تقارير ودراساتسلايدر

الفضاء السيبراني: مساحات جديدة للتدافع والتغيير؟

د. أميرة أبو سمرة(*)

مقدمة:

إن الثورة الصناعية الرابعة “ثورة لم يشهد التاريخ البشري مثلها على الإطلاق، لا في سرعة انتشارها ولا في نطاقها ولا في درجة تعقيدها”، هكذا عبر البروفيسور Klaus Schwab –المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي الدولي- عن مشهد التطور التكنولوجي والرقمي الحادث من حولنا[1]. أدرك المسئول الدولي أننا أمام ظاهرة تتحدى الزمان والمكان في قدرتها على الانتشار والتأثير في الدول والشعوب. وهي ظاهرة تجمع بين كل إنجازات الثورات السابقة عليها في الصناعة والطاقة والاتصالات والمواصلات، وتضيف إليها إنجازات في مجالات جديدة تتداخل وتتكامل وتتبادل التأثير فيما بينها؛ إنجازات في مجالات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلم الوراثة والذكاء الصناعي والروبوتات والطاقة. تنتج الثورة الرابعة قواعد بيانات ضخمة وقدرات لا نهائية على تحليل هذه البيانات، وعملات وأسواق افتراضية، وسيارات ذاتية القيادة وطائرات بدون طيار، وطابعات ثلاثية الأبعاد، ومتاجر افتراضية ينتقي منها المستهلك الملابس والكتب والسلع، وأسواق سوداء يباع فيها كل شيء من تصميمات الأسلحة إلى نسخ من أحدث الأفلام، إلخ.

أنتجت هذه الثورة بيئة كاملة جديدة من صنع الإنسان تعرف بالفضاء السيبراني[2]. تجمع هذه البيئة السيبرانية بين المادي وغير المادي، فهي نتاج للاتصال بين أجهزة وشبكات ونظم مادية ملموسة وكابلات وأقمار صناعية في أماكن متفرقة من العالم، وتديرها برمجيات وتنظمها قواعد وشروط خاصة[3]. وهي بيئة جديدة من التفاعلات الاجتماعية، فللبشر دور محوري في التعامل مع هذه البيئة ببعديها المادي وغير المادي، ولهذا يرمز إليهم البعض بالـ”peopleware” على غرار الـ software (البرمجيات) والـhardware (الأجهزة)، يؤثر البشر بطبيعة الحال في هذه البيئة السيبرانية وتتأثر علاقاتهم الاجتماعية بها[4].

ينضم البشر إلى الفضاء السيبراني بسرعة غير مسبوقة ويسهمون في اتساع رقعته وتنامي أنماط التفاعلات داخله يومًا بعد يوم. تتسع رقعة الفضاء السيبراني وفق متوالية هندسية تضاعفية وليس بمتتابعة حسابية خطية، فإذا كانت أعوامٌ ثمانون قد فصلت بين اكتشاف ألساندرو فولتا لإمكانية توليد الكهرباء وبين استخدام الجماهير لاكتشافه، فإن أعوامًا ثمانية فقط تفصل بين إعلان شركة آبل عن الهاتف الآي فون الأول لها في عام 2007 وبين انتشار أكثر من ملياري جهاز هاتف جوال ذكي حول العالم بحلول نهاية عام 2015. كانت نسبة مستخدمي الإنترنت من سكان الدول الأفريقية لا تزيد عن 0.78% في بداية الألفية، أصبحت مع عام 2014 تزيد عن 20%[5]. وتضاعف عدد مستخدمي الإنترنت على مستوى العالم خلال الفترة من 2005 إلى 2019 بمعدل أربعة أضعاف ليتجاوز نصف سكان العالم[6]؛ عشرات الأدلة تثبت أننا أمام ظاهرة غير مسبوقة.

جولة جديدة من المراجعات النظرية: محاولة للفهم

تلوح في الأفق بفضل اتساع الفضاء السيبراني جولة جديدة من إعادة تعريف ما هو اجتماعي وما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو ثقافي، إلخ..، إعادة تعريف لما هو عالمي وما هو إنساني وما هو قيمي وأخلاقي؛ فجولة المراجعات التي شهدتها العلوم الاجتماعية المختلفة مع دخول البشرية عصر العولمة في نهاية الألفية الماضية[7]، لم تعد فيما يبدو كافية ومرضية للتعبير عن الواقع الاجتماعي المعاصر وسرعان ما سيصبح علينا أن نخوض جولة جديدة من المراجعة بدخول البشرية عصر السيبرانية.

كانت الجولة السابقة من إعادة تعريف السياسي تتحدث عن توسيع حدود السياسي وذوبان الفواصل بينه وبين غيره من الاجتماعي، تتحدث عن فواعل جدد وعمليات جديدة، وأضحت الجولة الجديدة تتحدث عن المزيد من توسيع الحدود وإذابة الفواصل، والمزيد من الفواعل الجدد والعمليات الجديدة، بعضها يختلف بالكلية عن تلك التي خبرها عصر العولمة.

يرى البعض تحولات جذرية تنتظر تعريف الدولة والوطن، والمواطن، وحدود سلطة الدولة -حين تهتز فواصل الحدود الجغرافية، وتنتظر تعريف حقوق الإنسان- بل والإنسان نفسه الذي أصبحت له نسخ آلية تقوم بمهامه. يتوقع البعض تحولات جذرية في تعريف الهوية، والقوة، والأمن والتجسس والدبلوماسية والنظام الدولي[8]، وفي تعريف مفاهيم السيادة، والمقاومة، والأمن، والرخاء، والصراع والحرب، والعنف، وسباقات التسلح والردع، حتى في شكل القوانين والتشريعات التي سيصبح عليها أن تتبدل لتتكيف مع أنماط جديدة من المخاطر والجرائم[9].

تنهال علينا الكتابات بمحاولات للتنظير لهذا الواقع الجديد بمفردات واقترابات ونظريات تعكس خصوصيته، ها قد صار البعض يتحدث عن المواطنة الافتراضية والحكومة الذكية والمدينة الذكية والقوة الإلكترونية والحروب الإلكترونية والقرصنة الرقمية، إلخ. وها قد صار البعض يتحدث عن أهمية استحداث حقول معرفية جديدة تجمع بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية استجابة لهذه التحولات كحقل الإنسانيات الطبية النقدية critical medical humanities الذي يسعى إلى ترشيد حركة تطور الطب برؤية مستمدة من النظريات النقدية في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية على نحو يجعل القطاع الطبي أكثر إنسانية وأكثر عدالة وأكثر تعبيرا عن أصوات المهمشين والمستبعدين في ظل التطور الرقمي الحادث فيه[10]، أو كحقل العلاقات الدولية السيبراني Cyber IR كحقل بيني يعترف بما للفضاء السيبراني من تأثير غير مسبوق على التفاعلات الدولية[11]. وها قد صار البعض يتحدث عن إمكانية استحداث اقترابات جديدة لدراسة هذا الواقع الجديد كاقترابات تسمح بالكشف عن تحيزات تسكن في بنية عمليات البحث عن المعلومات في الفضاء السيبراني وتسمح بدراسة تأثير هذه التحيزات، أو كاقترابات تجعل الأولوية للبشر عند التفكير في الفضاء السيبراني لا للدول أو غيرها من الفواعلpeople centric approach to cyberspace، إلخ..[12].

يتخيل البعض أن عالمنا المعاصر ما هو إلا مرحلة انتقالية ما بين عالمين، تماما “كما كان الحال مع أوروبا العصور الوسطى حيث سادت الممارسات والمعتقدات الدينية جنبًا إلى جنب مع فكر عصر النهضة التنويري العلماني”، حتى تمكن الأخير من إزاحة الأولى وسيطر وحده على المجال العام هناك[13]. تفترض Wertheim أن الروابط الاجتماعية الأفقية التي تميز كافة أشكال السلطة الاجتماعية كما يعرفها عالم ما قبل الفضاء السيبراني كالأسرة والرابطة العرقية والرابطة الدينية -التي هي جذور الروابط التي نهضت عليها الدول وغيرها من الفواعل- سيتم استبدالها بروابط شبكية متعددة الاتجاهات والمستويات تختلف اختلافا كليا عن منطق العلاقات الهيراركية، يختار فيها الفرد ولاءاته وانتماءاته دون تقيد بالعلاقات الأفقية[14]. تحدث أمثالها عن نهاية السياسة كما عهدناها فلا حكومات ولا دول ولا مؤسسات، وإنما فضاء سيبراني حرٌّ فوضوي كبير يتمتع فيه الأفراد بالحرية ويصبح فيه كل من يمتلك حاسبا آليا واتصالا بالإنترنت بمثابة فاعل دولي معتبر[15]؛ وهو ذاته الفضاء السيبراني الذي وصفه البعض بأنه أكبر تجربة في الأناركية/الفوضوية تجريها البشرية[16].

يُجمع كل هؤلاء إذن على أن تحولات جذرية في العلاقات الاجتماعية والسياسية تنتظر البشر في فضائهم السيبراني الجديد. لكن البحث فيما تحدثه الثورة السيبرانية من تحول على مستوى الواقع الإمبريقي للبشر هو مجرد أحد مستويات البحث. فإذا كان واقعنا الاجتماعي والسياسي -كما تخبرنا مراجعات هامة في العلوم الاجتماعية والسياسية- هو منتج للعلاقة بين القوة والمعرفة[17]، فيعنينا في مستوى آخر من البحث السؤال عن القيم والأطر الفكرية والمعرفية التي تنظم العلاقات الاجتماعية؛ كيف تتبدل وتتغير في ظل الثورة السيبرانية؟ ومن ثم إذا طرحنا سؤال الغايات -كما كان يحرص أ.د.عبد الوهاب المسيرى[18] فسألنا عن الغاية من هذا “التقدم” السيبراني، فهل نحصل على إجابة جديدة غير تلك التي عهدناها مع كل مرحلة من مراحل “التقدم” البشري منذ عصر التنوير، منذ اكتشف الأوروبيون قوة البخار فقوة الكهرباء فقوة المعلومات والتكنولوجيا، فكان التقدم كما عرفوه هو مكافئا للمزيد من تحكم البشر في الطبيعة -ولو على حسابها- والمزيد من تراكم الثروات لصالح الأغنى والأقوى -ولو على حساب أصحاب الأرض والمورد والحق، والمزيد من الاعتقاد في قدرات للعقل البشري لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود -ولو على حساب الدين والقيم الأخلاقية؟ أفرزت الحداثة في واقعنا السياسي والدولي ثنائيات أساسية؛ ثنائية الغربي وغير الغربي، الأبيض والأسود، الرجل والمرأة، الغني والفقير، الدولة والفرد، إلخ.. لا تتساوى أطراف هذه الثنائيات، يظهر الطرف الأول دائما كطرف أقوى في المعادلة، فتتمحور علاقات القوة الاجتماعية بين الأول والثاني حول مصالح الطرف الأول واحتياجاته وأولوياته[19]. فهل يحمل الفضاء السيبراني فرصا لتجاوز هذه الثنائيات وإعادة رسم العلاقات الاجتماعية لصالح أطراف تم تهميشها واستبعادها وقهرها؟

ليس السؤال إذن عن ملامح التحول أو التغير التي ستطرأ على واقع العلاقات الاجتماعية مع تدفق البشر جماعات أو فرادى إلى الفضاء السيبراني، وإنما السؤال هو سؤال القيم والمعاني التي تستبطنها هذه الحركة: هل يمكن أن يتحقق بفضل التقدم السيبراني قدر من العدالة العالمية؟ هل يمكن أن تتضاءل بفضل التطور التكنولوجي والرقمي تلك الفجوة بين أمن الضعفاء وأمن الأقوياء؟ هل يمكن أن تتضاءل الفجوة بين أمن الفرد وأمن المجتمع وأمن الدولة؟ هل يمكن أن ينحاز الفضاء السيبراني لصالح الإنسانية أم إن ما تحققه الثورة السيبرانية من إنجازات سينحاز بالضرورة لصالح الأقوى والأغنى وربما الأكثر علمانية والأكثر فردانية والأكثر نفعية والأكثر مادية كما انحازت الحداثة عبر مراحل تطورها العديدة؟

لا تدعي هذه الدراسة محدودةُ الصفحات والإمكانات أنها ستقدم إجابات وافية عن هذه الأسئلة، لكنها تستكشف فقط بعضا من ملامح إجابات محتملة لهذه الأسئلة. بين فرص وإمكانات التغيير من ناحية وقيود وحدود هذا التغيير من ناحية أخرى تدور الصفحات التالية.

الفضاء السيبراني، فرص وإمكانات:

يفتح الفضاء السيبراني أمام الإنسانية مساحات حركة لم تكن موجودة من قبل، مساحات لتغيير التوازن لصالح الأفقر أو الأضعف أو المهمش في معادلات القوة الاجتماعية.

يتيح الفضاء السيبراني على سبيل المثال مساحات لتحاور الشعوب والحضارات ومن ثم مساحات لتجنب الصراعات وتجاوزها، يفتح مساحات لتبادل الأفكار ونشرها وتحقيق الشفافية المطلوبة للحوكمة الرشيدة، ويوجد مساحات من التكنولوجيا الداعمة للتعلم والتعليم والتوعية والتثقيف، ويفتح فرصا للتجارة الحرة ويخلق فرصا جديدة للعمل platform mediated work[20]. يمكن للفضاء السيبراني إذًا أن يجعل البشر أكثر ثراءً وأكثر اتصالاً وأكثر وعيًا بتنوعهم وأكثر ثقافة وتعليما. وهي أمور كلها محمودة.

يؤمِّن الفضاء السيبراني كذلك مساحات غير مسبوقة للتعبير عن الرأي ويوجد مجالاً عامًا بعيدًا عن سلطة الدولة ورقابتها. يتيح الفضاء السيبراني فرصًا جديدة لمقاومة القهر والظلم بأشكاله وتنويعاته، فيتيح أحيانًا فرصًا لتصحيح بعض الأوضاع غير العادلة التي تم بناؤها اجتماعيا كأن يتيح لفئات أضعف داخل المجتمعات طرح قضاياها ويتيح لفئات مهمشة تصحيح الصور النمطية السائدة عنها. لهذا تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي فيديوهات لمسلمين يعيدون تقديم صورة المسلمين في العالم (ويكرسها بعضهم الآخر حيث يشكون بعض المسلمين في المقابل للعالم من ثقافة المسلمين “الذكورية أو العنيفة أو المتطرفة”[21]، أو لصينيين يصححون بعضا من الرؤى السائدة عن الثقافة الصينية، أو للاجئين يشاركون العالم تجاربهم الأليمة مع الاضطهاد والإبادة والتشريد، إلخ..

يفتح الفضاء السيبراني أيضًا آفاقا غير مسبوقة لشعوب الدول النامية للاحتجاج على واقعها الاستبدادي[22]. لعب الفضاء السيبراني على سبيل المثال دورا محوريا في حشد الجماهير مع ثورات الربيع العربي[23]، كما لعب قبل ذلك دورا محوريا في حياة الفلسطينيين منذ 1995 مع بداية انتشار استخدام شبكة المعلومات العالمية، وبشكل أكبر منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000 -والتي استمرت قرابة خمس سنوات[24]. أصبح الفضاء السيبراني منذ ذلك الحين ساحة أساسية لتداول الأخبار الفلسطينية ونقلها للعالم ولممارسة النشاط السياسي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته[25]. وكان من أواخر مظاهر هذا النشاط السياسي حملة قوية لإنقاذ سكان حي الشيخ جراح في القدس من التهجير القسري، بل وصاحبتها حملة داعية لمقاطعة الفيسبوك والإنستجرام على أثر تغطية غير محايدة لما حدث من تعديات إسرائيلية على منازل السكان الفلسطينيين وانتهاكات جسيمة ضدهم[26].

كذلك تجد الحركات الاجتماعية على تنوعها مساحات حركة جديدة لها في الفضاء السيبراني. فسواء كانت تدعو إلى مقاطعة زيارة حدائق الحيوان دفاعا عن حق الحيوان في الحياة بِحُرّيةٍ في بيئته الطبيعية (وهو هدف كثير من الصفحات التي تحمل اسم free animals) أو كانت تدعو إلى حماية اللغة والإرث الثقافي للشعوب أو الأقليات (ككثير من الحركات التي تدافع عن “حقوق السكان الأصليين”) أو كانت تدعو إلى الاعتصام في شارع المال والأعمال وولستريت في الولايات المتحدة؛ اعتراضا على سياسات رأسمالية متوحشة؛ رافعة في ذلك شعار “احتلوا وولستريت”، أو كانت تدعو إلى مقاومة العنصرية تحت شعارات “black lives matter” مدافعة عن المساواة بين البيض والسود، إلخ..، تجد الحركات الاجتماعية في الفضاء الافتراضي مساحات للتعبير عن مطالب واحتياجات غالبا ما يتم تهميشها وتجاهلها في الواقع.

يُوجِدُ الفضاء السيبراني إذًا بالفعل مجالاً عامًّا افتراضيًّا بعيدًا عن سلطة الدولة تشارك فيه الحركات الاجتماعية ويشارك فيه الأفراد بقدر من الحرية التي غالبا ما يفتقدونها على أرض الواقع[27]. وكأن الفضاء السيبراني يتيح آليات جديدة لمقاومة الظلم والقهر والتمييز.

تقع الهجمات السيبرانية في القلب من أدوات المقاومة الجديدة التي يتيحها الفضاء السيبراني أمام فاعلين من غير الدول، فلم تعد هذه الهجمات حكرًا على الدول، تدير بها منافساتها متى ارتأت ذلك. أضحى أيضا بمقدور جماعة محدودةِ الإمكانيات أو فردٍ بسيط، متى امتلكوا المعرفة، أن يقودوا هجمات سيبرانية مؤثرة. شهد عام 2021 على سبيل المثال العشرات من الهجمات السيبرانية الهامة، كان من بينها أن شنت جماعة مجهولة هجومًا على قاعدة بيانات أحد السجون في إيران للكشف عن تجاوزات جسيمة تحدث في داخله، كما شنت جماعة معارضة لرئيس روسيا البيضاء هجوما إلكترونيًّا على قاعدة بيانات وزارة الداخلية لفضح ممارسات النظام. تقود مثل هذه الهجمات إلى قدر من الحراك في موازين القوى غير المتماثلة بين الدولة والأفراد[28].

تمتاز الهجمات السيبرانية بأنها هجمات محدودة التكلفة إذا ما قورنت بهجمات عسكرية حقيقية على أرض الواقع، كما يصعب تحديد فاعلها بسبب الطابع السري لكثير من المعاملات على شبكات المعلومات. يميزها كذلك أنها لا تتقيد بالحدود الجغرافية أو المسافات، وأنها قد تتسبب في خسائر فادحة[29]. تستطيع هذه الهجمات أن تشل حركة أفراد وشركات وخوادم servers ودول، متى توفرت الإمكانيات التقنية لذلك، خاصة مع اعتماد المزيد من الدول على الفضاء السيبراني في تقديم الخدمات للمواطنين. تضع الهجمات السيبرانية شرعية النظم على المحك، كما تضع أمن الدول ذاته على المحك. ولهذا كله أضحى العمل على تطوير نظم للدفاع في مواجهة هذه الهجمات هما أساسيا من هموم المجال السيبراني[30].

يبدو الفضاء السيبراني إذًا وقد فتح آفاقا لتغيير توازنات علاقات القوة الاجتماعية على المستويين المحلي والدولي على حد سواء، لكن يبدو كذلك أن لهذه الآفاق حدودا وهو ما تتناوله الجزئيات التالية بقدر من التفصيل.

عن ثنائيات علاقات القوة الاجتماعية في الفضاء السيبراني:

بالرغم مما يتيحه الفضاء السيبراني من فرص للحراك على سُلّم توازنات القوة الاجتماعية أشارت إليها الجزئية السابقة، لازالت الكثير من الدراسات تشير إلى أن الأغنياء والرجال وأصحاب البشرة البيضاء هم أوفر نصيبًا في الفضاء السيبراني وأكثر قدرة على الانخراط في النشاط السياسي والاجتماعي في داخله من الفقراء والنساء وأصحاب البشرة غير البيضاء[31].

يتحدث البعض على سبيل المثال عن عدم تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في الفضاء السيبراني. تستخدم بعض الأدبيات تعبير “النسوية السيبرانية”، وهو تعبير يعود إلى منتصف التسعينيات ويثير مسألة التحيزات النوعية في الفضاء السيبراني من ناحية وتعمُّد الباحثين في هذا المجال إغفالَ حجم إسهام المرأة في تطوير هذا الفضاء السيبراني من ناحية أخرى. ففي الوقت الذي منح فيه الفضاء السيبراني منبرا للمرأة لطرح قضاياها والدفاع عنها، جعلها عرضة للابتزاز والنصْب والجرائم، وبشكل أكبر بكثير من الرجل. ناهيك عن أن الفضاء السيبراني هو عالم يحتفي بالأساس بإسهامات الرجال، فعلى الرغم من أن هناك من السيدات من أسهمن إسهامًا كبيرًا في تطوير التكنولوجيا السيبرانية، كعالمة الرياضيات والشاعرة ِAugusta Lovelace التي كانت صاحبة سبق منذ بدايات القرن التاسع عشر في تطوير البرمجيات ولغات البرمجة، نادرًا ما تحظى إسهامات النساء في هذا المجال باهتمام يذكر[32].

ليس التحيز الصريح أو المستبطن ضد المرأة هو النمط الوحيد من عدم المساواة الافتراضية أو الرقمية الذي يكشف عنه البحث في العلاقات الاجتماعية السيبرانية.

ينحاز الفضاء السيبراني لصالح الغرب بطبيعة الحال، فالغرب هو صانع المحتوى الأكبر في هذا الفضاء. ويقود الانفتاح على الفضاء السيبراني بوجه عام إلى اختراق العادات والقيم الغربية إلى داخل المجتمعات غير الغربية بسهولة غير مسبوقة[33]. تروج صفحات إلكترونية واسعة الانتشار مثل “Nas Daily” لمنظومات خطيرة من القيم النفعية البرجماتية تساوي بين الضحية الفلسطينية والمغتصِب الإسرائيلي، وتدعو إلى التخلي عن “معتقدات بالية” تفترض صحة عقيدة دينية دون غيرها. تروج الصفحة لأهمية الإيمان بالمساواة بين الأديان أو حتى تقبل غيابها بالكلية. بينما ترسم صفحات مثل “إسرائيل تتحدث العربية” واقعا مزيفا عن إسرائيل الديمقراطية المتفتحة التي تتسع للجميع لكي يحيا على أرضها، في وقت يُهجَّر فيه الفلسطينيون ويُؤسرون بلا ذنب ويُقتل من يعارض منهم بدمٍ بارد. تظهر قيم الأمر الواقع وقد فرضت نفسها فرضا على واقع غير غربي هو في أمسِّ الحاجة إلى التغيير.

في الوقت ذاته يلفت البعض النظر إلى أن لغة الإنترنت تتحيز ضد من لا يجيدون الإنجليزية، فلا ينتشر المحتوى على ذات النطاق العالمي الواسع ما لم يكن مترجمًا إلى الإنجليزية. تتطور إمكانيات الترجمة بشكل متسارع في الفضاء الإلكتروني، ولكن تظل هناك قيود وعوائق تفرضها اللغة لم يتم تجاوزها بعد[34].

على صعيد آخر ينحاز الفضاء السيبراني لصالح أصحاب رؤوس الأموال في مواجهة الأفراد والمجتمعات. فبينما يزيد الفضاء السيبراني من فرص بعض الأفراد في التعبير عن الرأي والثراء والتعلم -كما ظهر من الجزئية السابقة- يكشف التحليل الأعمق عن تضاؤل قوة الفرد فعليا وبشدة أمام قوة صانعي التكنولوجيا والمتحكمين في البيانات الضخمة وغيرهم. يتفاوت المستخدمون في قدرتهم على إنتاج المحتوى والترويج للمحتوى، بل حتى في قدرتهم على حماية أنفسهم من الجرائم السيبرانية ومن الضغوط النفسية التي تولدها الإحباطات المصاحبة للمشاركة في الفضاء السيبراني[35]. يقف الأفراد -بل المجتمعات- طرفًا أضعف في المعادلة في مواجهة شركات الفضاء السيبراني وفي مواجهة الدول على حد سواء.

تلجأ الشركات -وليست فقط الدول- إلى خوارزميات تتيح لها جمع المعلومات عن الأفراد وتصنيف هذه المعلومات و(فلترتها) والتمييز بينها، تحلل الخوارزمياتُ البياناتِ بشكلٍ فائق السرعة يسمح باستغلالها في مختلف الأغراض. تكشف كثير من الدراسات أن هذه الخوارزميات كثيرا ما تحمل تحيزات ضمنية ضد العرق أو اللون أو النوع. تشير بعض الدراسات إلى أن التحيزات التي تحملها هذه الخوارزميات قد تؤثر على حظوظ الأفراد في فرص العمل وفي تلقي الدعم والتأمينات وحتى في نصيبهم من الغرامات والعقوبات، خاصة في الدول المتقدمة التي تعتمد كثيرا على التكنولوجيا في مسألة فرض العقوبات. أما في الدول النامية فكثيرا ما تلجأ النظم الاستبدادية إلى الخوارزميات للكشف عن معارضيها وتتبع نشاطهم من خلال تحليل محتوى رسائلهم وكتاباتهم[36].

تتلاعب شركات الفضاء السيبراني بواقع الأفراد والشعوب وتتحكم فيه. تعتبر معضلة وفرة المعلومات مشكلة حقيقية في بعض الأحيان، فالفضاء السيبراني يحتوي على معلومات وفيرة ليست كلها صحيحة وقد يصعب في أحيان كثيرة التيقن من صحتها[37]. بل إنه يحتوي أحيانا كثيرة على معلومات متضاربة -كثيرا ما تكون كلها حقيقية ولكنها تغطي جوانب من الحقيقة وتطمس أخرى. ينتهي الحال أحيانا إلى أن تعيش كل مجموعة من البشر في عالم من الحقائق التي لا يعيشها غيرهم، ليس لأن معلوماتهم مزيفة وإنما لأن معلوماتهم منقوصة.

يطرح الفيلم الوثائقي الدرامي “المعضلة الاجتماعية” هذه الإشكالية الكبيرة[38]. تسعى كبرى شركات التواصل الاجتماعي جاهدة إلى إثارة فضول المتلقي لكي يستمر في التصفح لساعات وساعات، تحلل ميوله وتفضيلاته وتغدق عليه المعلومات والأخبار التي تتوافق مع أهوائه وتسترعي انتباهه، تتحكم من ثم شبكات التواصل الاجتماعي بالفعل في مضمون ما يصل إلى المتلقي حتى من أخبار. يخلق هذا كله عوالم متوازية من الحقائق. تعيش كل جماعة من البشر حقيقة اجتماعية غير تلك التي تعيشها الأخرى، تحدث هذه الحالة فرقة اجتماعية خطيرة داخل المجتمعات حيث تقدر وتفهم كل جماعة من البشر الأوضاع بشكل مختلف، كما تقود إلى خلل كبير في استيعاب الشعوب للواقع المحلي وتقييمها للواقع الدولي. تتلاعب هذه الشركات الكبرى في مصائر الشعوب، ترجح كفة أصحاب رؤوس المال على حساب استقرار المجتمعات. ويضرب الفيلم مثالاً هامًّا بالتلاعب بالانقسام الجمهوري-الديمقراطي في المجتمع الأمريكي.

على صعيد آخر، تشير الكثير من الدراسات إلى أن من يتحكم في محرِكات البحث يتحكم بدرجة كبيرة في نتائج البحث؛ حيث يمكنه تمييز كلمات بحث بعينها وتوجيه نتائج البحث نحو نتائج دون أخرى. تلعب محركات البحث دور “حرّاس البوّابات” في أحيانٍ كثيرة، فلا تسمح بمرور إلا ما تريد له المرور. تخبرنا تجربة الانتخابات الأمريكية عام 2016 ذاتها عن خطورة تدخل الشركات الكبرى في محتوى ما يصل إلى المستهلكين وقدرتها على توجيه الرأي العام بنشر الأخبار الإيجابية عن مرشح دون آخر من أجل تدعيم فرص الأول في الفوز بالانتخابات[39].

يضاف إلى هذا كله محدودية عدد محركات البحث ذاتها. تستقى المعلومات والأخبار والأدلة العلمية من هذه المحركات. والخطورة تتمثل في أن ما توفره شبكة المعلومات من أوراق بحثية ومادة إخبارية يصبح هو نفسه غالبًا نواة أساسية للمزيد من الأوراق البحثية والمؤلفات؛ ومن ثم لا تساهم اختيارات محركات البحث في تشكيل الرأي العام المحلي والعالمي فحسب، وإنما تساهم في صناعة العلوم وإنتاج المعارف. يحدد أمثال محرك البحث google ومحرك البحث bing ببساطة ماذا يرى الباحث من العالم حوله[40].

تتحكم الشركات الموفرة لخدمات الإنترنت service providers كذلك في السرعة التي يصل بها المحتوى إلى المستهلك دون محتوى آخر، ورغم كل ما يقال عن أهمية تحييد دور هذه الشركات فيما يعرف بـ”حياد الشبكة” network neutrality[41] تحقيقا لتكافؤ الفرص بين المحتويات المختلفة بغضِّ النظر عن مصدرها أو نوعها أو وجهتها، إلا أن القدرة على التحكم فيما يصل للمستهلك من محتوى تظل فعليا في يد هذه الشركات، ويظل الفرد تحت رحمة ما تقرر هي أنه الأنسب له أو الأحق بالوصول له.

يتضح مما سبق الفارق الكبير بين من يتحكم في العناصر المادية وغير المادية للفضاء السيبراني فيملك زمام الإنتاج والاحتكار إن أراد، وبين من يتمتع بقدرة على المشاركة، فلا يتعدى دوره دور المستهلك مهما تصور أنه قادر على المشاركة في إنتاج المحتوى[42].

هكذا تتكرس عبر الفضاء السيبراني ثنائيات الرجل والمرأة، الغربي وغير الغربي، الرأسمالي والمستهلك، إلخ.. كما تتكرس عبر الفضاء السيبراني ثنائية الدول القوية والدول الضعيفة، وهو ما تتناوله الجزئية التالية بشيء من التفصيل.

عن توازنات القوة بين الدول في الفضاء السيبراني:

تحتفظ العلاقات بين الدول في الفضاء السيبراني بكثير من ملامح العلاقات بينهم في العالم اللاافتراضي.

فمن ناحية تتنافس الدول الكبرى بشراسة على موقع الصدارة في العالم السيبراني. ليس أدل على هذا من حرب تجارية اندلعت بين الولايات المتحدة والصين تمحورت حول منع شركة Huwawei الصينية الكبرى المصنعة للتكنولوجيا من دخول السوق الأمريكية في ظل اتهامات لها بالتلاعب والتجسس لصالح الحكومة الصينية. حذَّر الكثيرون من أن تنافسًا سيبرانيًّا بين الولايات المتحدة والصين كفيلٌ بالإضرار بالاقتصاد العالمي ككل[43].

بل تتنافس السرديات حول الفضاء السيبراني كذلك. تطرح الصين استراتيجيتها الدولية للتعاون في الفضاء السيبراني بوصفها استراتيجية بديلة عن استراتيجية القوى الكبرى الغربية في إدارة العلاقات السيبرانية. تؤكد الصين أن استراتيجيتها قائمة على المنافع المشتركة لكل الدول والمناطق بلا استثناء، وعلى احترام مبدأ السيادة بحيث لا تستخدم الدول الإنترنت للتدخل في شئون الدول الأخرى، وعلى تجنب سباقات التسلح وسياسات الردع في الفضاء السيبراني لما لها من تأثير سلبي على السلم والأمن الدوليين، تقوم الاستراتيجية على التنافس الحر والعادل وتروج لأهمية إتاحة فرصة المشاركة المتكافئة للجميع في الفضاء السيبراني من خلال إتاحة التكنولوجيا اللازمة لهذا الأمر، ومن خلال إتاحة فرص متساوية لجميع اللغات وإتاحة فرصة للتبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب جميعها خدمةً للإنسانية.[44] تنافس الصين بسرديتها عن الفضاء السيبراني واقعًا سيبرانيًّا يبدو منحازا لمصالح الدول الكبرى الغربية على حساب الدول غير الغربية، صغيرها وكبيرها.

ومن ناحية ثانية تؤثر قدرة الدول على الاستفادة من الفضاء السيبراني في موقعها من خرائط توازنات القوى. تتفوق إسرائيل في هذا المجال بشكل يستحق التأمل. تنتج إسرائيل تكنولوجيا تفيد في عمليات الزراعة والري الذكية بحيث تتلقى كل نبتة ما تحتاجه من عناية ومياه، كذلك تنتج أجهزة تستعين بالذكاء الاصطناعي لكي تستخرج الماء من الهواء لتحل مشكلة نقص المياه في مناطق كثيرة من العالم، وتمتلك إسرائيل حصة تصل إلى 20% من نصيب الاستثمارات في مجال التأمين السيبراني للبنوك والشركات وغيرها. لهذا كله يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو بثقة عن أن التكنولوجيا الإسرائيلية تقود العالم، وأن إسرائيل التي كانت تعيش في حالة عزلة شبه كاملة عند تأسيسها أصبحت اليوم على اتصال بمعظم دول العالم، فتذهب إليها الصين والهند والدول الإفريقية -وحتى دول مسلمة ككزاخستان وغيرها- طلبا للمشورة والمساعدة، فالعالم يحتاج إسرائيل -على حد تصوره- لأنها تفيد العالم وتلبي احتياجاته. بل ويؤكد أنها مسألة وقت قبل أن يصبح كل من يدعو إلى عزل إسرائيل هو نفسه معزولا عن العالم[45].

لا ناقة ولا جمل للدول النامية في هذه المنافسات ولا نصيب لها من هذا الحراك على سُلّم القوى الدولية الذي يتولد عن استغلال الدول لما يتيحه الفضاء السيبراني لها من فرص.

فمن ناحية ثالثة تختلف حظوظ الدول الفقيرة مقارنة بالدول الغنية من حيث القدرة على الاستفادة من عوائد الإنترنت. وبالمثل تختلف حظوظ الفقراء عن حظوظ الأغنياء داخل الدولة ذاتها، وهو واقع يرمز إليه البعض بـ”الفجوة الرقمية العالمية”[46].

فإذا كان أكثر من 50 % من سكان العالم يستطيعون المشاركة في الفضاء السيبراني، فإن هناك قرابة نصف سكان العالم لا يستطيعون ذلك. وإذا كان بعض هؤلاء المحرومين يعيش في دول غنية، فإن غالبيتهم العظمى تعيش في الدول النامية، وهو أمر له تداعيات عديدة وهامة[47].

تتأثر على سبيل المثال فرص التنمية المستدامة بشدة بقدرة الدول على الانفتاح على الفضاء السيبراني؛ وهو ما يشير إليه تقرير التنمية الصادر عن اتحاد الاتصالات الدولي في عام2018 ؛ حيث اعتبر أن القدرة على دخول الإنترنت هي سبيل أساسي أمام الدول لتحقيق التنمية المستدامة، فالفضاء السيبراني يتيح فرصة تقديم الخدمات للمواطنين بشكل أسرع وأكثر كفاءة كما هو الحال مع خدمات التعليم والصحة والإغاثة في حالات الأزمات الطارئة والنقل، إلخ..[48].

في السياق ذاته يتحدث البعض عن أن الفضاء السيبراني لن يزيد الدول النامية -كتلك الموجودة في إفريقيا- إلا تهميشا، فما الفائدة التي تعود على دول فقيرة منهوبة الثروات والخيرات، تعتمد بالكلية على الاستيراد والديون، من كل تلك الطفرات التي تشهدها الصناعة والتكنولوجيا وتلك الثورة الرقمية غير المسبوقة؟ يرى Everisto Benyera أن أفريقيا -في عصر السيبرانية- لا ينتظرها سوى المزيد من النهب والاستغلال، فعمليات سلب الموارد والعمالة التي شهدتها أفريقيا في عصور الاستعمار تمتد اليوم لتصبح عمليات من السلب الرقمي؛ حالة من الاستعمار المعلوماتي the coloniality of data تستغل معه الشركات الكبرى تلك البيانات الضخمة التي تتمكن من جمعها من أفريقيا -بلا أي رقابة مؤسسية محلية حقيقية- وذلك لتحقيق المزيد من الثراء والثروة. لا عجب أن يهدي Benyera كتابه إلى “كل العبيد، في الماضي والحاضر والمستقبل”، وإلى “العبيد الذين لا يدركون أنهم عبيد” في إشارة إلى جهل شعوب الدول النامية بما تحمله الثورة السيبرانية من استغلال لثرواتهم[49].

في الوقت ذاته تثبت بعض الدراسات أن ثمة علاقة متبادلة بين إساءة استخدام الفضاء السيبراني وبين زيادة معدلات الفقر. يسهم الفضاء السيبراني في كثير من الدول النامية بالفعل في زيادة حالة التبعية والفقر، فالمقامرات والدعارة والنصب والاحتيال والإتجار في المخدرات والإتجار في البشر وغسيل الأموال والمعاملات المالية غير المشروعة والعنف السيبراني والجرائم (أو ما يُعرف إجمالاً بإساءة استخدام الفضاء السيبراني cyberspace abuse) كلها أمور تحيل دخول الكثيرين في الدول النامية إلى الفضاء السيبراني من النعمة إلى النقمة. قاد الانفتاح على الفضاء السيبراني إلى زيادة نسبة الفقراء في نيجيريا إلى 54% على سبيل المثال، وذلك لأن انفتاح المجتمع النيجيري على الفضاء السيبراني صاحبه ارتفاعٌ ملحوظٌ في نسبة الجرائم السيبرانية والممارسات غير المشروعة بدلاً من استفادة حقيقية بمزايا هذا الانفتاح[50].

تبدو الدول النامية بوجه عام أقل قدرة على الاستفادة من هذا الفضاء بسبب ضعف سرعات الإنترنت وبسبب الرقابة الحكومية التي تمارسها الدولة على انسياب المعلومات إلى المواطنين ومنهم. تتميز المجتمعات النامية بوجود أجيال اتصال مختلفة في داخلها، فبينما تنعزل أجزاء من الشعب -خاصة في الريف والمناطق النائية- تمامًا عن التطورات الحديثة، يعيش البعض في جيل أكثر تقدمًا من أجيال الاتصال والتواصل، فيمتلك ربّما محمولاً تقليديًّا أو هاتفا أرضيًّا، بينما يتصل الجيل الثالث بالإنترنت والأقمار الصناعية ويعيش واقعا معولمًا مختلفا بالكلية. تضغط هذه الانقسامات على البنية المجتمعية للدول النامية وتماسكها، بينما تقل هذه الانقسامات بشكل واضح في المجتمعات المتقدمة حيث يشارك معظم أبناء هذه المجتمعات بنسب تزيد عن الـ80% في الفضاء السيبراني، كما هو الحال في الولايات المتحدة التي تصل نسبة المشاركين في الفضاء السيبراني فيها إلى قرابة 90%[51].

ليست الدول سواسية، ولا حتى في الفضاء السيبراني.

ومن ثم نتساءل: هل يتشارك البشر فعليًّا فضاءً سيبرانيًّا جامعا كما توحي الدلالة اللغوية للمصطلح أم إنها فضاءات سيبرانية يجب التمييز بينها؟ يرجح العرض السابق أن الفضاء السيبراني ليس بالفضاء الواحد الذي يتشاركه كل من ينضم إليه، وإنما هو كما يصفه Mark Graham “شبكة تتيح الاتصال الانتقائي بين الأفراد والمعلومات”. وغالبا ما تعكس توازنات القوى القائمة في الواقع حتى ولو أتاحت الفرصة لبعض الحراك في هذه التوازنات هنا أو هناك[52]. يصل الأمر إلى حد أن يجد البعض طريقا إلى الفضاء السيبراني، بينما يظل البعض خارجه، محروما من كافة أشكال المشاركة، وهو واقع يصفه البعض بـ”الفصل العنصري الرقمي”[53]. ينحاز الفضاء السيبراني لصالح الأقوى والأغنى والغربي والرجل، لا زالت انحيازاته في غير صالح الإنسانية جمعاء ومن ثم مهما بدا ظاهريا أننا أمام تحولات كبرى في واقعنا الاجتماعي والسياسي المعاصر، فإن سؤالاً عن القيم التي تستبطنها هذه التحولات يحد بشدة من توقعاتنا لتغييرات جذرية حقيقية تنتظر البشر في عالمهم السيبراني.

فثمَّة فارقٌ كبيرٌ بين أن يتحرك البشر بحثا عن القوة والثراء والعلو في الأرض، وبين أن يتحركوا حركة واعية ومنظمة تجعل من العمران وتزكية النفس وتوحيد الخالق قيما وغايات عليا. وشتّان ما بين حركة غايتها مضاعفة ثروات الأغنياء ولو على حساب زيادة معاناة الفقراء، حركة تقوم على خداع البشر والتلاعب بسلامهم النفسي والاجتماعي، وعلى تشييئ العلاقات الإنسانية وانتهاك الخصوصيات، وعلى خلق المزيد من الاحتياجات البشرية المادية التي تلح على أصحابها من أجل إشباعها، وما بين حركة غايتها تحرير البشر من الكفر والفقر والمرض والجهل والعنصرية وعبودية الشهوات، وتحمل للجميع فرصة حقيقة لإعادة اكتشاف تنوعهم البشري، ولمشاركة حقيقة في إنتاج المعرفة النافعة وتغيير الواقع نحو عالم أكثر عدالة وإنسانية.

تقود الثورة السيبرانية البشر إلى المزيد من تضخم وهم القدرة على إخضاع الطبيعة لذلك الإنسان الذي نصب نفسه إلهًا في هذا الكون لا يقيده دينٌ أو عقيدةٌ لتعجّل من وصول البشرية إلى فناء محتوم تدفعها نحوه دفعا منظومة قيم استغلالية واستهلاكية واستعلائية، بينما نحتاج من الثورة السيبرانية أن تفسح مجالا لمنظومة قيم تراحمية تكافلية تعارفية تصحح مسارَ بشريةٍ أنهكتها الصراعات بين الأقوياء والأثرياء، وأرهقتها العصبية والعنصرية، واستنزفها واقع ما بعد استعماري يُطبِق على أنفاس الأضعف والأقل حيلة.

ويظل الفضاء السيبراني -رغم كل قسوته- ساحة هامة من ساحات التدافع بين هذه المنظومات من القيم، ومنحة حقيقية -إن أُحسن استخدامها- لكل من ينحاز لخيارات أكثر إنسانية وعدالة ولرغبة حقيقية في التغيير والإصلاح.

 

 

———————————

(*) مدرس علوم سياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة.

[1] Klaus Schwab, The Fourth Industrial Revolution: What It Means, How to Respond, World Economic Forum, Jan 2016, available at: https://cutt.us/eIdNB

[2] Myriam Dunn Cavelty and Andreas Wenger, “Cyber Security Meets Security Politics: Complex Technology, Fragmented Politics, and Networked Science”, Contemporary Security Policy, Vol. 41, No. 1, published online: 14 Oct 2019, pp. 5-32.

[3] Breno Pauli Madeiros and Luiz Rogerio Franco Goldoni, “The Fundamental Conceptual Trinity of Cyberspace”, Contexto Internacional, Vol. 42, No. 1, Jan/Apr 2020, pp. 31-55.

[4] Ibid, pp. 31-55.

[5] Badmus Bideni, “Cyberspace Abuse and Proliferation of Poverty in Nigeria: Investigating the Paradox of Social-Economic Development”, Africology: The Journal of Pan-African Studies, Vol. 11, No. 8, June 2018, p. 37.

[6] الموقع الإحصائي المتخصص statista.com، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/3K7xb

[7] انظر: نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير) وحسن نافعة (تقديم)، علم السياسة: مراجعات نظرية ومنهاجية، سلسلة محاضرات الموسم الثقافي (4-5) 2001/ 2003، قسم العلوم السياسية، (القاهرة: كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 2004).

[8] Breno Pauli Madeiros and Luiz Rogerio Franco Goldoni, Op. cit., pp. 31-55.

[9] Jennifer A. Chandler, “Technological Self-Help and Equality in Cyberspace”, Revue de Droit de McGill, Vol. 56, No. 1, Dec 2010, pp. 39-75.

[10] William Viney, Felicity Callar, Angela Woods, “Critical Medical Humanities: Embracing Entanglement, Taking Risks”, Medical Humanities, Vol. 41, Issue 1, 2015, pp. 2-7.

[11] Chintan Vaishnav, Nazli Choucri and David Clark, Cyber International Relations as an Integrated System, Explorations in Cyber International Relations, Massachusetts Institute of Technology, Working Paper no. 2012-16.

[12] راجع على سبيل المثال:

Patrick Maillé, Gwen Maudet, Mathieu Simon, Bruno Tuffin. Are Search Engines Biased? Detecting and Reducing Bias using Meta Search Engines, Hal Archives-Ouvertes, Paper no. 03150446, 2021.

[13] Vincent Mosco and Derek Foster, “Cyberspace and the End of Politics”, Journal of Communication Inquiry, Vol. 25, No. 3, 2001, p. 220.

[14] Ibid, p. 220

[15] Alexis C. Madrigal, “The End of Cyberspace”, The Atlantic, 1st of May 2019, available at: https://cutt.us/kjiBJ

[16] Mary McEvoy Manjikian, “From Global Village to Virtual Battlespace: The Colonizing of the Internet and the Extension of Realpolitik”, International Studies Quarterly, Vol. 54, No. 2, pp. 381-401, 2010.

[17] Sivapalan Selvadorai, Er Ah Choy, Marlyna Maros and Kamarulnizam Abdullah, “Shifting Discourses in Social Science: Nexus of Knowledge and Power, International Conference on Social Sciences and Humanity, Vol. 5, 2011.

[18] انظر: عبد الوهاب المسيري، فقه التحيز في: عبد الوهاب المسيري (تحرير)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، (نسخة منقحة ومزيدة)، الجزء الأول.

[19] Ramon Grosfoguel, “Epistemic Islamophobia and Colonial Social Sciences”, Human Architecure: Journal of the Sociology of Self-Knowledge, VIII, 2, Fall 2010, pp. 29-38.

[20] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), “Digital Inequalities 3.0: Emergent Inequalities in the Information Age”, First Monday: Peer-Reviewed Journal on the Internet, 2020, available at: https://cutt.us/Iw4FT

[21] وهو محتوى تسعى لتقديمه في قالب كوميدي فتيات مسلمات مثل Shazia Mirza أو Fatiha El Ghorri أو Dina Hashim

[22] Chintan Vaishnav, Nazli Choucri and David Clark, Op. cit.

[23] Asef Bayat and Linda Herrera, Being Young and Muslim: New Cultural Politics in the Global South and Global North, (Oxford: Oxford Scholarship Online, 2010).

[24] “أحداث القدس” تذكر ببداية الانتفاضة الثانية – الإندبندنت، مقال بتاريخ 11 مايو 2021 على موقع الـ BBC الإخباري، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/8v3ct

[25] Makram Khoury-Machool, “Cyber Resistance: Palestinian Youth and Emerging Internet Culture”, in: Asef Bayat and Linda Herrera, Op. cit.

[26] Facebook, Instagram accused of bias by censoring Palestinian content, ArabNews, updated 11 May 2021, available at: https://cutt.us/7MHAz

[27] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), Op. cit.

[28] Significant Cyber Incidents, Center for Strategic International Studies, available at: https://cutt.us/j4hv2

[29] Julian Jang-Jaccard and Surya Nepal, “Survey of Emerging Threats in Cybersecurity”, Journal of Computer and System Sciences, Vol. 80, 2014, pp. 973-993.

[30] Ibid, pp. 973-993.

[31] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), Op. cit.

[32] Ramnath Reghunadhan, Gender Inequality in Cyberspace: A Study on Socio-Technological Implications to Women in Kerala, available via researchgate: https://cutt.us/46qge

[33] Asef Bayat and Linda Herrera, Op. cit.

[34] Mehdi Mohsenian Rad, “The Impacts of Global Inequality in Social Networks: Examined in Three Major Theories,” Journal of Cyberspace Policy Studies, Vol. 1, No. 1., January 2017, pp. 61-87.

[35] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), Op. cit.

[36] Ibid.

[37] Mary McEvoy Manjikian, Op. cit., pp. 381-401.

[38] The Social Dilemma, Movie, first released January 2020, directed by Jeff Orlowski.

[39] Patrick Maillé, Gwen Maudet, Mathieu Simon, Bruno Tuffin, Op. cit.

[40] Dirk Lewandowski, “Living in a World of Biased Search Engines”, Online Information Review, Vol. 39, No. 3, June 2015.

[41] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), Op. cit.

[42] Jennifer A. Chandler, Op. cit., pp. 39-75.

[43] Ariel Levite and Lyu Jinghua, Chinese-American Relations in Cyberspace: Toward Collaboration or Confrontation?, Carnegie Endowment for International Peace, 2019, available at: https://cutt.us/NJbsd

[44] من موقع وزارة الخارجية الصينية:

International Strategy of Cooperation on Cyberspace, available at: https://cutt.us/r8m5M

[45] Israeli Prime Minister Netanyahu’s speech at AIPAC, 6th of March 2018, available at: https://cutt.us/4N6sF

[46] Vincent Mosco and Derek Foster, Op. cit., p. 222.

[47] Laura Robinson, Jeremy Schulz (et al.), Op. cit.

[48] Ibid.

[49] Everisto Benyera, The Fourth Industrial Revolution and the Recolonization of Africa: The Coloniality of Data, (London and New York: Routledge Contemporary Africa, 2021).

[50] Badmus Bideni, Op. cit., pp. 33-48.

[51] Mehdi Mohsenian Rad, Op. cit., p. 72.

[52] Mark Graham, “Geography/ Internet: Ethereal Alternate Dimesions of Cyberspace or Grounded Augmented Realities”, The Geographic Journal, Vol. 179, No. 2, 2013, pp. 177-189.

[53] Ibid, pp. 177-189.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق