المنطقة العربية

تظاهرات جنوب العراق.. تقييم لأداء الحكومةِ المنتهيةِ ولايتُهَا

في أسباب التظاهرات (الفساد، وتردي الأوضاع السياسية):

يُعد الفساد ملمحًا أساسيًا للمناخ السياسي بالعراق، فلمْ يكنْ جديداً احتجاج شباب العراقِ منظِّمين تظاهراتهم، التي بدأت منذ أشهر، رفضًا للوضعِ السياسيِّ، وما يعتري العمليَّةَ السياسيَّةَ من فساد وتهميش وإقصاءٍ، والاستئثار بالسلطَةَ من الأحزاب “التقليديَّةَ”، لكونها وحدها من يفرزُ الطبقةَ السياسيَّةَ، منذ احتلالِ العراقِ، العام 2003 وحتَّى الساعة؛ ومروراً بسوء الأحوال المعاشيةِ، التي يعاني من وطأتِها جُلُّ أفراد الشعبِ، الذي يعاني حصرَ التوظيف بيد الأحزاب السياسيَّةِ؛ والتغاضي عن إنشاء “مجلس الخدمة الخاصِّ بالتوظيف” المخطط لإنشائه العام 2005[1]؛ ليتولَّى مهمَّةَ إحصاء الشواغر من الوظائف، ومَلْئِهَا بمَنْ يستحقُّها، على أساس: التأهيل، والخبرة المهنية، وليس تجييرها للأحزاب، والمنتمين إليها، أو لجزءٍ من جماهيرها.
ذلك حتى أنه باتَ من “العرفِ السياسيِّ”، الذي أفرزتْهُ العمليةُ السياسيَّةُ عقب الاحتلال، دلالةُ الوصفِ “بمصطلحِ الوطنيِّ” على تفعيلِ “عامل المحاصصة” بصورها: القوميَّةِ، والمذهبيَّةِ، والحزبيَّةِ؛ وصارت “التفاهماتُ السياسيةُ” دلالةً على “تقاسم المزايا والغنائم والأدوار والمناصب”، بين ممثِّلي تلكم المسمَّياتِ، الذين فَقهُوا أصولَ اللعبةِ السياسيَّةِ، وخَبَروا إدارتَهَا؛ الأمر الذي ولد حالاً من اليأسِ لدى شرائح شعبيةٍ كثيرةٍ، سوى التي تنتفع من تلك المحاصصةِ، ومن ذلك التقاسم.
ولعلَّ العامِلَ المساعِدَ على استشراءِ الفسادِ واستفحالِهِ، وتعطيلِ مكافحتِه؛ تركيزُ القوى المعنيَّةِ بـ “الهيمنةِ” على العراقِ، و”احتلالِهِ” وإبقاء العراق يدور في فلكها، وقد عبَّرَ عن ذلك “السيِّد مقتدى الصدر” في بيان رؤيته لملامح الحكومة القادمة، إذ الأهمُّ عند تلك الأطراف حفاظُهُا على مصالحها من خلالِ الأحزابِ والشخصياتِ السياسية، التي تهيمن على السلطةِ، طيلةَ خمسةَ عشرَ عاماً مضتْ.
ومع آلامِ الشعبِ من سوء الفاعلية السياسية، وإدارة الملفات الأمنيَّة، وتدنِّي الإنجاز في ملفات الخدمات، من الحكومات التي أعقبت الاحتلالَ، ولاسيَّما التي سبقت حكومة السيد العبادي؛ إلاَّ أنّ الشعب كانَ يأملُ، أن تفي بعضُ تلكم الحكومات، بما وعدَتْ به، وما رفعته من شعار “مكافحة الفسادِ، ومحاسبة الفاسدين”، التي لا توازي في الإنجاز، عمليات “الاجتثاثِ” للعناصر، التي يُخشَى أن تعيدَ توليدَ النظام السابقِ، وفقاً لهم.
إلاَّ أنَّ مؤخرًا الأمرَ زادَ سوءً، والتدهورُ زادَ تفاقُمَاً؛ ذلك بالترافق مع استمرار الوعودٌ بالإصلاحِ والتغيير، ومكافحةِ الفسادِ الماليِّ والإداريِّ، والتصدِّي للفاسدين ومحاسبتهم، الذي صارَ شعاراً يرفعه الجميعُ، ضدَّ الجميع، وفق بعض المعنيين.
تردِّي الخدمات، وغياب فرص العمل، وتفشِّي البطالة، والفقرُ المدقعُ، بدَّدَ طموحات الشباب، في بناء مستقبلِهم، بجانبِ الفساد الماليّ والإداريِّ، وفشل لجان الإصلاح الوزارية والبرلمانية، التي شُكِّلَت العام 2016، عقب تظاهرات البصرة، ولأعوام متتالية، فلمْ تثمر تلك التطورات غير توظيف عدد محدود من العاطلين، في المشاريع النفطية؛ كلُّ ذلكَ دفعَ المتظاهرين للتحرك، في صيفٍ لاهبٍ، في ظل وعودٍ متكرِّرةٍ من حكومةٍ، تلجأ تارةً للترويجِ لمشروع خصخصة الكهرباءِ، وتلجأ تارةً أخرى لبثِّ برامِجَ ضغطِ استهلاك الطاقة الكهربائية، هذا على نحو لمْ تجدِ نفعاً توقَّعتْهُ الحكومةُ، ولم يلبِّ ما يحلُمُ به المواطنُ. علمًا أنه قد صرفتْ الحكومات المتعاقبة على قطّاع الكهرباء، ما يزيد على أربعين مليار دولار، بدَّدَها الفسادُ، وقلَّةُ خبرةِ إدارة ملفات الكهرباء، ممَّن لا خبرةَ مميزةً له؛ أمام شركاتٍ وهميَّةٍ، ومطامعَ شخصيَّةٍ، لم يرافِقْهَا إنجاز يُذكرُ.
وبشأن تردي الوضع السياسي (خاصة المشاركة السياسية)، فالوضع الذي يمرُّ به العراق متردٍ، عقب الانتخابات؛ لعزوف النسبة الأكبر عن التصويتِ؛ ليقينهم أنَّها لن تُغيِّرَ كثيراً من معاناتهم، ولا من استمساك الطبقة السياسية، التي يصفها معظم المراقبين بالفساد، حتَّى المنتمين إليها.
فالطبقةُ السياسية، والأحزابُ من ورائهم، مشغولون بنتائج الانتخابات، أو برغبتهم في تعديلها، عقب تزويرها، حرصًا على مناصبهم، وعلى المسك بخيوط العملية السياسية، ولا هَمَّ لهم غيرُ “مَنْ سيكونُ متصدِّياً لتشكيل الحكومة القادمة”، وانشغال الساسة والأحزاب، في التمديد للبرلمان السابق، من قبلُ، وكيفيةِ معالجة الفراغ الدستوري، الذي قد يهدِّدُ مستقبلها.
كلُّ ذلكَ، أشغل الطبقة السياسيةَ عن معاناة الشعب، ومعالجة ما يعانيه من بطالة، وتردِّي الخدمات؛ الأمر الذي أدَّى لاستحكام المعاناة، وإطباقها على مفاصل الحياة.
نتيجةُ ذلك كلِّه، خيبةُ أملٍ أُصيبَ بها الشعبُ العراقيُّ، في إمكانية تحسُّنِ أوضاعه، ما دفعه للتعبير عن آلامه، وآماله في تظاهراتٍ، شهدتها محافظات جنوبه وبغداد، راغبًا عن قنوات المشاركة السياسية التقليدية.

انطلاقة التظاهرات:

من البصرة في 7 يوليو 2018، كانتْ انطلاقةُ التظاهرات الأخيرةِ، على إساءة التعامل مع المحتجين عفوياً من قبل الأجهزة الأمنية، الذين وقفوا على الطرق الرئيسة المؤدية إلى الحقول النفطية، والتظاهرات التي تشكو ممَّا شُخِّصَ سابقاً، وما لبثتْ أن تفاقَمَتْ عقبَ قتل “المنصوريّ”، على أعتاب المنشآت النفطيَّةِ، التي تستعين بالشركات الأجنبية، وكوادرها؛ حيث كانت المطالبة بالانتفاع من تلكم المنشآت، وبشغل الوظائف التي توفِّرها؛ فاستدعى الحادثُ تأييدَ بضع عشرةَ عشيرةٍ بصريَّةٍ، طالبتْ بالقصاص من الجاني، وبتلبية مطاليب أبناء البصرة، التي توفِّرُ ثلاثة ملايين برميل نفط يوميَّاً، فضلا عما يُصَدَّرُ منها من غاز، وما تدرُّه من المنافذ الحدودية، ومن مينائها؛ في حين لم تنتفعْ من كلِّ مزايا قانون “البترودولار”، الذي يخصِّصُ للمحافظةِ بضعةَ دولارات، عن كلِّ برميل، كما كانت المطالبات بزيادة الرواتب الشهرية للموظفين، وما يعوِّضُ ما يتعرَّضون له من تلوُّثٍ بيئيٍّ.
ولمْ تلبث شرارةُ الاحتجاجات أن تمتدَّ أصداؤُهَا إلى المحافظات الجنوبية؛ ولهذا امتدَّتْ حلقةُ الاحتجاجات لتشكِّلَ سلسلةَ، في: ذي قار، وميسان، وبابل، والنجف التي اقتحم المتظاهرون فيها مطار النجف، ومبنى مجلس المحافظة؛ وامتدَّت التظاهرات إلى كربلاء، والسماوة؛ وامتدَّتْ كذلك إلى بعض مناطق بغداد، في الشعلة وساحة التحرير.

موقف العشائر ومجالس الشيوخ:

أوَّلُ ما أكَّدتْهُ العشائرُ “وجودَ مطالبَ حقيقيَّةٍ” لا يمكن تجاهلُها، فقد برَّرَتْ الاحتجاجات، ودَعَمَتْ بذلك التظاهرات، فكانتْ العشائر ولا سيما البصريَّةَ منها في خندق الشعبِ، وقتل أحد أفرادها -ثمَّ تزايدَ عدد ضحايا التظاهرات بعدها- فطالبت بضعُ عشرة عشيرة بالقصاص العادل من الجاني، الذي يمثل الجانب الحكومي.
وتطوَّرَ موقف عشائر البصرة، إلى اللقاءات المتواصلة، وصولا إلى عقد مؤتمرٍ، لإيصال صوتها للحكومة، وإظهار موقفها الموحَّدِ؛ لتحقيق مطالب الاحتجاجات؛ وبالمقابل استجابتْ الحكومة لذلك، واستغلَّتْ تعاملها مع العشائر ليكون قناةً جديدةً للتواصل، واستثمار تأثيرها في المتظاهرين؛ وهو أمرٌ تستحسنُه الحكومةُ، لإلزام المتظاهرين بالتقيُّدِ بشروط التفاهمات المتوقعة، ولأنَّ العشائرَ لها قدرة سحب المشروعية عن الرافضين، من المتظاهرين لدعوات التسوية، والتفاهم مع الحكومة الاتِّحاديَّة.
تمكَّنت العشائر من الأخذ بزمام التظاهرات، بتوجيه رسائلها للحكومة المركزية، والتي تحتوي مطالبهم؛ وقد صَنَّفَ بيانُ العشائر-بمؤتمرهم- مطالبهم إلى: آنية، ومتوسطة، وبعيدة المدى؛ متضمِّنةً:
1. توفير الخدمات.
2. توفير الطاقة، والمياه.
3. مكافحة الفساد.
4. محاسبة المسؤولين الفاسدين، ومن قمعَ التظاهرات، وإقالة المسؤولين ممن مرَّ عليهم فترات طويلة في مناصبهم، للحدِّ من سطوة الأحزاب.
5. إطلاق الوظائف، ودعم مصادر الدخل، وتشغيل العاطلين، بدعم المشاريع: الزراعية، والتجارية، والصناعية، وبناء وترميم المصانع، ودعم الاستثمار.
6. إنشاء مشروع الفاو الكبير.
7. إنشاء المستشفيات، ودعم البنى التحتية للمحافظة.
8. تشغيل الأيدي العاملة المحلية، بدل الوافدة، وضبط حركة وافدي المحافظات الأخرى.
9. تفعيل المادة (115) من الدستور، بتفعيل التعاون بين الحكومة الاتِّحاديَّة، والمحلية فيما يتصل بإدارة الشركات النفطية، والانتفاع من عائداتها.
10. رصد ميزانية تغطِّي تلكم الفقرات، وتطبيق استحقاق “البترو/دولار”.

ردود أفعال السلطات المحلية:

يمكن التركيز على عدة تطورات، أبرزها:
1. اتهم بعض أعضاء مجالس المحافظات -المحتجة- السلطةَ المركزية، بعدم الوفاء بالتزامها بتمويل السلطات المحلية، أو تغييب صلاحياتها، بتهميش اللامركزيَّةِ؛ ومن مؤشِّراتِ ذلك: غياب عقد اللقاءات بأعضاء مجالس المحافظات المعنية، خلال زيارات رئاسة الوزراء لبعضها، أو اللجنة الوزارية المعنيّةِ بحلِّ الأزمة واحتواء آثارها؛ فالسلطةُ المحلية تحمِّلُ النظامَ الاتحاديّ، عدم تنفيذ قراراتٍ اتَّخذتها الحكومة الاتِّحاديَّة؛ حيث إنَّ مجالس المحافظات لم تتسلَّم مخصصاتها، ما حالَ دون وفائها بواجباتها، وتغاضي مراعاة المادة 115 من الدستور، التي تبين واجبات الحكومة الاتِّحاديَّة، والمحلية.
2. بيَّن مجلسُ محافظة البصرة، أنَّه قد أجملَ مطالبَ المواطنين في المحافظة بملفاتٍ، تتوزَّع على البرنامج الزمني في تنفيذها، وهي: الملف المالي، ملف الماء، وملف الكهرباء، وملف البطالة، وملف السكن، والملف الأمني؛ على نحو يجعلُ البصرةَ عاصمةً اقتصادية للعراق، بما يؤتيه من عائدات وإصلاحات.
3. ما تعرَّضت له بعض الإدارات المحليةِ، من انتقاد الحكومة الاتِّحاديَّة، دفع الأخيرة لاتخاذ قرار حلِّهَا، كإدارة مطار النجف، أو إقالة مدير شرطة النجف، عقبَ اقتحام المتظاهرين مبنى المحافظة ومطارها.
4. تعامل بعض المحافظين مع الأزمة، بالسماح للجماهير بالتظاهر كحال السماح بالتظاهر حولَ مبنى المحافظة كربلاء، شريطة عدم اقتحامه؛ وهو أمر قد يعبِّرَ عن توافق الأداء الاتِّحاديِّ مع الأداء المحلِّيّ بالتهدئة؛ وفي الوقت ذاته قد ينبئُ بإمكانيَّةِ انفصام بعض السلطات المحليةِ، عن المركزية، براءةً عن تقصير الأداء الحكوميِّ وإقرار وجوده، وإمكانية الانحياز للجماهير حال تفاقم الأزمة، وفشل الحكومة الاتِّحاديَّة دون حلِّها ومحو آثارها، يقوِّي هذا الاحتمال “المحاصصة” التي جعلت ولاءَ بعض المسؤولين، لا سيَّما في الإدارات المحليَّة، يميل تُجاهَ انتماءاتها وولاءاتها الحزبية، ما من شأنه استثمار التظاهرات لترجيح من سيكون رئيساً للحكومة القادمة؛ وهو أمرٌ قد يبرِّرُ بعضَ الإقالات، المنوَّهِ عن بعضها أعلاه.
5. تماهَتْ بعض الإدارات المحلية، ونعني بها مجلس محافظة النجف على وجه الخصوص، مع الحكومة الاتِّحاديَّة التي أعلنت تلبية مطالب متظاهري النجف، إلحاقاً بما خُصِّصَ للبصرة؛ وأبرز ما خُصِّصَ للنجف وحدها “عائدات مطار النجف”، وله دلالاته العميقة في أثرها، فالنجف:
أ‌. أرضٌ مقدَّسةٌ، لدى متظاهري الجنوب، وتسهم في تهدئتهم.
ب‌. أنَّ النجف مكان المرجعيَّةِ، التي ستتلمَّسُ عن كثبٍ ما تقدِّمُه حكومة “العبادي”، وهي المرجعيَّةُ التي يقلِّدها معظم جماهير الجنوب، ويعلِّقون عليها آمالاً بدعم تظاهراتهم.

الجدل حول العنف، واستهداف مقارَّ الأحزاب، وردود أفعالها:

أيَّدَت أحزابٌ كثيرة وشخصياتٌ سياسية، التظاهرات مؤكِّدةً ضرورة حماية المتظاهرين، وعدم التجاوز عليهم، مؤكِّدين أهميةَ بقائها سلميَّةً؛ ولمْ تبتعد تلكم التصريحات عن البراءة عن مسؤوليتها، عمَّا كانَ من تردِّي الأوضاع الخدميَّةِ وسواها، ورغبتها في مكافحة الفسادِ وأسبابِهِ، وإن كانت متَّهمةً به من لدنِّ الجماهير، رغم رغبتها في ملامسةِ معاناتهم، وما يؤتيه ذلك من ثمرات مستقبليَّة في الاستمساك ببعض خيوط العمليَّة السياسيَّة.
ويرى محلِّلون محلِّيِّون، أنَّ التأثير السياسي لا يغيب عن إذكاء التظاهرات؛ التي يمكن أن يكونَ بعض المشاركين فيها مدفوعاً بالقوى السياسية، التي تريد استخدام التظاهرات ورقةَ ضغط، على حكومة السيد العبادي، الذي باتَت حظوظه مرتفعةً للفوز بولايةٍ ثانيةٍ؛ ولا سيَّما في البصرة، لكونها مناطق نفوذ أحزاب أخرى منافسة للعبادي؛ يؤيِّدُ ذلك ما ذهب إليه بعض أعضاء مجلس محافظة البصرة، الذي حمَّل الحكومة الاتِّحاديَّة، تبعات الاحتجاجات[2].
وحذَّرَ مجلسُ محافظة بغداد، الأحد 15 يوليو 2018، من التعرُّض لمقارِّ الأحزاب السياسية، لأنَّه سيولِّدُ ردودَ أفعالٍ، لا تحمدُ عقباها، إذ من شأنِها الإثخانُ بالدمِ العراقيِّ؛ وقد اعتبر بعضُ المراقبينَ هذا التصريح انحيازاً من المجلسِ للأحزاب السياسية، التي ينتمي إليها أعضاؤه، وإن تعدَّدَت أحزابهم.
ويدفعُ هذا التصريح الملفت النظر إلى:
1. استهداف مقارِّ الأحزاب السياسية جنوب العراق، عدا مقارّ الصدريين، ذوي الميول الشعبية.
2. اعتبار استهداف مقارِّها وتحميلها مسؤوليةً، لا تتحمَّلها الحكومة وحدها؛ فالفسادُ أمرٌ ينسحبُ -وفق المعنيين- على أغلب الساسةِ.
3. تخشى الأحزابُ اعتبار حرق مقارِّها، سحباً لمشروعيَّتِها.

وبشكل عام، وبشأن ممارسات العنف في التظاهرات تلك، يمكن القول إن ضبط مسار الاحتجاجات، دون إضرارٍ بالممتلكات العامَّة، قضيَّةٌ يًصَعِّبُهَا ما يعرفُ اصطلاحاً “بالشعور الجماهيريِّ” الذي يسوِّغُ أفعالاً في التجمعات الجماهيريَّةِ، تكونُ معيبةً على المستوى الفرديِّ؛ علمًا أن ذاكَ ذو أثرٍ سلبيٍّ على الاحتجاجات، وفي تأخير تلبيةِ مطالبها، التي لمْ تخرجْ بحالٍ عن السياق المشروع، وعن خيمة الحقوق المكفولة بالدستور.
ومن ثم، شدَّدَت رئاسة الوزراء، على ضرورة كشف الأجهزة الأمنيةِ المندسِّينَ، والتعامل معهم بحزم، بما لا يعرِّضُ حياة المواطنين والمحتجين، ورجال الأجهزة الأمنية للخطر، ولا البنى التحتية والمنشآت للدمار والضرر؛ وأنه سيكون التخريب والقتل، سبباً مضافاً لتأجيج الاحتجاجات، وتأليب مشاعر الجماهير الغاضبة ابتداءً.
وعليه، فإن تأكيد وجود مندسِّين في التظاهرات، يستندُ إلى تبريرٍ منطقيٍّ مقبول، يتركَّز في كون “حرق وتدمير الممتلكات، والإضرار بالمنشآت، والتعرُّض لأفراد الأمن”، لا يلبِّي مطالبَ المتظاهرين، بل يسهم في وصف الاحتجاجات بالعنف، الذي يخرجها عن سلميَّتِهَا، ويفرِّغُها من محتواها وعلاقتِهِ بحقوق الجماهير.

موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف:

عبَّرتْ المرجعيَّةُ الدينية في النجف بإحدى خطب الجمعة عن موقفها المؤيِّدِ للتظاهرات، مؤكِّدةً أنَّ مطالبَها مشروعةٌ، مشخِّصةً تردِّي الأوضاع العامة، والخدمات، مطالبةً بحماية المتظاهرين، وعدم قمعهم، في ظلِّ رصد المرجعيةِ للقصور المتراكم في الأداء الحكوميِّ، وفي إشارةٍ لتحميلها الحكومات السابقة المسؤوليةَ، والإشارةِ بالرضا عن بعض منجزات حكومة العبادي؛ التي أكَّدت عزمها مكافحة الفسادِ، ومحاسبة الفاسدين، بوصفه هدفاً أساسيَّاً لمشروع الحكومة القادمة؛ الأمرُ الذي يُسْتَنْبَطُ منهُ رضا المرجعيةِ عن تحالفِ “سائرون، والنصر”.

اختراق التظاهرات من إرادات خارجية (إقليميًا، ودوليًا):

أمَّا ما يشاعُ من اختراق الاحتجاجات، فيؤشِّرُ لوجود “إرادةٍ خارجيَّةٍ إقليميَّةٍ” تهدفُ إلى إشاعةِ الفوضى في العراق، وزعزعة الأمن فيه، وقد ينسحبُ على المنطقةِ بأكملها، ما يعني تدخُّلَ قوًى إقليميةٍ، لها مؤيِّدوها من الأحزابِ العراقيةِ، التي تربطها بها علاقاتٌ تاريخيةٌ، تسهمُ في إخمادِ الاحتجاجاتِ، بحجّةِ الحفاظِ على البُنى التحتيَّةِ، وحماية المنشآت. لكن في الوقت ذاته، القولُ بعائدية التظاهرات لإرادة خارجيَّةٍ فقط، أمرٌ فيه تغاضٍ عن حقيقةِ ما يعانيه الشعب العراقيُّ؛ وتشكيكٌ في إرادته بإحداثِ التغيير؛ فما أصاب انتخابات 12 مايو 2018، من تزوير، وفقدان الأمل المعلَّق على نتائجها، لإحداث التغيير المنشود، ولَّدَ أزماتٍ متراكمةً، دفعتْ للتظاهر والاحتجاج.

1. ما يتَّصلُ بدور إيران:
أ‌. أن يكون الهدف سياسياً، يتَّصلُ بتكوين الكتلةِ الأكبرِ، وتشكيل الحكومة القادمةِ، بعرقلة استقالة العبادي من حزب الدعوة، للترشُّح مجدَّداً لرئاسة الوزراء، وفق شرط السيد مقتدى الصدر عليه؛ وهو أمرٌ يحولُ تحقُّقُهُ دونَ هيمنةِ إيرانَ على الحكومة القادمة، بتقديم الأحزاب والشخصيات الأقرب لها، التي تربطها بهم علاقات متميزة؛ تضمنُ مصالحَ إيران في العراق، لأهميتِه لها، ولمشاريعها الاستراتيجية في المنطقة كلِّها، وتوازنات القوى فيها.
ب‌. أن يكونَ الأمر متَّصلاً برغبة إيرانَ، بعرقلةِ المخطَّط الأمريكيِّ لإحكامِ طوق الحصارِ على إيرانَ، خلالَ الإبقاءِ على دورها المؤثِّر، في إعادة الاستقرار للعراق، كونهُ ذا أهميةٍ قصوى للولايات المتحدةِ الأمريكيةِ؛ ما يدفعها لإعادة النظر لموقفها من إيران، وإرجاء “احتمال توجيه ضربة مباشرة لها، ولإمكانياتها النووية، ولقدرات تصنيع الصواريخ الباليستية، التي تقلق إسرائيل، وهي صاحبةُ مشروع ضرب إيران، والدافعةُ لحصارها؛ بما يبقي العراقَ تحت العباءة الأمريكيةِ، وإدارة مصالحها فيه.
ت‌. النقطة المهمة الأخرى لإيران، أنَّها ترغبُ في إحداث ما يبقي على إنتاجها النفطيِّ، بعرقلة إنتاجه في حقول العراق؛ يدعمه فشلُ المباحثات معها، لإعادة تزويد العراق عبر الخطوط الأربعة للكهرباء.

2. ما يتَّصل بالولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها الإِقليميين:
أمَّا ما يتَّصل بالإرادة الأمريكية، فقد شاعَ في قنواتٍ إعلاميَّةٍ غير رسميَّةٍ، وجود مشروع تغيير أمريكيٍّ، يُعيدُ العمليةَ السياسية، على أسس جديدةٍ، تُجْهِزُ على دور إيران في العراق، وتُحَجِّمُ فاعليَّةَ الفصائل، التي ترتبط بإيران بعلاقات متميِّزة؛ ليجدَ هذا المشروع -لو ثبتَتْ صحَّتُهُ- في تظاهرات الشعب مبرِّراً، لتجاوز نتائج العملية الانتخابية، مع تأييدها ونتائجها من لدنِّ أمريكا، الأمر الذي لا يمكن تبريره برغبتها بالمضيِّ لتشكيل حكومةٍ قادمة، تأسيساً على نتائجها؛ لما شهدته من تأخيرٍ، يظهر عدم وجود رغبةٍ صادقةٍ، وإرادةٍ صارمة في المضي بها.

تفاعلات الحكومة، وإجراءاتها بشأن التظاهرات:

في سياق تناول موقف الحكومة سنركز على عدة محاور:
1. تبرير تأخُّر الإصلاحات، وتدنِّي الإنجاز:
أكَّدَ الناطق الإعلامي باسم الحكومة العراقية -د.سعد الحديثي- التزامَ الحكومةِ بتنفيذ ما تعهدتْ به قَبْلَاً؛ والتزامها بتوفير الخدمات، لكنها كانت أمام تحدِّيَينِ:
أ‌. الحرب التي خاضها العراق، فالجهد مركَّزٌ على تحقيق النصر.
ب‌. توفير الخدمات، وإعادة إعمار المناطق المحرَّرة؛ وإعادة تأهيل البنى التحتية؛ وحالَتْ دونها الأزمة المالية، وتَرَاجُع عائدات العراق إلى الثُلُث؛ لهذا وضعت الحكومة خططاً للاستثمار، وتركيز الجهود لتلبية مطالب المواطنين في البصرة، وسواها.
وأكَّدَ الحديثي أنَّ للتظاهرات أثراً سلبيّاً على جلب المستثمرين، وعلى الشروع ببناء المشاريع الاستراتيجية الاستثمارية؛ وتحلية المياه، وحلِّ مشكلة الكهرباء؛ وفي المقابل ثمة خطط آنية، لتوفير الكهرباء، وضخ المياه في شط العرب لتقليل الملوحة، وتجهيز البصرة بصهاريج المياه العذبة.
وهذه كلُّها حجج لتأخُّر الحكومة في الوفاء بوعودها، إزاء المشاريع الاستراتيجية -بعيدة المدى- حيث انشغلت بترتيب أمورها عقبَ الانتخابات، والعمل على تشكيل الكتلة الأكبر، ليمسك السيد العبادي برئاسة الحكومة القادمة.

2. التدابير المتَّخذة من الحكومة إزاء التظاهرات:
أ‌. انعقاد مجلس الأمن الوطني، الذي أكَّدَ أنَّه سيتَّخذ كافَّةَ الإجراءات، القانونيَّة تجاه الأفعال غير المنضبطة، وجاءت كلماتُه ليِّنَةً، بتأكيد حقِّ التظاهر، والتصريح بالمطالب المشروعة؛ وكذلك بتحميله المندسِّينَ جريرةَ الإضرار بالمنشآت، والممتلكات، والأرواح، ما أُعتبر بيانٌ في حقيقته تحذيريٌّ للمتظاهرين، من الانزلاق عن سلميَّةِ الاحتجاج؛ بما يعكس تعقُّدَ الوضعِ واحتمال انفلاته.
ب‌. فرض حضر التجوال، وقطع خدمة الإنترنت، في: البصرة، وميسان، والنجف، وكربلاء.
ت‌. توجيه القطاعات العسكرية نحو الجنوب، لحماية المنشآت النفطية، والمؤسسات الحكومية، ولحفظ الأمن، وردع المتجاوزين من المتظاهرين من تجاوزات تفاقم الأزمة.
وبدورها حذَّرَتْ اللجنةُ الأمنية بمجلس محافظة بغداد، من التعرُّض لمقارِّ الأحزاب السياسية، لكونها ستولدُ اشتباكات مسلحة بين جهات سياسية، باستغلال البعض للأحداث، لتصفية حساباتٍ سياسية.

3.الخطوات التي اتَّخذتها الحكومة لاحتواء الأزمة:
اللجنة الوزارية: خُوِّلتْ للتعامل مع الأزمة، واتَّخذت خطواتٍ، جاءت في برنامج، تتضمَّنها خطط معالجات:
أ‌. قصيرة المدى سريعة: تنفَّذ خلال: أسبوعين/لشهر.
ب‌. متوسطة: تنفَّذ من ثلاثة /لستة أشهر.
ت‌. استراتيجية بعيدة: لا تتجاوز العامين.
الحكومة الآن تتحمَّل وحدها مسؤولية إدارة أزمة المظاهرات والاحتجاجات، التي تشهدها البصرة وباقي المحافظات الجنوبية؛ وهذا الأمر ألقى بظلاله على الحكومة ذاتها، التي باتت خطواتها محسوبةً عليها في وقتٍ حرجٍ، أحوج ما يكون فيه العبادي لاستجماع نقاط لصالحه، تدفع لتسميته رئيسًا قادمًا للوزراء، حتَّى لو كلَّفهُ ذلكَ التضحيةُ ببعضِ كبار المسؤولين، لتحميلهم تبعات القصور في تقديم الخدمات.
وذهب بعضُ المراقبين، إلى أنَّ أزمة العراق، هي أزمة متظاهرين، وما يعانون من إحباط، لإخفاق العملية السياسية، والقوى السياسية في تلبية ما يطمح إليه الشعب، في ظلِّ عمليَّةٍ ديمقراطيَّةٍ، تنبئ بفشلها، بما تولِّدُهُ من أزمات، وصراعات بدأت مؤخَّراً: بالانتخابات، وما أعقبها من تغيير المفوضية المستقلة للانتخابات، وفقدان الثقة -إذن- حتَّى في المؤسسات الرسمية، التي ينبغي أن تكون راعيةً للنظام السياسيِّ الاتحاديّ الديمقراطيِّ، الذي أُفْرِغَتْ مؤسساتُهُ من محتواها المأمول.

4.واجبات الحكومة الأمنية:
المطلوب أمنيَّاً من الحكومة:
أ‌. كشف “المندسِّين” في التظاهرات، الذين همُّوا بحرق مؤسسات ومنشآت ومقارّ أحزاب، وفقاً للجانب الحكوميّ؛ ومنهم موالون لأحزابٍ، لها مآربها من تأجيج الاحتجاجات، وما يفرزُهُ من خلطٍ للأوراق، وتعطيل لآليات تشكيل الكتلة الأكبر، والحكومة القادمة؛ وقدْ تبيَّن أنَّ منهم عناصر تدرس في النجف، إيرانية الجنسية، ويقوِّي احتمال وجود مصلحة لإيران من التظاهرات -وفق مراقبين- ومحاولة تحقيق بعض مآربها:
– قطع الكهرباء من إيران بشكلٍ مفاجئ، وغير مبرَّر، بحجة تأخير تسديد مستحقاتها من الكهرباء؛ بسبب العقوبات الأمريكية؛ ووفق التبرير الإيراني: القطعُ كانَ مبرمجاً بالاتفاق مع العراق، لتأخُّر تسديد المستحقات البالغة مليار دولار؛ ولحاجة إيران للكهرباء نتيجة ارتفاع الحرارة.
– مطالبة إيران بحماية طائراتها في النجف، ما قد يعتبر تأجيجاً للعنف من المتظاهرين، والعنف المضاد من الحكومة.
– ما قيل بشأن رغبة إيران في خلط الأوراق، التي تكاد تترتَّب بين الصدر والعبادي بشأن تكوين الكتلة الأكبر، وتخويلها بشأن تشكيل الحكومة القادمة.
ب‌. المطلوب الثاني من الحكومة وأجهزتها الأمنية”، حماية المنشآت من المندسِّين؛ وضمان انسيابيَّةِ عمل المنشآت النفطية، والمطارات، والمؤسسات الإدارية.
ت‌. المطلوب الثالثُ “حمايةُ المتظاهرين” بوصفهم مواطنين، يتمتَّعون بحقوق يكفلها الدستورُ في حريَّةِ التعبير وإبداء الرأي، والسعي لضمان حقوقهم، من الحكومةِ، مقابل ما منحتْ من مشروعيَّةٍ، هم أهلها وهم مانحوها.

سيناريوهات محتملة:

يمكن تصوُّرُ سيناريوهات محتملة، ستخلِّفُ بعضَهَا الاحتجاجاتُ، أبرزها:
1. إعلان “العبادي”، تشكيل حكومة طوارئ، يُسوغُه “إعلان إنذار ج”، وهو أعلى مستوى للإنذار، الذي لا يمكن تصوُّر شيء عَقِبَهُ، غير تشكيل حكومة طوارئ، في حالِ تفاقم الأزمة، وتوسُّع رقعةِ الاحتجاجات؛ والمانعُ الأكبر دونَ إعلانِها “موقف الصدريين” وهم يمسكون بمزايا الكتلة الأكبر “سائرون”، ولو تمكَّن العبادي من التنسيق معهم، لكانَ إعلانُها راجحاً، في حال اقتناع السيد الصدر أنَّها من وسائل إعادة استتباب الأمن، وتهدئة الأوضاع، لما يمهِّدُ للمضيِّ قُدُماً، في تشكيل حكومة الكتلة الأكبر. علمًا أنَّ أبرز ثمرات تشكيل حكومة طوارئ، يزيد من فرصة: سائرون والنصر، في تشكيل الحكومة القادمة.
2. تدخل المرجعية بوصفها وسيطاً، يكفل للحكومة الحدَّ من حدَّةِ التظاهرات، ويسمح بانسياب النفط، واستمرار الاستثمارات الأجنبية لحقول النفط؛ وفي المقابل تتعهَّد المرجعيةُ للمتظاهرين، وللعشائر في المحافظات الجنوبية، بتنفيذ الحكومة ما يلبي مطالبهم مما تعهَّدت الحكومة بتنفيذه؛ وذلك على نحو يجعل المرجعيَّةَ في النجفِ أكثرَ فاعليَّةً، أمام انحسار الهيمنة الإيرانية، التي باتت تزعج أطرافاً عراقيَّةً كثيرة، شعبية، وعشائرية، وأحزاباً وطنية.
3. حلُّ الأزمة بتلبية مطالبها-لاسيَّما الخدميَّةَ منها-من خلال الاستعانة بأطراف إقليميين:
أ‌. الاستعانة بإيران:
– بإعادة تزويد إيران بالتيار الكهربائي، وإنهاء القطع[3].
– زيادة إطلاق المياه منها، وما له أثر من مكافحة الملوحة، بمكافحة اللسان الملحي القادم من الخليج، وزيادة منسوب مياه الريّ.
ب‌. الاستعانة بالسعودية، ويمكن أن يأتي في إطارِ حلِّ الأزمة، بتوفير الخدمات، من طاقة كهربائية، في حال رفض إيران تزويد العراق بها مجدَّداً، أو في حال تعرُّضِ خطوطها للمشاكل الفنية؛ وما يمكِّن من تجاوز الأزمة -بتقديم الدعم السعودي- من ناحية الكهرباء، والوقود، والدعم المالي والاستثمار، الذي يوفر وظائف، وتسهيل فتح المواصلات.
4. أمَّا السيناريو المحتمل الآخر، فهو إعادة العراق إلى المحيط العربيّ، على حساب هيمنة إيران؛ يدعم ذلك: ما يجري من محاولة الولايات المتَّحدة الأمريكية “احتواء” إيرانَ، وفرض الحصار عليها، ما لمْ تستجب لما تمليه الإرادة الأمريكية، وما دفع لهم لإنهاء الدور الإيراني الاستراتيجي، مثلما جرى في حدِّ تأثيرها في سوريا، الذي أكَّدته مؤشرات، أبرزها:
أ‌. الاختلاف الروسي الإيراني، ورغبة روسيا في الاستئثار بثمرات التسوية في سوريا.
ب‌. ما يبديه إعلامُ النظام السوري، بتقليل شأن الدور الإيراني في حفظ وجود النظام السوري.
ت‌. رغبة إسرائيل في استبدال القوَّات الإيرانية والموالية لها، بقوّات النظام السوري، مقابل ضمان كونه طرفاً أساسيَّاً في التسوية، وربما إبقاء النظام، بغضِّ النظر عن بقاء الأسد أو رحيله.
يُسوِّغُ هذا الاحتمال أمور:
– أن يكون رفض إيران لتزويد العراق بالكهرباء، وإطلاق المياه، أمراً متَّصلاً بشعورها بعدم تعاون العراق معها في محنتها أمام الحصار الأمريكي القادم، والحؤول دون تصديرها النفط، ما يعني بالنتيجة خنق اقتصادها، الذي يعاني تضخُّماً غير مسبوق.
– أن يكون توجُّه الوفد العراقي -المرجأ- إلى السعودية والترحيب به هناك، وإبداء التعاون معه قبل وصوله، أمراً متَّصلاً برغبتها في إحداث الفصام بين إيران والعراق، وانَّ ما يجري يباركه الأمريكان، ويَرْعَوْنَهُ.
– سحب إمكانية التدخل في تغيير ما يجري، من قبل القوى العراقية التابعة لأحزابٍ سياسية موالية لإيران، بحصرها بين: نتائج الانتخابات، وما تحققه خلالها من مكاسب سياسية، وبين التلويح بوضعها ضمن القوى المستهدفة أمريكياً، في ظلِّ ضعف العون الإيرانيِّ لها.
5. الاحتمالُ الآخرُ الواردُ، مع صعوبَةِ توقُّعِ حصولِهِ واقعاً، هو أن تسعى الأحزابُ، التي ترغبُ بإبقاء دورٍ أساس لإيران في العراق، أعني كتلتي: الفتح “بقيادة هادي العامري، “ودولة القانون” بقيادة نوري المالكي، في أن تُشَكِّلَ الكتلةَ الأكبرَ، حال تمكُّنها من التحالفِ، مع القوى الشيعيَّةِ عدا: كتلة “سائرون”، وكتلة “النصر”- إنْ تمكَّنَتا وتحالفَتا مع الكتلتين الكرديتين الكبريين: “الحزب الديمقراطي”، “والاتحاد الوطني الكردستانيّ”، وكتلٍ سنيَّةٌ، أو أفرادٌ متفلِّتون عن كتلهم؛ لكنَّهُ أمرٌ لهُ صعوباتُهُ، في الفوزِ بالمشروعيَّةِ اللازمة لاستمرار حكمها، ما يفاقم الأزمة قبل تسنُّمهما السلطةَ؛ وأهمُّ أسباب ذلك:
أ‌. تحميل تبعات الفساد، والإخفاق الحكومي، وتمدُّد “داعش” فترتي حكم دولة القانون السابقتين، برئاسة نوري المالكي؛ يجعلُ حظوظ التحالف معها واطئة.
ب‌. يعاني الحشد الشعبيّ، من تحميله تبعيَّةَ ما وصلَ إليه الوضعُ، بتحميل الموازنة العراقية ما لا تطيق، من التزامها تجاه فصائله، واحتفاظها بسلاحها، حيث ردود أفعال المتظاهرين، وأهالي مناطق متعدِّدة؛ ولا سيَّما عقبَ إقرار هادي العامريّ بتقصير وفشل الطبقة السياسية، في إدارة الدولة لخمسَ عشرةَ سنةً مَضَينَ.
ت‌. وضع إيران المتردِّي اقتصادياً، وقطع الكهرباء عن خطوط الإمداد الأربعة، وإسهامها في زيادة مستوى ملوحة المياه؛ فضلاً عن تهديدها من لدنِّ الولايات المتحدة، يجعل دعمها لتلكما الكتلتين ضعيفاً، لا يمكن التعويلُ عليه.
ث‌. تمكُّن كتلتي: الفتح، ودولة القانون، على سبيل الفرض؛ سيؤجِّجُ احتجاجات، لن يغيبَ عنها التيار الصدريُّ، هذه المرة -خلافاً “لضبطِ هدوئه” في الاحتجاجات القائمة، لتعويله على تشكيله الوزارة-وتحقُّقُ ذلك يرجِّحُ إسقاط المنطقة الخضراء، لاسيما بتوفُّر دعم مرجعيَّةِ النجفِ الأشرفِ للتظاهرات ولمطالبها.
6. الاحتمال الأكثر واقعية: المزج بين مضامين السيناريوهات السابقة، فتلبية المطالب الجماهيرية أمرٌ لا مفرَّ منه؛ في ظلِّ تعاونٍ مفترض من السعودية، وما يعنيه من تحجيم دور إيران في إدارة شؤون العراق، لعلَّه يجنِّبُ توجيه ضربات مباشرة لإيران، نتيجة استجابتها للإرادات الدولية، ممثلةً بالولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوربي، في إطار حلف الناتو، والإقليمية ممثلةً بدول الخليج المختلفة مع إيران: السعودية، والإمارات، والبحرين؛ بما يفضي في النتيجة بإحداث تغيير في العملية السياسية، تعيده إلى بناء علاقات متقدمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، تلبي -إلى جانب مكاسبها الإستراتيجية، وتحالفاتها مع القوى الإقليمية- ما أدمنته الولايات المتحدة في عهد ترامب في جني الأموال، ورغبتها في تقاسم عائدات نفط العراق، والتحكم بثرواته.
يدعم هذا السيناريو، ما أقدمت عليه الكويت مع الصين، تفادياً لما تبيِّتُه الولايات المتحدة للكويت، وللعراق جملةً واحدة؛ وهو أمرٌ يدفع الأمريكان للإطباق على مستقبل العراق، بما يلبي لها مبتغاها منه؛ وما يجعلها مسلَّطةً على الكويت، بافتعالِ أزمات حدوديةٍ معها من جهة العراق مستقبلاً؛ على نحو يتيح للأمريكان ابتزاز الكويت مالياً، دون تعرُّض أمريكا لمصالح الصين في جزر الكويت، التي يجري الاتفاق على استثمارها بين الكويت والصين.
ويدعمُ سيناريو هيمنة أمريكا على العراق، خلط الأوراق بزعزعة الأمن في العراق، وربط الأحزاب والكتل السياسية كلها، الشيعية والسنية والكردية بتحالفات، على أسس استراتيجية هذه المرة، تسمح بتنفيذ مخططات تقسيم المنطقة بدءً بالعراق، ومن مقدِّماتِه “امتداد حال عدم الاستقرار في العراق كلِّه، وإعادة الحديث عن عودةٍ محتملةٍ لداعش، وبدء مرحلة جديدة من التفجيرات الدموية؛ بما لا يتَّسعُ المقامُ لتفصيله.

*****

الهوامش:

[1]- دكتور هاني عاشور، في استضافته في قناة الحدث، 14/7/2018.
[2] – د.إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي ببغداد، في لقاء مع قناة الحدث 16/7/2018.
[3] – فثمة إشارات على التوافق مع إيران، لحلِّ مشاكل خطوط نقل الطاقة الأربعة، وإصلاح الخلل الفني في إيران الخاص بالخط الجنوبي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق