د. نادية مصطفى

العلاقات الدولية في الإسلام: نحو تأصيل من منظور فقه حضاري

مقدمة: دوافع ومبررات منظور حضاري إسلامي لدراسة العلاقات الدولية

إن إسهامات الدراسات والعلوم الإسلامية في مجال العلاقات الدولية في الإسلام إسهامات زاخرة ووافرة وتعود إلى ما قبل تأسيس علم العلاقات الدولية (وهي الدراسات التي انبنى على جزء كبير منها مخرجات مشروع العلاقات الدولية في الإسلام[1]، ولكن الإشكالية المثارة هنا حول “منظورات حضارية مقارنة”، إنما تتصل بمجال علم العلاقات الدولية الحديث الذي أسسته منظورات غربية، وهو العلم الذي يمر بأزمة مراجعة استدعت التساؤل حول آفاقٍ منظورات حضارية مقارنة. إذن إذا كانت هذه هي الغاية والهدف؛ فمن ثم لا بد وأن تنطلق الدوافع والمبررات -في جزء ركين منها- من حالة هذا العلم لبناء منظور حضاري، وكذلك كان لابد وأن تجد المبررات منطقها، في جانب كبير منها، من أدلة وحجج أكاديمية من داخل العلم والتخصص، وذلك في مواجهة الانتقادات المختلفة التي تراكمت منذ إعداد مشروع العلاقات الدولية في الإسلام وخلال تنفيذه وخلال مناقشة مخرجاته من ناحية، والتي تراكمت أيضًا من ناحية أخرى خلال تدريسه وخلال تفعيله في تطبيقات بحثية متعددة (كما سنرى لاحقًا)؛ ذلك لأن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام لم يكن إلا بمثابة البنية التحتية لبناء منظور حضاري مقارن لدراسة العلاقات الدولية.
ومن جوانب أهمية هذا الموضوع: العلاقة بين: طبيعة النسق المعرفي، والمنظورات المنبثقة عنه أو منه، والأطر النظرية والمفاهيمية، وقدر تأثرها بالمنظورات؛ ومن ثم ضرورة تحديد الاختلافات بين النسق المعرفي الإسلامي والنسق المعرفي الغربي ودلالة هذه الاختلافات بالنسبة للأبعاد المقارنة بين “منظور غربي” لدراسة العلاقات الدولية و”منظور إسلامي” لهذا المجال… تأسيسًا على تحليل المصطلح.
ولا يقتصر الأمر على العلاقات الدولية بل نجد هذا التوجه بارزًا في كافة فروع العلوم الإنسانية التي عالجت بوضوح الإشكاليات العامة المنهاجية وأثر اختلاف الأنساق المعرفية على المنظورات المقارنة الغربية والإسلامية، كما تتضمن هذه المصادر تعريفًا ببعض الأبعاد النظرية المتصلة بدراسة هذه الاختلافات في كافة فروع العلم[2].
إن الحديث عن “الدوافع” هو حديث عن هموم القائمين على عملية البناء والمهتمين به أي هو حديث من المفترض أن يكون ذاتيًا ومن الداخل نحو الخارج، والداخل وأيضًا، أما الحديث عن المبررات فهو حديث من الداخل أحيانًا ومن الخارج في أحيان أخرى، وهو يتجه للخارج بالأساس.
والحديثان ضروريان منذ بداية خبرتي في البحث والتدريس: فلقد تصدرت مقدمة مشروع العلاقات الدولية عناوين: الدوافع، والمنطلقات، كما تصدرت محاضرات التدريس عناوين مناظرة. ولكن لماذا؟
من ناحية؛ ونظرًا لأن الغاية هي تأسيس قواعد منظور إسلامي باعتباره أحد منظورات علم العلاقات الدولية الذي ننتمي إلى تخصصه في إطار مقارن مع منظوراته الأخرى، فلن تتحقق الفائدة من بناء منظور إسلامي منفصل أو منعزل أو دون أن نؤسس لأطر مقارنة تحقق التفاعل مع غيره.
هذا، ويجدر القول إن الطلبة النابهين والمتميزين في قاعات الدرس وكذلك بعض الأساتذة المهتمين تساءلوا كثيرًا عن مغزى وأسباب تركيزى على تدشين المبررات من داخل العلم ابتداءً؟
لماذا يبدو أن الدفاع عن شرعية ومشروعية المنظور قد غلب على تطوير المحتوى وتشغيله على مستوى النظريات، وما المؤشرات التي ستثبت مصداقية وتنافسية هذا المنظور مع المنظورات الأخرى من العلم؟ والإجابة على التساؤل الأول هي أن دوافع البناء لا تنفصل عن مبرراته؛ فهي متكاملة، والإجابة على السؤال الثاني هي أن عملية بناء منظور ليست قضية أو مهمة فردية وتستغرق ربما ما يقرب من الجيل زمنيًا، ولذا يظل متزامنًا النقد من الخارج مع استمرار عملية البناء، وتزداد العملية صعوبة بالنسبة لمنظور ينبثق من نسق معرفي مغاير للنسق الذي يفرز المنظورات المهيمنة – ولو المتنافسة والمتضادة فيما بينها.
ويمكن تقسيم الدوافع والمبررات إلى أربع مجموعات كبرى تتصل بالمجالات التالية:
1- طبيعة النسق المعرفي الإسلامي، ومن ثم طبيعة الإطار المرجعي الإسلامي الذي يشكل المنظور والتنظير، بل ويفرض ضرورة تطوير منظور إسلامي.
2- وضع الخبرة الإسلامية في علم العلاقات الدولية الحديث، طبيعة إسهام العلوم الإسلامية في الموضوع بالمقارنة بطبيعة إسهام العلوم السياسية.
3- واقع الأمة الإسلامية ووضعها في النظم الدولية.
4- مراجعة حالة العلم انطلاقًا من مدخل المنظورات والجدال بينها.
وإذا كانت المجموعات الثلاثة الأولى تقع في دائرة الدوافع التي تراكمت منذ بداية مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام؛ فإن المجموعة الرابعة تقع بالأساس في نطاق المبررات ولقد تعمقت وتبلورت بدرجة واضحة خلال عملية بناء المنظور بعد انتهاء أعمال مشروع العلاقات الدولية. وجميع هذه الدوافع والمبررات ذات طبيعة معرفية أو نظرية أو عملية.
هذا، وفي ضوء هذه المقدمة، تنقسم هذه الدراسة إلى أربعة أجزاء:
– [1] نحو تأصيل من منظور الفقه الحضاري: من التأصيل الفقهي إلى التأصيل الحضاري للعلاقة مع الآخر: (العلاقات الدولية من منظور حضاري إسلامي)
– [2] المصادر التأسيسة والبنائية: تأصيل لرؤية إسلامية للعلاقات الدولية
– [3] فقه التاريخ الحلقة الوسطى بين التأصيل الفقهي (التأسيس) والتأصيل الفكري (البنائي): خبرة المسار التاريخي
– [4] الخاتمة: خصائص رؤية إسلامية معاصرة عن العلاقات الدولية: من التأصيل إلى الرؤية إلى التفعيل والتشغيل

[1] من التأصيل الفقهي إلى التأصيل الحضاري: العلاقات الدولية من منظور حضاري إسلامي:

ساهم في بناء وتأسيس الرؤية عن كيفية الجمع بين التأصيل الشرعي والتأصيل الحضاري جماعة بحثية توالت جهودها في مجال دراسة العلاقات الدولية من منظور إسلامي ابتداءً من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، وعبر جهود دراسة العلاقات الدولية المعاصرة للأمة الإسلامية، وعبر التأصيل لمجال الدراسات الحضارية والتحليل الثقافي للظاهرة السياسية.
ولقد تحققت إسهامات “معرفية ومنهاجية ونظرية” لهذه الجماعة البحثية في مجال القيم وفي مجال المفاهيم (القوة) وفي مجال العمليات (العولمة والعالمية) وفي مجال القضايا ووحدات التحليل ومستوياته، وكذلك في مجال منهاجية توظيف التاريخ (من منظور مقارن) لدراسة العلاقات الدولية علاجًا لتحيز علم العلاقات الدولية الغربي بإسقاط خبرة التاريخ الإسلامي[3].
إن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، ثم عملية بناء المنظور الذي قامت على نتائجه، قد أبرزا كيف أن الحلقات المتتالية تؤكد أن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام لم يكن مجرد بنية تحتية لبناء منظور إسلامي، ولكن يساهم أيضًا في تأسيس حقل جديد في مجال دراسة العلاقات الدولية، يمكن وصفه حقل الدراسات الحضارية الدولية، وهو حقل تساهم فيه فروع معرفيه متعددة إلى جانب فروع علم السياسة ذاته، ولكن من منظور حضاري إسلامي.
وبذا، نكون قد حققنا تراكمًا مقارنةً بمداخل أخرى لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام (مداخل فقهية وشرعية وقانونية سواء بأقلام عربية أو استشراقية). ولعل أهداف مشروع العلاقات الدولية في الإسلام كانت واعية منذ البداية على أن أهداف منظري السياسة ومنهاجيتهم لابد وأن تختلف عن أهداف مداخل معرفية أخرى اهتمت أيضًا بالعلاقات الدولية كموضوع من موضوعات الشريعة أو الفقة أو القانون أو التاريخ أو الفلسفة[4].
والمقصود بمنظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية هو منظور قيمي ذو طبيعة خاصة. وترجع خصوصية هذه الطبيعة إلى تميز مصادره وأصوله عن نظائرها في المنظورات الغربية، وهو التميز الذي يرجع بدوره لاختلاف طبيعة النسق المعرفي. هذا، وتنعكس هذه الطبيعة القيمية الخاصة بدرجة كبيرة على منهجية المنظور وأدواته وعلى افتراضات المنظور ومقولاته حول الأبعاد الأساسية لدراسة العلاقات الدولية: أصل العلاقات ومحركها، الفواعل ووحدات التحليل ومستوياته، نمط قضايا العلاقات الدولية وتفاعلاتها محل الاهتمام، نمط التفاعلات، العلاقة بين الداخلي والخارجي وبين المادي وغير المادي في تفسير الأحداث والتطورات.
هذا، وإن خصائص هذا المنظور الإسلامي الذي تم الاجتهاد حولة طيلة عقد من الزمان لتبين، كيف أنه يمثل -مقارنة بخصائص ومنظورات العلم الأخرى- منظورًا حضاريًا يحقق تراكما في الحقل. ويستجيب هذا التراكم -من واقع خبرة حضارية إسلامية- للنقائص التي كشفت عنها نتائج عملية مراجعتنا النقدية لحال المنظورات الغربية للعلم- مشتركين في ذلك مع تيار مهم جديد هو التيار الغربي النقدي، وإن اختلفنا عنه في جانب آخر على نحو يبرر وصف المنتج بأنه منظور حضاري. ولقد تلخصت نتائج مراجعتنا لحالة العلم فيما يلي[5]:
· التغير المستمر في المنظورات مع التغير المستمر والمعقد في الواقع الدولي بدعوى الاستجابة لمتطلبات دراسة هذا التغير والتأثير على مساره، وهو الأمر الذي أدى إلى فوضى المنظورات المتنافسة والمتقابلة وعلى نحو دفع للتساؤل عن عواقب الافتقاد للثابت، وهل هي منظورات لجوانب مختلفة من عالم واحد أم هي رؤى عن عوالم مختلفة، وهل يحقق هذا التغير أهداف حركية للقوى المهيمنة سياسيًا وفكريًا ونظريًا؟ أي لماذا هذا المسار في التحول من أولوية السياسي – العسكري إلى الثقافي الحضاري مرورًا بالاقتصادي؟
· مشاكل الاستقطاب الثنائي للمنهاجية بين العلمي والقيمي ومن ثم بروز الدعوات التوفيقية أو الوسطية حول إمكانيات الدراسة العلمية دون استبعاد القيم والثقافة (أو الذاتية بصفة عامة) ومن ثم الحديث عن الواقعية – القيمية أو القيمية الواقعية أو المثالية – الواقعية.
· انتقاد الجزئية والاختزالية عند تناول الظاهرة الدولية المعقدة والمركبة سواء بالتركيز على الأبعاد العسكرية– أو الاقتصادية أو الثقافية أو بالتركيز على الأبعاد المادية دون غيرها، وهو الأمر الذي يحول دون الفهم العميق والدقيق للتحولات الجارية والمستقبلية، ومن ثم الحاجة إلى رؤية كلية تستدعى بالضرورة إسقاط الحدود بين علم العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، وتفعيل التعاون البيئي.
وأخيرًا: هذا التأرجح بين أولوية صراع القوى والمصالح والحروب وبين أولويات آليات الاعتماد المتبادل أو تجانس المصالح. وماذا عن منظومة أو نسق هذه العمليات والعلاقات بينها؟
وإذا كنا نصف منظور إسلامي للعلاقات الدولية بأنه منظور قيمي، ولكي نزيده وضوحًا مقارنة بغيره من منظورات قيمية أخرى على صعيد العلم، فيمكن القول، أيضًا، إنه منظور حضاري إسلامي، وذلك تمييزًا له عن المنظور الفقهي الإسلامي. فغالبًا ما يبرز في الأذهان وفي معظم الأعمال- التي تصدت لنظرية العلاقات الدولية في الإسلام (كما سنرى لاحقًا)- كما لو أن العلاقات الدولية في الإسلام هي مجرد فقه الأحكام أو فقه المبادئ والأسس. في حين أن الشريعة الإسلامية أكثر اتساعًا من هذين المجالين فقط، وانطلاقًا أيضًا من القرآن والسنُّة، فهي تتضمن أيضًا القيم والسنن.
ولقد تبلور هذا المنحى- أي نحو منظور حضاري، منذ وضع اللبنات الأولى لمشروع العلاقات الدولية في الإسلام. وذلك مع المداخل المنهجية للتعامل مع مصادر تأسيس وبناء منظور إسلامي اجتهادي معاصر. وهذه المصادر هي الأصول ( القرآن والسنُّة)، والفقه وتاريخ العهد النبوي والخلافة الراشدة[6]. وكذلك المداخل المنهجية لدراسة التاريخ – ممارسة وفكرًا- باعتبارها مصادر مكملة للمصادر التأسيسية[7]، وهي وإن انطلقت من الوحي أيضًا، إلا أنها بالطبع ليست على نفس مستوى المصادر التأسيسية (القرآن والسنُّة) أو المصادر البنائية الأساسية أي الفكر الفقهي العام، وخبرة الخلافة الراشدة باعتبارهما نماذج قياسية. أما المصادر البنائية المكملة وهي خبرة التاريخ -ممارسة وفكرًا- فهي مصادر متغيرة، ومن ثم هي مصادر لاختبار السنن والقيم سواء فعلًا وممارسة أو لاختبار كيفية إدراك المسلمين لهذه السنن والقيم (التغير وشروطه)[8].
بعبارةٍ أخرى، فإن الجمع بين المصادر التأسيسية والمصادر البنائية والاختبارية، إنما يقدم توجها أكثر اتساعًا من التوجهات التقليدية التي تنطلق من أحد هذه المصادر بالأساس لتقدم أما رؤية فقهية عن العلاقات الدولية في الإسلام أو تاريخية أو… إلخ.
ومن ناحية أخرى، فإن بناء المشروع في كلياته ابتداء بالجزء الثاني عن القيم كمدخل لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام[9] وانتقالًا إلى المداخل المنهجية لمصادر التأسيس السابقة الإشارة إليها، إنما يدعم من توضيح هذا المنحى للمشروع، أي السعي نحو منظور حضاري.

فلقد كان الجزء الثاني من المشروع (القيم) هو بمثابة قراءة جامعة لجهود المشروع ونتائج أجزائه. لذا، فهو يقدم خلاصة شاملة لرؤيته الاجتهادية المعاصرة ذات الطابع الحضاري الكلي، حيث يؤسس هذا الجزء لرؤية المشروع باعتبار الدعوة كأساس للعلاقة بين المسلمين والعالم، وما يترتب على ذلك من رؤية للدولة، وللأمة وللجهاد وللحرب والسلم وغيرهم من القضايا والمفاهيم والأبعاد.
كما أن تدشين المداخل المنهاجية لدراسة المصادر التأسيسية (الجزء الثالث) بما قدمه د. سيف عبد الفتاح عن الرؤية القرآنية، يستدعي التوقف لشرح المقصود بجذور هذا المنحى الحضاري للمنظور الذي سعينا لتقديمه. فوفق طرح د. سيف[10]، فإن الرؤية القرآنية عن العلاقات الدولية ليست في آيات الأحكام فقط ولكن أيضًا في الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة والزمان. وهذه الرؤية القرآنية هي التي تمكننا من الخروج من دائرة المدخل الفقهي الجزئي المحدود، (الذي يتمحور حول قضايا إدارة الحرب أو السلام فقط) إلى المدخل الرحب الحضاري الذي يستدعي كل أنماط التفاعل الحضاري التي تتمحور حول مراكز أخرى وليس فقط القتال والحرب وتحقيق السلام. وبذا تصبح الرؤية القرآنية- منذ البداية- تؤصل وتؤسس لرؤية للعلاقات بين الأمم تلك التي تسمى الآن ” رؤية للنظام العالمي”.
فمثلًا يرى د. سيف عبد الفتاح أنه لسنا نحن الذين أسسنا للقراءة المتحيزة ضد فقه تقسيم دار السلم ودار الحرب (كما يقدمها المستشرقون) وهم الذين ينقدوه وينقضونه ويتهمون به المسلمين. بل إن رؤاهم الحديثة هي التي أسست هذه المعايير الاستئصالية الصراعية المادية، الضيقة المصالح، وأسقطوها علينا.
بعبارة أخرى، وانطلاقًا من هذه المحطة الأولى التي قدمها د. سيف عبد الفتاح، وعلى ضوء القراءة المتراكمة للمشروع ونتائجه وما تلاه من أعمال، يمكن أن نؤكد الآن أن المشروع أعاد قراءة كل ما سبق من اجتهادات، وعلى ضوء فقه واقع امتنا- ثم قدمنا رؤية جديدة، وفق منهاجية محددة المعالم وبواسطة متخصصي علوم سياسية وليس فقه شرعي أو فقه قانوني دولي فقط.
إذن قدمنا رؤية تأصيلية بنائية وليست اعتذارية أو تبريرية دفاعية، أسسنا لها بعمل جماعي انطلق من رؤى نقدية سواء لمنتجات العلوم الغربية أو العلوم الشرعية ذات الصلة. أن هذه العملية التنظيرية الممتدة المتعددة المستويات، بقدر ما تمثل بنية تحتية لبناء منظور إسلامي مقارنة مع منظورات العلم الأخرى، إلا أنها تمثل في حد ذاتها عملًا متكاملًا تأصيليًا بنائيًا في مجالات القانون الدولي، النظرية السياسية، نظرية العلاقات الدولية ومن ثم فإن المشروع بقدر ما كان نتاج تفاعل حي بين عدة تخصصات ومجالات معرفية، فهو كان أيضًا بمثابة إضافة وتراكم على صعيد كل من المجالات التالية:
العلاقات الدولية في نظرية الدولة الإسلامية أو نظرية الدولة الإسلامية من مدخل العلاقات الدولية[11]، المصادر الإسلامية في التنظير السياسي[12]، قواعد السلم والحرب في الإسلام[13]، القيم في النظرية السياسية الدولية[14]، التاريخ والتغير النظمي الدولي[15]، والتحليل النظمي للتاريخ الإسلامي[16].
ولهذا كله، يحقق الفكر السياسي للعلاقات الدولية استكمال شرح صفة “الحضاري” في المنظور الإسلامي وتؤسس لها، وعلى نحو يتراكم مع المنطلقات المنشورة منذ 1996، ومع الجهود المبذولة طوال عقد تالي وحتى الآن (كما سبق التنويه): لماذا؟ وكيف؟
إن المقصود بالحضاري -بصفة عامة-[17] الكلية في الأبعاد السياسية والاقتصادية وغيرها، والشمول في الرؤية بين التاريخ، والراهن، والمستقبل؛ والتعدد في المستويات ما بين الجزئي والكلي، والجمع بين وليس التضاد بين الثنائيات (الوحي والعقل، القيمة والواقع، الثابت والمتغير… إلخ).
وهذا المفهوم عن الحضاري هو تجسيد للرؤية الكونية الإسلامية. فهذه الرؤية الكونية الإسلامية كرؤية من رؤى العالم[18] هي مدخل مجمع للمجالات المعرفية وهي رؤية تعارفية حضارية. ولقد عكستها رؤى ومنظومة أفكار العديد من مفكري ورموز الإسلام في عصوره المختلفة. “وكان ابن خلدون” من أبرز من قدموا هذه الرؤية الحضارية العمرانية[19].

العلاقة بين التأصيل الفقهي والتأصيل الحضاري: إن تأصيل العلاقات الدولية (الخارجية) بين الأمة الإسلامية والعالم ليست قضايا الحرب والسلام فقط؛ ولكنها أكثر اتساعًا لتضم -بحكم الرؤية القرآنية- قضايا أخرى تتصل بالمجال الحضاري الإنساني بصفة عامة، حيث تتداخل وتتشابك وتتقاطع أبعاده وموضوعاته (مثل التعارف، العمران، التدافع…). وبالمثل، فإن الاقتراب من هذه القضايا الحضارية –بأوسع معانيها- لا يكون من خلال مستوى الأحكام الفقهية فقط، والتي تتصل في معظمها بوقائع وبزمان ومكان محدد، ولكن يتم الاقتراب منها أيضًا من مستويات أكثر كلية وهي المقاصد والسنن والقيم والمفاهيم انطلاقًا من التأسيس العقدي (الرؤية الكلية).
ولهذا، فإن رؤية فكرية عن تغير أحوال الناس وكيفية إدارتها تستدعي فقه الواقع على ضوء الرؤية الكلية الإسلامية ليس من أجل أحكام فقهية جديدة فقط، تتصل بجزيئات محددة مطلوب الحكم أو الفتوى فيها، ولكن من أجل تقديم رؤية كلية فكرية عن “الأحوال” من مداخلها: الداخلية، والبينية والخارجية. ومن ثم، فإن ما يمكن وصفه بـ”المسار الفكري الحضاري الممتد والمترابط الحلقات” لا يقل أهمية عن المسار الفقهي الشرعي الممتد المترابط الحلقات أيضًا؛ لأن الفكر ليس مجرد فقه الأحكام -كما سبق التنويه- وأن كلاهما لا ينفصل عن الآخر. ولهذا سنجد -كما سنرى لاحقًا- أن المدخل الفقهي هو واحد بين عدد من مداخل دراسة الفكر الإسلامي.
بعبارة أخيرة: فإن حالة أزمة الفكر الإسلامي المعاصر، وخاصة من حيث استقطابها بين ثنائية ما يسمى اتجاهات تقليدية (ترفض أن تأخذ تأثيرات الغرب في حسبانها) من ناحية، وبين اتجاهات حديثة (تتكيف مع أو ترضخ لضغوط الواقع ومن ثم تفرز مجرد خطابات اعتذارية أو تبريرية أو دفاعية)، من ناحية أخرى، هذه الحالة الاستقطابية الحادة تتطلب استجابة بنائية تتجاوز الاتجاهين السابقين بحيث لا تحكم الواقع أو تقتحمه ولكن تعتبره لفهمه ثم لتغييره انطلاقًا من قواعد وأسس ومبادئ الرؤية الإسلامية الكلية وأحكامها العامة، وليس من منطلق قواعد قوانين الغرب المستحكم حتى ولو باسم الحاجة لاجتهاد جديد ومعاصر يستجيب لتحديات ضغوط الواقع. إن هذه الاستجابة البنائية –المشار إليها- لا تقوم في فراغ أو من خصائص اللحظة الراهنة، ولكنها لابد وأن تعي وتتدبر تطور المسار الحضاري للفكر الإسلامي بأوسع معانيه المجسِد لرؤية العالم الإسلامية والعاكس لخصائص الثقافة والحضارة الإسلامية والمعبر عن مدارس الفقه الإسلامي والتفسير الإسلامي للتاريخ، وهذا الفكر الحضاري ليس الفكر الفقهي فقط كما أن الاهتمام بهذا الفكر الحضاري هو ترجمة لتوسيع نطاق الشريعة إلى ما هو أكثر من الأحكام الفقهية. تلك الأحكام –والتراث الضخم الذي يرتبط بها هي من الأهمية بمكان بحيث لا يجب الخوض فيها دون تبصر ورؤية تقود إلى شطط الإسقاط لكونها تاريخية أو تقود إلى فوضى التأويلات أو تقود على العكس إلى الجمود خوفًا من التجاوز.
إن استكشاف هذا المسار الحضاري للفكر الإسلامي إنما هو نتاج الإطار النظري والمدخل المنهاجي والإطار المرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، والذي أصَّل له د. سيف الدين عبد الفتاح في جزئين من أجزاء مشروع العلاقات الدولية في الإسلام. (والجزء الأول من هذين الجزئين هو: المداخل المنهاجية للتعامل مع المصادر الإسلامية التأسيسية لرؤية إسلامية للعلاقات الدولية، والجزء الثاني هو: البناء المعرفي المنهاجي النظري الفكري الذي قدم من خلاله مدخل القيم لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام)، وكلا الجزئين يمثل تأصيلًا علميًا أكاديميًا إسلاميًا من مدخل الرؤية للعالم والمقاصد والسنن والمفاهيم وليس الفقه فقط.
وبناء عليه، فإن الاهتمام بالمسار الفكري الحضاري الإسلامي يحقق ثلاثة أهداف تربط بين النظرية والفكر والواقع، وتربط بين الأصول والفكر والواقع، وتربط بين الفقه والفكر والواقع، وأخيرًا: تربط بين الحركة والفكر والواقع (تاريخًا وراهنًا). وهذه الأهداف هي من ناحية: بيان كيفية تأثير النموذج الإرشادي الإسلامي (الرؤية للعالم، والنموذج المعرفي) على الخصائص الكلية للفكر الإسلامي. فمهما تنوعت روافده ومداخله عبر التاريخ يظل هناك رابط وسمات مشتركة. ومن ناحية ثانية: تجسير الفجوة لدى البعض بين التنظير للعلاقات الدولية من منظورات علم العلاقات الدولية وبين التنظير من منظور إسلامي على اعتبار الأخير ليس إلا تراثًا فقهيًا وتاريخيًا. ومن ناحية ثالثة: التدبر في أوضاع الواقع الراهن لا تكتمل -من رؤية إسلامية- بدون تسكينها في مسار تطور تاريخ هذه الأوضاع وتاريخ الفكر المرتبط بها.
وفي نهاية المطاف، فإن هذه المتابعة لتطور مسار الفكر الحضاري الإسلامي يساعد على صياغة خطاب إنساني إسلامي معاصر يمثل تجسيرًا للفجوة بين خطاب الصراع والانقسام الذي يعبر عنه “خطاب الفسطاطين” الذي هو ترجمة معاصرة بدون روح لخطاب تقسيم الدارين، ولكن بدون روحه، وبين خطاب الاستسلام والإذعان الذي يعبر عنه خطاب ثقافة السلام والتسامح والذي يرتدي زي الاعتذار والدفاع. بعبارة أخرى، فإن فهم تطور مسار الفكر الحضاري الدولي بقدر ما يساهم على فهم أسباب الاستقطاب الثنائي وحدته بقدر ما يساعد أيضًا على فهم السبيل للتغلب عليه وكسر اجتراره السلبي. ومن ثم، وإنتاج خطاب إنساني إسلامي معاصر. وهذا الخطاب الجديد يقدمه التيار الرئيسي السائد في الجماعات الوطنية وعلى صعيد أرجاء الأمة ويجب تفعيله وتشغيله باعتباره أسلوبًا بنائيًا نحو التغيير الداخلي ونحو مواجهة العدوان والاعتداء الخارجي وباعتباره أيضًا استجابةً فاعلة في مواجهة تحديات الواقع الراهن، سواء المتصلة بكل من الظروف الهيكلية أو البيئية الثقافية على حد سواء. فلا يمكن الفصل بين هذين النمطين من التحدي عند تصميم الاستجابة البنائية. فعلى سبيل المثال: ما يسمى الأبعاد الخارجية “للتطرف الإسلامي” أو ما يسمى الامتدادات الخارجية للحركات الإسلامية الجهادية أو ما يسمى “الإرهاب العالمي” لا يمكن تفسيره –وليس تبريره- بأسباب ثقافية (مردها القراءة الخاصة لموقف الإسلام من غير المسلمين) فقط أو بأسباب هيكلية فقط (مردها أوضاع الاستبداد والظلم الداخلي والخارجي ضد المسلمين دينًا وقيمًا ونظمًا وتاريخًا وقضايا)، فإن الجانبين متصلان ويغذي كل منهما الأخر. إن النماذج الفكرية والتاريخية المتنوعة -عبر مسار الفكر الحضاري للدول- لابد وأن تقدم لنا الدلالات على هذه الرابطة وتأثيرها على نمط الخطابات -الفقهية والفكرية والسياسية- خلال المراحل الزمنية المختلفة.

[2] المصادر التأسيسية والبنائية: تأصيل لرؤية إسلامية للعلاقات الدولية

تنقسم هذه المصادر بين المستويات التالية:
المستوى الأول؛ يتناول جانب الأصول وشرح الاتجاهات الفقهية حول أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم، مبينًا إشكالية الاختلاف بين المدارس الفقهية وأسبابه وسمات وخصائص هذه المدارس التي توصف من جانب الدراسات الاستشراقية “النظرية التقليدية للعلاقات الدولية في الإسلام”.
وهذا المستوى يهتم أيضًا بتحديد القضايا الرئيسية التي تطرحها دراسة رؤية إسلامية للعلاقات الدولية في كل زمان ومكان مثل وحدة الأمة الإسلامية، الجهاد، العلاقة مع غير المسلم. كما يهتم بدراسة المبادئ والأسس والقواعد العامة التي تشرح “الأبعاد الإنسانية القيمية “في هذه الرؤية، فإن المصادر التأسيسية لهذه الرؤية تمتد من المبادئ والأسس والقواعد العامة الحاكمة –التي لا تتغير– إلى الأحكام الفقهية –المتغيرة وفق الزمان والمكان– وصولًا إلى منظومات القيم التأسيسية والفرعية المتصلة بالعلاقات الدولية.
المستوى الثاني: يتناول التاريخ: فينتقل بالدراسة إلى خبرات الممارسة عبر العصور الإسلامية المتتالية. والهدف منه هو فهم كيف تطورت هذه الخبرات وكيف تطور وضع المسلمين في العالم من مرحلة الفتوح والبناء الحضاري والوحدة إلى مراحل التراجع والدفاع ثم التخلف الحضاري والاستعمار… وهنا تبدو إشكاليات منهاجية في غاية الأهمية: كيف نُفسِّر الفجوة بين الأصول وبين بعض الممارسات من ناحية؟ وكيف نفهم مسار الخط العام (من الصعود – إلى الهبوط) من ناحية ثانية؟ وكيف نفهم الاختلافات بين مدارس التفسير الإسلامي للتاريخ وبين مدارس أخرى (القومية، اليسارية، الليبرالية…) من ناحية ثالثة؟ وأخيرًا: كيف نوظف “خبرة التاريخ” في فهم الواقع وتحديد متطلبات تغييره وإصلاحه؟
المستوى الثالث: عن جانب الفكر: يهمنا فيه طرح إشكالية منهاجية تتصل بطبيعة العلاقة فيما بين القضايا الرئيسة الثلاثة: الوحدة، الاستقلال، الإصلاح، في منظومة فكر أعلام ورموز هذه الأمة، وفي العصور الإسلامية المتوالية. حيث يتم اختبار العلاقة بين طبيعة هذه المنظومة وبين أثر السياق الزماني والمكاني، وعلى نحو يبين لنا إشكالية الثابت/المتغير في الفكر الإسلامي للعلاقات الخارجية. كما لابد وأن يبين لنا إشكالية مهمة أخرى وهى عدم الفصل بين الداخلي والخارجي في الأعمال الفكرية والتأصيلية حيث إن قيم التعامل الداخلي ذات امتدادات خارجية وهى قيم إنسانية من ناحية، كما أن التأصيل للعلاقات الدولية من ناحية أخرى ظل أسير تقسيم المعمورة إلى دورين أو ثلاثة إلى جانب ما ارتبط بهم من منظومة قيم: الدعوة، الجهاد، النصرة… ولكن مع بداية الاحتكاك المباشر بالغرب بدأ ظهور التمييز بين الداخلي والخارجي كاستجابة للعدوان والاحتلال من الخارج. ومن ناحية ثالثة: تظل الرؤية الإسلامية للكون والعالم هى المنطلق وهى الإطار للجانبين السابقين.
حقيقةً، إنه لا يمكن الفصل بين التأصيل (الرؤية النسقية) وبين التاريخ (خبرات الممارسة) وبين الفكر (منظومات القيم وأولويات الاهتمام والاستجابات للتغيرات الدولية) إلا أن التمييز بين الجوانب الثلاثة -كمصادر لتأسيس وبناء رؤية إسلامية معاصرة للعلاقات الدولية- هو من قبيل المتطلبات المنهاجية لتسهيل التحليل من ناحية، ولتحديد التمايز بين هذه المجالات الثلاثة وأنماط تأثيراتها المتبادلة من ناحية أخرى. لأن الحديث عن رؤية إسلامية -معاصرة- للعلاقات الدولية ليس إلا نتاج عملية بنائية متعددة المستويات وهى تحتاج توافر أدوات منهاجية للتعامل مع هذه المصادر- ليس نقلًا حرفيًا عنها، ولكن تدبرًا ووعيًا ومقارنةً وتمحيصًا- سعيًا نحو اجتهاد معاصر، لا يقوم على فقه الأحكام فقط ولكن لابد وأن ينبني أيضًا على فقه الواقع التاريخي والمحيط ومتطلباته.
ولهذا، فإن التعامل مع المصادر التأسيسية للرؤية يفترض مهارات منهاجية -من جانب غير المتخصص في العلوم الشرعية أو غير المتخصص في العلوم السياسية- للتعامل مع مصادر التفسير والحديث والفقه والتاريخ والفكر. ولقد سجَّلت دراسات رائدة الأبعاد المنهاجية حول خبرات فرق بحثية في هذا المجال، لتكون مرشدًا لغيرهم[20] (وهي خبرة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام).

1- المصادر التأسيسية (الأصول) إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير بين اتجاهات المدارس الفقهية حول الحرب والسلام وبين المبادئ والأسس العامة للعلاقة بين المسلمين والآخر[21]

وفي ضوء ما سبق، نستطيع أن نرصد مجموعة من الإشكاليات المنهاجية، وكيفية التعامل معها ومن أهمها:
-إشكالية العلاقة بين الثابت والمطلق وبين المتغير:
أي إشكالية العلاقة بين مصادر المنظور، سواء الأصول الثابتة أو الاجتهاد المتغير، وما تطرحه من إشكالية العلاقة بين الوحي والعقل في ظل معطيات الواقع ومتطلباته المتغيرة.
وهذه الإشكالية المتعددة الأوجه حول مصادر المنظور تفرض الآتي:
من ناحية، أن مصادر بناء منظور إسلامي للعلاقات الدولية لابد وأن تنطلق من أساس شرعي سواء أحكام قاطعة أو منظومة القواعد والمبادئ والأسس العامة التي أوردتها الأصول بشأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم وفيما بينهم.
ولذا، فإن نقطة البداية هي دراسة: “الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية في الإسلام”[22]؛ وهي تنطلق من أن المسلمين بغض النظر عن شكل التنظيم السياسي الذي يجمعهم (أمة في دولة واحدة، عدة دول، جماعة) مأمورون -بُناء على عموم وشمول الشريعة- بالاتصال بغيرهم لتوصيل الدعوة، وذلك بناء على أسس معينة تمثل الأساس الشرعي المستمد من الأصول. وهنا نتبين الاتجاهات الفقهية الثلاثة الكبرى حول تأسيس أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم. وهي أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم: السلم أو الحرب، ودون الدخول في مناقشة أدلة وأسانيد هذه الاتجاهات الفقهية الكبرى، فيمكن الإشارة إلى اجتهاد آخر يتبنى القول بأن الدعوة هي أساس للعلاقات بين المسلمين وغيرهم[23].
على اعتبار أن الدعوة هي عملية ممتدة جهادية تتعلق بالفرد والأمة، بالداخل والخارج، بالسلم والحرب، فإن الرؤية العقدية القائمة على قيمة التوحيد والتي تحمل رؤى فرعية ومتكاملة حول الإنسان والكون والحياة، في سياق مفاهيم مثل الأمانة والتكليف والعمارة والاستخلاف، لا تكون بتأسيس العلاقة ضمن حالة استثنائية وهي الحرب، أو حالة السلم المؤدية إلى فعل الاسترخاء وعدم الفاعلية والقعود عن معاني الأمانة والرسالة والخيرية. إن السلم الكامل والحرب الدائمة والشاملة ليست سوى أشكال وأساليب حدية على متصل تتفاوت عليه الأشكال.
ولهذا، فوفقًا للمدخل السباعي للقيم كإطار مرجعي لمشروع العلاقات الدولية فى الإسلام فليست الحرب فقط أو السلم فقط هى أصل العلاقة أو محركها، فلا الفطرة تقبل أن يظل المسلمون في حالة حرب تامة أو فوضى دائمًا أو أن يظلوا في حالة سلام تامة يحتملون ما يحوق بهم من ظلم أو عدوان. ولهذا فإن التاريخ يبين لنا كيف أن الحرب فقط لم تكن أداة العلاقات الوحيدة مع الآخر في ظل القوة الإسلامية. وبناء عليه تصبح الدعوة هي أساس العلاقة لأن غاية هذه العلاقة ليست إقصاء الآخر أو استبعاده أو القضاء عليه، ولكن الدعوة من أجل رسالة العالمين من جانب أمة الدعوة في مواجهة أمة الإجابة.وبناء عليه أيضًا يمكن إزالة الضبابية التى أحاطت بمفهوم الجهاد – باعتباره حالة قتالية أو قتلية أساسًا، ومن ثم علاج تحيزات الخطابات التى تتحدث عن الإسلام إما سلامًا أو حربًا.
بعبارة أخرى، فإن الظرف التاريخي وحالة عناصر القوة يحددان متى تكون الحرب ومتى يكون السلام استثمارًا فاعلًا حتى تصبح الحركة الحضارية ملتزمة وواعية وقادرة على أن تحقق لكل ظرف أهدافه في ظل شروطه، وهي الحركة التي تجعل من الدعوة عملية تسندها عناصر القوة والإعداد لها، ومن الجهاد قيمة وآلية فى نفس الوقت. ومن ثم، فهى تحدد أيضًا مفهوم القوة: من حيث طبيعة مصادر القوة، نمط توزيعها، غاياتها وآثارها. كيف؟ ذلك على عكس رجوع نظرية القوة (في النسق المعرفي الغربي المادي الحداثي) لبيان أنه تاريخ الصراع ورفض الآخر.
وفي المقابل، فإلى جانب أهمية إدراك هذا التعدد في المدارس والاتجاهات الفكرية والاختلافات الفقهية بينها، فإنه يجب الوعي بحجية هذا التعدد والاختلاف وأسبابه.
ومن ثم، فإن قضية تفسير هذا التعدد قضية مهمة أصوليًا ومعرفيًا ومنهاجيًا: وكانت موضعًا لجدالات بين رؤى إسلامية وأخرى استشراقية وجدير بالذكر أن الدراسات الاستشراقية قد تناولتها باعتبارها قضية العلاقة بين ما أسموه “النظرية التقليدية للعلاقات الدولية في الإسلام (الحرب) وبين النظرية الحديثة المناظرة (السلام) أو باعتبارها ما أسموه أيضًا قضية الفجوة بين النظرية والتطبيق.
إلا أن تفسير هذه الدراسات الاستشراقية لهذه الفجوة أي للتغير في التنظير الفقهي يحتاج التوقف بالتعليق عند منهج بعض أدبيات الاستشراق وهي أربع أدبيات رئيسية في هذا المجال قدمها: “برنارد لويس” و”مجيد خدوري” و”توماس أرنولد” و”ميشيل بوازار”[24].
ويمكن أن نورد مجموعة من التعليقات حول الأبعاد المنهاجية ذات الصلة بالعلاقات الدولية. ويمكن أن نضع لهذه التعليقات –في إجمالها- عنوان: “فكر الاستشراق عن العلاقات الدولية في الإسلام بين مكيدة الموضوعية وبين إنصاف الموضوعية أو الموضوعية المنصفة” (وفق وصف د.سيف الدين عبد الفتاح). وتدور هذه التعليقات – انطلاقًا من القراءة المقارنة بين هذه المصادر الأربعة- حول محاور ثلاثة: العلاقات الخارجية كامتداد للداخل وموضعها من العلاقات البينية، ليس الفقه كل الفكر وليس الفكر كله فقهًا حيث إن للفقه أو التنظير الفقهي أبعادًا فكرية لا يمكن إسقاطها عند شرح تطور هذا التنظير؛ وأخيرًا فإن شرح تطور التنظير الفقهي وتطور الفكر لا يستقيم بدون إسناده إلى مفاصل التطور في الأحداث التاريخية.
كذلك نجد الربط في هذه الأدبيات بين تطور الفقه السياسي حول السلطة السياسية (الخلافة، الإمامة، السلطنات، الإمارات) وبين تطور الفقه السياسي حول الحرب والسلام أو الجهاد أو الدعوة. وأخيرًا، فإن تطور ميزان القوة بين المسلمين والعالم –صعودًا وهبوطًا- حاضر في خلفيات الأطروحات أو في بنائها مما يلقي الضوء على الأبعاد الفكرية للتطورات الفقهية.
ومع ذلك، لا تستوي هذه الأدبيات الأربعة من حيث “درجة الموضوعية”؛ فإذا كان البعض -مثل “مجيد خدوري” و”برنارد لويس”- قد انطلقا في الأدبيات المتصلة بموضوعنا من مدخل الحرب والسلام والجهاد، فإن توماس “أرنولد” انطلق من مدخل الدعوة، كما انطلق “ميشيل بوازار” من منطلق “الإنسانية” بكل ما تعنيه تلك المداخل المختلفة من اختلاف في المنهاجية والغاية والرؤية. بحيث يمكن وضع الأول تحت عنوان مكيدة الموضوعية، في حين يتم وضع الثالث والرابع تحت عنوان الموضوعية المنصفة، في حين يأتي الثاني في موقع انتقالي بينهما. وإذا كان هذا النمط من تصنيف هذه الأدبيات الأربع، وهي مجرد نماذج عن تيارين كبيرين يحتويان بالطبع نماذج أخرى تذخر بها ساحة التأليف الغربي في هذا الموضوع.
ودون التوقف بالتفصيل عند أطروحات كلٍ من الأدبيات الأربعة، فيكفي التوقف عند الملاحظات التالية حول منهج “برنارد لويس”:
يتكرر نفس نمط تفسير “لويس” لما أسماه بالفجوة بين “المثل” والواقع مع “الجهاد” باعتباره المجال الثالث المرتبط بمجالين آخرين “نظام الخلافة” ودرجة تعدده أو لا مركزيته”. فهو يقول إن الجهاد (في الفقه حتى القرن الثالث) هو الحرب حتى تدخل البشرية كلها في الإسلام. ولهذا يرى أنه ما أن توقفت الفتوح وأضحت تواجه صعوبات وانتكاسات كان لابد للفقهاء أن يجدوا تبريرًا لهذه الفجوة من المبدأ الشرعي والواقع نظرًا لعدم تحقق انتشار الإسلام في العالم كله، ويقول “لويس” أن الفقهاء حاولوا إخفاء هذه الفجوة والالتواء حولها والاستجابة للموقف وذلك بتقديم تفسيرات جديدة بارعة تضع قيود على واجب الجهاد وتخفف من التزاماته، ومن ثم فهو يرى أنها تفسيرات تأويلية اعتذارية تبريرية. ولقد قدم “لويس” تفسيرًا لصعود القوة الإسلامية ثم تراجعها تدريجيًا، بفعل عوامل داخلية وعوامل الهجوم الأوروبي المتصاعد على الهوامش ثم القلب، مبينًا الانتقال من قيادة العرب إلى الترك ومبررًا دور الفرس أو الترك في الخلافة العباسية. وبالرغم من الاعتراف بتعدد أدوار الأقوام المسلمة، إلا أن نمط استدعائها من جانب “لويس” هو الذي يميز ما بين الاستدعاء لإبراز نمط التعددية والتكامل كسنّة من سنن الكون، وما بين الاستدعاء لإبراز نمط التجزئة والصراع وتقديمه كحالة أخرى من حالات الفجوة بين “المثل” والواقع التي اجتهد الفقهاء- في نظر “لويس” وغيره- لتأويلها وتبريرها، وليس تفسيرها شرعًا، أو الاجتهاد حول كيفية إدارتها شرعًا.
بعبارة أخيرة: وبالرغم من هذا البنيان المحكم من الفكر الذي يجمع بين الداخلي والبيني والخارجي في الفكر السياسي الإسلامي، وعلى نحو يقدم رؤية عن الرابطة بين مسار تطور الفقه والفكر والتاريخ الإسلامي، إلا أنه لا يجب ألا يخفي ماهية الرؤى المقدمة في إطار من العلمية المنظمة والتي تسقط عامدة متعمدة قواعد وأصول الاجتهاد والتجديد كاستجابة للتغير في عالم المسلمين. فإن مثل هذه الرؤى المتحيزة المغرضة (والتي تظهر أيضًا في أدبيات عربية من مثل توجه عزيز العظمة) تحتاج لرصد، ولكن الأهم هو أنها تحتاج لمنهج في التفنيد والرد من ناحية، وفي بناء رؤى اجتهادية من ناحية أخرى تزيل الضباب الذي يحيط بالفعل بعيون دارسينا الجدد من جراء تعدد الاتجاهات الفقهية ومدارسها- وحتى الآن- حول هل الأصل في الإسلام، (السلام أم الحرب)، وكل ما يرتبط بذلك من تعريفات للجهاد ونمطه عسكريًا أم سلميًا، دفاعيًا أو هجوميًا.
وهذا المنهج صنفان: صنف جزئي يقدم تفنيداته وعناصر بناء رؤية تجديد من ثنايا دقائق التراث ذاته. وصنف كلي انطلاقًا من خصائص الرؤية الكونية للإسلام والخصائص العامة للإسلام. وهذان المنهجان يحتاجان لقراءة في مصادر أخرى للتراث الإسلامي إلى جانب مصادر التراث الفقهي السياسي المتعارف عليها. وهي مصادر تسمح بتوسيع نطاق “السياسي” إلى ما هو أوسع من “الخلافة” كما تساعد على تقديم رؤية تعارفية حضارية للإسلام أكثر اتساعًا من مجرد النظرة إلى الحرب أو الجهاد فقط.
هذا، وكما سبق وأشرنا، فإن للفكر الاستشراقي أوجه أخرى يساعد بعضها ويكمل من جهود المنهجين المشار إليهما عاليًا، وهنا ننتقل إلى “توماس أرنولد” و”ميشيل بوازار”، ولكن مرورًا بـ”مجيد خدوري”.
ويقرن “خدوري” التطور في التنظير الفقهي بالتطور في مراحل التاريخ الإسلامي، ويشرح كيفية التحول من نظرية دار الحرب ودار السلم، باعتبارها النظرية التقليديةـ إلى النظرية الحديثة، وذلك على ضوء التطور المرحلي من دولة المدينة إلى الإمبراطورية إلى الدولة العالمية الشاملة إلى عصر اللامركزية إلى عصر التجزؤ إلى وحدات سياسية ثم نشوء الدول القومية. ولقد أرجع خدوري التغير مما أسماه النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة، إلى عدم الانتصار الكامل للإسلام، فضلًا عن بداية اللامركزية ثم التعددية السياسية عقب مرحلة الدولة الإسلامية العالمية. ولكن لم ير خدوري في ذلك التغير الفقهي تأويلًا أو مخرجًا فقهيًا، حيث إنه لم ير – ابتداءًا – أن النظرية التقليدية هي نظرية موجودة أصلًا في القرآن أو السنة؛ فهو يقول: “إن النظرية التقليدية للقانون الدولي الإسلامي نظرية لا تقوم على نصوص صريحة من القرآن الكريم ولا على الأحاديث النبوية الشريفة. ولكن جوهر القوانين الأساسية التي يتضمنها القانون الدولي الإسلامي مستمد من هذين المصدرين: القرآن الكريم والحديث الشريف. وحريٌ بنا أن نقول إن هذا القانون جاء نتيجة لاجتهادات فقهاء المسلمين، وتفكيرهم الفلسفي، في زمن بلغت فيه الدولة مجموعات بشرية من أعراق مختلفة، ومن حضارات متباينة، في نظر فقهاء المسلمين، مجتمعًا عامًا شاملًا، وراحوا على هذا الأساس، يضعون نظرية للدولة تبرر منطقيًا الأوضاع الراهنة التي كانت قائمة حين ذاك، وتوفر منطلقًا لتطلعات الناس ومطامحهم. وكان التوسع الإسلامي إذ ذاك لا يزال آخذًا بازدياد بفضل التجارة، وبفضل انتشار الحضارة الإسلامية بصورة خاصة، مما حمل الفقهاء على الاعتقاد بأن الدولة- وهي الأداة التي تضمن قيام دين شامل- تستطيع أن تستمر في التوسع والانتشار إلى ما لا نهاية”.
أما “توماس أرنولد” لم يقدم تأريخًا تقليديًا، أي سرديًا وصفيًا فقط، ولكنه قدم تأريخًا مقترنًا بفكر تحليلي. وإن لم يرقَ هذا التحليل إلى مرتبة فلسفة التاريخ، إلا أنه لم يترك الوقائع تتحدث عن نفسها ولكن أرفقها بتحليلات تعكس موقفه الفكري ورؤيته. وهذه الرؤية في مجملها تتلخص في ثلاث جمل: الجملة الأولى أوردها “أرنولد” في مقدمة الطبعة الأولى واصفًا مؤلفة بأنه سجل لجهود نشر الدعوة وليس تاريخًا للاضطهاد محتزيًا في ذلك -وفق قوله أيضًا- منهج أحد مؤرخي انتصارات العثمانيين وسقوط القسطنطينية الذي نقل عنه قوله: “لابد للمؤرخ من أن يسجل التاريخ، لا حبًا في أن يعترف الناس له بالجميل، ولا مدفوعًا بباعث الحقد والضغينة، أو الكراهية وإرضاء المشاعر، بل لأجل التاريخ وحده”. ولذا، فإن “أرنولد” وأن استدعى في مواضع متفرقه من فصول كتابه- وفق قراءتي لها – للاضطهاد، فقد شرح أسبابها باعتبارها من الاستثناءات أو طبائع الأمور البشرية وليس من صميم صفات الدعوة للإسلام.
والجملة الثانية: أوردتها مقدمة “نيكلسون” للطبعة الثالثة، نقلًا عن “لورد أوريل” سنة 1930 واصفًا جهد “أرنولد” بأنه “قد حاول أن يكون غير متحيز البتة…” ويوضح الباب الأخير من الكتاب.. دقة ماهي هذه الأسباب “أي الأسباب التي من أجلها صادفت دعوة محمد ترحيبًا لا مثيل له في العالم، لأن هؤلاء الذين يتخيلون أنها انتشرت بحد السيف وحده إنما ينخدعون انخداعًا عظيمًا… وأن الكتاب هو حجة “أرنولد” أقامها ضد الجور والتعصب…”
والجملة الثالثة: قدمها “أرنولد” ذاته في تمهيد الكتاب، وهي جملة ممتدة تشرح الجملة الموجزة التي أوردها في مقدمته والمشار إليها عاليًا. وهي جملة ممتدة يجب الوعي بمكوناتها- حتى نضع رؤيه “أرنولد” في سياقها الحقيقي- لما في ذلك من أهمية إجلاء النظر في وقت يستمر فيه الضباب محيطا بكل ما يتصل بالعلاقة بين الإسلام والسلم والحرب والقوة، فلا نسرف في الحديث عن “السلام أو الحرب في الإسلام”. وتتلخص مكونات هذه الجملة في الآتي:
أولًا: أنها تُبين أن الإسلام دين له رسالة، وللمسلمين حماسة من أجل حمل الرسالة. ومن ثم، يهدف “أرنولد” إلى تقديم تاريخ هذه الحماسة في تبليغ الدعوة ودوافعها وألوان نشاطها، وبيان كيف أمدت الجنود بقوة لا تقهر خلال فتوحاتهم، وكيف أن ضعف قوة الإسلام السياسية لم تحلٌ دون استمرار “غزواته الروحية” دون انقطاع. ومن أبلغ الأدلة على ذلك – وفق “أرنولد”- كيف أن الأتراك السلاجقة والمغول قد اعتنقوا ديانة المغلوبين (أي المسلمين).
ثانيًا: لم يسقط “أرنولد” من كتابه حركة الجيوش في عملية نشر الإسلام، ولكن ميز بين حمل السيف لإكراه الناس على تغيير عقيدتهم، وبين حمله لإخضاع الكفار.
ثالثًا: لا يقصر “أرنولد” الدعوة السلمية على أوقات ضعف القوة الإسلامية فقط.
رابعًا: أن هدف “أرنولد” هو بيان كيف أن تحقق المثل الأعلى (الدعوة السلمية) لم ينفِ وجود حالات اضطهاد، كما ركز على العوامل الموضوعية القائمة لدى الشعوب المفتوحة أكثر من تركيزه على طبيعة الإسلام ذاته وجاذبيته لدى هذه الشعوب على نحو يسهل من قبول الدعوة بالطرق السلمية أو غيرها. وهو يقول في ذلك مستدعيًا المقارنة مع تاريخ انتشار المسيحية. وينبغي أن يعلم القارئ منذ البداية، أننا لم نضع هذا الكتاب لدراسة تاريخ “الاضطهاد الإسلامي”، وإنما وضعناه لدراسة الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم.
والمحطة الأخيرة مع نماذج الاستشراق التقليدي والحديث هي كتاب “ميشيل بوازار”: إنسانية الإسلام[25]. فإذا كانت قراءة “توماس أرنولد” قد ألقت الضوء على مداخل وموضوعات إضافية لدراسة الفكر والتاريخ الإسلامي، تتجاوز الموضوعات التقليدية عن الخلافة والتعددية السياسية بل والوظيفة الجهادية، فقد امتدت إلى موضوعات أخرى ومصادر أخرى تتصل بالأفراد والجماعات، كما أن هذه القراءة نبهت إلى مدخل ثالث (إلى جانب مدخلي “لويس” وخدوري) من مداخل النظر لموضع الحرب والسلام، ليس من وظيفة الدولة الإسلامية فقط ولكن أيضًا موضعهما من الدعوة الإسلامية كوظيفة للفرد والجماعة والحاكم.
وكانت المنظومة المتكاملة للإسلام (عقيدةً ومبادىء وقيمًا)، التي قدمتها رؤية “ميشيل بوازار” عن هذه المنظومة، كانت في نظره السبب الأساسي لانتشار الإسلام بسرعة خلال القرون الأولى. وبذا، فقد قدم “بوازار” ما لم يقدمه “أرنولد” الذي اكتفى بالإشارة إلى الحماسة للرسالة وأثرها على أساليب الدعوة دون التوقف عند طبيعة الرسالة ومدى تأثير هذه الطبيعة على قبولها من عدمه.
كذلك كانت هذه المنظومة ذات تأثير أيضًا على سبل نشر الإسلام، ومن ثم عدم استخدام القوة والقسر والفرض بين هذه السبل. وفي هذا يقول “ميشيل بوازار”: إن مفهوم الإسلام عن الإنسان والجماعة والعالم ينعكس على الهدف من الحرب وعلى طريقة سير المعارك، وطرق التعامل مع الأعداء، بحيث لا تتعارض الحرب مع المبادئ الإسلامية (العدل) ومع أخلاقيات الإسلام وبالطبع مع شريعته.
حقيقةً قد يكون آخرون،وليس “ميشيل بوازار” فقط، قد تناولوا قواعد وأحكام فقه القتال والسلم في الإسلام وأهداف وأسباب الحروب، ولكن رؤية “ميشيل بوازار” تبين أن الفقه الإسلامي للعلاقات الخارجية، وخاصة الفقه العام الكلي- المتصل بأصل رؤية الإسلام للعلاقة مع الآخرين حربًا أم سلمًا- ليس أحكامًا فقط؛ ولكنه أيضًا فكر ورؤية للعالم، يساعد فهمها على فك الاشتباك بين الاتجاهات المتقابلة حول هذا الأصل. فهو ليس حربًا فقط أو سلمًا فقط. ولكن حربًا أو سلمًا وفق الظروف، فضلًا عن نمط من أنماط الحروب دون غيرها.
ويقدم “ميشيل بوازار” في الفصل الخاص بالجهاد رؤيةً متكاملة. فيقول إن الحرب في الإسلام هي وسيلة وهدف، وهي لا تضع الشعوب بعضها أمام بعض، ولكن تضع المقاتلين في مواجهة بعضهم البعض. ولذا، فإن القتال في الإسلام- في نظر “ميشيل بوازار”- هو بشكل من الأشكال ممارسة حضارية وتعزيز للقيم الحضارية الأصيلة ومنع العدوان عليها. ونلاحظ هنا أن مقارنة “ميشيل بوازار” بين الخبرة الإسلامية والخبرات الأخرى- وخاصة في الحضارة المسيحية الغربية- تقوده إلى إقرار البون الشاسع، وليس التشابه-كما بين “أرنولد” في مقارنته بين أساليب الانتشار السلمي والاضطهاد في الخبرتين- ولهذا فهو يستدعي مستنكرًا إخراج مؤسسي القانون الدولي الأوروبي المسلمين من دائرته لاعتبارهم كفرة لا يستفيدون من قانون الحرب، وفي المقابل يعتبرون أن “الجهاد المقدس” عند المسلمين ليس إلا تعبيرًا عن تعصب المسلمين الديني. كذلك في حين يشير “ميشيل بوازار” إلى خبرة “الاستعادة” الإسبانية للأندلس التي قامت على طرد المسلمين أو قهرهم على التنصر، فهو يستدعي في المقابل خبرة الإسلام في حماية “الكتابيين” حماية إلزامية بمقتضى الشريعة، على أساس أن حقوق الإنسان غير المسلم محفوظة ومصانة بالشريعة ومالها من إلزام ديني يفوق إلزام الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. كما يعتبر “ميشيل بوازار” مجال معاملة الأسرى من أبرز المجالات توضيحًا لانطباق منظومة القيم الإسلامية وشريعته على مجال الحرب.
ويوضح لنا ذلك التكامل بين رؤية “ميشيل بوازار” ومدخله لمنظومة الإسلام الكلية وبين رؤيته عن الحرب والسلام في الإسلام، أن مدخل “ميشيل بوازار” للإسلام -ابتداءًا- مدخل إنسانيّ حضاري يبدأ من الفرد إلى الجماعة إلى العالم. وهذا المدخل يقود “ميشيل بوازار” إلى رؤى مغايرة لتلك التي يقدمها من يبدأون من القضية الجزئية ذاتها-أي فقه الحرب والسلام ومن مدخل فقهي سياسي جزئي بالأساس. بعبارة أخرى، يقدم “بوازار” قراءة فكرية قيمية للفقه العام ولأحكام الفقه الجزئية الخاصة بالعلاقات الخارجية وقت السلم والحرب، في حين يقدم آخرون إما قراءة فقهية محضة أو قراءة قيمية محضة انطلاقًا من رؤية الكونية للإسلام بأبعادها المعرفية والقيمية والشرعية. ومن ثم، فإن منهج “ميشيل بوازار” الذي يبين الرابطة بين رؤية الإسلام للعالم وبين موقفه من الحرب، أي المنهج الذي يبين العلاقة بين القيم كإطار مرجعي وبين الأحكام الفقهية، هو منهج قيمي واقعي بمعنى أنه يبين وسطية الإسلام- في أمور الحرب والسلام على حد سواء- باعتبارها أساس في رؤية الإسلام للعالم. فهي رؤية إنسانية من ناحية، ولكنها لا تمنع أو تحرم القوة والحرب عند الضرورة من ناحية أخرى، ولذا تنظمها لتصبح- ممارسة حضارية. ومما لاشك فيه أن هذا المنهج لا ينعكس فقط على الرؤية من القضية الكبرى (محرك العلاقات) أي الجهاد ومتى يكون السلم ومتى يكون الحرب، ولكن تنعكس بالطبع على مستويات أخرى: التقسيم للعالم، وأدوات الجهاد.
ولعلنا هنا نستحضر تحليل لأطروحات د. عبد الحميد أبو سليمان[26]، الذي قدم نقدًا للمنهاجية التقليدية الفقهية التي أسفرت عن أن الأصل هو الحرب في إطار تقسيم الدور إلى دار حرب ودار سلم، ومن ثم دعا د. أبو سليمان لمنهاجية جديدة تنطلق من المبادئ والقيم الإسلامية التي تعكس “الرؤية للعالم في الإسلام”. ناهيك بالطبع عن استدعاء منهاجية مشروع العلاقات الدولية في الإسلام الذي انطلق من الدعوة كأساس للعلاقات الدولية في الإسلام، ومن القيم (مقاصدًا وشريعة، وسننًا…) كإطار مرجعي لقراءة التاريخ والفكر والواقع، سعيًا لتقديم مدخل حضاري إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، وهو مدخل تقتضيه متطلبات إصلاح الأوضاع العالمية والإسلامية[27].

ومن ثم، وفي ضوء كل ما سبق من شرح لخريطة تعدد واختلاف مدارس الفقه الإسلامي حول تأصيل العلاقات الدولية في الإسلام، وكل ما سبق أيضًا من تعليق على منهج الاستشراق الحديث بهذا الصدد أيضًا، فيجدر القول إن التأصيل للعلاقة يقودنا أيضًا إلى مستوى أكثر ثباتًا وهو المتصل بالمبادئ والأسس الحاكمة للعلاقة مع الآخر ومنظومة القيم.
ولقد نوه معظم باحثي العلوم السياسية (أمثال: د. أحمد عبد الونيس، د. إبراهيم البيومي، د. عبد الحميد أبو سليمان، د. سيف الدين عبد الفتاح… [28] المهتمين بهذه القضية إلى ضرورة التمييز بين الاتجاهات الفقهية –باعتبارها المتغير- وبين المبادئ والأسس والقيم باعتبارها الثابت. ناهيك بالطبع عن السنن الإلهية[29].

2 – المصادر البنائية المكملة للتنظير: النماذج الفكرية التراثية والحديثة ومنظومات المفاهيم: مرآة التغير في المسار الحضاري للعلاقة مع الآخر:

يتمثل الفكر الإسلامي عن ” العلاقات الدولية في الإسلام” على أكثر من مستوى:
(1) ما يتصل بأهمية التنظير من مصادر الفكر الإسلامي.
(2) أو ما يتصل بموضع البعد الدولي من مشروعات النهضة.
(3) أو ما يتصل بالمفاهيم مثل: الجهاد، و الأمة، الدولة، الحرب، السلام.
وجميعها تطرح إشكاليتين أساسيتين تقعان في دائرة اهتمامنا ونحن نتناول الفكر كمصدر بنائي مكمل في عملية التأصيل والتنظير لتقديم رؤية إسلامية عن العلاقات الدولية، وهاتان الإشكاليتان هما: الأولى: هي كيف نفسر أسباب قوة أو ضعف المسلمين أو صعود وسقوط الدولة الإسلامية؟ وهي إشكالية تستدعي كيفية بروز البعد الدولي في الفكر الإسلامي ونمط إدراكه ومعالجته، كما أنها بالطبع إشكالية كلية نظمية. والإشكالية الثانية، وهي أقل كلية، ألا وهي المتصلة بمنظومة العلاقة بين القضايا والمجالات الكبرى الثلاثة التالية: النموذج الداخلي، العلاقات بين المسلمين – العلاقات مع الآخر. فهل أفصحت دراسات الفكر الإسلامي عن اتجاهات للعلاقة بين جوانب هذه المنظومة الثلاثية؟ ومبعث اهتمامي بهذه العلاقة أنها السبيل للانتقال من المجال التقليدي لدراسة الفكر السياسي الإسلامي (النموذج الداخلي للسلطة وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم) إلى المجال الأكثر اتساعًا الذي يفسح الطريق للاهتمام بالبعد الدولي، سواء كامتداد للداخل أو في تفاعل معه، كذلك الذي يوسع من نطاق الدولي، فلا يصبح مجرد العلاقات مع الآخر ولكن أيضًا العلاقات فيما بين “الكيانات أو الدول الإسلامية”، بعد أن كانت هذه العلاقات في ظل مركزية الخلافة ووحدتها، هي من العلاقات الداخلية (الدولية).

‌أ. التعامل مع مصادر التراث الإسلامي لأغراض التنظير السياسي ولأغراض الحركة مواجهة غلبة الآخر:

هذان جانبان يمثلان وجهين لعملة واحدة لدى نماذج ثلاثة من رواد هذا المجال وهم: د. حامد ربيع، ود. منى أبو الفضل، ود. سيف الدين عبد الفتاح[30].
فهذه الثلاثية (الأستاذين والتلميذ، الجذر وفروعه) قد أحدثوا نقلةً نوعيةً ليس في دراسة الفكر السياسي الإسلامي فحسب، بل في دراسة علم السياسة من منظور حضاري إسلامي على صعيد الجماعة البحثية المصرية والعربية للعلوم السياسية. فلقد كان اقترابهم من التراث السياسي الإسلامي –بصفة خاصة كرافد أساسي من روافد الفكر الإسلامي- اقترابًا تثويريًا في تلك المرحلة من الجدال المتجدد حول موضع التراث في خطابات الأصالة – المعاصرة. ذلك لأنهم حولوا الاهتمام بالتراث من حالة انفعالية إلى حالة منهاجية علمية منظمة ذات ارتباطات مباشرة بواقع الأمة ومستقبلها. ومن ثم، فإن مراجعة أعمال هذه النماذج الثلاثة كان منطلقًا كافيًا لي وفي سعيّ لأن أقدم قراءة لهم من مدخل العلاقات الدولية تبحث هذه القراءة عن قدر بروز هذا المدخل في اهتمامات هؤلاء الأساتذة والزملاء من تخصص الفكر السياسي والنظرية السياسية. ولا داعي لإعادة التذكرة هنا بأن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام قد قام منذ بدايته على مجالًا التفاعل بين هذين التخصصين وغيرهما مما جعله -كما سبق الذكر- مجالًا بحثيًا متعدد المداخل “”Multidisciplinary، ومن ثم، فإن تفاعلي مع هذه المجموعة من النماذج إنما يراكم على هدف هذه الدراسة، ألا وهو تجسير الفجوة بين دارسي العلاقات الدولية ودارسي الفكر والنظرية السياسية على صعيد جهود بناء رؤية إسلامية للعلاقات الدولية (سواء في أبعادها التنظيرية أو الفكرية كما سبق شرحه).
وأكتفي هنا بالإحالة إلى رؤية د. منى أبو الفضل واقترابها من التراث السياسي الإسلامي باعتباره من مصادر التنظير السياسي وأنه يواجه إشكاليات محددة. ولذا، فإن اقترابها اهتم بحالة دراسة هذا التراث وبكيفية إعادة قراءته ووظيفة وأهداف هذه القراءة الجديدة. ويقدم طرح د. منى أبو الفضل ثلاثة إشكاليات كبرى يمكن إجمالها كالآتي: إشكالية العلاقة بين النص وبين الواقع، إشكالية العلاقة بين القيمي والمادي، وإشكالية العلاقة بين الفكر والتنظير وبين الحركة. وتوضح تفاصيل أطروحات منى أبو الفضل أنها تركز على المعرفي كمدخل للفكري والنظري، وتقترب من المعرفي اقترابًا مقارنًا بين النموذج الإسلامي (التوحيدي، الرأسي) وبين النموذج الغربي (العلماني، المتأرجح) ثم تنطلق لبيان أثر خصائص هذا المعرفي على نمط وأهداف الاقتراب من مصادر التراث السياسي كمصادر للتنظير، بحثًا عن تأصيل للعلاقة بين الثابت والمتغير والعلاقة بين القيم والواقع. ومن ثم تصل منى أبو الفضل إلى شرح التمييز بين المنظور الفقهي للأحكام -باعتباره منظورًا جزئيًا محدد الزمان والمكان- وبين المنظور الحضاري الأكثر اتساعًا وشمولًا، ومن هنا تتبلور دعوة د.منى أبو الفضل لإعادة قراءة التراث من داخل النسق المعرفي الإسلامي. سواء من أجل كشف العيوب المنهاجية لقراءات استشراقية ذات عواقب سياسية بالنسبة لفهم التاريخ وبالنسبة لفهم خصائص الأوضاع الراهنة أو سواء من أجل أن تتحقق قراءة تراث الفكر السياسي الإسلامي من منظورٍ خاصٍ به.
وهذا المنظور لا يحقق وفق رؤية د. منى أبو الفضل أهدافًا تنظيرية بحتة فقط، بل ينعكس على واقع الأمة ونسيجها الاجتماعي والفكري والعمراني، ذلك لأن الخلل في قراءة التراث ينعكس في شكل خلل يصيب فكر الأمة ويكون له مضاعفات على نسيج الفكر الاجتماعي والعمراني وعلى نحو يشل فاعليات الأمة. ومن ثم فوفق د. منى أبو الفضل: فإن وقف اجترار التراث أو تبجيله أو الافتخار به أي ما أسمته منى أبو الفضل “كسر حلقة الاجترار السلبي للتراث…” لا يتأتى إلا من خلال استنباط المنهاجية المستوعبة للأصول المرجعية الحضارية وتوظيفها في إعادة قراءة جامعة ناقدة… يجعل منها منفذًا محوريًا في تقويم استراتيجيات التدافع والخروج لأمة تعثرت”.

‌ب. مصادر الفكر ومشروعات النهضة والإصلاح:

وبالنظر إلى الأدبيات العربية والأجنبية الصادرة خلال الخمسين عامًا الماضية حول تيارات الفكر الإسلامي “الإصلاحي التجديدي الإحيائي”، خلال القرون الثلاثة الأخيرة على الأقل دون الامتداد إلى تيارات الفكر التراثية في القرون الأسبق[31]، يمكن ملاحظة ما يلي:
أن معظم هذه الأدبيات لا يعرض لتيارات أو روافد أو اتجاهات ولكن يتوقف عند رموز فكرية مصنفًا لها أو واصفًا أو مقومًا لمداخلها أو مشروعها (مثلًا: تربوي – اجتماعي – سياسي، أو ديني – اجتماعي، أو تقليدي – حداثي – توفيقي، أو رشيد – ضال،… إلخ). وأحيانًا قد تتداخل أو تتعدد التصنيفات لبعض الرموز، فعلى سبيل المثال وليس الحصر: هل محمد عبده مصلح ديني أم مصلح تربوي أم اجتماعي، أو هل هو إسلامي تقليدي أم إسلامي ليبرالي أم إصلاحي؟ ولماذا لا يكون سياسيًا أيضًا؟ إن معايير تصنيف الرموز -على هذا النحو- والتي تنطلق من بعد واحد أو مدخل واحد من المداخل إلى هذه الشوامخ، وهي معايير شائعة في الدراسات عن فكر القرون الثلاثة الأخيرة. ولم تكن هي المتبعة عند تصنيف رموز أو شوامخ القرون الأسبق؛ حيث كان هؤلاء يصنفون بمذاهبهم ومدارسهم: كفقهاء، أو متكلمين أو فلاسفة أو مؤرخين… إلخ. وفي وقت كانوا جميعًا من مرجعية الإسلام، ولم يوصف أحدهم بالإسلامي، دون غيره، مهما كانت اختلافاتهم (الفقه، الفلسفة،…). إذن ما الذي حدث بعد ذلك؟ هل هي صدمة الاحتكاك بالغرب والتأثر به التي فرضت هذه الشبكة المتعددة المعايير للتصنيفات، وعلى نحٍو أصاب النظر بالغموض والتخبط وأحيانًا العجز عن تمييز الفروق، وخاصة بعد أن أفرط الدارسون في ابتداع أنماط التصنيف لنفس الرمز أو الشامخ؟ ناهيك عن إفراطهم في اجترار نفس قائمة الرموز والشوامخ، اجترارًا، وصل في نهاية الأمر ليصبح الآن نوعًا من التكرار بدون تراكم، نمطًا من الاجترار السلبي الذي فقد الصلة بالواقع؟ فلماذا استدعاء هذه الرموز والشوامخ، ووفق تصنيفات متباينة لكل منهم، هل هذا هو توظيف الفكر المطلوب لخدمة متطلبات الواقع؟ أم أضحى توظيفًا يدّعي السعي لتحقيق التواصل والاستمرارية الحضارية في حين أنه أضحى في الواقع نوعًا من التجميد والتكرار بلا تأثير جذري حتى الآن؟
ناهيك عن تكريس التصنيفات المذهبية والقومية، في ظل تصنيف الفكر إلى: العربي، التركي، الفارسي، الأفريقي، المالاوي…
حقيقة للأطر المكانية والزمانية تأثيراتها، ولكن ما كان هذا هو التصنيف المتبع سابقًا وما كان يعطي لهذه العوامل أكثر مما تستحقه من وزن. وعلى عكس الوضع الراهن حيث قفز هذا العامل في بعض الأدبيات.
ليست هذه بالطبع دعوة للتوقف عن الرجوع لتراثنا أو لإنكاره، ولكنها دعوة لإعادة القراءة من جديد على ضوء قواعد جديدة وسعيًا نحو أهداف جديدة لابد وأن تقدم ابتداءً الإجابة على السؤال التالي: لماذا لم يتم تطبيق، أو لماذا لم ينجح تطبيق برامج الرموز والشوامخ في إصلاح حال الأمة عبر القرون الثلاثة الأخيرة؟ هل للخارج دور في هذا؟ ومن ثم، هل حاز البعد الدولي في منظومة النماذج الفكرية للشوامخ ما يستحق أن يناله عند إعادة قراءتها؟ وهل حاز مستوى الأمة ككل – وليس مستوى الأوطان أو الأقوام فقط- محط الاهتمام؟
ومن ثم، وبالنظر في مجموعة من هذه الأدبيات التي تُقَوِّم مشروعات الرموز والشوامخ، يتضح لنا ما يلي:
أولًا: يتضح لنا أن مجال الفكر الإسلامي، وإن كان أكثر اتساعًا من مجرد الفكر عن الإصلاح والتجديد فإنه لم يسقط البعدين الآخرين: البيني والخارجي، ولكن استدعى الخارجي بقدر تأثيره على الداخلي، في حين ركز على الداخلي وقدر تأثره بالخارجي. كذلك فإن قضايا وأجندة الاهتمامات تراوحت ما بين الديني والاجتماعي والسياسي، وفق منظومات مختلفة باختلاف منظور الباحث أو الكاتب.

وهكذا، تجدر ملاحظة أن “المفهوم الواسع للإصلاح” يمزج بين الداخل والخارج في ظل معطيات القرن (الثامن عشر والتاسع عشر) يصبح مرادفًا للفكر الإسلامي بمفهوم شامل يتضمن إلى جانب قضايا أصولية – شرعية (مثل الاجتهاد ونطاق وتفسير القرآن وأسانيد صحة الحديث ومعنى ونطاق الشريعة) قضايا سياسية (أسس السلطة وحيازتها وانتقالها وشرعيتها، والعلاقة بين الدين والمجتمع والدولة والقيم الدينية والاجتماعية) وقضايا الرؤية للآخر وقواعد وقيم العلاقات الحضارية (عزلة، تفاعل، تفوق، تساوي).
ثانيًا: أن الموقف من الغرب بعدًا أو قربًا هو المحفز للفكر لأن هذا الفكر – بتوافق الجميع – كان نتاج صدمة الاحتكاك المباشر بالغرب. فالغرب كان حاضرًا بطريقة أو بأخرى في تشخيص الأزمة، وفي معايير تصنيف اتجاهات الفكر، وفي أنماط الإصلاح المطلوبة… ولكن فيما يبدو كان هناك خلط بين: الغرب، والعالم والاستعمار، والحداثة، والاحتلال العسكري، والغزو الثقافي والحضارة الغربية؛ فالاستعمار ليس كل الغرب، والحداثة هي الجناح المعرفي والفلسفي للظاهرة الاستعمارية، والاحتلال العسكري تخدمه أدوات متنوعة ويحقق أهدافًا متنوعة أكثر من مجرد احتلال الأرض. والخارج ليس الغرب فقط ولكن أجزاء أخرى من العالم. ناهيك عن أن تشخيص اتجاه تأثير الغرب أو الاستعمار هل باعتباره تحديًا أمام جهود الإصلاح ويصيبها بالتشوش، أم محفزًا للنهوض ذاته: أمدّه بكثير من العوامل المحركة؟ وهل الغرب (أو الاستعمار) هما نتاج فقدان الوحدة الإسلامية أم هو سبب في التجزئة؟ وهل تتحقق الحرية أولًا أم الإصلاح أم الوحدة؟ بعبارة أخرى، إلى جانب طبيعة الخارج، فإن أنماط العلاقة بين المجالات الثلاثة: الداخلي – البيني – الخارجي أنماط تنوعت حولها الاجتهادات بدون انتظام.
ثالثًا: ألم يغلب على قضايا الإصلاح –لدى التوجه الإسلامي– قضايا مواجهة النمط المعرفي والثقافي والفكري الحداثي بالأساس؟ وأين قضايا التغيير السياسي في مواجهة نظم الاستبداد؟ وإذا كانت التوجهات الليبرالية والقومية الحديثة قد ركزت على تلك الأخيرة، هل يعني ذلك أن هذا لا يتحقق إلا بانفصالٍ عن مرجعية الإسلام؟ كيف لا تبرز قضية الاستبداد السياسي بين أجندات الأدبيات التي قدمت القراءة في الفكر الإسلامي الحديث؟ في حين – أن قضية السلطة – هي عصب ومحور اهتمام الفقه السياسي الإسلامي في عصوره الأولى، ولو على النحو الذي أثار جدلًا حول مدى سلطوية هذا الفقه وشرعنته للملك العضود وإمارات التغلب.
كذلك إذا كان للتوجهات الإسلامية بحكم مرجعيتها أن تركز على العواقب المعرفية والثقافية والدينية للحداثة إلا أن ذلك ليس كغاية في حد ذاته ولكن لما لها من تأثيرات على المجالات السياسية والمجتمعية والاقتصادية. وفي المقابل هل الانطلاق من مرجعية غير الإسلام تستوجب التركيز بالأساس على الأبعاد المادية للإصلاح في العلاقة مع الغرب دون إعطاء الأبعاد القيمية اعتبارها؟
رابعًا: ألا يمكن القول إن الداخل، سعيًا نحو الإصلاح أو التجديد، قد احتل الاهتمام على حساب العلاقات البينية الإسلامية- الإسلامية، ألم يتولد فكر حول هذه العلاقات لدى رموز النهضة والإصلاح بالقدر الذي يفرض نفسه على التصنيفات؟ فهل جمال الأفغاني بمفرده هو الذي اهتم بقضية الوحدة الإسلامية؟ ولماذا لم يعط هذه القضية قدرًا كافيًا من البحث عن موضعها في منظومات أفكار ومشاريع النهضة والإحياء والحداثة؟ فعلى سبيل المثال وبالرغم من أن محمد عبده درج الاهتمام به من مدخل الإصلاح الديني والتربوي إلا أنه يمكن قراءته من منظور آخر يبرز منظومة العلاقات الدولية للأمة في فكره سواء كانت العلاقات بين كيانات الأمة التي تمت تجزئتها أو العلاقات مع الغرب.
إذن ومرة أخرى، أيمكن القول إن مفهوم الفكر السياسي –باعتباره – دراسة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم أو دراسة ظاهرة السلطة وتجلياتها الداخلية بصفة عامة هو الذي صبغ الأدبيات عن الفكر الإسلامي في القرون الثلاثة الأخيرة، وبالرغم من أن هذه القرون هي التي شهدت بروز البعد الخارجي وتأثيراته، وهل هذا يعني استمرارًا لنفس التقاليد الإسلامية في الفكر والممارسة والناظرة للخارج على اعتبار أنه ليس إلا امتداد للداخل، مهما زاد وزن تأثيره أو اشتدت وطأته؟ وألم يحن الأوان لإعادة النظر من زاوية واتجاه آخر؟ ومن ثم، ألا يستوجب ذلك إعادة قراءة نماذجنا الفكرية في مراحل متتالية ومناطق متنوعة وعلى نحو يهدف إلى إبراز البعد الدولي في رؤاها وخاصة من حيث نمط هذا الدولي (أو الخارجي) ونمط عملية التفاعل والتأثير المتبادل بين الداخل والخارج والبيني وعلى نحو يركز ليس فقط على مجالات التأثير وأسبابه ولكن على عملية التأثير ذاتها ونمطها واتجاهها ودرجة اختراقها وكيف تطورت. فإن نمط الهجوم على الهوامش ليس هو نمط احتلال القلب عسكريًا، وليس نمط الاستعمار الجديد بعد الاستقلال، وهو ليس العولمة وعودة الاستعمار التقليدي أو مشروع الشرق الأوسط الكبير… إن هذه القراءة المطلوبة لتأسيس مجال فكر إسلامي دولي لن تكون افتئاتًا على رؤى هذه النماذج الفكرية أو تأويلًا لها ولن يكون ضد خصائص منظور إسلامي للعلاقات الدولية ولكن سيكون استجابة لدواعي وأهداف الاهتمام الراهن بهذا البعد والتي لا يمكن أن تتحقق أهدافها الراهنة بدون البحث في امتداداتها السابقة والكشف عن نمط تواصلها الحضاري.

ج- بناء المفاهيم التي تستدعي العلاقات الدولية في الإسلام:

التأصيل للعلاقة مع الآخر، ومن ثم بناء رؤية إسلامية للعلاقات الدولية تمتد إلى منظومات مفاهيم تتعدى التأصيل العام للأصل في العلاقات الدولية في الإسلام بحيث لا ينحصر في كونه حربًا أم سلامًا، ولكن متى الحرب ومتى السلام؟
ويمكن تصور المنظومات الأربع التالية من المفاهيم: (الجهاد والقوة والدعوة)، و(الوحدة والتعددية والأمة والأقليات والدولة)، و(الأمن والصراع والإرهاب والتدافع)، و(التداول والعمران والتنوع والتعارف والحوار والإنسانية والخصوصية والعالمية والعولمة والحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان). وعملية بناء هذه المفاهيم عملية معقدة ومركبة تمتد ما بين مصادر فكرية متنوعة وبين خبرات تاريخية وبين دلالات واقع راهن[32].
وإلى جانب المنظومات الثلاثة الأولى التي تدور –على التوالي– حول: محرك العلاقات الدولية، أدوات وعمليات، مستويات تحليل وفواعل، إلا أن للعملة وجهًا آخرًا؛ حيث إن منظورًا إسلاميًا (و الذي هو بطبيعته منظور حضاري) لا يكتفي بتقديم الأبعاد القيمية– الواقعية حول المنظومات الثلاث هذه، وهي منظومات تنطلق من منظور سياسي تقليدي أي العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، وهو المنظور الذي ركز عليه الفقه السياسي الإسلامي فيما يتصل بالسلم والحرب وتقسيم الدور، وهكذا… إلا أنها ليست الوحيدة التي تبرز خصوصية منظور إسلامي في العلاقات الدولية، باعتباره منظورًا قيميًا حضاريًا.
لهذا، يجب أن تقترن بهذه المنظومات الثلاثة، منظومة رابعة، قد تصبح هي الأولى في الترتيب إذا أردنا إعادة ترتيب هذه المنظومات، وفق منظور حضاري للعلاقات الدولية. وهذه المنظومة هي التي تنطلق من خصائص الرؤية الإسلامية للعالم وتترجم المبادئ والأسس والقواعد والقيم التي تحكم العلاقات بين المسلمين وغيرهم. وجميعها بمثابة الإطار المرجعي والمدخل المنهاجي لدراسة العلاقات الدولية، والذي يساعد الانطلاق منه على كسر احتكار المنظور الفقهي السياسي التقليدي (الجهاد، الحرب والسلام) لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، في حين أن تلك الأخيرة، ودون الانتقاص من حيوية وضرورة هذا الفقه وما يمثله من ركيزة أساسية في الدراسة، إلا أنه ليس بقادر بمفرده – على تقديم صورة كلية عن العلاقات الدولية في الإسلام، ومن ثم فإن توسيع نطاق دراسة الفكر الإسلامي عن العلاقات الدولية إلى مصادر أخرى إلى جانب الفقه هو الذي يساعد على بناء هذه المنظومة الرابعة من منظومات المفاهيم، وهي منظومة ليست بديلة عن المنظومات الأخرى، ولكنها تساعد على استكمال الرؤية ودعمها على نحو يمكن من تقديم رؤية بنائية لا تقوم على مقولة الحرب أساس العلاقة فقط أو مقولة السلام أساس العلاقة، ولكن تبين متى تكون الحرب ومتى يكون السلام وقواعد إدارة كل منهما وانطلاقًا من رؤية تعارفية حضارية وانطلاقًا من منظور قيمي– واقعي.
وإذا أردنا التوقف عند مكونات هذه المنظومة الرابعة بقدر أكبر من التفصيل يمكن الإشارة إلى أن العالم من منظور حضاري إسلامي يقدم رؤية تعارفية إنسانية تطرح المفاهيم التالية[33]:
الإنسانية الإسلامية: (التعارف – التعايش- الإخاء – المساواة – العدالة – التسامح – الخلافة الإنسانية- إنسانية الرسالة الإسلامية…).
السنن الإلهية في التعامل الدولي: التعارف / التعايش الحضاري – التدافع الحضاري – ابتلاء الأمم – الطغيان / الاستكبار الدولي العالمي – العمارة الحضارية – قيام وسقوط الحضارات من رؤية إسلامية سننية – التوازن الحضاري – الإبدال الحضاري والتداول بين الدول الأمم – الفقه الحضاري وأصوله- الحوار الحضاري – عالمية الرسالة.
وسطية الأمة الإسلامية – الشهود الحضاري (خيرية الأمة – أمة الشهادة…)- مقاصد الشريعة والتعامل الدولي – عناصر فاعلية الأمة الإسلامية – سنن: الاختلاف، والتنوع، والتعددية، والتعاون الحضاري-الصراع الحضاري…
وأخيرًا، فإن هذه المنظومات الأربعة من المفاهيم (وما يمكن أن يتفرع داخل كل منظومة) هي منظومات متكاملة متراكمة تسهم في تقديم رؤية بنائية حضارية إسلامية، أي رؤية تُُُُُُسكن ما يتصل بكل جانب من جوانب العلاقات الدولية في موضعه من البناء دون افتئات جانب على آخر: السياسي على الثقافي أو الفقهي على غيره وكذلك القيمي على المادي… وهكذا يتحقق – من خلال بناء هذه المنظومات من المفاهيم، وكذلك إعادة قراءة النماذج الفكرية- تراكمًا على صعيدين: صعيد علم العلاقات الدولية من منظور حضاري، وعلى صعيد دراسة التراث الإسلامي للعلاقات الدولية الذي غالبًا ما اقتصر على أمور الجهاد ومن الزاوية الفقهية فقط. أي تحقيق تجديد في التعامل مع هذا التراث من أجل الكشف عن رؤية حضارية إسلامية عن العلاقات الدولية سواء في جذورها أو في صورتها الراهنة.
خلاصة القول: إن ما يتصل بالعلاقات الدولية من مفاهيم هو فرع من فروع أخرى تنبني جميعها وتنطلق من مفاهيم مظلة تتشكل منها وتدور حولها الرؤية للعالم في الإسلام وتجلياتها المعرفية والفكرية والنظرية[34]. مما يؤكد مرة أخرى كيف أن الداخل والخارج من منظور إسلامي هما امتدادات لبعضهما البعض.
كذلك، فإن بناء هذه المفاهيم يستدعي ولا يُغفل نمط تطور العلاقة بين المجالين الوحدة الإسلامية، والعلاقة مع الآخر. ناهيك بالطبع عن علاقتهما بالمجال الأول “النموذج الداخلي”. وهذه العلاقة الثلاثية هي منطلق لبيان مسار تطور الفكر الإسلامي عبر مراحل القوة والفتح والوحدة، ثم التدهور والدفاع والتعددية، ثم الضعف والاستعمار والتجزئة. كما تساعد دراسة نمط هذه العلاقة الثلاثية الأبعاد عبر هذا المسار الممتد زمنيًا على بحث إشكالية العلاقة بين الداخلي والخارجي، وإشكالية العلاقة بين الأمني الخارجي/الإصلاحي الداخلي، وإشكالية الوطن/الأمة وهكذا…
وحيث لا يمكن التوقف عند تفاصيل ومصادر هذه الخريطة الغنية لهذه المجموعة من الأدبيات، فأكتفي باستدعاء نموذج واحد من المفاهيم (وهو الجهاد).
وبقدر ما تختلف المنظورات الغربية حول مفاهيم القوة، بقدر ما تختلف المدارس والاتجاهات الإسلامية، وليس الاستشراقية فقط، حول مفهوم الجهاد، وهو الأمر الذي ولّد خطابات مختلفة حول أبعاده الراهنة[35] على نحو دفع البعض للقول بأن حالة الغموض أضحت تحيط بالمفهوم (جون اسبوسيتو)، كما دفع البعض الآخر للتساؤل: كيف لنا أن نفهم الجهاد إلا من خلال بناء المفهوم وانطلاقًا من رسم خريطة اتجاهات تعريفه الإسلامية والاستشراقية؟ وبيان أسباب الاختلافات بينها، وتحديد كيف يستدعي ذلك المفهوم مفاهيم أخرى، مثل تقسيم الدور ومثل قضية الدعوة ذاتها، وكيف يمكن أن نرد الاعتبار لهذا المفهوم الذي اكتسب تدريجيًا- مع التدهور في أحوال الأمة والاحتلال والتجزئة والاستعمار الجديد والعولمة- سمعة سيئة (د. نادية مصطفى).
ومما لاشك فيه أن مناهج الاقتراب من المفهوم تختلف أيضًا وتتنوع: فإذا كان البعض يقتصر على تقديم اتجاهات التأصيل الفقهي، فإن البعض الآخر يمتد من رؤية العالم الإسلامية ليحدد منطلقات النظر للجهاد باعتباره عملية كلية وقيمة ممتدة وليست مجرد حرب دفاعية أو حرب هجومية (ميشيل بوازار)، وفريق ثالث يقدم مجرد رصد لرؤى مفكرين مسلمين في مراحل متتالية دون أي تصنيف لهم ولكن على نحو يستدعي- بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- ما يسمى تجليات التحول من النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة، ومن أهم هذه التجليات الانتقال من النظر للجهاد باعتباره حربًا هجومية أو دفاعية إلى النظر إليه باعتباره حربًا وسلمًا أيضًا (ظافر القاسمي)، وجهود أخرى تضع الجهاد كقيمة مفتاحية وكمدخل من مداخل منظومة سباعية للقيم تمثل مدخلًا منهاجيًا أو إطارًا مرجعيًا لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام (د. سيف عبد الفتاح)، وأخيرا هناك جهود رصينة تدرس التطور في مفهوم الجهاد من خلال منهاجية أكثر تركيبًا تجمع بين دراسة تطور التأصيل الفقهي والتطور في الوقائع التاريخية والتطور في الرؤى الفكرية والممارسات (رودولف بيترز). ومن ثم فهي تقترب من مجال العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من مدخل عقيدة الجهاد أكثر من كونها تقوم على بناء المفهوم ذاته. بعبارة أخرى، فإن “بيترز” يعتبر مفهوم أو عقيدة الجهاد هي مفتاح العلاقة بين المسلمين والغرب، وهو توجه أقل تحيزًا من توجه الكتابات التي تتخذ عنوانًا لها: الحرب في الإسلام، ثم تستدعي في داخلها مفهوم الجهاد وهي في معرض شرح نظريات الحرب، كما لو أن الجهاد هو الحرب فقط.
وأتوقف هنا عند هذا النموذج الأخير؛ لأنه يستدعي “الفكر الإسلامي” حول الجهاد وليس مجرد فقه وأحكام الجهاد، فضلًا عن أنه يضيف جانب الحركة والممارسة. وهذا النموذج- وهو استشراقي حديث- مثله مثل “برنارد لويس” و”مجيد خدوري” يهتم بإشكالية الفارق بين المثل والواقع.
وبالنظر إلى حجج طرح “بيترز”، نجدنا مرة أخرى أمام نفس الإشكالية المنهاجية الخطيرة التي طرحناها خلال عرض فكر “برنارد لويس” و”مجيد خدوري”؛ فإن “بيترز” بدوره يصل بهذه النتيجة إلى نفس النتائج أو الأهداف البحثية التي سعت ورائها عدد من كتابات المستشرقين الذين طبقوا أساليب التحليل الحديثة في العلوم الاجتماعية، أي أساليب تحليل تأثير البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الأفكار وعلى النظريات. وهذا الهدف هو ما أسميه تفسير الفجوة بين المثل والنظرية في الإسلام وبين الخبرة التاريخية وبين الواقع. وهي التفسيرات التي بيَّنت أن الضغوط والظروف المحيطة بالمسلمين في ظل ضعفهم واحتلالهم وتجزؤهم، قد أثرت على نحو اضطرهم للاعتراف بالأمر الواقع ومن ثم محاولة تقديم تفسير جديد للجهاد أو دوافع جديدة للحرب تقيد من حدود وأهداف الجهاد، على اعتبار أن الجهاد في الأصل هو القتال من أجل نشر الإسلام وليس الدفاع عن المسلمين حربًا أو سلمًا. وبالطبع، فإن لهذا التفسير- كما سبق الإشارة- له وجه آخر يتصل بفقه الاجتهاد والتجديد وأصوله وقواعده في إطار فقه الواقع القائم وفقه النص. فكيف نستطيع أن نتصدى لهذا الوجه الآخر ونبرزه لنتمكن من فهم قواعد وأسس تقديم خطاب بنائي تجديدي لا يسقط في أي من التصنيفات الثلاثة السابقة، فهي صدى للفكر الاستشراقي المتحيز في رؤيته عن الجهاد في الإسلام ابتداء. كما لا يسقط من ناحية أخرى تحيزات أخرى لتصنيفات إسلامية لم تعط لفقه الواقع حقه من التدبر، فإما ظلت أسيرة اتجاهات فقهية سابقة، أو وقعت أسيرة الدفاع فقط. وهذا الخطاب البنائي التجديدي سيقدم مفهوما واقعيًا قيميًا للجهاد ينطلق من رؤية الإسلام الكونية (القيمية) ولكن دون انفصال عن مقتضيات القوة. ومن ثم، يمكن أن يمثل هذا المفهوم تراكمًا في مجال دراسات العلاقات الدولية، في موضع وسط بين دراسات الحرب والسلام والواقعية وبين دراسات الليبرالية التعددية عن السلم وحل النزعات.
خلاصة القول: إن بناء مفاهيم مثل: الجهاد، القوة، الأمة، الدولة، بما يتناسب ومتطلبات التناول في حقل العلاقات الدولية من منظور حضاري إسلامي، إنما لابد وأن يختلف عن تناولها كمفاهيم ترتبط بقضايا ومجالات الدراسات الإسلامية بصفة عامة أو دراسات الفكر السياسي الإسلامي بصفة خاصة، حيث إن الغاية من تناولهم كأبعاد نظرية في دراسة العلاقات الدولية متعددة. وعلى رأس هذه الغايات شرح الأبعاد القيمية في مفاهيم المنظور الحضاري الإسلامي مقارنة بالأبعاد المادية الغالبة على المفاهيم المناظرة من منظورات غربية. كما أن الهدف أيضًا هو دراسة الفارق بين ماهية وطبيعة الأبعاد القيمية التي اتجهت للاهتمام بها والدعوة إلى رد الاعتبار لها من جديد اتجاهات حديثة غربية في نظرية العلاقات الدولية. ناهيك -بالطبع- عن التراكم الذي تحققه بالنسبة للتأصيل الحضاري، إلى جانب التأصيل الشرعي، لهذه المفاهيم.

[3] فقه التاريخ الحلقة الوسطى بين التأصيل الفقهي (التأسيس) والتأصيل الفكري (البنائي): خبرة المسار التاريخي: [36]

ماذا تقول لنا دراسة خبرة التاريخ الإسلامى حول نمط تطور العلاقات مع الآخر في اتصالها مع العلاقات الإسلامية- الإسلامية في المستويات السابق تحديدها؟
إن دراسة هذه الخبرة في ظل إسهامات الدراسة النظمية للعلاقات الدولية، أي دراسة وضع الدولة (الدول) الإسلامية في النظام الدولي عبر تطوره التاريخي، قدم لنا -كما يتضح من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام وخاصة في جزئية السابع والثاني عشر- نتائج مهمة حول تعاقب الخلافات الإسلامية، وحول العوامل التي أثرت فيها، والتفاعلات التي أحاطت بها، وذلك على النحو الذي يبين لنا الرابطة التفاعلية بين ثلاثة محاور أساسية: عوامل قوة وضعف الدول الإسلامية، العلاقات بين الدول الإسلامية، العلاقات بين الدول الإسلامية وغيرها من الدول. وتنبثق هذه المحاور الثلاثة عن قضيتين أساسيتين تقعان في صميم الاهتمام بفقه العلاقات الإسلامية الدولية الراهنة. الأولى هي قضية العلاقة مع الآخر غير المسلم في ظل قواعد العلاقات الصراعية القتالية أو التعاونية السلمية التي يطرحها المفهوم الواسع للجهاد. والقضية الثانية هي قضية انتشار نموذج الدولة القومية أمام ضغوط التعددية السياسية الدولية، وصولًا إلى حالة التجزئة. والإطار العام الكلي الذي تنبثق عنه بدورهما القضيتان يتمثل في التطور التاريخي لوضع الأمة في النظام الدولي على نحو أفرز التبعية بعد الاستقلال، والهيمنة من ناحية، كما شهد، من ناحية أخرى، شحوب فكرة الأمة وتدهور الالتزام بمقتضياتها بالنسبة إلى العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية على نحو أفرز التجزئة والقطرية بعد الوحدة والتعددية.
بعبارة أخرى، إن خبرة التاريخ الإسلامي عن نمط تطور العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية بعيدًا عن الوحدة لا ينفصل عن خبرة نمط تطور العلاقة مع الآخر (نحو التبعية)، أو عن خبرة نمط التطور الداخلي في الدول الإسلامية (نحو التغريب). ولهذا فإن آفة الواقع الراهن للأمة هي أن التجزئة تقترن باختراق خارجي ضخم لشبكة العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية، كما تقترن بتغريب الأمة.
إن مراجعة نتائج الدراسة النظمية للتاريخ الإسلامي في عصوره المتعاقبة، والتي قدمها مشروع العلاقات الدولية في الإسلام تبين لنا أن ازدهار وتدهور الدولة الكبرى تحدد بعدد من العوامل الرئيسية، وهي العقيدة، ومدى استقرار الجبهة الداخلية، والقدرات العسكرية، ووضع المركز في هيكل الاقتصاد العالمي، وطبيعة العلاقة داخل النسق الفرعي الإسلامي، وقوة وضعف الخصم، وتدخل الخصم في الشئون الداخلية للطرف الإسلامي، والحروب كنقاط للتحول في تاريخ الدول. ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى أربع مجموعات من حيث مساهمتها في ازدهار وتدهور الدول: فهناك مجموعة عوامل ترتبط بالقدرات الذاتية للطرف الإسلامي، وهناك مجموعة ثانية ترتبط بطبيعة التفاعل داخل النسق الإسلامي، وهناك مجموعة ثالثة ترتبط بقدرات وسلوك الطرف غير الإسلامي، وهناك مجموعة رابعة ترتبط بالتفاعل بين سلوك الطرف الإسلامي وقدرات الطرف غير الإسلامي. وإذا كانت المجموعة الأولى من العوامل قد ساهمت خلال بعض الفترات في ازدهار قوة الطرف الإسلامي وفي أحيان أخرى في تدهوره، فإن مراجعة التاريخ الإسلامي توضح أن استفادة القوى الإسلامية من المجموعتين الثانية والثالثة من العوامل كانت محدودة، حيث ساهمت هاتان المجموعتان من العوامل أساسًا في تدهور القوى الإسلامية. أو، بعبارة أخرى، لم تنجح الدول الإسلامية في توظيف هذه العوامل على النحو الذي يدعم من ازدهارها. وإذا كانت الأطراف الإسلامية قد نجحت في تعظيم قدراتها من خلال الاعتماد على المجموعة الرابعة من العوامل في بعض الفترات، فإن هذه العوامل ساهمت في تدهور الأطراف الإسلامية في مراحل أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن الفصل بين العوامل التي ساهمت في ازدهار وتدهور الدول الإسلامية في النظام الدولي إنما هدفه الأساسي هدف تحليلي. فإن التفاعل بين هذه العوامل في الواقع هو الذي حدد المحصلة النهائية لوضع الدول الإسلامية في النظام الدولي. فالدول الإسلامية تمتعت بمركز متميز في هذا النظام في ظل تمسكها بالعقيدة الإسلامية، واستقرار الجبهة الداخلية، وتنمية قدراتها العسكرية، واحتلالها مركزًا متميزًا في هيكل النظام الاقتصادي العالمي، ومناصرة الأطراف الإسلامية لبعضها البعض، وعدم تدخل القوى الخارجية في شئونها، إلا أنها تعرضت للتدهور في ظل انتفاء مثل هذه العوامل. هذا وسنشير فقط إلى خبرة واحد فقط من هذه العوامل وهو العامل المتصل بالتفاعلات بين الدول الإسلامية، إذ إن متابعة تطور أنماط التفاعل الإسلامي- الإسلامي تشير إلى عدة نتائج أساسية حول قضايا: الوحدة- التعددية، النصرة، التحالفات والحروب.
1-إن توحد الفواعل الإسلامية ترتب عليه نتائج إيجابية في دعم موقف هذه الفواعل في مواجهة الفواعل غير الإسلامية، وبالتالي ساهم في تدعيم قوة الفاعل الإسلامي المركزي. والمقصود بالفواعل هنا إما دول مستقلة اسميًا عن المركز الإسلامي الرئيسي، أو دول شبه مستقلة عنه، فضلًا عن المركز ذاته أو الدول الإسلامية المستقلة عنه فعليًا.
2-إن الأطراف الإسلامية فشلت، في بعض الفترات التاريخية، في مناصرة فواعل إسلامية أخرى، على النحو الذي قيد من فعالية دور القوى الإسلامية في النظام الدولي وفي مواجهة أطراف غير إسلامية.
3-إن الصراعات بين الفواعل الإسلامية اتخذت مظهرين رئيسيين: الدخول في تحالفات مع فاعل غير إسلامي ضد فاعل إسلامي، والصدام العسكري المباشر بين هذه الفواعل. ولقد كانت المحصلة النهائية لجميع هذه الأنماط من التحالفات لإسقاط قوى إسلامية صاعدة ـ على حساب المركز الإسلامي ـ في غير صالح الأمة في مجموعها في صراعها ضد الآخر. إن المحصلة النهائية للصراع بين القوى الإسلامية أضعفت من الدور الإسلامي في توجيه التفاعلات الدولية في مراحل محددة وبصورة تراكمية حتى الآن.
بعبارة أخرى، فإن المحصلة النهائية للحروب الإسلامية ـ الإسلامية ساهمت في تدهور الدولة العثمانية، آخر القوى التي احتلت دورًا بارزًا كأحد المراكز في النظام الدولي، ومن ثم انهيارها وتفككها ومعها آخر الرموز ـ ولو الشكلية ـ للوحدة السياسية الإسلامية، حتى وصل الأمر إلى سيادة نمط التجزئة والانقسام والتعددية المفرطة، في وقت تغلبت فيه، في المقابل، هيمنة وتفوق دور الطرف الآخر. ولكن على المدى الطويل، ومن خلال المراجعة الكلية الشاملة للتواريخ الإٍسلامية، يمكن القول إن توالي الأجناس المسلمة (العرب، الترك، الفرس) على قيادة المسلمين ومواجهة الخصم كان في مجموعة لصالح خدمة الإسلام ولصلاح الأمة واستعفائها ونهوضها بعد كل مرحلة من مراحل الخبو. وبالرغم من ضخامة مصادر التحدي، فإنه يمكن القول إن ضعف الدور القيادي لطرف مسلم يعوضه نمو دور طرف آخر، ولو في محور جغرافي مختلف وفي مواجهة خصم آخر.
وحتى بعد انتهاء الدور المؤثر للمراكز الإسلامية في التفاعلات الدولية، فلقد ظل التواجد الحضاري الإسلامي قائمًا ومتميزًا لم ينته من ناحية، كما تكرر ظهور عمليات الإحياء والتجديد والصحوة (أيًا كانت تسمياتها) الفكرية والعملية من ناحية أخرى. وإذا كانت قد نجحت في بعض المراحل، فهل ستنجح الآن في تغيير موازين القوى الداخلية ثم الإقليمية ثم العالمية؟
وإذا كانت تحليلات غربية استشراقية لنمط تطور العلاقات الإسلامية- الإسلامية قد أفرزت حول ما أسموه بالعلاقة بين النظرية والتطبيق في الإسلام مقولات كثيرة تؤثر في مدركات وذاكرة الشعوب الإسلامية عن الماضي ليصبحوا أكثر تقبلًا للواقع، أي واقع التجزئة والتبعية -باعتباره جزءًا من تيار عام تولد تدريجيا من رحم التاريخ الإسلامي بأسانيده ومبرراته، وعلى نحو يصل إلى إلغاء التمييز بين الإسلام والمسلمين، حيث يعتبرون أن الإسلام هو فكر وممارسات المسلمين، فإن قراءتنا في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام- لهذا النمط التاريخي -وهي القراءة التي تتم في ضوء قواعد التفسير الإسلامي للتاريخ- يمكن أن تقدم طرحًا مخالفًا، غايته إحياء الذاكرة، وتجديد المدركات عن عوامل القوة وعوامل الضعف، عن عوامل الوحدة وعوامل التجزئة، عن عوامل الاستقلال وعوامل التبعية. ومفاد هذا الطرح هو إبراز أن الفارق بين الأصل الإسلامي وبين خبرة التاريخ ليس إلا انعكاسًا حقيقيًا للإسلام؛ فإن ما وصلت إليه ممارسات المسلمين عبر تراكمات عديدة ليس إلا تأكيدًا لانطباق السنن الإلهية كركن من أركان التفسير الإسلامي، فإن العوامل التي نظر إليها الماديون من وجهة نظر أحادية هي في الحقيقة سنن الله تعالى في الكون والحياة والناس، وهي سنن لم يصنعها التطوريون والتجريبيون، وإنما كشفوا عن بعضها، وأساءوا تفسيرها وفهمها بدرجة كبيرة. والتفسير الإسلامي بالاستناد إلى السنن يحقق صحة هذا الفهم عن تأثير العوامل المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بعبارة أخرى، إذا كانت اتجاهات غربية تتكلم عن تغيير الإسلام في ضوء الخبرة التاريخية، وعن أنه لم يطبق إلا خلال أربعين عامًا فقط، فإنه يجب أن نفطن ـ عند الرد على هذا المنطق ـ إلى أن مقتضيات الضرورة العملية وضغوط الواقع الفعلي لا تلغي أسس الإسلام أو المثالية الكبرى التي يطرحها كهدف يجب أن يسعى إليه المسلمون. وإذا كانت ممارسات المسلمين عبر التاريخ قد ابتعدت عن تحقيق هذه الغاية (الجهاد لنشر الدعوة، الوحدة الإسلامية في ظل مفهوم الأمة)، فإن هذا الابتعاد عن المثالية ليس إثبات فشل أو عدم صحة هذه الغاية، ومن ثم فقدان مصداقية الإسلام كنظام حياة لكل زمان ومكان، ولكن إثبات أن عدم اتباع المسلمين لخطى الإسلام الحقيقية انعكس على ممارستهم فانطبقت عليهم السنن.
بعبارة أخرى، فإن فهمنا لضوابط ومعايير التفسير الإسلامي للتاريخ يجعل حيثيات حكمنا على الفارق بين النظرية والتطبيق في الإسلام (أو بين المثالية وواقع الممارسات، أو بين الفقه التقليدي والواقع المعاصر… مهما تعددت التسميات) تختلف جوهريا عن حيثيات حكم اتجاهات بحثية في الغرب، فالمثالية الإسلامية التي في خيالهم ليست التي يعنيها الإسلام.

[4] الخاتمة: خصائص رؤية إسلامية معاصرة عن العلاقات الدولية: من التأصيل إلى الرؤية إلى التفعيل والتشغيل

خلاصة القول في ضوء كل ما سبق: إن التعامل مع المصادر التأسيسية والمصادر البنائية لرؤية إسلامية عن العلاقات مع الآخر يتطلب قواعدًا منهاجية منضبطة لإدارة مجموعة من الإشكاليات. فإن هذه الرؤية ليست جامدة والرؤية في زمان ومكان محددين ليست هي المصادر التأسيسية لها.
وبناء عليه، فإن التأصيل للعلاقات الدولية في الإسلام والعلاقة مع الآخر يجب أن يمثل استجابةً (وفق قواعد الاجتهاد والتجديد) لما يحيط بالمسلمين من تحديات وتهديدات خارجية. وعلى النحو الذي يحقق مقاصد الشريعة. كما لا يجب أن تظل هذه الرؤية حبيسة الفكر؛ فالفكر وإن كان يمثل في حد ذاته تفعيلًا للمنظور ومصادره، إلا أن الأمر يقتضي ما هو أكثر من ذلك: أي التشغيل.
إن الحديث عن مصادر تأسيس ومصادر بناء منظور إسلامي، وعن خصائص هذا المنظور، ليست غايةً في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة للنظر من خلاله في الأوضاع والقضايا العالمية لتقديم رؤية (أو رؤى) إسلامية عن أسباب هذه الأوضاع وعن كيفية إدارتها وكيفية تغيرها. ولمثل هذا أو ذاك آثاره على عالم المسلمين؛ ذلك لأن السياسات العامة في العالم الإسلامي التي تتصل بقضايا داخلية أضحت ذات أبعاد دولية شديدة الوضوح، بقدر ما تتصل أيضًا بقضايا عالمية معاصرة شديدة الاتصال بدورها بأوضاع العالم الإسلامي الداخلية. ومن ثم، فإن هذا التشغيل إنما ينقل اهتماماتنا من المجال المعرفي والنظري والفكري إلى المجال العملي على أكثر من مستوى. بعبارة أخرى، تصبح السياسات العامة هي حلقة الوصل بين: التأصيل الفقهي والتأصيل الحضاري والمشروعات الفكرية، وبين تنزيلها على الواقع بصورة عملية وتطبيقية. ومن ثم، فإن رسم خريطة القضايا العالمية وذات الصلة بالدول الإسلامية بصفة خاصة يصبح خطوة استراتيجية تالية بعد التأصيل. وتنقسم هذه القضايا بين المحاور التالية:
قضايا الإصلاح والتغيير وبناء الأمن الإنساني، وقضايا التنمية وبناء القوة والأمن الاقتصادي، وقضايا بناء القوة والأمن العسكري، وقضايا الدائرة الإسلامية في السياسة الخارجية (سواء للدول الإسلامية أو الدول الكبرى)، وقضايا العلاقات البينية الإسلامية وعبر الحضاري، الصراعات الإقليمية وعبر الإقليمية في العالم الإسلامي، وقضايا المسلمون في الغرب، وقضايا الحوار والتعارف الحضاري البيني، وقضايا إصلاح النظام العالمي (ليكون بدوره أكثر ديمقراطية وعدالة). ومن الملاحظ أن هذه القضايا تنقسم بين المجالات الثلاثة الكبرى (الداخلي، البيني، الخارجي)، كما أنها تجمع بين: عالم الأحداث، وعالم الأفكار، وعالم المؤسسات، وعالم الرموز.
ومما لاشك فيه، أن كلَ بندٍ من بنود هذه الخريطة يتضمن شبكة من المسائل. فعلى سبيل المثال من مسائل الإصلاح والتغيير ما يلي: تجديد الخطاب الديني والتعليم الديني، حقوق المرأة، حقوق الإنسان، التربية المدنية، تفعيل المجتمع المدني، المواطنة… وجميعها موضوعات من أجل الديمقراطية والحوكمة. وجميعها، وإن بدت داخلية، فهي في صميم التفاعلات الدولية والعالمية المعاصرة، كما وأنها وإن بدت ثقافية اجتماعية فهي في صميم السياسات.
بعبارة أخرى؛ إذا كانت مناقشة العولمة من رؤية إسلامية لشرح إشكاليات العلاقة بين الداخل والخارج، والعلاقة بين الثقافي والسياسي، والعلاقة بين الأفراد والجماعات والدول والنظام العالمي في محاولة لبيان ملامح رؤية أو خطاب عن مجتمع إنساني عالمي[37]، فإن القضايا الأربع الكبرى التي تثور هي:
· قضايا وخطابات الحرب والسلام في مواجهة مختلف أنماط استخدام القوة العسكرية في العالم الإسلامي (الداخلية، والإقليمية، وعبر الإقليمية)، وذلك من خلال رؤية نقدية لما تتسم به هذه الخطابات من استقطاب ثنائي حاد، وذلك سعيًا للنظر في ضرورة تقديم خطاب القوة العادلة والحق الذي يحميه القوة حتى لا نقع في دوامة الدفاعات والاعتذارات وحتى لا تستوي أعمال القوة المشروعة مع غيرها[38].
· قضايا العلاقة بين الحضارات في مواجهة الخطابات الاستقطابية التي ترى العلاقة الراهنة إما صراعًا أو حوارًا في حين أن الواقع يفرض على المسلمين تقديم خطاب إنساني تعارفي يحدد متى وكيف تتحول العلاقة إلى صراع أو تعاون وكيف أن الحوار ليس إلا أداة من أدوات التعارف المبني على التعدد والتنوع كسنن[39].
· قضية الحركات السياسية الإسلامية وعملية الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج، فإن تنوع روافد هذه الحركات وأدواتها وأهدافها يطرح المواجهة بينها وبين النظم وبين الحركات العلمانية ذات التوجهات المختلفة، سواء كانت في الحكم أو المعارضة، ويمثل الخارج عامل ضغطٍ كبيرٍ على هذه المواجهة وعلى نحو أفرز مقولة إن هذه الحركات -وخاصة ذات الامتدادات الخارجية– تمثل تهديدًا للاستقرار والأمن والسلام العالمي. وهذا الأمر أثار جدالًا فكريًا وسياسيًا حول مصادر التهديد الأخرى للسلام العالمي والتي تبرز من جانب القوى المهيمنة على العالم. وبذا أضحت قضية الإصلاح في الدول الإسلامية بين دفتي الصراع الداخلي ضد الاستبداد والصراع ضد الهيمنة الخارجية المتحالفة مع الاستبداد الداخلي[40].
· وأخيرًا: قضية إصلاح النظام العالمي وكيفية مشاركة المسلمين فيه، سواء من الدول الإسلامية أو من المسلمين في الغرب، وهي مشاركة تفترض أن يدير المسلمون في كل مكان إشكاليتين أساسيتين متصلتين بالإدراك المتبادل بينهم وبين غير المسلمين ألا وهما: أن المسلمين جزءٌ من العالم وفي قلبه لا يمكنهم الانعزال عنه، بل وعليهم دور كبير تجاه الإنسانية وليس تجاه المسلمين فقط، وإن كان هذا الدور يقتضي في البداية إصلاح أحوال المسلمين[41].

وخلاصة القول: تمثل هذه القضايا بأبعادها الداخلية والخارجية المتشابكة –جوهر اهتمام مفكري الأمة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة والعولمة- وعليه، فإن الاقتراب منها يكون باستدعاء الفكر الإسلامي المعاصر، ويمثل مرحلة من المراحل الفرعية لدراسة تطور العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي، وهي المرحلة الراهنة في ظل العولمة. وتتسم خريطة هذا الفكر بالتعقيد والتداخل لأكثر من اعتبار من أهمها:
لم يعد الداخلي داخلي ولم يعد الخارجي خارجي وتهاوت الحدود بينهما واخترق الخارجي، بكثافة وعمق وامتداد غير مسبوقين، الداخلي والبيني تاركًا تقاليد الفكر الإسلامي في ورطة شديدة، كيف تكون البداية من الداخل تشخيصًا وتفسيرًا وعلاجًا، وقد أضحى الداخل مستباحًا على هذا النحو وأضحى الخارج بهذا الثقل وبهذه الوطأة؟
بعبارة أخرى: هذه القضايا هي بمثابة المسائل التي تولدت –من رحم المجالات الكبرى الثلاثة في تداخلاتها– ولكن وصلت إلى حالة كبيرة من التعقد والتركيب في ظل العولمة والهيمنة الأمريكية والصهيونية وأصبحت تمثل تحديًا ومحفزًا للفكر الإسلامي المعاصر وعلى نحو يُبين كم تطور مضمون هذا الفكر. ومن ناحية أخرى، أضحى للسياسات العامة تجاه القضايا الداخلية أبعادًا دولية شديدة التأثير، فضلًا بالطبع عن أن السياسات العامة تجاه الخارج هي بدورها شديدة التأثر بالداخل. وإذا كان الداخل هو مجتمعات ونظم مسلمة، ولا أقول كلها ذات رؤية إسلامية، فيصبح للحوار والجدال بين هذه الرؤية وغيرها من الرؤى في صميم عملية صنع السياسات العامة واتخاذ قراراتها ورسم خطط وبرامج تنفيذها. ومن ثم، فإن فهم أبعاد هذه الرؤية الإسلامية وموضعها ووزنها مقارنة بغيرها من الرؤى في إعداد السياسات العامة وتنفيذها يكون بمثابة الخطوة الأولى في تفعيل وتشغيل رؤية إسلامية للعلاقات الدولية، على أن تليها خطوات أخرى تتصل بصياغة استراتيجية عمل للقوى الإسلامية متنوعة الروافد في نطاق مشروع حضاري إسلامي معاصر. وبقدر أن هذا المشروع لن يكون داخليًا فقط بقدر ما لا يمكن أن يقتصر على مجرد الأفكار والمبادئ والقواعد الكبرى، فهذه من أسس المنهج والمرجعية ولا تتغير بنفس قدر تغير فقه واقع المسائل ذاتها وتفاصيلها. وهو الأمر الذي يفرض أن يكون للمشروع الحضاري الإسلامي مستويان أحدهما جاهز ومتوافر من واقع تراكم الأفكار الرشيدة والأصيلة لأجيال من رموزنا وشوامخنا عبر القرنين الأخيرين، والمستوى الثاني المتصل ببرامج التنفيذ هو المتغير، وهو أيضًا المفتقد في خبرة القرون السابقة أو على الأقل المفتقدة دراسته في هذه الخبرات بفرض وجوده.
وفي نهاية مطاف الحديث عن العلاقة بين التأصيل وبين خدمة الواقع، لا يسعني إلا أن استحضر رؤية د. منى أبو الفضل عن أهداف وغايات منظور حضاري -هو بطبيعته أكثر اتساعًا وشمولًا من المنظور الفقهي للأحكام- إذ أنها ليست أهدافًا تنظيرية بحتة؛ فـ د. منى ترى أنه منظور ينعكس على واقع الأمة ونسيجها الاجتماعي والفكري والعمراني، ومنه تتبلور دعوة د. منى أبو الفضل لإعادة قراءة التراث من داخل النسق المعرفي الإسلامي[42]: سواء من أجل كشف العيوب المنهاجية لقراءات استشراقية ذات عواقب سياسية بالنسبة لفهم التاريخ وبالنسبة لفهم خصائص الأوضاع الراهنة، أو سواء من أجل أن تتحقق قراءة تراث الفكر السياسي الإسلامي من منظورٍ خاصٍ به. ذلك لأن الخلل في قراءة التراث ينعكس في شكل خلل يصيب فكر الأمة ويكون له مضاعفات على نسيج الفكر الاجتماعي والعمراني وعلى نحو يشل فاعليات الأمة. وعليه، فإن مقتربات د. منى أبو الفضل من التراث قد امتدت أيضًا إلى مستوى أكثر شمولًا وعمومية يتصل بتوجه الأمة الحضاري برمته وبهويتها.
وبهذا، تكون د. منى أبو الفضل قد وجَّهت النظر وأسست الدعوة إلى جانب مهم من الفكر الإسلامي للعلاقات الدولية، وهو الجانب التجديدي الإحيائي لهوية الأمة باعتباره جانبًا أساسيًا من جوانب تجديد وإحياء عناصر قواها الشاملة الأخرى (المادية وغير المادية).
ولعل من أهم المناطق التي ظهرت فيها التوجهات الحضارية لاقتراب منى أبو الفضل من “تراث الفكر السياسي الإسلامي”، تلك المتصلة بمفهوم الأمة القطب، واتخاذ الأمة الإسلامية مستوى للتحليل في العلاقات الدولية الإسلامية، أو الأمة بصفة عامة مستوى لتحليل العلاقات الدولية من رؤى مقارنة.
*****

هوامش الدراسة:

* قدمت هذه الدراسة للنشر ضمن أعمال مؤتمر نحو مشروع نهضوي إسلامي 16- 17 نوفمبر 2008، عمان: المنتدى العالمي للوسطية، 2008.

[1] وكانت عناوين الأجزاء الاثنى عشر الصادرة في التسعينيات من المشروع هي على الترتيب:
– د.نادية محمود مصطفى: المقدمة العامة للمشروع، (في): د.نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996، الجزء الأول.
– د.سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): المرجع السابق، الجزء الثاني.
– د.أحمد عبد الونيس، د.سيف الدين عبد الفتاح، ود.عبد العزيز صقر: المداخل المنهاجية للبحث في العلاقات الدولية في الإسلام، (في): المرجع السابق، الجزء الثالث.
– د.مصطفى منجود: الدولة الإسلامية وحدة التعامل الخارجي في الإسلام، (في): المرجع السابق، الجزء الرابع.
– د.أحمد عبد الونيس: الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام وقت السلم، (في): المرجع السابق، الجزء الخامس.
– د.عبد العزيز صقر: العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب: دراسة للقواعد المنظمة لسير القتال، (في): المرجع السابق، الجزء السادس.
– د.نادية محمود مصطفى، مدخل منهاجي لدراسة تطور وضع ودور العالم الإسلامي في النظام الدولي، )في(: المرجع السابق، الجزء السابع.
– د.علا أبو زيد: الدولة الأموية… دولة الفتوحات (41- 132هـ، 661- 750م) من استئناف الدولة الأموية القوى والمؤثر لحركة فتوحات الراشدين إلى بلوغ المد الفتحي حدوده الطبيعية في المشرق والمغرب، (في): المرجع السابق، الجزء الثامن.
– د.علا أبو زيد: الدولة العباسية من التخلي عن سياسات الفتح إلى السقوط (132- 656هـ، 750- 1258م)، (في): المرجع السابق، الجزء التاسع.
– د.نادية محمود مصطفى، العصر المملوكي من تصفية الوجود الصليبي إلى بداية الهجمة الأوروبية الثانية (642- 923هـ، 1258- 1517م)، (في): المرجع السابق، الجزء العاشر.
– د. نادية مصطفى: العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية، (في): المرجع السابق، الجزء الحادي عشر.
– د. ودودة بدران: وضع الدول الإسلامية في النظام الدولي في أعقاب سقوط الخلافة(1924-1991)، (في): المرجع السابق، الجزء الثاني عشر.
[2] راجع في ذلك:
– د. عبد الوهاب المسيري: فقه التحيز، (في) د.عبد الوهاب المسيري (محرر)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (أعمال الندوة التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن بالتعاون مع نقابة المهندسين، القاهرة في 19-21 فبراير 1992)، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994.
– د. حامد عبد الماجد: الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1993، ص ص 23- 48.
– د. سيف الدين عبد الفتاح: بناء علم سياسة إسلامي، سلسلة بحوث سياسية، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، رقم 6، 1988.
– د. نصر عارف (تقديم)، في: د.نصر عارف (محرر)، قضايا المنهاجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996، ص ص 7- 15.
– Dr. Mona Abul Fadl: Islamization as a Force of Global Culture Renewal: the relevance of Tawhidi episteme to modernity, the American Journal of Islamic Social Sciences, Vo 2, 1988.
– Dr. Mona Abul Fadl: Paradigms in Political Science revisited The American Journal of Islamic Social Sciences, No 1, 1989, pp. 1- 15.
– د.منى أبو الفضل، النظرية الاجتماعية المعاصرة: نحو طرح توحيدي في أصول التنظير ودواعي البديل، إسلامية المعرفة، العدد 6، سبتمبر 1996، ترجمة عارف عطاري، ص ص 69- 109.
[3] حول التوجهات العامة لإنجاز هذه الجماعة البحثية انظر: نادية محمود مصطفى: التوجهات العامة في تدريس العلاقات الدولية وبحوثها: قراءة في خبرة جماعية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، دراسة مقدمة إلى مؤتمر: “توجيه بحوث الجامعات في العالم الإسلامي لخدمة قضايا الأمة الإسلامية”، جامعة الأزهر- القاهرة: 12-13/11/2006.
[4] انظر: نادية محمود مصطفى: المقدمة العامة للمشروع، (في): نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996، الجزء الأول.
[5] نادية محمود مصطفى: إشكاليات البحث إشكاليات البحث والتدريس في العلاقات الدولية من منظور حضاري، بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الثاني للتحيز” حوار الحضارات ومسارات متنوعة للمعرفة، برنامج حوار الحضارات (جامعة القاهرة)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، فبراير 2007 (تحت الطبع)، ص 27.
[6] سيف الدين عبد الفتاح، أحمد عبد الونيس، عبد العزيز صقر، مصطفى منجود: المداخل المنهاجية. الجزء الثالث من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[7] د. نادية محمود مصطفى: مدخل منهاجي لدراسة لتطور… الجزء السابع من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[8] د. سيف الدين عبد الفتاح: القرآن وتنظير العلاقات الدولية في الإسلام: خبرة بحثية، (في): د.سيف الدين عبد الفتاح (وآخرون)، المداخل المنهاجية…، مرجع سابق، ص 8-10.
[9] د. سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): المرجع السابق، الجزء الثاني.
[10] د. سيف الدين عبد الفتاح: القرآن وتنظير العلاقات الدولية في الإسلام: خبرة بحثية، (في): د.سيف الدين عبد الفتاح (وآخرون)، المداخل المنهاجية…، مرجع سابق، ص 8-10.
[11] د. مصطفى منجود: الدولة الإسلامية وحدة التعامل الخارجي في الإسلام، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الرابع.
[12] د. أحمد عبد الونيس، سيف الدين عبد الفتاح، وعبد العزيز صقر: المداخل المنهاجية للبحث في العلاقات الدولية في الإسلام، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثالث.
[13] كلٌ من:
– د. أحمد عبد الونيس: الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام وقت السلم، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الخامس.
– د. عبد العزيز صقر: العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب: دراسة للقواعد المنظمة لسير القتال، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء السادس.
[14] د. سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني.
[15] د.نادية محمود مصطفى، مدخل منهاجي لدراسة تطور وضع ودور العالم الإسلامي في النظام الدولي، )في(:مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء السابع.
[16] المرجع السابق.
[17] انظر في المفهوم: د.سيف الدين عبد الفتاح: كلمة ختامية: إشكاليات ومقاربات في مفهوم الحضاري، العدوان، المقاومة الحضارية في حرب لبنان: الدلالات والمآلات، تنسيق علمي وإشراف: د.نادية مصطفى ود.سيف الدين عبد الفتاح، مراجعة وتحرير: أماني غانم ومدحت ماهر، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وبرنامج حوار الحضارات، 2007.
[18] انظر حول بيان الرؤى المختلفة للعالم: مجموعة مقالات د.فتحي الملكاوي عن رؤى العالم – ومن بينها الرؤية الإسلامية الكونية- في مجلة إسلامية المعرفة، الأعداد:42-43، 44، 45.
[19] انظر شرحًا لماهية رؤية ابن خلدون للعمران باعتبارها رؤية حضارية تعكس الرؤية الكونية الإسلامية في: د.فتحي حسن ملكاوي، رؤية العالم عند عبد الرحمن ابن خلدون، دراسة قدمت إلى مؤتمر ابن خلدون والبعد الفكري الإسلامي الذي نظمته جامعة الزيتونة في تونس في فبراير 2006.
[20] د.أحمد عبد الونيس، ود.سيف الدين عبد الفتاح، …، مرجع سابق، الجزء الثالث.
[21] انظر:
– د.أحمد عبد الونيس: “الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية في الإسلام” (في) د.نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير)، “مقدمة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام”، المرجع السابق.
– د.سيف الدين عبد الفتاح: “مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): د.نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1996، الجزء الثاني.
[22] راجع في هذا الصدد: د.أحمد عبد الونيس: الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية في الإسلام، (في): مقدمة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[23] د.سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): المرجع السابق، الجزء الثاني. ص 349.
[24] كل من:
– د.مجيد خدوري (تحقيق وتقديم وتعليق): القانون الدولي الإسلامي: كتاب السير للشيباني، بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975.
– برنارد لويس: السياسة والحرب في الإسلام، (في): جوزيف شاخت، وكليفورد بوزورث، (محرران): تراث الإسلام، ترجمة د.محمد زهير السمهوري، د.حسن مؤنس، د.إحسان صدقي العمد، تعليق وتحقيق د.شاكر مصطفى، مراجعة د.فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة رقم 233، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،1998.
– توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، ترجمة وتعليق حسن إبراهيم حسن، عبد المجيد عابدين، إسماعيل النحراوى، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية 1970.
– ميشيل بوازار: إنسانية الإسلام، ترجمة د.عفيف دمشقية، منشورات دار الآداب، بيروت، 1983.
[25] انظر: ميشيل بوازار: إنسانية الإسلام، مرجع سابق: الجزء الخاص عن الجهاد الذي تُرجم للإنجليزية وتجده منشورًا بمفرده تحت عنوان:
Jihad: a commitment to Universal Peace Preface, by Ahmed Zaki Hammad, translated by: The American Trust Publications.
– كذلك انظر قراءة متميزة للكتاب قدمها عماد الدين خليل في: مجلة إسلامية المعرفة، العدد 49، وهي وإن كانت قراءة متأخرة زمنيًا –أي بعد ما يقرب من العقود الثلاثة بعد نشر الكتاب في أواخر السبعينيات، وبعد ما يزيد عن العقدين من نشر ترجمته العربية، إلا أن القراءة تتسم بالعلمية والشمول وتوجه في مرحلة مهمة النظر إلى مثل هذه الأعمال التي لم تلقَ من الاهتمام ما لقيته أعمال غربية أو عربية إسلامية ذات طابع صدامي من اهتمام، وتشارك قراءتي مع قراءة د.عماد خليل في الكثير من الاستنتاجات، وإن اختلفت بالطبع دواعي القراءتين وأهدافهما.
[26] عبد الحميد أبو سليمان: النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية، ترجمه وراجعه وعلق عليه: د.ناصر البريك، الرياض (بإذن خاص من الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي: هيرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية)، 1993.
· وحول الإسهام الغزير لعلماء الأمة في هذا المجال: تأصيل العلاقة بين المسلمين وغيرهم: حربًا أو سلمًا، انظر على سبيل المثال وليس الحصر بالطبع:
– د.وهبة الزحيلى: “العلاقات الدولية في الإسلام”، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981.
– الإمام محمد أبو زهرة، “العلاقات الدولية في الإسلام”، القاهرة: دار الفكر العربي، 1980.
– سعيد عبد الله حارب المهيري: “العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية (دراسة مقارنة)”، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995.
– د.عدنان حسين السيد: “العلاقات الدولية في الإسلام”، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2006.
– ظافر القاسمي: الجهاد والحقوق الدولية العامة في الإسلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1982.
– خديجة أبو أتلة: الإسلام والعلاقات الدولية في السلم والحرب، القاهرة: دار المعارف، 1983.
– د.جعفر عبد السلام: قواعد العلاقات الدولية في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية، القاهرة: مكتبة السلام العالمية، ط1، 1981.
– نجيب الأرمنازي: الشرع الدولي في الإسلام، القاهرة: مطبعة ابن زيدون، 1930.
– مصطفى كمال وصفي: مدونة العلاقات الدولية في الإسلام، د.ن.، د.ت.
– إسماعيل أبو شريعة: نظرية الحرب في الشريعة الإسلامية، الكويت: د.ن.، 1981.
– محمد رأفت عثمان: الحقوق والواجبات والعلاقات في الإسلام، القاهرة: دار الكتاب الجامعي 1975.
– محمد الصادق عفيفي: المجتمع الإسلامي والعلاقات الدولية، القاهرة: مكتبة الخانجي، د.ت.
– محمد الصادق عفيفي: الإسلام والعلاقات الدولية، بيروت: دار اقرأ، 1986.
[27] انظر على سبيل المثال:
د.طه جابر العلواني: كلمات الافتتاح: كلمة أ.د.طه جابر العلواني: رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بفرجينيا، في، نادية مصطفى وسيف الدين عبد الفتاح (محرران): العلاقات الدولية بين الأصول الإسلامية وبين خبرة التاريخ الإسلامي:أعمال ندوة مناقشة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، المجلد الأول، ص ص 20-24.
[28] كل من:
– د.أحمد عبد الونيس: الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام وقت السلم، (في): مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الخامس.
– د.إبراهيم البيومى غانم، المبادئ العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، المسلم المعاصر، مرجع سابق.
– د.سيف الدين عبد الفتاح: “مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام (في): د.نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
– د.عبد الحميد أبو سليمان: النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية، ترجمه وراجعه وعلق عليه: ناصر البريك، الرياض (بإذن خاص من الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي: هيرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية)، 1992.
[29] د.محمد عمارة: مقال في “علم السنن الإلهية عند الإمام محمد عبده”، مقدمة كتاب “مفهوم السنن الربانية: من الفهم إلى التسخير- دراسة في ضوء القرآن الكريم ” للدكتور رمضان خميس الغريب، تقديم: على جمعة، د.ن.، 2005.
[30] من أكثر أعمال كل منهم صلةً بهذا الموضوع انظر:
– أعمال أ.د.حامد ربيع في مجال التراث السياسي الإسلامي والفكر السياسي في: حامد ربيع: مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، تحرير وتعليق د.سيف الدين عبد الفتاح، جزءان، مكتبة الشروق الدولية، 2007.
– أيضًا قراءات متخصصة في أعمال د.حامد ربيع في: د.حسن نافعة، د.عمرو حمزاوي (محرران)، تراث ربيع بين كفاحية العالم ومقتضيات المنهج، أعمال ندوة قسم العلوم السياسية، يونيه 2003، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،2004.
– د.منى أبو الفضل: مقدمة كتاب نصر عارف: في مصادر دراسة التراث السياسي الإسلامي، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،1993،ص ص 9-36.
– د.منى أبو الفضل: الأمة القطب: نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام، دار الشروق الدولية، القاهرة، ط3، 2007.
– د.سيف الدين عبد الفتاح: الاتجاهات الحديثة في دراسة الفكر السياسي الإسلامي، بحث مسحي مقدم للجنة الترقية إلى درجة أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1999.
[31] راجع في ذلك دراستنا: دراسة استشرافية في مشروعات نهضة الأمة: نحو بناء مشروع استراتيجي لنهوض حضاري وسطي، في: مشروع النهوض الحضاري ونماذجه التطبيقية، مركز الحضارة للدراسات السياسية ومنتدى النهضة والتواصل الحضاري. (تحت الإعداد للنشر). والتي تشمل ثبتًا بالمراجع والأدبيات التي تم رصدها في هذا الصدد.
[32] انظر بعض هذه المفاهيم في: نادية محمود مصطفى: إشكاليات البحث والتدريس في العلاقات الدولية…، مرجع سابق.
[33] ورقة عمل (غير منشورة) من إعداد: مدحت ماهر الليثي، الباحث بمركز الحضارة للدراسات السياسية، والتي تضم مجموعات أخرى من المفاهيم تناظر المجموعات الثلاثة المطروحة من المفاهيم.
وحول نماذج من هذه المفاهيم انظر: انظر: د.نادية محمود مصطفى، د.سيف الدين عبد الفتاح وآخرون: منظومة مفاهيم نظم الحكم والعلاقات الدولية في الإسلام، (في): د.أحمد فؤاد باشا وآخرون (محررون): موسوعة الحضارة الإسلامية، في: سلسلة الموسوعات الإسلامية المتخصصة (4)، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وزارة الأوقاف، ج.م.ع، 2005، ص 397-496.
[34] انظر حول الرؤية للعالم وتجلياتها المعرفية والفكرية: مجموعة مقالات د.فتحي ملكاوي عن رؤى العالم – ومن بينها الرؤية الإسلامية الكونية- في: مجلة إسلامية المعرفة، مرجع سابق.
[35] حول مفهوم الجهاد، انظر على سبيل المثال:
– رودولف بيترز، الإسلام والاستعمار: عقيدة الجهاد في التاريخ الحديث، القاهرة: دار شهدي للنشر بالتعاون مع المعهد الهولندي للآثار المصرية والبحوث العربية،، نشرت الترجمة (بدون ذكر اسم المترجم) بإذن خاص من دار نشر Mouton Publishers، 1985.
– ميشيل بوازار: إنسانية الإسلام، ترجمة عفيف دمشقية، بيروت: منشورات دار الآداب، 1983.
الجزء الخاص عن الجهاد ترجم للإنجليزية وتجده منشورًا بمفرده تحت عنوان:
Jihad: a commitment to Universal Peace Preface, by Ahmed Zaki Hammad, translated by: The American Trust Publications.
– Nadia Mostafa: “The Missing Logic in Discourses of Violence and Peace in Islam”. (in) A. Aziz Said, M. Abu-Nimer, M. Sharify- Funk (eds.) “Contemporary Islam: Dynamic Not Static, Routledge, 2006.
– John Esposito: “Terror in the Name of Islam”, Oxford Book University, 2002 (Chap.2).
– سيف الدين عبد الفتاح: “مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، (في): د.نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
– ظافر القاسمي: الجهاد والحقوق الدولية العامة في الإسلام، مرجع سابق.
[36] انظر في هذا الصدد:
– ودودة بدران: وضع الدول الإسلامية في النظام الدولي في أعقاب سقوط الخلافة(1924-1991)، )في(: نادية محمود مصطفى (إشراف وتحرير)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر.
– نادية مصطفى و سيف الدين عبد الفتاح، مقدمة العدد الأول من حولية” أمتي في العالم” (حولية قضايا العالم الإسلامي) عن العولمة، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 1999.
– د.نادية محمود مصطفى: التاريخ والنظام الدولي: رؤية مقارنة، بحث مقدم إلى الندوة المصرية الفرنسية التاسعة، العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية: الآفاق والتوقعات، القاهرة: مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية ومركز البحوث والدراسات السياسية – جامعة القاهرة، فبراير 2000.
[37] انظر على سبيل المثال كلًا من:
– إبراهيم أبو ربيع، “العولمة: هل من رد إسلامي معاصر؟”، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 21، 2000-2001.
– سيف الدين عبد الفتاح: “العولمة – العالمية”، (في): نادية محمود مصطفى، ومنى أبو الفضل (محرران): “التأصيل النظري للعلاقة بين الدين – الثقافة – الحضارة”، برنامج الدراسات الحضارية، دمشق: دار الفكر العربي، (تحت الطبع).
– سيف الدين عبد الفتاح، “العولمة والإسلام رؤيتان للعالم: قراءة معرفية ومنهجية”، مجلة الكلمة، العدد 42، شتاء 2004.
– علي المزروعي: محاضرة “العولمة والإسلام صديق أم عدو”، (في): د.نادية مصطفى، د.سيف الدين عبد الفتاح (محرران)، “العلاقات الدولية بين الأصول الإسلامية بين خبرة التاريخ الإسلامي”،المجلد الأول، مرجع سابق.
– نادية محمود مصطفى: “تحديات العولمة والأبعاد الثقافية – الحضارية (رؤية إسلامية)”، (في): مجموعة باحثين: “مستقبل الإسلام”، دمشق: دار الفكر العربي، 2004.
– Ali Mazrui: “Globalization, Homogenization or Hegemonization”, American Journal of Islamic Social Sciences (AJISS), fall, 1998, pp. 115.
[38] انظر على سبيل المثال:
– عبد الحميد أبو سليمان: “العنف وإدارة الصراع السياسي بين المبدأ والخيار”، رؤية إسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2000.
– محمد السيد سعيد، افتتاحية العدد: نحو مشروع سلام إسلامي، رواق عربي: كتاب غير دوري يصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد 43 ، 44، 2006.
– محمد حسين فضل الله: “الإسلام ومنطق القوة”، الدار الإسلامية، بيروت: 1986.
– مصطفى منجود: “الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام”، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية (26)، القاهرة: 1996.
– Nadia Mostafa: “The Missing Logic in Discourses of Violence and Peace in Islam”, Op. Cit.
– M. Abu-Nimer: “Framework for Nonviolence and Peace Building in Islam”, (in): Ibid.
– Mary Kaldor: Human Security: Reflections on Globalization and Intervention, Polity Press, U.K. 2007.
[39] على سبيل المثال:
– أحمد عرفات القاضي: “الحضارات حوار أم صراع”، رؤية إسلامية، مجلة الإسلام اليوم، الإيسيسكو، عدد 19، 2002.
– زكي الميلاد (إعداد): “تعارف الحضارات”، دمشق: دار الفكر العربي، 2006.
– على الشامى: “الحضارة والنظام العالمي: أصول العالمية في حضارتي الإسلام والغرب”، بيروت: دار الإنسانية، 1995.
– عيسى برهومة: “حوار حضارات أم صراع؟ نحو رؤية متوازنة للتعايش”، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 46-47، خريف 2006، شتاء 2007.
– نادية محمود مصطفى، “إشكالية العلاقة بين الحضارات”، قراءة في خطابات عربية وإسلامية، مجلة السياسة الدولية، أبريل 2007.
– Nadia Mustafa, Debates on Dialogue/Clash between Civilizations: An Arab perspective, (in): Bjorn Hetten (ed.): Studies in Development, Security, Culture, Palgrave, 2008.
– Ejaz Akram: “Religion as the Source of Reconciliations Among Civilizations”, American Journal of Islamic Social Sciences, Vol.19, No.2, Spring 2001.
[40] انظر على سبيل المثال كلًا من:
-Fawaz A. Gerges: “America and Political Islam, Clash of Cultures or Clash of Interests, Cambridge University Press, 1999.
– عمرو الشوبكى (محرر) “إسلاميون وديموقراطيون”، ط2، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مؤسسة الأهرام، 2007.
– نادية محمود مصطفى، وسيف الدين عبد الفتاح (إشراف وإعداد) “الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج”، حولية أمتي في العالم (2004-2005)، العدد السادس، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2006.
[41]انظر على سبيل المثال:
– Farish A. Noor: “What is the Victory of Islam? Towards a Different Understanding of the Ummah and Political Success in the Contemporary World”. (in) Omid Safi (ed.), Progressive Muslims Oneworld, Oxford (2003).
– Nasser Ahmed Al – Braik: “Islam and World Order: Foundations and Values”, Ph.D 1986. U.M.I. Dissertation Information Service.
– Mona Abul Fadel: “Islamization as a Force of Global Renewal”, American Journal of Islamic Social Sciences. Vol.5, No.2, Spring 1988.
– نادية محمود مصطفى: “ماذا يقدم الإسلام للعالم الحديث”، بحث مقدم إلى مؤتمر “الإسلام، العلمانية، والحداثة”، الذي نظمه مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام مع مؤسسة أبانت للحوار (تركيا)، القاهرة: فبراير 2007 (تحت الطبع).
[42]منى أبو الفضل: “نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات”، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة المنهاجية الإسلامية (13)، 1996.

للمزيد اضغط




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى