د. نادية مصطفى

تعزيز التعاون مع المؤسسات الثقافية خارج العالم الإسلامي

إن عملية التفكير والبحث في “المجال الثقافي ” كأحد مجالات – بل مجال أول في الترتيب بين مجالات ثلاثة – التحرك “نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي” لتفرض علينا أن ننطلق من إطار نظري مركب تمهد للاقتراب من موضوع هذا البحث وهو تعزيز التعاون مع المؤسسات الثقافية خارج العالم الإسلامي.
ولكن لماذا الحاجة لهذا الإطار النظري؟ وما المقصود به؟ تنبع هذه الحاجة من طبيعة الموضوع المقترح لهذه الورقة أي “تعزيز التعاون” وإن هذا الموضوع يثير أكثر من سؤال:
· ما المقصود بتعزيز التعاون؟ وما هي صور التعاون القائمة التي من المستهدف تعزيزها وما هي هذه المؤسسات القائمة عليها؟
· وما الأهداف من وراء هذا التعزيز؟ هل تتصل بالحفاظ على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية؟ أم تتصل بالدفاع عن الصورة الثقافية للأمة الإسلامية لدى الآخر؟ أم تتصل بعرض صورتنا عن الآخر وثقافته؟
· وما هي سبل تعزيز هذا التعاون: ما الذي يمكن أن نقدمه (والسؤال هنا ما هي أطراف هذه العملية؟)
إن الإجابة على هذه الأسئلة تفترض عملية بحثية إمبريقية توفر قاعدة معلوماتية عن الواقع القائم في هذا المجال وعن إدراكات وتصورات القائمين عليه بعد تحديدهم. وتمثل هذه القاعدة المنطلق لتقييم القائم ومن ثم تقديم الاقتراحات المحددة أمام مجلسكم الموقر.
ولكن من ناحية أخرى – فإن هذه العملية البحثية لا تمثل إلا مستوى من مستويات تحليل هذا الموضوع لابد وأن يسبقه مستوى آخر ويمهد له هو ومستوى تحديد الإطار النظري لهذا التحليل.
ويركز البحث على هذا المستوى الثاني وينطلق منه ثم يمتد بعد ذلك إلى المستوى الأول، ولكن بصورة انتقائية ومحددة تطرح نتائج خبرة ذاتية في التعامل مع بعض “المؤسسات، ولا أقول الثقافية، ولكن التي تهتم بما يسمى “الحوار الثقافي” على صعيد إحدى دوائر العلاقات الإسلامية الأوربية، ألا وهي الدائرة المتوسطية.

أولاً: الإطار النظري

يحدد هذا الإطار النظري المنطلقات الفكرية والمفاهيمية، ويضع موضوع البحث في سياقه ونطاقه الأشمل أي المتصل بوضع البعد الثقافي في العلاقة مع “الآخر” (من خارج العالم الإسلامي) من ناحية، والمتصل من ناحية أخرى بوضع البعد الثقافي – مقارنة بأبعاد أخرى وخاصة السياسية – في مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي في عالم يموج بالتحولات والتغيرات.
بعبارة أخرى فإن “منطقة” البحث أي “الثقافي” وهي منطقة تقاطع بين تخصصات متعددة واهتمامات متنوعة لتفرض على الباحث أن يحدد انطلاقا من تخصصه (في العلوم السياسية) إطاره النظري الذي يحكم اقترابه من الموضوع. وتزداد الحاجة إلى هذا الإطار بالنظر إلى طبيعة الملتقى الذي يتوجه إليه الباحث أي الملتقى العلمي السنوي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الزاخر بعلماء الأمة، وبذوي الخبرات العملية الوافية حول الشئون الإسلامية الداخلية والخارجية. ولذا فإن هذا البحث يعد فرصة لطرح بعض الهموم النظرية والعملية التي يواجهها متخصص في العلوم السياسية يسعى لتطوير منظور إسلامي لهذا التخصص، ومن ثم يسعى إلى نسج ودعم الرابطة بين فهم خريطة الواقع وبين قواعد وأسس وضوابط رؤية إسلامية واعية بشعاب العصر وفي نفس الوقت مجتهدة وفق أصول الاجتهاد.
وينقسم تفكيرنا النظري حول الإطار الشامل الذي يحيط بالعلاقة مع مؤسسات خارج العالم الإسلامي بين محاور ثلاث يقع في قلبها وفي خلفياتها جميعاً وضع العالم الإسلامي في النظام العالمي الراهن. ومن ثم فإن هذه المحاور الثلاثة تمثل مدخلاً ثقافياً لدراسة هذا الوضع وتفاعلاته تأثيراً وتأثراً. وتتلخص هذه المحاور الثلاثة كالأتي:
1- بروز البعد الثقافي / الحضاري جزءاً من ظاهرة أكبر وأشمل على الساحة الدولية الراهنة: الأسباب والمظاهر.
2- الإشكاليات التي تتصل بتحديد ماهية “الثقافي” موضع الاهتمام وأطراف تفاعلاته وآلياتها وغاياتها.
3- قضايا الاهتمام بالبعد الثقافي ودلالاتها بالنسبة لوضع المسلمين (دولاً وأقليات) في النظام العالمي الراهن.

1- بروز البعد الثقافي / الحضاري: الأسباب والمظاهر
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وفي ظل تشكيل نظام عالمي جديد، وفي إطار عمليات العولمة، أفرزت التطورات العالمية والإقليمية والوطنية اهتماماً متنامياً – على صعيد الفكر وعلى صعيد الحركة – بالأبعاد الثقافية الحضارية للتفاعلات الدولية يفوق ما كانت تحوزه هذه الأبعاد من قبل في دوائر الفكر الغربي الدولي.
وتعد الأدبيات النظرية المتنامية – ولو من مداخل مختلفة – حول العولمة(1) وتجلياتها على الأصعدة المختلفة، من أبرز علامات هذا الاهتمام. ولم يتبلور هذا الاهتمام في شكل خطى منتظم بقدر ما تبلور في شكل منظورات متصادمة حول ماهية هذه الأبعاد الثقافية الحضارية ووضعها في مجال دراسات العلاقات الدولية وخاصة العلاقات بين الشمال والجنوب والتي يقع في قلبها عالمنا الإسلامي. بعبارة أخرى إذا كانت الأبعاد العسكرية الأمنية التقليدية ثم الأبعاد الاقتصادية – السياسية قد احتكرت من قبل الاهتمامات في دوائر الدراسات الدولية الغربية إلا أن عقد التسعينيات قد شهد بروزاً للأبعاد الثقافية / الحضارية يعيد لهذه الأبعاد مكانتها الحقيقية المفقودة في منظومات التفكير الغربية. وعلى العكس فلقد احتلت دائما هذه الأبعاد مكانتها في منظومة الفكر الإسلامي.
وتتعدد المؤشرات في دوائر الفكر الغربي والسياسة الغربية، على حد سواء، على هذا البروز، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
الاهتمام بدراسات دور الدين في السياسة الداخلية والخارجية(2)، تجدد الاهتمام بالأبعاد القيمية الأخلاقية للقضايا الدولية المختلفة (3)، اتخاذ الحضارات وحدة للدراسات الدولية ومن ثم النظر إلى صراع الحضارات كمنظور جديد لدراسة العلاقات الدولية (4) صعود قضايا حقوق الإنسان في دائرة الفكر والقانون الدولي والعلاقات الدولية (5).
والجدير بالذكر أن تداعيات هذه الموضوعات بالنسبة للعلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي تقع في صميم الدراسات حولها.
وتحمل جميع هذه الموضوعات أبعاداً ثقافية – حضارية واضحة. فإن اختلاف مضامين التحليل من منظورات مختلفة حول الدين، القيم، حقوق الإنسان.. تعكس اختلافات حضارية وثقافية. ومن ثم لابد وأن يثير “العلاقات الثقافية” طرح هذه الموضوعات من منظورات تختلف حول ماهيتها وتوجهاتها وغايتها.

2-إشكاليات تحديد خريطة مكونات “البعد الثقافي”:
تتلخص هذه الإشكاليات فيما يلي:
من ناحية: ما هو البعد الثقافي المعني؟ هل بالمعنى الحرفي الضيق؟ أي أسباب الحياة، الفنون، الآداب، المعمار، اللغة، العادات والتقاليد، أم بالمعنى الأوسع الذي يمثل الإطار الكلي الذي يحيط بالسياسة والاقتصاد والمجتمع والذي يتصل بالتاريخ والتراث وبالمعرفة والعلوم وبالدين، أي الذي يتصل بمكونات وخلفيات البعد الفكري، ومن ثم فهو يثير أموراً أخرى مترابطة: النسق المعرفي، المنظومة القيمية، الإطار المرجعي، المنظور، الهوية.
إذن كيف يمكن أن يحدث التعاون حول أي من هذين المعنيين؟
من ناحية ثانية: من الفاعل ومن المستهدف على صعيد التفاعل الثقافي هل الحكومات أم النخب المثقفة أو الأكاديمية، أم أجهزة الإعلام أم مؤسسات المجتمع المدني، أم المواطن الفرد؟ وهل يتم التفاعل بمبادرات على المستويات الوطنية أم الجماعية؟ إذن من الفاعل ومن المستهدف في “التعاون” المطلوب تعزيزه؟
من ناحية ثالثة: ما هي آليات إدارة البعد الثقافي؟ بصورة تبادلية أم استهلاكي في اتجاه واحد؟ أم حوار أم مواجهة؟ وما المآل وما هي شروط النجاح أو الفشل؟
من ناحية رابعة: ما الغاية من إدارة البعد الثقافي؟
هنا تبرز لنا كل أوجه معضلة العلاقة بين الأنا والآخر، بين الخصوصية والعالمية: هل هناك اتجاه ثقافة للتغلب على الأخرى وتذويبها؟ أم أن هناك مؤشرات عن حوار قائم على الانفتاح وعدم الانغلاق والنقد الذاتي والتفاعل الحضاري، في ظل إدراك متبادل واعتراف متبادل بالخصوصيات الثقافية، وصولاً إلى درجة أفضل من الفهم المتبادل وكأساس لتعاون أفضل؟ وأي البدائل أكثر مصداقية من الأخرى في ظل أوضاع الخلل الاقتصادي- السياسي في موازين القوى بين طرفي العلاقة: نقل واستهلاك ثقافي، هيمنة ثقافية، حوار ثقافي؟
ومما لاشك فيه أن هذا التعبير البسيط عن هذه البدائل في هذا الموضع لا يكاد يترجم حقيقة ضخامة وأهمية الجدل الذي تزخر به ساحة الثقافة والفكر في الدول العربية والإسلامية الأخرى – منذ نهاية القرن التاسع عشر – حوى العلاقة مع “الآخر” ثقافيا وفكريا (دون انفصال عن السياسي) تشخيصاً وتعليلاً، قبولاً ورفضاً. وهو الجدل الذي ثار بين مدارس متعددة.
ومن ناحية خامسة: ما العلاقة بين الثقافي وبين السياسي والاقتصادي في العلاقة بين طرفين: هل حالة البعد الثقافي تؤثر على إمكانيات التعاون السياسي والاقتصادي أم أن عدم التكافؤ السياسي – الاقتصادي بين طرفين لابد وأن يلقى بظلاله على حالة البعد الثقافي في العلاقة (هيمنة ثقافية من الطرف الأقوى مادياً وتمسك بالخصوصية الثقافية كآخر خطوط الدفاع من جانب الطرف الأضعف) بعبارة أخرى فإن شقي السؤال السابقين إنما يطرحان مدى مصداقية الاعتماد على الاقتراب الثقافي – الحضاري لإعادة تشكيل مسار العلاقة بين طرفين غير متكافئين في القوة: فهل سينتج عن الحوار تغييراً في سياسات الطرف الأقوى لصالح مطالب الطرف الأضعف أم ماذا؟ أم هل المطلوب مجرد دفاع الطرف الأضعف عن صورته المدركة من جانب الطرف الأقوى؟
وتعد الإجابة على الأسئلة التي تطرحها هذه الإشكاليات بمثابة الخطوة المسبقة لتصميم برنامج للتعاون الثقافي بين فاعل إسلامي (سلطة رسمية، منظمة جماعية، ملتقى فكري) وبين “مؤسسات” خارج العالم الإسلامي”

3-دوائر الخطاب المهتم بالبعد الثقافي وقضاياه، ودلالاتها بالنسبة لوضع العالم الإسلامي في النظام الدولي الراهن:
العالم الإسلامي يضم الدول الإسلامية (أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي(6) كما يضم الأقليات المسلمة في دول غير مسلمة في أرجاء العالم المختلفة(7).
وحول أبعاد “العلاقات الثقافية ” لمكونات هذا العالم مع غيره يمكن أن نميز بين دوائر ثلاث للخطاب المهتم بهذه الأبعاد، ويتكون كل خطاب من ثنائية واضحة.
*خطاب التعددية الثقافية / الهيمنة الثقافية ويبزغ الآن في الغرب ويتصل أساساً بدائرة “المسلمين” (وغيرهم) في الدول والمجتمعات الغربية(8)
*خطاب: حوار الثقافات – الحضارات / صراع الثقافات – الحضارات (9) ويتصل أساساً بدائرة العلاقات الدولية والعلاقات عبر القومية بين المسلمين والآخر.
*خطاب: الثقافة العالمية (العولمة الثقافية) / الخصوصيات الثقافية (10)
ويتصل أساساً بدائرة الهياكل العالمية “للتفاعلات وتأثيراتها على الفواعل الوطنية أو الإقليمية.
ولا يسعنا – في هذا الموضع- الإفاضة في تفاصيل هذه الخطابات الثلاثة المزدوجة والجدالات حولها بين المنظورات المختلفة والتي تزخر بها الساحة الفكرية والثقافية والأكاديمية (بل والسياسية أيضاً)، ولكن يجدر الإشارة هنا إلى أنها تمثل دوائر متقاطعة أو متماسة عند بعض النقاط، كما أنه من الضروري مراعاة متطلبات كل منها عند تصميم استراتيجية إدارة العلاقات الثقافية مع “مؤسسات ” خارج العالم الإسلامي، وذلك وفقاً للحالة المعنية.

ثانياً: خبرة دراسة بعض نماذج التفاعلات الثقافية

من الممكن رصد خريطة للعديد من نماذج التفاعلات “الثقافية” بين فواعل إسلامية (رسمية – وغير رسمية) وبين غيرها ولكن ليس من الممكن التوقف عند خبرات نتائج جميع هذه التجارب.
ونقتصر في هذا الموضع من الدراسة (وكما سبق التوضيح في المقدمة) على نموذج انتقائي يتصل بالبعد الثقافي للشراكة المتوسطية الأوربية (1995-1997). وتقدم الدراسة التفصيلية عن هذا النموذج (11) الكثير من الخبرات والنتائج حول الإشكاليات النظرية التي تم طرحها عالياً.
ولعل أهم هذه النتائج تتلخص في أن الغاية من الحوار (بفرض أنه الشكل الذي يتخذه البعد الثقافي) ومضمونه يختلفان بشدة بين الطرفين الأوربي والمتوسطي العربي.
1- الطرف الأوربي: يتضح من تحليل نموذجين متكاملين الأول يعبر عن جماعة من الصفوة الفكرية والأكاديمية والثاني تطرحه مؤسسة أوربية جماعية، يتضح أن منهج “الحوار” الثقافي يقع في قلب النموذجين باعتباره السبيل لدعم الفهم المتبادل الذي هو أساس النجاح في التعاون السياسي والاقتصادي على صعيد المشروع المتوسطي.
والنموذج الأول: يبرز من ثنايا كتاب فرنسي هام صدر في بداية التسعينيات (12) ويدافع الكتاب عن فكرة “المتوسطية” كنواة لمشروع متوسطي. والشرط المسبق لهذا المشروع في نظر محرر الكتاب، هو أن “يتوقف كل من هذين العالمين (العالم العربي وأوربا) عن اعتبار الآخر تهديداً لهويته”. هذا ويمكن أن نلخص أسس وقواعد هذا التيار الفكري الذي يمثله هذا الكتاب على النحو التالي:
الاعتراف بأن هناك حقائق متوسطية معقدة وصراعية ومتداخلة تهدد أمن واستقرار الدول المشاطئة للمتوسط، إسهام المقتربات الحكومية الرسمية الأوربية بعدم التحلي إلا برؤية سياسية وغير استراتيجية لا تسمح بمعالجة فعالة للمشاكل الحقيقية بل تهملها أو تتجنبها أو حتى تنساها، الإيمان بضرورة تخطي هذه التهديدات والقدرة على ذلك من خلال مشروع مشترك يقع في قلبه الحوار الثقافي، الاعتراف بأنه بالرغم من أهمية “السياسة والجيش ” إلا أن التهديد الملموس يكمن – وفق هذا التيار- في الاقتصاد والثقافة، ومن ثم فإن الخطر الذي يصيب العلاقات بين ضفتي المتوسط ذو طبيعة ثقافية ولا يمكن إبعاده إلا إذا تنحت فكرة “حرب الحضارات” وأفسحت الطريق إلى “تداخل الثقافات” والبحث عن فهم متبادل، وأخيراً، ووفقاً لهذا التيار، أيضاً فإن هذا الفهم المتبادل الضروري لن يتحقق إلا إذا تحقق الفهم المتبادل حول العلاقة بين الديني وبين السياسي، أي حول ضرورة الانتقال من – المجال الديني – إلى المجال الثقافي، وكذلك حول تخطي التاريخ الصراعي والتوفيق بين المعطيات الراهنة المختلفة. إذن ووفقاً لهذا الشرط الأخير نرى كيف أن المصلحة الراهنة لدى هذا الاتجاه تقتضي الفهم المتبادل انطلاقاً من استبعاد الدين وتخطي التاريخ، كما أن المستهدف بالحوار أو أطرافه هم أساساً الصفوة الفكرية والمثقفة.
والنموذج الثاني: تعبر عن اهتمام أحد المراكز المنبثقة عن منظمة أوربية، وهي مجلس أوربا Council of Europe والمركز هو “مركز الشمال الجنوب: مركز أوربي للاعتماد المتبادل والتضامن العالمي” ومقره برشلونة. ومن بين برامجه برنامج “عبر المتوسط” (Transmed 13) يهتم بالحوار بين الثقافات Intercultural dialogue كأساس للتعاون انطلاقاً من عدة أسس تبلورت في دعوته للاشتراك في ندوتين عقدتا في مالطة في نوفمبر 96 ثم في إبريل 1997 قبل انعقاد المؤتمر الثاني للشراكة. ولقد شارك في الندوتين أساساً برلمانيون وأكاديميون ومهنيون نشطون على صعيد المنظمات الأهلية غير الحكومية من دول المتوسط. وتتلخص هذه الأسس كما جاءت في هذه الدعوة كالآتي:
أن البعد الثقافي والاجتماعي والإنساني في إعلان برشلونة من أجل إرساء منطقة رخاء واستقرار في المتوسط – لا ينفصل عن البعدين السياسي والاقتصادي، وأن حواراً بين الثقافات لا ينفصل عن هذا البعد الثالث للشراكة. فهو، أي الحوار، يمثل أساساً لا غنى عنه لتحقيق الأهداف الاقتصادية والأمنية المختلفة. ويهدف هذا الحوار- كما تنص هذه الدعوة – إلى الاهتداء إلى سياسات للتعاون الثقافي بين مواطني المتوسط تتخطى الاختلافات الثقافية الاجتماعية وتتعدى التفاوتات الاقتصادية، كما يهدف إلى التغلب على الأحكام المسبقة والتحيزات التي تراكمت عبر التاريخ على جانبي المتوسط. ويرى هذا الاتجاه أن نجاح التعاون السياسي والاقتصادي بين ضفتي المتوسط يجب أن يدعمه معرفة حقيقية بثقافة الآخر ومجتمعه ودينه وذلك من خلال “رؤية إيجابية للاختلاف” ولذا – وبالنسبة لحوار الأديان- فإن هذا الاتجاه يرى أنه لا داعي لتكرار القول أن الأديان السماوية الثلاثة ذات قاعدة ثقافية مشتركة وأن الصراعات بين “جماعة” كل منها قد اندلعت بفعل عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية عبر مراحل التاريخ المختلفة وليس بفعل انشقاق rifts حول الرسالة الروحية.
وبدون التوقف الآن لمناقشة بعض المقولات السابقة فيكفي القول إن هذا النموذج كسابقه ينطلقان من ضرورات المصلحة “المشتركة المتوسطية” لمواجهة مصادر تهديد للأمن، أي ينطلقان من “المتوسطية” كمشروع سياسي لتحقيق أهداف أوربية، ومن ثم فإن المقترحات العملية للنموذج الثاني، وكما عبرت عنها مناقشات بعض المشتركين في ندوة مالطا في نوفمبر 1997 (14). تتمحور حول توطيد فعالية قنوات المعلومات المتبادلة- سواء مراكز معلومات، مؤتمرات وندوات، برامج إعلامية وخاصة تليفزيونية مشتركة – حول قضايا حقوق الإنسان، الهجرة، البيئة وحول الفنون والآداب، السياحة الثقافية، تعاون الجامعات حتى يمكن اكتشاف الإرث المشترك بين الثقافات المختلفة وحتى يمكن إشراك المواطنين في قيم أفكار ومعان جمالية في ظل التمييز بين خصوصيات الثقافات.
إذن هذه المقترحات تستهدف المواطن العادي ثم الصفوة المثقفة وتتم بواسطة أجهزة شبة رسمية أو مدنية – أوربية وتهتم بالدائرة الضيقة للبعد الثقافي وليس الدائرة الأوسع، فتلك الأخيرة هي التي تثير جدالاً أعمق حول إمكانياتها وأهدافها الحقيقية وفرصها لأنها لا تدعي تخطي اختلافات الواقع السياسي الاجتماعي والاقتصادي وانعكاساته. في حين أن أصحاب الدعوة للحوار الثقافي بهذا المعنى بأبعاده الإنسانية المثالية الانفتاحية يتخطون -إرادياً أم لا إرادياً – ضغوط هذا الواقع، وأيا كانت النوايا وراء هذه الدعوة التي تهدف للتعاون والانفتاح وعدم الانغلاق، فإنه لابد وأن نتساءل لصالح ثقافة من وأي منظومة قيمية ستكون محصلة هذا الانفتاح؟ ولهذا فإن البعض الآخر من المشاركين في الندوة وإن اعترفوا بأهمية الانفتاح، إلا أنهم حذروا من فكرة الثقافة العالمية، كما أكدوا على أهمية العلاقة بين البعد الثقافي وبين الأبعاد السياسية والاقتصادية.
2-الطرف المصري:
فإذا كان يتبين من تحليل رؤى أكاديمية وفكرية مختلفة المصادر مدى التنوع في المنظورات (القومية، الليبرالية، الإسلامية) حول هل هناك حوار ثقافي أم صراع ثقافي وحول إمكانيات وقيود وفرص وتجليات كل من هذين البديلين(15) إلا أنه يتبين من تحليل تعبيرات رسمية (الخارجية المصرية، الجامعة العربية) حول البعد الثقافي للشراكة الأوربية المتوسطية أن الهدف والغاية هو تحسين صورتنا لدى الآخر(16).
وهنا يمكن أن أتوقف عند ثلاث محاور يمكن من خلالها عرض ما أمكنني ملاحظته أو رصده من سلوك قولي أو فعلي حول البعد الثقافي للشراكة. وهو مسبقاً قليل الوزن عديم التكرار بالمقارنة بين البعدين السياسي والاقتصادي.
فمن ناحية: بالنسبة للرؤية عن وضع البعد الثقافي – الاجتماعي – الإنساني على صعيد مفاوضات الشراكة: فهناك، كما عبر عن هذا السفير هاني خلاف نائب مساعد وزير الخارجية المصري للشئون الأوربية في معرض تقييمه لآفاق وتحديات العام الأول من المشاركة، هناك ازدواجية في المعايير المطبقة على اتفاقيات دول جنوب المتوسط، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الملكية الأدبية والفكرية، وحقوق المواطنين العاملين في دول الاتحاد الأوربي والمقيمين بصفة شرعية. ولقد بينت الدبلوماسية المصرية في أكثر من مرة الاختلافات بين مشروع الاتفاقية المصرية واتفاقيات أخرى (إسرائيل، تونس، المغرب) حول هذه الأمور.
هذا وفي تقريره لوزير الخارجية المصري عقب الجولة الثامنة من مفاوضات الشراكة المصرية الأوربية -أشار السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية والمسئول عن هذه المفاوضات – فيما يتصل بالبعد الثقافي الاجتماعي – إلى الاهتمام بحقوق الجالية المصرية في الإقامة الكريمة وتحسين مرور الأفراد من الجانبين والاهتمام بالتراث الثقافي المصري (فرعوني، قبطي، إسلامي) وتنقية كتب التاريخ في أوربا مما يسئ إلى الحضارة العربية والإسلامية. ولكن ماذا عن الرؤية حول العلاقة بين البعد الثقافي وبين البعدين الآخرين في الشراكة؟
ومن ناحية ثانية: ظهرت مواقف حول دوائر التعاون الممكنة التي يمكن أن تقود إلى فهم متبادل، أي التي تترجم الحوار الثقافي لتحسين الفهم المتبادل وتصحيحه، وخاصة تصحيح الأفكار المغلوطة في الذاكرة الأوربية عن العرب والمسلمين. ولقد عبر عن ذلك على سبيل المثال، الدكتور عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية في ثلاثة ملتقيات عقدت في بروكسيل وفي دبي وفي مارسيليا، حول التعاون العربي الأوربي، فبراير ثم إبريل 1997، أي قبل وبعد انعقاد المؤتمر الثاني للشراكة الأوربية – المتوسطية في إبريل 1997.
ولقد كانت نظرة الغرب إلى المسلمين أو تصور الغرب للإسلام وحوار الحضارات، أو الحوار العربي الإسلامي – الأوربي، أو الفهم الصحيح من جانب الغرب للإسلام، هي المفردات التي وصفت بها (الصحافة المصرية) اهتمامات هذه الملتقيات (إلى جانب الاهتمامات السياسية والاقتصادية المعتادة). وإذا كانت هذه المفردات تدخل في نطاق البعد الثقافي للمتوسطية، إلا أنه من الواضح أنها لا تعكس إلا رؤية دفاعية اعتذارية تبريرية حول الإسلام والمسلمين تهدف إلى تحسين الصورة لدى الآخر، ولكن لا تتطرق إلى ما يحيط بصورة هذا الآخر لدينا أيضاً. كما لم تتطرق (على ضوء ما هو منشور عنها) إلى العلاقة بين الثقافي والبعدين السياسي والاقتصادي، وكان المثال على ذلك – ما تناقلته وسائل الإعلام- عن رد أمين الجامعة العربية – في مؤتمر مارسيليا حول آفاق التعاون الأوربي المتوسطي – على مداخلات نائبة فرنسية في إطار ورشة عمل بعنوان “الإسلام والغرب” وهي المداخلات التي أحدثت مغالطات شديدة تصدى لها بالتفنيد د. عصمت عبد المجيد، وطالب خلالها من أوربا أن تمد يدها إلى العالم العربي وأن تبذل جهداً إضافياً لفهم العقلية العربية، مشيراً إلى خطورة أن يظل السياسيون والباحثون في أوربا يرددون مقولات ورثوها قديماً، في زمن الهيمنة، على مقدرات الأمة العربية والإسلامية. هذا وكان وزير الخارجية المصري عمرو موسى في الجلسة الختامية للمؤتمر الثاني للشراكة الذي عقد في فاليتا في منتصف إبريل 1997، كان قد دعا إلى عقد مؤتمر ثقافي يدعو إليه رسميون وساسة وأكاديميون لطرح التصورات وتبادل الآراء لتشجيع التواصل الفكري.
ومن ناحية ثالثة: وبالنسبة لقنوات الاتصال العربية – الأوربية بمبادرات عربية، وعلى مستويات رسمية وشبة رسمية، وتتجه إلى النخبة أو المواطن، يمكن أن نذكر فيما يلي:
مؤتمرات العلاقات العربية – الأوربية، مثل التي عقدت في بروكسل ودبي ومارسيليا خلال النصف الأول من 1997، وحضرها أمين جامعة الدول العربية، نشاط جمعيات الصداقة العربية الأوربية في تعزيز العلاقات المشتركة، ونشاط مراكز البحث والدراسات المهتمة بهذه العلاقات مثل مركز الدراسات العربي الأوربي في لندن، ولقد نبه البعض إلى أهمية نشاط مثل هذه المراكز وجمعيات الصداقة هذه لفتح آفاق جديدة للحوار. وعلى صعيد آخر، اهتم منتدى البحر المتوسط في سعيه لتدعيم العلاقات الاقتصادية الأوربية / المتوسطية بقنوات أخرى تركز على أجهزة الإعلام والفنون المختلفة، وعلى إعادة النظر في المناهج الدراسية بمستويات التعليم المختلفة، وخاصة في التاريخ والجغرافيا. ويبقى أخيراً أن نشير إلى جولة فضيلة أ.د.الطنطاوي شيخ الأزهر في عدة عواصم أوربية، والتي صدر حولها كتاب تحت عنوان “الإسلام والغرب”. وكذلك عقد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ندوة حول الإسلام والغربفي يونيه 1997 وأخيراً تكوين الأزهر للجنة خاصة بالحوار بين الأديان عقدت عدة جولات من الحوار أثمرت عن توقيع الاتفاقية مع الفاتيكان في مايو 1998.
لذا لابد هنا وبفرض قبول إمكانية الحوار الثقافي وفوائده أن نطرح السؤالين التاليين:
هل ما هو قائم على الصعيد المؤسسي هو من قبيل الحوار؟ وهل هو سبيل لدفع التعاون السياسي الاقتصادي المتوسطي لصالح العرب؟
وبصدد السؤال الأول أود أن أحيل إلى التقييم الذي قدمه السفير هاني خلاف لمسار ومناهج معالجة ما يسمى حوار الحضارات أو الثقافات. وتتلخص هذه الرؤية فيما يلي:(17)
من ناحية: لا يوجد تحت عنوان “حوار الحضارات أو الثقافات” الذي يعد بمثابة موضة فكرية، أبعد من الدعاية المسطحة فيما يشبه المونولوج. ولا ينبغي أن يقتصر الحوار الحقيقي على مجالس يؤمها رجال الدين المسيحي وعلماء الإسلام لاستعراض وجوه التسامح في الديانتين، كما لا ينبغي أن يقتصر على مناظرات أكاديمية تكشف مدى سبق كل من الثقافتين العربية -الإسلامية والغربية.
ومن ناحية أخرى: ينبغي أن يتصدى الحوار لرصد وتحليل نوعية الصور المرسومة عن الشعوب وحضاراتها في أذهان الآخرين وإمكانيات تطوير هذه الصور ثم طرح الصور البديلة. وحيث أن الحوار ليس حواراً سياسياً بين أطراف ذات مصالح متعارضة فهو يجب أن يشمل رؤية كل منا للآخر كما تبدو في الآداب والفنون والإعلام والدعاية ومقررات الدراسة.
ومن ناحية ثالثة: لا ينبغي أن يستخدم الحوار كمدخل لإذابة الفوارق والخصوصيات الذاتية لأي من أطرافه ولا لعولمة ثقافة ما أو تعديل الأنساق القيمية للآخرين بما يتفق ومعايير أنساق هذه الثقافة. لأن الهدف من الحوار ليس إدماج الثقافات ولكن تعويد الشعوب والمؤسسات على احترام الاختلاف وكيفية التعايش رغم الاختلاف.
أما بصدد السؤال الثاني: فلابد وأن أطرح التصور الذاتي التالي(18):
وهو ينطلق من أن الخلل في ميزان القوى الاقتصادية والسياسية بين طرفين لا يسمح بإمكانية حوار ثقافي بمعناه الحقيقي أي الحوار الذي يؤدي ليس إلى تحسين صورتنا لدى الآخر فقط ولكن أن نصل إلى عرض صورة الآخر في ذهننا. ومن ناحية أخرى: فإن الخبرة التاريخية تبين كيف أن الأداة الثقافية -بأوسع معانيها – كان لها وزنها بين أدوات الغرب الأخرى في إدارة صراعه مع المسلمين في القرون الأخيرة، أي منذ أن بدأ منحنى القوة الإسلامية في الهبوط.
فإن خبرة التاريخ الحديث تبين كيف استغلت القوى الغربية العامل الثقافي بأوسع معانيه لتحقيق أهداف سياسية لم تكن تقدر الأدوات التقليدية على تحقيقها بمفردها.
بل كانت الأهداف الثقافية لا تفترق -لدى الغرب- عن أهدافه السياسية تجاه العالم الإسلامي. فلم تكن السيطرة على الأرض والثروات هي الغاية فقط ولكن السيطرة أيضاً على النموذج الثقافي الفكري بل واستبداله.
ولذا فإن الوضع الراهن – الذي يشهد – بمبادرة غربية أو بمبادرة تغريبية فورة الحديث عن حوار ثقافات وحضارات وأديان -ليس إلا حلقة من حلقات سابقة. وتشهد هذه الحلقة قمة الأزمة الفكرية في مجتمعاتنا نظراً لهذا الخضم الهائل من اختلالات ميزان القوى لغير صالحنا، والذي يحيط بمضمون محدد ومعنى محدد للحوار الثقافي في ذهن المبادرين بالدعوة، وذلك في وقت يتعرض فيه البعد الثقافي – الحضاري العقدي لأمتنا لأخطر موجات التحدي والتي تستوجب بالضرورة الاستجابة المناسبة: كيف؟

ثالثاً: البعد الثقافي في العلاقات مع المؤسسات خارج العالم الإسلامي بين التحديات وبين أنماط الاستجابة الإسلامية المطلوبة

1-أستطيع أن أقدم المنطوق التالي عن هذه التحديات على النحو التالي:
في قلب هذه المرحلة الراهنة – من مراحل تطور الهجمة الغربية الصهيونية على الإسلام والمسلمين في العصر الحديث – في قلب هذه المرحلة الراهنة في نهاية القرن العشرين والتي تتم في ظل تحولات عالمية خطيرة، في قلب هذه المرحلة ومن طياتها يبرز البعد الحضاري الثقافي للهجمة على نحو غير مسبوق.
ومن ثم تحتل التحديات التي تواجه هذا البعد مرتبة متغيرة. فلقد أضحت ساحة الثقافة والحضارة آخر ساحات الهجوم “علينا” وآخر خطوط دفاعنا:
*فإذا كانت التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تبرز من إطار سياسات العولمة إنما تمثل درجة متقدمة ومتطورة من الخطورة التي سبق وواجهتها الأمة (لو في ظل سياقات أخرى للتدخلات الخارجية) إلا أن المجال الذي اكتسب أبعاداً متطورة وخطيرة هو المجال الثقافي الحضاري.
*وإذا كان البعد الحضاري الثقافي العقدي يعد بعداً محورياً في صراع القوى، ففيه تكمن المداخل إلى ساحات الصراع الأخرى، وإليه ونحوه تصب نتائج الصراع في هذه الساحات الأخرى لذا فبقدر ما أضحت الساحة الثقافية الحضارية تواجه من أخطار بقدر ما تحوي من فرص وإمكانات لانبعاث جديد من خلال تجديد ثقافي حضاري يكون بمثابة المنطلق نحو مغالبة التحديات المادية في أبعادها المختلفة. هكذا يرشدنا سلم منظومة القيم الإسلامية وآفاق تشغيل فعاليتها. فهو يرشدنا إلى أولوية الأبعاد غير المادية – ولكن من دون انقطاع عن الأسباب المادية-
وعلى ضوء المنظومة السابقة فإن التحديات الثقافية الحضارية تبزغ على مستويين مستوى الداخل ومستوى الخارج وكلاهما يتطلب استجابة حالة وضرورية.
2- وأستطيع أن أقدم التصور التالي حول الاستجابات “الإسلامية” المطلوبة على صعيد العلاقات مع “المؤسسات” خارج العالم الإسلامي:
أ‌- الحاجة للأدوار المتكاملة – وليس المتوازية- بين الأجهزة الرسمية (وزارات الأوقاف والدعوة مثلاً) وبين المنظمات والهيئات الإسلامية (المناظرة لغيرها ذات التوجهات المختلفة) وبين مفكري وعلماء الأمة. بعبارة أخرى هناك ضرورة للتنسيق والتكامل بين العلاقات الرسمية، والعلاقات عبر القومية الجماعية، والجهود الفردية أو الجماعية الفكرية حول مجالات “التفاعل” المختلفة مع الخارج حول “الثقافي”
ب‌- إن البعد الثقافي في التفاعلات – على هذه المستويات الثلاثة – ليس معزولاً أو منفصلاً عن الأبعاد الأخرى من التفاعلات السياسية والاقتصادية. ولذا وإن كانت بعض مجالات الأنشطة والمهام قد تبدو ذات طبيعة ثقافية بحتة وتقوم بها هيئات وأجهزة “إسلامية” إلا أنها يجب أن تفتح قنواتها – تأثيراً وتأثراً- مع أنشطة ومهام أخرى تستدعي بالضرورة البعد الثقافي (ولا تقوم عليها بالضرورة أجهزة أو هيئات “إسلامية”).
ومن ثم فإن المنظمات والهيئات الإسلامية والأجهزة الرسمية المنوطة بالشئون الإسلامية لابد وأن تلقي بجهودها الهامة في هذه المجالات التي تستدعي الأبعاد الثقافية والتي هي في أمس الحاجة لتقديم رؤية إسلامية اجتهادية معاصرة حول مشاكل “التفاعل الثقافي” مع الآخر “خارج العالم الإسلامي”
ج-إذا كانت الرؤية الإسلامية لا تنطلق من لغة “صراع” ولكن من لغة “تعارف”، ولا تسعى نحو “تنميط” ولكن تقوم على سنة التنوع، وإذا كانت الرسالة الإسلامية “دعوة للعالمين” لا إكراه ولا إجبار فيها إلا أنها أيضاً ليست اعتذارية، تبريريه، دفاعية.
ومن ثم فإذا كان التحليل السابق في أجزاء الدراسة يثير علامات الاستفهام حول مغزى الدعوات من أجل الحوار الثقافي، الحضاري، حوار الأديان كصيغ “للتعاون مع المؤسسات خارج العالم الإسلامي”، فهو أيضاً لا يتبنى أسانيد الأطروحات السائدة عن “الصراع الثقافي، الحضاري، صراع الأديان”.
إن التحليل في هذا البحث إنما يسعى للتأكيد على بعض الأمور وهي:
من ناحية: تعزيز التعاون حول “حوار ثقافي” بشروط ومضامين تجعله سبيلاً للتعارف الحضاري الحقيقي، ومن ثم تنأى به أن يكون سبيلاً لتمكين ثقافي لطرف على طرف آخر أو أن يكون قناة للاعتذار والدفاع والتبرير في مواجهة “الاتهامات” المتعددة للإسلام والمسلمين.
من ناحية أخرى: يقدم رموز الفكر الإسلامي المعاصر أطروحات متكاملة حول “البعد الثقافي” فمن المقاربة بين القيم الإسلامية والقيم الغربية(19) إلى تقديم الرؤية عن الدلالات الثقافية المعاصرة في إطارها السياسي الراهن(20)، إلى تحليل العلاقة بين العولمة والهوية ودور الأديان(21) إلى التمييز بين العالمية والعولمة، إلى البحث في الأبعاد الثقافية السلوكية للمسلمين “الأقليات” في ظل ضغوطات العولمة وما بعد الحداثة(22)، إلى الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام كضرورات وليس مجرد حقوق(23).
هذه ليست إلا نماذج على سبيل المثال وليس الحصر وهي تعني، في نظري، نماذج على “المبادرة” الثقافية وليس “الاعتذار” الثقافي، نماذج تدفع للتقدم نحو صياغة رؤية إسلامية وتشارك في هذه الصياغة.
فإذا كان الجميع يتفقون على أن هناك أزمة عالمية ذات بعد قيمي – ثقافي واضح الدلالة يستوجب مراجعة المنظورات: فإن الإسلام قادر على أن يقدم رؤية تساهم في تقنين الرؤية الجاري صياغتها للعالم.
بعبارة أخيرة نحن في حاجة لخطاب غير اعتذاري، غير دفاعي، نحن في حاجة لخطاب ينطلق من الذات الإسلامية وخصائصها “وبمبادرة” تجاه الآخر وذلك حتى يتحقق التوازن في الرؤية الذي هو أساس الفاعلية.
وإذا كانت اليونسكو تعد لأن يكون عام 2000 عام “ثقافة السلام” فلابد وأن يكون الطرح الإسلامي “لمفهوم” السلام حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت مفاهيم “ثقافة التسامح”، “ثقافة قبول الآخر” يتم تداولها في محافل “الحوارات الثقافية ” فإن الطرح الإسلامي لها يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت ندوات وحوارات “الإسلام والغرب” تتعدد في تلاق وتقاطع حول أمور منهاجية ومضمونية شتى فيجب أن تكون الرؤية الإسلامية حاضرة وفاعلة ومؤثرة وإذا، وإذا.. الخ.
إذن من المطلوب “المبادرة الثقافية” عند تخطيط رؤية استراتيجية للتعامل مع المؤسسات المعنية خارج العالم الإسلامي وذلك انطلاقاً من رؤية كلية عن وضع البعد الثقافي (بين أبعاد أخرى) في هجوم الآخر تجاهنا وعن وضع البعد الثقافي في مشروع النهوض الحضاري الإسلامي.
بعبارة أخرى: فإن الرؤية الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنطلق من عدة أسس وتنبني على بعض الأسس الأخرى. فليس هناك حوار ثقافي حقيقي بين غير أكفاء من الناحية المادية، كما أن الحوار في ذاته ليس السبيل لحل مشاكلنا مع الآخر أو لديه.
ومع ذلك، فانطلاقاً من وسطية الإسلام وانطلاقاً من رؤيته عن التعارف الحضاري فإن هذا التعارف الحضاري يمثل السبيل للتجديد الحضاري لدينا من ناحية ولمشاركة الفكر الإسلامي في عملية التجديد الحضاري العالمية من ناحية أخرى.
فبالرغم من إدراك خطورة أدوات السيطرة والهيمنة ومنها الثقافية الآن، إلا أن التجارب التاريخية جميعها تؤكد أن هناك أيضاً تفاعلات ثقافية – انسيابية هادئة تحقق الاحتكاك بين الحضارات. وهذا الاحتكاك لا يكون دائما في اتجاه واحد. فحتى الحضارة – الضعيفة مادياً – بمقدورها أن تترك آثارها على الحضارات الأقوى ماديا. وإذا كانت حضارتنا الإسلامية – بمعايير القوى المادية قد تراجعت الآن إلا أنه مازال للعملة وجه آخر أكثر أهمية وأكثر حيوية وهو منظومة القيم في الإسلام ورسالته للعالمين.
*****

الهوامش:

1- انظر على سبيل المثال:
هانس بيتر مارتين، هارالد شومان: فخ العولمة، ترجمة د. عدنان عباس على، عالم المعرفة 1998.
Steve Smith, John Baylis Globalization of World Politics (1997)
Philip G. Cerny: Globalization and other Stories: The Search for a new Paradigm for International relations. International Journal, Autumn 1996
انظر أيضاً أحد أعداد المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية والمخصص للعولمة ودلالتها بالنسبة لعالم الإسلام والمسلمين:
The American Journal of Islamic Social Sciences. Vo. 15. No, 3, Fall 1998
2-انظر على سبيل المثال: عدد كامل حول هذا الموضوع “”Religion in world affairs في:Orbis vol. 24, No. 2, 1998
3-انظر عدد كامل من دورية International Affairs وهو العدد الثالث 1995 عن الأخلاق والعلاقات الدولية
4-دراسة صامويل هنتنجتون الشهيرة “صدام الحضارات ” والتي تمت ترجمتها عدة مرات انظر: الترجمة والتعقيبات عليها في شئون الأوسط، يونيه 1994
5-انظر على سبيل المثال:
Jack Donnelly: Universal Human Rights in theory and practice, Cornell University press 1991
6- حول إشكاليات تعريف الدول الإسلامية المعاصرة ومعايير تحديدها انظر: د. محمد السيد سليم: العلاقات بين الدول الإسلامية، الرياض، 1994.
7- حول اختلاف أنماط الأقليات المسلمة في العالم وفقاً لمعايير متعددة، وحول اختلاف أنماط مشاكلها والاستجابات المطلوبة تجاه ما تواجهه من تحديات انظر: د. نادية محمود مصطفى:الأقليات المسلمة إطار مقارن للدراسة (في) د. حسن العلكيم (محرر): قضايا إسلامية معاصرة. مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة 1997.
8- تكررت الإشارة – من جانب المثقفين، ومن جانب الساسة الغربيين إلى “التعددية الثقافية”. واختلفت عليها الأقلام وعلى أثارها بالنسبة للمجتمعات الغربية.
فيتحدث هنتنجتون عن آثارها السلبية على الديموقراطية الأمريكية وعلى السياسة الخارجية الأمريكية: انظر هنتنجتون: إن لم تكن الحضارات فماذا تكون: شئون الأوسط، يونيه 1994ص 50-58
ونقلاً عن “التعددية الثقافية” مصطلحات فكرية، الأهرام – الملحق الثقافي 19/3/1999ص11.
انظر أيضاً: الكتاب الذي أصدره عالما الاجتماع البريطانيين جليف جوردان وكريس ويدون “السياسات الثقافية: الطبقة والجيش والعرق وعالم مع بعد الحداثة 1995.
9- انظر خريطة واسعة من الاتجاهات المتفاعلة حول هذه القضية في:
مجموعة باحثين: ملخصات أبحاث مؤتمر العولمة وقضايا الهوية الثقافية، المجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون 12-16/4/98 القاهرة.
انظر أيضاً: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية: المسلمون وحوار الحضارات في العالم المعاصر، عمان، 1995.
-روجيه جاردوي: من أجل حوار بين الحضارات، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت، دار النفائس 1990.
10- النظر على سبيل المثال:
-John Bird and others (eds): Mapping the futures: local cultures and global change, Routledge, London, 1993
-Malcolm Waters: Globalization, Routledge, London, 1995(ch, 6: The new world chaos: cultural globalization)
-د. محمد عابد الجابري: العولمة والهوية الثقافية المستقبل العربي، العدد 228، فبراير 1998.
11-د. نادية محمود مصطفى: البعد الثقافي في الشراكة الأوروبية المتوسطية (في) د. سمعان بطرس فرج الله (محرر) أعمال ندوة: مستقبل الترتيبات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها على الوطن العربي معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية. 1998/ ص 457-484
12- Paul Balta (ed) la Méditerranée réinventée, réalités et espoirs de la coopération 1992
13-Center Nord-sud, conseil de l`Europe, programme Transmed
14-شاركت د. نادية محمود مصطفى في أعمال هذا الملتقى ببحث مكتوب كما شاركت في صياغة تقريره النهائي.
15-انظر تحليل نماذج من هذه الرؤى والأعمال الأكاديمية في د. نادية محمود مصطفى: مرجع سابق ص 467-472
16-مرجع سابق: ص 272-474
17-هاني خلاف: حوار الحضارات بين أوروبا والعالم العربي.. رؤية في مناهج المعالجة الأهرام 20/4/1997
18-ينبني هذا التصور على نتائج بعض أجزاء مشروع العلاقات الدولية في الإسلام: انظر: د. نادية محمود مصطفى: مدخل منهاجي لدراسة التطور في وضع ودور العالم الإسلامي في النظام الدولي (في) د. نادية محمود مصطفى (إشراف) مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1996، الجزء 7 ص 67-70
-د. نادية محمود مصطفى: العصر العثماني: من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية (في) المرجع السابق الجزء 11.
-من الجهود التي ساهمت في بحث خبرة العلاقات الأوربية -الإسلامية انظر:
-د. محمد الأرناؤوط، د. محمد صفي الدين، د. حمدي عبد الرحمن (محررون): أوربا والإسلام. أوراق المؤتمر الدولي الثاني، يونيه 1996، منشورات جامعة آل البيت.
19-Ali Mazroui: Islamic values and Western values. Foreign Affairs vo. 76, No. 5, 1997
20- طارق البشري: الإسلام والعصر: ملامح فكرية ومنهجية (في) طارق البشري: في المسألة الإسلامية المعاصرة، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، دار الشروق 1996 ص47-61.
– طارق البشري، مفهوم المعاصرة بين العالمين الغربي والإسلامي (في) طارق البشري في المسألة الإسلامية المعاصرة، ماهية المعاصرة، دار الشروق، 1996 ص48-65.
21- د. أحمد كمال أبو المجد: العولمة والهوية ودور الأديان، بحث مقدم إلى ندوة العولمة، الأكاديمية الملكية المغربية، 1997.
– وانظر أيضاً: د.سيف الدين عبد الفتاح: القيم: مدخل منهاجي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام (في) د.نادية محمود مصطفى (إشراف) مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني.
22 -Akbar Ahmed, Hosting donnan: Islam, globalization and postmodernity, routledge, London 1994
23- د. محمد عمارة: حقوق الإنسان في الإسلام ضرورات لا حقوق، دار الشروق،1989.

بحث مقدم إلى مؤتمر “نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي”
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
القاهرة 22-25/6/1999

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى