العالم الإسلامي

الشرق الإسلامي وسط وشرق آسيا 2008

مقدمة:

يستعرض هذا التقرير أهم الأحداث والتفاعلات التي شهدها العام 2008 في الشرق الإسلامي (أفغانستان وباكستان وإندونيسيا وماليزيا)، وفي جمهوريات آسيا الوسطى؛ وذلك على مستويات الداخل والخارج والعلاقات البينية داخل الأمة.

أفغانستان وتحديات التدخل الخارجي

تمثل أفغانستان حالة خاصة من وجهتين رئيستين: الأولى أنها -ولسنين عديدة- تعاني من احتلال عسكري مباشر، سبقه تاريخ طويل من التدخلات الخارجية: العسكرية وغير العسكرية. أما الثانية، فهي عدم اكتمال عملية بناء الدولة الأفغانية حتى الآن، سواء قبل الاحتلال العسكري الأمريكي أو بعده. ونتيجة لهذين العاملين، استمرت نفس الإشكاليات الكبرى وحالة عدم الاستقرار “المزمنة” حاكمة لمسار التطورات على الساحة الأفغانية طوال عام 2008.

أولًا- طالبان وصراع البقاء: الأدوات والمسارات

لم تنجح الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان بقواتها المدعومة بآلاف الجنود التابعين لحلف شمال الأطلنطي قبل نحو سبع سنوات في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي كانت وراءها، وهي القبض على أسامة بن لادن والإطاحة بنظام طالبان بشكل جذري ونهائي، والقضاء على معسكرات التدريب الخاصة بعناصر تنظيم القاعدة ومصادرة أموالهم وأسلحتهم. بل أسفرت عن نتائج عديدة ومتعددة الجوانب كان أحدها هو أن أصبحت أفغانستان مستنقعًا لتلك القوات الأجنبية، يرى ساسة غربيون أن الخروج منه سيستغرق سنوات طويلة. وتلقى العناصر الأجنبية خسائر بصورة شبه يومية على أيدي مقاتلي طالبان الذين تمكنت الهجمات العسكرية من تغيير مكانهم من داخل قصور كابول إلى مناطق أخرى، دون أن يحدث تغيير كبير في نفوذهم.
ويمكن القول إن الحرب الأمريكية على الإرهاب قد فشلت بفشل القضاء على طالبان، بل إن نفوذ تلك الحركة آخذ في التنامي. وبالحسابات العسكرية، فإن طالبان -التي تنتشر قوتها وسيطرتها بشكل مستمر على مناطق أفغانية- تقوم باستهداف القوات الأجنبية والعاملين الأجانب في مجالات الإغاثة الإنسانية بشكل شبه يومي في إطار مسعاها لطرد الأجانب من البلاد، وفي المقابل تشن تلك القوات إلى جانب القوات الأفغانية الهجمات والغارات المضادة على معاقل طالبان ليس سعيًّا للقضاء عليهم في أحسن الأحوال ولكن للتأثير على قدراتهم العسكرية وبالتالي تقليص عدد الهجمات التي تشنها الحركة.
وبعد نحو سبع سنوات من الحرب يؤكد محللون أن عناصر طالبان ومجموعات متمردة أخرى قامت بتوسيع تواجدها في أفغانستان على نطاق كبير منذ عام 2004. وقد قال أنتوني كوردسمان الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن معلومات الاستخبارات الأميركية وخرائط الأمم المتحدة تظهر أن منطقة نفوذ طالبان والمتمردين تضاعفت بين عامي 2004 و2005، وارتفعت بمعدل أربعة أضعاف بين 2005 و2006 ثم سجلت ارتفاعًا كبيرًا مرة أخرى بين 2006 و2007. وكتب كوردسمان: “في هذه المرحلة تعتبر القوات الأمريكية وقوات حلف الأطلنطي وإيساف والقوات الأفغانية ضعيفة جدًا لمواجهة تمرد متعدد الأشكال يملك ملاذًا على طول الحدود الأفغانية-الباكستانية” [1]. ويزيد تدفقُ المتمردين باستمرار عبر حدودٍ مع باكستان يبلغ طولها 2400 كم، من تفاقم الوضع ويساهم في تراجع الثقة التي وضعها الأفغان في القوات الأجنبية والمجتمع الدولي.
وقد أكد تقرير المجلس الدولي للأمن والتنمية أنه أضحى لحركة طالبان “وجود دائم” في 72% من أراضي البلاد”، مقارنة بـ54% العام الماضي أى ما يقرب من ثلاثة أرباع أفغانستان، وإنها تشكل خطرًا متزايدًا على العاصمة كابول نفسها. وجاء التقرير عقب سلسلة من التقارير السلبية بشأن الجهود العسكرية وجهود التنمية التي يقودها الغرب للقضاء على طالبان منذ 11/9. وعرف المجلس الوجود الدائم بحدوث هجوم أو أكثر أسبوعيًّا على مدار العام. وطبقًا للتقرير سيشمل “الوجود الدائم” مناطق كثيرة من البلاد تشن فيها طالبان عادة عددًا كبيرًا من الهجمات في الربيع والصيف وهما “موسم القتال” قبل تراجعه خلال شهور الشتاء. وأفاد التقرير أيضًا بأن “طالبان تقدمت من مواطنها التقليدية في جنوبي البلاد إلى الولايات الغربية والشمال الغربية وكذلك إلى الولايات في شمال كابول وفي كابول نفسها”. وهو ما شكك فيه حلف الأطلنطي ونفته وزارة الخارجية الأفغانية وقالت إن طالبان محصورة في “عدد صغير” من المناطق في جنوبي البلاد وشرقيها وعلى حدود أفغانستان مع باكستان” [2].
وبدا أن طالبان تستخدم تكتيكات أكثر حداثة مستلهمة من تنظيم القاعدة في العراق إضافة إلى استراتيجية محاصرة كابول. فعلى مستوى الهجمات على القوات الأفغانية، استطاعت طالبان قتل أكثر من 650 شرطيًّا خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2008، ومن أمثلة الاعتداءات على الأجانب مهاجمة سفارة الهند في كابول في يوليو 2008 مخلفة ستين قتيلًا.
ويرى الكاتب الأفغاني وحيد موجدا أن الشراسة المتزايدة التي تتسم بها هجمات طالبان تعكس تأثير القاعدة المتزايد. وقال وحيد موجدا إن “مقاتلي طالبان حذروا مطلع السنة من أنهم سيكثفون هجماتهم والاعتداءات الانتحارية وتوسيع نشاطاتهم للولايات التي تحيط بكابول وهذا بالتحديد ما يفعلونه”. وأكدت جوانا ناثان من مجموعة الأزمات الدولية أن “طالبان اختاروا بوضوح استهداف المناطق المحيطة بالعاصمة”. وأضافت أن “العمليات في تلك المناطق لها انعكاسات أكثر وقعًا من تلك التي يشنونها في الولايات النائية لأن الصحف الدولية تتناولها وتزيد من الشعور بانعدام الأمن[3].
وفي هذا الإطار، بدا العام المنصرم 2008 الأكثر دموية بالنسبة إلى جنود القوات الدولية في أفغانستان. فمنذ بدايته، قتل 221 جنديًّا أجنبيًّا على الأقل في أفغانستان معظمهم أمريكيون بحسب تعداد لوكالة الأنباء الفرنسية يستند إلى بيانات عسكرية. وقتل معظم هؤلاء في انفجار عبوات ناسفة لدى مرور قوافلهم أو دورياتهم.
وخلال تسعة أشهر من العام 2008، قتل من الجنود ما يوازي حصيلة الضحايا خلال العام 2007، وكانت حصيلة شهر يونيو (49) قتيلًا (الحصيلة الشهرية الأعلى منذ 2001)، وفي أغسطس كان الرقم (45) قتيلًا. والواقع أن الصيف، الموسم التقليدي للحرب في أفغانستان، بات مرادفًا لبدء العمليات الكبيرة بالنسبة إلى قوات الأمن الأفغانية والقوات الدولية كما بالنسبة لمقاتلي طالبان. وقد أشار خبراء عسكريون إلى أن مقاتلي طالبان يقتصدون في قواتهم؛ فثمة عدد أقل من الهجمات المنظمة مع استخدام أكثر للقنابل اليدوية الصنع ازداد هذا العام بنسبة 50% مقارنة بالعام 2007[4].
وتعددت شهادات المسئولين الأجانب (خاصة الأمريكيين منهم) التي تشير إلى تنامي نفوذ وتأثير طالبان وتدهور الأوضاع لصالحها. فمن جانبه أعلن الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس قائد العمليات الجديد في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والمكلف بشكل خاص بالعراق وأفغانستان، أن “تقدمًا ملحوظًا” سجل في بعض المناطق الأفغانية في حين شهدت مناطق أخرى “تدهورًا متزايدًا”[5]. جاء هذا فيما أكد أحد الضباط في الجيش الأميركي وهو الكونيل ماكول الذي شارك في معظم المعارك التي خاضتها قوات بلاده ضد الإرهاب، من الجبال الأفغانية إلى صحراء العراق، أن جبهة أفغانستان أسوأ بعشر مرات من جبهة العراق[6]. وقال مارك كارلتون-سميث، قائد الكتيبة الجوية الـ(16) البريطانية في أفغانستان إن على الرأي العام أن لا يأمل بـ”نصر عسكري حاسم” في هذا البلد، ولكن فقط الحد من عمليات التمرد على مستوى مقبول. وأضاف في حديث لصحيفة “الصنداي تايمز” أن على البريطانيين أن “يخففوا من توقعاتهم” بالنسبة لنهاية النزاع وأن يكونوا مستعدين لاتفاق محتمل مع طالبان”. وأضاف “لن نربح هذه الحرب. إن الأمر يتعلق بتخفيف النزاع إلى مستوى يمكن معه احتواء التمرد كي لا يكون تهديدًا استراتيجيًّا، ويستطيع الجيش الأفغاني أن يسيطر عليه”[7].
ومن ثم، مثّل عام 2008 عامًا لصعود طالبان ولوضوح الاعتراف بخطورتها وتزايد المطالب الدولية بضرورة التعامل معها بشكل مختلف أكثر جدية لا يقتصر فقط على الحلول العسكرية، بل الدبلوماسية أيضًا، ولو في إطار صيغة سياسية تفاوضية من أجل حسم المشكلة الأفغانية المتفاقمة.

طالبان وأدوات البقاء والنفوذ:

ولا تستهدف طالبان القوات الأجنبية فقط (كما سبقت الإشارة في جزء سابق)، بل أنها تلاحق بشكل متواصل الجنود الأفغان ومن تعتبره من المدنيين مواليًا لقوات الاحتلال؛ فتعمد أحيانًا إلى إعدام”جواسيس لأمريكا” كما تصفهم، أو إلى اغتيال قادة محليين وحكام أقاليم. وتتعدد الحوادث في هذا السياق؛ منها حادث تسمم نحو 100 رجل شرطة ومسئول حكومي، من بينهم نائب حاكم ولاية نوريستان، أصيبوا بالتسمم عقب تناولهم طعام الإفطار. وصرح مصدر من طالبان أنها وراء عملية التسميم الجماعية، إلا أن قوات حلف الأطلنطي التي قدمت العلاج الطبي للمصابين قالت إنها تعتقد أنهم أصيبوا بتسمم غذائي عادي[8].
كما قتل حاكم ولاية لوجار الأفغانية قرب كابول عندما اصطدمت سيارته بعبوة ناسفة في اعتداء نُسب إلى حركة طالبان. وهذا الحاكم هو قيادي سابق للمجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي ووزير سابق لذوي الاحتياجات الخاصة في حكومة الرئيس حميد كرزاي، وهو أول حاكم ولاية يقتل في أفغانستان منذ اغتيال حكيم تانيوال حاكم ولاية باكتيا في سبتمبر 2006[9]. وفي أبريل 2008، تعرض الرئيس حميد كرزاي لمحاولة اغتيال أثناء استعراض عسكري. وفي الصفوف الأفغانية، قتل أكثر من 980 شرطي و260 جندي منذ 21 مارس حتى سبتمبر 2008)[10].
وهكذا، لم تقتصر حركة طالبان استهدافها للجنود الأجانب والأفغان وعاملي الخدمات الإنسانية الدوليين فقط، وإنما طالت مدنيين في استهدافها ربما لمعاقبتهم على ما رأت أنه في بعض الأحيان موالاة لجنود الاحتلال. فقد عمد عناصر طالبان في السنوات الأخيرة إلى قتل مئات الموظفين والعاملين لدى القوات الدولية أو هيئات دولية بهدف إضعاف الحكومة برئاسة حميد كرزاي. على سبيل المثال، أعلن مسئول في وزارة التربية الأفغانية أن عناصر من طالبان اقتادت مدرسًا من مسجد في جنوب أفغانستان وقطعت أذنيه “معاقبةً” له على العمل مع الحكومة. كما هجم المتمردون أيضًا على نحو (12) رجلًا آخرين، غالبيتهم من المسنين، في هذا المسجد في ولاية زابل الجنوبية، وأوسعوهم ضربًا لأنهم يدعمون الحكومة. ويهاجم المتمردون عناصر من النظام التعليمي خصوصًا؛ باعتباره أحد أبرز المجالات التي حققت فيها حكومة كابول نجاحات[11].
وكان لامتداد الصراع بين طالبان وغيرها من قوى الداخل (التي تعتبرها عميلة) تداعيات سلبية على حياة المجتمع الأفغاني على عمومه. فقد أسفرت الاشتباكات المتواصلة والمتناطحة بين القوات الأفغانية والأجنبية من ناحية، ومقاتلي طالبان من ناحية أخرى، عن أوضاع مزرية للعائلات الأفغانية التي تضطر أحيانًا إلى مغادرة بيوتها خوفًا من أن تلقى مصرعها في تلك الاشتباكات لاسيما مع تجاهل القوات لتواجد المدنيين في ساحات القتال، وهو ما أسفر عن مقتل المئات منهم، وسبب إحراجًا متزايدًا للرئيس حامد كرزاي. وقد قتل ما مجموعه 1445 مدنيًّا منذ مطلع السنة وحتى منتصف سبتمبر 2008، بزيادة 39% عن حصيلة الأشهر الثمانية الأولى من العام 2007، بحسب أرقام الفريق المكلف بمراقبة حقوق الإنسان لدى بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان.
وأشارت نافي بيلاي المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى أن حجم الخسائر البشرية بين المدنيين في أفغانستان سجلت أعلى معدلاتها في شهر أغسطس 2008، حيث قُتِل 330 مدنيًّا قضى منهم أكثر من تسعين نحبهم في غارة جوية شنتها القوات الدولية في شينداند غرب البلاد. كذلك أفادت الأمم المتحدة عن مقتل 393 مدنيًّا في ضربات جوية تشنها القوات الأجنبية المنتشرة في البلاد وتثير في كل مرة غضب السكان والسلطات الأفغانية في آن. وكثيرًا ما تم إلقاء اللوم على طالبان لتبرير ارتفاع الضحايا المدنيين، مثلما أكد الجنرال ريتشارد بلانشيت المتحدث باسم القوة الدولية للمساعدة على إرساء الأمن (إيساف) أن “المتمردين يتخذون دروعًا بشرية في معظم عملياتهم، يختبئون خلف نساء وأطفال لزيادة مخاطر وقوع خسائر مدنية”[12].
وتتهم عناصر حركة طالبان في قتل أكثر من نصف هؤلاء القتلى، فيما قتل نحو 395 مدنيًّا في الغارات الجوية منذ مطلع العام، بينهم 47 قضوا نحبهم في سقوط صواريخ على حفل زفاف في ولاية ننجرهار في السادس من يوليو، و92 قضوا في شينداند ومعظمهم من الأطفال[13].
ومن جانبها تعلن الولايات المتحدة بين الحين والآخر عن مقتل المئات من مسلحي القاعدة في مناطق مثل أقاليم هلمند وقندهار جنوب البلاد حيث المعاقل التقليدية للتنظيم والتي تكثر بها الهجمات على القوات الأجنبية، إلا أنه وحتى في تلك الأثناء لا يمكن التسليم بتلك الأعداد لاسيما بعد أن خرج مسئولون محليون في أكثر من مرة ليؤكدوا مصرع المدنيين ضمن من استهدفتهم القوات الأجنبية بنيرانها، ثم تقول القيادات العسكرية الأجنبية في المقابل إنها ستفتح تحقيقات في هذا الشأن تارة وتقوم بالاعتذار عن سقوط قتلى من المدنيين تارة أخرى. وفي بعض الأحيان تستهدف تلك القوات جماعات بأكملها من المدنيين تقول فيما بعد إنها استندت إلى تقارير استخباراتية بأنهم مسلحون.
وأمام معاناة المدنيين باستهدافهم من الأطراف المتقاتلة في بلادهم، عمد الكثير منهم كما سلف الذكر إلى الفرار إلى مناطق أقل قتالًا. هذا وعمد آخرون إلى مواجهة عناصر طالبان المسلحة. فقد ذكر تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية أن قرويين أفغان في إقليم وارداك أجبروا عناصر من حركة طالبان على مغادرة منطقتهم في أعقاب هجمات نفذتها تلك العناصر. وذكر “عبد الوكيل نقشبندزادا” محافظ مقاطعة جاهاتو لهيئة الإذاعة البريطانية إن السكان المحليين اشتبكوا مع مقاتلي طالبان على أثر إطلاق هؤلاء صواريخ على مقر إدارة المقاطعة. وخلال المواجهات اعتقلت طالبان (12) شابًا وخمسة من العجائز من القرية مما أثار غضب السكان في القرى المجاورة، وتوحدوا لطرد مسلحي طالبان، وفقًا لما ذكره خان. وأفادت تقارير أخرى أن قادة القبائل في المنطقة اتفقوا على محاولة منع طالبان من شن هجمات[14].
وبعد سبع سنوات من غزو أفغانستان يقول كثير من الأفغان إن الحياة ليست أفضل، ويقول البعض إنها أسوأ، بعد تصاعد في العنف وبطء في عمليات التنمية داخل البلاد[15]. والموجة التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة من وفيات مدنيين في غارات جوية بقيادة الولايات المتحدة نكأت الجراح، حيث إن قتل الأفغان العاديين بيد القوات الأجنبية هو الذي يثير أكبر قدر من المشاعر.
وفي موجة العنف، أدانت وزارة الخارجية الأمريكية اغتيال أشهر شرطية في أفغانستان مالالاي كاكار (40 عامًا) أمام منزلها في قندهار، معتبرة أنه يستهدف نسف الجهود الرامية إلى إعادة بسط الأمن والاستقرار في أفغانستان.
يبدو جليًّا أن الجيش الأفغاني مازال يفتقر إلى المقومات الأساسية التي تمكّنه من بسط الأمن الداخلي. حيث يجري بناء الجيش الوطني الأفغاني من هؤلاء الجنود الذين تتباين قدراتهم. ويفتقر الجيش للأسلحة النارية والدبابات والطائرات، ويتحدث جنوده لغاتٍ مختلفة، وتقل أجورهم عن الرواتب التي تدفعها حركة طالبان المتمردة لجنود المشاة الذين ينضمون للحركة. والآن يأمل الجندي الأفغاني في الحصول على راتب شهري يبلغ 100 دولار كجندي، يضاف إليه 60 دولارًا إذا تم نشره في الأقاليم مما سيساعده أكثر في العناية بأسرته[16].
وبصفة عامة يؤكد أخصائيون في باريس وباكستان أن البشتون سكان المناطق القبلية الباكستانية والأفغانية التي يُعتقد أن أسامة بن لادن يختبىء فيها يكنون الإجلال لزعيم القاعدة، لكنهم يخشونه في الوقت نفسه. وذلك يفسر -إلى حد كبير- لماذا تمكن بن لادن من النجاة حتى الآن من أكبر عملية مطاردة في التاريخ، إلى جانب مشاعر عداء متنامية حيال الأمريكيين يغذيها بانتظام سقوط ضحايا مدنيين في عمليات القصف أو العمليات التي تقوم بها القوات الأمريكية.
فلطالبان مكانة في نفوس الأفغان سواء من باب الخوف أو الاحترام أو حتى التقديس لدى البعض، فقد رصدت بعض التقارير الصحفية تحول مقابر طالبان الذين قتلوا إلى أماكن مقدسة (منذ 2001) و”إلى مزارات صغيرة مزينة بالرايات”، موضحين أن “مثل هذا التضامن مع بن لادن وأصدقائه لا يمكن تفسيره سوى بعوامل دينية قوية”[17]. ومن ناحية أخرى، أكد زعيم قبلي في وزيرستان الشمالية أن “الناس في مناطقنا يحبون بن لادن كثيرًا إلى درجة التقديس. فمال المكافأة لا يغري أحدًا لأنهم يعتقدون “أن الحياة عابرة بينما العالم الآخر لا ينتهي. إنهم يعتقدون أن الأتقياء الأكثر ورعًا وحدهم يذهبون إلى الجنة”.
وعلى صعيد آخر، يمكن ملاحظة أنه في المناطق التي تسيطر عليها طالبان، تعمد كوادرها الذين ينتمون في الغالب إلى عائلات متواضعة وإلى مخيمات اللاجئين أو دُور أيتام، إلى خلخلة النظام الاجتماعي البشتوني من خلال إبعاد الزعماء التقليديين أو تصفيتهم وفرض نظام أكثر صرامة وإحكامًا.
وفي سياق آخر، تثور قضية زراعة الأفيون والمخدرات عمومًا داخل أفغانستان والتي يُعتقد أن الأموال التي تجنيها تجارة تلك النباتات تعود إلى عناصر طالبان وتصب في نفقات تسليحها. وتجدر الإشارة إلى أن أفغانستان تصدر أكثر من 90% من الإنتاج العالمي للأفيون بحسب الأمم المتحدة، وهي تجني من هذا القطاع أربعة مليارات دولار في السنة تمثل نصف إجمالي الناتج الداخلي الأفغاني ويستخدم قسم منها لتمويل نشاطات طالبان[18].
إلا أن تجارة المخدرات قد طالت شخصيات عامة أخرى. فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن أحمد والي كرزاي أحد أشقاء الرئيس الأفغاني حميد كرزاي قد يكون متورطًا في قضية تهريب مخدرات، مما يثير قلقًا لدى كبار المسئولين الأمريكيين الذين أثاروا ذلك منذ 2006 مع الرئيس كرزاي. وفي المقابل، رفض الرئيس الأفغاني مطلب هؤلاء المسئولين دعوة شقيقه الذي يرأس حاليًا مجلس ولاية قندهار (جنوب)، إلى مغادرة البلاد، مشيرًا إلى أنه لا يملك أي أدلة دامغة ضده. لكن الأدلة غير المباشرة على تورط أحمد والي كرزاي تزايدت، ومنها اكتشاف قوات الأمن الأفغانية شحنة هائلة من الهيروين مخبأة في ضواحي قندهار. لكن القائد المحلي حيبي الله جان تلقى اتصالًا هاتفيًّا من أحمد والي كرزاي الذي طلب منه الإفراج عن الآلية بحمولتها. وبالمثل بعد سنتين ضبطت الأجهزة الأمريكية والأفغانية لمكافحة المخدرات أكثر من خمسين كيلوجرامًا من الهيروين قرب كابول، واكتشف المحققون الأمريكيون وجود صلة بين هذه الشحنة وحارس شخصي لشقيق الرئيس الأفغاني يُعتقد أنه يعمل وسيطًا لحساب أحمد والي كرزاي[19].
ومن جانبه أعرب المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنطونيو ماريا كوستا عن قلقه من وجود آلاف الأطنان من الأفيون المنتج في أفغانستان مخزنة في هذه البلاد من دون معرفة من يخزنها وكيف. وأوضح كوستا أن إنتاجًا سنويًّا يقدر بحوالى 7700 طن يوجد بالبلاد، “تم حشد أجهزة مخابرات العالم كله لمعرفة ما يجري ولكننا لم نحصل على جواب”.
بل إن هناك سياسة تسويقية تسعى لتعظيم الأرباح من هذه التجارة، فلأن الإنتاج يفوق بكثير الطلب فإن الأسعار تراجعت بنسبة 20% فقط، ولذا تم سحب كميات كبيرة من الأفيون والهيروين والمورفين من السوق جزئيًّا من قِبل طالبان، حتى إن هناك توقعات باتجاه طالبان إلى المطالبة بتجميد لزراعة الأفيون في المناطق التي يسيطرون عليها. وقد كانوا فعلوا ذلك في 2001 بفعالية، وحينها وبفضل مخزونات الأفيون غير المباع استفادت طالبان من ارتفاع الأسعار التي تضاعفت عشرين مرة”[20].
ومن جانبه اعتبر الرئيس الأمريكي جورج بوش في وثيقة رسمية موجّهة إلى وزارة الخارجية ونشرها البيت الأبيض أنه بالرغم من التقدم الذي تحقق فإن تهريب المخدرات ما زال يمثل “تهديدًا خطيرًا” على مستقبل أفغانستان، وأن المعركة ضد هذه الظاهرة معقدة بسبب تدهور الأمن[21].
إلا أن حلف الناتو يبدي حذرًا في التصدي لهذا الأمر؛ إما لتردد بعض الدول المتحالفة، وإما خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى اشتعال الوضع الأمني وتحوله إلى الأسوأ. فقد أكد أرفع قائد عسكري مكلف بمكافحة المخدرات في أفغانستان في حلف الناتو أن عددًا من الدول منعته من إرسال قواته إلى المناطق التي يُزرع فيها الهيروين وملاحقة المهربين؛ خوفًا من رد فعل شعبي ضد قوات التحالف. وقال مسئول أمريكي (جون كرايدوك) إن “الجهود الحالية لمكافحة المخدرات غير فعالة.. إن الناتو يملك الوسائل والإمكانيات المتوافرة لديه في مسرح العمليات لإحداث الفرق… إنهم يخشون أن تؤدي جهود مكافحة المخدرات إلى إغضاب طالبان منا (أكثر فأكثر)”. ولم يذكر المسئول العسكري الأمريكي أسماء الدول التي تعارض اضطلاع الناتو بدور أكبر لكن بعض الدبلوماسيين اعتبروا أن القائد الأمريكي كان يشير إلى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا التي أبدت تحفظها على مشاركة الناتو في جهود مكافحة المخدرات[22].
ثم أعلنت تقارير صحفية في مطلع أكتوبر 2008 أن دول حلف شمال الأطلسي اتفقت على مكافحة تهريب الهيروين في أفغانستان. وقال أدريان ادواردز المتحدث باسم الأمم المتحدة في أفغانستان: “ثمة بوادر تقدم مثل تحسن العلاقات مع باكستان أو ارتفاع عدد الولايات الخالية من أي زراعات أفيون”[23].
وفي ظل تعقيدات على المستوى الداخلي والخارجي في أصعدة السياسة والتنمية والأمن، تتعقد الأمور أكثر فأكثر بالنسبة للنظام الحاكم في أفغانستان، والذي سيشهد العام المقبل انتخابات رئاسية يعتزم الرئيس حامد كرزاي خوضها. وبين حين وآخر يطلق الرئيس الأفغاني تصريحات غير مسبوقة تثير جدالًا ليس داخليًّا فقط ولكن أيضًا على مستوى الحلفاء. فبجانب مبادرته للحوار مع الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان والقول بأنه مستعد لمغادرة البلاد وترك منصبه في حال معارضة الدول الحلفاء لتلك المبادرة، أطلق الرئيس الأفغاني أحيانًا دعوات “بوضع جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية” من بلاده متماشيًا مع الموجة الشعبية المبغضة للوجود الأجنبي الذي يسفر بصفة يومية عن سقوط قتلى من المدنيين. وغالبًا ما يتم وضع تلك التصريحات والدعوات في إطار التحضير للانتخابات، حيث لم يشاهد على أرض الواقع ما يشير إلى مصداقيتها أو تطبيق “مواقف غير مسبوقة” للرئيس كرزاي.
ففي بعض الأحيان أكد الرئيس الأفغاني أنه “يعارض وجودًا طويل المدى للقوات الأجنبية في أفغانستان”. وأضاف أن أي استراتيجية أمريكية جديدة لمواجهة التطرف يجب أن تتضمن دورًا أكبر لحكومته، وأنه يتعين على الولايات المتحدة أن تغير استراتيجيتها في أفغانستان، مضيفًا: “هذا يعني أننا نذهب إلى هذه المناطق التي تمثل قواعد تدريب وملاذات آمنة للإرهابيين ويتعين أن نذهب بقوات مشتركة إلى هناك لإبعادهم وتدميرهم”. إلا أنه في أحيان أخرى كان (على خلاف ما سبق) يعلن ترحيبه بالقوات الأمريكية.
من الواضح أن عام 2008 قد شهد تصاعدًا نادرًا للتوتر بين الرئيس الأفغاني حامد كرزاي وحلفائه الغربيين، بسبب وقوع الكثير من الخسائر بين المدنيين نتيجة الضربات الجوية التي تشنها القوات التي تقودها الولايات المتحدة. كما شهد كذلك توترًا في علاقات الجارين الأفغاني والباكستاني على خلفية تغيير باكستان لاستراتيجيتها في التعامل مع المتمردين المسلحين داخل أراضيها، فبعد أن كانت تواجههم بالعنف والقمع المسلح قررت سلطاتها الجديدة العمد إلى إجراء حوار معهم. ونظرًا للروابط القبلية بين مسلحي البلدين، فقد ألقى هذا بظلاله على وضع المسلحين داخل أفغانستان. وتبادل مسئولو البلدين على مدار العام اتهامات في هذا الشأن بدعم المسلحين أو عدم “بذل المزيد” من أجل مكافحتهم. إلا أن الفترة الأخيرة من العام شهدت اجتماعات بين رئيسي البلدين كانت تجري أحيانًا في تركيا، وتهدف لتهدئة الأجواء وبحث استراتيجية مشتركة لمكافحة “التمرد المتنامي”.
وما زال تنظيم القاعدة بعد عشرين عامًا على تشكيله وسبع سنوات على اعتداءات 11 سبتمبر (2001)، موضع اختلاف بين رأيين: الأول يعتبر أن الشبكة الإرهابية بدأت بالضمور، ويبدي ارتياحًا متفائلًا لـ”شبه الهزيمة” التي لحقت في نظرهم بأتباع أسامة بن لادن في العراق، ولنجاح حملة القمع في السعودية وعجز الإرهابيين منذ ثلاث سنوات عن تنفيذ اعتداءات ضخمة في الغرب، وانقلاب شرائح واسعة من الرأي العام في الدول العربية والإسلامية عليهم وقد هالهم سقوط الضحايا المدنيين نتيجة العمليات الانتحارية. فيما يرى الاتجاه الثاني أن طالبان والقاعدة أضحت أكثر نشاطًا وخطورة من أي وقت مضى، وهو يمثل المتشائمين الذين يشيرون في المقابل إلى أن التنظيم ما زال يتحرك بحرية شبه تامة في المناطق القبلية الباكستانية وفي مناطق كاملة من أفغانستان إلى حيث يتدفق المتطوعون الجهاديون من العالم بأسره، كما يشيرون إلى استحالة الحد من الدعاية الجهادية المكثفة، وإلى الدور الذي ما زال يلعبه مؤسس القاعدة ومساعده أيمن الظواهري بوصفهما ملهميْن.
ويرى الخبير الأميركي مارك سايجمان أن الجيلين الأولين من القاعدة (الزعماء التاريخيون وأتباعهم الذين تدربوا في المعسكرات الأفغانية قبل 2001) تضعضعا. واعتبر أن “الموجة الثالثة” وحدها لا تزال تنشط؛ وهي تتألف من مجموعات ذاتية جنحت وحدها إلى التطرف وتلقت تعاليمها من الإنترنت، وهي مجموعات يصعب رصدها أو اختراقها، غير أنها تفتقر إلى الخبرة والتقنية لتنفيذ هجمات مدمرة. وقد رأى آخرون -ومنهم الباكستاني أحمد رشيد- أن توفر ملاذ آمن لمن يسمونهم “بالإرهابيين” عند تخوم باكستان وأفغانستان يجعل “خطر القاعدة وحلفائها يتفاقم بدل أن يضعف”[24].

طالبان وتنوع مسارات الحل:

ونتيجة لاتساع نفوذ طالبان سواء أفقيًّا باتساع المساحات المكانية التي تسيطر عليها، أو رأسيًّا بتنوع أدوات قوتها ومصادر تدخلها في الحياة الأفغانية، بدأ الاتجاه لقبول فكرة الحوار معها. ومن ثم يمكن رصد بداية الحديث عن مراجعات استراتيجية يتم في إطارها إعادة النظر في طرق مواجهة طالبان. فقد حاولت الأطراف المتورطة في المستنقع الأفغاني وعلى رأسها الولايات المتحدة الخروج من هذا المستنقع بأقل خسائر ممكنة، على الصعيدين المادي العسكري من ناحية، والمعنوي السياسي من ناحية أخرى. وانعكس ذلك في شكل دعوات داخل الإدارة الأمريكية بمراجعة الاستراتيجية التي تتبعها البلاد في أفغانستان تتحدث عن إمكانية التفاوض مع عناصر من طالبان، غير تلك “المعتدلة” التي لطالما سعت القوات الأجنبية لاستقطابها في أفغانستان. وجاء أمر الرئيس الأمريكي جورج بوش ببحث استراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان على خلفية أعمال العنف المتزايدة والتوترات مع باكستان المجاورة، فيما اختلف مسئولون داخل الإدارة في شكل تلك المراجعة.
وفي حين اتفقت الأطراف على ضرورة زيادة الوجود العسكري داخل أفغانستان، انقسمت دعوات داخلية بين رأيين؛ فالبعض دعا إلى محاربة العناصر المقاتلة من طالبان التي تختبئ عند الحدود الباكستانية حتى وإن تسبب هذا في ضرب مناطق باكستانية، فيما دعا آخرون إلى بدء حوار مع طالبان واتباع النهج التفاوضي حتى وإن توسطت دول أخرى. وبلور وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس والذي اختاره الرئيس المنتخب باراك أوباما ليظل في منصبه كوزير للدفاع، خياري بلاده في تصريح قال فيه إن “على الولايات المتحدة أن تتساءل إن كانت ترغب في أن يكون لها حضور عسكري قوي في أفغانستان أو إن كانت تفضل تركيز مواردها على إنشاء وتعزيز الجيش الأفغاني بأسرع ما يمكن بدلًا من زيادة الوجود العسكري الغربي في بلد لم يعرف عنه يومًا ترحيبه بالقوات الأجنبية”[25].
ويمكن الحديث عن عدة أبعاد اتسمت بها تلك المراجعة؛ ما بين إعادة انتشار للقوات الأمريكية وزيادة عددها وإرسال القوات المتحالفة في الناتو لقوات إضافية، وما بين تغييرات تكتيكية على الصعيد الميداني داخل الإقليم الأفغاني، ثم التعامل مع الجار الباكستاني: تارة بضرب مناطق باكستانية تأوي العناصر المسلحة، وتارة أخرى بالحديث عن خطط لضبط الحدود على امتدادها بين أفغانستان وباكستان. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى ما أثير حول “الاستراتيجية الإقليمية” التي أوصى خبراء الرئيس المنتخب باراك أوباما باتباعها.
وعلى الصعيد العسكري، أعلن بوش خفض عدد القوات الأمريكية في العراق بثمانية آلاف عنصر فقط في الأشهر المقبلة، وإرسال نحو 4500 جندي إضافي إلى أفغانستان بحلول يناير عند مغادرته البيت الأبيض. فيما تعهد جيتس بإرسال ما بين سبعة إلى ثمانية آلاف جندي بحلول الصيف لمواجهة تنامي نفوذ حركة طالبان. ومن جانبه، أكد الأميرال مايكل مولين، كبير مستشاري جيتس، أنه غير مقتنع “بأننا نكسب الحرب” في أفغانستان، وقال إنه أمر الجيش بوضع استراتيجية جديدة.
ويعتري القلق أكثر فأكثر حلفاء الولايات المتحدة حيال “المستنقع الأفغاني” في بلد يملك تاريخًا طويلًا في مقاومة الأجنبي، وحيث يتذمر السكان والحكومة من الأعداد المتزايدة للقتلى المدنيين بسبب هفوات يرتكبها جنود قوات التحالف الدولي. وأعلنت دول عديدة تعزيز قواتها في أفغانستان. وجاء إعلان فرنسا عن التعزيز العسكري على خلفية جدل حول معدات الجنود الفرنسيين الذين قُتلوا خلال الكمين الذي نصبته لهم حركة طالبان في أغسطس 2008. وكان نقل جثامين الجنود الفرنسيين العشرة الذين قتلوا قد أثار مشاعر الرأي العام في فرنسا التي لم تسجل مثل هذه الخسائر في صفوف عسكرييها منذ الاعتداء الذي وقع في 1983 في بيروت حيث قتل (58) جنديًّا فرنسيًّا، وطرحت تساؤلات في الصحف حول ظروف مقتل هؤلاء الجنود[26].
كما قررت ألمانيا التي تنشر في أفغانستان 3500 جندي في يونيو زيادة عدد قواتها لتبلغ أربعة آلاف جندي اعتبارًا من خريف 2008. كما أعلنت دول أخرى -من بينها البرتغال- زيادة قواتها، وأقر البرلمان الياباني تمديد مهمة البلاد في المساعدة في الحرب على أفغانستان، وهي قرارات دائمًا ما تلقى ترحيبًا أمريكيًّا.
وعلى صعيد المراجعات التكتيكية كشفت شبكة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) أن الحكومة البريطانية تبحث في تطبيق خطة ثورية هدفها محاربة الدعاية التي تنشرها حركة طالبان في أفغانستان. وتتضمن الخطة استخدام وسائل الاتصال الحديثة كالهواتف المحمولة والانترنت بغية منح الأفغان العاديين القدرة على معارضة الأفكار التي تبثها طالبان. ويذكر أن الأفلام المعادية للغرب منتشرة انتشارًا كبيرًا بين مستخدمي الهواتف المحمولة في أفغانستان، والذين يبلغ عددهم زهاء ستة ملايين. كما تنتشر بين مستخدمي الإنترنت الأفغان الذين يناهز عددهم نصف مليون مستخدم. وتهدف الخطة -التي بلورها مستشار غير حكومي ووصفتها وزارة الخارجية البريطانية بأنها جيدة- إلى جمع مائة فيلم قصير يصورها المواطنون الأفغان وعرضها في مهرجان خاص يقام صيف 2009. وقد أصيبت سمعة التحالف بضرر كبير مؤخرًا بعد توزيع شريط يظهر جثث العشرات من المدنيين الأفغان الذين قتلتهم القوات الأمريكية في غارة جوية في شهر أغسطس 2008[27].
وقد بدأت القوات الأمريكية في اتباع نهج جديد تسبب في توتر بالغ في علاقاتها مع باكستان؛ حيث قامت القوات الأمريكية بشن عدة ضربات صاروخية على مناطق القبائل على الحدود الباكستانية الأفغانية تسببت في مقتل مدنيين أحيانًا وجنود باكستانيين في أحيان أخرى، فيما كان الجيش الأمريكي يعلن في بعض الأحيان عن مقتل مسلحين مستهدفين في تلك الضربات. ولم تكن تلك الخطوة الأمريكية التي لطالما قوبلت باستنكار رسمي وشعبي باكستاني برغبة أمريكية فقط ولكنها جاءت بعد تصريحات عدة لمسئولين في الدول المتحالفة في الحرب ومسئولين أفغان أكدوا فيها على أن مناطق باكستانية تأوي عناصر مسلحة وأن باكستان لابد أن “تفعل المزيد” من أجل القضاء عليهم.
واعتبر وزير الخارجية الأفغاني رانجين دادفار سبانتا في تصريحات له أن الحكومة الأفغانية والغرب لا يستطيعان الانتصار في الحرب على حركة طالبان من دون مهاجمة قواعدها الخلفية في باكستان. ومن جانبه أعلن وزير الدفاع الأفغاني عبد الرحيم وردك في واشنطن أن القوة التي من المقترح أن تضم جنودًا أمريكيين ستحارب متمردي طالبان والقاعدة الذين يحتمون في المناطق القبلية في باكستان بمحاذاة الحدود مع أفغانستان. وأضاف أن الحكومة الأفغانية ناقشت قوة المهام المقترحة مع مسئولين باكستانيين[28].
وباتت واشنطن مقتنعة -مثلها مثل السلطات الأفغانية- أن مسلحي القاعدة وطالبان يعملون من ملاذات في المناطق الحدودية في شمال غرب باكستان وأنهم يستخدمون المناطق القبلية شبه المستقلة ذاتيًّا لتنظيم تمردهم في أفغانستان وباكستان ولتخطيط هجمات في الغرب، وقد تزامن ذلك مع التوترات المتنامية في علاقات الجارين الأفغاني والباكستاني[29]. وأعلن الأميرال مايك مولين رئيس هيئة الأركان المشتركة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب أنه “يتطلع إلى استراتيجية جديدة أكثر شمولًا” تغطي كلا الجانبين من الحدود الأفغانية الباكستانية[30].
إلا أن القوات الأجنبية الأخرى المتحالفة في الحرب على أفغانستان أكدت عدم مشاركتها في شن هجمات صاروخية داخل الأراضي الباكستانية. وقال متحدث باسم حلف شمال الأطلنطي الذي يقود قوة قوامها نحو (53) ألف جندي في أفغانستان، أن الحلف لن يشارك في استراتيجية أمريكية مقترحة بشنّ غارات داخل باكستان انطلاقًا من أراضي أفغانستان ضد متشددي حركة طالبان وتنظيم القاعدة[31]. ففي الوقت الذي قامت فيه القوات الأمريكية بشن ضربات صاروخية ضد مناطق قبلية في أقاليم باكستان الحدودية، رفض حلف الأطلنطي المشاركة فيها وخشيت الدول المتحالفة أن يضر تأييدها لتلك الضربات بعلاقاتها بباكستان. ولعل الموقف البريطاني كان الأقل رفضًا لهذا المنحى الجديد، فقد تواترت الأنباء عن “خطط لضبط الحدود الباكستانية الأفغانية”، تزامنت مع ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون عن بحثه مع الرئيس الأمريكي جورج بوش “استراتيجية جديدة للتعامل مع الحدود الباكستانية الأفغانية غير الخاضعة لسيطرة القانون”[32].
وعلى مستوى الداخل، شكّل المجتمعون -ومعظمهم من عرق الباشتون- مجلسًا جديدًا للسلام قالوا إنه سيعمل على “إنقاذ حياة المعتقلين” ومساعدة “الأطراف المتقاتلة لوقف القتال”. وقال داود ميركاي أحد مؤسسي “مجلس السلام الوطني في أفغانستان” أمام حشد: “السلام في أفغانستان مستحيل عندما يستهدف الباشتون من الجو والبر بشكل يومي”. وقال نائب البرلمان بختار امينزاي أن المجلس الجديد يرغب في إحلال السلام من خلال إجراء محادثات مع عناصر طالبان.
ومن جانبها، أعلنت قوات حلف شمال الأطلنطي التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان عن تأييدها لفكرة إجراء محادثات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان. وكان الجنرال الأمريكي ديفيد ماكيرنان قائد قوات حلف شمال الأطلنطي في أفغانستان دعا إلى إشراك القبائل في عملية إعادة السلام إلى هذا البلد، ولم يستبعد مصالحة مع زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر الذي طرد من السلطة. لكنه أوضح أن أي جهود للمصالحة يجب أن تقودها الحكومة الأفغانية لكن بدعم عسكري.
وقال البريجادير “ريتشارد بلانشيت” إنه لا يوجد حل عسكري للنزاع في أفغانستان. وقد أدلى “كاى ايدى” المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى أفغانستان بتصريحات مماثلة؛ إذ قال إن الحرب ينبغي كسبها “عن طريق وسائل سياسية”. وجاء ذلك بعد إعلان قائد القوات البريطانيه في أفغانستان “مارك كارلتون” أنه لا يمكن كسب الحرب ضد طالبان وأنه يجب التفاوض على صفقة إذا كان للتمرد أن ينتهى[33].
وأبدت دول متحالفة في الحرب تأييدها لمبادرات الحوار مع طالبان، فمن جانبه أعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أن بلاده تؤيد اقتراح الرئيس الأفغاني حميد كرزاي إجراء حوار مع طالبان، داعيًا إلى الاتصال بـ”القوميين” واستبعاد “مؤيدي الجهاد”. وأعلن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي أنه طلب من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تنظيم محادثات مع طالبان ليتمكن الملا محمد عمر والقادة الآخرون في طالبان من العودة بسلام إلى بلدهم، وأنه طلب من الملا عمر الفارّ منذ الإطاحة بنظام طالبان العام 2001، “العودة إلى أفغانستان للمشاركة في إعادة بناء البلاد”.
وأثيرت أسئلة بشأن تمثيلية المشاركين في المباحثات باسم طالبان. وكان وزير الخارجية الأسبق في عهد طالبان وكيل أحمد متوكل والسفير السابق لأفغانستان في باكستان عبد السلام ضعيف مشاركيْن في هذه المباحثات التي بدأت في سبتمبر 2008، ومثل الحكومة فيها مسئولون دينيون. غير أن متوكل وضعيف كانا أوضحا أنهما لم يعودا يمثلان طالبان وأنهما تعرضا للتهديد من قبل المتمردين لتخليهما عن الكفاح المسلح[34].
وكان الرئيس كرزاي قد عرض “ضمان سلامة” زعيم حركة طالبان الملا عمر في حال موافقة الأخير على المشاركة في مفاوضات سلام مع الحكومة. إلا أن حركة طالبان في المقابل أكدت رفضها للمبادرة وقالت إن التفاوض مع حكومة كرزاي غير ممكن ما لم تنسحب القوات الأجنبية كليًّا من أفغانستان. وقد تقدم الرئيس الأفغاني بهذا العرض رغم علمه بأن الولايات المتحدة تعرض مكافأة تبلغ عدة ملايين من الدولارات لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على الملا عمر. وقال كرزاي إنه إذا اعترضت الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية على مبادرته، بإمكانها إما مغادرة البلاد أو عزله من السلطة.
وأكد قارئ يوسف أحمدي الناطق باسم حركة طالبان لبي بي سي “إن السلطة الحقيقية في أفغانستان لا تتمثل في كرزاي بل في غيره؛ ولذلك فلا معنى من التحدث إليه”، مشيرًا إلى أن قرار الحركة بالامتناع عن التفاوض مع الحكومة حتى انسحاب القوات الغربية اتخذه الملا براذر أحد أعوان الملا عمر المقربين[35]. وأكد الزعيم الملا محمد عمر على أن الحركة ستهزم القوات الأجنبية هزيمة ساحقة “مثل تلك التي لحقت بالسوفييت” إذا بقيت في هذا البلد. وأعلن في بيان على الإنترنت أنه سيضمن أمن القوات الأجنبية في حال انسحابها من أفغانستان. وهدد زعيم طالبان بأن الاشتباكات المسلحة الحالية والتي يصل عددها إلى العشرات ستتصاعد وتصبح بالمئات، معتبرًا أن خسائر القوات الغربية ستقفز بالتالي من المئات إلى الآلاف[36].
ومن جانبها اعتبرت صحيفة “الأوبزرفر” أن “المبادرة السعودية” للتوصل إلى تسوية سياسية مع طالبان جاءت بدعم من قبل بريطانيا. وقالت الصحيفة إن طالبان منخرطة في “مباحثات سرية” غير مسبوقة تشمل أحد قياديها المتشددين السابقين والذي يتنقل بين كابول وقواعد الحركة في باكستان والسعودية وبعض العواصم الأوروبية. ويقول أحد مستشاري الحكومة الأفغانية والمطلع على سير المفاوضات إن أحد أهداف المبادرة هو شق صف التحالف بين تنظيم القاعدة وبين حركة طالبان. وتنقل الصحيفة عن المستشار قوله “إنهم (طالبان) يغيرون مطالبهم باستمرار. اليوم شيء وغدًا شيء آخر”. ومن المعتقد أن طالبان قدمت قائمة بأحد عشر شرطًا لإنهاء القتال؛ من بينها الحصول على بعض الحقائب الوزارية وانسحاب مجدول للقوات الأجنبية. وأضافت الصحيفة أنه منذ بدء المباحثات يتبادل الطرفان قوائم بالمطالب والمطالب المضادة، وأن وفدًا من المخابرات السعودية زار العاصمة الأفغانية. كما أشارت مصادر من نفس الصحيفة (الصحفي جاسون بيرك) إلى أن رعاية الغرب لتلك المفاوضات السرية إنما هي دلالة على مدى تدهور الأوضاع الأمنية في أفغانستان وإلى المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الدول الغربية لاستقرار الأوضاع المتدهورة، والذي يكلف المزيد من الرجال والأموال.
كما أوردت صحيفة التايمز تقريرًا أيضًا أكدت فيه أن “العنف المتصاعد أجبر إدارة بوش على إجراء مراجعة للسياسة تجاه أفغانستان[37]. وفي تلك الأثناء أثيرت أنباء عن اجتماع مزمع أن تستضيفه دبي سيحتضن نحو (40) شخصية من طالبان والحكومة الأفغانية، وفد نظم اللقاء صهر أحد أشهر أمراء الحرب الموالين لطالبان، وبمباركة أمريكية[38].
ومع تدهور الأوضاع الأمنية الداخلية وتنامي نفوذ طالبان في المناطق الأفغانية وتعاظم الرفض المستمر على المستوى الشعبي للمحتل الأجنبي، تظاهر الآلاف في مدن أوروبية للتنديد بالحرب ومطالبين بسحب قوات بلادهم من أفغانستان. يُذكر منهم مظاهرتان شارك فيهما أكثر من خمسة آلاف شخص في برلين وشتوتجارت احتجاجًا على تمديد مهمة الجيش الألماني في أفغانستان. ووضعت المظاهرتان اللتان دعت إليهما 250 منظمة من دعاة السلام والنقابات وغيرها، تحت شعار “أعطوا فرصة للسلام، واسحبوا القوات من أفغانستان”. وأفادت الشرطة عن مشاركة نحو 3300 شخص في مظاهرة برلين و2000 في شتوتجارت في حين تحدث منظمو التظاهرة عن مجموع سبعة آلاف[39].

ثانيًّا- جهود إعادة الإعمار

في ظل كل هذا، يبقى المواطن الأفغاني هو الضحية وسط أوضاع متردية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. وأعلنت منظمة “أوكسفام” الإنسانية أن نحو 4,5 ملايين أفغاني مهددون بمجاعة فعلية في شتاء 2009. وعزا بيان للمنظمة هذه الأزمة إلى عوامل عدة؛ منها: ارتفاع الأسعار، والقيود التي فرضتها الدول المجاورة على الصادرات، وقسوة الشتاء الفائت التي اقترنت بأمطار قليلة هذا العام، إضافة إلى عودة آلاف اللاجئين من الخارج، وازدياد انعدام الأمن الذي يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على تأمين مواد غذائية. وأوضحت “أوكسفام” أن 210 آلاف لاجئ عادوا إلى أفغانستان هذا العام، لاسيما من باكستان وإيران، الأمر الذي يزيد الضغط على الحكومة الأفغانية والمنظمات الإنسانية المكلفة باستقبال هؤلاء.
ومن جهة أخرى، فرضت كلٌ من باكستان وكازاخستان قيودًا على الصادرات التجارية من المواد الغذائية، فيما فرضت إيران ضريبة على صادرات القمح، الأمر الذي يقلص قدرة الأفغان على الشراء من الخارج. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن الوصول بشكل فعلي إلى مناطق كثيرة في أفغانستان في الشتاء بسبب الثلوج والطرق السيئة وتدهور الأمن مما يعرقل تسليم المساعدات والغذاء[40].
ومن ناحية أخرى، وفي ظل وضع داخلي متدهور جدًا على الصعيد الإنساني، دفع الارتفاع الكبير في أسعار الحبوب المنظمات الدولية في أفغانستان إلى زيادة مساعداتها للسكان الأكثر عوزًا، والمقدر عددهم بنحو مليونين ونصف المليون شخص. وقد أعلن برنامج الغذاء العالمي الذي يواجه أزمة على الصعيد العالمي، أن هناك 400 ألف شخص في أفغانستان تمكنوا هذه السنة من الاستفادة من المساعدات، وأن الجهود ما زالت متواصلة. وحذر ممثل برنامج الغذاء العالمي في أفغانستان ريك كورسينو من أن سعر القمح في هذا البلد ارتفع بنسبة تقارب 100% في غضون سنة. ووزعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال فصل الشتاء -الذي كان شديد البرد وأسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص في غرب البلاد- كمية كبيرة من المساعدات الغذائية الطارئة في مناطق عزلتها سماكة الثلوج التي بلغت أمتارًا. كما أكد مسئول أفغاني أن أكثر من 70% من سكان أفغانستان محرومون من مياه الشرب، وذلك خلال افتتاح سد للمياه يهدف إلى دراسة وضع مخزون المياه في البلاد. وأعلن مساعد وزير المياه والطاقة شوجودين زياي خلال افتتاح سد قرغة على مشارف كابول أنه “يحصل 30% فقط من السكان على مياه صالحة للشرب، وتنخفض هذه النسبة إلى 15% في المناطق الريفية”.
ومازالت الآمال منعقدة على أهم نجاح رئيسي تحقق في عام 2008 وهو تجديد الأسرة الدولية التزامها المالي حيال أفغانستان؛ حيث بلغت وعود الهبات في مؤتمر باريس في يونيو عشرين مليار دولار من المساعدات للتنمية وإعادة الإعمار من أجل مساعدة أفغانستان على النهوض من آثار ثلاثين عامًا من الحروب المتتالية جعلت منها خامس أفقر دولة في العالم[41].
وانطلاقًا من البيانات السابق الإشارة إليها، يتضح ما تعانيه جهود إعادة الإعمار من قصور ونقصان وعدم فعالية، وجميعها مشاكل قادت إلى تدني مستوى المعيشة في المجتمع الأفغاني، وزادت من العقبات أمام عملية بناء الدولة في أفغانستان.

باكستان ما بين الإصلاح السياسي والحرب على الإرهاب

عاصرت باكستان تطورات مهمة خلال عام 2008 على مستويين رئيسيين: الأول خاص بالمسار الديمقراطي الذي شهد تذبذبًا وأحداثًا دامية وتحولات راديكالية طوال عام 2008، أما الثاني فهو الخاص بالحرب على الإرهاب ومحاربة الدولة لمن تعتبرهم متطرفين، وهي المسألة التي امتد تأثيرها من الداخل إلى علاقات باكستان الخارجية سواءً مع حليفها الأمريكي أو مع الأطراف الإقليمية المجاورة.

أولًا- النظام الحاكم والتطور الديمقراطي

وقد تعرضت عملية الانتقال إلى الديمقراطية بانتكاسة واضحة أواخر عام 2007 والشهور السبعة الأولى من عام 2008، عندما تحول تركيز مشرف إلى تأمين فوزه بفترة رئاسية أخرى. فأقال مشرف رئيس القضاة وعددًا من كبار القضاة عندما فرض حالة الطوارئ في نوفمبر من عام 2007. وقد اعتُبِرت محاولاته غير دستورية؛ نظرًا لأنه كان لا يزال يحتفظ بمنصبه قائدًا للجيش، كما استخدم منصبه كرئيس لتشكيل حزبه السياسي الخاص ومنح نفسه مزيدًا من السلطات مثل القدرة على حل البرلمان.
وفضلًا عن الغضب الشعبي العارم، التقت مصالح المعارضة السياسية الباكستانية من ناحية ومصالح المتشددين من ناحية أخرى في ضرورة إنهاء حكم مشرف. ودفع الوضع إلى موقف سياسي ناضج جدًا للمعارضة السياسية بقطبيها وقتئذ، المتمثلين في حزب الشعب الباكستاني بقيادة بينظير بوتو من ناحية وحزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف من ناحية أخرى. إلا أن “صفقة سياسية” بين مشرف وبوتو بوساطة أمريكية (بهدف استقرار الوضع في الدولة الحليف ومنع تنامي نفوذ الجماعات المتشددة التي قد تتخذ من الأوضاع المستبدة الداخلية سببًا لعملياتها وتجنيد عناصر لها) أعادت بوتو إلى البلاد وأسقطت التهم الموجهة إلى زوجها آصف علي زرداري، ونجحت في شق صف المعارضة وتعزيز موقف مشرف مرة أخرى. ومع ازدياد شعبية بوتو كانت تزداد احتمالات نجاح الصفقة السياسية وبقاء مشرف في الحكم؛ وهو الهدف الذي فعل من أجله مشرف كل ما يستطيع حتى إنه تخلى عن قيادة الجيش وسلمها إلى الجنرال إشفاق كياني وبقي رئيسًا مدنيًّا. واقتربت الانتخابات التشريعية وكانت آتية وسط تفتت في موقف المعارضة وانقسام حاد فيما بينها شابته مناورات سياسية قام بها بالأساس حزب بوتو.
وقبل أيام من الانتخابات التشريعية، اغتيلت بوتو في عملية أثارت حالة من التشاحن الداخلي ضد حكم مشرف وتعبئة في صفوف المعارضة، حاول الرئيس إزاءها بشتى الطرق إثبات عدم تورطه في العملية ونسبها إلى المتشددين، إلا أن الأصوات المنددة بحكمه والمطالِبة بتنحيه وإنهاء حكمه كانت الأعلى صدى في الداخل والخارج. وأكسب هذا الاغتيال حزب بوتو شعبية فوق شعبيته، ودفع به إلى موقع متقدم جدًا على الصعيد الداخلي أسفر عن فوزه في الانتخابات التشريعية بقيادة زرداري أرمل بوتو الذي تناسى الشعب التهم التي كانت تلاحقه بالفساد، بل وتضامن معه.
وهكذا ارتبطت أهم التطورات في الداخل الباكستاني بالعملية الانتخابية سواء على مستوى الانتخابات البرلمانية التي أتت بائتلاف حاكم جديد وغير مستقر، أو على مستوى الانتخابات الرئاسية التي أتت برئيس جديد أثار جدلًا محتدمًا. وقد تحدد موعد الانتخابات الرئاسية في السادس من سبتمبر الماضي، وانتخب البرلمانيون الباكستانيون آصف علي زرداري الشخصية، رئيسًا جديدًا للبلاد، فيما لم يحصل المرشحان الآخران لمنصب الرئاسة -وهما القاضي سعيد الزمان صديقي ومشاهد حسين المقرب من مشرف- إلا على أصوات المعارضة القليلة. وزرداري (53 عامًا) المعروف حتى الآن في الخارج بسمعته غير الجيدة، ولا تزال تلاحقه صفة “السيد 10 بالمئة” في بلاده، حيث كان رمزًا للفساد في التسعينيات عندما كانت زوجته رئيسة للوزراء، وكان هو أحد وزرائها. وقد شطبت تهم الفساد عندما عفا عنه الرئيس برويز مشرف عام 2007 حين كان يتفاوض على تقاسم للسلطة مع بناظير بوتو. ولا يحظى زرداري بشعبية بين أفراد الشعب الباكستاني (168 مليونًا) غير أنه تولى رئاسة حزب الشعب غداة اغتيال زوجته ثم عين مرشحًا للرئاسة رغم وجود تململ داخل حزبه[42].
وقد تسارعت وتيرة التطورات السياسية على الساحة الداخلية الباكستانية بسرعة كبيرة منذ اغتيال بينظير بوتو في 27 ديسمبر 2007؛ حيث شهد عام 2008 تغييرات كبيرة على مستوى القيادات السياسية: في الرئاسة ورئاسة الوزراء وعلى مستوى السياسات الداخلية المتبناة. وكان يوسف رضا جيلاني مرشح حزب الشعب الباكستاني قد عمد فور انتخابه رئيسًا لوزراء باكستان بغالبية ساحقة في الجمعية الوطنية في فبراير 2008، إلى خوض مبارزة مع الرئيس برويز مشرف. وما إن انتخب جيلاني حتى أمر بإطلاق سراح جميع القضاة الذين وضعوا في الإقامة الجبرية عندما فرض مشرف الطوارئ في نوفمبر 2007، وكان القضاة آنذاك يستعدون للبت في قانونية إعادة انتخابه. وقد قدم الرئيس برويز مشرف استقالته في نهاية أغسطس 2008 تحت ضغط الائتلاف الجديد الحاكم، حيث قرر زرداري في أغسطس بدء إجراءات لمساءلة مشرف أمام البرلمان.
وأجمع محللون على أن الرئيس مشرف ترك “إرثًا صعبًا” لخليفته وللشعب الباكستاني. وقال رسول باكش ريس -المحلل في جامعة العلوم الإدارية المرموقة في لاهور- إن مشرف ترك وراءه “تشويهًا للدستور، ومجموعات سياسية مصنعة تدعمه، وتمردًا في أفغانستان، وطلبنة المناطق الشمالية الغربية، واقتصادًا ضعيفًا، وهذه كلها نقاط تحسب ضده”[43]. ومثَّل هذا الوضع تحديًّا جمًا للائتلاف الحاكم الذي بدأت الانقسامات الحادة تظهر في داخله بعدما حقق أهم أهدافه؛ وهو “التخلص من الرئيس مشرف”.
ويضم الائتلاف حزب الشعب الباكستاني الذي كانت تنتمي إليه بناظير بوتو وحزب الرابطة الإسلامية جناح نواز شريف، وحزبين صغيرين آخرين أحدهما حركة إسلامية متشددة[44]. وتكمن العقدة الرئيسية بين الرجلين في الوعد الذي قطعه حزباهما بعد انتصار فبراير بإعادة تعيين قضاة المحكمة العليا الذين أقالهم مشرف في نوفمبر عام 2007 لتهديدهم بإعلان عدم شرعية إعادة انتخابه. وقد طالب شريف بذلك على الفور، فيما أجل زرداري القرار تكرارًا؛ لأنه -بحسب الرابطة الإسلامية- يخشى أن تلغي المحكمة العليا المعاد تشكيلها عفوًا عامًا أقره مشرف، وأتاح لبوتو وزوجها تجنب ملاحقات خطيرة بتهمة الفساد.
وفي ظل الانقسام السياسي الحاد، أعلن حزب نواز شريف، انضمامه إلى المعارضة، فيما يزيد من ضعف البلاد التي تواجه تصعيدًا لأعمال عنف الجماعات المتشددة. إلا أن ذلك الانسحاب الذي كان هدد به شريف منذ بدايات تكوين الحكومة الهشة لم يؤدِّ إلى إحداث تغيير جذري مباشر للمشهد السياسي؛ حيث إن حزب الشعب الباكستاني كان ما زال يتمتع بأكثرية في الجمعية الوطنية بفضل دعم أحزاب صغيرة أخرى في الائتلاف، الأمر الذي يخوله مواصلة الحكم[45]. إلا أن تحالف حزب زرداري بدا مهزوزًا، حيث إن الحكومة التي تشكلت في مارس 2008 والعاجزة عن التصرف عمليًّا، تقع تحت رحمة تشكيلات صغيرة تتناقض مصالحها بشكل كبير تشمل علمانيين تقدميين ومتطرفين إسلاميين مرورًا بقوميين[46].
وتولي زرداري منصبه في غمرة غضب كثير من الباكستانيين لأكثر من سبب: أولًا- رفض شعبي جارف لتدخلات الولايات المتحدة المتنوعة والمتكررة في الأراضي الأفغانية: منها توغل لقوات برية أمريكية في إحدى القرى النائية على الحدود الأفغانية أو سلسلة من الهجمات الصاروخية لطائرات بغير طيار توجهها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ثانيًّا- ما يعاني منه الباكستانيون من مستوى تضخم قياسي؛ حيث شهدت البلاد منذ بداية العام ارتفاعًا بنسبة 60% في أسعار الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية.
وعلى مستوى الأزمة الاقتصادية، أقرت باكستان، التي توشك على الإفلاس، أنها بحاجة إلى سيولة بقيمة 5,4 مليارات دولار لتسديد استحقاقاتها العاجلة. وأثيرت أنباء حول تقديم صندوق النقد الدولي مساعدة إلى إسلام أباد. وفي إطار سعي البلاد إلى إنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور، كما أعلن مسئولون أن البلاد ستصدر أول سندات إسلامية (صكوك) بالعملة المحلية لتعزيز قطاع التمويل الإسلامي الوليد. وكشف صندوق النقد الدولي أن الوضع المالي في باكستان “تدهور كثيرًا” في الأشهر الأخيرة بسبب الاضطرابات السياسية ونشاطات الجماعات الإسلامية المسلحة والارتفاع الحاد في أسعار النفط والمواد الغذائية الأساسية[47]، ولإنقاذ الاقتصاد من الإفلاس، قد تضطر باكستان إلى القبول بالشروط الصارمة لصندوق النقد الدولي والتي قد تتطلب جهودًا إضافية من السكان، وغالبيتهم من الفقراء.
وبصفة عامة، فإن التطور السياسي الحادث في باكستان أثار القلق في الولايات المتحدة وبين حلفاء آخرين بشأن الاستقرار في البلد المسلم الذي يملك أسلحة نووية، والذي يقف في الخط الأمامي للحملة ضد حركة طالبان. وأفاد تقرير خبراء أن الرئيس الأمريكي القادم يجب أن ينعش السياسة الأمريكية تجاه باكستان بمزج الدعم الدبلوماسي والأمني بالمساعدات الاقتصادية لمساعدة إسلام أباد على مواجهة تهديد كبير من المتطرفين؛ حيث إنه وفق جماعة العمل السياسي الباكستاني (وهي جماعة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تضم أكثر من عشرة خبراء في العلاقات الأمريكية الباكستانية)، فإن الدولة النووية المسلمة قد تشكِّل “التحدي المنفرد الأكبر” أمام الرئيس الأمريكي القادم. وأضافت الجماعة أن مراجعة السياسات الأمريكية تجاه باكستان، التي تتلقى (11) مليار دولار أغلبها على شكل مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، يجب أن تبدأ بتحديث تقييم المخابرات القومية للأوضاع في باكستان لوضع خطة استراتيجية لجميع الهيئات الحكومية الأمريكية[48]. وهذا ينقلنا إلى قضية الحرب على الإرهاب التي ما زالت تحتل قمة أجندة العلاقات الباكستانية-الأمريكية.

ثانيًّا- الحرب على الإرهاب: بين الداخل والخارج

ارتبطت الحرب ضد الإرهاب بأمرين: أولهما الوضع الأمني الداخلي لباكستان، وثانيهما العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أ) العلاقات البينية الباكستانية وقضية الأمن:

عند محاولة رصد الجهود الباكستانية في إطار الحرب على الإرهاب، لابد من ربطها بموازين القوى السياسية الداخلية في الأنحاء الباكستانية وبمدى قدرة النظام الحاكم والجيش على إحكام القبضة وفرض السيطرة الأمنية على أنحاء البلاد بصفة أساسية. ويشتبك ذلك مع ملف التحالفات القَبَليّة التي تتعدى نطاق الأراضي الباكستانية وتمتد إلى الحدود مع أفغانستان بل وتمتد أكثر لتؤثر وتتأثر بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أقسمت طالبان باكستان على تكثيف موجة الاعتداءات غير المسبوقة التي أسفرت بالفعل عن مقتل حوالي 1200 شخص في كافة أنحاء البلاد في 2008[49]. وكان مشرف الخصم اللدود للقاعدة التي تقف وراء سلسلة الاعتداءات الدموية عبر طالبان الباكستانية، حتى إن بن لادن أعلن بنفسه الجهاد على مشرف وجيشه في سبتمبر 2007. ولكن يبدو أن رحيل مشرف لم يساهم في تهدئة المسلحين. فحركة طالبان الباكستانية لا تزال تعلن مسئوليتها عن اعتداءات، كما توعدت بإرسال انتحاريين ضد أهداف في المدن الكبرى، بما فيها إسلام أباد، إذا لم يوقف الجيش عملياته في مناطق القبائل. ويمكن القول إن هامش تحرك طالبان اتسع أخيرًا. فالائتلاف الحاكم المنبثق من المعارضة السابقة لمشرف، بدا عاجزًا عن الحكم ومواجهة الإرهابيين.
ووفقًا لأرقام رسمية وإحصاءات الأمم المتحدة فقد شهدت باكستان خلال العام المنصرم موجة مكثفة من المعارك العنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من ألف متمرد وعشرات المدنيين، فضلًا عن مئات الجنود، وأجبرت أكثر من 260 ألف شخص على مغادرة منازلهم. ومن أكثر تلك الهجمات دموية الاعتداء على فندق ماريوت؛ حيث فجر انتحاري شاحنة محملة بالمتفجرات في بوابة أمنية عند الفندق الواقع في إسلام أباد في أول أكتوبر 2008 أي بعد أقل من شهر على تولي الرئيس الجديد زرداري منصبه. وقتل في الهجوم (60) شخصًا على الأقل من بينهم أمريكيان والسفير التشيكي وامرأة فيتنامية. كما أصيب أكثر من 260 شخصًا آخرين. وقالت الأمم المتحدة إنها أمرت بإجلاء أبناء الموظفين الدوليين من باكستان بعدما رفعت مستوى الاستنفار الأمني في أعقاب الهجوم. كما أعلنت وزارة الخارجية البريطانية أن البلاد ستسحب أبناء دبلوماسييها من باكستان في أعقاب الهجوم[50].
وأمام تصاعد الهجمات الانتحارية والاعتداءات المسلحة في أنحاء باكستانية عديدة، شن الجيش الباكستاني حملة أمنية واسعة عند منطقة القبائل كانت -في جزء منها- تلبية لضغوط أمريكية تتعلق بضرورة تفعيل الدور الباكستاني في تحالفه في “الحرب على الإرهاب”.
وكان الجيش الباكستاني قد بدأ عملية واسعة في الوادي بعد مقتل ثلاثة مسئولين في المخابرات الباكستانية يوم 29 يوليو 2008 في هجوم لحركة طالبان على موقع رصد للجيش. وكان وادي سوات -أحد أهم المعالم السياحية في باكستان- قد تحول في خريف 2007 إلى معقل لجماعات مسلحة بقيادة رجل الدين مولانا فضل الله الذي يتزعم حركة تنفيذ الشريعة المحمدية الموالية لطالبان وتنظيم القاعدة. كما أكد الجيش الباكستاني مقتل أكثر من 1500 مقاتل إسلامي في الحملة العسكرية التي شنها ضد مقاتلي طالبان المرابطين منذ أغسطس في منطقة باجور القبلية الحدودية مع أفغانستان. وأقر مسئول عسكري نهاية سبتمبر 2008 بأن الجيش الباكستاني “لم يسبق له أن واجه (في باجور) هكذا مقاومة” منذ بدء العمليات العسكرية في المناطق القبلية في 2002. وأدت هذه العمليات، بالإضافة إلى المعارك في المناطق المجاورة في شمال غرب البلاد، إلى مقتل نحو 1300 جندي باكستاني[51].
ووسط قتال ضارٍ واشتباكات واسعة بين القوات والمسلحين التابعين لطالبان الباكستانية، عبَرت نحو 2800 عائلة باكستانية الحدود إلى شمال أفغانستان خلال سبتمبر وأغسطس للفرار من القتال الدائر[52]. وذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الشهر الماضي أن أكثر من 200 ألف شخص فروا من وجه القتال العنيف في مناطق محاذية للحدود الأفغانية[53]. ومن جانبها قالت المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إنها في حاجة إلى (17) مليون دولار لمساعدة مئات الآلاف من الأشخاص الذي هجروا ديارهم بسبب الحرب أو الفيضانات شمال غرب باكستان[54].
يمكن القول إنه بعد اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو وانتخاب حكومة ائتلافية وتصاعد نبرة العداء والخلاف بين الحكومة والرئيس (السابق) برويز مشرف، كان الموقف مع القبائل المسلحة قد وصل إلى منحى خطير. فمشرف الذي تخلى عن دعم بلاده لنظام طالبان المتشدد الذي كان يحكم أفغانستان وانضم إلى “الحرب على الإرهاب” التي قادتها الولايات المتحدة عقب هجمات سبتمبر 2001؛ مما أدى إلى تدفق أموال المساعدات الأمريكية على البلاد، أغضب القبائل المسلحة المتحالفة بطبيعة الحال مع نظرائها في أفغانستان، فأصبحت المناطق الباكستانية هدفًا لهجمات المسلحين التي أسفرت عن مقتل كثيرين، وكانت قدرة الجيش الباكستاني على إحكام قبضته على تلك الجماعات هو المعيار الأساسي الذي حال دون تدهور الوضع الأمني الداخلي بالدرجة التي عانى منها خلال 2008. واعتبر خبراء أن حكم مشرف مسئول عن “انهيار التحالف بين الجيش ورجال الدين”؛ أي التحالف بين أجهزة المخابرات الباكستانية و”الجهاديين”. وحظر مشرف العديد من الجماعات المتطرفة بين 1999 و2002 ومنع جمع التبرعات للصناديق التي كانت تضعها المنظمات المتشددة في المتاجر في أنحاء البلاد[55].
ومن ناحية أخرى، أعادت الحكومة الائتلافية التي تشكلت بعد الانتخابات رسم السياسة الباكستانية وتصاعد التوتر بينها وبين الرئيس مشرف لاسيما مع خروج مسيرات ومظاهرات بصورة شبه يومية تطالب بعزله وتنحيه. وإلى جانب هذا تعمق الانقسام السياسي الداخلي بين أطراف الحكومة ذاتها، وهو ما أسفر عن تدهور عام في الأوضاع على أصعدة مختلفة. ووسط هذا الانقسام السياسي ومحاولة كل طرف لإثبات نفوذه وتمكنه من الأمور، ازدادت المواجهات العنيفة المسلحة عند مناطق القبائل في باكستان على الحدود الأفغانية، وازدادت الأوضاع الإنسانية سوءًا في تلك المناطق، وبدا أن الأمر يتعقد أكثر فأكثر.
ويمكن القول إن الموقف من الجماعات المتشددة داخل باكستان والذي له تأثيره بطبيعة الحال على حلفائها في أفغانستان، قد تغير. فقد حاولت الأطراف السياسية المتنافسة استغلاله لصالحها لاسيما مع تدهور عام عند الجار الأفغاني؛ وتنامي نفوذ حركة طالبان المشار إليه. فبدا مشرف وكأنه يرسل رسالة إلى الأمريكيين مفادها أنه الرجل الوحيد في باكستان الذي كان سيحكم قبضته على المسلحين عند الحدود مع أفغانستان ويخفف من حدة المستنقع الأمريكي داخل أفغانستان، وأن الولايات المتحدة قد تعاني إذا ما رحل حيث كان حليفها في الحرب على الإرهاب، لكنه وبمجرد تزلزل وضعه السياسي الداخلي، ازدادت الأمور سوءًا عند تلك المناطق وأسفرت عن نتائج خطيرة بالنسبة للأمريكيين في أفغانستان.
وفي المقابل حاولت أيضًا الحكومة استغلال الموقف لصالحها وأن تثبت للداخل والخارج أن سياسة مشرف غير قادرة على معالجة الأمور، وأنه ما من بدٍّ سوى الخروج التام على سياسته ونهجه الذي لم يعد صالحًا للتعامل مع الأزمة؛ أي إن المراهنة عليه لم تعد صالحة. ودعا رئيس الوزراء الباكستاني جيلاني فور توليه زمام السلطة “المقاتلين الإسلاميين” -ومن بينهم حركة طالبان الباكستانية بقيادة بيعة الله محسود- إلى التخلي عن العنف ودخول الساحة السياسية في باكستان. وقد يفسر البعض هذا بأن الحكومة التي يواجه جيشها معدلات عالية ومكثفة من المواجهات المسلحة أرادت أن تتبنى نهجًا مغايرًا لطالما ابتعد عنه مشرف خلال فترة حكمه.
وأبرمت الحكومة الباكستانية بالفعل والجماعات المسلحة أواخر مايو 2008 اتفاق سلام تعهد الجيش بموجبه بالانسحاب تدريجيًّا من منطقة سوات الحدودية والموافقة على تطبيق جزئي للشريعة الإسلامية في المنطقة، ووعدت الجماعات المسلحة في المقابل بإغلاق مخيمات التدريب العسكري ووقف الهجمات لاسيما على الجيش والشرطة، وهو اتفاق علقه محسود في بعض الأحيان احتجاجًا على توغلات الجيش في المناطق القبلية، وكذلك هو اتفاق أكدت الولايات المتحدة أنه سيتيح للمسلحين المتطرفين تعزيز صفوفهم.
وانتهجت الحكومات المحلية في المناطق الباكستانية المضطربة نهجًا موازيًا؛ حيث أبرم قائد محلي بارز في منطقة خيبر، يدعى مانجال باج، اتفاق سلام مع الإدارة المحلية لإنهاء نحو أسبوعين من الاقتتال[56].
ورغم قيام الحكومة بحظر حركة طالبان الباكستانية وتجميد كل الحسابات المصرفية للمنظمات (الأعضاء في حركة طالبان باكستان) وكل ممتلكاتها، والقيام بعمليات عسكرية واسعة عند المناطق الحدودية في أحيان كثيرة[57]، إلا أن هذا لا ينفى أن الحكومة قد انتهجت نهجًا مستقلًا تمامًا تمثل في مبادرتها بالحوار مع تلك الجماعات وإجراء مباحثات فعلية مع قادتها من أجل وقف العنف.
واصطدمت جهود زرداري لكسب دعم شعبي على صعيد مكافحة العنف، بقرار تبناه البرلمان يدعو الحكومة إلى “مراجعة” سياسة مكافحة الإرهاب التي تنتهجها “في شكل عاجل” والتحاور مع المتمردين[58]. ومع تفشي العنف وامتداده عبر الأنحاء الباكستانية، وقد وقعت أخطر تلك الحوادث عند محاولة لاغتيال رئيس الوزراء الباكستاني جيلاني. وأطلقت أعيرة نارية على موكب رئيس الوزراء قرب مطار إسلام أباد لكن المسئولين والشرطة قالوا إنه لم يكن بالموكب في ذلك الوقت[59]. وجميعها أمور دفعت إلى مراجعة سياسة مواجهة الإرهابيين أو التطرفيين -كما يشار إليهم في الخطاب الباكستاني الرسمي.
وبالفعل يمكن ملاحظة اتجاه الحكومة الباكستانية إلى تنويع أساليب مواجهتها للعنف من قِبل من تُسمِيهم الجماعات المتطرفة في عموم باكستان، وخاصة في منطقة القبائل. حيث تواكبت المواجهات العسكرية مع تخفيف حدة المواجهة بين الحكومة الباكستانية “والعناصر المتشددة” في منطقة القبائل وتطعيمها بالمفاوضات والصفقات. فعلى سبيل المثال أفرجت السلطات الباكستانية عن قائد مهم في طالبان وثلاثة من عناصر الحركة مقابل إفراج الحركة عن عشرة من عناصر الأمن في مدينة شمال غرب البلاد، وقد تمت عملية التبادل عبر عملية تفاوض قام بها وجهاء قبائل في منطقة هانجو المضطربة. وكان اعتقاله قد أثار المشاكل في المنطقة حيث حاصر عناصر طالبان مركزًا للشرطة وخطفوا مسئولين أمنيين. وجرى التفاوض على عملية التبادل بعد أن قال وجهاء القبائل إن الإفراج عن رفيع الدين سيساعد على استعادة السلام في المنطقة المضطربة[60].
وأعلن الجيش تحقيق نجاحات، لكنه أقر كذلك بأن هذه المعركة التي بدأها في أغسطس وبموجبها كانت المحادثات تعلق بينه وبين القبائل المتشددة في بعض الأحيان، هي -على الأرجح- الأصعب منذ بدء العمليات في المناطق القبلية في 2002.
كما عمد الجيش والحكومة إلى إشراك القوى المحلية في هذه المواجهة المفتوحة. ففي بعض المناطق شكل أهالي القبائل البشتون مجموعات بتشجيع من السلطات من أجل مواجهة المتشددين الذين تحملهم القبائل مسؤولية جلب العنف إلى مناطقهم. واندلع أحد الاشتباكات في قرية ملا سايب دارا التي تبعد 20 كيلومترًا شرقي بلدة خار وهي البلدة الرئيسية في إقليم الباجور. ووقع الاشتباك حينما حاولت قوة مؤلفة من ستة آلاف من رجال القبائل إحراق منازل المتشددين ومخابئهم. وأحيانًا ما أشار الأهالي إلى أن الحكومة تعمل منذ زمن على تأليب المجتمعات المحلية على المتشددين[61].
ويمكن إرجاع اللجوء إلى الوسائل السياسية جنبًا إلى جنب (بل أحيانا بديلًا عن) الوسائل العسكرية إلى القيود الاقتصادية. لأن العمليات العسكرية الباكستانية كانت عالية التكلفة على اقتصاد يواجه وضعًا سيئًا ولا تكفي لنجدته المساعدات الأمريكية فقط. وأقر رئيس الوزراء جيلاني بخطورة الوضع، وقال: “استقرار باكستان واستمرارها على المحك”. وأضاف في تصريحات: “مواردنا شارفت على النهاية واقتصادنا يتعرض لضربات قاسية كلما انفجرت قنبلة أو وقع هجوم انتحاري”[62]. ويعاني الاقتصاد الباكستاني الضعيف من الكلفة العالية للعمليات العسكرية رغم مساعدة قيمتها عشرة مليارات دولار تلقتها إسلام أباد من الولايات المتحدة منذ العام 2001، على ما يقول خواجه آصف أحد مسئولي المعارضة بجناح نواز شريف[63].
وإلى جانب التكلفة المادية المباشرة على الاقتصاد الباكستاني جراء تلك العمليات العسكرية الواسعة، لا يملك الجيش حيال مقاتلي طالبان الوسائل الحربية المناسبة للقضاء عليهم. حيث أعلن مسئولون باكستانيون احتياجات البلاد للعتاد، مشيرين إلى أن المتشددين الممولين بشكل قوي والمسلحين بشكل جيد يستخدمون مدافع مضادة للطائرات، مما جعل عملية استخدام الطائرات الهليكوبتر لدعم قتال الجيش ضد ملاذات المتشددين في منطقة بوجور في شمال غرب باكستان أمرًا محفوفًا بالخطر. وتلعب أيضا الطبيعة الجغرافية للمنطقة المواجهة دورًا ملحوظًا في تقليص فرص النجاح في أي مواجهة حاسمة.

ب)الحرب على الإرهاب والتفاعلات الإقليمية الدولية

خلال 2008، ظهر تدهور في العلاقات بين باكستان وأفغانستان وتلك بين باكستان والولايات المتحدة، دارت معظمها حول أنسب الطرق لمواجهة الإرهاب ومحاربة المتطرفين.
وقد تعاملت البلاد مع الوضع الأمني المضطرب الذي سببته القبائل المتشددة عند الحدود الباكستانية الأفغانية، متبعة في ذلك نهجًا تفاوضيًّا أحدث انزعاجًا لدى الحليف الأمريكي؛ وهو ما دفعه بالتالي إلى التعامل مع تلك المعطيات بنهج آخر سبب توترًا حادًا في علاقته مع إسلام أباد، وهي تطورات ألحقت توترات بعلاقات باكستان مع كلٍ من أفغانستان والولايات المتحدة على مدار عام 2008.

1- العلاقات مع الولايات المتحدة:

سارت الأمور على نحو أغضب الإدارة الأمريكية التي يواجه جيشها مقاومة طالبانية عنيفة في أفغانستان المجاورة. وتحولت هذه المناطق الشمالية الغربية ملاذًا لطالبان الأفغانية ولمقاتلي تنظيم القاعدة الذين أبرموا تحالفات جديدة مع مجموعات باكستانية من طالبان. وبدا من الواضح أن باكستان لن تمضي بذات النهج المتبع سابقًا في ملف التعامل مع المتشددين وهو ما استتبع تحركًا أمريكيًّا أثار بدوره توترات حادة بين واشنطن وإسلام أباد.
وكان للنهج الحكومي الجديد أبلغ الأثر على الوضع الأمني الداخلي وعلى العلاقات مع الولايات المتحدة، التي أصبح معيارها الأول هو مدى الالتزام الباكستاني في التحالف في “الحرب على الإرهاب”، كما تأثرت من النهج ذاته العلاقات مع الجار الأفغاني.
فقد بدا للجميع أنه من بين ثنايا الاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على استخدام العنف والسلاح للقضاء على طالبان والجماعات المتشددة المسلحة، فإن باكستان تمكنت من الخروج التكتيكي على تحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، بتغيير استراتيجيتها إلى منحى جديد. وإن كان البعض يجزم بحدوث “اتفاقات سلام” بين الحكومة الباكستانية والجماعات المتشددة عامي 2005 و2006 في عهد الرئيس مشرف، إلا أن فكرة إشراك طالبان في محادثات قد ازدادت قوةً هذا العام.
وفيما مهَّد الرئيس الأمريكي جورج بوش الطريق لمنح باكستان مساعدات بنحو 300 مليون دولار خلال 2008 من أجل “مكافحة الإرهاب”، مؤكدًا أنه سيواصل “تعاونًا حاسمًا” مع الحكومة الجديدة، ضاعفت الولايات المتحدة الضربات ضد المقاتلين الإسلاميين في المناطق القبلية الباكستانية خشية أن تمنع الحكومة الجديدة في إسلام أباد الغارات الأمريكية، وهو الأمر الذي حدث لاحقًا وأسفر عن توترات في علاقات واشنطن وإسلام أباد[64].
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أكدت في تقارير متتابعة أنباءً عن أن تنظيم القاعدة يعيد بناء نفسه في مناطق القبائل الباكستانية والولاية الحدودية الشمالية الغربية الواقعة على حدود أفغانستان. وقال جيتس للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: “طبيعة التهديد الذي تواجهه باكستان يوضح للحكومة الباكستانية تمامًا أنها تواجه تهديدًا للوجود في الجزء الغربي من البلاد”. “وأكد “أن أكبر تهديد إرهابي ضد الولايات المتحدة آتٍ من المنطقة القبلية النائية في غرب باكستان”[65].
وقد أرادت إدارة جورج بوش إلحاق أكبر ضرر ممكن بحركة طالبان وتنظيم القاعدة في باكستان في ظل وضع سياسي داخلي مضطرب. وبحسب التقارير الصحفية فإن الطائرات الأمريكية من دون طيار قصفت خلال الأشهر الثلاث الأولى من 2008 ما لا يقل عن ثلاثة مواقع للقاعدة في المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان ما أدى إلى مقتل عشرات من عرب وأفغان وأجانب. ومن المتوقع أن تكون هذه الضربات قد تمت بموجب “اتفاق ضمني” مع مشرف (الرئيس في ذلك الوقت) ورئيس الأركان الباكستاني الجنرال إشفاق كياني، يسمح للأمريكيين بمهاجمة مقاتلين أجانب في باكستان مع تفادي استهداف عناصر طالبان المحليين. ورفض متحدث باسم البنتاجون التعليق على هذه المعلومات، مكتفيًا بالقول إن “عملياتنا في باكستان تتم بتنسيق وثيق” مع السلطات الباكستانية. وقال إن “باكستان تقر بأننا نقاتل عدوًا مشتركًا عندما يتعلق الأمر بإرهابيين”[66].
واستمرت تلك الضربات الصاروخية الأمريكية حتى استقرت أركان الحكومة الجديدة ونجحت في إسقاط حكم الرئيس برويز مشرف وجاء زرداري إلى الحكم. وتزامن ذلك مع ما اعتبرته الولايات المتحدة لجوء كبير لعناصر تنظيم القاعدة إلى المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان. ومع المبادرات الحكومية بالحوار مع عناصر حركة طالبان الباكستانية والشروع بالفعل في محادثات تنأى بطبيعتها عن النهج الأمريكي المفضل للتعامل مع تلك الجماعات، بدأ الخطاب الأمريكي يتغير شيئًا فشيئًا. وباتت الحدود بين أفغانستان وباكستان “الجبهة الجديدة في الحرب على الإرهاب”، لاسيما وأن هذه الحدود غير مضبوطة بشكل محكم. وفي خطابات عديدة ذكّر الرئيس الأمريكي جورج بوش باكستان “بمسئوليتها” في محاربة الإرهاب واعتبرها -إلى جانب أفغانستان والعراق- إحدى جبهات محاربة التطرف. إلا أن العديد من الباكستانيين يعتقدون أن الولايات المتحدة “صدّرت” النزاع في أفغانستان إلى باكستان المجاورة حيث عجزت عن قتل عناصر القاعدة أو اعتقالهم منذ نهاية العام 2001 في أفغانستان ودفعتهم للفرار إلى باكستان.
ومن المعتقد أن مشرف وإدارة بوش كان بينهما تفاهمات هادئة بشأن الضربات العسكرية الأمريكية لكن حسن عباس الباحث بجامعة هارفارد والقائد الإقليمي السابق للشرطة الباكستانية في منطقة الحدود قال إن هذه الأمور تخضع الآن للمراجعة من الإدارة الجديدة في إسلام أباد[67].
وبينما في الماضي كان من الممكن لحكومة الرئيس برويز مشرف أن تتجاهل غضب الرأي العام فإن الحكومة المدنية التي يتزعمها زرداري كانت أكثر حساسية تجاه الضغوط الشعبية الرافضة تلك الضربات. فحكومة زرداري الجديدة تتولى في وقت بالغ الحرج لما تشهده البلاد من أزمات على أصعدة مختلفة، فموقف زرداري كشخصية مثيرة للجدل يحتاج لتحسن وضعه واستثمار تداعيات اغتيال زوجته بينظير بوتو وتزايد درجة التحامل الشعبي الجم على الولايات المتحدة[68].
وباتت عمليات القصف الصاروخي التي تنفذها طائرات أمريكية بدون طيار تنطلق من أفغانستان تستهدف المناطق القبلية بصورة شبه يومية مثيرة استياء إسلام أباد التي تحتج عليها دون جدوى. ولا تقتصر العمليات الأمريكية في باكستان على الغارات الجوية بل تشمل أيضًا عمليات توغل تقوم بها وحدات خاصة، وبعدما كانت هذه العمليات البرية تجري في الماضي في صمت، أصبحت واقعًا علنيًّا في الثالث من سبتمبر حين هاجمت قوات خاصة قادمة من أفغانستان قرية وقتلت (15) مدنيًّا بحسب إسلام أباد، ووصفها قائد الجيش الباكستاني الجنرال إشفاق كياني على أنها خطوة خرقاء “تصب فقط في مصلحة الناشطين وتغذي هذه النزعة في المنطقة”[69].
وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الرئيس الأمريكي جورج بوش وافق سرًا على أوامر في يونيو 2008 تسمح للقوات الأمريكية بشن عمليات برية في باكستان من دون موافقة إسلام أباد، وهي أنباء رفض البيت الأبيض تأكيدها[70]. وحذر بوش من أن أي هجوم آخر في أفغانستان أو غيرها تقف وراءه باكستان سيضطره لاتخاذ “إجراء خطير”. وكان جيلاني التقى مدير المخابرات المركزية الأمريكية مايكل هايدن، الذي عرض عليه ملفًا حول دعم المخابرات الباكستانية لحركة طالبان[71]. كما اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية المخابرات الباكستانية بتقويض جهود حلف الناتو في أفغانستان عن عمد وذلك بتقديم الدعم لمقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة بدلًا من محاربتهم كما كان يفترض، وكلها اتهامات كانت تزيد من حدة التوتر بين الجارين الباكستاني والأفغاني.
وكان بوش قد قدم لرئيس الوزراء جيلاني في واشنطن ما اعتبرته صحيفة صنداي تايمز دليلًا على تورط جهاز المخابرات الباكستاني في هجوم انتحاري على العاصمة الأفغانية كابول، محذرًا من أن الولايات المتحدة ستنتقم إذا ما استمرت هذه العمليات. وقالت الصحيفة (3 أغسطس 2008) إن الاتهام يأتي في غمرة تزايد المخاوف من تحول مناطق القبائل في باكستان إلى قاعدة دولية لانطلاق “الإرهابيين”.
وتقول ليزا كورتيس المستشارة السابقة حول شئون جنوب آسيا في وزارة الخارجية الأمريكية: “أظن ان قرارًا اتخذ من قبل الولايات المتحدة أن الكيل قد طفح، وأنهم كانوا بحاجة إلى اتخاذ هذه الخطوات لمعالجة المشكلة بأنفسهم”. وأضافت أن هذا الأمر قد يكون عائدًا إلى محاولة باكستان إبرام اتفاقات سلام مع ناشطين في المناطق القبلية أخيرًا أتت بعد سقوط ضحايا كثر في صفوف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان.
وشهدت العلاقات مع باكستان حليف واشنطن في “الحرب على الإرهاب” توترًا حادًا على خلفية هذه الضربات، وتعهد الرئيس ورئيس الوزراء في باكستان بالدفاع عن بلدهما في وجه إطلاق الصواريخ وتوغلات الجيش الأمريكي في المناطق القبلية الباكستانية عند الحدود مع أفغانستان. إلا أن مسئولًا في الإدارة الأمريكية أكد أن القوات البرية في التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان حصلت على الضوء الأخضر لشن عمليات عبر الحدود من جانب واحد ضد ناشطين داخل باكستان. وأضاف أن واشنطن مستاءة من “التأخير وأحيانًا عدم الرد” من جانب إسلام أباد بشأن “معلومات استخبارية” حول تحركات لناشطين في المناطق القبلية في باكستان على طول الحدود مع أفغانستان بالإضافة إلى غياب التحرك الباكستاني في إطار استراتيجية شاملة لمكافحة التمرد في مخابئ الناشطين[72].
وفي المقابل أكد قائد الجيش الباكستاني على رفض بلاده لهذه الضربات الأمريكية التي تنتقص من السيادة الباكستانية قائلًا: “سندافع عن سيادة البلاد ووحدة وسلامة أراضيها بأي ثمن، ولن نسمح لأي قوة أجنبية بشن عمليات داخل باكستان”. وتصاعد التوتر مع بدء الجيش الباكستاني في الرد على تلك التحركات الأمريكية التي تستهدف مناطق باكستانية حيث قام باستهدافها وإطلاق النار على المروحيات الأمريكية التي تخترق حدود البلاد. ومع مضي واشنطن في ضرباتها أكد محللون أن عدم مراعاة الولايات المتحدة للحساسيات يجازف بخسارة حليف على الرغم من بعض الأقاويل بأنه حليف لا يعتمد عليه كما قد يتسبب في إغلاق مصدر مهم للمعلومات المخابراتية[73].
بيد أن باكستان دفعت حتى الآن باهظًا ثمن تحالفها مع الولايات المتحدة. فقد قتل 1300 جندي في المناطق القبلية وشمال غرب البلاد منذ 2002، وأكثر من 1300 شخص منذ يوليو 2007 في اعتداءات أعلن إسلاميون مسئوليتهم عنها. وتشعر إسلام أباد بعدم الرضا لأنه على الرغم من هذه التضحيات لا تعير واشنطن انتباهًا للمصالح الاستراتيجية الباكستانية. كما أن الجانب الباكستاني غير راضٍ على الإطلاق عن تقبل الولايات المتحدة لتزايد نفوذ الهند في أفغانستان.
وقد عُيِّن الجنرال أحمد شجاع باشا مديرًا عامًا لجهاز الاستخبارات المشترك بدلًا من الجنرال نديم تاج الذي تولى رئاسة هذا المكتب منذ أقل من عام. والجنرال باشا مقرب من الجنرال إشفاق كياني الذي تولى قيادة الجيش قبل عام خلفًا للرئيس السابق برويز مشرف الذي هزم معسكره في انتخابات فبراير البرلمانية. ويشير المحللون إلى أن الجهاز يخضع نظريًّا لسلطة رئيس الوزراء، لكنه يشكل في الواقع “دولة ضمن الدولة” تدور في فلك الجيش. وقادت المؤسسة العسكرية البلاد مباشرة طوال أكثر من نصف عمرها البالغ ستين عامًا، وبشكل غير مباشر في الفترات الأخرى من خلال حكومات مدنية يحركها الجنرالات.
وأضحى هذا الجهاز متهمًا بانتظام من قبل أفغانستان والهند وخصوصًا واشنطن بدعم عناصر طالبان الأفغانية الذين لجأوا إلى المناطق القبلية في شمال غرب باكستان. ومن جانبهم يخشى المسئولون الأمريكيون من أن يكون الجهاز يقوم بلعبة مزدوجة: فيدعم طالبان ومتشددين آخرين كحلفاء لكسب نفوذ في أفغانستان والقطاع الهندي من كشمير. وحثت واشنطن في أحاديث خاصة حكومة باكستان المدنية التي تولت السلطة مؤخرًا على فرض سيطرة أكبر على الجهاز. وقامت حكومة رئيس الوزراء جيلاني بمحاولة متسرعة لوضع الجهاز تحت سيطرة وزارة الداخلية في يوليو 2008، لكنها تراجعت لتجنب رد فعل الجيش[74].
ومع تلك التطورات، أبدى الرئيس المنتخب باراك أوباما استعداده لتنفيذ ضربات محددة في باكستان ضد طالبان والقاعدة سواء بإذن من إسلام أباد أو من دونه، وخصوصًا أن الولايات المتحدة تتهم الحكومة الباكستانية بعدم التشدد في مكافحة الإرهابيين الذين لجأوا إلى حدودها مع أفغانستان. وعلق الدبلوماسي السابق ريتشارد هولبروك (الذي عين فيما بعد مبعوثًا أمريكيًّا لجنوب ووسط آسيا) في مجلة “فورن أفيرز” “سيكون أساسيًّا بالنسبة إلى الإدارة المقبلة أن تتبنى سياسة واضحة حيال إسلام أباد”[75].

2- مع أفغانستان:

ألحقت السياسة الباكستانية في التعامل مع ملف “المتشددين أو المتطرفين” وعناصر طالبان الباكستانية توترًا في العلاقات الأفغانية الباكستانية. ورفض رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني بشدة الاتهامات التي وجهها الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لباكستان والتي أشار فيها صراحة إلى ضلوعها في عمليات العنف الأخيرة في أفغانستان ومنها الهجوم الذي استهدف السفارة الهندية في كابول في يوليو 2008 وأوقع (58) قتيلًا على الأقل. وتعتقد أفغانستان أن باكستان تساعد حركة طالبان لمواجهة النفوذ الهندي المتنامي والإبقاء على أفغانستان ضعيفة والسماح للقوات الباكستانية بالتركيز على الدفاع عن حدودها مع الهند، كما ينتقدها حلف شمال الأطلنطي (ناتو) بسبب فشلها في وقف الهجمات المسلحة على أفغانستان انطلاقًا من أراضيها[76].
وتخطى كرزاي في اتهامه لباكستان في تصريحاته حد تحميلها مسئولية هجوم السفارة الهندية فقط، معتبرًا أن كافة “العنف والقتل والدمار الذي تعاني منه أفغانستان ترتكبه أجهزة المخابرات الباكستانية”. كما اتهم كرزاي إسلام أباد بعدم القيام بما يكفي للحد من عبور المسلحين من باكستان إلى أفغانستان. وفي إشارة إلى ازدياد حدة التوتر بين البلدين الجارين فقد علقت أفغانستان سلسلة من الاجتماعات الثنائية والمتعددة الأطراف مع باكستان بشأن التعاون الحدودي والتعاون الاقتصادي الإقليمي والثنائي والتي كان مقررًا أن تتم بينهما خلال أغسطس 2008[77].
ثم، وفي محاولة لتهدئة جبهة العلاقات الخارجية، بدأ الخطاب الباكستاني يتخذ منحى أقل حدة في مخاطبة الجار الأفغاني؛ حيث تعهد زرداري بالتعاون مع الجيران وبخاصة أفغانستان للتعامل مع تصاعد العنف في المناطق الحدودية. وبدأ مسئولو البلدين الاتصالات لبحث سبل التعاون بينهم في الملف الأمني. واتفق مسئولون باكستانيون وأفغان من جهة وزعماء قبائل أفغانية من جهة أخرى على إجراء اتصالات مع مسلحي طالبان في محاولة لإنهاء العنف المتصاعد في مناطق الحدود المليئة بالثغرات بين البلدين. وجاء ذلك الإعلان بعد يومين من المحادثات في إسلام أباد بهدف إيجاد حل دائم للعنف الذي يجتاح المنطقة، كما يأتي بعد أن كشفت الحكومة الأفغانية عن لقائها باثنين من الأعضاء السابقين في حكومة طالبان لإجراء محادثات في السعودية، كما أشارت بعض التقارير إلى أن واشنطن مستعدة لتغيير استراتيجيتها. وصرح وزير الخارجية الأفغاني السابق عبدالله عبدالله زعيم الوفد الأفغاني أن الاتصالات ستشمل طالبان وغيرها من المجموعات المتمردة.
ويأتي اللقاء الذي شارك فيه (50) مسئولًا وزعيم قبيلة من جانبي الحدود بهدف متابعة مجلس السلام “جيرغا السلام” الذي عقد في كابول في أغسطس 2007. ومن جهته قال الرئيس الأفغاني حامد كرزاي في كابول خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الباكستاني آصف علي زرداري أن كابول وإسلام أباد بدأتا “علاقة جديدة” يأمل أن تتيح لهما “دحر الإرهاب”. ومن ناحية أخرى، أكد كرزاي أنه منذ تولي زرداري السلطة في سبتمبر 2008 “أصبحت لأفغانستان وباكستان علاقة جديدة”؛ وذلك بعد فترة من العلاقات الصعبة بينهما في ظل عهد الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف.

3- مع الهند

مضى العدوّان اللذان خاضا ثلاثة حروب منذ استقلالهما عام 1947 في طريقهما، كلٌ يسعى لزيادة تسليحه ومدّ نفوذه وتحسين علاقاته مع القوى الكبرى في صراعهما المستمر حول كشمير.
وعلى الصعيد العسكري، انتقلت باكستان إلى مرحلة جديدة حاسمة في قدراتها الاستراتيجية في البر والبحر، حيث أعلن الجيش الباكستاني في مايو 2008 أن البلاد اختبرت من جديد بنجاح صاروخًا عابرًا للقارات يحلق على ارتفاع منخفض جدًا ويمكن تزويده برؤوس نووية. وجاء هذا بعد تجارب أجرتها إسلام أباد في أبريل لصواريخ بينها الصاروخ بعيد المدى “شاهين 2” (أو حتف 7) قادر على بلوغ أراضي الهند المجاورة.
ومع تطورات الأوضاع في المنطقة، ساد اعتقاد لدى مسئولين باكستانيين بشأن ازدياد النفوذ الهندي في أفغانستان.
وتدهورت العلاقات مع الهند بعد أن اتهمت نيودلهي إسلام أباد بالضلوع في تفجير انتحاري استهدف السفارة الهندية في كابول في يوليو 2008. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن محللين في السي آي إيه وأجهزة مخابرات ووكالات أمنية أمريكية أخرى تعتبر أن تفجير السفارة تم بمساعدة عملاء في المديرية، بل إن الأوساط العليا في الجهاز الأمني الباكستاني ومن بينهم إشفاق كياني كانت على علم بالمخطط[78]. وأكدت باكستان عدم ضلوعها في ذلك الانفجار، فيما استمرت الجهود الدبلوماسية بين البلدين لتقريب وجهات النظر ومباشرة عملية السلام.
وكان الرئيس مشرف خلال رئاسته قد حاول معالجة مشكلتين أساسيتين في الهوية الأمنية الباكستانية؛ وهما: الخصومة المستمرة منذ عقود مع الهند، ودعم المقاتلين الجهاديين في إقليم كشمير المقسم. لكنهما ظلتا المسألتين الرئيسيتين في إرث مشرف. فقد كانت “الحكومات السابقة ترغب في السلام مع الهند لكنها لم تكن تستطيع تحقيق ذلك لأن الجيش سيعارضه”. ومن ثم، فقد تميزت فترة ولاية الرئيس الباكستاني السابق بحدوث خطوات على صعيد التقارب بين العدوين وتهدئة الأجواء بينهما.
وشهدت علاقات البلدين منحنى خطيرًا بعد تفجيرات دامية تعرضت لها مدينة مومباي الهندية في 26 نوفمبر 2008. ووقع أخطر خلاف دبلوماسي بعد أن اتهمت نيودلهي جهات في الدولة الباكستانية بـ”دعمها” للجماعات الإرهابية التي نفذت الاعتداءات، وحذرت إسلام أباد في المقابل من أن هذه “الادعاءات” تؤجج التوتر. وتصاعدت اللهجة بين الهند وباكستان لكن من دون الوصول إلى حدّ اتخاذ تدابير جذرية تؤدي إلى الحرب بينهما. ووجد رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج ما اعتبر أنه “أدلة كافية تثبت أنه نظرًا إلى الدقة العسكرية التي نفذت بها اعتداءات بومباي، فإنها تلقت دعمًا من قبل بعض الوكالات الرسمية الباكستانية”، كما اتهم باكستان باستخدام “الإرهاب أداة لسياسة الدولة”، مضيفًا “أن هذا البلد شجع ووفر معقلًا” في الماضي لناشطين معادين للهند، وهو ما رفضته باكستان واعتبرت أنها حملة دبلوماسية هندية دولية ليس لها أساس من الصحة.
وفيما أكد وزير الدفاع الهندي إيه كي انتوني أن بلاده “تدرس كل الخيارات” لمنع أي هجمات شبيهة باعتداءات بومباي، متهمًا مرة أخرى باكستان بعدم مواجهة “الإرهاب الإسلامي” بالشكل المطلوب، دعا رئيس الوزراء الباكستاني جيلاني المجتمع الدولي إلى القيام بكل ما في وسعه لتجنب التصعيد بين الهند وباكستان واصفًا الوضع على الحدود بأنه “هش للغاية”.
وقد خلفت الهجمات التي وقعت في الفترة من 26 إلى 29 نوفمبر في العاصمة المالية للهند نحو 172 قتيلًا، من بينهم تسعة مهاجمين. ويقول مسئولون هنود إن جماعة “عسكر طيبة” الباكستانية المحظورة دربت وجهزت المهاجمين العشرة الذين نفذوا هجمات بومباي بدعم من مسئولين في أجهزة باكستانية. إلا أن الهند (كما واصلت بعض التصريحات الهندية الرسمية) تحرص على عدم توجيه اتهامات مباشرة إلى نظام إسلام أباد الديمقراطي أو إلى أجهزة استخباراته بالتورط في اعتداءات بومباي. كما أن نيودلهي قلقة من سلطة الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري الضعيفة التي زعزعها الإرهاب الإسلامي وثقل الجيش ونفوذه التاريخي.
في المقابل، اعترفت إسلام أباد بأن الناجي الوحيد من أفراد المجموعة المهاجمة يحمل الجنسية الباكستانية. وأشار جيلاني إلى أن الهند رفضت مقترحات باكستانية للتعاون في التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي تتهم نيودلهي جماعة عسكر طيبة الانفصالية والناشطة في باكستان بتدبيرها. وتوتر الوضع بين الجانبين إثر إعلان مسئولين باكستانيين نشر قوات عسكرية إضافية عند الحدود مع الهند.
ومن جانبها بدأت القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة مساعيَ لاحتواء التوتر المتصاعد، خشية أن تؤثر تلك التوترات الناشئة في علاقات إسلام أباد ونيودلهي إلى التأثير على نحو سلبي على أداء باكستان وتعاونها في الحرب على الإرهاب، حيث إن تحريك باكستان لقواتها من على الحدود مع أفغانستان إلى حدودها مع الهند من شأنه أن يؤدي إلى زيادة “المستنقع” الأفغاني للقوات الأجنبية وزيادة خسائرها هناك، ولعل هذا ما يفسر الزيارات المتلاحقة لوزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الهند وباكستان في الآونة الأخيرة.

ماليزيا: التطور الديمقراطي والاستقرار الداخلي

للاستقرار في ماليزيا بعدان رئيسيان: الأول خاص بمسار عملية التطور الديمقراطي وبداية تغير نمط العلاقة بين النظام الحاكم والمعارضة، أما الثاني فيختص بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في إطار التعددية الإثنية التي يتمتع بها المجتمع الماليزي، والتي تخلق في ذاتها فرصًا وقيودًا على الأمن والاستقرار في الدولة الماليزية.

أولًا- العلاقة بين النظام الحاكم والمعارضة:

كثيرًا ما تعد ماليزيا من النمور الاقتصادية التي حققت نجاحًا في مجال التنمية الاقتصادية لم يتواكب معه نفس النجاح بعد على مستوى التطور الديمقراطي. فمازالت ماليزيا من الدول التي يمكن تصنيفها كدول متحولة إلى الديمقراطية، مازالت عملية الانتقال نحو ديمقراطية ناضجة ومتطورة في طور التقدم. فبالمقارنة بدول إسلامية أخرى (خاصة العربية منها)، يمكن الإعجاب بمسار ماليزيا التدريجي المستقر تجاه مزيد من التعددية السياسية وخلق مناخ من المنافسة الديمقراطية. فبالرغم من سيطرة حزب واحد على الحكم لعقود عديدة، إلا أن مظاهر الديناميكية والقوة التي بدأت تظهر على قوى المعارضة، واتساع مساحة النقد والتظاهر في المجتمع، جميعها مؤشرات تشير أن عملية التطور الديمقراطي، وإن كانت تسير بخطى متئدة إلا أنها خطى ثابتة وفي الاتجاه الصحيح.
جاءت أهم التطورات السياسية الدالة في عام 2008 متمثلة فيما مُني به الائتلاف الحكومي الماليزي الحاكم من هزيمة موجعة في الانتخابات التي جرت في التاسع من مارس، وأدت إلى فقدانه أغلبية الثلثين التي كانت يتمتع بها في البرلمان منذ 1969 وأربع ولايات انتصرت فيها المعارضة. وهكذا فَقَدَ التحالف الحاكم لأول مرة قدرته على تغيير الدستور، وإن لم يفقد قدرته على تشكيل الحكومة وتمرير القوانين. وصعدت إلى السطح معارضة قوية ارتفع رصيدها.
فقد حصلت “الجبهة الوطنية” التي تشكل “المنظمة الوطنية للوحدة الماليزية” أكبر أحزابها على 137 مقعدًا من أصل 222. وكان ينبغي أن تحصل على 148 مقعدًا لتحقيق أغلبية الثلثين وتتمكن من تغيير الدستور كما تريد. كما فاز حزب العدالة التي تتزعمه زوجة زعيم المعارضة أنور إبراهيم بـ(31) مقعدًا ليكون أكبر حزب معارض في البرلمان الجديد. وفاز حزب العمل الديمقراطي الذي يدعمه المنحدرون من أصل صيني بـ(28) مقعدًا، بينما فاز الحزب الإسلامي بـ(23) مقعدًا. وتوضح هذه النتائج غير المسبوقة أن المعارضة حققت الفوز في ولايات كيداه وبينانغ وبيراك وسيلانجور، بينما امتد فوز حزب العمل الديمقراطي إلى ولاية كيلانتان.
وواجه رئيس الوزراء الماليزي عبد الله أحمد بدوي تحديًا خطيرًا زاد من حدة الأزمة السياسية إثر إعلان زعيم المعارضة أنور إبراهيم أنه يحظى بدعم كافٍ من المعارضين للحكومة للاستيلاء على السلطة. وقال محللون إن البلبلة في صفوف الائتلاف الحاكم برئاسة بدوي قد تدفع المزيد من النواب إلى تبديل ولائهم السياسي، الأمر الذي يمكن أن يحمل أنور إلى السلطة بعد الخرق المفاجئ الذي حققه تحالف المعارضة في الانتخابات العامة.
وتعاظم التحدي أمام الحكومة مع تطور الوضع الداخلي للحزب الحاكم؛ حيث قرر رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد الاستقالة من الحزب بسبب رفض بدوي التخلي عن السلطة إثر نتائج الانتخابات، ودعا النواب إلى اتخاذ نفس الخطوة على أن يعودوا جميعًا إلى عضوية الحزب فور استقالة رئيس الوزراء. واعتبر مراقبون أن تلك الخطوة تزيد من الضغوط على حكومة رئيس الوزراء بدوي التي واجهت أزمة كبيرة.
ومن ناحية أخرى، أسفرت تلك النتائج التي تعد أسوأ هزيمة يُمنى بها الائتلاف الحاكم منذ 1969 عن اشتباكات عرقية خطيرة. وقد كان من المتوقع أن تتخلى الأقليات الهندية والصينية عن الائتلاف الحكومي في الانتخابات. وأكد مراقبون أن الائتلاف الحكومي خسر كذلك تأييد أغلبية المالاي المسلمين الذين يشكلون القاعدة الأساسية للائتلاف. وقالت تريشيا يوه مديرة مركز دراسات السياسة العامة الفكري إن نتيجة الانتخابات تشكل “احتجاجًا جماعيًّا ضد الحكومة وتظهر نضج المجتمع الذي لم يعد يصوت على أسس عرقية فقط”[79].
ثم لم تمر فترة طويلة حتى وجه القضاء الماليزي تهمة الشذوذ الجنسي لزعيم المعارضة أنور إبراهيم بعدما تقدم أحد مساعديه بشكوى لدى الشرطة. وكان أنور إبراهيم قد أُقيل من منصب نائب رئيس الوزراء عام 1998 على خلفية تهمتي شذوذ وفساد، وأمضى ست سنوات في السجن وغادره عام 2004 بعدما أُسقطت التهمة الأولى. ونفى رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي أي علاقة للحكومة بالاتهامات، وقال: “لا توجد أي مؤامرة لإحراج إبراهيم أو دفعه للمتاعب أو التقليل من شأنه”، مؤكدًا أنه سيترك الأمر للشرطة لمتابعة التحقيق[80].
ولم يخُض أنور إبراهيم الانتخابات لأن حظرًا على العمل السياسي لخمس سنوات -انتهى في أبريل 2008 – منعه من ذلك. وأكد غالبية الماليزيين في استطلاعات للرأي أنها لا تصدق اتهام زعيم المعارضة أنور إبراهيم بالشذوذ، واعتبرت أن وراء هذه التهمة أسبابًا سياسية. وتأتي هذه التهمة التي يعاقب عليها القضاء الماليزي بالسجن لـ(15) عامًا في الوقت الذي أكدت فيه المعارضة عزمها إحداث انشقاق برلماني في الكتلة الحاكمة بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء عبد الله بدوي. وفي 29 يونيو لجأ أنور إبراهيم ليوم واحد إلى السفارة التركية في بلاده معلنًا أنه لا يستبعد محاولة اغتياله بتدبير من الحكومة.
ومع تطورات الوضع السياسي الداخلي والانقسام الحادث في صف الحزب الحاكم، والذي تزامن مع صعود مستقر في قوى ونفوذ المعارضة بزعامة أنور إبراهيم، تراجع أكبر حزب إسلامي في ماليزيا عن إعلان دعمه المطلق لزعيم المعارضة في محاولته الإطاحة بالائتلاف الحاكم قائلًا إن عليه أولًا أن يفوز بمقعد في البرلمان، وذلك بخلاف ما كان متوقعًا من تأييد هذا الحزب لأنور إبراهيم. وقد قال هادي أوانج رئيس الحزب الإسلامي الماليزي: “سنرى من سيحظى بدعم الأغلبية في المجتمع متعدد الأعراق. دعوه يخوض الانتخابات أولًا”. ويمثل الحزب الإسلامي الماليزي عنصرًا مهمًا في ائتلاف المعارضة الذي يشمل أيضًا حزب العمل الديمقراطي الذي يدعمه المنحدرون من أصل صيني. وكشف موقف الحزب الإسلامي عن الصدع الذي أصاب تحالف المعارضة متعدد الأعراق والذي يقول بعض المحللين إنه قد يؤدي إلى إحباط جهودها الرامية إلى الوصول إلى السلطة للمرة الأولى في تاريخ ماليزيا[81].
ويحث تحالف المعارضة المؤلف من ثلاثة أحزاب بزعامة أنور الحكومة التي تحكم ماليزيا على مدى أكثر من (50) عامًا منذ الاستقلال على تسليم السلطة، بعد أن سجل أفضل نتيجة انتخابية له على الإطلاق في مارس الماضي. وقال أنور في السابق إنه أقنع عددًا كافيًا من نواب ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم بالتحول إلى جانبه. ويشغل تحالف أنور (82) مقعدًا في البرلمان الذي يبلغ عدد أعضائه 222 عضوًا. ومن هذا المنطلق حاول أنور إبراهيم إسقاط الحكومة، وأعلن عن سعيه لإقناع (30) منشقًا عن تحالف باريسان الوطني الحاكم لتشكيل حكومة جديدة في موعد أقصاه 16 سبتمبر، حتى يمتلك تحالفه الأغلبية البسيطة التي تمكنه من إسقاط الحكومة، مؤكدًا أن تحالفه المعارض لن يستخدم الأموال أو الابتزاز لخطب ود المنشقين.
وأزعج احتمال حدوث صراع قوى في البلاد المستثمرين الأجانب وأصاب الأسواق المالية بالتوتر. وتراجعت العملة الماليزية الرنجيت إلى أدنى مستوياتها في أحد عشر شهرًا، وانخفضت سوق الأسهم لأدنى مستوياتها في (20) شهرًا خلال الأسبوع الأخير من أغسطس 2008.
وعوّل أنور على نواب باريسان من ولايتي صباح وساراواك الشرقيتين بجزيرة بورنيو، حيث تشكو الولايتان (الغنيتان بالموارد الطبيعية) من أن الحكومة الاتحادية تتجاهل شكاواهم. وكان عدة نواب من الولايتين رفضوا توقيع عريضة تأييد لرئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي أطلقت في تلك الأثناء، وهو ما مثّل انتكاسة قوية لرئيس الوزراء. إلا أن بدوى تحرك على الفور لتهدئة حكومتي صباح وساراواك باقتراح مشروعات بنية أساسية ضخمة في خطاب ميزانية 2009 في البرلمان[82].
وبعد فوز أنور إبراهيم في انتخابات جزئية أعادته إلى البرلمان بعد غياب نحو عشر سنوات، تراجع إبراهيم عن تعهده بالوصول إلى السلطة وإسقاط الحكومة بعد قوله إنه “سيتقدم بحذر” في مسعاه. وكان أنور قد كرر مرارًا أنه كسب تأييد أعداد كافية من نواب الحكومة المنشقين عليها في البرلمان بما يسمح له بتشكيل الحكومة. لكن مرت المهلة التي حددها أنور لنفسه لبلوغ هذا الهدف دون أن يتحقق مسعاه، كما رفض البرلمان دعوته للاقتراع على سحب الثقة من الحكومة. ولم يحدد زعيم المعارضة موعدًا جديدًا لتحقيق هدفه، كما نفى أن مسئولين من حزبه عقدوا محادثات مع الحكومة في تناقض مع بيان أصدره المتحدث باسمه في اليوم السابق[83].
وقالت المعارضة في بيان أنها فتحت محادثات مع الحكومة عبر طرف ثالث بشأن المأزق السياسي الحالي، وهو ما نفته الحكومة. وجاء هذا الزعم في اليوم الذي كان تحالف المعارضة الذي يتزعمه أنور إبراهيم يريد استدعاء البرلمان فيه من عطلته لإجراء اقتراع على الثقة في رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي وقبل يوم من موعد مثول أنور أمام المحكمة بتهم ممارسة الشذوذ الجنسي.
ومن ناحية أخرى، بدأت تظهر بعض مؤشرات دالة على اتجاه الحكومة إلى اتباع سياسة محاصرة المعارضة والتنكيل بها. وزكى هذه المخاوف عدد من الخطوات، منها اعتقال عضو برلمان وصحفي في خضم تصاعد نفوذ المعارضة. وينتمي النائب إلى المعارضة فيما يشتغل الصحفي في صحيفة ناطقة بالصينية. واعتقلت الشرطة كذلك امرأتين تنفيذًا لقانون الأمن الداخلي بتهمة تأجيج النعرات العرقية. واعتقل الأربعة بعد اعتقال رجاء بيترا قمر الدين المدوِّن المعروف بمعارضته للحكومة، بتهمة نشر مقالات تضمنت تجديفًا. وتمت الاعتقالات في خضم جدل متصاعد أعقب تصريحات سياسية من الأغلبية المالاوية قيل فيها إن الماليزيين من ذوي الأصول الصينية “محتلون مهاجرون”[84]. واستقال وزير العدل الماليزي احتجاجًا على عمليات الاعتقال تلك وهو ما سبب توترًا سياسيًا أضيف إلى الحكومة[85].

ثانيًّا- العلاقة ما بين الدولة والمجتمع: البعد الإثني:

وتنبع خصوصية مسار التطور الديمقراطي في ماليزيا من تنوع الخريطة الإثنية للمجتمع الماليزي وتمايز توزيع الموارد الاقتصادية على الإثنيات المختلفة داخلها، بشكل أجج من الانتماءات الأولية وسيَّسها. ولطالما ارتبطت الانتخابات في ماليزيا -ذات الإثنيات المتعددة- بقضية الاستقرار الداخلي، حيث سبق أن شهدت البلاد في مايو 1969 إثر نكسة انتخابية للجبهة الوطنية أعمال شغب موجهة ضد الأقلية الصينية في ذلك البلد الإسلامي الذي يضمن دستوره الحرية الدينية للأقليات الإثنية.
وفيما يشكل عرق الملايو أكثر من نصف السكان الذين يبلغ عددهم الإجمالي نحو (27) مليون نسمة، يمتلكون أقل من 20% من المصادر الاقتصادية، يشكل الصينيون نحو 24% من السكان ويمتلكون نحو 40% من مصادر الثروة. ذلك بالإضافة إلى الهنود الذين يشكلون أقل من 10% من السكان ويتفاوتون في نسبة فقرهم.
وخرج المئات من الملايو في مظاهرات في خطوة تتحدى حظر الشرطة على المظاهرات، وذلك بعد الخسائر المدوية للائتلاف الحكومي الحاكم. وعملت حكومات الولايات التي انتخبت حديثًا إلى الحدّ من الميزات التي كانت مكفولة للملايو، وهو ما أشعل حساسيات عرقية. كما خرج الهنود الماليزيون في مظاهرة للمرة الأولى مطالبين الحكومة بإجراء إصلاحات على النظام الانتخابي. وفي نفس الشهر شارك نحو (10) آلاف منهم في مظاهرة أخرى احتجاجًا على ما وصفوه بالتمييز الذي يمارس ضدهم.
وقالت أحزاب المعارضة إن التدخلات الحكومية لصالح الملايو كانت “لابد أن تقوم على الحاجة وليس العرق”. وكانت تلك المميزات تتضمن تخفيضات على رسوم المنازل والخدمات العامة[86].
ويقدر المحللون أن الانقسام العرقي في تزايد مع ضعف التمثيل البرلماني للعرقين الهندي والصيني، والذين هم ممثَلون في الجبهة الوطنية التي تحكم البلاد منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1957.
وحذّر محللون من مغبة أن يصل غضب الماليزيين الذين يشعرون بالاستياء إلى درجة الغليان من جراء ما يرونه من تمييز ضد الأقليات والافتقار للحرية الدينية وتدخل السياسيين في شئون القضاء والانتخابات غير النزيهة والفساد. كما أنه دون إصلاحات في النظام الانتخابي وترسيخ دعائم التعددية العرقية ووجود قيادة تعمل على تعزيز الأمن وضمان تمثيل عادل لكل الأعراق ستواجه ماليزيا أوقاتًا عصيبة أخرى في المستقبل قد تهدد استقرارها وتقوض ازدهارها الاقتصادي.
ومع ازدياد الجدال السياسي وارتباطه بالتوتر الإثني في الشارع الماليزي، خرج قائد الجيش عن العرف العسكري، داعيًّا الحكومة للتصدي لكل من يزكي الكراهية ويشعل التوترات الإثنية بين الماليزيين. وقال الجنرال عبد العزيز زينال قبل أن يحتفل الجيش الماليزي بالذكرى الخامسة والسبعين لتشكيله في 16 سبتمبر 2008 إن الجيش سيتحرك فقط إذا طلبت منه الشرطة الحفاظ على الأمن الداخلي، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية ستبقى بعيدًا عن السياسة[87].
ولكل عرق من هذه الأعراق أحزابه السياسية ومدارسه وصحفه، إلى جانب الملايو الذين يتمتعون بنظام قضائي إسلامي مستقل. وكان الهنود قد قادوا احتجاجًا حاشدًا في نوفمبر من عام 2007، وهو أول احتجاج كبير العدد يكون مدفوعًا بدوافع إثنية خلال الأربع عقود الماضية. وأعلنوا دعاوى قضائية بصفة رمزية ضد الحكومة البريطانية تطالبها بتعويضات قدرها نحو أربعة تريليون دولار مقابل إحضارهم في عهد الاستعمار كعمال للمنطقة “واستغلالهم طيلة 150 عامًا والسماح بتهميشهم”.
وتزامنت الاضطرابات العرقية مع الارتفاع المطرد في تكاليف المعيشة، حتى إن الشرطة التي أحجمت عن منح تصريحات بمظاهرات طيلة العقود الماضية في مسعاها لمنع القلاقل السياسية من الوصول للشوارع، وجدت نفسها أمام عدد غير معتاد أو طبيعي من المظاهرات في الآونة الأخيرة، وزادت هذه المظاهرات مع تقادم حكومة عبد الله بدوي التي جاءت قبل نحو خمسة أعوام مع وعود بالقضاء على الفساد والفقر ومساءلة الحكومة. وبالمثل أيضًا، سبق ذلك إجراء مظاهرات من محامين وأخرى لنشطاء المجتمع المدني وكذلك جماعات من المعارضة لأسباب مختلفة[88].
وكشفت هذه المظاهرات النقاب عن توتر عرقي في بلد كان يعد نموذجًا إيجابيًّا للتعدد العرقي في العالم. وإزاء الشعور العام بالامتعاض الذي ينتاب أفراد الأقلية الهندية اتخذ القادة الماليزيون بعض الخطوات لتهدئة خواطرهم تمثلت في الاعتذار لهم عن هدم معبد شاه علم. وفي خطوة استرضائية أخرى أعلنت الحكومة 23 يناير عطلة عامة احتفالًا بمهرجان تايبوسام الهندوسي السنوي.
ولا يقتصر الحال على الهنود وحدهم، فالصينيون يتذمرون أيضًا رغم أنهم أقل تأثرًا من نظرائهم؛ حيث ازدهرت الأعمال الخاصة لمعظمهم بالنظر إلى أن قسمًا كبيرًا من القطاعات الاقتصادية تقع تحت سيطرتهم. ويرى بعض المراقبين للشأن الماليزي أن جرأة المتظاهرين في إبداء احتجاجاتهم قد هزت أركان النظام السياسي في دولة ظلت تنعم بالاستقرار ردحًا من الزمن وتفاخر بأنها باتت أحد النمور الاقتصادية في قارة آسيا.
بالتزامن مع تصاعد التوتر الإثني داخل البلاد، تظهر عدة أحداث ربما تعمق من الاتجاه المحافظ المتشدد تجاه الأعراق غير المسلمة مثل: حظر (11) كتابًا يتناول الإسلام “بصورة غير صحيحة”، وكذلك الحكم بسجن سيدة من طائفة بيزار أعلنت ارتدادها، وأيضا قيام محامين مسلمين بالمطالبة بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فيما يتصل بالسلوكيات الشخصية لغير المتزوجين.
وفي المقابل، ولتهدئة الأوضاع المتوترة في الداخل الماليزي، أصدرت السلطات قرارًا بوجوب إخبار الشخص الذي يريد أن يتحول إلى الإسلام من الديانات الأخرى لعائلته، وذلك تجنبًا لتكرر واقعة شهيرة قامت فيها أحد العائلات بدعوى قضائية لإثبات هندوسية أحد الجنود الذين قالت السلطات إنه تحول إلى الإسلام، ومن ثم وجب دفنه بعد وفاته بحسب الشريعة الإسلامية[89]. إلا أنه من ناحية أخرى، منحت محكمة شرعية ماليزية الحق لمسلم بالارتداد لديانته الأصلية، في خطوة غير مسبوقة يمكن أن تساهم في تبديد مخاوف الأقلية الدينية بشأن حقوقهم الشرعية في ماليزيا.
وكانت البلاد قد شهدت مؤخرًا تزايدًا في الجدل بشأن التحول الديني بين الأقليات الدينية، والمتمثلة في البوذية والمسيحية والهندوسية، وذلك لأن المحاكم السابقة كانت تحكم بصورة دائمة ضد الأشخاص الذين يرغبون في التراجع عن الإسلام والعودة لدياناتهم الأصلية، غير أن المحكمة الشرعية في بينانغ منحت المدعوة “ستي فاطمة تان عبدالله” الحق بإعلان أنها غير مسلمة، وكانت ستي فاطمة قد اعتنقت الإسلام عام 1998 لأنها أرادت الزواج من مواطن إيراني، لكنها قالت إنها لم تمارس أيًا من الطقوس الإسلامية الأخرى.
كما طالب مجلس “بار ماليزيا” الذي يمثل نحو (12) ألف محامٍ بفرض غرامات على غير المسلمين الذين تتم إدانتهم بالخلوات (الخلوة غير الشرعية في الشريعة الإسلامية) أو الدعارة أو شرب الخمر[90]. كما يوجد بالبلاد شرطة إسلامية للتأكد من التزام المسلمين بالشريعة الإسلامية.
ومن جهة ثانية، أصدر مجلس إسلامي كبير في ماليزيا الدولة ذات الأغلبية المسلمة فتوى بتحريم ممارسة اليوجا لأنها تستخدم صلوات الهندوس، وهو ما يعكس اتجاهًا متناميًا نحو الإسلام المحافظ في ماليزيا؛ حيث تعيش أعراق متعددة، مما أثار مخاوف بين غير المسلمين فيها. ولا تعتبر الفتاوى ملزمة من الناحية القانونية لكنها تتمتع بنفوذ قوي في ماليزيا.
ولكن في المقابل، أسقطت الحكومة الماليزية في مايو اقتراحًا بحرمان النساء من السفر بمفردهن بعد رفض جماعات المرأة هذا الأمر[91]. ومن هنا نرى عملية الشد والجذب بين تيارين أولهما محافظ ومتشدد يتبنى تعريفًا ضيقًا للسلوك الأمثل للتعامل مع غير المسلمين، إلا أنه مازال هناك تيار ثانٍ أكثر ليبرالية يعبر عن الوسطية وفيها تزداد درجة التسامح وقبول معايير الاختلاف عن الآخر غير المسلم، وهو الاتجاه الذي مازال يسعى لصد التطرف في التعامل مع غير المسلمين.

ثالثًا- ملف المهاجرين:

وتعاني ماليزيا من إشكالية خاصة بها، ربما لا توجد في غالبية الدول الإسلامية وهي تزايد أعداد المهاجرين إليها من دول مجاورة، معظمهم يمثلون هجرة غير شرعية لها تداعياتها على أمن واقتصاد الدولة. وقد أثارت قضية التعامل الحكومي مع ملف المهاجرين حفيظة جماعات عديدة داخلية وخارجية. حيث طالب سياسيون في ماليزيا الحكومة بتكثيف جهودها لاحتجاز وترحيل المهاجرين الذين لا يحملون وثائق هجرة قانونية؛ وهو ما أثار انتقاد تحالف الدفاع عن حقوق المهاجرين الذي يتخذ من الولايات متحدة مقرًّا له، حيث تعتزم ماليزيا ترحيل عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين من الفلبين وإندونيسيا، ومن بينهم من بقي داخل البلاد لأكثر من عقد واستوطن بجزيرة بورنيو.
وتعرف السلطات الماليزية عادة بسوء معاملة المحتجزين، وتتضمن العقوبات الجلد بالسياط وفقًا لقوانين الهجرة، بالإضافة إلى عدم وجود اهتمام بصحة المحتجزين من النساء والأطفال والفئات الحرجة بشكل عام. وتسفر عملية الترحيل الجماعي في بعض الأحيان عن وفيات الأطفال في مراكز الاحتجاز بسبب أمراض وحالات جفاف، مثلما حدث عام 2002 في مراكز الاحتجاز في ولاية صباح. وتقدر السلطات وجود نحو 130 ألف مهاجر غير شرعي في ولاية صباح، لكن سياسيين بالولاية يقدرون أن العدد أكثر من هذا بكثير، بل إن عدد المهاجرين يفوق عدد الماليزيين في بعض الضواحي[92].
وكانت السلطات الماليزية قد رفضت استطلاع مؤسسة “وورلد ريفيوجى” لعام 2008 والذي يضعها ضمن الدول الأكثر انتهاكًا لحقوق اللاجئين في العالم. وجاء في التقرير أن ماليزيا أرسلت لاجئي ميانمار إلى تايلاند بشكل قسري؛ حيث تم بيع بعض منهم من أجل الخدمة البشرية في مجال الصيد للرجال والدعارة للنساء[93].

إندونيسيا والبحث عن توازنات في الداخل ومع الخارج

واجهت إندونيسيا تحديات داخلية وخارجية عدة ومتنوعة، اختارت لمواجهتها نهج الوسطية والسعي للتوائم مع مطالب الأطراف الفاعلة الرئيسية في الداخل والخارج.
ففي محيطها الإقليمي والدولي، اتجهت الدولة الإندونيسية إلى توسيع دورها الإقليمي من خلال طريقين: الأول مد جسور التعاون مع جميع الفاعلين الإقليميين والقوى الكبرى خارج الإقليم، والثاني الاستمرار في تحالفها مع الولايات المتحدة، ولكن بشكل لا يجعله عقبة في توسيع شبكة علاقاتها لتشمل حتى الدول المناوئة أو المنافسة للولايات المتحدة مثل الصين وروسيا والهند.
أما على مستوى الداخل، فلمواجهة تحديات كثيرة في أكثر من مجال، عملت أيضًا الحكومة الإندونيسية على رسم سياسات متوازنة لا تصطدم مع قوى الداخل المختلفة؛ مثل: الجماعات الإسلامية المتشددة أو الأقليات العرقية المتنوعة، وذلك من خلال القبول ببعض المطالب لكل فئة، والعمل على الحد من المثالب التي قد تفرزها هذه المطالب بالنسبة للفئات الأخرى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مكافحة الإرهاب بضرب الخلايا الإرهابية بقوة، ولكن بدون الانصياع الكامل للمطالب الأمريكية، خاصة إذا ما ارتبط الأمر بالانفصاليين؛ وبالمثل مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية والذي قبلت الدولة في إطاره تمرير بعض القوانين المتوائمة معه مثل مكافحة الإباحية (وبه تتواءم مع مطالب الإسلاميين)، وفي نفس الوقت تدعو لمراجعة تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض الأقاليم (لتخاطب القوى العلمانية أو الداعية للاعتدال).

أولًا- دبلوماسية نشطة ومساعٍ للتوازن:

رغم التداعيات الناجمة عن التهديدات الإرهابية والأزمات العالمية وخاصة الأزمة المالية الدولية، فقد نجحت إندونيسيا في تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وأمنيًّا خلال عام 2008. واتجهت إندونيسيا إلى تكثيف أنشطتها الدبلوماسية على أكثر من مستوى: الإقليمي والدولي، وذلك في مساعٍ واضحة لإضفاء قدر أكبر من التوازن على توجهاتها الخارجية. ففي مقابل استمرار تحالفها مع الولايات المتحدة الذي اتسق مع محاولات احتواء تصاعد النفوذ الصيني والهندي في منطقة جنوب شرق آسيا، فتحت إندونيسيا أبوابًا متعددة ومتنوعة للتعاون مع القطبين الإقليميين: الهند والصين خاصة على الصعيد الاقتصادي.
وهكذا مثّل عام 2008 فترة مثمرة استطاعت فيها إندونيسيا تقديم نفسها بوصفها قوة إقليمية رئيسة، وعملت فيها على توسيع شبكة علاقاتها وإضفاء مزيد من التوازن على تحالفاتها. وهو التطور الذي سيتضح بالنظر إلى الاتفاقيات المبرمة والتحركات الكثيرة التي خلفتها الدبلوماسية الإندونيسية طوال العام.
ورأى محللون سياسيون إندونيسيون أن بلادهم نجحت في تعزيز مكانتها السياسية عن طريق مساهمتها النشطة في تسوية المنازعات الآسيوية ودعم السلام والأمن على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. واعتبر وزير الخارجية الإندونيسي حسن ويرايودا[94] أن بلاده ساهمت بدور نشط في تعزيز التعاون الإقليمي بين دول رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان” عام 2008 من خلال إقرارها لميثاق الآسيان واستضافتها لاجتماع وزراء خارجية دول الرابطة في منتصف ديسمبر الماضي لإعلان بدء سريان الميثاق والذي يستهدف تدعيم الاندماج السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي بين تلك الدول. وأضاف أن إندونيسيا حرصت أيضًا على تدعيم التحولات الديمقراطية في آسيا عام 2008 عن طريق استضافتها لمنتدى الديمقراطية الذي عقد بجزيرة بالي الإندونيسية في نفس الشهر بمشاركة وزراء خارجية وممثلي (33) دولة آسيوية وأوروبية[95].
وقال الوزير الإندونيسي إن المصالحة التاريخية بين بلاده وتيمور الشرقية تعد أحد الإنجازات السياسية التي تحققت بإندونيسيا خلال العام المنصرم، مضيفًا أن الدولتين رفضتا مطالب الأمم المتحدة بشأن تشكيل محكمة دولية لمعاقبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في تيمور الشرقية عقب الاستفتاء الذي تم تحت إشراف الأمم المتحدة عام 1999 وجاءت نتيجته مؤيدة لانفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا.
ومن ناحية أخرى، حرصت إندونيسيا على تعزيز علاقاتها مع دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا عام 2008. وتجلى ذلك في الجولة التي قام بها الرئيس يودويونو في منتصف مارس 2008 وشملت إيران والإمارات والسنغال وجنوب أفريقيا.
ومن جانبه قال مدير إدارة الشرق الأوسط بالخارجية الإندونيسية شادرا سالم أن بلاده حرصت على توفير الدعم السياسي لنضال الشعب الفلسطيني من خلال تبنيها لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تدعو إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وتجميد بناء المستوطنات، كما استضافت مؤتمرات إقليمية ودولية لدعم الفلسطينيين سياسيًّا واقتصاديًّا؛ ومن بينها المؤتمر الوزاري لدول آسيا وأفريقيا بشأن دعم القدرات الفلسطينية في يوليو 2008، حيث اتفق المجتمعون على تقديم مساعدات للسلطة الفلسطينية في إطار جهود إقامة الدولة الفلسطينية، وكذلك مؤتمر عن حق العودة للفلسطينيين، وآخر للمنظمات غير الحكومية المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني لتوفير الدعم الاقتصادي للفلسطينيين.
كما شهد عام 2008 تقاربًا في العلاقات السياسية بين إندونيسيا وكل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية. كما شهد العام نفسه تدعيمًا لعلاقات جاكرتا وطوكيو وبكين في مجالات متنوعة أهمها الاقتصاد.
ففي المجال العسكري نجحت إندونيسيا في الحفاظ على علاقات دفاعية متوازنة بين القوى الكبرى في العالم وبخاصة الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والهند. وفي هذا الصدد قال أمين عام وزارة الدفاع الإندونيسية صافرى شمس الدين أن بلاده تنفذ حاليًا خطة لتقليل نسبة الاعتماد على أنظمة التسليح الأمريكية من 65% حاليًا إلى 50% لتجنب الضغوط الأمريكية، وأبرمت صفقات لشراء أسلحة روسية كما اتفقت بلاده والصين على تكثيف التعاون الدفاعي في إطار اتفاق الشراكة الاستراتيجية الذي وقّعه الرئيس الإندونيسي ونظيره الصيني في جاكرتا عام 2005[96].
ويوضح مسئولون إندونيسيون أن الإصلاحات العسكرية التي تنفذها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات والتحولات الديمقراطية التي شهدتها ساهمت في تعزيز التقارب السياسي والدفاعي مع الولايات المتحدة. كما أوفت إندونيسيا بالشروط التي وضعتها الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات السياسية وإسقاط الحظر العسكري المفروض عليها منذ عام 1999 والتي تضمنت التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في تيمور الشرقية عام 1999، وتقديم قتلة اثنين من المدرسين الأمريكيين في بابوا عام 2002 إلى المحاكمة.
إلا أن تلك الرغبة الإندونيسية في تدعيم العلاقات الأمريكية كانت ولازالت تتسم بالتوازن بما يتفق مع التوجه الاستراتيجي للبلاد، بحيث إن الجهود الإندونيسية الساعية لدعم العلاقات الثنائية بين واشنطن وجاكرتا تشترط عدم التدخل في الشئون الداخلية لإندونيسيا وكذلك لا تعيق حرية السلطات في دعم علاقاتها بدول طالما عُدت أندادًا لواشنطن مثل روسيا وماليزيا. ومن ثم فإنه يمكن القول إن التحالف الإندونيسي الأمريكي مقتصر على قضايا بعينها.
ويمكن الاستدلال على ذلك باستحضار واقعة أخيرة أحدثت غضبًا شعبيًّا داخل الأوساط الإندونيسية. فقد بعث أعضاء بالكونجرس الأمريكي برسالة إلى الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو تطالب بضرورة إطلاق سراح انفصاليين منتمين إلى “حركة بابوا الحرة” والتي تسعى إلى فصل جزيرة بابوا عن إندونيسيا، وفي المقابل طالبت السلطات الإندونيسية أعضاء الكونجرس باحترام سيادة القضاء الإندونيسي.
وقال وزير الخارجية الإندونيسي حسن ويرايودا أن ردَّ بلاده سيتضمن الأسس التي ترتكز عليها حقوق الإنسان بالبلاد، والإجراءات التي اتخذتها حكومته لتأكيد احترامها لحقوق الإنسان، وتسوية ملفات انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت خلال العقود الماضية. وأشار الوزير في تصريحات صحفية جاءت عقب اندلاع مظاهرات واسعة أمام مقر السفارة الأمريكية بجاكرتا، إلى أن الانفصاليين فيليب كارما ويوساك باكادج اللذين طالب أعضاء الكونجرس بإطلاق سراحهما فورًا وبدون أي شروط هدّدا وحدة كيان البلاد، وغذيّا حالة من عدم الاستقرار بجزيرة بابوا التي ضمتها إندونيسيا إليها رسميًّا عقب الاستفتاء الذي أُجري بالجزيرة عام 1969، مشددًا على أن بلاده لن تتهاون مع الانفصاليين وما يهدد وحدتها واستقرارها، ولن تخضع للإملاءات الأمريكية.
وعلى صعيد التوتر في علاقات واشنطن وجاكرتا، فإن مسئولين يدلون بتصريحات تدين الإدارة الأمريكية بين الحين والآخر بشكل مباشر وغير مباشر، مثل الوزير المنسق للشئون السياسية والقانونية والأمنية ويدرو سوتشيبتو الذي صرح بأن سياسات الدول الكبرى تسهم في تغذية التطرف في مناطق عديدة من العالم، مشددًا على أن الجماعات المتطرفة نجحت في تجنيد المزيد من العملاء عن طريق استغلال قضيتي الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان والاعتداءات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.
كما أعلن هاشم موازى رئيس منظمة نهضة العلماء الإندونيسية، وهي أكبر منظمة إسلامية في البلاد وتضم في عضويتها أكثر من مليون شخص، أن الهجمات الإرهابية التي شهدتها بلاده كانت نتيجة للصراع في منطقة الشرق الأوسط، داعيًا المجتمع الدولي للعمل من أجل احتواء التطرف في العالم.
ومن ناحية أخرى، اعتبر محللون سياسيون واقتصاديون إندونيسيون أن إيداع إندونيسيا لموافقتها الرسمية على ميثاق رابطة جنوب شرق آسيا “الآسيان” بسكرتارية الرابطة التي تتخذ من جاكرتا مقرًا لها، يعكس حرص تلك الدولة على تدعيم المشاركة الاستراتيجية بين الدول الأعضاء بالرابطة لمواجهة السطوة المتزايدة للصين والهند سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا على الساحة الآسيوية. وحظي إقرار ميثاق الآسيان بدعم غربي لاسيما من الولايات المتحدة التي عينت أول سفير لها بالرابطة وقدمت مساعدات مالية لدعم الاندماج السياسي والاقتصادي بين دول الرابطة من أجل مواجهة النفوذ المتنامي للصين والهند بالقارة الآسيوية وحماية الممرات الملاحية الحيوية، وخاصة مضيق ملقا الذي تنتقل من خلاله أكثر من 25% من حركة التجارة الدولية، كما يمر من خلاله الأسطول الأمريكي في مهامه ضد الإرهاب والقرصنة.
ومن جهته قال رئيس لجنة الشئون الخارجية والدفاعية والأمنية بمجلس النواب الإندونيسي ثيو سامبوراجا إن وزراء الدفاع ورؤساء أركان القوات المسلحة بدول الآسيان اتفقوا على التنسيق المشترك في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالشئون الدفاعية والأمنية بدول الرابطة. وترغب إندونيسيا في ذلك من أجل ضمان استقرار منطقة آسيا والمحيط الهادئ ومواجهة التداعيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية ومكافحة الإرهاب[97].
وعلى صعيد متصل فقد مهدت الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين إلى إندونيسيا في سبتمبر 2008، الطريق أمام تدشين المشاركة الاستراتيجية بين البلدين. حيث وقّعت جاكرتا و موسكو ثماني مذكرات تفاهم مشتركة لتدعيم التعاون في المجالات الاقتصادية والدفاعية والسياحية وغيرها على هامش تلك الزيارة.
وجاءت الزيارات المتبادلة بين مسئولين إندونيسيين ومن بلدان آسيا الوسطى لتدعيم تعاون ثنائي بين جاكرتا وكل من تلك الدول. حيث تسعى إندونيسيا حاليًا إلى تدعيم التعاون بين دول آسيا الوسطى الثلاث (أذربيجان وكازاخستان وأوزباكستان) في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية والسياحية. وقال مسئول بوزارة الخارجية الإندونيسية إن زعماء الدول الثلاث أبدوا -خلال الجولة التي قام بها وزير الخارجية الإندونيسي حسن ويرايودا إلى أذربيجان وكازاخستان وأوزباكستان في يوليو الماضي- رغبة في تدعيم علاقات التعاون في كافة المجالات.
كما أعلن مسئولون عن اتفاق إندونيسيا وإيران على تدعيم التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية، موضحًا أن تعزيز التعاون سوف ينعكس بشكل إيجابي على مصالح البلدين. وكانت جاكرتا وطهران قد وقعتا عددًا من اتفاقيات التعاون المشتركة خلال زيارة الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو إلى طهران في مارس 2008، من بينها اتفاقية لإنشاء مصفاة لتكرير النفط بإقليم بانتن الإندونيسي بإجمالي قيمة تصل إلى ستة مليارات دولار. وكانت إندونيسيا هي الدولة الوحيدة بمجلس الأمن الدولي التي امتنعت عن التصويت في قرار تشديد العقوبات الدولية على إيران في بداية نفس الشهر بسبب رفض طهران وقف تخصيب اليورانيوم.
وعلى نفس الصعيد، جاء إعلان حكومتي إندونيسيا واليابان بشأن قرب تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقّع بين البلدين بجاكرتا في 20 أغسطس 2008 ليؤكد حرص البلدين على إعادة التوازن المفقود بالقارة الأسيوية والناجم عن تنامي السطوة المتزايدة للصين والهند. وأوضح محللون إندونيسيون أن اتفاق الشراكة بين جاكرتا و طوكيو سوف يدعم الدور الذي تلعبه إندونيسيا في منطقة جنوب شرق آسيا سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وعسكريًّا، مشددين على أن التقارب الاستراتيجي بين الدولتين سوف يعزز المساعي الإندونيسية الرامية إلى لعب الدور الرئيسي في تسوية المنازعات الإقليمية مثل أزمات ميانمار والكوريتين والتمرد الإسلامي بجنوب تايلاند والخلاف النووي بين إيران والغرب.
كما عززت المحادثات التي أجراها وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت –الذي يعد أول وزير خارجية سويدي يزور البلاد– مع الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو وكبار المسئولين بجاكرتا خلال أبريل 2008، التقارب الاستراتيجي بين البلدين وأنهت مرحلة العداء التي بلغت قمتها عام 2002 عندما رفضت السويد تسليم قادة متمردي حركة أتشيه الحرة المقيمين على أراضيها إلى إندونيسيا، والتي في المقابل سحبت سفيرها من ستوكهولم وقلصت تمثيلها الدبلوماسي.
هذا كله، بالإضافة إلى اتفاقات منفصلة مع كل من كوريا الجنوبية وكوبا وماليزيا على تدعيم المشاركة الاستراتيجية ودعم علاقات التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية.
أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، فإنه رغم التحسن الملحوظ الذي شهدته العلاقات الإندونيسية الأوروبية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، جاء قرار الاتحاد الأوروبي الصادر في أواخر يوليو 2008 بشأن تجديد الحظر المفروض على الرحلات الجوية لشركات الطيران الإندونيسية (51 شركة) إلى العواصم الأوروبية منذ السادس من يوليو عام 2007 بزعم افتقادها للاشتراطات الدولية للسلامة الجوية، ليلقي ظلالًا من الشكوك حول مضي الجانبين في تسريع خطوات الشراكة الاستراتيجية. وقال محللون سياسيون إندونيسيون إن تجديد الحظر سينعكس بشكل سلبي على تلك الشراكة، مشيرين إلى احتمال وجود دوافع سياسية وراء القرار.
وقال أمين عام وزارة الخارجية الإندونيسية عمران كوتان أن حظر الطيران يعد العائق الوحيد أمام تدعيم علاقات الجانبين مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد أحد أكبر شركاء إندونيسيا التجاريين. ومن جانبه قال خبير شئون الطيران الإندونيسي وارويك برادى إن شركات أوروبية عديدة استفادت من قرار الحظر، منوهًا أن الشركات الأوروبية زادت رحلاتها الجوية إلى إندونيسيا من أجل نقل السائحين الأوروبيين إليها، والذين يبلغ عددهم سنويًّا نحو 700 ألف شخص.

ثانيًّا- النظام السياسي وتحديات الداخل

كشفت دعوات الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو للأحزاب السياسية وكافة القوى الوطنية إلى نبذ التشاحن وتدعيم التشاور المستمر بشأن كيفية مواجهة التحديات بكافة أشكالها، النقاب عن العقبات التي تجابه مساعي إندونيسيا الرامية إلى حماية كيانها الموحد في ضوء التوقعات بشأن تصاعد التوتر السياسي خلال الأشهر القادمة مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات العامة في أبريل 2009 والرئاسية في يوليو 2009 وتنامي نفوذ الجماعات المتشددة.
ويرى محللون سياسيون في إندونيسيا أن مكافحة الإرهاب هي التحدي الأول الذي يواجه البلاد، مشيرين إلى أن وجود عدد من الإرهابيين الهاربين على الأراضي الإندونيسية -من بينهم الإرهابي الماليزي نور الدين توب- إضافة إلى الخلايا الإرهابية النائمة يؤكد أن خطر الإرهاب مازال قائمًا رغم الضربات المؤلمة التي وجهتها أجهزة الأمن إلى الجماعات الإرهابية. وقال رئيس مكتب مكافحة الإرهاب الجنرال انشاد مباى إن إندونيسيا نجحت في تقليص نفوذ الجماعات الإرهابية، لكنها لم تقضِ على الإرهاب نهائيًّا.
ويشكل حماية الحدود والجزر المنعزلة الإندونيسية المتاخمة لحدود الدول الأخرى التحدي الثاني الذي يجابه جهود الحكومة الرامية إلى حماية كيانها الموحد في ضوء محدودية الميزانية العسكرية الإندونيسية التي بلغت العام الحالي 3,8 مليارات دولار، وتنامي القوة العسكرية للدول المجاورة مثل ماليزيا وسنغافورة[98].
واعتبر المحللون أن التحدي الثالث الذي يواجه البلاد يتمثل في مواجهة الحركات الانفصالية في إطار مساعيها لحماية كيانها الموحد في ظل الجهود التي تبذلها بعض الأطراف الخارجية لتدويل أزمة الحركات الانفصالية في عدد من الأقاليم الإندونيسية مثل بابوا التي ضمتها إندونيسيا رسميًّا عام 1969. وفي هذا الصدد قال الوزير الإندونيسي المنسق للشئون السياسية والأمنية والقانونية ويدودو سوتشيبو إن حكومته حريصة على تسوية كافة النزاعات الداخلية سلميًّا من أجل الحفاظ على وحدة الكيان وإنهاء أعمال العنف وإقناع الانفصاليين بنبذ أفكارهم المناهضة للوحدة الإندونيسية.
ففي ظل تصاعد التوتر بين كافة الجماعات العرقية والدينية بإندونيسيا، كشف استطلاع للرأي أن 66 % من المواطنين قلقون من احتمال تفتت بلادهم في المستقبل رغم مرور نحو (63) عامًا على إنشائها. وأفاد الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة روى مورجان انترناشيونال للأبحاث بجاكرتا أن 55% من الإندونيسيين أبدوا تخوفًا من احتمال تصاعد التوتر بين كافة الجماعات العرقية والدينية بإندونيسيا، فيما أبدى 52% خشيتهم من انهيار القانون والنظام والانسجام الاجتماعي بإندونيسيا. وتوقع 51% من المواطنين احتمال تعرض بلادهم لهجمات إرهابية في المستقبل. وقال الاستطلاع إن التطورات التي حدثت خلال السنوات الماضية، ومن بينها انفصال تيمور الشرقية عام 1999 وتنامي الحركات الانفصالية والضغوط التي تمارسها الدول الكبرى عكست هشاشة الوحدة الإندونيسية. وقال محللون أن مساعي عدد من الدول للتدخل في الشئون الإندونيسية قد تسببت في تصاعد وتغذية التوتر بين كافة الجماعات العرقية المختلفة داخل إندونيسيا وهو ما سينعكس سلبًا على الوحدة الإندونيسية[99].
ويشكل إجراء الانتخابات المحلية والعامة والرئاسية خلال 2009 التحدي الرابع الذي يواجه البلاد للحفاظ على كيانها الموحد. وفي هذا السياق قال مدير مكتب منظمة العمل الدولية بجاكرتا آلان بولتون إن قضيتي البطالة والفقر تحولتا إلى سلع سياسية من جانب الأحزاب الإندونيسية التي سوف تخوض الانتخابات. وأشار إلى أن 50% من إجمالي عدد العاملين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة؛ لأنهم لا يحصلون على أجور كافية لتلبية احتياجاتهم المعيشية. مشيرًا إلى أن إندونيسيا تحتاج إلى استثمارات سنوية بقيمة (22) مليار دولار لزيادة معدلات النمو الاقتصادي وتخفيض معدل الفقر إلى 5.5% خلال 2009.
وتعد مواجهة التغييرات المناخية التحدي الخامس الذي يواجه جهود البلاد الرامية إلى حماية كيانها الموحد في ضوء التوقعات المتعلقة بغرق نحو 2000 جزيرة بحلول عام 2030 نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري والتي قد تتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحر وحدوث موجات من الجفاف والفيضانات في عدد كبير من الأقاليم الإندونيسية[100].
وواجه النظام الحاكم تحديات خطيرة أيضًا على الصعيد الاقتصادي، من أهمها مشاكل مثل التضخم والبطالة. وقد تظاهر آلاف الإندونيسيين في عدد من المدن الكبرى احتجاجًا على خطة الحكومة بشأن أسعار النفط بالسوق المحلية. ودعا البنك الدولي الحكومة الإندونيسية مؤخرًا إلى إلغاء دعم الطاقة وإعادة توجيهه لتعزيز التعليم وتمويل المشروعات الخاصة بالبنية التحتية، موضحًا أن الأغنياء يستفيدون من الدعم بدرجة أكبر من الفقراء. وشهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعًا حادًا خلال الأشهر الماضية في كثير من البلدان الإسلامية ومنها إندونيسيا.
ومن ناحية أخرى، أكدت وزيرة المالية الإندونيسية “سرى موليانى اندرواتى” أن الأزمة المالية العالمية الناجمة عن الركود الاقتصادي بالولايات المتحدة سوف تؤثر سلبًا على الاقتصاد الإندونيسي خلال النصف الأول من 2009، وأن آلاف العاملين سوف يفقدون وظائفهم نتيجة التداعيات الناجمة عن هذه الأزمة[101]. وقد أثارت الأزمة المالية مخاوف واسعة النطاق لدى دوائر صناعة القرار السياسي والعسكري بإندونيسيا بشأن احتمال تأثر الخطط الرامية إلى حماية الكيان الإندونيسي وتطوير القدرات الدفاعية للبلاد بالتداعيات الناجمة عن تلك الأزمة[102].
وعلى الصعيد السياسي للأزمة، فرغم حالة الاستقرار الأمني التي تشهدها البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، اجتاحت حالة من القلق أوساط دوائر صناعة القرار السياسي والأمني بتلك الدولة بشأن احتمال تصاعد التوتر السياسي وأعمال العنف والإرهاب عام 2009 نتيجة الانتخابات العامة والرئاسية والتداعيات الناجمة عن الأزمة المالية. وأوضح محللون أن الأزمة المالية ستؤثر أيضًا على حالة الاستقرار بإندونيسيا نتيجة التوقعات المتعلقة باستغناء الشركات بشكل جماعي عن مئات الآلاف من العاملين الإندونيسيين وهو ما سيفاقم مشكلة البطالة وسيتسبب بحدوث تداعيات اجتماعية وأمنية خطيرة بإندونيسيا. وفي السياق ذاته حذّر المحللون من أن فقدان الثقة بين السياسيين والناخبين وسعي عدد كبير من المرشحين إلى شراء الأصوات خلال الانتخابات العامة القادمة سيؤججان التوتر السياسي على الساحة خلال 2009[103].
ومن القضايا التي أثارت جدلًا داخليًّا كبيرًا قبول المحكمة الفيدرالية الأمريكية الدعوى التي رفعها (11) شخصًا من إقليم آتشيه (الذي قتل فيه نحو 15 ألف شخص في المواجهات المسلحة التي اندلعت بين الجيش الإندونيسي والمتمردين خلال العقود الثلاثة الماضية) ضد شركة أكسون موبيل الأمريكية بزعم تعرضهم للتعذيب على يد قوات الجيش الإندونيسي داخل مبانٍ تابعة للشركة في الإقليم. وقد أفرزت هذه المسألة ردود أفعال متباينة داخل المؤسسة العسكرية ومنظمات حقوق الإنسان الإندونيسية.
ومن جهته نفى القائد العام للقوات المسلحة الإندونيسية الجنرال جوكو سانتوسو حصول العسكريين الإندونيسيين على أموال من الشركات الأجنبية، مضيفًا أن الحكومة وقيادة القوات المسلحة حريصتان على مواصلة الإصلاحات العسكرية التي بدأت منذ أكثر من عشر سنوات. ويؤكد محللون أن الحكومة ينبغي عليها تدعيم سيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، منوهين بأن نظام القيادات العسكرية الإقليمية بالمدن والقرى الإندونيسية يعوق سيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية والإصلاحات داخل الجيش[104].
وفي قضية أخرى أثارت جدلًا عارمًا في الشارع الإندونيسي، جاء تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق منفذي اعتداءات بالي التي قتل خلالها 202 شخص بينهم (88) أستراليًّا في أكتوبر عام 2002. وجاءت حالة الاستنفار الأمني التي أعلنتها السلطات في كافة أقاليم البلاد لتعكس حالة من الهلع اجتاحت الأوساط الشعبية والرسمية بإندونيسيا من احتمال حدوث هجمات انتقامية ردًا على تنفيذ أحكام الإعدام. وكانت السلطات قد تلقت تهديدات بتفجير سفارتي الولايات المتحدة وأستراليا عقب تنفيذ الأحكام، وكذلك تهديدات على شبكة الإنترنت بتصفية الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو وعدد من كبار مسئوليه بينهم نائبه يوسف كالا والمدعي العام الإندونيسي هيندر مان سوبانجي ووزير العدل أندى ماتالاتا.
ونظمت جماعات متشددة مظاهرات في عدد من المدن للتنديد بعزم الحكومة على إعدام منفذي هجمات بالي، والذين لم يُبدوا ندمهم على قيامهم بالتفجيرات، مهددين بالانتقام من السلطات الإندونيسية عقب إعدامهم. وعقب تنفيذ الأحكام، اندلعت اشتباكات بين قوات الشرطة والآلاف من المتعاطفين مع المتهمين خلال مراسم تشييع جثامينهم بجزيرة جاوة بوسط إندونيسيا، وهو ما أسفر عن إصابة عدد من أفراد الشرطة[105].
واعتبر محللون أن التعاطي الخاطئ للحكومة الإندونيسية تجاه القضية والتغطية الإعلامية المبالغ فيها لتلك القضية قد عززت التعاطف الشعبي تجاه المتهمين. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن المحلل السياسي فخري علي أن تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق المتهمين لفترة زمنية طويلة قد فتح المجال أمام وسائل الإعلام إلى التركيز على شجاعة المتهمين وعزيمتهم القوية وعدم مبالاتهم بالإعدام. وأشار المحلل السياسي إلى أن المتهمين الثلاثة أجروا لقاءات مع عدد كبير من الصحف وقنوات التليفزيون قبل أيام من إعدامهم مؤكدين على “استعدادهم للموت كشهداء من أجل قضية الجهاد”. وقال إن تأجيل تنفيذ الأحكام فاقم كذلك من معاناة عائلات ضحايا التفجيرات وعزز من سطوة الجماعات المتشددة[106].
وفي المقابل، اعتبر رئيس مكتب مكافحة الإرهاب الإندونيسي الجنرال انشاد مباى أن البلاد نجحت في تأكيد مصداقيتها الأمنية والقانونية عن طريق تنفيذ أحكام الإعدام، ونجحت في الوقت نفسه في تدعيم استقرار جبهتها الداخلية حيث لم تقع أي هجمات إرهابية خلال العام المنصرم 2008[107]. ويتضح من تداعيات هذه القضية أن إشكالية عدم التمييز الواضح والمقبول بين الجهاد والإرهاب ما زالت قائمة وتفرض نفسها بقوة على الساحة الإندونيسية أكثر من غيرها. الإجابة عن أسئلة محورية ورئيسية مثل: من المستهدف وكيف يستهدف ولأي هدف مازالت غير متفق عليها، وتثير الخلافات أكثر مما تخلق رؤية واضحة مقبولة في عمومها وتسمح بالاختلاف في الفروع ولكنها تعضد من جامعية الأمة.
ومن ناحية أخرى، تمكنت الاستراتيجية الأمنية التي اتبعتها السلطات في إندونيسيا خلال الأعوام الخمسة الماضية والتي ارتكزت على تدعيم التعاون الدولي لمحاصرة الشبكات الإرهابية وتفعيل أجهزتها الأمنية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول الأخرى، من تقليص التهديدات الإرهابية بالبلاد. واعتبر مسئولو الأجهزة الخاصة بمكافحة الإرهاب أن تحسن الأوضاع الأمنية دفع الولايات المتحدة إلى إسقاط التحذير الذي أصدرته للرعايا بشأن تجنب السفر لإندونيسيا بسبب تزامن احتمالات استهدافهم من جانب الجماعات الإرهابية.
وكان اعتقال سلطات الأمن الإندونيسية لخلية إرهابية بجزيرة سومطرة غرب البلاد ومصادرة كميات كبيرة من المتفجرات ذات القدرة التدميرية العالية قد أثار مخاوف واسعة النطاق داخل الأوساط الرسمية والشعبية بإندونيسيا بشأن احتمال عودة شبح التفجيرات الإرهابية إلى البلاد والتي لم تشهد أيًّا منها خلال الأعوام الثلاثة الماضية. واعتبر محللون سياسيون وأمنيون أن اعتقال الخلية الإرهابية التي ينتمي أعضاؤها إلى تنظيم الجماعة الإسلامية “الذراع العسكري لشبكة القاعدة في منطقة جنوب شرق آسيا”، يؤكد الخطر الذي يشكله ذلك التنظيم رغم تراجع قوته نتيجة الضربات الأمنية التي تعرض لها على يد قوات مكافحة الإرهاب الإندونيسية والتي تضمنت اعتقال زعيم التنظيم زركاشى وقائد جناحه العسكري أبو دجانة، وقد حكم عليهما بالسجن مدى الحياة.
ومن هنا، يمكن الحديث عن نجاح أمني في مواجهة الإرهاب، إلا أن المواجهة الفكرية والعقائدية له مازالت تواجه مصاعب جمة، وهو الأمر الذي يجعل من جهود مكافحة الإرهاب جهودًا غير مكتملة وغير فعالة خاصة على المدى البعيد.
وفي سياق الحديث عن دور وتأثير التيارات الإسلامية المتشددة في الحياة العامة الإندونيسية، برز تحدى مهم طابعه ثقافي في المقام الأول، وهو الشدّ والجذب بين القراءة المحافظة للإسلام وبين التفسير الليبرالي لهذا الدين، امتد هذا السجال ليشمل الجدلية المعروفة في غالبية الدول الإسلامية؛ وهي الجدلية ما بين العلماني والإسلامي والتي محور الخلاف بينهما تطبيق الشريعة الإسلامية.
فمن جانبهم انتقد محللون سياسيون تراجع الحريات الدينية ببلادهم، مشددين على ضرورة تدعيم قيم الاعتدال والتسامح لمواجهة الجماعات المتطرفة التي تنتهك حقوق الأقليات الدينية الأخرى بالبلاد. وقال مدير مركز الدراسات الدينية والحضارية الإندونيسي برامونو تانتوى إن الموقف الذي اتخذته السلطات تجاه الجماعات المتطرفة التي تصر على تطبيق القانون بيدها، شجع الأخيرة على مواصلة اعتداءاتها على الأقليات الدينية خلال العام المنصرم[108].
وفي جزر مالوكو شرق إندونيسيا اندلعت أعمال عنف ديني وطائفي أسفرت عن إصابة ستة أشخاص وإحراق أكثر من (60) مبنى وكنيستين، ما اضطر السلطات إلى نشر المئات من الجنود لاحتواء ذلك. وتشتهر جزر مالوكو بكونها ساحة للعنف الديني والطائفي الذي أودى بحياة أكثر من سبعة آلاف شخص وتشريد نحو (50) ألف آخرين خلال الفترة بين عامي 1999 و2002. وقالت الشرطة إن أعمال العنف اندلعت عقب إساءة أحد المدرسين للإسلام[109].
وفي المقابل أعلن رئيس مجلس النواب الإقليمي الإندونيسي جيندار كارتاساسميتا أن بلاده سوف تراجع كافة القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية والتي أقرتها بعض الأقاليم الإندونيسية لتحديد مدى اتساقها مع الدستور الإندونيسي الذي ينص على أن نظام الدولة هو “العلمانية”[110]. وكان البرلمان الأوروبي قد حذر الحكومة الإندونيسية مؤخرًا من احتمال تأثر علاقاتها بالدول الأخرى حال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في كامل إقليمها. وقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة روي مورجان للأبحاث الدولية بإندونيسيا في الفترة من يوليو 2007 وحتى مايو 2008 أن 52% من المواطنين في إندونيسيا أيدوا تطبيق القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية.
وتطبق بعض المناطق المحلية في جزيرة جاوة بوسط إندونيسيا وجزيرة سومطرة بغرب البلاد بعض أحكام الشريعة الإسلامية مثل حظر تداول الكحوليات ومنع سير النساء بمفردهن ليلًا. ورفضت الحكومات الإندونيسية التي تولت الحكم منذ استقلال البلاد عن الاستعمار الهولندي في عام 1945 تطبيق الشريعة الإسلامية بسبب تعدد الأجناس والديانات، إلا أنه في المقابل تنظم العديد من الجماعات الإسلامية المتشددة مثل “جبهة المدافعين عن الإسلام” و”حزب التحرير الإسلامي” العديد من المظاهرات في ذلك البلد (الذي يعد أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان) للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.
وفرضت الحكومة الإندونيسية قيودًا على فرقة دينية تشكل أقلية منشقة عن الإسلام ومتهمة بـ”الهرطقة” وسط أجواء من التوترات الشديدة بين مدافعين عن حرية المعتقد وبين إسلاميين متشددين. ويحظر القرار الذي أصدرته وزارة الداخلية والشئون الدينية خصوصًا على أتباع فرقة الأحمدية “بث” أفكارهم الدينية، لكنه لم يقضِ بحل الفرقة كليًّا كما يطالب الإسلاميون. وكان الآلاف من الأصوليين المسلمين تظاهروا في جاكرتا للمطالبة بحل الأحمدية التي تأسست في الهند في أواخر القرن التاسع عشر وتضم مائتي ألف عضو في البلاد وتؤكد أنها تضم ملايين الأتباع في العالم.
ويرى مسلم عبد الرحمن -وهو خبير في شئون الإسلام- أن القرار “سيسيء إلى صورة إندونيسيا كأكبر ديمقراطية مسلمة في العالم”. وكانت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب قد دعت الحكومة الإندونيسية إلى إسقاط خطتها بشأن حظر جماعة “الأحمدية” لتفادي تصاعد العنف الديني من جانب الجماعات المتشددة. وقال مدير منظمة مراقبة حقوق الإنسان الإندونيسية بونجكى انداراتى أن اللجنة أبدت قلقًا بالغًا بشأن تصاعد العنف ضد الأقليات الدينية بإندونيسيا منوهًا بأن أعمال العنف التي ترتكبها الجماعات المتشددة تقوِّض الحريات الدينية بالبلاد. وهدد نحو 150 ألف شخص من أعضاء جماعة الأحمدية مؤخرًا باللجوء بشكل جماعي إلى دول أخرى حال إحجام الحكومة الإندونيسية عن توفير الحماية لهم في مواجهة هجمات الجماعات الإسلامية المتشددة[111].
وفي قضية أثارت جدلًا واسعًا، وقَّع الرئيس الإندونيسي قانون مكافحة الإباحية الذي أقره مجلس النواب في نهاية أكتوبر 2008، رغم احتجاجات عشرات الملايين من الإندونيسيين الذين حثوا الرئيس على تجنب توقيع ذلك القانون الذي تدعمه الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية. وكانت الحكومة المحلية في جزيرة بالي هددت -وعدد كبير من سكانها- بتنفيذ حملة عصيان مدني للاحتجاج على إقرار القانون، بينما أعلنت جماعات حقوقية ودينية بالجزيرة عزمها رفع دعاوى قضائية أمام المحكمة الدستورية الإندونيسية لوقف تنفيذ القانون بزعم تعارضه مع الدستور الإندونيسي[112].

آسيا الوسطى بين استبداد الداخل وهيمنة الخارج

تبلغ مساحة جمهوريات آسيا الوسطى الخمس (أوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وكازاخستان، وقيرغيزيا) مجتمعة أكثر من أربعة ملايين كيلو متر مربع، ويتجاوز عدد سكانها الستين مليونًا، وتتمتع بموقع (جيوبوليتكي) فائق الأهمية، فهي تحاذي الصين وروسيا وإيران وتركيا، وقريبة من الهند؛ ولذلك لعبت قديمًا دورًا مهمًا في الاقتصاد العالمي بسبب طريق الحرير الذي يمر بها وكان يشكل عنوانًا لفعالية التجارة العالمية[113]. وأكثرية سكان هذه الجمهوريات من المسلمين، وكانت طوال العصر الوسيط شريكًا للعرب في بناء الإمبراطورية العربية الإسلامية والحفاظ عليها، والمساهمة في الإنتاج الثقافي العربي.
أظهرت أحداث عديدة شهدتها دول آسيا الوسطى خلال العام المنصرم (2008) ترابط ملفات داخلية بأخرى خارجية لا يمكن الفصل بينها، كما مثلت الجمهوريات السوفيتية السابقة ساحات لاستعراض النفوذ وبسطه بالنسبة للقوى الكبرى، ومرآة عاكسة لأولويات تلك القوى في تلك المنطقة الاستراتيجية بالغة الأهمية على المستوى الدولي. وفي هذا السياق، تداخلت ملفات الطاقة والعلاقات مع القوى الكبرى مع ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما يتضمنه عامة التطور السياسي الداخلي في تلك البلاد.
وبصفة عامة، فقد أثبتت عدة أحداث شهدها العام المنصرم (2008) تنامي النفوذ الروسي في منطقة آسيا الوسطى فيما يمثل تحديًا مزدوجًا للإدارة الأمريكية التي تسعى إلى الحفاظ على مصالحها في تلك المنطقة الاستراتيجية من ناحية، وتخشى من تنامي النفوذ الروسي -وريث العدو السوفيتي السابق- على الساحة الدولية من ناحية أخرى.

أولًا- النظم السياسية: سلطوية عتيدة ومعارضة وليدة

ما زالت عملية التطور الديمقراطي في دول آسيا الوسطى متعثرة بسبب العديد من العقبات، يأتي على رأسها تحديان جوهريان؛ أولهما التدخلات الخارجية التي تدفع في اتجاه مساندة النظم السلطوية طالما تتوافق مع مصالح الدولة الكبرى، وتتساوى روسيا مع الولايات المتحدة في هذا الصدد، وثانيهما مشاكل عملية بناء الدولة الوليدة وما يموج داخلها من تيارات أيديولوجية متباينة، والأخطر أن الانقسامات السياسية تتفاقم في سياق هوية قومية ناشئة بل ومهتزة في بعض الحالات.
حين انهار المعسكر السوفيتي، عاشت آسيا الوسطى لحظات تحول راديكالية؛ من أبرزها تلك المشاهد التي أزيحت فيها فجأة أفكار ماركس وصور لينين لتفسح الطريق من جديد لتعاليم الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما تقدم الرؤساء الشيوعيون ليقسموا يمين الرئاسة على القرآن”. لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي موتًا مفاجئًا للنظم الحاكمة في دول آسيا الوسطى فحسب، بل كان موتًا غير مرغوب فيه لأغلب تلك النظم التي خشيت المجهول.
ولهذا فقد تباطأت دولة مثل كزاخستان -التي تأخر رئيسها نور سلطان نزارباييف في إعلان قيام الجمهورية الوليدة- وذلك لأكثر من سبب؛ مثل: الموقع المهم بالنسبة لموسكو، وما بحوزة كزاخستان من ترسانة نووية، ومحطة إطلاق المركبات الفضائية، والثروة النفطية، وأكثر من ثلث سكانها من السلافيين، جميعها أمور جعلت كزاخستان آخر من أعلن الاستقلال في 16 ديسمبر 1991، بعد أسبوع كامل من إعلان تفكك الاتحاد السوفياتي رسميًّا[114].
وبالمثل، كانت أوزبكستان من الدول التي شعر رئيسها إسلام كريموف -الذي صار رئيسًا بعد الاستقلال كنظيره الكازاخي- أن الموقع الحبيس لدولته لا يصنع له وضعًا متميزًا يعوضه عن الارتباط بقوة عظمى. وقد أثبتت السنوات الطويلة التي أعقبت الاستقلال أن ما كانت تخشاه كازاخستان وأوزبكستان كان له ما يبرره، فقد وقعت هذه الدول بين المطرقة والسندان، حين ثارت عليها القوى الأيديولوجية من الداخل ساعية إلى إقامة حكم إسلامي، والقوى الخارجية التي غزت أفغانستان وسعت لإقامة القواعد العسكرية. ولقد أدى هذا إلى تردد موقف الحكومة الأوزبكية بين موسكو وواشنطن، تخاصم هذه تارة وتصالح تلك تارة أخرى، غير أنه منذ عام 2005 – مع اشتداد النقد الأمريكي للقبضة الداخلية ضد المعارضة– عادت أوزبكستان من جديد إلى الفلك الروسي[115].
وللتحولات الكبرى الدالة في آسيا الوسطى أبعاد ثقافية وقومية لا تخطئها العين. فالاستقلال بعد عقود طويلة من الحكم الشمولي الشيوعي أفرز إشكاليات كبرى؛ من أهمها إشكالية الهوية، بحيث اقترنت عملية بناء الدولة في آسيا الوسطى بمصاعب في بناء الهوية على مستوى النخبة والشارع. ولم تعد أيديولوجية الدولة وحدها على المحك، بل هوية ساكنيها الذين مازالوا يتلمسون تدعيم أركان ولائهم وانتمائهم القومي. ومن أبرز مؤشرات صعوبة المخاض غياب أو ضعف اللغة القومية.
فقد حمل استقلال تركمنستان تغيرات رمزية بدت جد ملفتة. كما اعتبر تغيير أسماء الشوارع في كازاخستان من أسماء شيوعية إلى أسماء محلية خطوة على طريق تدعيم القومية الكازاخية. فقد غير الرئيس الشيوعي السابق صابر مراد نيازوف لقبه –حين أصبح رئيسًا لتركمانستان المستقلة- إلى “تركمانباشي”؛ أي “أبو الشعب التركماني”. وفي الوقت الذي تخلى فيه نيازوف عن الرموز الشيوعية، غازل ملامح قومية أخرى ليست أقل رمزية، حين قرر أعيادًا وطنية كيوم العلَم ويوم السجاد ويوم البطيخ.
في حين عرفت قرغيزستان مخاضًا صعبًا بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تكن تبعات “الترويس الثقافي” أقل صعوبة، حتى إن الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف قد اجتاز اختبار اللغة القرغيزية -كشرط للترشح لمنصب رئيس البلاد في عام 2000- بصعوبة بالغة، كما لم يكن زعيم المعارضة فيلكس كولوف يتحدث لغة وطنه ولا يجيد كتابتها حين اختير نائبًا للرئيس القرغيزي مطلع التسعينيات. وبالمثل، وفي الثورة السلمية التي جرت في نوفمبر 2006، خاطب الرئيس كرمان بك باكييف الشعب معلنًا تقليص صلاحيته لصالح البرلمان بلسان روسي مبين وليس بلغة وطنه القرغيزية. وفي النصف الأول من التسعينيات حاول الرئيس عسكر أكاييف المرور بقرغيزستان إلى طريق الديمقراطية، قبل أن تسقط بلاده في مشكلات الفساد والاضطراب الذي أدى إلى اشتعال انتفاضة شعبية عرفت بثورة مارس في عام 2005. أتت تلك الثورة بالمعارض كرمان بك باكييف الذي كان أكاييف قد أودعه السجن، وكاد الأخير أن يتجرع نفس الكأس في نوفمبر 2006 لولا مرونته الفائقة[116].
أما عن طاجيكستان، فقد عانت من درجة أكبر من عدم الاستقرار والعنف، وصلت إلى حد حرب أهلية امتدت من العام التالي للاستقلال 1992 حتى عام 1997 قبل أن تبدأ الأوضاع فيها في الاستقرار منذ عام 2000، ذلك العام الذي يعد بداية لعلاج ما نتج عن الحرب من مشكلات.
وبشكل عام، أشارت كثير من التقارير الدولية إلى أن الديمقراطية ما زالت متعثرة أكثر منها متطورة في آسيا الوسطى. من بينها ما كشف عنه التقرير السنوي لمؤسسة “بيت الحرية”“Freedom House” الذي نشر تحت عنوان “دول تتحول 2008″“Nations in Transit 2008″، من أن الديمقراطية في دول آسيا الوسطى أصبحت “سلعة نادرة”. وأوضح التقرير أن الديمقراطيات الغربية التي من المفترض أن تكون داعمة لتنمية المجتمع المدني، تساعد وتدعم السلطوية الموجودة والديكتاتوريات القائمة بالفعل، مشيرًا إلى “أن احتياجات الطاقة غالبًا ما تتشت وتدمر بصفة متزايدة العلاقات بين الديمقراطيات التي تستهلك الهايدروكربون والدول السلطوية التي تنتجه”. ويضيف التقرير أن روسيا تستغل عدم وجود استراتيجية غربية موحدة إزاء تلك المنطقة “لتضمن تأمين الاحتياجات الأساسية من الطاقة”، لبسط نفوذها في تلك المنطقة بالغة الأهمية على المسرح الدولي. وأكد التقرير أنه مع اختلاف الأسباب والظروف في كل دولة، إلا أن تناميًا في تركز السلطة يحدث، وأن الحريات السياسية تنكمش.
فالمستويات العالية من الفساد وتهديدات العنف في قرغيزستان وطاجكستان وأوزبكستان ساعدت على بقاء النخب السياسية في مناصبها وجمدت أي محاولات لنشر الحريات، فيما أسفرت العائدات النفطية وتنامي الثروات الناجمة عن الطاقة في كل من كازاخستان وتركمنستان في انتعاش السلطوية والديكتاتورية في البلاد[117].
وصنّف التقرير دول آسيا الوسطى على مقياس من (1 إلى 7) بترتيب تنازلي نحو القرب والبعد من الديمقراطية والشفافية. وحصلت تركمنستان على 6,93 فيما حصلت أوزبكستان على 5,93 وذلك فيما يتعلق بمعدلات الديمقراطية في البلاد. ومع “انتخاب” الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف لفترة رئاسية ثالثة في ديسمبر 2008 بما يخالف الدستور الذي ينص على فترتين رئاسيتين فقط، هبط مؤشر الديمقراطية في البلاد إلى (7) درجات؛ أي إنه لا توجد ديمقراطية. كما هبط المؤشر في تركمانستان كذلك إلى سبع درجات بعد الانتخابات الرئاسية في فبراير من العام الماضي، بعدما أكد التقرير أن وسائل الإعلام بالكامل كانت متحيزة لأنها مملوكة للدولة، كما أن المرشحين الستة كانوا جميعهم من حزب واحد.
واستقرت كازاخستان عند 6,39 من مؤشر الديمقراطية بعد عجز القضاء والإعلام في البلاد عن محاسبة المسئولين البارزين في البلاد في قضايا الفساد. وحصلت قيرغيزستان على مؤشر (6) في الوقت الذي لايزال فيه الرئيس كرمان بك باكييف ينتقد بأنه يتلاعب بالقضاء وبالدستور. واعتبر التقرير أن المستوى العام لاستقلال الأجهزة الإعلامية في بلدان آسيا الوسطى بشكل عام يسجل ما بين 6,25 إلى ست درجات[118].
وتعرض السطور التالية إيجازًا للوضع في كل من الدول الخمس على ذلك الصعيد:
تعيش طاجيكستان حالة من عدم الاستقرار السياسي، فقبيل انهيار الاتحاد السوفياتي ظهر حزب النهضة –تيار إسلامي- في طاجيكستان منتميًا إلى الحزب الرئيس الذي ولد في أستراخان جنوبي روسيا في يونيو 1990، وأقام فروعًا في أوزبكستان وقرغيزستان. ووقعت طاجيكستان في حالة من الفوضى السياسية حين سقط الحزب مع حركات المعارضة القومية والليبرالية في مستنقع الحرب الأهلية في الفترة بين العامين 1993 و1997، وتفشت مذابح عارمة، وبدأ عديد من المناطق تعمل على الانفصال عن جسد الدولة الطاجيكية. ونتج عن حالة الفوضى والحرب الأهلية هذه أكثر من 10,000 قتيل وعشرات آلاف آخرين جرحى وغيرهم من المشردين. وتلاشى حزب النهضة من الخريطة السياسية منذ العام 2000 بفعل الضربات الأمنية، وإن بقيت بعض الفلول النشطة التي تماهت في زي حركات أخرى. وما تزال بقايا الحرب الأهلية تلقي بظلالها على المسار السياسي لطاجيكستان، ففي يناير 2004 حُكم على زعيم حزب النهضة في الحرب الأهلية شمس الدين شمس الدينوف بالسجن (16) سنة بتهم قيادة جماعات إجرامية. ثم مع وقوع تفجيرات مفخخة في فبراير 2005 في العاصمة دوشنبه عادت أصابع الاتهام مرة أخرى تشير إلى الفلول المتخلفة عن الحزب وبقايا الحرب الأهلية. وهو ما يجعل الفترة الانتقالية التي تعيشها البلاد حاليًا طويلة وما يجعل الاستقرار بعيد المنال[119].
ومن ناحية أخرى، يثير السلفيون أيضًا ارتياب السلطات العلمانية في طاجيكستان؛ لأنهم يستفيدون من دعم الأوساط “المستاءة” من الحكم التي تقدر بنحو 12 إلى 15% من السكان، و”يستطيعون في أي لحظة القيام بتمرد” لإطاحة النظام، كما يقول خبراء سياسيون. ويبلغ عدد أعضاء الجماعة السلفية غير المسجلة رسميًّا في طاجيكستان عشرة آلاف في الوقت الراهن، وهم منتشرون في كبرى مدن البلاد، من أصل عدد السكان البالغ 5,7 ملايين نسمة، كما يقول خبراء مستقلون. ومن جانبها، حظرت المحكمة العليا في طاجيكستان نشاط التيار السلفي للإسلام السني الذي تعتبره السلطات الطاجيكية منشقًا[120].
وتحتدم في تلك الأثناء الأزمة الاقتصادية في البلاد متأثرة بتداعيات الأزمة العالمية، إلى جانب حدوث معدلات عالية من الجفاف، وما أدت إليه من تأثر المحاصيل الزراعية بشدة في البلاد.
في حين تتركز القوة السياسية في كازاخستان بأيدي الرئيس نور سلطان نزار باييف الذي تولي الحكم عام 1989 كزعيم شيوعي للجمهورية الاشتراكية السوفيتية، ثم أصبح رئيسًا لها منذ عام 1991.
وتتمتع حكومته بأغلبية مريحة في البرلمان مما يضمن له السيطرة على مقاليد الأمور. وليست هناك قوانين تضمن حرية الصحافة. والإدارة المحلية غير فاعلة لأن الرئيس يعين حكام المقاطعات؛ وهذا يعني أن الشعب لا يملك الآلية لمراقبة السلطات المحلية. ويعتقد البعض أن الاستقرار السياسي النسبي الذي تعيشه كازاخستان، قصير الأمد فهناك استياء واضح في الشارع كما أن المعارضة نشطة للغاية رغم قلة حجمها وتأثيرها وأدت الثروة النفطية إلى خلق طبقة من رجال الأعمال المهتمين بالسلطة السياسية والتي تطمح إلى الصراع على السلطة[121].
وتمت انتخابات برلمانية في سبتمبر 2007 وصفتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بالمزيفة، ولم تقم ثورة كما لم تمتد اليد الأمريكية لدعم المعارضة في دولة تعتبر بمفهوم الجغرافيا السياسية عازلة بين روسيا شمالًا والقواعد العسكرية الأمريكية جنوبًا.
ولدى المعارضة في كازاخستان كافة العناصر التي تشبه نظيرتها في دول الثورة البرتقالية، فزعماء المعارضة كانوا قد شغلوا مناصب حكومية سابقة كرئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان، والفارق الوحيد هو في قدرة عوائد النفط في هذه الدولة على امتصاص جزء من الغضب الشعبي وصرفه عن التعاطف مع المعارضة المنادية بإنهاء الاستبداد واحتكار السلطة[122]. ونتيجة لذلك سجل محللون مظاهر نشأة لطبقة متوسطة وهو ما يخالف التقاليد السوفيتية. وتم تهميش حزب “الطريق الأبيض” The White Path Party الذي يدافع عن مصالح تلك الطبقة المتوسطة الناشئة. ويعتقد محللون أنه رغم تركز السلطة في البلاد، إلا أن حزب الرئيس نازارباييف لازال يتمتع بشعبية بسبب التحسن الملحوظ في مستويات المعيشة؛ وهو ما هدأ من الغضب الشعبي وأسفر عما أطلق عليه محللون “سلبية الجماهير”. وتواجه البلاد تحديات عديدة تتمثل في القضاء على الفساد والرقي بالتعليم والإسكان، ومحاولة احتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية[123].
وقد وعدت الحكومة الكازاخية مرارًا بتحسين المناخ السياسي بحلول نهاية عام 2008 وذلك قبل أن تتولى البلاد رئاسة “منظمة التعاون والأمن” عام 2010. وقدمت الحكومة مشروعي قوانين لضمان تمثيل على الأقل حزبين في البرلمان وذلك حتى في حالة اكتساح حزب واحد للأصوات. كما يسمح المشروعان بحرية أكبر للإعلام وتقوية حقوق الإعلامين[124].
وأعلن نزارباييف عن مبادرة لإنشاء مدرسة (كلية) وطنية للسياسة العامة داخل أكاديمية إدارة الدولة، في خطوة مهمة في نظام تعيين وتدريب القادة المستقبليين وتلعب دورًا كبيرًا في إعداد نخبة جديدة في مجالات الخدمة الحكومية. وقال الرئيس نزارباييف إن الكلية الجديدة ستصبح مؤسسة تعليمية حديثة يديرها شخص يعينه رئيس الدولة، وسيؤلف المجلس المشرف من شخصيات عامة كازاخية إلى جانب أساتذة أكاديميين من الغرب[125].
ويرى البعض أن ما يميز كازاخستان عن جمهوريات آسيا الوسطى الأخرى هو ضعف نفوذ الحركات الإسلامية ذات التوجه السياسي على غرار حزب التحرير في أوزباكستان وقرغيزيا على سبيل المثال، ويعزو رجال الدين هذا الأمر إلى سياسة الرئيس الكازاخي في تفعيل دور الدين الإيجابي في المجتمع والدولة ودور رجال الدين في تثقيف الشباب المسلم ودعوته لنبذ العنف والتطرف وضرورة التمسك بالتسامح الديني[126].
أما في أوزبكستان، فإن البلاد تحكم بقبضة سلطوية، وتقف أمامها معارضة تتزعمها الحركة الإسلامية -أشد الحركات معارضة في الدولة- رغم الضربات العنيفة التي تتلقاها من الحكومة. ولا تمثل الأحزاب السياسية في أوزبكستان قوة حقيقية في الواقع السياسي، ويعتبرها مراسل واشنطن بوست أحزابًا على ورق أو صورة طبق الأصل من أحزاب المعارضة في كزاخستان التي لا تحمل من مفهوم المعارضة سوى الاسم. كما أن الأحزاب السياسية الخمسة في أوزبكستان تدعم رئيس البلاد إسلام كريموف.
وتعاملت السلطات الأوزبكية مع الشعب بسلوك عدواني متبنية نظرة بوليسية بالأساس، فقامت بإغلاق المساجد الأهلية الصغيرة والمصليات التي أنشأها التجار المسلمون في الأسواق المحلية وكذلك المطاعم الإسلامية مثل مطاعم “Halal Food” المشهورة بتقديمها الأكلات الشعبية الأوزبكية بطريقة مطمئنة لجميع المسلمين؛ حيث لا تستعمل إلا اللحوم المذبوحة حسب الشريعة الإسلامية. وتعددت التفسيرات أمام ذلك الموقف؛ حيث رأى البعض أن هذه المطاعم يديرها مسلمون ملتزمون بالعبادات والشعائر الإسلامية، والحكومة لا تريد أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية للمسلمين أبدًا. ورأى آخرون أن الكثير من زبائن هذه المطاعم هم من الشباب المسلم، والحكومة تخشى تجمعهم، “فلا يمكن أن تسمح لاجتماع أكثر من ثلاثة شبان من المسلمين حتى في المطاعم”[127].
ويعتبر كثيرون أنه لم يطرأ أي تقدم حقيقي على وضع حقوق الإنسان، بالرغم من تعهد الحكومة صراحة بتعزيز حقوق المواطنين. فالحكومة مازالت ترفض السماح بإجراء تحقيق دولي مستقل في أعمال القتل الواسعة التي وقعت في أنديجان في عام 2005. واستمر تراجع حرية التعبير وحرية الاجتماع، كما استمرت الضغوط دون هوادة على المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والصحفيين المستقلين. وحظرت السلطات عناصر من جماعة مراقبة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش” من العمل في البلاد، ذلك بالرغم من مطالبات وزراء أوروبيين بالسماح لهم بالعمل، بالإضافة إلى وضع الاتحاد الأوروبي ذلك كشرط لرفع بقية العقوبات التي فرضها على تلك الدولة في أعقاب أحداث إنديجان عام 2005، بعد أن بدأ بالفعل التخفيف من تلك العقوبات منذ أكتوبر الماضي[128]. واستمر ورود أنباء عن تعرض المعتقلين والسجناء للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة على نطاق واسع.
وكان من شأن الفساد في هيئات تنفيذ القانون وفي القضاء أن يعزز من مناخ الإفلات من العقاب. وظل عدة آلاف ممن أُدينوا بالانتماء إلى منظمات وحركات إسلامية محظورة يقضون أحكامًا بالسجن لمدد طويلة، في ظروف تُعد من قبيل المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وواصلت السلطات سعيها المحموم لتسلُّم أشخاص من أعضاء أحزاب أو حركات إسلامية محظورة، أو ممن يُشتبه في انتمائهم إليها. ورفضت السلطات وقف تنفيذ أحكام الإعدام مؤقتًا، بالرغم من صدور مرسوم رئاسي بإلغاء عقوبة الإعدام اعتبارًً من يناير 2008[129].
وكانت مجلة “Parade” الأمريكية الشهيرة قد نشرت قائمتها الجديدة لهذه السنة وفيها معلومات حول الرؤساء الدكتاتوريين في العالم وترتيبهم حسب طغيانهم ووحشيتهم –حسب تصنيف المجلة. في هذه المرة رأت المجلة بأن المدعو “إسلام كريموف” –الدكتاتور الأوزبكي الذي ما زال يحكم جمهورية أوزبكستان بقبضة من حديد منذ عام 1989م- يستحق أن يوضع في الرتبة التاسعة ضمن تلك القائمة السوداء المظلمة لأولئك الرؤساء الذين يسيطرون على مقاليد الحكم في بلادهم ويقهرون معارضيهم باستخدام كافة أساليب القمع والإرهاب. وفي العام الماضي كان اسم كريموف يحتل المرتبة الثامنة، فكأن المجلة الأمريكية أيضًا انخدعت بمراوغة “كريموف” مع الغرب حيث أفرجت سلطاته عن بعض السجناء من نشطاء حقوق الإنسان الذين اعتقلوا في أعقاب مجزرة أنديجان، فأنزلته هذه المرة للمرتبة التاسعة[130].
أما في قيرغيزستان، فقد استمرت حدة التوتر بين الرئيس والحكومة وأحزاب المعارضة حول الدستور وقضايا أخرى. وفُرضت قيود على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات. واستمر التعذيب وسوء المعاملة في حجز الشرطة. وساعدت حكومة قرغيزستان أحيانًا قوات الأمن الأوزبكية في تعقب اللاجئين وطالبي اللجوء الذين فروا إلى قرغيزستان بحثًا عن الأمان[131].
ظل الدستور مصدرًا للنزاعات السياسية، على الرغم من إقرار دستور جديد في عام 2006. وفي إبريل 2008، اندلعت مظاهرة استمرت أسبوعًا في العاصمة بيشكيك، ونظمتها أحزاب المعارضة، وانتهت بشكل عنيف عندما حاولت قوات الأمن تفريقها. وفي سبتمبر 2008، قضت المحكمة الدستورية بضرورة استمرار العمل بدستور عام 2003، ودفع هذا الحكم الرئيس باكييف إلى إجراء استفتاء عام، في أكتوبر 2008، وافق فيه المقترعون على إدخال تعديلات على الدستور. وبعد ذلك، قرر الرئيس حلّ البرلمان، ودعا لانتخابات جديدة في ديسمبر 2008، وأُجريت الانتخابات وفاز بها الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس. وأدت نتائج الانتخابات إلى اندلاع مظاهرات واسعة النطاق بعد منع “حزب أرض الآباء الاشتراكي” من دخول البرلمان على الرغم من أنه جاء في المرتبة الثانية في الانتخابات. واعتُقل عشرات من نشطاء المعارضة وعدد من نشطاء حقوق الإنسان لفترة وجيزة لاشتراكهم في هذه المظاهرات. وذكرت “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” أن الانتخابات لم تفِ بالمعايير الدولية، كما انتقدت إفراط السلطات في استخدام القوة لتفريق المظاهرات السلمية.
ازدادت القيود المفروضة على حرية التجمع والتعبير ومن ذلك تقليل عدد الأماكن التي يمكن فيها تنظيم مظاهرات في العاصمة بيشكيك. كما وُجهت اتهامات بإثارة الفوضى لعشرات من المتظاهرين، وأدين ما لا يقل عن (15) شخصًا منهم. وفرقت الشرطة وقوات أمن الدولة عددًا من المظاهرات التي نظمتها جماعات المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء شبابيون ونشطاء المجتمع المدني وأحزاب المعارضة، واعتقل بعض المشاركين في هذه المظاهرات. وفي إبريل، اعتُقل رئيس الوزراء الأسبق فيلكيس كولوف لكي يخضع للاستجواب أمام الشرطة، ثم تكرر ذلك في أغسطس. ويواجه فيلكيس كولوف تهمة التحريض على إثارة الفوضى العامة، وذلك فيما يتعلق بالصدامات التي اندلعت في إبريل 2008 بين مؤيدي المعارضة وقوات الأمن. كما اعتُقل اثنان من معاوني فيلكيس كولوف ووجهت لهما تهمة التسبب في الفوضى العامة. وفي أغسطس، صدر ضدهما حكم بالسجن لأربع سنوات. وقد ذكرا أن التهم ذات دوافع سياسية. وفي يوليو 2008، فرقت الشرطة مظاهرة نظمتها منظمة “ديمقراطية” وهي منظمة غير حكومية، وصادرت الشرطة الأعلام واللافتات التي كان يحملها المتظاهرون. واحتُجز لفترة وجيزة تورسون إسلام، الذي نظم المظاهرة السلمية دفاعًا عن حقوق الإنسان، وظل ابنه رهن الاحتجاز ثلاثة أيام[132].
وكانت توليكان إسماعيلوفا، رئيسة جماعة “مواطنون ضد الفساد” المعنية بحقوق الإنسان، ضمن (11) شخصًا من المدافعين عن حقوق الإنسان الذين احتُجزوا لفترات وجيزة وأُدينوا، بسبب مشاركتهم في مظاهرات سلمية في بيشكيك احتجاجًا على نتائج الانتخابات التي أجريت في ديسمبر. وفي ذلك السياق فتحت السلطات تحقيقًًا شمل ماكسيم ابن الرئيس القيرغيزى على خلفية تقرير إعلامي لرئيسة لجنة الانتخابات السابقة كلارا كابيلوفا قالت فيه أنها تلقت تهديدات من ماكسيم أثناء انتخابات أكتوبر 2007، معلنة في التقرير ذاته استقالتها. وشملت التحقيقات كذلك زعماء وأعضاء من المعارضة[133].
وعلى صعيد حرية التعبير، قُتل الصحفي المستقل أليشرسايبوف، البالغ من العمر 26 عامًا، إثر إطلاق النار عليه في أوش في أكتوبر 2008. وكان سايبوف، وهو قرغيزي الجنسية من أصول أوزبكية، يعمل رئيسًا لتحرير صحيفة “السياسة” الجديدة التي تصدر باللغة الأوزبكية وكانت تغطي موضوعات متنوعة منها قضايا حقوق الإنسان في أوزبكستان. كما كان يعمل مراسلًا لإذاعة “صوت أمريكا”، ويشارك بالكتابة على مواقع مستقلة على شبكة الإنترنت تغطي منطقة آسيا الوسطى، وكثيرًا ما تناول موضوعات حساسة، وتلقى تهديدات مجهولة المصدر، حسبما ورد. ونظمت بعض وسائل الإعلام في أوزبكستان حملة للتنديد بكتاباته واصفة إياها بأنها هجوم على دولة أوزبكستان[134].
وكان الرئيس القيرغيزى كرمان بك باكييف أعلن عن استراتيجية تنموية حتى عام 2020، وفي اليوم ذاته تكونت مجموعة من المسئولين المشاهير والأكاديميين ونشطاء المجتمع المدني ومن بينهم رموز بالمعارضة وسميت “قيرغيزستان الموحدة”. وكلا الأمران؛ “استراتيجية 2020″ و”قيرغيزستان الموحدة” يذكّران بوضوح السياسات التي اتبعها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الذي يتمتع بشعبية كبيرة عند السياسيين القيرغيزيين والمجتمع القيرغيزى.
وبدلًا من وضع خطة تنموية تستمر لثلاثة سنوات كما هو متبع، فإن خطته التي ستستمر حتى عام 2020 تعكس في مضمونها نهج ومبادئ استراتيجية مماثلة في روسيا وضعها بوتين قبل رحيله عن الكرملين والتي تسمى بـ”روسيا-2020″. وليست هذه هي الحالة الأولى التي تقوم فيها القيادة القيرغيزية بنسخ سياسات روسية أو حتى كازاخستانية، حيث قامت سابقًا بذلك في نواحي عديدة مثل الأمن والانتخابات والتعليم، وهو ما يعكس عجز السياسيين القيرغيزيين وضعف خبرتهم وقد قاموا بنسخ سياسات وبرامج، بل وتجنب ابتكار أخرى، وذلك لما يتمتع به بوتين ونازارباييف من شعبية داخل قيرغيزستان ربما أكثر من باكييف أو سلفه عسكر أكاييف. وتقترح استراتيجية 2020 أن تتعامل حكومة باكييف مع التوجهات والقضايا طويلة المدى بدلًا من حل القضايا اليومية والحالية[135].
وفي ظل وضع سياسي متردي، وبعد يومين من رفع رسوم الكهرباء في الأول من شهر يونيو 2008 قام الرئيس بتعيين شقيقه زانيش باكييف على رأس قوات الحرس الوطني وبالتالي فقد أمّن ولاء حرسه الشخصي له في مواجهة احتمال أي تنظيمات عسكرية ضده. كما قام بزيادة رواتب القوات الداخلية/الشرطة لضمان ولائهم له في حالة أي اضطرابات من جانب الشعب. ولذا يعتبر المحللون أن خطة التنمية 2020 التي أعلنها الرئيس باكييف تهدف لتهدئة الرأي العام إزاء هذا الارتفاع المطرد في الأسعار وسوء الإدارة الاقتصادية وكذلك إدارة قطاع الطاقة لاسيما مع ورود أنباء من متخصصون عن البنى التحتية المتداعية في منشآت توليد الكهرباء[136].
فى حين اعتمدت تركمانستان، إحدى الدول الأكثر انغلاقًا في العالم والغنية بالغاز، دستورًا جديدًا أكثر ديمقراطية يسمح بالتعددية الحزبية ويدعو إلى اعتماد اقتصاد السوق. وينص الدستور الجديد الذي وضع بمبادرة من الرئيس التركماني، لأول مرة على التعددية الحزبية. وكان الحزب الديمقراطي، وريث الحزب الشيوعي في العهد السوفيتي، الحزب الوحيد في البلاد حتى الآن. وسيضمن الدستور الجديد أيضًا حق الملكية الخاصة وتطوير اقتصاد السوق ويحظر لأول مرة أعمال التعذيب والتجارب الطبية على البشر. وقال الرئيس التركماني إن “الدستور الجديد سيكون مطابقًا للمعايير الدولية والديمقراطية”. إلا أنه قرر تغيير صلاحية مجلس الشعب ليصبح هيئة استشارية بحتة[137].
ومن ناحية أخرى، أدلى أبناء تركمنستان بأصواتهم في انتخابات برلمانية يفترض أن تؤذن بإرساء قواعد الديمقراطية في هذا البلد الغني بالغاز، ولكنه مازال يحمل بصمة عهد “الرئيس مدى الحياة” صابر مراد نيازوف الذي مات في 2006 بعد أن عزل بلاده عن العالم. وقد دعي أكثر من 2.5 مليون ناخب إلى الإدلاء بأصواتهم لاختيار نوابهم من بين 288 مرشحًا يؤيدون جميعًا سياسة رئيس الدولة قربنقولي بردي محمدوف. وحسب الدستور الجديد الذي اعتمد في سبتمبر، سيتم تعزيز دور المجلس (البرلمان) وزيادة عدد النواب من (65) إلى 125 نائبًا، وبلغت نسبة المشاركة في التصويت نحو 93%. ووصفت هذه الانتخابات بأنها “تعددية”. ودعا (40) مراقبًا للمرة الأولى لمتابعة العملية الانتخابية، وهم أساسًا من رابطة الدول المستقلة التي تضم (11) جمهورية سوفيتية سابقة.
وتندرج هذه الانتخابات في إطار الجهود التي يبذلها الرئيس بردي محمدوف الذي انتخب في فبراير 2007 لإرساء قواعد الديمقراطية في هذه الجمهورية السوفيتية السابقة التي يصل عدد سكانها إلى 4.8 ملايين نسمة. وكان صابر مراد نيازوف “الرئيس مدى الحياة” الذي حكم البلاد طيلة 21 عامًا ووصف بأنه “تركمانباشي” أي “أبو التركمان” قد فرض على بلاده عبادة شخصه. ومات مراد نيازوف في ديسمبر 2006. وقد فتح بردي محمدوف أبواب البلاد أمام المستثمرين الأجانب في قطاع الطاقة، كما ألغي بعض القرارات الغريبة التي فرضها سلفه مثل حظر الأوبرا. وكان القرار الأخير من هذه القرارات يتعلق بحذف عبارة من النشيد الوطني تتحدث عن تركمنستان التي “أنشأها تركمانباشي العظيم”. ولكن بعض الخبراء المستقلين يرون أن هذا الانفتاح مازال محدودا للغاية.
وفي هذا السياق ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في نوفمبر أن تركمنستان أنجزت “بعض التقدم” ولكنها تظل رغم ذلك “واحدة من الدول الأكثر قمعًا وتعسفًا في العالم”. ويقول فيتالي بونوماريف المتخصص في شئون آسيا الوسطى في منظمة “ميموريال” الروسية غير الحكومية ” لقد أصبح من الأسهل الآن الخروج من تركمنستان. كما تراجع خطر اعتقال أي شخص يتصل بالأجانب. غير أنه ليست هناك حتى الآن معارضة أو وسائل إعلام مستقلة. كما أن الإجراء الذي يعتبر أي نقد للنظام خيانة عظمى مازال ساري المفعول”[138]. وعلى صعيد متصل، قررت السلطات سحب إسم الرئيس السابق من النشيد الوطني لإنهاء عبادة الفرد التي جسدها هذا الزعيم السابق الذي حكم البلاد بيد من حديد لفترة 21 عامًا[139].

ثانيًّا- العلاقات مع الخارج وتنافس القوى الكبرى

دار التنافس بين القوى الكبرى ومحاولاتها لمد الهمينة والنفوذ في آسيا الوسطى حول محورين رئيسيين: أولهما التعاون العسكري، وثانيهما دبلوماسية الطاقة.
لقد أغرى الموقع الجيوبولتيكي لهذه الجمهوريات الدول الكبرى فحاولت كسب ودها وتطوير علاقاتها معها وخاصة في مجال التواجد العسكري فيها، وهذا التواجد هو عادة على رأس اهتمامات الدول الكبرى، فأقيمت على أراضيها ثماني قواعد عسكرية لهذه الدول: ثلاث قواعد روسية واثنتان أمريكيتان وواحدة لكل من الهند وفرنسا وألمانيا.
ومن ناحية أخرى، تعد آسيا الوسطى مصدرًا مهمًا للطاقة، خاصة أن تقديرات وزارة الطاقة الأميركية تشير إلى أن هذه المنطقة وبحر قزوين المتاخم لها يحتويان على ثاني أكبر احتياطي للنفط بعد الخليج العربي والأول للغاز الطبيعي في العالم. ولهذا يدور على أرضها صراع إستراتيجي كبير[140]. ففي كازاخستان على سبيل المثال، تم العثور على احتياطي نفط ضخم يُقَدّر بسبعة عشر مليار برميل وتستخرج البلاد اليوم قرابة خمسين مليون طن من النفط الخام في العام. وحسب مخططات الحكومة، فإن حجم النفط الخام المستخرج سيصل إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2015[141]. وأصبحت هذه الدول إلى مواردها وثرواتها الطبيعية وصناعاتها النفطية كوسيلة أساسية لضمان استقلالها الاقتصادي والسياسي تجاه موسكو التي تحاول بشتى الطرق استعادة مجد الاتحاد السوفيتي.
ورغم أن الاحتياط النفطي قد لا يرقى لمخزون دول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، غير أنه يظل ذا جودة وقادرًا على أن يقدم بديلًا لا بأس به للطاقة في القرن الحادي والعشرين إذا انخفضت معدلات إنتاج النفط في أماكن أخرى من العالم لأسباب سياسية، كما أنه يتوقع بحلول 2015 انكماش وتراجع الاحتياطات النفطية لبحر الشمال وآلاسكا.
إلا أن أحد المشاكل الرئيسية التي تواجه آسيا الوسطى هو غياب التواصل الجغرافي مع العالم الخارجي. إن المنطقة تكاد تكون محاصرة ومعزولة وحبيسة موقعها الجغرافي، إذ يحدها من الشمال الرافد الروسي، ومن الشرق هضاب بامير، ومن الغرب بحر قزوين المغلق، ومن الجنوب مجموعة من العوائق الطبيعية المكونة من الجبال والأراضي الشاسعة. يضاف إلى كل ذلك حواجز سياسية تتمثل في مناطق مشحونة بالاضطرابات الداخلية ذات الطابع الإثني والديني مما يجعل حالة عدم الاستقرار السمة الرئيسية لهذه المنطقة.
وتقف جميع هذه العوامل حائلًا أمام تدفق مصادر الطاقة من وسط آسيا إلى الأسواق الدولية حيث الحاجة الماسة لها، الأمر الذي يجعل أغلب هذه البلدان معرضة للمزايدة والابتزاز من قبل القوى العظمى النافذة في هذا الجزء من العالم خاصة منها الولايات المتحدة والصين وروسيا التي تسعى جاهدة للسيطرة على خطوط إمداد النفط إلى الأسواق العالمية[142].
ولتحقيق هذا الهدف تسعى واشنطن لإخراج دول هذه المنطقة من دائرة النفوذ الروسي ومحاولة احتواء التحركات الصينية التي تستهدف زيادة نفوذها ووجودها فيها، خاصة أن التصرف الأميركي يندرج في إطار اعتراف واشنطن لمنافسيها في آسيا الوسطى باعتبارات وهواجس الأمن الشرعية ولكنها ترفض في الآن نفسه الاعتراف بمجالات ومناطق النفوذ. ورغم أن الخطة الأساسية تقضي باعتبار واشنطن ان منشآت قواعدها العسكرية مؤقتة، فإنها تمثل أساسًا للوجود العسكري الأمريكي الدائم بوسط آسيا لتعمل وسط قواعد عسكرية أجنبية عديدة في آسيا الوسطى. فهذه الأخيرة باتت بحكم قربها الجغرافي من أفغانستان منطقة لا يمكن الاستغناء عن خدماتها[143].
ويأتي هذا الانتشار تلبية للاحتياجات الجيواستراتيجية الأميركية التي بدأت تأخذ شكل البحث عن قواعد صغيرة وعملياتية بدلًا من القواعد الكبيرة والدائمة كما كانت عليه إبان الحرب الباردة. ففي عملية ملء الفراغ في المناطق التي كانت خاضعة للهيمنة الروسية، وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة إلى إسناد لوجيستي جديد، وتسهيلات وقواعد أخف وأكثر ملاءمة للتحديات الأمنية الجديدة، ومصممة للتناسب مع التكتيكات والتكنولوجيا العسكرية الحديثة. ومن جانبها فضّلت واشنطن الحفاظ على مصالحها الجيوستراتيجية في المنطقة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول طالما استطاعت تحقيق تلك المصالح، خاصة مع وجود قوى إقليمية أخرى مستعدة لاحتواء تلك المنطقة بالكامل داخل دائرة نفوذها. ولذا -كما حدث في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بقية العالم الإسلامي- ظلت دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان حبرًا على ورق؛ نظرًا لحساسية المنطقة التي عدّها البعض ساحة من ساحات التنافس والقتال السياسي بين قوى إقليمية عديدة.
وتتلخص المصالح الأمريكية في: في إيجاد حضور سياسي يزيح الدور الروسي والصيني، بالإضافة إلى سلامة وأمن خمس قواعد عسكرية زرعتها في قرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان منذ حملتها على أفغانستان، كذلك عدم صعود الحركات الإسلامية الراديكالية وفي مقدمتها حزب التحرير الإسلامي والجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى الإشراف على مشاريع النفط القزويني الذي تستثمر فيه شركاتها الكبرى لنقله عبر أفغانستان المحتلة أمريكيا، أو عبر جورجيا التي صارت مخفرًا أماميًّا لواشنطن في القوقاز.
ومثلت العلاقة مع التجربة الأوزبكية مثالًا واضحًا لذلك: فبالرغم من استبداد حكم الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، وما تشير إليه التقارير (حتى الأمريكية منها) إلى أن “أجهزة الأمن تمارس التعذيب والتجاوزات في شكل اعتيادي على معتقلين خلال استجوابهم لانتزاع اعترافات أو معلومات تدينه”. إلا أن تقاربًا شهدته أخيرًا في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطشقند، إذ سمحت أوزبكستان للجيش الأميركي بالعودة إلى استخدام قاعدة «تيرميز» العسكرية في جنوب البلاد لدعم عملياته في أفغانستان، كما زار مسئول القيادة الأميركية الوسطى الأدميرال المستقيل وليام فالون في يناير 2008 أوزبكستان والتقى رئيسها إسلام كريموف بعد إعادة انتخابه أواخر عام 2007، فظهر بذلك تحسنًا ملحوظًا في العلاقات بين البلدين. وفسرت تلك الزيارة بأن الولايات المتحدة تسعى إلى الحوار مع أوزبكستان أملًا بإعادة نفوذها في هذه الجمهورية المهمة استراتيجيًّا في منطقة آسيا الوسطى، مع أن أول زيارة رسمية لكريموف بعد الانتخابات الرئاسية كانت للعاصمة الروسية موسكو، حيث أعلن من هناك أن العلاقة بين موسكو وطشقند أكثر من شراكة استراتيجية[144].
وكانت الولايات المتحدة بدأت استخدام قاعدة كارشي خان آباد في 2001 لدعم عملياتها ضد مقاتلي طالبان والقاعدة، لكن الحكومة الأوزبكية طلبت من القوات الأميركية مغادرة القاعدة عام 2005 بعدما انتقدت واشنطن الطريقة التي قمعت بها السلطة تظاهرات في مدينة انديجان، حيث أُطلق الرصاص على المتظاهرين. ويبرر الرئيس كريموف تلك الأحداث بقوله إنه يحمي البلاد من المتشددين الإسلاميين الذين يقول إنهم يحاولون إطاحته وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، نافيًّا إطلاق جنوده الرصاص على المدنيين في أنديجان. (ومن الجدير بالذكر أن 187 شخصًا قتلوا وكانوا إما من الشرطة وإما من «الإرهابيين». وغرقت أوزبكستان في مزيد من العزلة بعد تلك الأحداث وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليها). ويعتبر المراقبون أوزبكستان أكثر دول آسيا الوسطى إفادة من حرب واشنطن على «الإرهاب الدولي»، فقد كانت في طليعة دول العالم التي استضافت على أراضيها قوات أميركية قرب الحدود الأفغانية في منطقة خان آباد، كما أن المساعدات الأمريكية كانت متواصلة إلى أوزبكستان طوال السنوات الماضية التي تلت الحرب على أفغانستان. وتعتبر أوزبكستان هى الدولة ذات الثقل الأكبر ديموغرافيًّا وتاريخيًّا في آسيا الوسطى[145].
ومن جانبهم، يعتقد أغلب المختصين الأمريكيين في شئون آسيا الوسطى، أن على واشنطن التعامل بواقعية مع الوضع السياسي السائد في آسيا الوسطى دون التضحية بالمصالح الأمريكية، خاصة أن روسيا والصين تتربصان بها للحلول محلها في حال انسحابها عسكريًّا من هذه المنطقة. ومن ثم فحتى إنه في قرغيزستان البلد الأكثر فقرًا في آسيا الوسطى حيث تتأرجح الحياة السياسية منذ آخر انقلاب في مارس 2005 بين أزمة وأخرى، أخذت واشنطن موضع المراقب والمتابع للأحداث رافضة الزج بنفسها في الشأن الداخلي وكرست جهودها في تدعيم وجودها العسكري في قاعدة مناس الموجودة في المطار الدولي للعاصمة بشكيك، والتي قررت سلطات البلاد إغلاقها في أواخر 2008 وهو ما يرجعه محللون إلى ضغوط روسية على سلطات الدولة التي تستضيف بالفعل قاعدة روسية[146].
وفي الوقت الحالي تتوافق مخاوف واشنطن الأمنية مع مخاوف معظم دول القوقاز وآسيا الوسطي، فواشنطن تركز على المجموعات الإسلامية الراديكالية التي تعتبرها عدوة لها، سواء في المنطقة أم في العالم أجمع. وقد قررت الولايات المتحدة، في سعيها إلى سحقها، أن تضمن السيطرة على مصادر المحروقات في آن واحد. وهي بهذه الرؤية القصيرة النظر تبدو عاجزة عن فهم الأسباب الخفية للانقسامات في هذه البلاد، فالزعماء الحاكمون لا يستجيبون إلى حاجات مواطنيهم ويتزايد اعتمادهم على القمع للحفاظ على سلطتهم. وتأتي المساعدات العسكرية الأمريكية والتحالف مع واشنطن ليساعدهما في إسكات الأصوات الليبيرالية والإصلاحية. ولذلك تبقى الساحة السياسية منقسمة بين أنظمة غير شرعية وقمعية من جهة، وقوى سرية راديكالية وعنيفة من جهة أخرى[147].
ومن ناحية أخرى، فإنه غداة استقلال دول آسيا الوسطى كثفت واشنطن من حملتها الدبلوماسية محاولة إقناع هذه البلدان بفتح حقولها أمام استثمارات الشركات النفطية الغربية والأميركية منها خاصة. ويمكن تفسير اهتمام واشنطن بإعادة هيكلة وتأهيل القطاع النفطي لآسيا الوسطى وبحر قزوين بأن هذه الاحتياطيات تأتى من خارج الإطار التقليدي لمنظمة الأوبك. لهذا السبب فهي تحظى بأهمية سياسية وأولية اقتصادية من قبل الولايات المتحدة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها إلى أقصى حد ممكن على النفط الشرق أوسطي، وذلك بتنويع مصادر استيرادها للطاقة[148]. يضاف إلى ذلك أن الجزء الأكبر من نفط هذه المنطقة مخصص للتصدير، حيث إن الاحتياجات الاستهلاكية المحلية لآسيا الوسطى قليلة ويتوقع أن تستمر على هذه الوتيرة. كما أن عامل الافتقاد إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا اللازمة لعمليات البحث والتنقيب عن الموارد النفطية والغازية يفتح هذا القطاع الحيوي أمام الشركات الأمريكية التي تمثل رأس جسر تثبت من خلاله واشنطن مصالحها الاستراتيجية في آسيا الوسطى[149].
وفي المقابل، تحاول موسكو دومًا احتواء المنطقة داخل دائرة نفوذها، وهو ما برهنت عليه أحداث عديدة شهدها عام 2008 في آسيا الوسطى. فروسيا تبذل جهدها لتعزز موقعها التفاوضي مع أوروبا ومع الأمريكيين طارحة نفسها كمنافس للخليج العربي في تصدير النفط والغاز، ومن أجل هذا تعمل للسيطرة على قطاع الطاقة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا[150]. وتتخذ من دعم الروابط الثنائية بين موسكو وعواصم تلك الجمهوريات السوفيتية السابقة، نهجًا مثاليًّا لتحقيق أهدافها. ومثال على ذلك فهي تزيد من التعاون العسكري مع قيرغيزستان تارة وتزيد من العلاقات التجارية مع كازاخستان والتعاون في مجال الفضاء تارة أخرى.
ووفقًا لآراء خبراء في المنطقة, فإن موسكو تنتهج سياسة خارجية جديدة لا تستمد شرعيتها من الحنين إلى ماضي الاتحاد السوفياتي وحده, وإنما من متغيرات دولية بارزة أهمها فشل الولايات المتحدة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط, وغرقها في المستنقع العراقي الدموي, بالإضافة إلى تعثر الحلف الأطلسي في القضاء على حركة طالبان الأفغانية وتنظيم القاعدة. فالقراءة الروسية لمعطيات النظام الدولي تركز على كثير من التهديدات الأمريكية: احتلال العراق وإسقاط نظامه والاستحواذ على خيراته واحتياطاته النفطية، ووجود أضخم قاعدة عسكرية أميركية أطلسية في منطقة البلقان بالقرب من الحدود الروسية، ومرابطة قوات أميركية في الخليج العربي (الكويت وقطر والبحرين)، إضافة إلى القواعد التي فرضتها إرهاصات الحرب على الإرهاب بالقرب من حدود آسيا الوسطى بعد احتلال أفغانستان، والتي تعتبرها موسكو عمقها الجيو-السياسي-استراتيجي؛ حيث تربطها مع تلك الدول معاهدات للأمن المشترك ولديها قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية مهمة فيها, خاصة في كازاخستان التي يقع فيها المطار الفضائي بايكونور والممر الجوي الحيوي في أوزبكستان، الذي يربط بين روسيا وقواتها في طاجيكستان[151].
وقد برهنت أحداث عديدة على تنامي النفوذ الروسي في تلك البلدان والذي كان أهمها هو وقوف جمهوريات آسيا الوسطى مع روسيا وتأييدها للموقف الروسي خلال حرب روسيا وجورجيا في أغسطس 2008. فقد حصلت روسيا على دعم دول آسيا الوسطى في مواجهتها مع الغرب حول النزاع الجورجي في الوقت الذي أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يفكر في فرض عقوبات على موسكو. واجتمع زعماء هذه الدول في عاصمة طاجيكستان دوشنبه في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، التجمع الإقليمي الذي تشكل عام 2001 لمواجهة نفوذ الحلف الأطلنطي في منطقة آسيا الوسطى الاستراتيجية[152].
ومن جانبها، أعلنت روسيا خطة إنقاذ مالي لستة من الدول السوفيتية السابقة المتحالفة معها وحصلت على موافقتها على تشكيل قوة عسكرية للرد السريع قالت إنها ستكون على مستوى حلف شمال الأطلسي. وجاءت تحركات روسيا لترسيخ نفوذها في المنطقة في الوقت الذي أعلنت فيه قرغيزستان -وهي من الدول التي تتلقى مساعدات من روسيا- أنه على الولايات المتحدة إغلاق قاعدة جوية أمريكية على أراضيها تدعم القوات الأمريكية التي تقاتل في أفغانستان. وصرح الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بأن بلاده ستساهم في القوة الجديدة بفرقة من القوات الخاصة ولواء، وأن قوة الرد السريع ستكون قادرة على “رد العدوان العسكري” ومحاربة الإرهاب الدولي ومكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة والتعامل أيضًا مع الكوارث الطبيعية والتكنولوجية[153].
وفي مقابل تنامي النفوذ الروسي بصفة عامة في تلك المنطقة، بدأ الأوروبيون يشعرون بالقلق خاصة إزاء قضايا الطاقة. ويرى المحللون أن الأوروبيين يجدون صعوبة كبيرة في الحد من تبعيتهم لروسيا في مجال الطاقة، لاسيما وأن موسكو تعرقل الجهود التي يبذلونها منذ (18) شهرًا لإبرام اتفاقات مع دول منتجة أخرى. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وتجدد الخلافات حول الغاز بانتظام بين روسيا وأوكرانيا الدولة الرئيسية لعبور إمدادات الطاقة حاليًا إلى أوروبا، بات خفض الاعتماد على الغاز الروسي أحد هواجس سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية. وإزاء الجهود الأوروبية صرح الرئيس التركماني قربان قولي بردي محمدوف للاتحاد الأوروبي عن استعداد بلاده لتسليمه عشرة مليارات متر مكعب من الغاز اعتبارًا من العام 2009 لإمداد مشروع خط أنابيب الغاز “نابوكو”.
ويعتبر خط “نابوكو” الذي سيسمح بحلول 2012 أو 2013 بإمداد الأوروبيين بالغاز من بحر قزوين بدون المرور عبر روسيا، من ركائز الاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة. وينجز المشروع كونسورسيوم من ست شركات هي “أو أم في” النمساوية و”إم أو إل” المجرية و”ترانسغاز” الرومانية و”بلغارغاز” البلغارية و”بوتاس” التركية و”ار دبليو اي” الألمانية. ولايزال المشروع بحاجة إلى تمويلات مستثمرين، علمًا بـأنه سينقل خط الأنابيب هذا 30 مليار متر مكعب من الغاز[154]. غير أن سوزان نير الباحثة في فرع بروكسل من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، رأت أن المشروع “تعثر تمامًا” حتى الآن لعدم وجود ضمانة بأنه سيتم تموينه بكمية كافية من الغاز. وشككت الباحثة في وعد الرئيس التركماني مشيرة إلى أنه “قد باع حتى الآن أربعة أضعاف موارده للعالم بأسره”[155].
وبالمثل، أثارت روسيا الشكوك حول إمكانية نجاح مشروع “نابوكو” بإقامتها مشروع خط “ساوث ستريم” الذي سيسمح لها بنقل الغاز من القوقاز إلى بلغاريا مرورًا بقاع البحر الأسود. ولفتت نيس إلى أن اشتراك إيطاليا في تطوير هذا المشروع يثبت مرة جديدة أن الأوروبيين “لا يتحدثون دائمًا بصوت واحد” مع موسكو في موضوع الطاقة. وتشير أيضًا إلى مشروع “نورد ستريم” الروسي الألماني الذي سيربط بين البلدين مرورًا بقاع بحر البلطيق مثيرًا قلق دول البلطيق والسويد. كما أفادت نيس عن بحث يجري للوصل بين خطي ساوث ستريم ونابوكو مما سيضمن تموين خط نابوكو غير أنه سيسقط سبب وجوده الأساسي وهو الالتفاف على روسيا. وتفيد التوقعات الحالية بحسب نيس بأنه لن يكون من الممكن للأوروبيين وقف تزايد تبعيتهم للغاز الروسي قبل العام 2030، علمًا بأن الإمدادات الروسية مثلت في عام 2005 46% من واردات أوروبا[156].
وفي المقابل، عقد الاتحاد الأوروبي ودول آسيا الوسطى في باريس اجتماعًا هو الأول من نوعه ويهدف لتعزيز علاقاتهما السياسية والاقتصادية لاسيما في مجال الطاقة وذلك في خضم التوترات مع موسكو بسبب جورجيا، الجمهورية السوفياتية سابقًا. وشارك في هذا “المنتدى (الأول) بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى حول الرهانات الأمنية” وزراء خارجية الدول الخمس مع نظيرهم الفرنسي برنار كوشنير والممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية خافيير سولانا. وأعلنت المفوضة الأوروبية للعلاقات الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر أن تعزيز العلاقات مع آسيا الوسطى في ذلك المجال “من أبرز أولويات الاتحاد الأوروبي” لكن من مصلحة تلك الدول “أيضًا تنويع طرق تصدير محروقاتها”[157].
كما اهتم بتلك المنطقة أيضًا كل من إيران وتركيا. فبحكم الجوار واللغة والدين فبعضهم يتحدث التركية والآخر الفارسية وجميعها دول مسلمة، وإن كان مفهومًا وطبيعيًّا اهتمام تركيا الجارة وشريكة بعضها في اللغة والدين واستقبالها الطلاب والمتدربين. والأمر نفسه بالنسبة لإيران التي تملك المعايير نفسها. غير أنه من اللافت الجهود الكبيرة التي بذلتها إسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية معها منذ اليوم الأول لاستقلالها وتمتين هذه العلاقات وتقديم الخبرات الإسرائيلية واستقدام المتدربين منها وتوجيه الاستثمارات إلى هذه البلدان ودعوة رؤسائها لزيارتها، حتى كادت أن تكون ملعبًا مفتوحًا لإسرائيل، في الوقت الذي غاب فيه العرب.
فالملمح العام لتفاعلات الدول العربية مع جمهوريات آسيا الوسطى إيجابي؛ بمعنى خلوها من مظاهر التوتر التي تمر بها أحيانًا العلاقة بين تلك الجمهوريات ودول مثل روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران. إلا أنها مع ذلك تبقى علاقات خفيفة الوزن يغلب عليها الطابع الرسمي والروتينية. فالدبلوماسية العربية الجماعية إزاء دول آسيا الوسطى لا تزيد عن كونها مشروعًا للنوايا الطيبة. وحتى على مستوى التفاعل الثنائي، فإن المردود يأتي متواضعًا إلى حد بعيد. وتؤكد الإحصاءات الخاصة بالجانب الاقتصادي على ذلك. فالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، على سبيل المثال، والذي يُعد واحدًا من أنجح الصناديق التنموية في العالم العربي، قدم للجمهوريات الخمس ما بين 1993 وحتى 2006 قروضًا يصل مجموعها إلى (18) مليون دولار أميركي، في حين قدم إلى هندوراس، إحدى جمهوريات أميركا الوسطى، خلال الفترة 1992-2005 نفس المبلغ. وتدعم إحصاءات التجارة بدورها تلك الصورة المتواضعة. فالتبادل التجاري بين أكبر جمهوريتين بآسيا الوسطى هما أوزبكستان وكازاخستان من جهة وعدد من دول الخليج العربي -باعتبارها في مقدمة الدول العربية المنخرطة في التجارة العالمية من جهة أخرى- يكشف عن أرقام بسيطة للغاية[158].
فباستثناء دولة الإمارات التي سجلت تجارتها مع أوزبكستان قبل ثلاثة أعوام (50) مليون دولار، بلغ حجم التجارة الأوزبكية مع الكويت والسعودية 4.3 و3.9 مليون دولار على التوالي. ومع أن كلًا من مصر وأوزبكستان هما الأكثر سكانًا في المنطقتين، فإن التجارة بينهما كانت أكثر تواضعًا حيث يدور حجمها الإجمالي حول نصف مليون دولار. ولا تختلف الصورة كثيرًا في حالة كزاخستان التي وصلت تجارتها عام 2005 مع كل من قطر وسلطنة عُمان والسعودية ومصر إلى 1.2 و7.5 و1.9 و7.1 ملايين دولار على التوالي. ومع أن معظم الدول العربية أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهوريات آسيا الوسطى خلال عامي 1992 و1993، فإنه باستثناء العاصمتين الكبيرتين طشقند وآستانة، تعتمد كثير من الدول العربية على سفراء غير مقيمين بالجمهوريات الثلاث الأخرى مما يعكس محدودية العلاقات التي تحتاج من يرعاها. بل حتى في العاصمة الكزاخية الجديدة (آستانة) لا تتجاوز السفارات العربية عدد أصابع اليد الواحدة. وتقدم اتفاقيات التعاون الموقعة بين دول المنطقتين مؤشرًا آخر على ضآلة التفاعل.
ولو أخذت أوزبكستان كمثال، فإنه باستثناء وحيد يخص الاتفاقيات التي وقعتها مع مصر ووصلت بنهاية 2005 إلى 30 اتفاقية، تأتي بقية الدول العربية على مسافة بعيدة من ذلك. فلديها مع السعودية تسع اتفاقيات، والكويت أربع، وقطر خمس، ومع البحرين واحدة، وسلطنة عُمان ثلاث. والأمر ينطبق بصور مشابهة على بقية جمهوريات المنطقة. والملاحظ أن لهذه الاتفاقيات طابعًا إنشائيًّا عامًا يُرسي مبادئ فضفاضة للتعاون، دون أن يسندها بالدعم المالي والسياسي اللازم لجعلها فعالة[159].
وإذا كانت بعض مظاهر التقدم تبرز من حين لآخر وبالذات في المجال الثقافي، فإن ذلك يظل جزءًا بسيطًا من مرحلة تكوين طويلة لم تنقل العلاقات من الطابع الروتيني إلى الطابع الإستراتيجي. فمصر على سبيل المثال، وإن قدمت العام الماضي وحده 123 منحة تدريبية لموفدين من أوزبكستان وأعداد أخرى أقل إلى بقية الجمهوريات، فإن تلك المنح كانت قصيرة المدى تركز غالبيتها في قطاع الشرطة مما أضفى على التعاون الثقافي مسحةً أمنية. كما أن المشروعات الثقافية التي حاولت دعم مسألة الهوية بتلك الدول ومن بينها بناء قطر مركز إسلامي بالعاصمة الكازاخية آستانة، وتحمل السعودية كلفة بناء مبنى البرلمان الجديد بنفس المدينة، فإن ذلك الدعم يظل محدودًا في عمل واحد[160].
ولتفسير بقاء العلاقات العربية مع تلك الجمهوريات عند مستويات محدودة، عادةً ما تساق عدة تفسيرات من أبرزها:
1) تشابه القاعدة الاقتصادية بين المنطقتين حيث إن عددًا من دولهما منتج للنفط، مما يجعلهما متنافستين وليستا متكاملتين.
2) تعد آسيا الوسطى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ساحة لما يعرف “بالمباراة الكبرى الجديدة” التي تحاول فيها قوى عظمى وكبرى إقليمية ودولية وراثة النفوذ السوفيتي القديم، وفي خضم تلك الحرب الصامتة وجدت الدول العربية نفسها أمام قوى أكبر منها حجمًا وأكثر منها استعدادًا.
3) تزامن استقلال الجمهوريات الخمس مع مرحلة ما بعد تحرير الكويت، والتي لا تزال تداعياتها تتواصل إلى اليوم ومن أهمها عدم الاستقرار بالمنطقة العربية.
4) أقلق المدخل الثقافي الذي اعتمدت عليه الدول العربية، وركز إلى حد كبير على الجوانب الدينية، حكومات الجمهوريات الخمس ذات الطابع العلماني وتسبب في قلق آخر لدى روسيا التي خشيت أن تكون تلك العلاقات أداة لتغيير هوية المنطقة بشكل يخرجها تمامًا عن سيطرتها التقليدية.
5) بدأت الجمهوريات الخمس لتوّها عملية بناء الدولة، ومن يتعامل معها تواجهه عقبات جسيمة لم تكن الدول العربية على استعداد لتحملها، وإضافة إلى ذلك ظهرت لدى قيادات الدول حديثة العهد بالاستقلال نزعة موغلة في البراجماتية لم تنظر إلى العلاقات مع البلدان العربية إلا من منظور الثروة المالية التي يمكن تجميعها دون النظر إلى أهمية تطوير قاعدة متشابكة من المصالح تدعم التعاون وتعززه.
6) في النهاية، يبرز إطار أنسب لتفسير العلاقات المتواضعة بين المنطقتين يتمثل في فكرة العلاقة بين الهوامش في النظام الدولي والتي عادةً ما تكون العلاقات بينها هشة وضعيفة[161].
*****

الهوامش:

((1 وكالة الأنباء الفرنسية، الإعلان عن التعزيزات الأميركية في أفغانستان ليس بمستوى مطالب القادة العسكريين، 10 سبتمبر 2008.
(2) موقع قناة الجزيرة، “طالبان تسيطر على 72% من أراضي أفغانستان، 8 ديسمبر 2008، www.aljazeera.net
(3) وكالة الأنباء الفرنسية، مقاتلو طالبان أكثر جرأة وتنظيمًا ويحاصرون كابول، 21 أغسطس 2008.
(4) وكالة الأنباء الفرنسية، الملا محمد عمر يضمن أمن الجنود الأجانب في حال انسحابهم من أفغانستان،30 سبتمبر 2008.
(5) وكالة الأنباء الفرنسية، بترايوس يتحدث عن تفاقم العنف في بعض مناطق أفغانستان، 29 سبتمبر 2008.
[6] وكالة الأنباء الفرنسية، جبهة أفغانستان أسوأ بعشر مرات من العراق بالنسبة للجنود الأميركيين، 22 سبتمبر 2008.
[7] وكالة الأنباء الفرنسية، جنرال بريطاني يعتبر أنه من غير المحتمل تحقيق “نصر عسكري حاسم” في أفغانستان، 5 أكتوبر 2008.
[8] وكالة الأنباء الفرنسية، 21 سبتمبر 2008.
[9] وكالة الأنباء الفرنسية، مقتل حاكم ولاية أفغانية في اعتداء نسب إلى طالبان، 13 سبتمبر 2008.
[10] “سنة قاتمة في أفغانستان رغم تجدد الدعم الدولي”، تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية، 19 ديسمبر 2008.
[11] وكالة الأنباء الفرنسية، عناصر من طالبان يقطعون أذني مدرس في أفغانستان، 15 سبتمبر 2008.
[12] “سنة قاتمة في أفغانستان رغم تجدد الدعم الدولي”، تقرير سابق.
[13] وكالة الأنباء الفرنسية، أعلى حصيلة للقتلى المدنيين في أفغانستان تسجل في آب/ل\أغسطس (الأمم المتحدة)، 16 سبتمبر 2008.
[14] هيئة الإذاعة البريطانية، مسؤولون أفغان: سكان محليون يواجهون طالبان، 12 أكتوبر 2008.
[15] وكالة رويترز للأنباء، الأفغان يقولون إن الحياة ليست أفضل بعد الغزو، 11 سبتمبر 2008.
[16] وكالة رويترز للأنباء، الجيش الأفغاني يطور نفسه ببطء، 3 أكتوبر 2008.
[17] وكالة الأنباء الفرنسية، البشتون ينظرون بإجلال لبن لادن ويخشونه في آن واحد، 13 سبتمبر 2008
[18] “سنة قاتمة في أفغانستان رغم تجدد الدعم الدولي”، تقرير سابق
[19] وكالة الأنباء الفرنسية، أحد أشقاء الرئيس الأفغاني قد يكون متورطًا في قضية تهريب مخدرات (نيويورك تايمز)، 5 أكتوبر 2008
[20] وكالة الأنباء الفرنسية، 18 آلاف الأطنان من الأفيون مخزنة في أفغانستان (الأمم المتحدة)، سبتمبر 2008
[21] وكالة الأنباء الفرنسية، وكالة الأنباء الفرنسية، بوش يعرب عن قلقه حيال “التهديد الخطير” الذي تمثله المخدرات في أفغانستان، 17 سبتمبر 2008
[22] هيئة الإذاعة البريطانية، الناتو يؤيد إجراء محادثات مع طالبان، 7 أكتوبر 2008
[23] “سنة قاتمة في أفغانستان رغم تجدد الدعم الدولي”، تقرير سابق
[24] “القاعدة، تنظيم في تراجع أم خطر ما زال مستمرًا”، وكالة الأنباء الفرنسية، 10 سبتمبر 2008.
[25] وكالة الأنباء الفرنسية، بوش يأمر ببحث الاستراتيجية الاميركية في افغانستان، 25 سبتمبر 2008.
[26] وكالة الأنباء الفرنسية، جبهة أفغانستان اسوأ بعشر مرات من العراق بالنسبة للجنود الأميركيين، 22 سبتمبر 2008.
[27] “خطة ثورية لمواجهة دعايا طالبان”، موقع هيئة الإذاعة البريطانية، 10 أكتوبر 2008، www.bbcarabic.com
[28] وكالة رويترز للأنباء، كرزاي تفاجأ بإقتراح وزير دفاعه لقوة مشتركة لحراسة الحدود مع باكستان، 24 رويترز 2008.
[29] وكالة الأنباء الفرنسية، 8 سبتمبر 2008.
[30] وكالة رويترز للأنباء، براون وبوش يبحثان خطة بشأن الحدود الباكستانية الافغانية، 11 سبتمبر 2008.
[31] المرجع السابق.
[32] المرجع السابق.
[33] هيئة الاذاعة البريطانية، الناتو يؤيد إجراء محادثات مع طالبان، تقرير سابق، www.bbcarabic.com
[34] وكالة الأنباء الفرنسية، كابول: المفاوضات بين الحكومة الافغانية وطالبان تبقى في إطار الدستور، 23 أكتوبر 2008
[35] هيئة الإذاعة البريطانية، طالبان ترفض مبادرة كرزاي للسلام، 18 نوفمبر 2008، www.bbcarabic.com
[36] موقع الجزيرة، الملا عمر يطالب القوات الغربية بمغادرة أفغانستان، 8 ديسمبر 2008.
[37] هيئة الإذاعة البريطانية الجارديان: مبادرة سعودية لانهاء الصراع في أفغانستان، 28 سبتمبر 2008، www.bbcarabic.com
[38] هيئة الإذاعة البريطانية 8 ديسمبر 2008
[39] وكالة الأنباء الفنسية، خمسة الأف متظاهر في برلين وشتوتغارت ضد انتشار الجيش الألماني في أفغانستان، 20 سبتمبر 2008.
[40] وكالة الأنباء الفرنسية، المجاعة تهدد ملايين الأفغان في الشتاء المقبل، 30 أغسطس 2008.
[41] “سنة قاتمة في أفغانستان رغم تجدد الدعم الدولي”، تقرير سابق.
[42] وكالة الأنباء الفرنسية، انتخاب آصف زرداري ارمل بنازير بوتو رئيسًا لباكستان، 6 سبتمبر 2008.
[43] ) وكالة الأنباء الفرنسية، مشرف يترك لباكستان ارثا صعبًا، 19 أغسطس 2008.
[44] ) وكالة الأنباء الفرنسية، الائتلاف الحكومي لم يتجاوز بعد خلافاته أثر استقالة مشرف، 20 أغسطس 2008.
[45] وكالة الأنباء الفرنسية، قطب من أقطاب السلطة الجديدة في باكستان ينتقل من الأكثرية إلى المعارضة، 25 أغسطس 2008.
[46] ) وكالة الأنباء الفرنسية، انتخاب آصف زرداري ارمل بنازير بوتو رئيسًا لباكستان، تقرير سابق.
[47] ) وكالة رويترز للأنباء، الأمم المتحدة تطلب تمويلًا لمساعدة النازحين الباكستانيين، 23 أكتوبر 2008.
[48] ) وكالة رويترز للأنباء، دراسة..على الرئيس الأمريكي الجديد إنعاش السياسة تجاه باكستان، 3 أكتوبر 2008.
[49] ) وكالة الأنباء الفرنسية، إسلام آباد تحظر “حركة طالبان باكستان”، 25 أغسطس 2008.
[50] ) وكالة رويترز للأنباء، الأمم المتحدة تسحب أبناء العاملين ومقتل ثلاثة في تفجير بباكستان، 3 أكتوبر 2008.
[51] ) وكالة الأنباء الفرنسية، 2800 عائلة باكستانية تفر إلى أفغانستان، 19 سبتمبر 2008.
[52] ) المرجع السابق.
[53] وكالة الأنباء الفرنسية، الأمم المتحدة: نزوح 20 ألف باكستاني إلى أفغانستان منذ الصيف هربًا من المعارك، 29 سبتمبر 2008.
[54] ) وكالة رويترز للأنباء، الأمم المتحدة تطلب تمويلا لمساعدة النازحين الباكستانيين، تقرير سابق.
[55] ) وكالة الأنباء الفرنسية، مشرف يترك لباكستان ارثا صعبًا، تقرير سابق.
[56] هيئة الإذاعة البريطانية، قائد إسلامي يبرم اتفاق سلام مع الحكومة الباكستانية، 10 يوليو 2008، www.bbcarabic.com
[57] وكالة الأنباء الفرنسية، إسلام آباد تحظر “حركة طالبان باكستان”، تقرير سابق.
[58] ) المرجع السابق.
[59] ) وكالة رويترز للأنباء، إطلاق النار على موكب رئيس الوزراء الباكستاني، 3 سبتمبر 2008.
[60] ) وكالة الأنباء الفرنسية، باكستان تفرج عن أربعة من طالبان مقابل عشرة من جنودها، 6 نوفمبر 2008.
[61] ) وكالة رويترز للأنباء، رجال قبائل باكستانيون يقاتلون متشددين في باجور، 30 سبتمبر 2008.
[62] وكالة الأنباء الفرنسية، باكستان تواجه تحديات متعددة تهدد استقرارها، 26 أكتوبر 2008.
[63] ) المرجع السابق.
[64] وكالة الأنباء الفرنسية، ارتفاع عدد العمليات الأميركية في المناطق القبلية الباكستانية، 27 مارس 2008.
[65] ) وكالة رويترز للأنباء، جيتس: أكبر تهديد لأمريكا قادم من منطقة باكستان، 23 سبتمبر 2008.
[66] ) المرجع السابق.
[67] وكالة الأنباء الفرنسية، المستقبل يبقى قاتمًا للباكستانيين والأفغان أيًّا كان الرئيس الأميركي المقبل، 23 أكتوبر 2008.
[68] وكالة الأنباء الفرنسية، توتر في العلاقة مع إسلام آباد مع شن الولايات المتحدة هجمات برية في باكستان، 12 سبتمبر 2008.
[69] المرجع السابق.
[70] ) المرجع السابق.
[71] جريدة صنداي تايمز – 3 أغسطس 2008.
[72] وكالة رويترز للأنباء، رجال قبائل باكستانيون يقاتلون متشددين في باجور، تقرير سابق
[73] ) وكالة رويترز للأنباء، 30 سبتمبر 2008.
[74] ) وكالة رويترز للأنباء، 30 سبتمبر 2008.
[75] ) وكالة الأنباء الفرنسية، أفغانستان والعراق وإيران في مقدم التحديات التي تواجه أوباما، تقرير سابق.
[76] جريدة صنداي تايمز – 3 أغسطس 2008.
[77] موقع الجزيرة، 16 يوليو 2008، www.aljazeera.net
[78] ) وكالة الأنباء الفرنسية، توتر في العلاقة مع إسلام آباد مع شن الولايات المتحدة هجمات برية في باكستان، تقرير سابق.
[79] وكالة الأنباء الفرنسية، الائتلاف الحكومي يتلقى ضربة موجعة في الانتخابات التشريعية في ماليزيا، 9 مارس 2008.
[80] الجزيرة، أنور إبراهيم لاذ بسفارة تركيا هربا من تهمة شذوذ جديدة، 30 يونيو 2008.
[81] وكالة رويترز للأنباء، الإسلاميون في ماليزيا يتراجعون عن دعم زعيم المعارضة، 15 أغسطس 2008.
[82] ) وكالة رويترز للأنباء، ماليزيا تحيي ذكرى استقلالها وسط نذر عاصفة سياسية، 31 أغسطس 2008.
[83] ) وكالة رويترز للأنباء، زعيم المعارضة الماليزية يتراجع عن تعهده بإسقاط الحكومة في سبتمبر، 24 سبتمبر 2008.
[84] ) هيئة الإذاعة البريطانية، ماليزيا تعتقل معارضين، 13 سبتمبر 2008
[85] موقع قناة العربية، استقالة وزير العدل الماليزي احتجاجًا على عمليات اعتقال، 16 سبتمبر 2008.
[86] Thomas Fuller, Privileged Status at Risk, Malays Protest After Election Losses, جريدة النيويورك تايمز، 15 مارس 2008
– http://www.nytimes.com
[87] وكالة رويترز للأنباء، ماليزيا تحيي ذكرى استقلالها وسط نذر عاصفة سياسية، 31 أغسطس 2008.
[88]الخليج تايمز – 1 فبراير 2008 – Ethnic anger on the rise in Malaysia
– http://www.khaleejtimes.com
[89] جريدة ماليزيان صن،11 فبراير 2008 – Take family permission for conversion, Malaysia tells non-Muslims-
http://www.malaysiasun.com
[90] ) موقع العربية الالكتروني – 25 يوليو 2008 – http://www.alarabiya.net/english/
[91] ) وكالة رويترز للأنباء، مجلس الفتوى في ماليزيا يحرم ممارسة اليوجا، 22 نوفمبر 2008.
[92] 27 يونيو 2008 – CDIR Condemns Malaysia’s expulsion plan Against Immigrants
http://la.indymedia.org/news/
[93] لمزيد من المعلومات حول التقرير: World Refugee Survey 2008 – Malaysia, http://www.unhcr.org/cgi-bin/texis/vtx/refworld/rwmain
– انظر أيضًا: وكالة أنباء الشرق الأوسط، 21 يونيو 2008.
[94] وكالة أنباء الشرق الأوسط، أندونيسيا تعزز مكانتها الإقليمية والدولية سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا عام 2008، 27 ديسمبر 2008.
[95] يعتبر محللون أن استضافة جزيرة بالى لذلك المنتدى تمثل منعطفًا هامًا في مسار التحولات الديمقراطية التي شهدتها أندونيسيا منذ الاطاحة بالرئيس الأندونيسي سوهارتو الذي حكم البلاد بقبضة حديدية بمساعدة الجيش لمدة 32 عامًا حتى عام 1998. وأشار المحللون إلى أن ذلك يعكس مدى نضوج تجربة التحولات الديمقراطية بأندونيسيا التي شهدت إجراء أول انتخابات عامة ورئاسية نزيهة عام 2004.
إلا أنه في المقابل يرى ساسيون أن بلادهم عاجزة عن دعم الديمقراطية بالدول الآسيوية لأن تجربتها المتعلقة بالتحولات الديمقراطية لم تنضج حتى الآن رغم مرور عشر سنوات على بدايتها. وفي هذا قال وزير الدفاع الأندونيسي جونو سودارسونو ان الديمقراطية في بلاده مازالت “فوضوية” موضحًا أن القيادات المدنية التي تولت الحكم عقب الاطاحة بسوهارتو اخفقت في تدعيم الديمقراطية في كافة الأقاليم الأندونيسية وبالتالي فبلاده لا تستحق أن تكون ثالث أكبر ديمقراطية في العالم بعد الولايات المتحدة والهند. (وكالة أنباء الشرق الأوسط، 9 ديسمبر 2008)

[96] وكالة أنباء الشرق الأوسط، أندونيسيا تعزز مكانتها الإقليمية والدولية سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا عام 2008، تقرير سابق.
[97] وكالة أنباء الشرق الأوسط، هل تقود أندونيسيا رابطة آسيان باتجاه المشاركة الاستراتيجية بدعم أمريكى، 15 نوفمبر 2008.
[98] وكالة أنباء الشرق الأوسط، تحديات سياسية واقتصادية ضخمة تجابه الكيان الاندونيسى، 14 سبتمبر 2008.
[99] وكالة أنباء الشرق الأوسط، 66% من الاندونيسيين قلقون من احتمال تفتت بلادهم فى المستقبل، 14 ديسمبر 2008.
[100] وكالة أنباء الشرق الأوسط، تحديات سياسية واقتصادية ضخمة تجابه الكيان الاندونيسى، تقرير سابق.
[101] وكالة أنباء الشرق الأوسط، مسئول اندونيسى يقول ان الأزمة المالية الدولية ستضرب الاقتصاد بقوة خلال النصف الأول من عام 2009، 3 ديسمبر 2008.
[102] وكالة أنباء الشرق الأوسط، الانتخابات والأزمة المالية تعززان التوتر السياسى بأندونيسيا عام 2009، 3 يناير 2009.
[103] وكالة أنباء الشرق الأوسط، 3 يناير 2009.
[104] وكالة أنباء الشرق الأوسط، الجيش الأندونيسى بين الإصلاحات العسكرية وإغراءات الشركات الأجنبية، 31 أغسطس 2008.
[105] وكالة أنباء الشرق الأوسط، اشتباكات بين الشرطة والألاف من مؤيدى منفذى تفجيرات بالي بوسط إندونيسيا، 9 نوفمبر 2008.
[106] وكالة أنباء الشرق الأوسط، محللون أندونيسيون: أخطاء الحكومة والإعلام عززت التعاطف الشعبي تجاه منفذى تفجيرات بالي، 11 نوفمبر 2008.
[107] وكالة أنباء الشرق الأوسط، 8 ديسمبر 2008.
[108] وكالة أنباء الشرق الأوسط، محللون اندونيسيون ينتقدون تراجع الحريات الدينية ببلادهم عام 2008، 24 ديسمبر 2008.
[109] وكالة أنباء الشرق الأوسط، نشر مئات الجنود لاحتواء العنف الطائفى بشرق إندونيسيا، 11 ديسمبر 2008.
[110] وكالة أنباء الشرق الأوسط، أندونيسيا تعيد النظر في كافة القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، 3 ديسمبر 2008.
[111] وكالة أنباء الشرق الأوسط، يودويونو يتجاهل احتجاجات مئات الإندونيسيين ويوقع قانون مكافحة الإباحية، 9 ديسمبر 2008.
[112] المرجع السابق.
[113] حسين العودات، إهمال العرب للجمهوريات المنسية، http://www.muslimuzbekistan.net/ar/index.php
[114] عاطف عبد الحميد، 15 سنة من الإستقلال.. ماذا جنت آسيا الوسطى، 18 نوفمبر 2006، www.aljazeera.net
[115] المرجع السابق.
[116] المرجع السابق.
[117] Deirdre Tynan, “Central Asia: Western Democracies enable ‘Petro-Authoritarianism’ – Report”,http://www.eurasianet.org/index.shtml, June 27th, 2008
[118] المرجع السابق.
[119] العلاقة بين الإسلاميين والسلطة في آسيا الوسطى، ملف خاص، 15 يوليو 2007، www.aljazeera.net
[120] وكالة الأنباء الفرنسية، حظر التيار السلفي الإسلامي في طاجيكستان، 9 يناير 2009
[121] كزاخستان.. الثروة وتقاطع المصالح، 24 نوفمبر 2005، www.aljazeera.net
[122] عاطف عبد الحميد، 15 سنة من الإستقلال.. ماذا جنت آسيا الوسطى، مرجع سابق.
[123] John C.K. Daly, “Kazakhstan’s Emerging Middle Class”, March 5th 2008, Central Asia-Caucasus Institute, http://www.silkroadstudies.org/new/index.htm
[124] Associated Press Agency, Kazakhs seek to improve election law, Nov. 8th 2008
[125] 17 يونيو – (تحليلات) معهد آسيا الوسطى – القوقاز – http://www.cacianalyst.org
[126]كزاخستان.. الثروة وتقاطع المصالح، مرجع سابق.
[127] 9 يونيو 2008، http://muslimuzbekistan.net/ar
[128] Reuters, 9 December, 2008
[129] تقرير العفو الدولية حول أوضاع حقوق الإنسان في أوزبكستان لعام 2008، http://muslimuzbekistan.net/ar، 31 مايو 2008
[130] 20 فبراير، كريموف فى المرتبة الثامنة لأكثر الرؤساء ديكتاتورية، http://www.muslimuzbekistan.net/ar/centralasia/featured/story.php?ID=15876
[131] تقرير منظمة العفو الدولية: قيرغيزستان 2008، http://www.amnesty.org/ar/region/kyrgyzstan/report-2008#
[132] المرجع السابق
[133] Interfax Press Agency, Kyrgyz president’s son questioned, 30 September 2008
[134] تقرير منظمة العفو الدولية: قيرغيزستان 2008، مرجع سابق.
[135] 24 يونيو – (تحليلات) معهد آسيا الوسطى – القوقاز – http://www.cacianalyst.org
[136] 9 يوليو – (تحليلات) معهد آسيا الوسطى – القوقاز – http://www.cacianalyst.org)
الحكومة القيرغيزية تستعد لصيف سياسي ساخن – إعداد: اريكا مارات
[137] وكالة الأنباء الفرنسية، تركمانستان تعتمد دستورًا جديدًا أكثر ديمقراطية، 26 سبتمبر 2008.
[138] وكالة الأنباء الفرنسية، انتخابات يؤمل أن تشكل انفتاحًا في تركمانستان، 14 ديسمبر 2008.
[139] وكالة الأنباء الفرنسية، تركمانستان ستسحب اسم الرئيس السابق من النشيد الوطني، 8 ديسمبر 2008.
[140] نور الدين جبنون، علاقات الولايات المتحدة مع جمهوريات آسيا الوسطى، 15 يوليو 2007، www.aljazeera.net
[141] كزاخستان.. الثروة وتقاطع المصالح، مرجع سابق.
[142] المرجع السابق.
[143] المرجع السابق.
[144] عاطف معتمد عبد الحميد، مرجع سابق.
[145] المرجع سابق.
[146] المرجع سابق.
[147] المرجع السابق.
[148] نور الدين جبنون، علاقات الولايات المتحدة مع جمهوريات آسيا الوسطى، مرجع سابق.
[149] وكالة الأنباء الفرنسية، مسئول نمساوي: تركمانستان شريك مهم في مشروع خط أنابيب نابوكو، 18 نوفمبر 2008.
[150] ترجمة (فيكان شيتيريان، آسيا الوسطى.. القاعدة الخلفية لأميركا، جريدة لوموندديبلوماتيك)، http://www.islamicnews.net/HomeTab0.asp?TabIndex=0
[151] تأهب أميركي لمواجهة تنامي النفوذ الروسي في آسيا الوسطى وأفغانستان، http://muslimuzbekistan.net/ar
[152] وكالة الأنباء الفرنسية، روسيا تحصل على دعم الصين وآسيا الوسطى بشأن جورجيا، 28 أغسطس 2008.
[153] http://muslimuzbekistan.net/ar، 6 فبراير 2009.
[154] وكالة الأنباء الفرنسية، مسئول نمساوي: تركمانستان شريك مهم في مشروع خط أنابيب نابوكو، مرجع سابق.
[155] وكالة الأنباء الفرنسية، أوروبا تعجز عن الحد من تبعيتها لروسيا في مجال الغاز، 19 أبريل، 2008
[156] المرجع السابق.
[157] وكالة الأنباء الفرنسية، اجتماع بين الاتحاد الأوروبي ودول آسيا الوسطى على خلفية نزاع جورجيا، 18 سبتمبر 2008
[158] علاقات العالم العربي بجمهوريات آسيا الوسطى، 15 يوليو2007، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5F7D8B3B-A478-4E04-AADD-0A12FFCE3359,frameless.htm
[159] المرجع السابق.
[160] المرجع السابق.
[161] المرجع السابق.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2009

الوسوم