين شارك الجميع في مؤتمر سابق عن 2000 عام على الكاثوليكية في المنطقة، كما تم بناء كنيسة كاثوليكية لشخص واحد (كان مسلمًا وتنصر)، وذلك في بلدة كلها مسلمون فضلاً عن التوثيق المتنافي للإنجاز الكاثوليكي، النخب ذات التوجه الإسلامي (الحضاري) قليلة وليست بقدر وزن النخب الأخرى؛ ولذا، ليس أمامها إلا أن تتحرك بهدوء، ولكن بدون توقف في مواجهة التحديات في مرحلة ما قبل الاستقلال حفاظًا على فرص الاستقلال ذاتها، وفي محاولة للتأثير الهادئ على فرص ما بعد الاستقلال.
وتقول بهذا الصدد السيدة بيسة –المترجمة من الألبانية إلى الإنجليزية والعكس- “لن يكون لكوسوفا استقلال حقيقي؛ لأنه سيتم إدماجنا في أوروبا بلا دين، ودستور كوسوفا الجاري إعداده هو دستور أوروبي علماني؛ فعلى سبيل المثال لن يُسمح بالحجاب في الهيئات والمؤسسات الرسمية. فالتوجه القومي العلماني –وليس الإسلامي- هو الذي يحقق التفوق في ظل الضغوط الدولية. وفي نفس الوقت الذي يهاجم الغرب التوجهات القومية الألبانية، إلا أنهم يساندونها في مواجهة التوجهات الإسلامية بين مسلمي البلقان. وبالمثل؛ فما زالت كتب التاريخ وغيرها في مراحل التعليم تقدم الألبان من المنظور القومي وليس الإسلامي؛ وهو الذي يبرز صراع الألبان مع العثمانيين، ورفضهم لهم، وعلى العكس؛ فإن ما يتصل بالصورة الصربية قد تم حذفه من مقررات الدراسة –خلال السنوات السبع التالية على الحرب، إلا أن ما يتصل بالإسلام والعثمانيين مازال في انتظار التغيير”.
6- وبعد جولة ممتدة بالسيارة في أرجاء كوسوفا كشفت لي عن ملامح واقع شعبها “المسلم” انتهى بنا المطاف في لقاء حي مع أعضاء هيئة تدريس مدرسة علاء الدين في بريشتينا وطلابها. وبعد أناشيد فتياتهن الجميلات المحجبات الشاديات بحب الرسول والقرآن اتجهنا إليهم بكلماتنا عن واقع شباب كوسوفا ومستقبلهم ودورهم في الحفاظ على الثقافة الإسلامية والروابط مع العالم الإسلامي، ولكن في إطار من التأكيد على عدة أمور: أن موقع كوسوفا في أوروبا يفرض التزامات ويقدم فرص، وأن الإيمان بلا علم وعمل يكون حيادًا عن المفهوم الرشيد للإسلام، والحفاظ على الإسلام لم يكن مهمة الحكام ولكن الشعوب، وأن ما أصاب الألبان والكوسوفيين عبر التاريخ من ظلم بشتى أنواعه (التقسيم، الإبادة، الترحيل، مقاومة العقيدة الإسلامية) لا يجب أن يؤصل للحقد والكراهية تجاه الآخر؛ حيث يظل للنموذج الإسلامي خصوصية مقارنة بغيره من النماذج المتعصبة والمتطرفة، ومن ثم؛ يفرض التعارف. وكانت خلاصة كلمتي لهم هي: أنتم جزء من أمة ألبانية، وجزء من عالم أوروبي ورافد من روافد أمتكم الإسلامية.
· وبهذه الثلاثية تشاركون في خدمة الإنسانية: ابتداء من خدمة عقيدتكم وثقافتكم وتعارفها مع الثقافات والأديان الأخرى دفعًا لتحقيق إنجاز حضاري وإنساني.
· آمنوا، تعلموا، أحبوا، تعارفوا، اقتحموا، لا تحقدوا، لا تخافوا؛ فأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. هذه الكلمات لم أجد غيرها لأقدمه لشعب كوسوفا في نهاية زيارتي لها، كلمات توجهت بها لشبان آملة له مستقبل أكثر أمنًا ورخاء بإذن الله، ولم تكن هذه أمنيات مثالية لداعية، ولكن توقعات أستاذ علوم سياسية ينتمي لنفس الأمة: أمة المقاومة والممانعة والعزة أينما كانت على الأرض.
*****

الهوامش

[1] د. نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996 الأجزاء من السابع إلى الثاني عشر.
[2] د. نادية محمود مصطفى: العصر العثماني: من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية (في) المرجع السابق، الجزء الحادي عشر.
[3] د.نادية محمود مصطفى: البوسنة والهرسك، من إعلان الاستقلال وحتى فرض التقسيم (مارس 1992-يوليو 1993)، نجاح العدوان المسلح في فرض الأمر الواقع أمام أنظار النظام العالمي الجديد.(في): تقرير الأمة في عام (1993) 1413 هـ. مركز الدراسات الحضارية. القاهرة.1994.
– أ. أماني غانم، أ.د. نادية محمود مصطفى (إشراف): البوسنة بعد دايتون: مصير الدولة الموحدة (في) أمتي في العالم (حولية قضايا العالم الإسلامي)، العدد الأول (1998م)، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، 1999م.
– انظر: د. نادية محمود مصطفى: كوسوفا بين التاريخ والأزمة الراهنة (في) حولية أمتي في العالم (1998) مركز الحضارة للدراسات السياسية، 1999. د.نادية محمود مصطفى: قراءة ما يحدث في كوسوفا، القدس، العدد 5، مايو 1999. د.نادية محمود مصطفى: أزمة كوسوفا وحلف الأطلنطي: التوازنات الأوروبية والعالمية. المستقبل العربي، عدد يوليو 1999. د.نادية محمود مصطفى: الخطاب العربي-الإسلامي وضربات الناتو حول كوسوفا (في) حولية “أمتي في العالم” 1999، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، فبراير 2000. مقدمة كتاب: د.محمد أرناؤوط: كوسوفا – كوسوفا – بؤرة النـزاع الصربي الألباني في القرن العشرين، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، 1998.
[4] انظر على سبيل المثال مشاركة بعض الأساتذة من البلقان والمتخصصين في شأنه في أنشطة برنامج حوار الحضارات انظر:
– د. محمد أرناؤوط، البلقان ساحة للتفاعل / عدم التفاعل بين الثقافات (خبرة العقد الماضي)، بحث مقدم في ندوة إدارة أوروبا لحوار الثقافات الأورومتوسطية التي عقدت في الفترة من 11- 13 أبريل 2005، (تحت الطبع).
– أ. كمال مورينا، دور المؤسسات الدينية في دفع الحوار الثقافي إلى الأمام بين سكان كوسوفا، بحث مقدم في ندوة إدارة أوروبا لحوار الثقافات الأورومتوسطية التي عقدت في الفترة من 11- 13 أبريل 2005، (تحت الطبع).
– د. مصطفى تسيريتش: المسلمون في البوسنة ودور المشيخة الإسلامية في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم (في) د. نادية محمود مصطفى: مسارات وخبرات في حوار الحضارات، برنامج حوار الحضارات، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة، 2004.
– د. حليمو نيمارليا: مسلمو البوسنة، خمسة قرون من التجربة الحضارية (في) المرجع السابق.
[5] وهذه البحوث هي:
– Shemsi AJVAZl: Albanian territories: Target of the East geopolitics and eurocentrics.
– Kreshnik OSMANI: Muslim Albanians and the Euro Atlantic integrations

للتحميل اضغط هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق