المصالح الروسية في المنطقة العربية والتغيير في سوريا: قراءة في مشهد ما بعد سقوط بشار

مقدمة:

شهدت المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين تحولات جيوسياسية عميقة، أسهمت في إعادة رسم خريطة النفوذ الدولي، وفتحت المجال أمام قوى عالمية غير غربية -وعلى رأسها روسيا- للعودة بقوةٍ إلى الشرق الأوسط. وقد جاءت الثورة السورية منذ عام 2011 لتكون نقطة التحول الأبرز في مسار الانخراط الروسي في العالم العربي، بعد عقودٍ من التراجع الذي بدأ مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

تمرّ سوريا في المرحلة الراهنة بواحدةٍ من أكثر اللحظات حسمًا في تاريخها الحديث، بعد أن أدّى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى فتح الباب أمام مشهد سياسي جديد تتقاطع فيه العوامل الداخلية بالإقليمية والدولية في شبكةٍ معقدةٍ من التفاعلات. فقد كشف هذا التحول عن هشاشة البنى السياسية والأمنية التي حكمت البلاد لعقود، وبيّن حجم التشابك بين العناصر المحلية (المعارضة المسلحة، والقوى المجتمعية، والتشكيلات العسكرية، وبقايا المؤسسات الرسمية)، وبين الفواعل الخارجية التي ارتبط مصيرها بشكلٍ وثيق بمصير النظام السابق.

إن تداخل هذه السياقات الثلاثة -الداخلية، والإقليمية، والعالمية- جعل سؤال سوريا ما بعد بشار” سؤالًا بحثيًا ملحًّا، ليس فقط لفهم مستقبل الدولة السورية، بل لفهم إعادة تشكيل موازين القوى في المشرق العربي ككل. فالتغيير في بنية الحكم السورية لا يعني مجرد انتقال سلطة داخل حدود جغرافية محدودة، بل يمثل إعادة رسم للخرائط الاستراتيجية التي ترتبط فيها ملفات الأمن، والطاقة، والتوازنات الإقليمية، ومسارات النفوذ الدولي.

وتأتي روسيا في قلب هذا التحول؛ إذ مثّلت لعقدٍ من الزمن الفاعل الدولي الأكثر تأثيرًا في سوريا، بعد تدخلها العسكري الحاسم عام 2015 الذي أعاد ترسيخ سلطة النظام وهيكل مؤسساته. بالنسبة لموسكو، لم تكن سوريا مجرد ساحة نفوذ، بل كانت ركيزة من ركائز سياستها الشرق أوسطية، وبوابة لعودتها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة، ومسرحًا لتثبيت حضورها العسكري طويل المدى عبر قواعدها على الساحل السوري، فضلًا عن ارتباط المصالح الاقتصادية والأمنية الروسية ببقاء دولة سورية قادرة على منح الشرعية لنفوذ موسكو[1].

لكن سقوط النظام غيّر قواعد اللعبة؛ فروسيا اليوم تواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يمكن الحفاظ على مصالحها الحيوية في سوريا في غياب الحليف الذي شكّل حجر الزاوية في وجودها؟ وما هو شكل النفوذ الذي يمكن أن تُمارسه في ظل قوى سورية جديدة، وواقع إقليمي يُعاد ترتيبه، وضغوط دولية تتزايد بسبب الحرب الأوكرانية وتراجع الموارد الروسية؟

من هنا، يهدف هذا التقرير إلى تفكيك المصالح الروسية في ضوء التحولات الجارية في بنية الحكم السورية، من خلال قراءةٍ عميقة لمرحلة “سوريا الجديدة” ومحاولة فهم اتجاهات النفوذ الروسي فيها، وحدود قدرته على الاستمرار، والسيناريوهات المحتملة لتفاعله مع الفاعلين السوريين، والإقليميين، والدوليين. ويطمح التقرير إلى تقديم إطار تحليلي يساعد على فهم طبيعة التغير الاستراتيجي في سوريا، واستشراف مستقبل الدور الروسي في المنطقة العربية، وذلك من خلال المحاور التالية: أولًا- لمحة تاريخية: روسيا وسوريا قبل سقوط الأسد. ثانيًا- المصالح الروسية في سوريا والمنطقة قبل سقوط النظام. ثالثًا- موقع روسيا في سوريا بعد سقوط الأسد. رابعًا- الفواعل الإقليمية والدولية في سوريا الجديدة وتفاعلاتهم مع روسيا. خامسًا- انعكاسات سقوط الأسد على النفوذ الروسي في المنطقة العربية. خاتمة- سيناريوهات الدور الروسي في سوريا الجدبدة.

أولًا- لمحة تاريخية: روسيا وسوريا قبل سقوط الأسد

شكّلت العلاقات السورية -الروسية واحدةً من أكثر الشراكات استمرارية في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين؛ فقد وجدت سوريا في الاتحاد السوفيتي، ثم في روسيا الاتحادية لاحقًا، حليفًا قادرًا على موازنة الضغوط الغربية والإقليمية، بينما رأت موسكو في دمشق بوابةً استراتيجية إلى المشرق العربي ومياه المتوسط. منذ خمسينيات القرن العشرين، بدأ التقارب يتخذ شكل تعاون عسكري وأمني واضح، ظهر في صفقات السلاح المتتابعة، وفي تبنّي دمشق نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا أقرب إلى الرؤية السوفيتية. ومع هزيمة 1967 وما تلاها، تعمّق الحضور السوفيتي عبر إرسال مستشارين عسكريين ورفع مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي، ما جعل سوريا إحدى نقاط الارتكاز الرئيسية للنفوذ السوفيتي في المنطقة[2].

ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، تحوّلت العلاقة من مجرد تعاونٍ استراتيجي إلى تحالفٍ بنيوي يقوم على تبادل المصالح وتكامل الحسابات الأمنية. منح الأسد الاتحاد السوفيتي امتيازاتٍ واسعة في المجال العسكري، وسمح ببناء منظومات دفاع جوي وساحلية متقدمة، في مقابل دعم سياسي ثابت في مجلس الأمن وتزويد الجيش السوري بتكنولوجيا عسكرية متطورة مكّنته من إعادة بناء قدراته بعد حرب 1973. هذا التوازن ظل مستمرًا حتى نهاية الحرب الباردة، ورغم الانهيار المؤسسي الذي ضرب موسكو في التسعينيات، لم تتجه سوريا إلى تغيير تحالفاتها، بل حافظت على “الولاء القديم” باعتباره رصيدًا يمكن استثماره عند عودة روسيا إلى الساحة الدولية[3].

عندما وصل بشار الأسد إلى الحكم عام 2000، كانت روسيا تمرّ بمرحلة إعادة تعريف لدورها العالمي في ظل مساعي بوتين لإحياء نفوذ بلاده، فوجد الطرفان في بعضهما فرصةً متبادلة: سوريا ترغب في تجديد مصادر القوة بعد عقودٍ من العقوبات والعزلة، وروسيا تسعى لاستعادة موطئ قدم قوي في الشرق الأوسط. لذلك شهدت تلك المرحلة إلغاء جزء كبير من ديون سوريا، وتوقيع اتفاقيات عسكرية جديدة، وإعادة تفعيل الزيارات السياسية رفيعة المستوى. هذا التقارب لم يكن مجرد “وراثة” لعلاقة سوفيتية، بل كان إعادة بناء لشراكة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية للطرفين: سوريا تحتاج إلى مظلة ردع دولية، وروسيا تحتاج إلى شريكٍ موثوق يمكنه تأمين حضورها في المتوسط في مواجهة التوسع الغربي[4].

لكن اللحظة المفصلية في العلاقات بين البلدين جاءت مع اندلاع الثورة السورية عام 2011؛ إذ تعاملت موسكو مع الأزمة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لعمقها الاستراتيجي. فبالنسبة لروسيا، كانت المنطقة تشهد تمددًا غربيًا عبر أجندات ملونة لثورات الربيع العربي والتدخلات العسكرية، من جورجيا إلى أوكرانيا وصولًا إلى ليبيا. لذلك رأت موسكو في سقوط النظام السوري إعادة إنتاج للسيناريو الليبي الذي اعتبرته “خيانة غربية”، وهو ما دفعها منذ اللحظة الأولى إلى استخدام الفيتو في مجلس الأمن، وحماية النظام سياسيًا ودبلوماسيًا، بل واعتبار الحفاظ عليه جزءًا من معركتها الكبرى ضد التمدد الأمريكي والأوروبي[5]. هذا الإدراك هو الذي مهّد الطريق لاحقًا للتدخل العسكري المباشر عام 2015، وهو التدخل الذي بدّل ميزان القوى جذريًا، ورفع مستوى الاعتماد المتبادل بين موسكو ودمشق إلى ذروته.

أما التدخل العسكري الروسي نفسه فقد أسس لمرحلةٍ جديدة تمامًا في العلاقات؛ حيث لم تعد موسكو مجرد داعم سياسي أو مستشار عسكري، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في إدارة الحرب وصياغة المشهد السوري. فعّلّت روسيا قواعدها الثابتة، وأهمها قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وشاركت في عمليات قتالية واسعة مكّنت النظام من استعادة مناطق استراتيجية. على الجانب الآخر، أصبح النظام السوري يعتمد على روسيا اعتمادًا شبه كامل في مجالات الأمن، والتسليح، والغطاء الدولي، ما حوّل موسكو إلى الفاعل الأكثر تأثيرًا في تحديد مصير الدولة السورية خلال العقد الماضي. هذا الحضور المكثف جعل روسيا ترى في سوريا جزءًا من “هندسة قوتها العالمية“، وليس مجرد ملفٍ إقليمي محدود.

وهكذا، بحلول عام 2024، كانت العلاقة الروسية -السورية قد وصلت إلى مستوى من التشابك جعل موسكو تُعدّ الضامن الأول لاستمرار النظام، والوسيط الرئيسي في كل مسارات التفاوض، وحارسًا لمعادلة التوازن بين القوى الإقليمية داخل سوريا. لكن هذا كله كان قائمًا على فرضيةٍ أساسية: بقاء بنية النظام بزعامة الأسد. ومع سقوط هذه الفرضية في ديسمبر 2024، وجدت موسكو نفسها أمام واقع لا يُشبه أيًّا من الفصول السابقة في تاريخ علاقتها بسوريا، وهو واقع يفرض عليها إعادة تقييم عميقة لأدوات نفوذها ومصالحها في البلاد.

ثانيًا- المصالح الروسية في سوريا والمنطقة قبل سقوط النظام

كانت سوريا قبل سقوط النظام -كما أشرنا- تُمثل بالنسبة لروسيا نقطة ارتكازٍ محورية في استراتيجيتها الشرق أوسطية، ليس فقط بوصفها ساحة نفوذ، بل كبوابةٍ لإعادة تشكيل حضور موسكو العالمي بعد عقدين من التراجع عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. فقد وجدت روسيا في سوريا الفرصة التي لم تتوفر لها في مناطق أخرى: دولة ضعيفة نسبيًا لكنها مستقرة سياسيًا، وقيادة مركزية لا تتغير، وموقع جغرافي يمنح موسكو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط. لذلك تعاملت روسيا مع سوريا باعتبارها منصة جيوسياسية تُتيح لها العودة إلى المياه الدافئة، وهي رغبة تاريخية رافقت العقل الاستراتيجي الروسي منذ العهد الإمبراطوري. هذا البعد الجيوسياسي يُفسر إصرار موسكو على حماية النظام طوال العقد الماضي، باعتبار سقوطه إهدارًا لاستثمارٍ طويل الأمد في أهم قاعدة روسية خارج منطقة الاتحاد السوفيتي السابق[6].

إلى جانب البعد الجغرافي، كانت المصالح العسكرية أحد الأعمدة الأساسية للوجود الروسي في سوريا. فقاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية مثّلتا أول وجود عسكري روسي دائم في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، ما سمح لموسكو بفرض حضورها في المتوسط وممارسة نفوذ مباشر على خطوط الملاحة والطاقة. كانت سوريا مختبرًا واسعًا لتجريب الأسلحة الروسية الحديثة، وهو ما ظهر في أكثر من 350 نوع سلاح جُرب في العمليات العسكرية بين عامي 2015 و2020، وفق التصريحات الرسمية الروسية[7]. وبذلك، اكتسبت موسكو ميزةً مزدوجة: تعزيز قدراتها القتالية من جهة، وتسويق أسلحتها بوصفها “مجرَّبة ميدانيًا” من جهةٍ أخرى، ما أدى لارتفاع صادرات السلاح الروسية نحو الشرق الأوسط.

كما ارتبطت المصالح الروسية في سوريا ارتباطًا وثيقًا بمعادلة الأمن الداخلي الروسي؛ فقد مثّل الملف السوري، بالنسبة لبوتين، ساحةً لمنع عودة آلاف المقاتلين المنحدرين من الجمهوريات الإسلامية داخل روسيا أو محيطها القريب، خصوصًا من الشيشان وداغستان وتتارستان. رأت موسكو في الحرب السورية فرصة للهجوم على الجماعات التي تعدّها تهديدًا مباشرًا لأمنها، ولبناء شبكات نفوذ داخل المجتمعات المحلية يمكن استخدامها لاحقًا كخط دفاع خارجي ضد أي حركاتٍ جهادية عابرة للحدود تتجه نحو العمق الروسي. ومن هنا، جاءت مشاركة الشرطة العسكرية الشيشانية، والانتشار الواسع للمستشارين الروس في الجنوب السوري بعد عام 2018 في سياق استراتيجية أمنية تتجاوز حدود سوريا نفسها[8].

أما على المستوى الاقتصادي، فقد كانت لسوريا أهمية تتجاوز حجم اقتصادها المحدود. فروسيا سعت من خلال وجودها إلى ضمان عقود طويلة الأمد في مجالات الطاقة والفوسفات والموانئ، وربط مشاريع مستقبلية بإعادة الإعمار التي قُدرت آنذاك بمئات المليارات. كما كانت موسكو تنظر إلى الساحل السوري كمركزٍ لوجستي محتمل لشركاتها النفطية والغازية، وامتدادًا لمشروعها للهيمنة على طرق الطاقة نحو أوروبا في مواجهة منافسة إقليمية تشمل تركيا وقطر. وقد حصلت الشركات الروسية بالفعل على امتيازات للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، بالإضافة إلى عقودٍ استثمارية واسعة في مناجم الفوسفات ومرافئ الشحن. هذه المصالح جعلت الحفاظ على النظام شرطًا أساسيًا لضمان استقرار بيئة الأعمال الروسية في سوريا[9].

على المستوى السياسي والدبلوماسي، جسدت سوريا فرصةً لروسيا لإعادة تدوير نفسها كقوةٍ عالمية قادرة على تعطيل القرارات الأممية، وصياغة مسارات سياسية بديلة للمسارات الغربية. فقد استخدمت موسكو الفيتو لأكثر من عشرة أعوام لصالح النظام[10]، ما جعلها الطرف الدولي الوحيد القادر على حماية الأسد من السقوط السياسي حتى قبل التدخل العسكري. كما أسست منصات دبلوماسية بديلة مثل مسار أستانة وسوتشي، حيث كانت روسيا تُقدّم نفسها كـ “مهندس التسويات” وقائد التفاعلات بين تركيا وإيران في سوريا. وقد منحت هذه الأدوار موسكو قوةً تفاوضية عالية مكّنتها من حجز مقعدٍ ثابت في كل محادثات تخص سوريا، بما فيها تلك التي تتجاوز الملف السوري نفسه، مثل المحادثات حول ملفات الطاقة أو الحرب الأوكرانية.

كذلك اعتمدت روسيا على سوريا كبوابةٍ لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية، خصوصًا مصر والجزائر ودول الخليج. فدعمها للنظام منحها صورة “الحليف الموثوق” في نظر بعض الأنظمة التي رأت في النموذج الروسي نموذجًا مضادًا للتدخلات الغربية. ومن خلال سوريا، استطاعت روسيا بناء شبكة نفوذ إقليمية تتراوح بين التعاون الأمني وتجارة السلاح ومشاريع الطاقة النووية. وبذلك أصبحت سوريا نقطة الارتكاز التي تبني عليها موسكو موقعها داخل النظام الإقليمي العربي، وهو ما يُفسر تمسّك روسيا حتى الرمق الأخير ببقاء الأسد وعدم السماح بانهيار النظام تحت أي ظرف.

في المحصلة، كانت المصالح الروسية في سوريا قبل سقوط النظام متشابكة على نحوٍ جعل دمشق بالنسبة لموسكو أكثر من مجرد حليف؛ كانت مركزًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل مكانة روسيا في الشرق الأوسط، ومنصة لمدّ نفوذها إلى المتوسط، ومختبرًا عسكريًا، ومجالًا لتوسيع شبكاتها الاقتصادية، وأداة لخلق توازناتٍ إقليمية معقدة. لكن سقوط الأسد في ديسمبر 2024 قلب المعادلة رأسًا على عقب، وجعل كل هذه المصالح أمام اختبارٍ تاريخي لم تواجهه موسكو منذ بداية تدخلها في الحرب.

ثالثًا- موقع روسيا في سوريا بعد سقوط الأسد

مثّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحوّل حاسمة دفعت روسيا إلى إعادة تقييم موقعها داخل سوريا، وإعادة تعريف طبيعة نفوذها الذي استقرّ لعقدٍ كامل. فبعد أن كانت موسكو صاحبة اليد العليا في صياغة القرارات السياسية والعسكرية في دمشق، أصبحت أمام واقع جديد يُحتّم عليها التحرك بمنطق براجماتي أكثر مرونة، بعيدًا عن فكرة “الحليف الحاكم” التي ارتبطت بها طوال السنوات الماضية. ورغم أن خسارة النظام القديم شكّلت ضربةً سياسية لدبلوماسية موسكو، فإنّ موقع روسيا لم يتلاش بالكامل، بل دخل مرحلة “إعادة تموضع”، تقوم فيها موسكو بالحفاظ على مواقعها الاستراتيجية الأساسية، مع القبول بإعادة صياغة العلاقات مع السلطات السورية الجديدة[11].

تُعدّ القواعد العسكرية الروسية في سوريا -وخاصةً قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية- أكثر عناصر الوجود الروسي حساسيةً؛ إذ تُمثلان بالنسبة لموسكو نافذةً أساسية على البحر الأبيض المتوسط. وبعد سقوط النظام، أصبح الحفاظ على هاتين القاعدتين هدفًا استراتيجيًا أعلى من أي هدفٍ آخر، رغم تغيّر شروط تشغيلهما. فوفق تحليلاتٍ غربية حديثة، لم تعد القواعد الروسية تعمل بوصفها “بؤر نفوذ ثابتة“، بل بات استمرارها مرهونًا بتفاهماتٍ سياسية مع القيادة السورية الجديدة، وبتقليل مستوى النشاط العسكري الذي كان قائمًا في عهد الأسد، بما يجعل الوجود الروسي أكثر اعتمادًا على الشرعية التوافقية منه على الشرعية السلطوية السابقة[12].

وعلى صعيد إعادة بناء المؤسسة العسكرية، يبرز دور روسيا كفاعلٍ تقني لا يمكن تجاوزه في هندسة “الجيش السوري الجديد”؛ فبالرغم من تبدل التحالفات السياسية، تظل الخبرة التسليحية الروسية تشكّل العمود الفقري للبنية الدفاعية السورية. وتتجه التقديرات إلى أن العلاقة العسكرية في مرحلة ما بعد السقوط قد انتقلت من “التبعية العملياتية” إلى “الشراكة المؤسساتية”؛ حيث تسعى السلطات السورية الجديدة للاستفادة من الخبرات الروسية في تحديث منظومات الدفاع الجوي والاتصالات، ودمج التشكيلات العسكرية المتباينة ضمن هيكل نظامي موحد، مستفيدةً من الإرث الروسي في التدريب والتنظيم العسكري. بالنسبة لموسكو، يمثل هذا الدور وسيلةً استراتيجية لضمان بقاء “العقيدة العسكرية” السورية مرتبطةً بالمدرسة الروسية، ما يُوفر غطاءً فنيًا طويل الأمد لوجود قواعدها في الساحل، ويُحوّل المساعدات العسكرية من أداة لحماية نظام سياسي إلى وسيلة لتعزيز سيادة الدولة السورية الناشئة، وهو ما يمنح الوجود الروسي شرعية “الدعم السيادي” بدلًا من شرعية “التدخل العسكري” التي وسمت الحقبة السابقة.

في هذا الإطار، تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في ديسمبر 2025 كحراكٍ استراتيجي ضروري تفرضه حاجة سوريا الملحّة لروسيا في إعادة بناء وترسانة الجيش السوري، حيث تشير التحليلات إلى أن الأولوية السورية تتركز على حيازة منظومات دفاع جوي متطورة لفرض سيادتها ومنع الاستباحة الإسرائيلية للأجواء السورية؛ وانطلاقًا من مبدأ أن “الحرب امتداد للسياسة”، يسعى الشرع من خلال هذه الخطوة لامتلاك مقومات القوة العسكرية التي تُعزز موقفه التفاوضي حيال الجولان والنقاط الجغرافية التي تحتلها إسرائيل، مدركًا أن الدبلوماسية بلا مخالب عسكرية تظل أداةً فاشلة أمام المطامع الإقليمية. ولتحقيق هذا التوازن، تظل روسيا الخيار الوحيد والمتاح لدمشق نظرًا للإرث التاريخي الذي جعل العقيدة العسكرية السورية روسية بامتياز عبر الأجيال، فضلًا عن كون التحول نحو السلاح الغربي يُمثل معضلةً مالية ولوجستية هائلة، والأهم من ذلك أنه يتطلب أثمانًا سياسية باهظة تتمثل في الانصياع التام للمطالب الأمريكية -الإسرائيلية، وهو ما يجعل الارتباط التقني بموسكو ضمانةً للحفاظ على استقلالية القرار السوري الجديد نوعًا ما وتأمين متطلبات الردع الدفاعي بأقل التكاليف السياسية الممكنة[13].

وفي السياق ذاته، تشير تقارير بحثية إلى أن روسيا سارعت منذ أوائل 2025 إلى إعادة هيكلة وجودها العسكري داخل سوريا، بما يشمل تخفيضًا نسبيًا للانتشار البشري والاعتماد بشكلٍ أكبر على المستشارين العسكريين وعلى بنية قيادة وتحكم مرنة. ومع ذلك، تُجمع معظم التقديرات على أنّ موسكو لا تنوي الانسحاب من سوريا، بل تسعى لتحويل وجودها من حالة “الانخراط العملياتي الواسع” إلى حالة “الوجود الاستراتيجي منخفض التكلفة“، مع الحفاظ على قدرة الردع والتأثير السياسي[14]. هذا التحول يعكس إدراكًا روسيًا بأن سوريا الجديدة لم تعد قابلةً للسيطرة من مركزٍ واحد، وأن النفوذ يتطلب مزيجًا من الحضور العسكري المحدود والدبلوماسية النشطة.

كما اتجهت موسكو إلى الانفتاح الدبلوماسي على القيادة السورية الجديدة، في محاولةٍ لطيّ صفحة التحالف الشخصي الذي كان يربطها بالأسد، وإعادة بناء العلاقة على أسسٍ مؤسساتية تضمن مصالحها طويلة المدى. وقد شهدت الأشهر الأولى من عام 2025 سلسلةً من اللقاءات والمشاورات الروسية -السورية هدفها التأكيد على استمرار الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية السابقة، لا سيما تلك المتعلقة بالتعاون في مجال الطاقة وإعادة الإعمار. وتُشير التحليلات إلى أن موسكو تحاول الظهور بوصفها “شريكًا مستمرًا للدولة السورية” وليس للنظام السابق، وهو تحول مهم في الخطاب الروسي يسمح لها بالحفاظ على نفوذها دون أن ترتبط بصورةٍ مباشرة بإرث النظام المنهار[15].

على المستوى الاقتصادي، شهد ميزان التبادل التجاري بين روسيا وسوريا في مرحلة ما بعد الأسد تحولًا جذريًا نحو “البراجماتية الاقتصادية”؛ حيث تُهيمن روسيا على حصة الأسد في الواردات السورية الأساسية، لاسيما في قطاع الحبوب (القمح) والطاقة، ما جعلها الضامن الأول للأمن الغذائي في البلاد. وفي المقابل، تتركز آفاق الاستثمار الروسي في الاستحواذ على الموارد السيادية السورية، وعلى رأسها قطاع الفوسفات الذي يُمثل “الذهب الأبيض” لموسكو، حيث تسعى الشركات الروسية لتحويل عقود الامتياز طويلة الأمد في مناجم تدمر ومرافئ التصدير في طرطوس إلى ركيزةٍ اقتصادية تُعوض تكاليف انخراطها العسكري السابق. وبالتوازي مع ذلك، تطرح روسيا نفسها كشريكٍ رئيسي في مشروعات إعادة الإعمار الكبرى، خاصةً في مجالات النقل والسكك الحديدية والربط اللوجستي بين المتوسط والخليج العربي[16]، محاولةً بذلك ترسيخ نفوذها الاقتصادي كبديل عن الارتباط السياسي السابق، ومنافسة القوى الإقليمية والدولية (كالصين وتركيا) في سوق البناء والإنشاءات السورية.

غير أنّ هذا التكيّف الروسي لا يخلو من تحدياتٍ استراتيجية عميقة؛ فموسكو تجد نفسها أمام شبكة قوى داخلية وإقليمية أكثر تعقيدًا من أي وقتٍ مضى: فصائل المعارضة التي شاركت في إسقاط النظام، وشبكات اقتصادية محلية تتحكم بمفاصل المعابر والموارد، ونفوذ إيراني يستند إلى بنية عسكرية ومجتمعية واسعة، وصعود تركي مباشر في مناطق الشمال. إذ تشير دراسات إقليمية حديثة إلى أن قدرة روسيا على الحفاظ على موقعها في سوريا مرهونة بقدرتها على إدارة علاقة دقيقة مع هذه القوى كافة، وعلى تقديم نفسها كفاعل قادر على دعم الاستقرار لا كقوة مهيمنة. وإن لم تنجح موسكو في ذلك، فمن المرجح أن يتقلص نفوذها لصالح قوى إقليمية أكثر مرونة وأقل كلفة[17].

كما يُعد ملف الديون المتراكمة لموسكو على دمشق، والتي تُقدّر بنحو 23 مليار دولار ناتجة في معظمها عن عقود التسلح والدعم اللوجستي خلال العقد الماضي، أحد أعقد الملفات الاقتصادية التي تواجه سوريا بعد الأسد؛ إذ تسعى القيادة السورية الحالية لإعادة التفاوض حول شرعية وجدولة هذه الديون بوصفها إرثًا لحقبة سياسية سابقة، في مقابل براجماتية روسية تعمل على تحويل هذه الالتزامات المالية إلى امتيازاتٍ استثمارية طويلة الأمد في قطاعات الطاقة والفوسفات وإعادة الإعمار. ويرتبط هذا الملف ارتباطًا وثيقًا بالجدل القائم حول الأصول والأموال التي هربتها رموز النظام السابق إلى المصارف الروسية قُبيل سقوط الأسد، حيث تُلوّح موسكو بهذا الملف كصندوقٍ أسود وأداة ضغط سياسي وتفاوضي، محولةً النزاع المالي من مجرد أرقام حسابية إلى ورقة مقايضة جيوسياسية تضمن لها الحفاظ على مصالحها الاقتصادية العليا في مواجهة محاولات السلطة الجديدة لاسترداد الأموال المنهوبة أو التحلل من أعباء الديون القديمة[18].

وعليه، يبدو أن روسيا انتقلت في سوريا الجديدة من موقع “الضامن الحاكم” إلى موقع “الفاعل المتفاوض”، وهو انتقال يفرض على موسكو ديناميات جديدة في إدارة سياستها الشرق أوسطية. فبينما تملك روسيا الإمكانات للحفاظ على جزءٍ من نفوذها، فإن مشهد ما بعد الأسد يتطلب منها قبول بيئة سياسية متعددة المراكز، وقبول أن أدوات التأثير في المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية في المقام الأول، بل مزيجًا من التفاهمات السياسية، والمرونة الدبلوماسية، واستخدام القوة في حدودها الدنيا. هذه التحولات تُعيد صياغة موقع روسيا في سوريا والمنطقة، وتضع نفوذها أمام اختبارٍ استراتيجي ستكون نتائجه حاسمة في تحديد ملامح دورها الإقليمي في السنوات المقبلة.

رابعًا- الفواعل الإقليمية والدولية في سوريا الجديدة وتفاعلاتهم مع روسيا

أدّى سقوط نظام بشار الأسد إلى إطلاق سباق محموم بين القوى الإقليمية والدولية لإعادة تعريف أدوارها داخل سوريا الجديدة، بعدما فقدت بنية الصراع “مركز الثقل” الذي كان يُمثّله النظام. وفي هذا الوضع الانتقالي، باتت روسيا أمام شبكةٍ واسعة من الفاعلين المتنافسين، بعضهم حليف قديم، وبعضهم منافس تاريخي يستعيد اليوم مساحات نفوذ جديدة. وعليه، فإنّ فهم تفاعل موسكو مع هؤلاء الفاعلين يُعدّ مدخلًا حاسمًا لتقدير مستقبل النفوذ الروسي في سوريا.

تُشكل إيران أحد أكبر التحديات أمام روسيا في سوريا الجديدة؛ إذ تمتلك طهران حضورًا عسكريًا واجتماعيًا عميقًا عبر ميليشياتها وشبكاتها المحلية. ومع سقوط النظام، تحركت إيران بسرعة لإعادة تثبيت نفوذها من خلال إعادة تموضع قواتها وبناء تحالفات جديدة مع تكتلات محلية فاعلة. على الرغم من أن التعاون الروسي -الإيراني استمر لسنوات، إلا أن هذا التعاون أصبح أكثر هشاشةً اليوم، لأن الطرفين يتنافسان على التأثير في بنية السلطة الجديدة وعلى التحكم بالمجالات الأمنية والاقتصادية. حيث تشير تحليلات إلى أن “الشراكة المتوازنة” بين موسكو وطهران أخذت تميل نحو التوتر بعد نهاية النظام السوري[19].

أما تركيا، فهي الفاعل الأكثر ديناميكية في مرحلة ما بعد السقوط، نظرًا لوجودها العسكري المباشر في الشمال وعلاقاتها الوثيقة مع فصائل لعبت دورًا رئيسيًا في إسقاط النظام. وتستثمر أنقرة هذا الزخم لإعادة بناء نفوذها الاستراتيجي في المناطق الحدودية، وتأمين عمقها في مواجهة وحدات الحماية الكردية. بالنسبة لروسيا، يُشكل النفوذ التركي عاملًا مزدوجًا: فهو من ناحية يوازن النفوذ الإيراني، ومن ناحيةٍ أخرى ينافس موسكو على قيادة الترتيبات الأمنية والسياسية. حيث يمكن اعتبار العلاقة بين الطرفين في سوريا ليست تحالفًا، بل “تنسيق اضطراري” يمنع الصدام لكنه لا يلغي التنافس، حيث تتقاطع مصالح البلدين في عددٍ من الملفات الحيوية، ولا سيما في مجالات التعاون في قطاع الطاقة، والتنسيق حول التوازنات الإقليمية في البحر الأسود وجنوب القوقاز[20].

وتبرز الدول العربية -وخاصةً السعودية، والإمارات، ومصر، والأردن- بوصفها فاعلًا صاعدًا في سوريا الجديدة، إذ ترى في الفراغ السياسي القائم فرصةً لإعادة سوريا إلى محيطها العربي واستعادة التوازن الإقليمي. تُركز هذه الدول على دعم الاستقرار الداخلي، وتقليص النفوذ الإيراني، وتمهيد الطريق أمام مشاريع إعادة الإعمار. هذا الدور العربي يضع روسيا أمام معادلةٍ معقدة: فهي ترغب في الانفتاح العربي لتقوية شرعية وجودها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحضور العربي المتزايد يحدّ من قدرة إيران على التمدد، وهو ما قد يصبّ في مصلحة موسكو ولكن على المدى البعيد.

أما الولايات المتحدة، ورغم خفوت حضورها العسكري خلال السنوات الماضية، فإنها لا تزال الطرف الأكثر قدرةً على التأثير في مستقبل سوريا من خلال أدوات العقوبات، والدعم السياسي، وإدارة العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية. ترى واشنطن في سقوط الأسد فرصةً لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، ولمنع روسيا وإيران من تثبيت نفوذ طويل الأمد. وتُشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في بناء “خارطة نفوذ بديلة” تعتمد على دعم السلطات الجديدة وربط المساعدات بالإصلاحات السياسية[21]. حيث انتقلت العلاقة الروسية -الأمريكية في “سوريا الجديدة” من مرحلة الصدام العسكري بالوكالة إلى التنافس الجيوسياسي البارد؛ فبينما ترى واشنطن في سقوط الأسد فرصةً تاريخية لإعادة ترتيب موازين القوى وتقليص نفوذ موسكو وطهران عبر أدوات العقوبات وربط إعادة الإعمار بالإصلاحات السياسية، تتحرك روسيا براجماتيًا لموازنة هذا الاندفاع.

وتتجلى المقاربة الروسية في تقديم نفسها للسلطات الجديدة كشريكٍ أمني “تقني” يُوفر متطلبات السيادة دون شروط سياسية سيادية قاسية، محاولةً بذلك الحفاظ على ثقلها في المتوسط كأداة ضغط في ملفاتٍ دولية أوسع كالأزمة الأوكرانية. وبذلك، أصبح المشهد السوري ساحةً لـ التساكن القلق” بين القطبين، حيث تتقاطع مصالحهما اضطراريًا في منع الانهيار الأمني الشامل ومكافحة الإرهاب، بينما يتصارعان على كسب ولاء الدولة السورية الناشئة وتحديد خارطة النفوذ المستقبلية في المشرق العربي[22].

وتأتي الصين كفاعلٍ دولي صامت لكنه مؤثر، نظرًا لرؤيتها طويلة المدى في الشرق الأوسط ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. وترى بكين أن مرحلة ما بعد السقوط تمثل فرصةً اقتصادية مهمة في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والمناطق الصناعية، خصوصًا أن روسيا -المثقلة بالحرب في أوكرانيا- لا تستطيع تحمل تكاليف الاستثمار الضخم في سوريا الجديدة[23]، حيث يُرجح أن تصبح الصين منافسًا اقتصاديًا مباشرًا لروسيا في مرحلة إعادة الإعمار.

أما الاتحاد الأوروبي، فيتحرك من زاويةٍ مختلفة، تحكمها اعتبارات اللاجئين والاستقرار الإقليمي. وبحكم امتلاكه أكبر قدرة تمويلية بين القوى الدولية، يرى الأوروبيون أن مشاركتهم في إعادة الإعمار يجب أن تكون مشروطة ببيئة سياسية شفافة وحكومة انفتاحية. وقد بدأت مؤسسات الاتحاد في وضع أطر تعاون جديدة مع السلطات المحلية المدنية في سوريا، ما يُعيد توزيع النفوذ الاقتصادي لصالح جهة ليست روسيا ولا الولايات المتحدة.

وعلى صعيد الصراع العربي -الإسرائيلي، يُواجه النفوذ الروسي تحديًا وجوديًا يتمثل في كيفية الرد على الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة لاستمرار استباحة الأجواء السورية؛ إذ لم تعد موسكو قادرةً على التمسك بسياسة “التنسيق الصامت” مع تل أبيب دون المخاطرة بفقدان مصداقيتها أمام السلطة السورية الناشئة. وتتجه روسيا نحو تبني “دبلوماسية الردع التقني” عبر تعزيز القدرات الدفاعية للجيش السوري، خاصةً أنظمة الدفاع الجوي مثل S400 التي يسعى النظام الجديد في سوريا للحصول عليها، في محاولةٍ لفرض معادلة توازن تمنع إسرائيل من تقويض جهود الاستقرار التي تقودها موسكو. حيث إن مستقبل العلاقة بين دمشق وموسكو بات رهنًا بمدى قدرة الأخيرة على تحويل قواعدها العسكرية من مراكز مراقبة إلى حائط صد سيادي، وهو تحول من شأنه أن يرسخ مكانة روسيا كحليفٍ استراتيجي أو يدفع دمشق نحو البحث عن ضمانات أمنية دولية بديلة.

تأسيسًا على ما سبق، أصبح النفوذ الروسي محاطًا بطبقةٍ كثيفة من الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يُعاودون اليوم رسم خريطة سوريا الجديدة. فروسيا لم تعد الحليف الأول للنظام الحاكم، بل تحولت إلى طرفٍ داخل معادلة متعددة الأقطاب، تتقاطع فيها مصالح الدول العربية مع نفوذ تركيا وإيران، وتتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وأوروبا. وتدلّ هذه التفاعلات على أن مستقبل الوجود الروسي سيتوقف على قدرته على إدارة توازناتٍ دقيقة، لا على فرض الهيمنة كما كان في عهد النظام السابق.

خامسًا- انعكاسات سقوط الأسد على النفوذ الروسي في المنطقة العربية

أعاد سقوط نظام بشار الأسد تشكيل صورة النفوذ الروسي في المنطقة العربية بأكملها؛ إذ مثّل النظام السوري أحد أبرز ركائز الحضور الروسي في الشرق الأوسط منذ التدخل العسكري عام 2015. فقد كانت دمشق بالنسبة لموسكو منصةً لتحقيق ثلاثة أهدافٍ استراتيجية: تثبيت الوجود العسكري في شرق المتوسط، واختراق البنية الأمنية العربية، وموازنة النفوذ الأمريكي. ومع سقوط النظام، فقدت روسيا الإطار السياسي الذي كان يسمح لها بالعمل من داخل الدولة السورية بشكلٍ غير محدود، الأمر الذي فرض عليها إعادة تقييم دورها في المنطقة برمتها.

أحد أهم التأثيرات الإقليمية يتمثل في تراجع قدرة روسيا على استخدام سوريا كمنصة نفوذ عسكري -بحري. فالقواعد الروسية في حميميم وطرطوس كانت تمنح موسكو نفوذًا استراتيجيًا يسمح لها باختراق المجال البحري للمتوسط، وإدارة حضور عسكري مستمر. لكن بعد السقوط، بات وجود روسيا معتمدًا على تفاهمات مع السلطات الجديدة وليس على غطاء النظام القديم، ما جعل هذا الوجود أكثر هشاشةً وأقل قابليةً للاستدامة. ذلك، حيث تؤكد تقارير وتحليلات أن قدرة روسيا على استخدام سوريا كجسرٍ نحو شمال إفريقيا وشرق المتوسط لم تعد مضمونةً كما كانت قبل 2024[24].

كذلك، أثَّر سقوط النظام على صورة روسيا لدى العديد من الدول العربية. ففي العقد الأخير، كانت موسكو تُسوّق نفسها كـ “ضامنٍ للأنظمة”، وقوةٍ قادرة على الحفاظ على استقرار الدول الحليفة في وجه الصراعات الداخلية. إلا أن انهيار النظام السوري رغم الدعم الروسي الكثيف بعث برسالةٍ معاكسة: قدرة موسكو على حماية حلفائها ليست مطلقة. هذا التغيّر في الإدراك قد يدفع بعض الدول العربية إلى تبني سياسة “تنويع الشركاء” بدلًا من الاعتماد على روسيا في الملفات الأمنية الحساسة.

وتضررت أيضًا قدرة موسكو على التأثير في الصراع العربي -الإيراني. فطوال السنوات الماضية، لعبت روسيا دور “الوسيط المُرجِّح” بين المحور العربي والمحور الإيراني داخل سوريا، ما منحها مكانة توازنية في الإقليم. لكن بعد السقوط، تحولت المنافسة بين إيران وروسيا داخل سوريا إلى صراع نفوذ مباشر، الأمر الذي قلّص من قدرة موسكو على طرح نفسها كقوة محايدة قادرة على جَسر الهوة بين العرب وطهران. هذا لا سيما بعد التصدع في العلاقة بين موسكو وطهران بسبب موقف روسيا المتخاذل -من وجهة نظرٍ إيرانية- من حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران[25]، الأمر الذي يُشير إلى أن موسكو لم تعد تمتلك هامش المناورة الواسع الذي كانت تستثمره في سنوات الأسد.

كما أضعف السقوط قدرة روسيا على استخدام سوريا كورقة نفوذ في القضية الليبية واليمنية وملفات الطاقة. فلطالما كانت موسكو تستثمر موقعها في سوريا لعرض نفسها كقوةٍ موازنة في صراعات المنطقة، خصوصًا في ليبيا، حيث دعمت بعض الأطراف المسلحة، وفي أسواق الطاقة حيث وظفت حضورها السوري للتأثير على تدفقات الغاز. وفي ذلك إشارة جلية إلى أن تراجع الوجود الروسي في سوريا سيؤدي إلى انكماش قدرتها على المناورة في ملفات البحر الأحمر وشرق المتوسط[26].

أما على مستوى العلاقات الروسية -التركية، فالسقوط أدّى إلى اختلال توازن كان قائمًا بين الطرفين. فقد كانت سوريا أحد أهم ساحات المقايضة بين موسكو وأنقرة من ملفات إدلب إلى وحدات الحماية الكردية. لكن سقوط النظام أضعف أوراق روسيا في هذه المعادلة، فيما عزز نفوذ أنقرة بحكم حضورها العسكري والسياسي في الشمال السوري. لذا باتت روسيا اليوم شريكًا أقل قدرة على فرض الشروط، وأكثر حاجة إلى التفاهم مع تركيا في المنطقة[27].

ومما لا شك فيه، فإن مجمل تلك التحولات بعد السقوط سيتبعها تراجع في قدرة موسكو على استثمار سوريا كمنصة سياسية في علاقتها مع الولايات المتحدة. فقد خسرت روسيا الملف الذي كانت تستخدمه للتفاوض غير المباشر مع واشنطن حول أوكرانيا والعقوبات والأمن الإقليمي. وبهذا، فإن واشنطن ترى في سقوط النظام فرصةً لتقليص نفوذ روسيا وإيران معًا في العالم العربي، وهو ما يجعل موسكو معرضة لخسارة جيوسياسية في المعادلة الجديدة.

إجمالًا، مثّل سقوط الأسد ضربةً مزدوجة لروسيا: خسارة نفوذ مباشر داخل سوريا، وتآكل وزنها الإقليمي في الشرق الأوسط. فبدلًا من أن تكون سوريا منصةً توسعية، أصبحت عبئًا استراتيجيًا يحتاج إلى إعادة إدارة. وتدل المؤشرات الحالية على أن موسكو مضطرة للتعامل مع مرحلةٍ جديدة عنوانها: الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ بدلًا من تعظيمه، والتفاوض مع القوى الإقليمية والدولية بدلًا من الهيمنة على القرار السوري.

خاتمة: سيناريوهات ومسارات

يُمثّل سقوط نظام الأسد لحظةً انتقالية تُعيد صياغة موقع روسيا داخل سوريا والمنطقة، وتفتح الباب أمام مسارات متعددة تتراوح بين الانكماش التدريجي وإعادة التموضع البراجماتي، غير أن قراءة هذه السيناريوهات لا تكتمل دون فهم البعد الحضاري الذي يُشكّل إطارًا لوعي الشعوب العربية والإسلامية تجاه القوى الدولية. فالمنطقة لم تعد ترى الصراع من منظورٍ جغرافي -سياسي فحسب، بل من منظور “توازن بين إرادة الأمة” و”هيمنة القوى الخارجية”. وفي هذا السياق، تبدو روسيا اليوم أمام اختبار يتجاوز النفوذ العسكري، ليصل إلى شرعية الحضور وكيفية تلقيه مجتمعيًا داخل فضاء عربي -إسلامي يتغير بسرعة.

يُشير السيناريو الأول إلى انحسار الدور الروسي تدريجيًا بفعل غياب الحليف المركزي، وتعاظم دور الفاعلين من العرب وتركيا. هذا السيناريو يجد دعمه في افتراض أن المنطقة العربية تعيش اليوم “عودة الوعي بالذات” -ولو كان في دائرةٍ محدودة، ومحاولة استعادة استقلال القرار بعيدًا عن الوصايات الخارجية- ولو كان ذلك في مستوياتٍ تنظيرية. ويتّسق هذا الاتجاه مع تصاعد الدعوات للسيادة الوطنية، واستعادة الفعل الحضاري داخل المجال العربي، ورفض تحويل سوريا إلى ساحة تنازع دولي جديد.

في هذا السيناريو، تتحول سوريا من “ثقل يعتمد على حماية خارجية” إلى “مساحة مفتوحة لإعادة البناء الذاتي”؛ وهو مسار يتوافق مع تطلعات إرادة الشعوب ومنع الاستتباع. وتراجع النفوذ الروسي هنا ليس نتيجة قرار دولي فقط، بل جزء من إرادة عربية إسلامية تبحث عن مركزية دورها في محيطها. لكن ربما هذا السيناريو يحتاج إلى مزيدٍ من الوقت للتحقق.

السيناريو الثاني يتمثل في قدرة موسكو على إعادة بناء نفوذها عبر أدوات “غير صلبة”؛ كالاقتصاد، والوساطة السياسية، وتوثيق العلاقات مع مجموعات محلية وقوى اجتماعية. هذه الاستراتيجية تمثل محاولة روسية للانتقال من قوة “تفرض حضورها بالقوة” إلى قوةٍ “تنتج شبكات نفوذ عبر التفاهمات”.

ويُعدّ هذا السيناريو مؤشّرًا على انتقال المنطقة من “عصر التدخل المكشوف” إلى “عصر التفاوض متعدد الأقطاب”. وهو ما يتناغم مع اتجاهات رفض الاستبداد الخارجي، وإعطاء الأولوية لسياسة المصالح المشتركة وتحقيق المصلحة العامة (المصلحة المرسلة). فإذا اختارت روسيا هذا الطريق، فإنها ستضطر للقبول بقواعد جديدة في الإقليم تُعلي من شأن السيادة الوطنية، وتُقلل من حجم الهيمنة المباشرة.

ويتمثل السيناريو الثالث في شراكة روسية -إيرانية أقوى داخل سوريا الجديدة،هذا السيناريو يفترض أن تتجه روسيا إلى تعزيز تحالفها مع إيران لتعويض خسارة النظام، عبر تقاسم النفوذ داخل سوريا وخلق “نواة صلبة” تستمر في التأثير داخل المؤسسات الأمنية والسياسية. لكن هذا المسار يحمل مخاطر عالية، لأنه يُدخل روسيا في تنافس مع تركيا والدول العربية، ويجعل وجودها جزءًا من الاستقطاب الطائفي الذي تسعى المنطقة إلى تجاوزه.

يُعدّ هذا السيناريو الأكثر تهديدًا للاستقرار، لأنه يُعمّق التشظي داخل الأمة، ويُعيد إنتاج الانقسام المذهبي كأداة نفوذ سياسي يُعيد إنتاج نموذج التدخل الأجنبي الذي ترفضه الذاكرة الحضارية الإسلامية.

يتجه بعض المحللين إلى سيناريو رابع يرى أن روسيا قد تضطر بفعل الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى تقليص انخراطها في الشرق الأوسط، والتركيز على أولوياتها القارية (آسيا الوسطى – القوقاز – الشرق الأقصى). هذا السيناريو سيُحدث تحولًا مهمًا في بنية القوة داخل المنطقة العربية، إذ يترك مجالًا أوسع للحضور العربي والتركي. يتوافق هذا السيناريو مع “عودة المركزية المحلية” داخل العالم الإسلامي، إذ تستعيد المنطقة قدرتها على إدارة فضائها دون استقطاب خارجي.

والخلاصة على مستوى الأقطاب والتفاعل، أن سوريا ما بعد السقوط تتجه على الأغلب لتصبح ساحة “تعدد قوى” لا “هيمنة قوة واحدة”؛ حيث يتقاطع النفوذ العربي والتركي والأمريكي والصيني في شبكة تأثيرات متوازنة، وتصبح روسيا مجرد طرف من أطراف الطاقة الجيوسياسية لا الطرف الأكثر حضورًا.

هذا السيناريو يُعيد المنطقة إلى لحظةٍ تاريخية مشابهة لعصور التوازنات الكبرى، حين كان المجال الإسلامي قادرًا على المناورة بين قوى متعددة، ويستعيد جزءًا من “قرار المركز” الذي يؤثر ويتحكم في مختلف القوى والأقطاب.

ختامًا، فإن مستقبل الدور الروسي في سوريا والمنطقة لن يُحدَّد فقط بمدى قدرة موسكو على المناورة، بل بمدى قدرة المنطقة العربية والإسلامية على استعادة مركزيتها الحضارية، وهو أمر طويل المدى في ظل الضغوط والتعقيدات الراهنة.

 فالمعادلة اليوم ليست: “ماذا تريد روسيا؟” بل: ما مقدار الفراغ الذي تسمح به المنطقة لدور خارجي؟

وهذا الانتقال من سؤال “النفوذ” إلى سؤال “الفاعلية الحضارية” يُمثل التحدي الأكبر في المشهد الإقليمي بعد 2024.


باحث في العلوم السياسية.

[1] للمزيد، انظر: محمد شعبان أيوب، 80 عاما من العلاقات السورية الروسية، الجزيرة، 22 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 15 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://aja.ws/gdx8e2

[2]  رائد جبر، العلاقات الروسية – السورية في مواجهة التاريخ والسياسة، الشرق الأوسط، 23 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 15 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/2H1J

[3]  محمد شعبان أيوب، 80 عاما من العلاقات السورية الروسية، مرجع سابق.

[4]  ديميتري بريجع، روسيا وسوريا الجديدة.. تحديات المصالح وتحولات النفوذ، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 22 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 15 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/2H1Y

[5]  Dmitri Trenin, The Mythical Alliance: Russia’s Syria Policy, Carnegiee, 12 Feb 2013, Accessed: 16 Nov 20125, available at: https://url-shortener.me/2H27

[6] بشار نرش، المقاربة الجيوسياسية الروسية في منطقة البحر المتوسط، مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، 15 أغسطس 2024، تاريخ الاطلاع: 16 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1kPTB

[7]  وسيم شعبان، السلاح الروسي في سوريا… بين التجربة والابتكار، دفاع 21، سبتمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 17 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1kPXM

[8] بدر الشافعي، الدور الروسي في سوريا المحددات والاليات والمآلات، مجلة دراسات الشرق الأوسط، المجلد 22، العدد 84، 2018م، ص 13.

[9] سو تشو تينغ، التنافس الأمريكي الروسي في منطقة الشرق الأوسط: دراسة حالة سوريا (2011 – 2016)، المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، المجلد 9، العدد 18، يوليو 2024، ص34.

[10] نورهان الشيخ، تنامي الدور السياسي الروسي في الشرق الأوسط، مجلة دراسات الشرق أوسطية، مركز دراسات الشرق الأوسط، المجلد 23، العدد 89، 2019.

[11] Emil Avdaliani, Russia Keeps a Foothold in Post-Assad Syria, Stimson, 21 October 2025, Accessed: 25 Nov 2025, available at: https://2cm.es/1l8lJ

[12] Syria in 2025: Reconfiguring Its Position Between the United States, Russia, Iran, and Israel, Diplomat Magazine, 25 Nov 2025, Accessed: 25 Nov 2025, available at: https://2cm.es/1l8m5

[13] حسين عبد العزيز، الشرع في موسكو … الحاجة والضرورة، العربي الجديد، 22 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 25 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1gQh0

[14] Dario Cristiani, Russia Aims to Open a ‘New Page’ with Post-Assad Syria, Jamestown, 6 October 2025, Accessed: 25 Nov 2025, available at: https://2cm.es/1gf30

[15] Ibid

[16] الفوسفات وإعادة الإعمار.. قاعدة الشراكة الروسية السورية الجديدة، إرم بزنس، 21 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 26 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1gTol

[17] يوسف لطفي، انتكاسة شرق المتوسط: تداعيات سقوط النظام السوري على النفوذ الروسي وخيارات إعادة التموضع، الملتقى الإستراتيجي، 11 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1gf3G

[18] سوريا وروسيا وإلغاء الديون.. أبعاد استراتيجية لرسم مسار جديد، سكاي نيوز عربية، 3 مارس 2025، تاريخ الاطلاع: 25 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1gQix

[19] خفايا التصدعات بين روسيا وإيران بعد سقوط نظام بشار الأسد، سكاي نيوز عربية، 20 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1l8qc

[20] ديميتري بريجع، مستقبل العلاقات الروسية التركية بعد سقوط نظام الأسد، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 20 يناير 2025، تاريخ الاطلاع 27 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1l8rE

[21]  David Schenker, After Assad: The Future of Syria, Washington Institute, 5 Jun 2025, Accessed: 27 Nov 2025, available at: https://2cm.es/1gf7E

[22] Syria in 2025: Reconfiguring Its Position Between the United States, Russia, Iran, and Israel, Op. cit.

[23] محمد سالم، ما بعد الأسد: مستقبل العلاقات السورية الصينية في نظام عالمي متحوّل، مركز الحوار السوري، 17 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 30 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2cm.es/1gf8Z

[24] Anas El Gomati, Russia’s Evolving Strategy in the Mediterranean: Betting on North Africa?, ISPI, 8 Dec 2025, Accessed: 8 Dec 2025, available at: https://2cm.es/1gi-r

[25] محمد عزت، لماذا تخلت روسيا عن إيران في حربها مع إسرائيل؟، الجزيرة، 25 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://aja.ws/uon33w

[26] Mohanad Hage Ali, After Assad: Russia’s Role and Leverage in the Middle East, 8 Dec 2025, Accessed: 9 Dec 2025, available at: https://2cm.es/1lcuV

[27] ديميتري بريجع، مستقبل العلاقات الروسية التركية بعد سقوط نظام الأسد، مرجع سابق.

نشر في العدد 40 من فصلية قضايا ونظرات – يناير 2026

محمود عاشور مؤمن

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى