تقارير ودراسات

اللغة العربية بين الهدر والقهر

تُعَدُّ اللغة أحد العناصر الأساسية للهوية ووسيلة الاتصال والتواصل بين أعضاء الجماعة المنتمين لها وتراث هذه الجماعة ومخزونها الثقافى وبالتالي لا بد لأهلها من الحفاظ عليها والعناية بشأنها، وإذا كانت اللغة العربية قد شرفها الله بأن أنزل بها كتابه الأخير للعالمين، فإنها تضحى لغة شريفة لا يجوز بحال إهمالها أو التهاون بشأنها، ولأنها لغة القرآن الكريم الذى جعله الله -سبحانه وتعالى- رسالة الهداية للعالمين فإن إدراك أسرار هذه الرسالة لا يكون إلا بالتواصل معها عن طريق اللغة التى نزلت بها، وإذا كان علماء الأمة الإسلامية على مَرِّ العصور قد اعتنوا بالقرآن والسنة الشريفة، اللذيْن هما عماد هذه الدعوة ومنطلقها، فإنهم قد قاموا بإيلائهما كل هذا الاهتمام عن طريق اللغة العربية، بل إن العديد من العلوم المتعلقة باللغة قد نشأت فى الأساس خدمة لهذا الكتاب العظيم وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشرفة، ومن هنا كان سبيل استنهاض هذه الأمة وتلمُّسها لطريق النهضة إنما يكون بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا العَوْدُ لن يكون إلا من خلال اللغة العربية والاعتناء بها والحفاظ عليها والذَّوْدِ عن تُهَمِ المتغرِّبين واستهانات الحاقدين على انتمائنا العربي والإسلامي، كي نفهم التوجيهات والإرشادات الإلهية والنبوية، ولكي نستوعب جهود علماء الأمة في خدمة هذا الدين، واعتنائهم بالقرآن والسنة من طريق صحيح، وليس عن طريق الخيالات والتصورات التى تنتج عند إنزال معاني اللغة المتداولة على النصوص المقدسة، فإذ بنا نذهب بعيدًا عن مرامي النص الإلهي والنبوي، مما يتسبَّب في تشويه الطريق المؤدِّي إلى الفهم الصحيح، وإذ بالخرافة تنتشر.. والجهل يتمكَّن.. والتشدد يستفحل، ولا نجد أنفسنا إلا منغلقين على ذواتنا، منهمكين في صراعات لا يستفيد منها إلا الأعداء والشيطان، ولا ننفك ندور في هذه الحلقة المفرغة غير متمكنين من أداء رسالتنا للعالمين، منصرفين بتقصيرنا عن الريادة وحمل لواء التقدم والنهضة وتبصير العالم بمهمة الإنسان فى الكون، بدلاً من أن نكون في ذيل الأمم وطوع بنانها.
وليس خافيًا ما تتعرَّض له اللغة العربية من هجمات وما يَعْتَرِضُها من تحديات، من مثل طغيان اللغات الأجنبية عليها في المجالات العلمية والتعليمية، حتى إنها لمْ تعُد اللغة المفضلة (وإنْ وظيفيًّا) للدراسة في الجامعات العربية، وصارت الجامعات والمعاهد التعليمية في الوطن العربي “مستوطنات لغوية” بتعبير الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، وذلك سير فى عكس اتجاه سير دول العالم التى تحترم نفسها بتدريس المناهج العلمية والتقنية بلغاتها الأم، وليس بمهرجان اللغات الذي استشرى فى بلادنا، إلى جانب ضعف تدريس اللغة العربية في العديد من البلدان العربية، وجهل أبنائها بأبسط قواعدها، بالإضافة إلى إهمال الإعلام للغة العربية بل ومشاركته في إضعافها عن طريق استخدام المصطلحات والألفاظ الأجنبية دون داعٍ يُذكر، حتى بدأ استخدام اللهجات الدارجة أو العامية فى مناطق كانت محرَّمة فيها تمامًا مثل نشرات الأخبار وتنويهات القنوات التليفزيونية والإعلانات المكتوبة وفي الكثير من موضوعات الصحف.. وغير ذلك من أمور تجتمع لتؤدِّي في النهاية إلى ضعف اللغة العربية وضعف موقفها وموقف أبنائها الناطقين بها.
إن الدعوة لإحياء العربية من رقادها (لا نقول موتها) لا تعني أن نستبعد ونحن ننظر إلى الأمة الإسلامية شعوبًا أخرى تدين بالإسلام ولا تتحدث العربية كالترك والفرس والماليي أو حتى المسلمين الأوروبيين والأمريكان وغيرهم، كلا.. إننا نتحدث لا عن دين أو عقيدة فقط، بل عن حضارة هي الحضارة الإسلامية، وعن عنصر أصيل ومحوري وثابت في هذه الحضارة هو اللغة العربية، التى يمكن أن نصفها بأنها لغة هذه الحضارة، فالعلاقة الثابتة بين الإسلام والعروبة تفرض علينا منذ البداية أن نؤكِّدَ ذلك الاقتناع بأنه لا عروبة دون إسلام ولا إسلام دون عروبة، كما يقول الدكتور حامد ربيع، وإحياء العربية هو الذي سيساعد هذه الحضارة على أن تضطلع بدورها وأن تؤدي وظيفتها في تعمير الكون.
إن هذه الورقة تستهدف في قراءتها لحال اللغة العربية في المشهد الثقافي للأمة الإسلامية أن تبرز أثر عدم الاهتمام باللغة على قضية الهوية والانتماء، فالحس القومي تأثر كثيرًا، بالسلب، جرَّاء تداعي أوضاع اللغة العربية وإهدارها، وأن تبرز أثر مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية في معاهدنا التعليمية، كما تلقي الضوء على تراجع الاهتمام باللغة العربية في وسائل الإعلام وسوق العمل وأوساط الشباب والحركات والقوى السياسية بل وفي مجال الدعوة الدينية، لا سيما بين أوساط ما يطلق عليهم (الدعاة الجدد).
وتضرب الورقة نموذجًا لعمل مجامع اللغة العربية وتحاول قراءة وتقدير آثارها في المجتمع، فقد قيَّضَ الله –سبحانه وتعالى– لهذه الأمة مجامع لغوية تضطلع بمهمة الحفاظ على اللغة ونشر علومها، وبيان إمكانية مسايرتها للواقع المعاصر وتطوراته العلمية والثقافية، فقامت بهذا الواجب منذ نشأتها قبل عشرات السنين في العديد من الأقطار العربية، بيد أن تطاول السنين على هذه المؤسسات قد تباينت آثاره عليها، إيجابًا وسلبًا، صعودًا وهبوطًا، وبالرغم من قوة هذه المؤسسات إلا أن الريح العاتية التي واجهتها تركت من الغبار، بل والسخام، على مرِّ الأيام ما نراه ماثلا أمام أعيننا من اهتزاز مكانة اللغة العربية في نفوس العرب، فضلا عن غيرهم، واعوجاج الألسنة في نطقها، والانحراف عنها بغيرها من لغات الغرب في التعليم والإعلام والعمل، حتى وصل إلى ألسنة الصغار والكبار، وفي خطابات المؤسسات العامة والخاصة، إلى غير ذلك من مآسٍ تتصل باللغة، نُعَايِنُها ونُعَانِي آثارها منذ زمن وحتى وقتنا الراهن.
فتحاول الورقة بيان دور هذه المجامع من حيث إصداراتها المعجمية واللغوية ومجلاتها الدورية ونشرها للتراث وتنظيمها للمسابقات اللغوية والفكرية والأدبية، وجهودها فى تيسير اللغة وتواصلها مع المجتمع بمختلف مكوناته عن طريق تواصل المؤسسة وأعضائها مع الإعلام وغيره، واستخدامها للإمكانات المتاحة لها أو تَحَرُّزها عن استخدام كل ما تملك، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني التي تتعامل مع قضايا اللغة العربية، وستحاول الورقة – بإذن الله – أن ترصد وضع اللغة العربية لدى العرب المهاجرين في الدول غير العربية سواء من ناحية ضياعها بينهم أو اهتمامهم بها في الوقت ذاته.
وتسعى هذه الورقة أيضًا إلى الإشارة إلى بعض التحركات الإيجابية من الشعوب غير العربية تجاه اللغة العربية عن طريق تعلمها والاهتمام بها، وتكوُّن مجتمعات أكاديمية عربية في دول مثل ماليزيا وتركيا وإيران، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على مدى التواصل والتعارف بين هذه الشعوب ومستوى التقارب بينها على مستويات عدَّة اجتماعيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وإن كان هذا التقارب ينبع ويصب غالبًا في المجتمعات غير العربية التي تنتفع بشكل أكبر من التأثير السياسي والثقافي وارتفاع مستوى التبادل التجاري والسياحة العربية في هذه الدول، أما المجتمعات العربية فلها النزر اليسير من هذا التقارب.
كما نُبَيِّنُ مدى الاهتمام العالمي بالتواصل مع الشعوب العربية ومخاطبتها بواسطة اللغة العربية، وهو أمر جدير بالاهتمام؛ حيث تهتم العديد من القوى الدولية والإقليمية بصياغة هذا التواصل عن طريق العربية عبر وسائل الإعلام المختلفة، بل إن إسرائيل بدا أنها تهتم اهتمامًا كبيرًا وممنهجًا حيث يتم تدريس اللغة العربية من المرحلة الابتدائية، الأمر الذي ستكون له عواقب يجب التنبه لها والاستعداد لمواجهتها.

■ أولا- العرب واللغة العربية:

من الواضح للعيان أن حال اللغة العربية بين أهلها لا يَسُرُّ بأي حال من الأحوال فكما ذُكِرَ في مقدمة هذه الورقة فإن اللغة العربية تقف أمامها العديد من التحديات، مثل طغيان اللغات الأجنبية في مجالات التعليم والعمل، وأنها لم تعد اللغة المفضلة في المؤسسات التعليمية أو التعامل في مجالات العمل الحديثة، وشاع استخدام الألفاظ الأجنبية في الأحاديث اليومية، وفي برامج الإعلام المختلفة، بل وصل الأمر منذ سنوات إلى اعتماد العامية في حلبة السياسة وخطاب رجالها ومؤسساتها، وأيضًا فإن العامية صارت تمثل جزءًا معتبرًا من الخطاب الديني المعاصر، إلى جانب كل ما سبق فإن لدينا مؤسسات حُمِّلَتْ أمانة حفظ اللغة العربية ورعايتها أو حملت هي على عاتقها من تلقاء نفسها قدرًا من هذه المهمة فالأولى كالمجامع اللغوية، والأخيرة مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بشأن اللغة العربية، فمن المهم التوقف عند أدائها وقراءة نماذج عملها، كما سنُعَرِّجُ على وضع اللغة العربية بين أهلها المهاجرين إلى أقوام لا يتحدثون بها وذكر وضعها بينهم وبعض الجهود التي يبذلونها من أجل الحفاظ عليها لديهم ولدى أبنائهم.

● التعليم:

انتشرت المدارس والجامعات الأجنبية في بلادنا انتشار النار في الهشيم، فلا يكاد يخلو قطر من مدارس أجنبية أو وطنية تدرس موادها التعليمية باللغات المختلفة، وصارت أقطارنا العربية تتباهى بالجامعات الأجنبية التي تنشئ فروعًا لها على أراضيها، وتعلم الطلاب بغير العربية، دون تقدير جيد للعواقب التي تنتج عن هذا المسلك، أو معالجة صريحة وواقعية لآثاره السلبية.
لقد توقفت مليًّا عند ما ذكره الأستاذ فاروق جويدة في مقال له تحت عنوان (هل يبقى الخليج عربيًّا؟!) ذكر فيه حوارًا دار بينه وبين د.جون مارجوليس أستاذ الصحافة وعميد كلية (نورث ويسترن) للصحافة والإعلام في مؤسسة قطر التي تضم فروعا لست جامعات أمريكية كبرى، عن تدريس اللغة العربية في أقسام الصحافة والإعلام؟ فأجابه بإجابة ينبغي أن نتوقف أمامها كثيرًا كي نستخلص تلك الرؤية التي تقف خلف هذه المؤسسات؛ حيث دار الحوار على النحو التالي: سأله الأستاذ فاروق جويدة قائلا: ما هو الموقف بالنسبة لتدريس اللغة العربية في أقسام الصحافة والإعلام؟ فقال: لا توجد برامج لتدريس اللغة العربية لدينا على الإطلاق، إن الدراسة في كل الكليات باللغة الإنجليزية فقط‏،‏ فقال جويدة: هذا جائز في دراسة الطب والهندسة ولكن أقسام الصحافة والإعلام يتخرج منها أشخاص يعملون في أجهزة الإعلام في الدول العربية، واللغة العربية هي أساس المخاطبة والتفاهم والحوار.. قال: هذا جائز في مصر حيث يتحدث 80 مليون مواطن مصري باللغة العربية، ولكن هنا في دول الخليج كل الأجيال الجديدة لا تتحدث اللغة العربية، الجميع يتحدث الإنجليزية، نحن هنا نطبق النموذج الأمريكي في الحياة، وطن واحد متعدِّد الجنسيَّات والعقائد واللغات، والإنجليزية هنا هي المستقبل، وتساءل د. جون: هل تعتقد أن الخليج العربي سيبقى عربيًّا..؟ إن أغلبية السكان هنا من الهنود والباكستانيين والإيرانيين والأوروبيين ومن جنسيات أخرى عديدة، ولكل جنسية لغتها، ولكن الذي يجمعهم هو اللغة الإنجليزية وليست اللغة العربية، كما أن العمل في المؤسسات الخاصة والعامة يجري باللغة الإنجليزية.. الخليج سيكون في المستقبل نموذجًا يُشبه ما حدث في أمريكا.. ولن يبقى الخليج عربيًّا؟
من هذا الحوار الصادم يتبين لنا كيف يكون الإطار الذي تعمل فيه هذه المؤسسات، إنها تعمل على عولمة النموذج الأمريكي، فضلا عن أننا لا يجوز أن ننسى الدور الحضاري للجامعة في الفكر والتاريخ الغربيين، فمفهوم الوحدة الأوروبية -مثلا- يستمد مصادره الحقيقية من «جامعة باريس» خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، و«جامعة اللايتران» فى روما كانت جامعة حضارية تدافع عن الكاثوليكية السياسية، وإسرائيل حين نشأت كانت مسبوقة قبلها بأربع وعشرين سنة بـ«الجامعة العبرية» فى القدس (1925م)، ومن الواضح أن من بين الأدوار الحضارية التي تقوم بها جامعات الغرب هو محو الهوية العربية عن طريق التغريب والتدريس باللغة الإنجليزية عبر فروعها في الدول العربية، على أنه من المهم التذكير بالأزهر الشريف كجامعة إسلامية أدت دورًا حضاريًّا بالغ الأهمية حتى الستينيات من القرن الماضي[1].
إلى جانب ما سبق فإنه يجدر بنا التوقف أيضًا عند عدد من الأرقام المخيفة التي يذكرها فاروق جويدة في مقاله السالف الإشارة إليه،‏ ففي دول الخليج الست: السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعمان 13 مليون أجنبي يمثلون 37٪ من حجم سكان هذه الدول الذي يبلغ 35 مليون نسمة.. في دولة قطر على سبيل المثال 81٪ ‏من العمالة جاءت من آسيا و5٪ فقط من الدول العربية.. يضاف لذلك أن عدد السكان العرب في دول الخليج أصبح هو الأقلية بينما الأغلبية من العاملين الأجانب.. إن أهالي قطر يمثلون 30٪ من السكان وأهالي الكويت 44٪ من السكان والبحرين 49٪ والإمارات أقل من 20٪ من السكان.. وفي دولة الإمارات العربية يبلغ عدد العاملين في أجهزة (الدولة!) 630 ألف عامل من بينهم 255 ألفا فقط من المواطنين الإماراتيين..
إن التعليم الأجنبي في ظل هذه الأرقام التي تعبر عن ديموغرافية هذه المنطقة (الخليج) يكتسب بعدًا آخر، إنه يرسخ هذا الخلل الديموغرافي، ويسعى لتغييره، فهذا الوضع يغري بمزيد من الوافدين الأجانب، حيث سيتلقى أبناؤهم تعليمًا متميزًا بلغة عالمية، والوظائف مضمونة إن في القطاع الخاص أو في أجهزة الدولة كما هو الحال في الإمارات، دعك الآن من أن الجمهور صار يفضل التعليم الأجنبي وتشيع في ثنايا أحاديثه مصطلحات أجنبية، ذلك أن المغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بالغالب كما يقول ابن خلدون، لكن واجب النخبة التي تقوم بالتدريس والمسؤولين في الدوائر الحكومية المختصين بوضع إستراتيجية التعليم في بلادهم أن يراعوا هذه القضايا، ويتخذوا إزاءها السياسة اللازمة لدرء مخاطر التبعية الثقافية وطغيان اللغات الأجنبية على اللسان العربي.
وليس الأمر في الخليج وحسب، بل إن التعليم في دولةٍ ركنٍ مثل مصر يمثل معضلة حقيقية، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على نخبة تلقن أبناءها تعليمًا أجنبيًّا منذ زمن بعيد، بل إن الأمر انتقل إلى قطاعات أخرى من ميسوري الحال؛ حيث صار التعليم الأساسي يشتمل على ما يُسمَّى بالمدارس التجريبية التي تمثل النسخة الحكومية المُشَوَّهة لمدارس اللغات الأجنبية، وإذا انتقلنا للجامعة سنجد انتشار أقسام اللغات الأجنبية في كليات الحقوق والتجارة والاقتصاد والعلوم السياسية وغيرها، ويتم الالتحاق فيها برسوم مادية أغلى من الأقسام التي يتم التدريس فيها بالعربية، وبالتالي تصبح ذات ميزة أرفع، تزيد من رغبة الطلاب في الالتحاق بها، وتتسبب في ذات الوقت في ازدراء الدراسة باللغة العربية، وهو ما يؤدي مع تراكم الوقت إلى ازدراء للغة العربية ذاتها مع إكبار واعتزاز باللغات الأجنبية التي توفر فرصة العمل ومصدر الكسب.
إن المدارس الأجنبية[2] في بلادنا صارت بوابة للخروج من المجتمع، بدلا من أن تكون عاملا من عوامل نهضته وتقدمه بجلب خبرات ونظم ومناهج أكثر تقدمًا، إن هذه المدارس والجامعات الأجنبية تتسابق فيما بينها لكي تهيئ الطلاب للهجرة[3]، إن الاهتمام باللغة العربية ينبغي أن يتوازى مع، ويتضمن أيضًا منظورًا حضاريًّا يحافظ على العقول العربية التي يهاجر منها ضعف العقول الهندية والصينية التي هجرت أوطانها مجتمعة، كما يذكر أنطوان زحلان[4].
وفي المقابل فإن حال اللغة العربية في التعليم الحكومي لا يسر، وإتقان اللغة العربية لدى الطلاب أمر شاق عسير لا يكاد يوجد إلا نادرًا، يمكننا أن نستثني النظام التعليمي السوري من هذا الأمر إلى حد كبير، فإجمالا لا يعد الاهتمام بمستوى تعليم اللغة العربية في المدارس والجامعات من أولويات النظام التعليمي بحال، ويندر أن تجد معلمًا يتحدث الفصحى في أدائه لواجبه التعليمي، حتى أساتذة ومدرسي اللغة العربية، حتى صار الدارسون يجدون صعوبة في فهم من يفعل ذلك من الأساتذة والمدرسين، وهو الأمر الذي انعكس بالسلب على الحس القومي والانتماء الوطني في كافة مجالات الحياة كما سنرى فيما يلي عند الحديث عن العمل والإعلام والسياسة وغيرها.

● الإعلام:

أما الإعلام فحدِّثْ ولا حرج، فقد صار نتيجة طبيعية لإهمال اللغة العربية في مجال الإعلام، أن ينحدر مستوى الخطاب الإعلامي، ليس على مستوى استخدام العامية فحسب، بل وصل الأمر إلى حدِّ الشتائم بأقذع الأفاظ بين المتحاورين أو المتصارعين، ولا شك في أن تردِّي مستوى الحوار إنما يعود إلى إهمال اللغة العربية، إن الالتزام بقواعد اللغة والاهتمام بها قيدٌ في حدِّ ذاته على المتكلم؛ لينتخب كل كلمة يتفوَّه بها، ويجري عملية عقلية يراعي فيها آثار كلامه، أما إطْلاق العنان ليتحدَّث المرء بالعامية فذلك يساعده في حالتي الانفعال والانبساط على حدٍّ سواء إلى الانزلاق نحو التفوه بألفاظ خارجة أو خادشة للحياء إن كان ممن يعتاد مثلها في حديثه الدارج.
إن نظرة خاطفة على أشهر البرامج التليفزيونية أو إنصاتا سريعًا للبرامج الإذاعية أو تصفحًا متعجِّلا للصحف والمجلات السيارة أو للمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت، سيكشف بوضوح وبما لا يدع مجالا للشك، مدى ما وصلنا إليه من تراجع في الحفاظ على اللغة العربية واحترامها، فالمستوى الركيك الذي يتحدث به المذيعون ومقدمي البرامج صار مخجلا، ومحاولتهم الحديث بالفصحى في بعض الأحيان، تثير الخجل أكثر من إثارتها للتشجيع والإطراء، والأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية في عناوين الصحف فضلا عن متون أخبارها ومقالاتها، فضيحة على كل المستويات، وتخطت بعض الصحف والمجلات مسألة الكتابة بالعامية، إلى إدخال الإنجليزية في الكتابة الصحفية بها على سبيل التحديث وركوب الموجة الشبابية!! بل إن بعض المجلات تكتب الآن العربية بحروف لاتينية (فرانكوآراب)!! إن مؤشر اللغة المتراجع إلى أقصى درجاته صار ينبئ بحق عن حالنا المتردي، فكما يقول ابن حزم فإن (اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال).
الأمر المؤسف أيضًا أن هذا الاستخدام المفرط في العامية يمثل اتجاهًا يكاد يكون عامًّا وغالبًا لدى قطاعات كبيرة من الشباب الذين ستقوم على أكتافهم هذه الوسائل الإعلامية، مما يجعلنا نتنبَّأ بمستقبل أكثر ظلامًا للغة في وسائل الإعلام بخاصة وفي تواصل المجتمع بعامة، ما لم تقم بين هذه القطاعات من الشباب صحوة تدفع إلى تغيير هذا الاتجاه بينهم، والله قادر عليم.

● العمل والصناعة:

صار سوق العمل الآن غاصًّا بالمؤسسات التي طلَّقت العربية ورمتها خلف ظهورها، وأصبحت تشترط للعمل إجادة اللغات الأجنبية، دون حاجة ملحة سوى استيفاء (المتطلبات الاجتماعية للشركات!!) إن صحَّ التعبير، وصار على المتقدمين للعمل أن يملؤوا استمارات تقديم باللغة الإنجليزية أو غيرها، فضلا عن تعامل الكثير من الشركات الآن باللغة الإنجليزية ابتداءً في تواصلها مع العملاء، لاسيما شركات الاتصالات والبنوك والخدمات المختلفة، دون انتظار لتبيُّن لغة العميل التي يتعامل بها، مع أن القاعدة التي ينبغي أن تتعامل هذه الشركات على أساسها هي التعامل مع عملائها باللغة الأم لها ابتداءً، وأضحت مخاطبات هذه الشركات بغير العربية، ومواقع كثير منها على شبكة الإنترنت بالإنجليزية غالبًا، الأمر الذي يثير التساؤل حول استهدافها للجمهور المستفيد حقيقة من نشاطات هذه الشركات، التي تتعامل مع قطاعات كبيرة من الجمهور العربي.
وفى مجال الصناعة أيضًا باتت المؤسسات والهيئات الصناعية تسمي منتجاتها بأسماء أجنبية تكون في غالب الأحيان أسماء محايدة لا علاقة لها بالمنتج، أو لها علاقة من بعيد أو حتى من قريب، فليست صلة الاسم بالمنتج هى القضية، بل القضية تتعلق باستخدام غير اللغة العربية فى التعامل مع العرب.
إن الأمر يكون مفهومًا حين تهتم هذه الشركات بجمهورها الأجنبي، وهو أمر يمكن أن يكون محمودًا إن كان على هذا النحو، أما حين يكون على نحو ما نراه من مخاطبة الجمهور العربي، بغض النظر عن إدراكه للمحتوى المقدم عبر هذا التعامل أو التخاطب من عدمه، فإنه أمر يجب أن يكون محل استهجان النخبة والعامة على حدٍّ سواء، لكنه ولع المغلوب بالاقتداء بالغالب.

● السياسة:

لم يكن مناسبًا أن تتخلف السياسة والحال كذلك عن ركب إهانة اللغة العربية، فلقد صارت العديد من المؤتمرات السياسية تعقد في الدول العربية بمشاركة وربما برعاية حكومية وتناقش قضايا مختلفة، عالمية أو محلية لها صبغة العالمية أو ليست لها هذه الصبغة أو غير ذلك، ولا تكون العربية لغتها الرئيسية، وتجد لافتات بغير العربية للتعريف بالمؤتمر تملأ أروقته وخلف منصَّته الرئيسية، وبطاقات التعريف بالحاضرين وأوراق المؤتمر والتسجيل، كل هذا بغير العربية، وعلى الرغم من إمكانية تحدث المسؤولين السياسيين بالعربية في المحافل واللقاءات الدولية إلا أن العديد من المسؤولين العرب يأبى إلا أن يتحدث بغير لغته الأم، وأحيانًا يفعلون ذلك في بلدهم، في الوقت الذي نرى فيه الكثير من السياسيين الغربيين والشرقيين يتمسكون بالحديث بلغاتهم الأصلية.

ومسايرة للتقاليع السائدة بشأن استخدام العامية، انبرت القوى السياسية في استخدامها في شعاراتها وحملاتها، وإذا اقتصرنا على النموذج المصري لظروف تتعلق بحجم هذه الورقة، ولما نراه من كفاية دلالته في هذا السياق، سنجد ذخيرة كافية لقتل اللغة العربية مرات تلو مرات.
فقد فاجأ الحزب الوطنى الديمقراطي الحاكم (سابقًا) في مصر، الجمهور في عام 2007 بشعار مؤتمره العام الذي جاءت صياغته (مصر بتتقدم بينا)، وكان هذا الشعار مقدمة لسلسلة من الاستخدامات السياسية للعامية، فقد حمل الشعار الانتخابي للحزب في انتخابات مجلس الشعب المصري 2010 جملة (علشان تطمن على مستقبل ولادك)، العجيب في ما يخص شعارات الحزب الوطني أنه بعد أن استخدم الشعار الأول عاد لاستخدام الفصحى فلم يفهم القوم مراده من الشعار، حيث كان شعار مؤتمر 2009 (من أجلك أنت) فكانت كلمة (أنت) ملغزة إلى حد بعيد، هل يقصد بها المواطن، أم يقصد بها عضو الحزب الوطني، أم يقصد بها نجل الرئيس الذي كانت تظن العديد من القوى السياسية تطلعه وسعيه لاعتلاء عرش مصر؟
وتكرر الأمر مع القوى السياسية المعارضة، فحزب الوفد في حملته الإعلانية الخاصة بالمشاركة السياسية وانتخابات مجلس الشعب 2010 جملة من الاستخدامات للعامية، ففي أحد الإعلانات على شبكة الإنترنت تمت الصياغة على النحو التالي: (لما تبقى بتشتكي من المشاكل الاقتصادية ومستوى التعليم… ومفكرتش ولا مرة تنضم لحزب سياسي وتشارك بطريقة إيجابية علشان تغيَّر وتحل المشاكل دي، بداية الحل بيبتدي بإنك تقوي أحزاب تانية علشان تخدمك بجد، وساعتها هيبقى عندك اختيارات كتيرة وبتحقق التغيير بجد، عايز تغير.. انضم للوفد)، وفي آخر: (من غير أحزاب قوية مفيش حاجة هتتغيَّر، ومش كفاية حزب واحد يردد في إنجازات)(*).
بل إن الإخوان المسلمين الذين يحمل خطابهم السياسي والدعوي حفاظًا على الأنماط الخاصة باستخدام الفصحى والتأكيد على أهمية اللغة العربية، تسلل إليهم هذا الداء، فالشباب في الجامعات يقومون بحملات سياسية ودعوية تخلط بين الفصحى والعامية، وفي الانتخابات التشريعية 2010 في مصر قام طلاب الإخوان في الجامعات المصرية بتدشين حملة (صوتك واصل) لتشجيع الطلاب على التصويت في الانتخابات، وكان من بين رسائل الحملة: (بص يا سيدى يوم الأحد[5] حاسم فى تاريخ مصر فرصة مش هتتكرر)، و(بإيدك تعمل كتير) و(بإيجابيتك هتفرق كتير) و(ارصد.. هنبذل كل جهد عشان نفضح كل مزور بكاميرا أو موبايل أو كلمة حق)[6]، و(سكتناله دخل بحماره.. وهنسكت لامتى!!) وغيرها. ولا يقتصر الأمر على الشباب فقط، بل قام بعض نواب الإخوان في مجلس الشعب بتعليق لافتات خدمية مكتوبة بالعامية، مثل تلك التي تخاطب طلبة الثانوية العامة!! جاء فيها: (لو عايز تعرف النتيجة بمجرد ما تنزل على النت وحدّ يساعدك في ملىء رغبات التنسيق كل ده في مكتب الأستاذ (..) عضو مجلس الشعب) وهنا نلحظ بجانب اللغة المتدنية والصياغة الركيكة، الإملاءَ السخيف، وقد تركته على حاله حتى أثبت إلى أي مدى وصل الإهمال للغة العربية حتى من قِبَل فصيل سياسي يرفع شعارات ويطرح برامج يُفترض أن مضمونها يشتمل ضمن ما يشتمل الحفاظ على اللغة العربية.
إلى جانب هذه القوى السياسية البارزة، فإن الحركات السياسية المعارضة الجديدة والتي تتميز بحضور كبير من الشباب لم تسلم من هذه الآفة مثل حركات كفاية و6 إبريل وغيرها، حتى في أسماء هذه الحركات أحيانًا، مثل حركة (مايحكمشي) وهو مصطلح ذو دلالة مبتذلة في الوعي المصري، على أن الناظر في حال السياسة العربية يوقن من سوء أحوالها وتَرَدِّي أوضاعها، الأمر الذي يثبت صحة مقولة ابن حزم (اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال).

● المجتمع المدني:

لا تُمَثِّل اللغة العربية للعديد من مؤسسات المجتمع المدني في عالمنا العربي شيئًا ذا بال، والاطلاع على دعاية هذه المؤسسات ومستنداتها يُبَيِّنُ ذلك بوضوح شديد، على أنه لا يجوز لنا إغفال جهود عدد من المؤسسات التي حملت على عاتقها مهام تتعلق بالحفاظ على اللغة العربية وصيانتها، ولا بد من الإشادة ببعض المبادرات في هذا الصدد، التي تعبر عن نوع من المقاومة.
ففي المغرب حيث تتفشى الفرنسية في الحديث والتواصل، وعلى واجهات المحال التجارية، نشأت الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية في 17/3/2007، والتي يرأسها الأستاذ الجامعي موسى الشامي، وهو أستاذ للغة الفرنسية بكلية علوم التربية سابقًا، أسس مع عدد من الأكاديميين واللغويين المغاربة هذه الجمعية لمواجهة الهجمات الشرسة التي تستهدف اللغة العربية، وخاصة من الجهات الفرانكفونية التي تحاول تحقير اللغة العربية[7]، وتعمل الجمعية المغربية على حماية اللغة العربية وتنظم المؤتمرات والفعاليات المختلفة من أجل هذا الغرض، ومما يلفت الانتباه في المغرب ويستحق الإشادة والتشجيع، أن هناك تيارًا متناميًا يحاول الحفاظ على اللغة العربية في مواجهة الهجوم الفرنسي المستشري هناك، فمن هذه الجهود مبادرة (بلا فرنسية) التي أنشأت مدونة جماعية على شبكة الإنترنت[8] تهتم بموضوع الاستقلال الثقافي واللغوي بالمغرب وتتابع الأحداث المتعلقة بهذه القضية، وأنتجت فرقة موسيقية أغنية شبابية تدعم فكرة المشروع وتحمل اسمه[9].
وفي مصر يختص عدد من الجمعيات باللغة العربية، مثل لسان العرب، وحماة اللغة العربية، وغيرهما، لكن من الجدير بالذكر الإشارة إلى ما تقوم به إحدى المؤسسات الخاصة في مصر وهي ساقية عبد المنعم الصاوي، حيث تعمل على تنسيق والقيام بأنشطة تتعلق بالحفاظ على اللغة العربية، وخصصت عام 2006 كعام خاص باللغة العربية، ولا تزال الأنشطة التي انطلقت خلاله تنظم حتى الآن، فهي تقدم دروسًا مجانية في النحو والصرف والبلاغة، وتنظم مسابقة (لسان عربي)، وتقيم مهرجانًا سنويًّا لشعر الفصحى، إلى جانب مسابقات متعددة في الرواية والقصة، فضلا عن العناية والرعاية التي توليها للغة العربية وقواعدها النحوية والإملائية في ما تصدره من مجلات وكتب وودراسات بل وفي مطبوعاتها الدعائية أيضًا.
لكن مما يثير الأسى والأسف أن تقوم بعض الهيئات التى تمثل أوجهًا للعمل العربي المشترك مثل اتحاد الأطباء العرب الذي يقوم بنشر بعض الإعلانات ويدشن بعض الحملات الإغاثية فى الصحف باللهجات العامية، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأهمية الدور والجهد الذي تقوم به كليات ومعاهد اللغة العربية ودار العلوم من إقامة دورات في علوم اللغة العربية خارج إطار الدراسة ومقرراتها والدارسين بها، فهي جهود بالغة الأهمية نرجو لها المزيد من التقدم والتطور وسعة التأثير والانتشار.

● الدعوة الدينية:

بدعاوى متعددة مثل سهولة التواصل ومخاطبة الناس على قدر عقولهم وغيرها، تسللت العامية بغزارة إلى مجال الدعوة الدينية، وإن كانت العامية قد تسللت إلى الدعوة الدينية المسيحية منذ زمن بعيد، وفي الخطابة الإسلامية أيضًا، فإن الجديد هو التواصل بين الدعاة ومريديهم عن طريق الكتابة بالعامية عبر مواقعهم الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي مثل Facebook وTwitter، وحتى الكتيبات الدعوية والإعلانات العامة، وبتتبع الخطاب الدعوي الإسلامي لمن يطلق عليهم (الدعاة الجدد) لا يلحظ المرء سعيهم نحو التواصل مع شريحة أكبر من الجمهور وتوصيل الرسالة بسهولة إلى عقولهم وقلوبهم فقط، وهو أمر لا نشكك فيه، بل يلحظ أيضًا ضعف حصيلتهم اللغوية وهم يكادون ينطقون نصوصًا مقدسة باللهجات الدارجة.
وفي الخطابة العامة في المساجد ودروس الوعظ بها، نجد من ركاكة اللغة ما ينفر السامعين، ويقلب معاني الكلام، ويُغيِّر من مقصد الإرشاد السماوي، فضلا عن ضعفِ بل وسوءِ المحتوى في كثير من الأحيان، وليس ذلك إلا بسبب الخواء الفكري لدى الداعية وضعف ثقافته العامة وإدراكه للواقع ومرامي النص الإلهي، والمرجع الرئيسي في ذلك كله هو ضعف إلمام الداعية بلغته العربية التي هي وعاء للفكر الذي يقدمه للجمهور، فإذا لم يكن متمكنًّا منها، فكيف يدرك مقصود النص الإلهي على الوجه الصحيح، أو أن يغوص في بطون كتب التراث يتواصل من خلالها مع خبر السماء، أو أن يصوغ خطابه بأسلوب أدبي رفيع يضيف إلى ما يقدمه من علم وحكمة جمالا وطلاوة يأسر بها الألباب ويأخذ القلوب ويثير الإعجاب، فإذا كان ذلك كذلك، فلا بد أن يتحدث الناس عن ضعف تأثير المسجد في المجتمع وخطاب الدعاة في النفوس، وحجر الزاوية في الموضوع هو اللغة العربية، فهي الركن الركين.

● مجمع اللغة العربية بالقاهرة(*):

نعرض في هذا الجزء لما يمكن أن نعتبره تحقيقًا عن مجمع اللغة العربية في القاهرة الذي تأسس في 14 شعبان 1351هـ الموافق 13 ديسمبر 1932م وبدأ العمل فيه في عام 1934 في عهد الملك فؤاد، وتوالى على رئاسته عدد من أعلام اللغة والثقافة والفكر في العالم العربي مثل محمد توفيق رفعت وأحمد لطفي السيد وطه حسين وإبراهيم مدكور وشوقي ضيف ومحمود حافظ، ويعمل المجمع على وضع المعاجم اللغوية وبحث قضايا اللغة ووضع المصطلحات العلمية واللغوية وتحقيق التراث العربي والقيام بأنشطة ثقافية، ويضم المجمع عددًا كبيرًا من اللجان مثل: المعجم الكبير، وأصول اللغة، والألفاظ والأساليب، واللهجات والبحوث اللغوية، والأدب، وإحياء التراث العربي، والمعجم الوسيط، وعلم النفس والتربية، والفلسفة والعلوم الاجتماعية، والتاريخ، والجغرافيا، والقانون، والمصطلحات الطبية، والكيمياء والصيدلة، وعلوم الأحياء والزراعة، والاقتصاد، والنفط، والجيولوجيا، والشريعة، والهيدرولوجيا، والرياضيات، والهندسة، والمعالجة الإلكترونية، والفيزيقا، وألفاظ الحضارة ومصطلحات الفنون.
فالمجمع يعمل في اتجاهين أساسيين هما: الأعمال اللغوية الصرفة مثل المعاجم اللغوية وإحياء التراث وتيسير اللغة. والتعريب وأعمال اللجان العلمية والتي يصدر عنها ما يتعلق بتعريب العلوم والمصطلحات العلمية؛ حيث يتم إعداد المادة من قِبل الباحثين قبل أن تعرض على اللجان، ثم تعرض على مجلس المجمع من المقيمين، ثم تعرض على مؤتمر المجمع الذي يضم جميع الأعضاء.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى انتفاع اللغة العربية من كل هذا الجهد وهذه المأسسة؟ ما مدى استفادة مصر (كقُطْر عربي لديه مجمع للغة العربية) في ناحية الحفاظ على اللغة واعتناء المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بها، واقتناع مواطني هذا القُطْر بأهمية الحفاظ على اللغة وإكبارهم وتوقيرهم لها، وأن تكون اللغة همًّا عامًّا لدى العقل الجمعي في هذا المجتمع وعلى مختلف مستوياته، من المهندس والطبيب والسياسي والعامل والفلاح والموظف فضلا عن المعلم في المدرسة والأستاذ الجامعي في الجامعة، ومن المؤسسات التعليمية والسياسية والإعلامية؟
وهذا يقتضي البحث بداية عن مدى تواصل المجمع مع وسائل الإعلام المختلفة وكذلك البحث عن مدى تواصله مع أجهزة الدولة العامة والخاصة، وأخيرًا البحث عن مدى اهتمام المجمع بإيصال رسالته للمجتمع بأي صورة من الصور سواء توافرت من خلال وسائل الإعلام وأجهزة الدولة ومؤسساتها أو لم تتوافر بالشكل المطلوب.
ونبدأ بالإعلام: فعلى خلاف ما كان سائدًا منذ زمن بعيد، فإن وسائل الإعلام لم تعُد تنشر ما يستقر المجمع عليه من قرارات بشأن المصطلحات المعربة، أو بقواعد الإملاء، أو إصدارات المجمع الحديثة أو ما ينشره من كتب التراث، وليس هذا الأمر قاصرًا على وسائل الإعلام من جانبها فقط، إذ إن المجمع أيضًا لا يهتم بهذا الأمر، فلا تجده يرسل إلى هذه الوسائل ما يريد أن ينشُره، أو يفتح معها قنوات اتصال، بشكل مؤسسي، يستثمرها في نشر قراراته وأعماله، فضلا عن رسالته المتعلقة بالحفاظ على اللغة العربية وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون، الغريب في الأمر أن عددًا من أعضاء المجمع دائمي التواصل مع الإعلام، لكن بغير الصفة المجمعية، فهذا مفكر إسلامي أو عالم فيزياء أو اقتصادي بارز، لكنك لن تجد صفة (عضو مجمع اللغة العربية) إلا نادرًا وعلى سبيل سرد السِّيْر الذاتية، دون أن تكون ذات شأن يتصل باللقاء الإعلامي الذي لا يتصل في الغالب باللغة العربية وعلومها، وزد على العجب عجبًا أن منهم إعلاميون، تخصصهم الإعلام، ولهم برامج في الإذاعة والتلفاز، وإذا كتب أحدهم مقالا في صحيفة سيارة، ففي مجال تخصصه أو اهتمامه، وبصفته أستاذًا في جامعة كذا أو مسؤولا عن مؤسسة كذا، لكن.. ليس (عضو مجمع اللغة العربية) وموضوع بحثه أو مقاله لا يتصل في الغالب باللغة العربية، أضف إلى ذلك بطبيعة الحال انشغال كثير من الأعضاء عن المجمع وأعماله وقضاياه، وعدم تخصص عدد منهم في اللغة العربية وعلومها، ومع احترامنا الكامل لهم، لكن أن يظل غير المتخصص باللغة العربية خبيرًا للمجمع وأعضاءه يشير عليهم في أعمال المجمع، أفضل كثيرًا من أن يكون عضوًا بالمجمع ولا تمثل له هذه العضوية في النهاية غير حِلْيَةٍ يرصع بها سيرته الذاتية.
على أن العلاقة بين المجمع وأجهزة الدولة متميزة بشكل دﭘلوماسي فقط، فإذا أرسل المجمع إليها يطلب مناقشة قضية أو طرح توصية فإن مسؤولين كبارًا يحضرون ويستمعون ويعدون بالإجابة، ثم لا يتمخض الوعد عن شيء يذكر على أرض الواقع، ومع أن التعديل الجديد الذي أُدْخِل على القانون أعطى للمجمع سلطة تتعلق بالحفاظ على اللغة العربية والتعامل بها، فإن أجهزة الدولة لا تتورع عن أن تكون هي أول من ينتهك هذا القانون، كما أشرنا قبل قليل عن استخدام العامية واللغات الأجنبية في خطابها ومخاطباتها، بل إن البعض يرى، ونحن معه، أن تعديلات القانون التي أقرها البرلمان المصري في عام 2007 إنما كانت نوعًا من المجاملة القانونية للمجمع في عيده الماسي دون أن تعني في الحقيقة رغبة أكيدة في تطبيقها أو حفاظًا على اللغة العربية وصدًّا لهجمات اللغات الأجنبية عليها، وهو ما لم يكن أعضاء المجمع في حاجة إلى إدراكه فلم يسعوا لتطبيقه أو السؤال عنه، خاصة في ظل ما يتردد عن الجزاء الذي تلقاه وزير للتموين والتجارة الداخلية في التسعينيات حاول تطبيق القانون الذي يقضي بضرورة أن تكون اللافتات الخاصة بالمحلات والمؤسسات التجارية مكتوبة باللغة العربية وإذا أراد واضعها أن يضيف الإنجليزية إليها فبحجم أقل للخط الذي تُكتب به، فتم إعفاؤه من منصبه وإهدائه منصبًا آخر على رأس أحد المؤسسات السياسية الاقتصادية العربية لينعم فيه بترديد هذه الأفكار مع زملائه دون أن يسمعهم أحد.
وإذا أتينا إلى النقطة الخاصة بسعي المجمع للتواصل مع المجتمع لنشر رسالته وتحقيق أهدافه، سنجد –في تقديري– تقصيرًا واضحًا وقصورًا شديدًا، وإذا نظرت إلى موقع مجمع اللغة العربية بالقاهرة فسترى أنه لا تحكمه رؤية تجعل منه مدخلا حقيقيًّا يعبر عن رسالة المجمع وأهدافه، صحيح أنه يبذل فيه جهد مشكور ويحتوي على ثروة علمية كبيرة تتمثَّل في العديد من الكتب المتاح تحميلها من عليه، وحوالي 90٪ من أعداد مجلة المجمع التي ربما تكون قد تجاوزت حين ينشر هذا البحث نحو 117 عددًا، إلا أنه يلاحظ عدم خدمة هذه الثروة العلمية بالعرض الجيد والإشارة المُلْفِتَة للنظر التي تسترعي انتباه الزائرين وتدفعهم للاطلاع والنهل منها، كما أن أخبار المجمع وفعالياته التي ينظمها لا تجدها تنشر عليه إلا لمامًا، والسيء في الأمر أنها تحذف ولا تستمر كأرشيف يرجع إليه الباحث أو زائر الموقع ليتعرف على أنشطة المجمع وما يقدمه من جهود وخدمات في سبيل العربية وعلومها، وكأن هناك من يحرص على السرية في القرن الحادي والعشرين، في أمور لا تنتمي إلى عالم الخفايا والأسرار، لكنها العقلية البيروقراطية التي تفشَّت في البلاد، الأمر الذي يستدعي إلى مجال العمل في الشؤون الثقافية بعض المفاهيم الخاصة بعالم السياسة والاقتصاد من مثل الحوكمة أو الرشادة والشفافية، مع الأخذ في الاعتبار تحفظنا على بعض الدلالات السيئة أو المغلوطة التي صارت تقتضيها بعض هذه الكلمات، وحين تواصلت مع بعض القائمين على العمل في هذا الموقع تبين لي أن تصميم الموقع الذي قام به بعض الفنيين في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري يقتضي تعديله أو إضافة بعض الخصائص إليه مخاطبات عِدَّة وانتظارًا لموافقات من مسؤولين، في عملية اتصال معقدة يعرفها كل من له قدر ضئيل من الاطلاع على البيروقراطية المصرية، مع أننا في عصر يقال عنه “عصر الحكومة الذكية” لكن يبدو أن الذكاء تأثر بالبيئة التي نشأ فيها!!
على أن وثيقة حصلت عليها من قسم الندوات بموقع المجمع على الإنترنت الذي وجدت فيه موضوعًا واحدًا، قبل أن يُزال في وقت لاحق، يتضمن محضر اجتماع اللجنة الثقافية بالمجمع، الذي عُقِد يوم الأحد 11 من يونيو سنة 2006م، واستغرق ساعتين، وناقش الاجتماع الموسم الثقافى للعام 2006 / 2007، ومن اقتراحات الاجتماع أن يضم الموسم الثقافي تسع ندوات، وميزانية الموسم فى حدود (ألف جنيه!!) واقترح لموضوع (العربية في التعليم قبل الجامعي) محاضرتين فى فبراير 2007 وفي آخرها، كما اقترح الاهتمام بتعليم اللغة العربية فى التعليم الجامعي وقبل الجامعي والتدقيق اللغوي فى المؤسسات الصحفية، واقترح أيضًا أن يكون للجنة خطة طويلة المدى وأخرى قصيرة المدى، واقترح مقرر اللجنة ثلاثة موضوعات للندوات هي: “اللغة والحوسبة في مجتمع المعرفة” و”اللغة العربية في مواجهة التحديات” و”دور الأدب في الحياة القومية” فالاجتماع الذي استغرق ساعتين اقترح مناقشة ما يُناقش منذ عقود، في حين كان ينبغى على اللجنة أن تتابع ما تقوم به فى هذه القضايا، لا أن تنشئ الحديث عنها من البداية، ولفت نظري في محضر الاجتماع الإشارة إلى ضرورة البدء بقضية تهم الجمهور، فإذا كانت هذه رغبة الأعضاء في التوسع والانتشار للإفادة، فلماذا يكون الأداء الإعلامي والإعلاني للمجمع محدودًا وقاصرًا لهذه الدرجة التي عليها منذ زمن، وأي موسم ثقافي ننتظر إقامته، فضلا عن تقدير نتائجه وآثاره بهذا المبلغ الهزيل المذكور في محضر الاجتماع.
والمسابقات التي ينظمها المجمع لم يعُدْ يتقدَّم إليها كثيرون ولم تعُد ذات صيت كما كان عليه الحال حين كان يفوز بها أمثال شوقي ضيف وعائشة عبد الرحمن ونجيب محفوظ وسهير القلماوي ومحمود حسن إسماعيل ومحمد رجب البيومي، والذين أمسى لهم مكان مرموق فيما بعد، حتى مع ارتفاع مقدار الجائزة والذي صار أربعين ألف جنيه (حوالي 7000 دولار)، في فروع إحياء التراث (جائزتان إحداهما 25000 جنيه والأخرى 15000 جنيه) ومثلها في الأدب وتم استحداث جائزة جديدة فى العلوم اللغوية بذات المبلغ، أي أن مجمل الجوائز يبلغ مائة وعشرين ألف جنيه، لكن الأثر المرجوَّ لا نكاد نشعر به.
ومجلة المجمع مجلة متخصصة وليست للعامة أو حتى للمثقفين غير المتخصصين في اللغة وعلومها ولا تباع تقريبًا في الأسواق مثل باقي إصدارت المجمع، وقد اقترحت على أحد كبار المسؤولين بالمجمع فكرة إنشاء مجلة سيارة تشتمل على مقالات مبسطة تختص باللغة العربية وقضاياها فأخبرني أنهم ناقشوا في المجمع بالفعل هذه الفكرة واتخذوا بشأنها (توصية) تُقِرُّهَا، وسيعملون على تنفيذها، لكنه لم يحدد موعدًا ونرجو أن تصدر في موعد قريب.
كل هذه الملاحظات تكشف لنا عن مدى القصور في الأداء الحركي والإعلامي الخاص بأداء المجمع وأعضائه في سبيل الحفاظ على اللغة العربية وتيسيرها سواء من خلال أجهزة الإعلام أو بالتواصل مع أجهزة الدولة العلمية والتعليمية والإعلامية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي ينبئ عن عدم وجود رؤية واضحة تدفع إلى وضع إستراتيجية على مدى زمني بعيد بوسائل تنفيذ واضحة ومحددة ومرنة في ذات الوقت تعمل على تحقيق أهداف المجمع ورسالته.
على أنه من المناسب في هذا المقام أن نتوقف قليلا عند الحوار الذي أجرته صحيفة الأهرام المصرية مع الدكتور محمود حافظ رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة[10]، وسنجد في هذا الحوار تناولا متميزًا ووعيًا صافيًا وإدراكًا واضحًا لقضايا اللغة العربية وأبعادها المختلفة، فرئيس المجمع يرى أن اللغة العربية هي رقم واحد في تكوين الهوية، ويذكر بالأرقام عدد المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية فيقول: هناك ‏250‏ مدرسة من الحضانة إلى التعليم الثانوي لا تدرس اللغة العربية، و18‏ جامعة مصرية التعليم فيها كاملا بالإنجليزية بالمخالفة لقانون الجامعات الصادر عام‏ 1925، الذي ينص على أن يكون التعليم باللغة العربية ويجوز استثناءً التدريس بلغة أجنبية بصفة مؤقتة‏، وعشرات الآلاف الذين يتخرجون من هذه الجامعات لا علاقة لهم باللغة العربية، بل انتماؤهم يكون لتلك اللغات وللبلاد صاحبة هذه اللغات، وستكون لهم الحظوة كما يحدث لخريجي الجامعة الأمريكية، فالهُوَّةُ تزيد بين خريجي هذه الجامعات الأجنبية وخريجي الجامعات المصرية، ولا بد من وقفة صارمة لإصلاح التعليم العام والعالي، ويدعو رئيس المجمع إلى تعريب الطب موضحًا أنه قد ثبتَ بالتجربة أن الطلاب يستوعبون الطب بلغتهم أفضل عشرات المرات من تعلمه بالإنجليزية، ويدعو إلى إنشاء منظمة عربية قومية للترجمة، لتعريب أمهات الكتب العلمية في جميع التخصصات، ويستغرب من أن ليبيا نفَّذَتْ قانون منع اللافتات الأجنبية بصرامة، وتدرَّجَتْ فيه العقوبة من الإنذار إلى الغرامة ثم سحب الرخصة فالحبس، تنفيذًا لتوصية مجمع اللغة العربية هناك، ويشير إلى اتجاه سوريا لإصدار قانون مشابه، في حين يتعثر تطبيق قانون موجود في مصر منذ عهد عبد الناصر، وفي الوقت ذاته يفصح رئيس المجمع عن مشكلة المجمع الأبدية بقوله “وأرسلنا توصيات إلى الوزارات المعنية ولكنها لم تجد صدى”، ولا ينسى الدكتور محمود حافظ أن يشكر الدكتور فتحي سرور على استجابته لتعديل قانون المجمع، إلا أنه يستدرك قائلا: “وبالرغم من هذا لم يستجبْ أحد لتوصياتنا”، وفي حوار الأهرام مع رئيس المجمع يبدو وكأنه لا حيلة للمجمع إزاء ما يحدث في اللغة وأن المدد لا بد أن يأتي من أعلى، ومن رئيس الدولة شخصيًّا “وأتمنى على الرئيس مبارك أن يصدر قرارًا بتعريب التعليم ومنح قرارات مجمع اللغة العربية قوة التنفيذ، لوقف الاعتداء الصارخ على اللغة العربية، لنعيد لها مكانتها”.
هكذا تبدو لنا النقطة الرئيسية في أزمة حركة المجمع، تلك التي تعتمد على المنح والهبة من السلطة، وليس بأخذ المساحات وفرض الأمر الواقع في المجال الثقافي والاجتماعي بطرح العديد من الأفكار التي كان من الممكن للمجمع أن يعمل على تنفيذِها ليساهم بها في جهود الحفاظ على اللغة العربية مثل توسيع شبكة العلاقات مع مؤسسات المجتمع عن طريق عقد الاتفاقيات مع عدد من المؤسسات للحفاظ على اللغة العربية وتخصيص جائزة على سبيل المثال لأكثر المؤسسات والصحف والقنوات التليفزيونية التزامًا باللغة العربية واستخدامًا لها واهتمامًا بها وبقضاياها، وكذلك نشر إصدارات تتصل بقضايا المجتمع والوطن والأمة مثل تسليط الضوء على قضية المفاهيم والمصطلحات التي يتم التلاعب بها في القضايا التي تتصل بالحقوق العربية، من مثل مصطلحات الاحتلال والاستيطان والاستعمار والإرهاب وغيرها، التي انتشر استخدامها دون أن تعني حقيقة معناها في اللغة العربية، بل صارت تُستخدم استخدامًا يناقض في بعض الأحوال معناها اللغوي الحقيقي، فمثل هذا الاهتمام من قِبَلِ المجمع سيُعَدُّ جُهْدًا مشكورًا يُحْمَدُ على فعله.
وكذلك أيضًا تنسيق المجمع للعديد من الأنشطة الخاصة باللغة العربية والاحتفاء بها على مدار العام في العديد من الأماكن، تُنظَّم فيها مسابقات للغة العربية تستهدف الشباب والأطفال بمكافآت مادية تؤدِّي إلى تحفيزهم على زيادة اتصالهم باللغة وعلومها وتعرفهم على جهود المجمع في تيسير اللغة وتزيد من حبهم في اللغة العربية.
إن تطبيق مثل هذه الأفكار وغيرها سيساهم في النهاية في تشكيل قاعدة مجتمعية ترتبط بالمجمع ويرتبط بها وتوسع من نشاط المجمع واهتماماته وتزيد من فاعلية ما يقوم به، حيث سيكون أكثر ارتباطًا بالمجتمع وقضاياه وستتحدَّد أولوياته على أساس هذا الارتباط، وتُغَيِّرُ من صورته النمطية التي تتصف بالانعزالية والانطواء، وهي صورة حقيقية على كل حال، وهذه الصورة النمطية هي التي تؤدي –في تقديري- إلى عدم الاستجابة لتوصياته، تلك التي يشكو منها رئيس المجمع وأعضاؤه، فلماذا تستجيب الدولة ومؤسساتها ومسؤوليها لمؤسسة لا يسمع عنها أحد ولا تتفاعل أو تتواصل مع المجتمع وقطاعاته المختلفة، بل ولا تهتم أساسًا بهذا الأمر؟
إن عدم استجابة الدولة ومؤسساتها ومسؤوليها[11] رد فعل طبيعي لهدوء نشاط المجمع وانخفاض صوته وبطء حركته وانكفائه على ذاته، وهو الأمر الذي يجب أن يتغير بمبادرة من المجمع ذاته وأن يدفع إلى قبول المجتمع لهذا الدور[12]، فالمجمع يقوم بجهد هائل ومشكور بلا شك، لكن هذا الجهد لا يؤدي غرضه ولا يحقق آمالنا ولا آمال أعضائه، ونحن نطرح في هذا المقام هذه الأفكار سعيًا لأن تذهب جهود المجمع في خدمة اللغة العربية إلى وِجهتها الصحيحة، فالعين التي من الخارج قد ترى ما لا يلتفت إليه أهل الدار، هذا إذا أراد المجمع أن يُحقق الأهداف التي من أجلها أنشئ والتي نظن أن أعضاء المجمع أيضًا يسعون إلى تحقيقها، إن على المجمع وأعضائه أن يولوا اللغة وقضاياها نفس الاهتمام الذي يولونه للقضايا اللغوية.

● مجمع اللغة العربية في دمشق(*):

من الملاحظ أن مجمع دمشق الذي تأسس تحت اسم (المجمع العلمي) عام 1919م كأول مجمع للغة العربية في العالم العربي، يقوم بالمهام الموكلة إليه بصورة أكثر نشاطًا من مجمع القاهرة، ويلاحظ أن هذا النشاط يعود بالضرورة –في تقديرنا– إلى الرعاية السياسية التي تقوم بعملية دفع كبيرة في هذا الإطار، فقد أصدر الرئيس السوري في عام 2001 القانون (38) الذي ينص على أن مجمع اللغة العربية هيئة عامة مستقلة ذات طابع علمي وشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، ترتبط بوزير التعليم العالي، وحدد من أغراض المجمع: المحافظة على سلامة اللغة العربية وجعلها وافية بمطالب الآداب والعلوم والفنون وملائمة لحاجات الحياة المتطورة، ووضع المصطلحات العلمية والفنية والأدبية والحضارية ودراستها وفق منهجية محددة، والعناية بإحياء تراث العرب في العلوم والآداب والفنون تحقيقًا ونشرًا، والعناية بالدراسات التاريخية والحضارية العربية، والحد من استفحال العامية، والنظر في كل ما يرد إلى المجمع من موضوعات تتصل بأغراضه، وحدد أعضاء المجمع بخمس وعشرين عضوًا من العرب السوريين، كما نص القانون على أن المجمع يُعد المرجع الأعلى للغة العربية، وبالإضافة إلى ما سبق فإن المجمع يشرف على دار الكتب الظاهرية والمدرسة العادلية الكبرى التابعتين للمجمع.
ولعل هذا الاهتمام من جانب السلطة وما ترافق معه من عمل من جانب المجمع وأعضائه قد أوجد جوًّا شعبيًّا ورسميًّا يهتم باللغة العربية ويتابع المحافظة عليها ورعايتها في المجتمع ومختلف مؤسسات الدولة، فيُلاحظ التعاون بين المجمع ووزارة التربية فيما يتعلق بضبط الكتب في مراحل التعليم العام، فهناك مشروع سياسة الضبط اللغوي بوزارة التربية والذي قامت لجنة اللغة العربية وعلومها بالمجمع بإدخال تعديلاتها عليه.
وتقوم اللجان الدائمة بخدمة اللغة فيما يتعلق بدراسة أصول اللغة وألفاظ الحضارة وتحقيق التراث وصناعة معاجم اللغوية، وتوحيد المصطلحات في مجالات الرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها.
ويقوم المجمع أيضًا بالمشاركة في مشروع الذخيرة العربية، الذي يعدُّ بنك معلومات بالعربية على شبكة الإنترنت، تحوي إنتاج الفكر العربي القديم والحديث وأهم ما ينتجه الفكر العالمي منقولا إلى العربية، وقد اقترح المجمع على وزير التعليم العالي السوري أن يكون المجمع هو الجهة المعنية بالإشراف على تنفيذ ما يتصل بسوريا من هذا المشروع، ورأى تأليف لجنة وطنية من ممثلين لبعض الهيئات يرأسها أمين المجمع، ولكن لم تتوصل اللجنة إلى تنفيذ شيء من مخططاتها، كما لم تلق الرسائل التي وجهتها إلى دور النشر أي صدى، وانتهى عام 2009 دون تحقيق أي تقدم في مجال مشروع الذخيرة العربية.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة، حرص المجمع على إبراز أعماله، فإن كان من الطبيعي أن تقوم الهيئات بتدوين الأعمال في محاضر ومضابط قد تفيد الأعضاء والباحثين على مستوى ضيق، فإن المجمع يخطو في هذا الأمر خطوة أبعد حيث حرص منذ عام 2008 على طباعة كتيبات، بدلا من النشر في مجلة المجمع، تنشر أعمال هيئات المجمع ولجانه المختلفة ومشاركاته ومشاركات أعضاء المجمع وندواته ومؤتمراته وتطور حركة الكتب والدوريات الخاصة بمكتبة المجمع شراءً وإهداءً بالإضافة إلى ميزانيته المالية التي بلغت في عام 2008 أكثر من 29 مليون ليرة سورية للموازنة الجارية (حوالي 640000 دولار أمريكي) و35 مليون ليرة للموازنة الاستثمارية (حوالي 765 ألف دولار) ونسبة إنفاقه منها، وهو سلوك محمود تنتهجه المؤسسات والهيئات المحترمة من شفافية واحترام لحق المجتمع في الاطلاع على أعمال هيئة عامة، وتوثيق يتيح لجميع المهتمين أن يطلعوا ويتابعوا تطور عمل هذه الهيئة العلمية
ومما يلاحظ في أعمال لجان المجمع وهيئاته كثرة الاجتماعات، فمجلس المجمع قد يجتمع أكثر من مرة في الشهر الواحد، ومكتب المجمع أكثر من ذلك، كذا لجان المجمع المختلفة، ويحظى المجمع في الوقت ذاته باهتمام عالٍ على المستوى السياسي من قِبل الحكومة السورية، إذ يجتمع بالوزراء المعنيين بشؤونه والمعني هو بشؤونهم كوزراء التعليم والتعليم العالي ويتبادل معهم المخاطبات والمكاتبات المتعلقة بشؤون المجمع ويرعون مناسباته ويطلبون منه أمورًا خاصة بالعملية التعليمية على سبيل المثال كتعريب العلوم والمصطلحات ومراجعة الكتب وتصحيحها إملائيًّا ولغويًّا.
ويرسل المجمع مندوبين عنه للاطلاع على أحدث الإصدارات في بعض الهيئات الثقافية والعلمية في مصر مثلا وجلبها، وتشرف لجنتي (المجلة والمطبوعات) و(المخطوطات وإحياء التراث) بالمجمع على طباعة عدد معقول من الكتب التراثية والحديثة، وتصدر مجلة المجمع أربعة أعداد في السنة.
ويهتم المجمع بمناقشة بعض القضايا ذات الاهتمام العام بجانب القضايا اللغوية في المحاضرات التي يقوم يتنظيمها في دوراته المجمعية المختلفة، فإلى جانب عقد المجمع مؤتمره السنوي السابع في عام 2008 تحت عنوان (التجديد اللغوي)، فقد عقد أيضًا سبع أمسيات ثقافية جاءت متنوعة الاهتمامات مثل: (الأمم المتحدة تكون أو لا تكون) و(تدني مستوى التعليم العالي العربي وأثره في مستقبل الأمة) و(وجه لثلاث مرايا: الخيام كما قرأه البستاني ورامي والعُرَيِّض) و(التربية على المواطنة) و(الكنعانية والآرامية لغة وتاريخًا) و(الأساطير في الشعر العربي القديم) و(الآليات المنطقية في الدرس الصوتي عند ابن سينا في رسالة حدوث الحروف)، أما في عام 2009 فقد عقد مؤتمره السنوي الثامن تحت عنوان (نحو رؤية معاصرة للتراث) وعقد أيضًا خمس أمسيات ثقافية جاءت تحت العناوين التالية: (المرأة في صقلية العربية) و(الإدارة بالشفافية) و(العلاقة بين اللغتين العربية والأكادية) و(الأبجديات القديمة تاريخها وجغرافيتها) و(العلوم الحيوية واللغوية آفاق ومنهجيات) ويعقد ندوات بالتعاون مع هيئات أخرى، هذا بالإضافة إلى مشاركاته في أنشطة داخلية وخارجية متعددة.
أما بالنسبة لموقع المجمع على الإنترنت، فإنه للأسف يعيبه ما يعيب موقع مجمع القاهرة، من غزارة المحتوى وسوء العرض الذي لا يعبر عما يحتويه المجمع من ثروة علمية ومعرفية، ولا يشجع تصميم الموقع على البقاء فيه نظرًا للأعطال التي تصيبه.

● اللغة العربية في المهجر:

تعد قضية اللغة العربية في بلاد المهجر من القضايا ذات الشجن، فهي تعبر ضمن ما تعبر عن مأساة، بل مآسٍ متعددة، تتعلق بهجرة العقول والكفاءات العربية، ومسخ أخلاقي أحيانًا، وديني أحيانًا أخرى، وأوضاع اضطهاد في أزمنة وأمكنة مختلفة، وأوضاع مستقرة أو شبه مستقرة في أزمنة وأمكنة أخرى، واتصال بالأمة والأوطان، وانفصال وانفصام عنها، خريطة معقدة إذن تلك التي تتعلق بهذه القضية، واللغة العربية في المهجر، قضية لا تخلو من هذا التعقيد.
فتعليم اللغة العربية لأطفال المهاجرين الذين هاجروا في سن صغيرة، أو ولدوا في المهجر، أمر يمكن أن نصفه بالندرة في كثير من الدول التي يهاجر إليها العرب، على أن هذه القضية لا تعود إلى ندرة المدارس والمعاهد التعليمية التي تدرس العربية فحسب، بل تعود أيضًا في جانب كبير منها إلى عدم حرص، وربما عدم رغبة، من قبل المهاجرين في التمسك بتعليم اللغة وربط الأبناء بلغة الوطن الذي يجب أن يقوموا بخدمته ذات يوم، أو الدين والعقيدة التي يجب التمسك بها إلى الأبد، خصوصًا في حالة الإسلام.
على الرغم من ذلك، فإن الأمر لا يخلو من مهاجرين حرصوا على الحفاظ على التعامل باللغة العربية، وأنشأوا وسائل إعلامية كالصحف والمحطات الإذاعية والتليفزيونية، خصوصًا في الدول الديمقراطية كأمريكا وأستراليا وكندا وأوكرانيا (بعض هذه الوسائل بلغة البلد الذي يقيمون فيه أو بلغات متعددة)، وهي وسائل مهمة في التواصل بين العرب أو حتى أبناء الجالية الواحدة، ومناقشة وعرض القضايا العربية، وكذا التواصل بينهم وبين المجتمع الذي يحيوْن فيه عن طريق التقاء هذه الوسائل بالمسؤولين ومحاورتهم ومناقشة القضايا المتعلقة بالمهاجرين معهم، وفي الحفاظ على التراث العربي الثقافي والفني، والإبقاء على كيان أو صورة على الأقل للوجود العربي في هذه المجتمعات وسط الأطياف التي تشكِّل هذه المجتمعات المتعددة وتقيم فيها، لكن من المهم الإشارة إلى صعوبة قياس مدى تأثير هذه الوسائل الإعلامية في تحقيق مثل هذه الأهداف، لكن وجودها أمر مهم على كل حال.
في الوقت ذاته فإن بعض هذه الوسائل الإعلامية يقوم بدور سلبي مثل تلك التي يصدرها بعض الذين يبحثون عن دور، وتستغلهم البلاد التي يقيمون فيها لينشروا موضوعات تحريضية ضد دولهم تثير الفتن الطائفية في بلادهم الأصلية وتزعزع استقرارها.
ومما تجدر الإشارة إليه، تلك الجهود التي يبذلها بعض المغتربين في بلاد المهجر من إقامة مؤسسات وإطلاق مبادرات ومشروعات للحفاظ على اللغة العربية وتعليمها لأبناء العرب وغيرهم أيضًا في تلك البلاد، ونشير في هذا الإطار إلى نموذجين متميزين، ففي روسيا أسفرت جهود جمعية المغتربين العرب عن تخصيص أقسام –ولو قليلة– في بعض المدارس الروسية لتعليم اللغة العربية لأبناء العرب المقيمين في روسيا ولمن يرغب من الروس في تعليم أبنائه العربية[13].
ووضع الدكتور رفعت فودة في أستراليا برنامجًا متميزًا لتعليم اللغة العربية في الجامعة الإسلامية الأسترالية، التي يقول القائمون عليها إن نسبة نجاح الطلاب فيها صار أعلى من متوسط باقي المعاهد التعليمية بنسبة 81٪ نظرًا للمناهج والوسائل التربوية والتعليمية التي تستخدمها[14].

■ ثانيًا- العالم واللغة العربية:

لعله من الأهمية بمكان في هذا المقام بعد أن استعرضنا وضع اللغة العربية بين أهلها، وتوقفنا عند العديد من التحديات التي تعترضها، والتي أدَّت في النهاية إلى ما أصابها من حال الوهن الشديد الذي تكاد تحيا فيه الآن، أن نذكر وضع اللغة العربية في العالم، وهو ما قسمناه إلى ثلاثة أقسام، الأول- يتناول وضع اللغة العربية في الدول الإسلامية غير العربية، وأخذنا نماذج لها: تركيا وإيران وماليزيا، باعتبارها دولا ذات ثقل حضاري وتاريخي وعددي، وبين المجتمعات العربية وبينها ما نعرف من وشائج القربى الدينية والصلات التاريخية، كما أن بين أنظمة الدول العربية الحاكمة وأنظمة تلك الدول ما نرى من تنافس وخصومة وصراع أو برود وإهمال، الثاني- يرصد الاهتمام العالمي بالتعامل بواسطة اللغة العربية حيث تتناول الورقة في هذا الجزء نماذج من الوسائل الإعلامية باللغة العربية تبثُّها قُوَى الغرب والشرق وغيرها والتي زادت بغزارة في الآونة الأخيرة، أما القسم الثالث فيتوقف قليلا عند اهتمام إسرائيل باللغة العربية، وانعكاس ذلك مستقبلا على الأوضاع الثقافية في العالم العربي والإسلامي.

● اللغة العربية في الدول الإسلامية غير العربية:

♦ اللغة العربية في تركيا:
تشهد اللغة العربية في تركيا رواجًا وازدهارًا غير مسبوقين منذ أكثر من سبعة عقود يعود سببه إلى الانفتاح التركي على العالم العربي في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، وفتح الحدود مع عدد من الدول القريبة لها، وذكرت قناة بي بي سي في تقرير لها أن معالم هذا الرواج العربي تتضح في انتشار أقسام لغة الضاد في عدد من الجامعات التركية، فضلاً عن المعاهد الخاصة سواء التابعة للحكومة أم غير التابعة لها؛ حيث توجد أسباب عديدة تدفع الأتراك إلى تعلم اللغة العربية منها الأسباب الدينية والسياسية والتجارية، وأوضح التقرير أن قسم اللغة العربية في جامعة إسطنبول، إحدى أعرق الجامعات التركية وأقدمها، تمَّ تأسيسه من قبل المستشرق الألماني هيلموت ريتير في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، وهو يعدُّ أحد شواهد تاريخ اللغة العربية في عهد الجمهورية التركية[15].
لقد اتخذ اهتمام الأتراك باللغة العربية في السنوات الأخيرة أشكالا عديدة، تمثَّلَتْ في اهتمام المؤسسات التعليمية باللغة العربية وتخصيص أقسام لدراستها، كما أن عددًا من المؤسسات صارت تُصدر مطبوعات باللغة العربية مثل مجلة (حراء) التي تصدر عن حركة فتح الله جولن، والتي تعد المجلة الأولى التي تصدر بالعربية في تركيا منذ قيام الجمهورية التركية، ونشطت لدى جماعة الشيخ فتح الله جولن مشروعات ترجمة متميزة لأعمال بديع الزمان سعيد النورسي والشيخ فتح الله جولن وغيرهما، إلى جانب ظهور قناة تليفزيونية موجهة للعالم العربي باللغة العربية، وهي قناة عائلية تقدم برامج اجتماعية وثقافية وفنية وتتضمَّن عددًا من البرامج السياسية، بل إن الحكومة التركية صار لديها –كما يقول البعض– اهتمام بالدراما التركية (التي تتم دبلجتها إلى اللغة العربية) والتي باتت تلقى رواجًا في العالم العربي، هذا فضلا عن المواقع الإلكترونية المتعددة التي تُبَثُّ باللغة العربية، كما تجلَّى هذا الاهتمام التركي باللغة العربية إلى حدِّ عقد مؤتمرات ومسابقات خاصة باللغة العربية مثل تلك التي تنظمها أكاديمية إسطنبول، وهي أكبر مؤسسة تقوم بتعليم اللغة العربية في تركيا، وهناك 25 كلية شرعية في تركيا تدرس اللغة العربية إلزاميًّا، ونسبة حفاظ القرآن الكريم في تركيا -خاصة في بعض مدنها مثل مدينة «قونيا»- تُعدُّ من أعلى النِّسب عالميًّا، وأقرّت الحكومة التركية في إبريل 2010 تدريس اللغة العربية في المرحلة الثانوية كمادة اختيارية اعتبارًا من الدورة الدراسية 2010/2011، ويدرس طلاب المرحلة الثانوية في تركيا لغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية اختياريًا[16].

♦ اللغة العربية في إيران:
تمثل اللغة العربية في إيران أمرًا بالغ الأهمية، لدورها ووظيفتها الدينية، وهذا أمر له جذوره التاريخية منذ قرون، فقد أقبل الإيرانيون على تعلم اللغة العربية حتى يستطيعوا التعرف على القرآن وعلومه، وتمَّ استبدال الخط العربي بالخط البهلوي وتغيير الألف باء البهلوية بألف باء عربية، وتبلغ نسبة المفردات العربية في الأدب الفارسي والبلاغة الفارسية أحيانًا من 45٪ : 50٪[17]، ومن الجدير بالذكر ملاحظة اختلاف وضع اللغة العربية عن وضع العرب في إيران، حيث تحتل اللغة العربية مكانة مهمة في الفكر الشيعي عمومًا والإيراني خصوصًا، وزادت هذه المكانة بعد الثورة الإسلامية، فقد قامت حركة علمية أكاديمية على الصعيدين الجامعي والحوزات العلمية الدينية في إيران خاصة بعد قيام الجمهورية الإسلامية، فوفقًا للمادة السادسة عشر من الدستور الجديد يجب تدريس اللغة العربية بعد المرحلة الابتدائية وحتى نهاية المرحلة المتوسطة في جميع الصفوف والحقول الدراسية[18]، وفي المرحلة الابتدائية أيضًا هناك دروس التربية الدينية والقرآن الذي يتضمن ترجمة النصوص الدينية القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرحها باللغة الفارسية وعلى الصعيد الجامعي، فقد فتحت فروع للغة العربية في أكثر من ثلاثين جامعة وكلية حكومية وغير حكومية، وفي الدراسات العليا أصبحت دراسة الدكتوراه والماجستير باللغة العربية في العديد من الجامعات، من ضمنها جامعة شهيد جمران بالأهواز، بعد أن كانت دراسة الدكتوراه قبل قيام الجمهورية الإسلامية تنحصر بكلية الإلهيات في طهران، ودراسة الماجستير تنحصر بفرع واحد بجامعة طهران، أما الحوزات العلمية الدينية، فمناهج الدراسة فيها هي كما كانت عليه منذ قرون، يعني دراسة كتب الفقه والأصول والحديث والتفسير والكلام وغيرها، المؤلفة باللغة العربية، ويكون تدريسها بترجمتها وشرحها للطلاب باللغة الفارسية، وإذا ما عرفنا أنه توجد في كل مدينة ما لا يقل عن أربع حوزات علمية يظهر لنا مدى اهتمام الإيرانيين اليوم باللغة العربية والترجمة والنقل المكتوب والشفوي عنها… وفي مجال الدراسة الجامعية نجد أن اللغة والعلوم العربية تدرس في فروع الإسلاميات بميزان 40 وحدة دراسية من أصل 135 وحدة في مرحلة الليسانس وتشتمل على الصرف والنحو والبلاغة والترجمة والمحادثة وتاريخ الأدب العربي[19].
لقد صارت تناقش الآن آلاف الرسائل والأطروحات باللغة العربية في جامعات إيران، وهناك جامعة دار العلوم بزاهدان السنية التي تدرس العلوم الشرعية لأهل السنة بالعربية، وأسست معهد اللغة العربية والدراسات الإسلامية وجميع المواد تدرّس فيه باللغة العربية الفصيحة، والهدف كما يقول موقع الجامعة على الإنترنت هو إعداد وتربية نخبة من العلماء والمتمكنين في العلوم الإسلامية والأدب العربي القادرين على الترجمة، ليقوموا بنقل التراث الإسلامي العربي إلى اللغة الفارسية وبالعكس.
لقد أصبح إدراك المجتمع الشيعي للعرب أفضل بكثير جدًّا من إدراك المجتمع العربي للمجتمع الإيراني، وهو أمر إيجابي بطبيعة الحال لصالح المجتمع الإيراني، لكنه سلبي جدًّا في ناحية المجتمع العربي، وجزء كبير من هذا التفوق النسبي للجانب الإيراني يعود إلى ارتفاع نسبة معرفة الإيرانيين باللغة العربية، التي يعرفها كل رجال الدين، وعدد كبير وبنسب متفاوتة من الطبقة المثقفة والمتعلمين، ولعل اتجاه الأزهر نحو تدريس الفارسية والتركية والعبرية مما يساهم في تغيير إدراك الأزهريين نحو مزيد من التعرف على هذه المجتمعات والواقع الفكري والثقافي والاجتماعي لها، ما يعمق ويزيد من القدرة على الحوار والتعاون والمواجهة والصراع، وأن تكون هذه الخطوة نواة لاتجاه مؤسسات تعليمية وثقافية في ذات السبيل.
على أن اهتمام إيران باللغة العربية لم يقتصر على المجال التعليمي وحسب، بل تخطى ذلك إلى المجالات السياسية والثقافية والفنية، فهي توجه صحيفة (الوفاق) للعالم العربي بلغته العربية، وهي صحيفة تصدر عن مؤسسة إيران الثقافية، وقناة العالم الإخبارية تبث إرسالها منذ عام 2003 باللغة العربية، وكذا قناة الكوثر وهي قناة ثقافية، ومؤخرًا ظهرة قناة (إيران فيلم ـ I Film) التي تعرض أعمال السينما والدراما الإيرانية مدبلجة إلى العربية، وهو الأمر الذي نجحت تجربته التركية في عدد من مسلسلاتها الدرامية وتلقى التجربة الإيرانية أيضًا قبولا، وإن أقل جماهيرية من التجربة التركية، من المشاهد العربي خاصة بعد الجماهيرية التي حظيت بها مسلسلات إيرانية مثل (مريم العذراء) و(يوسف الصديق)، وهو قبول مرشح للازدياد في الفترة القادمة مع حسن اختيار الأعمال المقدمة، وترسيخ قدم القناة وسط طوفان الفضائيات في العالم العربي، لا سيما وأن القناة تنتهج جانبًا قيميًّا وخلقيًّا يستهدف المشاهدين المتدينين وهم نسبة كبيرة في المجتمع العربي لديهم رغبة في مشاهدة مثل هذه الأعمال وتجسيد الأحداث التاريخية على الشاشة، تقول القناة في موقعها على الإنترنت: (تشكل اليوم القنوات الغربية والأوروبية هاجسًا من الخوف والرِّيبة لدی العوائل (العائلات) المُسلمة مما تقدمه هذه القنوات من برامج علی أساس التوجه نحو عنصري الجنس والعُنف في إنتاجاتها، وبما أن المُجتمع الإيراني مُتمسك بالقيم الأخلاقية والعادات والتقاليد الاجتماعية الإسلامية، نری أن الجُمهورية الإسلامية الإيرانية حريصة ٌعلی تقديم برامج تلقى القبول والاستحسان من قِبل المُشاهدين) وواضحٌ ما تقوم به القناة من ترويج للنموذج الإيراني، والذي تصوره الأفلام والمسلسلات الإيرانية.
وهناك مآخذ بالطبع على سلوك عدد من وسائل الإعلام الإيرانية في تركيزها على محتوى طائفي أحيانًا وقضايا محل خلاف فكري وسياسي مع الحكومات والشعوب العربية.

♦ اللغة العربية في ماليزيا:
تهتم الحكومة الماليزية بتعليم اللغة العربية وتم تضمين ذلك في المناهج ابتداءً من الصف الأول الابتدائي، وتقوم بعض وسائل الإعلام بالمشاركة في دعم هذا التوجه عن طريق برامج تليفزيونية موجهة للأطفال يتم تعليم اللغة العربية من خلالها، وازداد عدد الجامعات التي تقوم بالتدريس باللغة العربية، كما أنه يلاحظ تدفق الأكاديميين العرب للدراسة في ماليزيا والحصول على درجات علمية من هناك، وهو الأمر الذي ساعد على تكوُّن نواة للوجود العربي العلمي في ماليزيا وخلق بيئة مساعدة لازدياد هذا التواجد من تدريس وتعليم وطباعة ونشر باللغة العربية، كما تشير إلى ذلك تقارير إعلامية[20].
لقد بلغ من الاهتمام الماليزي باللغة العربية أنه يتم تضمينها المؤتمرات الخاصة باللغة ويتم إفرادها أحيانًا بمؤتمرات خاصة مثل تلك المؤتمرات التي يعقدها قسم اللغة العربية وآدابها بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا الذي جاء مؤتمره العالمي الأول للغة العربية وآدابها تحت عنوان: إسهامات اللغة والأدب في البناء الحضاري للأمة الإسلامية، في نوفمبر 2007، وكان المؤتمر الثاني تحت عنوان: إسلامية الدراسات اللغوية والأدبية وتطبيقاتها، في ديسمبر 2009، ويعقد المؤتمر الثالث بإذن الله تحت عنوان: الاتجاهات الحديثة في الدراسات اللغوية وآدابها، في سبتمبر 2011، ومن المفروغ منه أن لغة المؤتمر الرسمية هي اللغة العربية، كما تحظى مثل هذه المؤتمرات برعاية رفيعة من الحكومة الماليزية.
ويُعقد العام المقبل (في إبريل 2011) المؤتمر الدولي الثاني للغات الذي ينظمه مركز اللغات والتنمية العلمية لمرحلة ما قبل التعليم الجامعي – ماليزيا، بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، والذي يسعى لإيجاد مجالات للحديث عن تنمية المهارات الدقيقة لدى متعلّمي اللغات، وقد سبقه المؤتمر الأول للغات في مارس 2008، وإذا كانت لغة المؤتمر الرسمية هي الإنجليزية، فإن الأوراق البحثية يمكن أن تقدم باللغتين العربية والمالاوية أيضًا[21]، كما تدرس الجامعة الإسلامية بماليزيا العلوم الشرعية باللغة العربية.
وقد تنامى معدل السياحة العربية في ماليزيا التي صار يقصدها أكثر من مليون سائح عربي خلال شهري يوليو وأغسطس سنويًا، يمثل الخليجيون النسبة الكبرى منهم[22]، كما يرتفع مستوى التبادل التجاري بين ماليزيا والدول العربية وفق مصادر متعددة.

● الاهتمام السياسي العالمي باللغة العربية:

اعتنت كثير من الدول ذات التأثير الإقليمي والدولي باللغة العربية فليس الأمر قاصرًا على تركيا وإيران في المحيط العربي والإسلامي، بل يمتد إلى كلٍ من الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وفرنسا بل وحتى إسرائيل وسويسرا وأذربيجان وغيرها، ويأتي هذا الاهتمام باللغة العربية ضمن جملة اهتمام هذه الدول بالتواصل مع العالم العربي وتوصيل رسائل مختلفة عن طريقها.
♦ فمكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية الأميركية يشرف على موقع http://www.america.gov/ar/ الذي تبثه الخارجية الأمريكية باللغة العربية، وقناة الحرة، وراديو سوا، وقبله صوت أمريكا، يبثون باللغة العربية، وصار لوسائل الإعلام الأمريكية إصدارات باللغة العربية مثل موقع سي إن إن الإخباري، وهناك أحاديث تتردد عن مشروع قناة سي إن إن العربية، وتدخل وسائل الإعلام الأمريكية في شراكات مع نظيراتها العربية لإنشاء قنوات فضائية أو ترجمة برامج أو بث مواقع إلكترونية أو مطبوعات صحفية باللغة العربية، مثل قناة CNBC الاقتصادية، وبرامج قنوات CBS الترفيهية بالتعاون مع مجموعة mbc، وأفلام ومسلسلات قنوات FOX الأمريكية بالتعاون مع مجموعة روتانا، ومجلة “نيوزويك” (وإن كانت طبعتها العربية توقفت مطلع 2010) ومجلة العلوم وفوربس ورواد الأعمال، ومؤخرًا الطبعة العربية من المجلة العلمية “ناشيونال جيوجرافيك” التي تصدر من أبوظبي في الإمارات وغير ذلك، ولا يفوتنا انتقال المراكز البحثية الأمريكية إلى التواصل مع شريحة السياسيين والمثقفين والشباب العرب عن طريق الإنترنت مثل معهد كارنيجي الذي صار يبث موقعًا باللغة العربية ويقيم شراكات مع صحف عربية مثل المصري اليوم.
♦ ويقوم التلفزيون الألماني الدويتشه فيلله ببث برامجه على مدار اثني عشر ساعة يوميًّا باللغة العربية إلى جانب راديو دويتشه فيلله بالعربية أيضًا بالإضافة إلى موقع دويتشه فيلله الإخباري، كما أن اهتمام السياسة الألمانية بالعامل الثقافي دفعها إلى إقامة بعض المشاريع الثقافية عبر معاهد جوتة المنتشرة في عدد من الدول العربية في تنظيم العديد من الفعاليات الثقافية باللغة العربية وعرض الأفلام الألمانية ومظاهر الثقافة الألمانية باللغة العربية، وتم بث عدة مواقع تعنى بالحوار الألماني العربي مثل موقع قنطرة والموقع الشبابي (لي ـ لك) والموقع الأدبي (مداد) وغيرها، كما يتم إصدار بعض المطبوعات مثل مجلة (فكر وفن) الثقافية وبعض الكتب باللغة العربية أيضًا، وهناك موقع المركز الألماني للإعلام التابع لوزارة الخارجية الألمانية باللغة العربية.
♦ وبما أن الصلات الثقافية لم تنقطع يومًا بالعالم العربي من جانب فرنسا منذ أكثر من قرنين، لذا فإنه كان مستغربًا تأخرها في بث قناة باللغة العربية، تلك التي أطلقتها في ديسمبر 2006 بثلاث لغات: الفرنسية والإنجليزية والعربية، ثم صارت تبث الخدمة العربية على مدى أربع وعشرين ساعة وهي قناة فرنسا 24 للأخبار الدولية، وهي شقيقة إذاعة مونت كارلو الدولية (إذاعة مونت كارلو الشرق الأوسط سابقًا) التي تأسست 1972، وللقناة الفضائية والمحطة الإذاعية موقعان إخباريان على الإنترنت يبثان موادهما على مدار الساعة، كما أن للخارجية الفرنسية موقعًا على الإنترنت باللغة العربية.
♦ أما بريطانيا فيعلم الجميع، بل نشأ كثيرون منهم، على الاستماع لخدمة BBC الشرق الأوسط أو هيئة الإذاعة البريطانية التابعة لوزارة الخارجية البريطانية والتي يقول محمد حسنين هيكل إنها مدعومة أيضًا من جهاز المخابرات البريطانية MI5، التي بدأت قبل سبعين عامًا، والتي صارت تقدم خدماتها عبر الإنترنت منذ 1998، وفي 2008 بدأت بث أخبارها عبر قناة BBC العربية الفضائية عقب مشروع 1994 الذي توقف بعد عامين، وللخارجية البريطانية موقع متميز على الإنترنت باللغة العربية.
♦ كما أن قناة يورونيوز التي تمولها المفوضية الأوروبية صارت تبث برامجها باللغة العربية، التى تبث بلغات ثمانٍ أخرى، منذ منتصف عام 2008 على مدار أربع وعشرين ساعة، وللاتحاد الأوروبي موقع خاص بالعربية، وتهتم بعثات الاتحاد الأوروبي بالدول العربية بإنشاء مواقع لها بالعربية على الإنترنت.
♦ وتقوم الحكومة الروسية ببث قناة روسيا اليوم باللغة العربية وتوفر موقعًا إخباريًّا لها على شبكة الإنترنت، كما تفعل الأمر ذاته مع وكالة الأنباء الرسمية الخاصة بها (نوفوستي)، وأعادت إصدار جريدة (أنباء موسكو) نصف الشهرية، وتوزعها مجانًا في مصر.
♦ وتقوم الصين ببث العديد من وسائل الإعلام المتميزة باللغة العربية، حيث تبث قناة (CCTV) الصينية بالعربية منذ يوليو 2009، وهناك البث العربي في إذاعة الصين الدولية منذ عام 1957، وتقدم وكالة (شينخوا) الصينية خدماتها على الإنترنت بلغات متعددة منها اللغة العربية، وكذلك موقع (شبكة الصين) على الإنترنت، ولصحيفة الشعب الصينية اليومية موقع باللغة العربية على الإنترنت، وتصدر مجلة (الصين اليوم) باللغة العربية شهريًّا، ولوزارة خارجية موقع باللغة العربية على الإنترنت يبث أخبار الوزارة وينشر بياناتها الصحفية.
♦ ولبعض الدول التي لا تتمتع بثقل كبير في العلاقات الدولية، مثل القوى الدولية السابق ذكرها، وسائل إعلامية باللغة العربية، مثل وكالة أنباء ترند (TREND) الأذربيجانية، ولها موقع متميز على الإنترنت، كما أن سويسرا لديها موقع إخباري شهير هو (سويس إنفو – http://www.swissinfo.ch) يقدم خدمة متميزة ويحظى بإقبال جيد، وسلكت كوريا الجنوبية مسلك الدراما في تعاملها مع اللغة العربية، وبثَّت قناة (Korea TV) لعرض المسلسلات الكورية مترجمة للغة العربية منذ إبريل 2009، إلى جانب العديد من الدول الأخرى التي تحرص على بث إذاعات أو صحف أو مواقع إلكترونية باللغة العربية سواء للتواصل مع العالم العربي أو العرب المقيمين بها، أو لتوصيل رسائل خاصة بقضايا متعلقة بهذه المجتمعات مثل الأرمن وغيرهم.
● اللغة العربية في إسرائيل:
في شهر سبتمبر من عام 2010 أعلنت وزارة التربية والتعليم في إسرائيل أنها قررت تعليم اللغة العربية في جميع المدارس ابتداء من الصف الخامس الابتدائي اعتبارًا من العام الدراسي القادم وقررت زيادة عدد مدرسي اللغة العربية لسَدِّ حاجة المدارس، حيث يوجد في إسرائيل ‏1000‏ مدرس لغة عربية من اليهود، وتسعى هذه الخطة في تعليم اللغة العربية إلى مَدِّ جسور التواصل الثقافي مع دول المنطقة[23]، هكذا هو المعلن، لكن المرامي والأهداف لا تخفى على أحد، فليس تدريس اللغة العربية لأطفال إسرائيل قطعًا من أجل التواصل الثقافي مع المنطقة(!!)، بل من أجل تواصل تدمير المنطقة والسيطرة عليها، وأهم أنواع السيطرة هي تلك التي تأتي من طريق الثقافة، فهي أكثر الطرق التي يمكن الخداع من خلالها، والأشد أثرًا، والأمضى نفاذًا، إن تعلم الإسرائيليين للغة العربية مع مجاورة العرب في فلسطين المحتلة والاحتكاك بهم يوميًّا، مما يُساعد أكثر في فهم الشخصية العربية ويُسهل من الحصول على أفضل الطرق للتأثير فيها وقِيَادِهَا من أجل تحقيق رغبات الإسرائيليين وأهدافهم بأنجع السبل وأقصرها، يرى البعض في تفسير هذا الاهتمام باللغة العربية، أنه يعود إلى محاولة الإسرائيليين للسيطرة الثقافية، عن طريق استعداداتهم التي اتخذوها من شراء التراث الفني المصري الذي تم بيع معظمه للإسرائيليين بطرق ملتوية، والحصول على تسجيلات نادرة للكتاب والمفكرين العرب في المكتبة الإذاعية الإسرائيلية، ودخول بعض اليهود لسوق الفضائيات العربية، وجمع أعداد هائلة من الوثائق التاريخية التي تتناول تاريخ فلسطين في مختلف العصور خاصة ما يتعلق بمدينة القدس والمناطق التاريخية الأخرى.
هذا تفسير مهم ومقبول لا ريب، فتعلم أعداد كبيرة من الإسرائيليين للغة العربية، يُمَكِّنُ المؤسسات الإسرائيلية من تجنيد عدد وافر منهم للتعامل مع هذا التراث الفني والوثائق التاريخية، وبالتالي تشويه تاريخنا وثقافتنا وصورتنا، كل هذا صحيح بلا شك، لكنني أضيف إلى ما سبق قضية التناول الديني، فأظن أن هذا هو المنحى الذي سيتم التركيز عليه في الفترة القادمة، فالمحاولات التي يبذلها الإسرائيليون في هذا المجال ليست ذات جدوى كبيرة، ولم تَرْقَ إلى مستوى صياغتهم للمؤامرات السياسية والادِّعاءات الثقافية والسيطرة الإعلامية، فتعلم اللغة العربية بهذا الشكل، سيدفع المؤسسات الإسرائيلية إلى التعامل مع التراث الديني والنصوص الإسلامية المقدسة بصورة أكثر يُسرًا وسهولة عن ذي قبل، وتكوين جماعات متخصصة في هذا الشأن بصورة أكثر تخصصًا وعمقًا، تهاجم العقيدة وتثير الشبهات لدى العامة، ولديهم من السيطرة على منافذ الثقافة ووسائل الإعلام ما يكفل لها الذيوع والانتشار، وأمر التعامل مع التراث ضعيف جدًّا في بلاد المسلمين بسبب الإهمال المريع للغة العربية، فالتعامل مع التراث بمنهج علمي محترم صار من أبلغ الصعوبات، لضعف اللغة على ألسنة الناس، واللغة وعاء الفكر، فإذا ضعفت صار إدراك الفكر الذي تحويه شاقًّا عسيرًا، وهو ما نلمسه ونُعاينه منذ عشرات السنين.

خاتمة
بعد أن استعرضنا فيما سبق من النماذج ما نظن أنه ذا دلالة حقيقية في بيان حال اللغة العربية في هذا الزمان التي باتت يهدرها أبناؤها صباح مساء ويقهرها خصومها ويستخدمونها في تحقيق مآربهم، فإننا في حاجة لإجمال ما خلصت إليه هذه الدراسة، وهو ما سنحاول بيانه في السطور التالية:
بالنسبة للغة العربية بين العرب، فهذا حالٌ عَسِر، حيث يستشري التردِّي على مختلف المستويات، ففي التعليم نجد اتساع الفجوة بين التعليم الرسمي باللغة العربية وبين التعليم الأجنبي سواء عبر مدارس الحكومات أو الجهات الأجنبية والخاصة، فالهوة تتسع، والنماذج المعرفية تتباين في المجتمع الواحد وتتشظَّى، كما أن التغريب الذي كان قاصرًا على أبناء الطبقات الثرية عبر التعليم الأجنبي، تغلغل داخل التعليم الرسمي عبر المدارس التجريبية واللغات في التعليم الحكومي، وأبواب الجامعات الغربية مفتوحة على مصراعيها لمن يسلك طريق التعليم الأجنبي من المتفوقين، وهو ما ترتب عليه تلقائيًّا ضعف الحس القومي حيث لم يعد أحد يقدِّم ما يُنمِّي هذا الحس الجوهري في نفوس الناشئة والشباب.
أما الإعلام فقد بلغ التردي والإسفاف فيه مبلغه، وصار من النادر أن تجد من يضبط لغته العربية وقواعدها أثناء الحديث ويلفظها دون لحن أو تحريف، هذا إن تحدَّثَ أصلا بالفصحى، إذ السائد الآن أن يكون الحديث في وسائل الإعلام باللهجات الدارجة، بل وصارت هذه اللهجات تستخدم في كتابة الصحف والمجلات السيارة، وبلغ الأمر بالبعض أن صار يكتب العربية بحروف لاتينية وهو ما صار يُعرف بـ(الفرانكوآراب)، وهذا الأمر إنْ نَدَرَ في وسائل الإعلام المطبوعة، فإنه ذائع مشتهر ومنتشر بين الشباب في تواصلهم على شبكة الإنترنت ورسائل الهاتف المحمول القصيرة وغير ذلك. وأما مجالا العمل فقد صارا يعتمدان على اللغة الأجنبية كسلوك مظهري يميز الشركات والمؤسسات ومنتجاتها ويسبغ عليها وصف الراقية في قبولها لطلبات العمل وفي تعاملها مع العملاء وفي وسائل الدعاية والإعلان وفي إنتاجها، وهو أمر لا أظنه يُفسَّر إلا من خلال محاولة ركوب موجة التغريب التي تفشَّت في بلاد العرب والاعتزاز بتقليد الحضارة الغالبة، وإذا لم تتخذ السلطات في دولنا العربية خطوات جادة في سبيل تعريب العلوم وحفظ الأمن الثقافي من خلال الحفاظ على اللغة العربية وصيانتها، فكيف لنا أن ننتظر سلوكًا أو خطابًا سياسيًّا يحترم اللغة العربية ويحافظ عليها، لقد صار من النادر أن تجد مِن السَّاسة في بلاد العرب مَن يستطيع أن يتحدث بلغة سليمة خلا أن يسعى للحفاظ عليها وتمكينها، المؤسف في الأمر أيضًا أن الخطاب السياسي لم يعد يهمل العربية وحسب، بل إنه باتَ قبيحًا حين استخدم ألفاظًا في اللهجات الدارجة لا تليق بمقام الحكم والسلطة أو حتى المعارضة، وهذا أيضًا مما يعبر عن حقيقة ما آل إليه حال هذا المقام، وبالإضافة إلى قبح الخطاب السياسي، فإن استخدامه العامية بإفراط صيَّرَه محليًّا بامتياز، فلم يعد هناك ذاك الخطاب الذي ينتظره العرب من أحد الزعماء أو المسؤولين السياسيين، اللهم إلا بعض المفوهين الذين يندر وجودهم ولا نستمع إليهم إلا في أحلك الأزمات. على أن ثالثة الأثافي، أو قل خامستها، أن يكون مجال الدعوة الدينية خُلوًّا أو يكاد من اللغة العربية السليمة، فاللهجات الدارجة صارت للدعوة الدينية كالماء والهواء، بدعوى تيسير التواصل مع الجمهور، الأمر الذي صاحب في حقيقة الأمر عدم قدرة الدعاة على التمكن من اللغة العربية وتهاونهم في تحصيلها، حتى صار الأمر على ما نرى من خطاب دعوي ركيك يفتقد إلى عناصر الجذب للجمهور، أو حتى الوعي بمقام الدعوة إلى الله.
فإذا وصلنا إلى المؤسسات التي يفترض بها أن تصون اللغة العربية وتعتني بها وتحافظ عليها كمجامع اللغة العربية وجدنا البيروقراطية وبطء الحركة والعجز عن التأثير وما يشبه العزلة والانكفاء على الذات؛ فلا تواصل مع الإعلام ولا تأثير في المجتمع، تسليم بالواقع وإلقاء بالتبعة على الزمان والمجتمع ذاته والمؤسسات التعليمية والإرادة السياسية، أما المجامع فيكفيها ما تقوم به من جهود في إصدار قرارات تتعلق بتعريب المصطلحات الأجنبية، وتيسير اللغة، وإصدار الأبحاث المختلفة وتحقيق التراث وعقد المؤتمرات السنوية، وغير ذلك مما يفيد أعضاء المجمع والمتعاملين معه، وهم ندرة الندرة، أما باقي المجتمع ففي وادٍ آخر، له لغته ومصطلحاته وتراكيبه ومصطلحاته المتجددة التي ينحتها كل يوم خليط بين الفصحى والعامية واللغات الأجنبية، وكتابة للعربية باللاتينية وغير ذلك، مما لا يحتاج إلى قرارات ولا مؤتمرات ولا كتب.
وإذا كان ثمة أمل في تأثير أكبر لمجمع دمشق، نظرًا لوضع اللغة العربية في الجمهورية السورية والاهتمام الحكومي بها والدعم على مستويات متعددة، فإن هذا الدعم والاهتمام لم يشفعا للمجمع بأداء دور ملموس في مشروع الذخيرة العربية، إلى جانب أن أداء المجمع يجد صداه باهتمام خارجي عنه (هو الدعم الحكومي) وليس نابعًا من ذات المجمع أو مستقلا عن السلطة في أداء دوره المنوط به.
أما المجتمع المدني فلعل فيه من الغيورين على هذه اللغة من يحاول أن يقاوم الوضع القائم ببعض المبادرات التي تؤتي أكلها بين الحين والآخر، لكنها نادرة الوجود، ليس لها جمهور كبير، تصارع في الحياة طوفانًا هادرًا، ولكنها تصمد دون أن يدري بها إلا من يجاورها أو من يلقاها وكأنها تحرث في الماء، ويشارك أمثال هذه المؤسسات المدنية العربية في الصمود مثيلات أُخَرَ في بلاد المهجر، قام على تأسيسها وإنشائها مهاجرون يخشون على اللغة الضياع من على ألسنتهم وألسنة أبنائهم، وجهودهم في هذا المقام جديرة بالتبجيل والإكبار، لكنهم على غرار إخوانهم في بلادهم العربية أقلية لا يُخفون الحقيقة الأليمة وهي أن العربية بين أبنائها في المهجر تصارع الضياع من أجل البقاء على ألسنة أبنائها هناك.
هكذا هو حال اللغة العربية بين أبنائها، حال الإهدار والإهمال والضياع، وكأنها ليست لغة شريفة مقدسة، إن إهدارنا لها كما نفعل الآن يُرَسِّخُ فى أذهاننا ونفوسنا أنها لغة الجمود والتحجر والعجز والتخلف، فى مقابل إسباغ صفات التطور والارتقاء والنهوض والتقدم على اللغة الأجنبية، وهذا مما يكسر النفس ويقف حائلا أمام التقدم والنهوض والارتقاء، ولذا نجد أن كثيرًا من الدول التى تقدمت بعد تخلف أو ضعف أو هزيمة، قد تبنَّتْ نموذجًا حضاريًّا يعتمد فى الأساس على ثقافة هذا البلد ولغته وهويته، مثل الصين والهند واليابان وماليزيا وغيرها، وما تقدمت أمتنا إلا حين كانت متمسكة بلغتها ورسالتها تنشرها فى ربوع العالم بكل جهد ومثابرة وإخلاص، إنه في الوقت الذي يبلغ فيه استخدام اللغة العربية على شبكة الإنترنت 3.3٪، فإن الإنجليزية تبلغ نسبة 29٪ والصين تحِلُّ فى المرتبة الثانية بنسبة 22٪ ثم الإسبانية 8٪ تليها اليابانية 5٪ ثم الفرنسية والبرتغالية والألمانية وكل منها 4٪[24].
لكن لعلنا نجد عزاءً في اهتمام بعض الدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا وإيران وماليزيا باللغة العربية، واعتنائهم بها، صحيح أن هذا الاهتمام يصب غالبه في صالح هذه الدول دون الدول العربية إلى أن الأمة كلها مستفيدة لا شك من هذا الاهتمام الذي يؤدي إلى زيادة التمسك بالدين الإسلامي ودراسته والتوسع في معاهد العلم الخاصة بذلك، فبجانب العامل الديني فإن الاهتمام باللغة العربية ينعكس في الحالة التركية إلى رواج للسياسة والنموذج التركيين في الحكم والعلاقات الخارجية وفي التجارة والسياحة، بل وحتى في السلوك الاجتماعي التركي بحكم تأثير الدراما التركية، وينعكس في حالة إيران سياسيًّا في أنه يفيد في إدراك الواقع العربي وبالتالي في تحرك إيران في المنطقة وصياغة سياستها نحو العرب على خلفية تصورات إيرانية شبه جماعية تنبع من هذا الإلمام باللغة العربية، على أنها تستخدم هذه المعرفة بالعربية في تصدير صورة ذهنية عن إيران تعتمد على نموذج قيمي باتت تُضَمِّنُه وسائلَ اتصالها الإعلامية مع العرب، وقد دفعت بهذا النموذج مؤخرًا ضمن أفلام ومسلسلات إيرانية مدبلجة للعربية وموجهة للعرب، وفي الحالة الماليزية نرى بجانب ما يبديه المجتمع الماليزي من اعتزاز واهتمام باللغة العربية يتبدَّى في سلوك إيجابي تجاهها عبر عقد المؤتمرات وتدريس العلوم الشرعية بها فإنه ينعكس في حال من الرواج الاقتصادي في السياحة والتجارة، بالإضافة إلى جعلها مقصدًا للأكاديميين العرب، وجُلُّ هذا ممَّا يقوِّي وشائج القربى بين المجتمعات الإسلامية ويزيد من فرص التعاون بينها.
وإذا نظرنا إلى علاقة العالم باللغة العربية سنجد أن اللغة العربية -صارت كوضع العرب- “موضوعًا” للقوى الدولية تتنافس عليه وتستخدمه، وتوجه له ما تشاء من رسائل عبر وسائل إعلامهم التي صاروا يبثونها بالعربية، ويتم كل هذا تحت إشراف حكومات هذه القوى التي تحرص على توفير ودعم وسائل الاتصال مع العرب باللغة العربية، ويُتَّخذ في سبيل توصيل الرسالة كل ما يمكن استخدامه من أدوات لتحقيق الإبهار بقدرات هذه القوى ومكانتها وعمق تأثيرها وأداء وسائلها الإعلامية على المستوى المهني، مما يجعلها حاضرة وبقوة في ذهن المتلقي العربي، صحيح أن هذه الأمور تتفاوت بين الدول وبين وسائلها المختلفة في التواصل مع العرب، إلا أنها تؤدي هذه الوظيفة إجمالا، ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى ما يمكن أن نطلق عليه اجتهاد بعض الدول التي لا يوجد لها ثقل في المجتمع الدولي وتقوم بمثل هذه الخطوات، مثل أذربيجان وسويسرا وكوريا الجنوبية.
على أن أخطر الاهتمامات العالمية باللغة العربية هي تلك التي تقوم بها إسرائيل، التي بدأت في تدريس اللغة العربية ابتداءً من الصف الخامس الابتدائي ويوجد بها نحو 1000 مدرس للغة العربية من اليهود، وهو ما أظن أنه سيؤدي إلى فاعلية أكثر للخطاب الإسرائيلي للعرب والعالم بسبب تعلم اللغة العربية لأكبر عدد من الإسرائيليين، الأمر الذي سينعكس في إدراك أكبر للثقافة العربية، ما سيؤدي إلى وضع تصورات والقيام بتصرفات أجدى في ميادين الصراع غير المسلحة أو حتى المسلحة إن اقتضى الأمر، بيد أن أخطر ما أظن أن هذا التعلم للغة العربية سيؤدي إليه هو قيامهم عبر هذا التدريس للغة العربية بتوفير أكبر عدد من الكوادر اللازمة التي ستقوم بالتعامل مع التراث الإسلامي وتحاول تشويهه والتدليس عليه، وهو ما لا يتوافر لهم في الوقت الحالي بالكفاءة اللازمة، وسيكون أيسر في المستقبل، في ظل إهمال العرب والمسلمين للغة العربية وعدم اعتنائهم الكافي بها، الأمر الذي سينعكس حتمًا في إدراكهم للتراث الإسلامي والتعامل معه.
*****

الهوامش:

(*) لقد حاولت أن أراعي قواعد الإملاء قدر الإمكان، لأن هذه النصوص كانت مكتوبة بمصاحبة الصوت الذي ينطق بها، وكانت مليئة بالأخطاء.
[1]- انظر د. سيف الدين عبد الفتاح: التعليم والهوية، نحو تأسيس جامعات حضارية، بحث منشور ضمن أعمال المؤتمر السنوي الثامن عشر للبحوث السياسية، (التعليم العالي في مصر.. خريطة الواقع واستشراف المستقبل) ج2 ص 1052، بتصرف قليل واختصار، نقلا عن د. حامد ربيع: في الثقافة العربية، بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي، القاهرة، دار الموقف العربي للصحافة والنشر والتوزيع، ص58 ـ 60.
[2]- نشرت المدرسة الألمانية الإنجيلية إعلانًا في بعض الصحف المصرية، تخاطب فيه الطلاب الذين اجتازوا العام الدراسي الابتدائي الثالث ولديهم مواهب علمية ولغوية إلى الالتحاق بها، والحصول على الشهادة الألمانية (الأبيتور)، وهذا الالتحاق بالصف الرابع الابتدائي تتيحه المدرسة، التي تأسست عام 1873، منذ عام 1977، انظر الإعلان في صحيفة المصري اليوم: 23/11/2010.
[3]- د. جورج قرم: الفكر الاقتصادى العربي من التبعية إلى الاستقلال، مجلة العربي، عدد 623، أكتوبر 2010، ص28.
[4]- المرجع السابق، ص29.
[5]- يوم الانتخاب.
[6]- المصري اليوم: 24/11/2010.
[7]- انظر تقرير قناة الجزيرة عن الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=VY5AtqWQaiw
[8]- http://www.blafrancia.com/
[9]- يمكن مشاهدة تصوير الأغنية على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=gPsakAC5vvg&feature=player_embedded#at=192
(*) أتوجه بالشكر للأستاذ الدكتور كمال بشر نائب رئيس مجمع باللغة العربية بالقاهرة والأستاذ ثروت عبد السميع مدير عام المعجمات العلمية واللغوية وإحياء التراث بمجمع القاهرة ومسؤولي المجمع على المعلومات التي قدموها لي وما وفروه لي من وقت وجهد في لقاءاتي معهم.
[10]- الأهرام: 7/9/2010.
[11]- وإن كان من المهم أن نلفت النظر إلى اضطرار المسؤولين، الذين لا يستجيبون لقرارات المجمع، إلى التقوُّل على المجمع ونسبة بعض قراراتهم إليه!! كما ذكر الدكتور عبد الحكيم راضي، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة (لاحقًا)، في مقال له بجريدة أخبار الأدب 19/12/2010، تحت عنوان: (التقول على مجمع اللغة العربية خط أحمر) حيث ذكر أن تصريحات وزير التربية والتعليم المصري التي ذكر فيها (أن التعديلات التي أجريت على مناهج اللغة العربية تمت بالاتفاق مع مجمع الخالدين) لم يحدث، وذلك بعد اتصالات مع ثلاثة من أعضاء المجمع بينهم أمين المجمع، وأن كل ما تم عبارة عن اتصال تليفوني من جانب الوزير، خلاصته حديث غامض وكلمات حسان عن التعاون دون أي كلام جاد أو دعوة حقيقية إلى عمل محدد..
[12]- عقد مجمع اللغة العربية مؤتمره السنوي في دورته السابعة والسبعين (2010- 2011) بعنوان: (اللغة العربية ومؤسسات المجتمع المدني) يوم 21/3/2011 ولمدة أسبوعين، وناقش المؤتمر في هذه الدورة قضية “اللغة العربية ومؤسسات المجتمع المدني” وكانت المحاور الرئيسية للمؤتمر هي “موقع اللغة العربية فى الحياة اليومية للمجتمعات العربية، وثقافة اللغة العربية الصحيحة بين أفراد المجتمع، ودور المسؤولين في نشر اللغة العربية في مؤسساتهم وتنميتها، ودور الوحدات المحلية في دعم اللغة العربية، وتجارب الدول المختلفة فى التعامل مع لغاتها القومية حفاظًا ونشرًا وتنمية، وقانون المجمع الجديد وتفعيل نشر اللغة العربية”.
انظر موقع اليوم السابع 25/11/2010: http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=309045&SecID=94
(*) أتوجه بالشكر للأستاذ عبد الكريم خونده، القائم بأعمال الملحق الثقافي السوري بالسفارة السورية بالقاهرة ولمسؤولي مجمع اللغة العربية بدمشق على البيانات والكتب وأعداد مجلة المجمع التي تفضلوا بإرسالها إليَّ لإتمام هذا البحث.
[13]- انظر تقرير قناة روسيا اليوم على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=FLT6zoWH19o&feature=more_related
[14]- انظر تقري قناة الجزيرة على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=AJVg9fTPnwI
[15] – http://www.akhbaralaalam.net/news_detail.php?id=36953
[16] – http://islamtoday.net/albasheer/artshow-12-139966.htm
[17] – د. حسان عبد الله حسان: التعليم في إيران.. من الثورة إلى الدولة، هامش ص 19، ط المؤلف، نقلا عن الصفصافي أحمد المرسي: علم اللغة التقابلي وتطبيقاته على اللغات الشرقية، القاهرة، دار الآفاق العربية، 2001، ص 71، 88.
[18]- جاء في المادة السادسة عشرة من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية: (بما أن لغة القرآن والمعارف الإسلامية هي العربية، وأن الأدب الفارسي ممتزج بها بشكل كامل، لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية، أي من المرحلة التوجيهية حتى المرحلة الثانوية).
[19] – المرجع السابق بتصرف قليل: هامش ص 171، 172، نقلا عن محمد شكيب الأنصاري: أهداف الترجمة بين العربية والفارسية ودواعيها، مجلة العلوم الإنسانية، طهران العدد 17، 1997، ص 19.
[20]- انظر تقرير قناة الجزيرة على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=LnweVqDpcyA
كما يمكن مشاهدة عرض لأغنية مصورة يقوم فيها أطفال ماليزيون بأداء أغنية نُظِمَت فيها الحروف الهجائية العربية على الرابط التالي: http://www.youtube.com/watch?v=Jmm7TDrZRhA
[21]- يمكن الاطلاع على تفاصيل المؤتمر عبر موقعه على الإنترنت باللغتين العربية والإنجليزية عبر الرابط التالي: http://www.iium.edu.my/ilc/ar/
[22] تحقيق (الطبيعة والتطور الاقتصادي يجذبان العرب إلى ماليزيا): صحيفة أخبار الخليج البحرينية، 10/8/2008.
[23] – فاروق جويدة: اللغة العربية في إسرائيل، الأهرام، 3/10/2010.
[24]- د. صبرى حافظ: التنظير لفضاء الإنترنت ـ أخبار الأدب ـ عدد 883 ـ 20/6/2010.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى