تقارير ودراساتسلايدر

السيبرانية: المفهوم، الخصائص، الفرص والإشكاليات

مقدمة:

استُخدم مصطلح “الفضاء السيبراني” لأول مرة من قبل كاتب الخيال العلمي ويليام جيبسون في رواية نشرها عام 1984 بعنوان Neuromancer. في هذه الرواية وصف جيبسون الفضاء السيبراني بأنه شبكة من الحواسيب، في عالم مليء بكائنات اصطناعية الذكاء. لاحقًا استُعير هذا المفهوم لوصف شبكات الاتصالات وتقنيات الواقع الافتراضي الناتجة عن تشبيك مئات الملايين من الحواسيب وغيرها من مكونات البنية التحتية للإنترنت. واليوم يمثل الفضاء السيبراني شبكة حية تمتد عبر العالم، وتشمل بيئة كثيفة من الشبكات التي تتفاعل جميعها معًا، وتؤثر على حياتنا. وعلى الرغم من أنه غالبًا ما يُنظر إلى هذا الفضاء على أنه عالمٌ مستقلٌ عن الواقع المادي، إلا أنه لاحقًا صار الفضاء الحقيقي والفضاء السيبراني يتبادلان التأثير، ويشكل كلٌّ منهما الآخر على نحو مستمر[1].

وعند الحديث عن الفضاء السيبراني كفضاء افتراضي في مقابل العالم الماديّ، قد يتصور البعض أن الحدود الفاصلة بين العالمين واضحة تمامًا، ولكن مثل هذا التصور لا يعكس الحقيقة؛ إذ ثمة مساحات متعددة يتداخل فيها المادي مع الافتراضي ويتلبس كل منهما بالآخر، فالمادي به جزء كبير من الافتراضي، والافتراضي لا ينهض من دون بنية تحتية مادية. فإذا نظرنا إلى الافتراضي على أنه غير الملموس، فإنه بهذا المعنى موجودٌ في إطار حياتنا المادية بصورة أساسية، على سبيل المثال لا يمكن التفاعل في إطار المحيط البشري، إلا من خلال وجود مساحة عقلية مشتركة بين المتفاعلين، تنطوي على افتراضات ذهنية تواصلية معينة، تنمذج عبر اللغة والثقافة وآليات الفهم والاستيعاب. بعبارة أخرى إن ما يحدث بين عقولنا هو في النهاية تواصل افتراضي بمعنى من المعاني، وما شكَّل التعبير عن هذا التفاعل الافتراضي إلا قالب واحد محتمل (اللغة، الكتابة، الفن، إلخ)، ضمن قوالب أخرى محتملة، وعندما يجري التفاعل البشري في إطار الفضاء السيبراني، فإن ما يختلف هو القالب الذي يتم فيه التفاعل وليس أيَّ شيء آخر، فهنا نحن نتحدث عن اختلاف في الوسيلة وليس في جوهر التفاعل أو وجوده[2].

ولهذا يصف البعض الفضاء السيبراني بأنه مكان سائل، بلغة زيجموند باومان، أو مكان افتراضي لا يمكن الوصول إليه، ولكن يمكن الفعل فيه، سمته التدفق المستمر والتشكُّل اللامتناهي، وهاتان الخاصيتان هما أبرز ما يميز المعلومات، ففي الفضاء السيبراني تتدفق المعلومات، وتعيد تشكيل الحقيقة طوال الوقت. هذه الخواص (التدفق وإعادة التشكل) كان من الطبيعي أن تقود إلى فرص متباينة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان، أدت إلى أن يرتبط الفضاء السيبراني بعدد من ثنائيات الفرص والإشكاليات، هذه الثنائيات هي ما نخصص لعرضه الجزء المتبقي من هذه الورقة.

ثنائية الحقيقة والكذب

عند الحديث عن خصائص العالم الجديد، يشير البعض إلى الإمكانات الهائلة للفضاء السيبراني، وعلى وجه الخصوص الإمكانات المعلوماتية، والتي تبدو -كمِّـيّا- كما لو كانت بلا حدود، حتى إن البعض يشير إلى أن الحدود الوحيدة للكمّ المعلوماتي المتاح للفرد في إطار الفضاء السيبراني، هي حدود خياله. والمعنى أنه لا سقف لما يمكن للفرد أن يحوزه من معلومات، اللهم إلا الحدود التي يصنعها خياله وقدرته على البحث. ففي النهاية لن يبحث المرء عن معلومات لا يتصور وجودها؛ ومن هنا فإن القدرات الشخصية والإمكانات العقلية هي التي تحدد حدود الوفرة المعلوماتية، وليس كميات ونوع المعلومات التي تشهد حالة من التضخم المستمر.

ولكن كما أن هناك كَمًّا هائلا من المعلومات والبيانات الرقمية الصحيحة، فإن هناك كمًّا ضخمًا من البيانات المضلِّلة في ذات الوقت Disinformation))، بل الكثير من النفايات المعلوماتية التي قد لا تستطيع العين البشرية تمييز فسادها، والأخطر أنه حتى لو تبين فسادها فإنها تظل هناك؛ إذ سيظل الكثيرون يستخدمونها ويؤكدونها، كما لو كان معيار الصحة والكذب لم يعد ضروريا لتحديد ما الذي يمكن استخدامه وما الذي يتعين استبعاده من المعلومات[3]. ولوصف هذه الظاهرة ظهر مصطلح مجتمعات ما بعد الحقيقة (Post-truth Society)؛ ليشرح خصائص الحالة الجديدة والواقع الذي يفرض نفسه على الجميع. ويشير هذا المصطلح إلى السياقات التي تكون خلالها الحقائق أقل تأثيراً في توجهات الناس من الادّعاءات غير الدقيقة التي تركز على المعتقدات والانحيازات الشخصية. بمعنى آخر، تصبح الانحيازات العاطفية ومشاعر الأفراد هي الفيصل في الحكم على المعلومات، وليس مجريات الواقع الفعلي[4].

ويرجع فرانسيس فوكوياما جذور هذه الظاهرة إلى غياب “سلطة المؤسسة” في حالة إنتاج المعلومات، وخصوصًا بعد أن أصبح بمقدور أي جهة أن تنتج المعلومات وتتشاركها على نطاق واسع، فيما فقدت المؤسسات المعتبرة (الدولة، المؤسسة الدينية، الأسرة….) في إطار المجتمع المادي قدرا كبيرا من سلطتها، أمام الهجمة التقانية، التي جعلت من لامركزية المعلومة أمرًا واقعًا، يتعين البحث في طرق التعايش معه، بدلا من الاكتفاء بإنكاره أو استنكاره [5].

ثنائية الراحة والمشقة

بشكل عام يعكس التطور التقاني نوعًا من الرغبة في استخدام العلم والابتكار لجعل الوجود البشري أكثر ملاءمة وراحة، ولهذا فإنّ جانبًا كبيرًا من جاذبية العالم السيبراني يرجع إلى ما يُعدّ به مستخدميه من سهولة ويسر؛ ومن ذلك فكرة مجانية الخدمات والمعلومات، فمعظم التطبيقات والخدمات التي تطرح في إطار الفضاء السيبراني تقدم على نحو مجانيّ، ولكن وراء هذا الكرم عادة ما يكون ثمة ثمنٌ يدفع، يتمثل في الوصول إلى معلومات الفرد، إما طواعية من خلال قيام الفرد بمشاركة معلوماته الشخصية (على سبيل المثال من خلال الموافقة على اتفاقيات الشروط والأحكامTerms and Conditions)، وإما بشكل غير مباشر من خلال تتبع ما يقوم به الفرد من عمليات بحث ومن تفاعل افتراضي. وفي بعض الأحيان تكون هذه المعلومات شرطًا -ولو غير مباشر- للحصول على الخدمات والتطبيقات “المجانية”. ولا تتوقف الاستفادة من المعلومات الشخصية على الشركات الخاصة، وإنما هناك أيضا الحكومات التي تستفيد من الخدمات المرقمنة للوصول إلى ما لم تكن تعرفه من قبل بخصوص مواطنيها؛ سواء لأغراض حميدة كما يحدث عندما تستخدم المعلومات في حل شفرات الجرائم وتحديد هويات المجرمين، أو لأغراض غير حميدة عندما يتعلق الأمر بمراقبة المعارضين والمؤثرين وتتبع أنشطتهم[6].

ويحدث كثيرًا أن يكون المستخدمون أنفسهم غير ممانعين لتقديم معلوماتهم للجميع، إما لأن المقابل يستحق (من وجهة نظرهم) وإما لقناعتهم بأنهم ليس لديهم ما يخفونه أو يخشون عليه من السرقة أو الافتضاح، وإما، وهو الأغلب، لأن الآخرين يفعلون نفس الشيء، فإذا كان الجميع يكشفون بياناتهم الشخصية فلماذا أمتنع أنا؟ وهكذا فإن فعل الكشف عن الأسرار والمعلومات يصبح فعلاً طوعيًّا في كثير من الأحيان، من دون أدنى فكرة عمن سيصل إلى هذه البيانات، وكيف ومتى[7]. ولكن يمكن لهذه الحالة من “الانكشاف بغرض الراحة” أن تكون مدخلا لشقاء لاحق؛ إذ إنها تعني أنه يمكن لأي جهة كانت أن تطلع على ما تريد معرفته عن السلوك المعلوماتي للفرد بالتفصيل؛ ومن ثم استنتاج جوانب عديدة قد لا يكون من مصلحة الفرد أن يُطلع عليها الآخرين: ماذا اشتريت، وعن ماذا بحثت، وماذا شاهدت، وأين ذهبت، وبمن اتصلت، وكم أنفقت، وما الأدوية التي تُعالج بها، وما الأمراض التي تعالج منها، وما طبيعة العلاقات التي تقيمها مع الآخرين، ومن هم أطراف هذه العلاقات. ولا يتوقف الأمر على الوصول إلى المعلومات الشخصية؛ فالفضاء السيبراني قد سهل أيضًا أنواعًا من القرصنة وأعمال التسلل والسطو على بيانات بطاقات الائتمان الإلكترونية، وانتحال الهوية[8].

ثنائية الفوضى والنظام

يرتبط مفهوم الفضاء الافتراضي بتضخم هائل في القدرة على تخزين المعلومات، لدرجة تغير معها مفهوم التاريخ المدون، فبدلا من الطريقة التقليدية لكتابة التاريخ، والمبنية على الاختزال، يمكن الآن أن نحتفظ بصورة للعالم بكافة تفاصيله، بعبارة أخرى: يمكن أن نسجل عن الإنسان كل كلمة كتبها أو نطق بها طوال حياته، بفضل التضخم الهائل في القدرات الاستيعابية للوسائط المعلوماتية. فضلاً عن تنامي سرعة نقل المعلومات ومشاركتها. هذه القدرة المطردة على الاحتفاظ بكل شيء، ولدت نوعا جديدا من الإغراءات، سواء بالنسبة للمؤسسات الحكومية أو للمؤسسات الخاصة، فبالنسبة للأولى أصبح لدى الحكومات الرقمية ميل إلى الإبقاء على كميات هائلة من البيانات والمعلومات، حتى يتسنى لها لاحقا التدقيق فيها؛ للكشف عن الفساد، أو إجراء التحقيقات، أو تقييم الأداء أو ما شابه، أما بالنسبة للثانية فإن الكثير من الشركات تدفعها الرغبة للتمتع بقدرة اقتصادية تنافسية إلى تخزين كل ما تجمعه من بيانات عن ملايين المعاملات، وتفاصيل كل معاملة، من حيث تاريخها، ووقتها والمبيع منها والمتجر والسعر والمشتري، وكيفية السداد، وهل كان عن طريق بطاقة ائتمانية أم عن طريق الخصم من الحساب الشخصي، أم عن طريق الدفع نقدا. لدرجة أن المعادلة الآن أصبحت معكوسة، فبعد أن كانت المطالب قديما تتوجه إلى ضرورة سن تشريعات لتوثيق وأرشفة المعلومات، أصبحت تتوجه حاليا إلى ضرورة سن قوانين تحدد متى يمكن التخلص من المعلومات، فمن دون سن مثل هذه القوانين يبدو أنه سيكون من الصعب على أي جهة أن تتخلص طواعية عن أي بيانات تمتلكها.

بفعل هذه الخاصية العجيبة راهن بعض ناقدي المجتمع السيبراني على أنه سيؤول إلى حالة من الفوضى، الناتجة عن التراكم الهائل وغير المسبوق للمعلومات. افترض هؤلاء أن تراكم كميات هائلة من المعلومات من مصادر متعددة، لن يترجم إلى مزيد من النظام، بقدر ما سيشير إلى حالة من الفوضى التي تتساوى فيها الأضداد، المهم والتافه، القيِّم والبخس، الصادق والكاذب، ومن ثم فإن الرغبة المحمومة في مراكمة المزيد من المعلومات لن يتولد عنها إلا المزيد من العمى المعلوماتي[9]. يرتبط هذا بما سبق وأشرنا إليه عن مجتمع ما بعد الحقيقة، والمتعلق بغياب أي معايير مشتركة للصدق، وانهيار الفواصل بين الحقائق والأخبار والمعلومات والآراء والمعتقدات. ولكن لم يصدق هذا النقد على نحو كامل في الواقع الذي شهد في كثير من الأحيان عكسه، فتنامي القدرة على تخزين ومراكمة المعلومات صاحبتها قدرة موازية على تصنيف هذه المعلومات والاستفادة منها؛ إذ ازدادت أجهزة الحاسوب قدرةً على استخلاص المعاني من هذا الركام المعلوماتي الهائل، بل ونشأت حقول علمية جديدة مهمتها وضع هذه المادة الخام الهائلة موضع الاستفادة، مثل حقل علم البيانات Data Science، والبيانات الكبيرة Big Data. بل إن القدرة على التصنيف والاستفادة لم تعد تقتصر على مصادر البيانات والمعلومات التقليدية، الموجودة في السجلات الحكومية والخاصة فقط، وإنما تخطتها لتشمل البيانات غير المنظمة (Unstructured data) التي تشمل التعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي، وكلمات البحث، والتدوينات والتغريدات، بل وأصبح المحتوى المرئي والمسموع نفسه، ضمن المصادر المحتملة للمعلومات، والتي يمكن تحليلها واستخلاص الاتجاهات من خلال استطلاع مضمونها[10]. وهكذا لم تعد عبارة إن كثرة المعلومات تعني الفوضى، عبارة صحيحة دائماً، فعلى الأقل بالنسبة للجهات التي قطعت شوطا في مجال تحليل البيانات Data analysis، في إطار مجتمع المعلومات الضخم، يظل بالإمكان استخلاص معلومات مهمة من البيانات المتراكمة.

ثنائية الانفتاح والانغلاق

كان للفضاء السيبراني أثرٌ إيجابيٌّ على نوعية حياة الكثيرين من خلال مساعدتهم على الانفتاح على فضاءات وعوالم لم يكن لهم القدرة على بلوغها في السابق، على سبيل المثال تركت وسائل التواصل الاجتماعي تأثيرات هائلة على حياة الكثيرين، من حيث إنها حيث جمعت الناس معًا على مستوى العالم، ووسعت آفاق الفرد إلى ما وراء الحدود المحلية وحتى الوطنية، ومكنت الأفراد في أجزاء مختلفة من التواصل، كما أنها جعلت الحكومات والشركات الكبرى أكثر شفافية، كما تعمل التقانات الجديدة المستخدمة في إطار هذا العالم على توسيع وتسريع وصول المواطنين إلى المعلومات بشكل كبير، ما أتاح، لأول مرة، تبادلًا حرًا حقيقيًا للأفكار ووجهات النظر. وسمح بتعرض الجمهور لمجموعة متنوعة غنية من الآراء، بما في ذلك الآراء المعارضة. كما أتاح انفتاحا للمواطنين على معلومات متخصصة كانت متاحة حصرا للحكومات وأجهزتها السيادية في السابق.

ولكن تقانات العالم الجيد في الوقت نفسه وللغرابة الشديدة أوجدت بمعنى من المعاني حالة من الانغلاق المعلوماتي، فالأفراد الذي يستخدمون خدمات الفضاء السيبراني يصلون فقط إلى المواد التي أظهروا اهتماما بها في السابق؛ الأمر الذي يؤدي إلى انحباسهم داخل ما يسمي فقاعات التصفية أو فقاعات الترشيح Filter Bubble، والتي تشير إلى أنه كلما زاد استخدام الأشخاص لمحركات البحث بطريقة معينة، كلما تكيفت هذه المحركات، من خلال خوارزميات معقدة؛ لتزويد المستخدمين بما يتفق مع اختياراتهم. فيظل المرء حبيس اختيارات مسبقة، تؤكد قناعات معينة عنده، وتزيد من تمسكه بمواقف أو آراء اتخذها في السابق[11]. فقد أدى التقدم في مجال تقانات تحليل البيانات الكبيرة (Big Data Analysis)، إلى تزايد القدرة على تخصيص المعلومات على نحو يوجه الفرد ويجعله يعيش في فقاعته الخاصة؛ بحيث لا يرى ولا يصل إلا إلى المعلومات التي سبق وأن بحث عما يشبهها. التخصيص أو customization بهذا المعنى هو أحد مزايا/عيوب الانخراط في الفضاء السيبراني، فكل فرد يعامل معاملة مخصصة له وحده؛ لأن تفضيلاته على حدة تؤخذ بعين الاعتبار، فالناخب يتلقى إعلانات تناسب مطالبه وتوقعاته من المرشحين، والمستهلك يتلقى إعلانات تناسب ذوقه وتفضيلاته، والمشاهد يتلقى ترشيحات بمواد معينة تناسب اختياراته، فمحركات البحث تجري عملية التخصيص على النتائج التي تظهر لكل فرد، على نحو يختلف عما يظهر لغيره، فلو بحث شخصان عن نفس المعلومة، فإن النتائج ستختلف بناء على عملية التخصيص التي يجريها محرِّك البحث لكل منهما، ومن الشائع -لكل من يستخدم وسائل التواصل- أن يجد ترشيحات صداقة لأفراد من دائرة معارفه الخاصة، وليس لأفراد عشوائيين[12].

بهذا المعنى يتحول الفضاء الافتراضي تدريجيا إلى سجن انفرادي بمعنى من المعاني، فهو يحدد للفرد أفقا معينا، يظل حبيسا له، ويقيده بالموضوعات التي يدور في فلكها. صحيح أن التخصيص ضرورة؛ حيث لا يوجد معيار أفضل من خيارات الفرد السابقة، لكي يتم على أساسها ترشيح المزيد من المعلومات له، ولكن إعادة استهلاك المعلومات بهذه الطريقة تجعل الفرد دائما في مواجهة مع ذاته، حبيسا لخيارته السابقة، على نحو ما توحي كلمة الفقاعة[13].

ثنائيات التحرر والتتبع

لعلّ أوسع ادّعاء متعلق بالفضاء السيبرانيّ هو أنه يدفع باتجاه تحول شامل في السلطة من النخب السياسية إلى عامة الناس، على نحو يستحث عملية تحول ديموقراطي راديكالية[14]. فقد نُظر دوما إلى الفضاء السيبراني على أنه مجال للتحرر من الاستبداد، والسلطة المركزية عموماً، فعلى خلاف مجتمع الدولة الهرمي نظر إلى الفضاء السيبراني على أنه مجتمع أفقي شبكي، لا مجال فيه للمركزية والهرمية، بكل ما يتفرع عنهما من رقابة وتحكم وبيروقراطية. فالمجتمعات الافتراضية لا تكاد توجد بها سلطة نهائية مطلقة. بعبارة أخرى: هي مجتمعات لا تعرف ظاهرة “السيادة” بالمعنى الشائع في إطار العلوم السياسية، وإنما هي مجتمعات ذاتية الانتظام، دون الحاجة إلى أي أبنية هرمية أو قرارات مركزية تستحضر معنى السلطة[15].

ولهذا -ومنذ وقت مبكر من تطور الإنترنت، وتحديدا في منتصف التسعينات- كان العديد من المستخدمين يجادلون بأن الفضاء السيبراني ينبغي أن يكون خاليا من الأنظمة أو الحكومات الوطنية. وفي هذا الصدد اقترح جون بيري بارلو (John Perry Barlow) “إعلان استقلال الفضاء السيبراني” والذي يقضي بألا تلعب الحكومات الوطنية أي دور في تنظيم الفضاء السيبراني؛ مؤكدا أن المجتمع القائم في الفضاء السيبراني سيضع قواعده ويدير نزاعاته بمعزل عن القوانين والسلطة القضائية في أي بلد بعينه. ومما له أهمية خاصة -وفقا لهذا الإعلان- حماية حرية التعبير والتبادل بين الشخصيات “المادية” في الفضاء السيبراني. وقد تشكلت منظمات مثل مؤسسة الحدود الإلكترونية (Electronic Frontier Foundation)، التي كان بارلو أحد مؤسسيها؛ بهدف حماية استخدام الفضاء الإلكتروني كموقع لتبادل المعرفة والأفكار والثقافة والمجتمع بحرية. وتسعى هذه المنظمات إلى تحقيق هذا الهدف من خلال مجموعة متنوعة من الأنشطة، بما في ذلك معارضة التشريعات التي يُنظر إليها على أنها تتعارض مع الاستخدام الحر للتكنولوجيا، والشروع في رفع قضايا أمام المحاكم للحفاظ على حقوق الناس، والقيام بحملات الدعاية لإعلام الجمهور وإشراكه في مسائل الفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا[16].

بيد أنه منذ اللحظة الأولى لظهور الإنترنت، أظهرت الحكومات اهتماما بكل من الأنظمة الوطنية والاتفاقات الدولية بشأن تنظيم الفضاء السيبراني، وأكدت على الجهات الفاعلة في الفضاء الحاسوبي أن تظل مقيدة بالقوانين التي تحكم موقعها المادي. وفي هذا الإطار بدأت الحكومات الوطنية في تطوير قوانين لتنظيم استخدام الفضاء السيبراني، ومن ذلك تنظيم التجارة الإلكترونية، وحقوق الملكية الفكرية الرقمية، وحقوق النشر والعلامات التجارية. كما تتناول القوانين المنظمة للفضاء السيبراني أيضًا الموضوعات المتعلقة بنشر المواد الإباحية وخطابات الكراهية والتشهير عبر الإنترنت والجرائم الإلكترونية، والموضوعات المتخصصة مثل أثر التوقيعات الإلكترونية في العقود؛ فضلا عن قضايا تتعلق بتنظيم الإنترنت نفسه، بما في ذلك قضايا مثل حيادية الشبكة[17].

التغلغل القانوني والرسمي في تفاصيل الفضاء السيبراني ولد مخاوف من نشوء نمط من الرقابة التقانية. فعلى عكس الصورة الشائعة بأنها أدوات للتحرير، فإن الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي وتقانات الاتصالات المعلوماتICT بشكل عام، توفر لأجهزة الأمن والبيروقراطية إمكانية الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات حول تحركات وآراء وأنشطة النشطاء السياسيين والمواطنين العاديين. كما توفر تقنيات العالم السيبراني وسيلة فعالة للغاية للسيطرة على السلوك المنشق واحتواء المعارضة السياسية. من ناحية أخرى يتمثل أحد الأبعاد السلبية لتحكم الدول والأنظمة الرسمية في الفضاء السيبراني فيما قد تمارسه هذه الأنظمة من رقابة على الإنترنت، والتي يمكن أن تتضمن قيودًا حكومية على الوصول إلى الإنترنت ومحتوياته. حيث تخشى العديد من الحكومات الشمولية من الإمكانات التحررية للفضاء السيبراني، لكونه يوفر وسيلة لتجاوز احتكارات وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. ومن المعلوم في هذا السياق أن الحكومة الصينية تحتفظ بضوابط صارمة حول من يستطيع الوصول إلى الإنترنت وحول المحتوى المتاح لهم. بل إن حكومة الولايات المتحدة نفسها تحد من بعض الأنشطة على الإنترنت، مثل تبادل البيانات الرقمية، والتي ينظمها قانون حقوق التأليف والنشر الرقمية للألفية (Digital Millennium Copyright Act) وغيرها من التشريعات[18].

المثير أن الظاهرة السيبرانية تضمنت أيضا ما يجعل من الرقابة فعلاً ذاتياً، يمارسه كل فرد على نفسه وعلى من يتفاعلون معه. فعلى حد المفكر الكوري بيونج شول هان تعمل السلطة على نحو أكثر فعالية عندما تفوض أمر المراقبة إلى الأفراد، فمن خلال تقانة مثل الهاتف النقال، يصبح في يد كل فرد رقيب على أفعاله، ولكنه ليس رقيبا عاديا وإنما هو أشبه بكرسي اعتراف محمول يبوح عليه الفرد طواعية بكل أسراره، ويتطوع من خلاله بالكشف عن أدق تفاصيل حياته، وأدق هواجسه وأفكاره وخواطره، واهتماماته؛ الأمر الذي يجعل من الفرد كتابا مفتوحا أمام كل من يبتغي التتبع أو المراقبة أو التلصص[19].

على أن التتبع في إطار الفضاء السيبراني لا يكون فقط للبنى الرسمية، فهناك القوى الاقتصادية التي تقيد من حرية الأفراد بطريقة ما، فعندما يتصل الأشخاص بالعالم السيبراني، فإنهم يتركون آثارًا رقمية electronic footprints، تجمعها شركات التكنولوجيا وتبيعها للمعلنين الذين يستخدمون معرفتهم الوثيقة بالحياة الشخصية للمستخدم لاستهدافه بإعلاناتهم. وبالتالي يتحول الأفراد/المستخدمون إلى منتجات رقمية/سلع يتم تتبعها، ومراقبة تفضيلاتها واختياراتها، ثم بيعها لمن يدفع أعلى سعر، في انعكاس غريب للعلاقات الاقتصادية التقليدية. وفي هذا الإطار يتم توظيف مفهوم البيانات الكبيرة Big data الذي يصفه البعض بأنه الوسيلة لتحويل الناس إلى حزم من المعلومات للاستخدام الاقتصادي؛ حيث تجمع الشركات التي تشارك في التنقيب عن البيانات عبر الإنترنت حجمًا هائلاً من المعلومات حول الأفراد، بما في ذلك تواريخ الميلاد والدخل والمواقع المفضلة وعادات الإنفاق، وتبيعها لأصحاب المصلحة الاقتصادية[20].

ثنائية الاتصال والانفصال

في المجتمع السيبراني تقوم الإمكانية النظرية للجميع أن يتواصل مع الجميع. ففي إطار التقانات الشبكية فإن كل مَن يملك أداة اتصال (مثل: هاتف نقال، حاسوب لوحي، حاسوب شخصي، …) يمكنه أن يتصل أو يتواصل مع غيره. وجهة النظر الإيجابية ترى أن ذلك جعل ملايين البشر أكثر ارتباطًا ببعضهم البعض، أكثر من أي وقت مضى، كما سمح للأفراد بالوصول إلى من لديهم نفس طريقة التفكير أو الاهتمام، حتى لو لم يكونوا متجاورين ماديا. فبالنسبة لأكثر من نصف سكان العالم، أصبح الإنترنت والهواتف المحمولة والرسائل النصية وأشكالٌ مختلفة من وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل منسوجة تمامًا في روتين وإيقاعات الحياة اليومية، حتى إن الاطّلاع على مواقع مثل LinkedIn وFacebook قد غدا جزءًا من الروتين اليومي لكثير من الأفراد، لمشاركة الأفكار، والبقاء على اتصال، والتعبير عن الذات[21].

ولكن هذا الاتصال الافتراضي قد يتضمن في ذات الوقت انفصالاً بين الموجودين في إطار العالم المادي، فالتواصل الأول لا يتم إلا على حساب انقطاع في الثاني، وثمة جدل مستمر حول العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي، والتواصل الاجتماعي الحقيقي للأفراد، فلم يعد السؤال هو هل غير استخدام هذه الوسائل الافتراضية أنماط التفاعل الاجتماعية الأخرى، وإنما أصبح السؤال عن الكيفية التي تغيرت بها العلاقات الاجتماعية التقليدية بفعل الأدوات والتقنيات الجديدة؟ فقد أصبح رواد الفضاء السيبراني يعيشون طقوسا اتصالية على الشبكة وانفصالية مع الواقع. أما الأخطر في إطار هذه الثنائية فهو تحول الاتصال السيبراني إلى ما يشبه الأساس الوجودي لقبول الأفراد، أو الكود الأخلاقي الذي يتعين عدم معارضته أو مخالفته، وذلك وفق مقولة ديكارتية محرفة مفادها: “أنت تغرد إذن أنت موجود”. فأي شخص يتخلف عن الاتصال السيبراني، هو شخص مبغوض، غريب، مستهجن في إطار المجتمع الجديد.

من مظاهر الانفصال عن الواقع التي يفرضها الفضاء السيبراني أيضا ما يتعلق بما صار للأخير من قواعد افتراضية مرعية netiquette، تكبل صاحبها بجملة من قيود تبتلع الكثير من وقت وجهد المنخرطين في هذا العالم[22]. فلا يصح أن يضع لك أحدهم إعجابا ولا تبادله الإعجاب، ولا يليق أن يشاركك الآخرون قصصهم من دون أن تشاركهم قصتك، ولا يصح أن يعترف الآخرون بأسرارهم على العلن حتى أدق التفاصيل، ثم تبخل عليهم بتفاصيل حياتك. الاتصال في الفضاء السيبراني بهذا المعنى يأخذ في كثير من الأحيان شكل العبء المادي الذي يقع على عاتق من ينخرط فيه؛ وهو عبء يزيد من انفصال الفرد عن واقعه واستغراقه في عالمه الافتراضي. من ناحية أخرى ظهر في إطار المجتمع السيبراني كيف أن الفرجة تشغل مساحة متسعة في بنية اهتمامات الأفراد؛ الفرجة على الذات وعلى الغير؛ صور السيلفي هي نموذج للأول؛ حيث الرغبة في أن يسجل المرء حياته، ويشاهدها من خارجها، وأن يسجل صورته وفق تفصيلات كثيرة، ثم يشاركها مع الآخرين. وهناك أيضا فيديوهات الفرجة على الآخرين وهم يمارسون حياتهم، على نحو يخلو من المعنى في كثير من الأحيان؛ مجرد تفاصيل من أنشطة الحياة العادية؛ ما يشير إلى معنى جديد؛ وهو الرغبة في الانفصال عن حياة الفرد الواقعية، والاستغراق في حيوات الآخرين الافتراضية[23].

ثنائية المساواة والتفاوت

من الطموحات المرتبطة بالفضاء السيبراني السعي لتحقيق حالة من المساواة في الوصل إلى واستغلال إمكانات التقانة الجديدة، فهي من جهة رخيصة نسبيًا، يسهل الوصول إليها، كما هي سهلة الاستخدام[24]. الإنترنت على سبيل المثال صار أكثر سهولة في استخدامه، وانخفضت تكاليف الاتصال به، وأصبح المزيد من الأشخاص على دراية بالتقنيات اللازمة للانخراط في أنشطته؛ ما أدى إلى ارتفاع عدد مستخدميه في العالم، حتى وصل في ديسمبر 2020 إلى أكثر من خمسة مليار شخص؛ أي ما يقرب من 64٪ من سكان العالم؛ مما يجعله أداة الاتصال والترفيه والتطبيقات الأكثر اتصافا بطابع المساواة من حيث إمكانية الوصول والاستخدام وفقًا للإحصائيات العالمية[25].

وجهة النظر المقابلة تذهب إلى أن الادعاء بأن الفضاء السيبراني يحمل خصائص مساواة هو ادعاء زائف. فتوزيع مستخدمي الإنترنت في العالم متفاوت للغاية: فعلى الرغم من أن معدلات انتشار الإنترنت ترتفع بسرعة في كل مكان، إلا أنها أعلى بكثير في العالم المتقدم منها في العالم النامي؛ مما أدى إلى ظهور نوع من الفجوة الرقمية digital divide التي تتسع بناءً على حقيقة أن الوصول إلى تقنيات الاتصال الجديدة ليس متساويا. “وفي الواقع فإن هناك أعدادًا هائلة من المستبعدين من مجتمع الشبكات، وخاصة من يفتقدون ضرورات البنية الأساسية والمهارات والتعليم[26]. هذا، وتتخذ الفجوة الرقمية أشكالًا عديدة، بما في ذلك التقسيمات حسب الطبقة والتعليم والجنس والعرق والعمر. ولا يزال العديد من الأشخاص غير قادرين على الوصول إلى الإنترنت بانتظام؛ لأنهم غير قادرين على شراء جهاز حاسوب شخصي أو يفتقرون إلى المهارات التقنية اللازمة لتسجيل الدخول، والسياسات العامة في العديد من الأماكن لم تفعل سوى القليل لمعالجة هذه الأسباب وغيرها من عدم المساواة في الوصول والاستخدام[27].

ثنائية الوعي والسطحية

العالم السيبراني أفسح المجال أمام واقع جديد في تعامل الأفراد مع المعلومات؛ حيث أصبحت الحقائق في المتناول، ولم يعد ثمة قيود على الوعي كما كان الحال في زمن الإعلام المركزي. من ذلك أن المجال التعليمي قد شهد نمو الدورات الدراسية المفتوحة والمتخصصة عبر الإنترنت، وشهدت البحوث الأكاديمية طفرة غير مسبوقة بعد أن أصبح العثور على البيانات والأدبيات ذات الصلة أسهل من أي وقت مضى. وتطورت المكتبات بشكل جعلها مستودعات للمعلومات الإلكترونية التي يمكن للمستخدمين الوصول إليها دون أن تطأها أقدامهم[28].

إلا أن قيْدًا من نوع جديد أصبح يسم المعلومات التي يفضل (الكثير من) رواد الفضاء السيبراني التعاطي معها؛ إذ باتت المعلومات الأكثر تأثيراً هي الرسائل شديدة الاختصار، والتي تتضمن محتوى مباشرا وشديد الوضوح؛ بحيث لا يتطلب من الأفراد جهداً في استقصاء المعاني والمضامين، ولا يتطلب قراءة نصوص مطولة تتسم بالتعقيد أو تعدد المصادر. فأصبحت المصادر السيبرانية الأشهر لتداول المعلومات والتأثير في توجهات الجمهور هي التغريدات والتدوينات والمنشورات القصيرة، وتراجعت أهمية الكتب النظرية والمقالات المطولة والدراسات الأكاديمية وبرامج السياسات الحزبية في تحديد رؤية الأفراد للعالم. وكقاعدة عامة أصبح كل ما لا يمكن اختزاله ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي لا يتم الالتفات إليه أو الاعتداد به في تشكيل رؤية قطاعات واسعة من الأفراد للواقع[29].

من ناحية أخرى، مثلت السرعة التي يتم بها تداول المعلومات عنصرا ضاغطا يحول في كثير من الأحيان دون إمكانية التدقيق في صحة المعلومات المتداولة، مما زاد من فرص انتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة، على اعتبار أن الأخبار الكاذبة، بحكم مخالفتها للمألوف وللنمطية التي تسم الأخبار العادية، تكون عادة أسرع انتشاراً، من الأخبار الحقيقية، وأكثر جذبا للانتباه من الأخبار الحقيقية التي وجد أنها تنتشر بمعدل أبطأ، وتجتذب اهتماما أقل؛ الامر الذي يؤثر بطبيعة الحال في المنسوب العام للوعي المتحقق من خلال التفاعل مع العالم الافتراضي[30].

من ناحية ثالثة، أعاد الفضاء السيبراني تشكيل الترفيه بشكل عميق. فقد تغيرت صناعات السينما والموسيقى والنشر بشكل كامل من خلال الوسائط الرقمية، بما في ذلك كيفية مشاهدة الأشخاص للأفلام (الفيديو عند الطلب أو الـ on-demand video  كما في منصة Netflix) ومشاهدة المبارايات الرياضة، وممارسة ألعاب الفيديو الجماعية، أو حتى التصفح. حتى إنه بالنسبة لكثير من المستخدمين صار الفضاء السيبراني هو المصدر الرئيسي للاستمتاع. على نحو يوحي بأن الانخراط في الفضاء السيبراني لا يعد دوما قرينا لزيادة الوعي، وإنما قد يكون مقدمة للانغماس (لدرجة الإدمان) في المتخيل، وربما فقدان القدرة على إدراك الواقع، والاهتمام بمتابعة بما يجري فيه على نحو واع.

ثنائية الاقتصاد والسياسة

أثر الفضاء السيبراني بشكل عميق على العلاقات الاجتماعية، مع تداعيات لا تعد ولا تحصى على الحياة اليومية. ولم تكن السياسة والاقتصاد بمعزل عن هذه التأثيرات. فقد تغير عالم السياسة بشكل جذري من خلال اعتماد تكنولوجيا المعلومات. الطريقة التي يقرأ بها الناس الأخبار ويتابعون بها الأحداث، على سبيل المثال، أصبحت الأخبار رقمية ولحظية إلى حد كبير، ما أدى إلى تغير في مجال الصحافة والإعلام عموما، كما أصبح إجراء استطلاعات الرأي أسهل؛ الأمر الذي أتاح للمواطنين القدرة على التعبير عن آرائهم بسهولة ويسر، ودون الحاجة إلى مغادرة منازلهم. كما أتاحت تقانات الفضاء السيبراني نقل وجهات النظر في اتجاهين؛ الأمر الذي عزز المشاركة النشطة المتواصلة؛ فبدلاً من المشاركة السياسة الموسمية، من خلال عملية التصويت كل بضع سنوات، صار بمقدور المواطنين التعبير عن خياراتهم وتفضيلاتهم طوال الوقت، على نحو عزز من المشاركة الشعبية المباشرة. كما أصبح عالم المدونات جزءًا مهمًا من السياسة، وبديلا فعالا للصحافة التقليدية، وتنشط معظم الحملات السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحاول استخدام تقنيات البيانات الكبيرة لاستهداف الأفراد كل بحسب اهتماماته (micro-targeting)[31].

كما غيرت تقانات الفضاء السيبراني من المفاهيم المستقرة في حقل الاقتصاد، فلم يعد مبدأ الندرة يفهم بالطريقة التقليدية، بعد أن أصبحت العديد من الموارد الرقمية يتم تبادلها عبر الفضاء السيبراني، فالموارد المعلوماتية يمكن تبادلها من دون أن تنقص عند أي من المتداولين. الظاهرة الجديدة لا يمكن وصفها من خلال مفهومي الندرة النسبية أو المطلقة، فالمورد يتم استنساخه، ويوجد عند الجميع من دون أن ينقص ذلك من ملكية أيا منهم للأصل. صحيح أن قوانين الملكية الفكرية عادة ما تتعقب مثل هذا النوع من النسخ للمعلومات، ولكن من الصعب تصور إمكانية اختفاء ظاهرة تقاسم الموارد المعلوماتية بهذه الطريقة، حتى لو وصفت بكونها غير قانونية، خاصة أن النسْخ هنا ينتج صورًا طبق الأصل من المورد الأصلي. وكما لاحظ البعض فإنه عندما كانت المواد الصوتية والبصرية يتم استنساخها في العصر قبل الرقمي، لم تكن الأجهزة المعنية تهتم بمتابعة الناسخين؛ لأن النُّسخ المسروقة لم تكن بنفس جودة الأصل، أما في العصر الرقمي فإن النسْخ معناه إنتاج صور مطابقة للأصل، أو بالأحرى لم يعد لكلمة “أصلي” من معنى في العصر الرقمي، فيمكن معاملة المصدر ونسخه على أنها “أصول”[32].

وفي المقابل تداخلت الحدود بين السياسة والاقتصاد على نحو سلبي في أحيان كثيرة، فقد تحولت السياسة في إطار الفضاء السيبراني بدرجة كبيرة إلى سلعة، فالسياسيون يتعاملون مع الأفراد كمستهلكين، والأفراد يؤكدون هذا التصور، ولا يحاولون نفيه، حتى أصبح من العسير على كثير منهم التفكير في السياسة خارج نطاق كونها خدمة تقدم لهم. ومن مظاهر ذلك أن تراجعت قدرة الأفراد على التفكير في أنفسهم كمواطنين لهم حقوق مادية، ولذا فعندما يتذمر الأفراد من السياسة فإنهم يتذمرون بطريقة المستهلكين؛ بحيث يحتجون على السياسي بنفس الطريقة التي يحتج بها العميل لدى مكتب خدمة العملاء في متجر، إذا ما حصل على خدمة أو سلعة مخيبة لأمله. بعبارة أخرى صار من العسير التفكير في السياسة كنشاط اجتماعي، ففي إطار تصور اقتصادي للسياسة، يصبح نمط المعارضة الوحيد المتصور هو التذمر، وندم المشترين، والصدمة من المعاملة الخشنة، كامتداد لأخلاقيات التسوق، وليس المطالبة بتغييرات حقيقة، كما كان الحال في السياسة في العصر ما قبل الرقمي[33].

ثنائية الناشطين والمتسللين

لا تتعلق تناقضات الفضاء السيبراني بخصائصه الذاتية فقط، وإنما تمتد إلى الموقف من المتفاعلين معه. فمن يحترفون التعامل مع الفضاء السيبراني ويستخدمونه كمنصة للتعبير عن طموحاتهم وأحلامهم، يشار إليهم في بعض السياقات على أنهم نشطاء رقميون؛ وهي كلمة محايدة، تضم كلا من صناع المحتوى، والمؤثرين (Influencers)، واليوتيوبرز (YouTubers). كما قد يشار إليهم باستخدام أوصاف سلبية أيضا مثل: القراصنة الرقميين Hackers، والمتسللين Crackers.

فالعديد من المؤسسات الرسمية تصنف عبر تقاريرها الاستراتيجية للأمن السيبراني “الناشطين الرقميين” كأعداء محتملين، وتعتبر أنهم يشكلون تهديدا لأركان الدولة ومؤسساتها الأساسية؛ لكونهم يزاحمون الدولة في العديد من مظاهر التأثير، على نحو يخصم من قدراتها أو على الأقل يتحداها. حتى إن تقريرا أمريكيا رسميا لعام 2010، اعتبر أن أحد أكبر الأخطار التي تواجه الأمن القومي الأمريكي هي شبكات الاتصال الافتراضية. كما حذرت حكومة الولايات المتحدة من أن التقنيات ذاتها التي تمكننا من القيادة والخلق تمكن أيضا أولئك الذين يبتغون التعطيل والتدمير[34]. وقد افترض وزير الدفاع الأمريكي السابق (ليون بانيتا) في جلسة استماع أمام إحدى لجان الكونجرس أن بيرل هاربر القادمة ستكون ببساطة هجمة سيبرانية[35]. وحذر تقرير الأمن السيبراني للعام 2018 من أن الفاعلين من غير الدول -بما في ذلك الإرهابيون والمجرمون– يستغلون الفضاء السيبراني في الهجوم على الولايات المتحدة وحلفائها[36].

وفي هذا الإطار ظهر مصطلح الأمن السيبرانيCybersecurity ، الذي تعرفه وزارة الأمن الداخلي الأمريكي بأنه “النشاط أو العملية أو القدرة أو الإمكانية أو الحالة التي يتم بموجبها حماية نظم المعلومات والاتصالات والمعلومات الواردة فيها من و/أو الدفاع عنها ضد الضرر أو الاستخدام أو التعديل غير المصرح به أو الاستغلال”[37]. ومن الواضح أن التعريف السابق يشمل بداخله الكثير من الأنشطة التي يمارسها بشكل أو بآخر قطاع غير قليل من نشطاء المجتمعات السيبرانية؛ ابتداء من الوصول غير المصرح به للمعلومات وأنظمة الاتصالات، إلى الاستخدام والتعديل، وصولاً إلى إلحاق الضرر. وفي هذا الإطار عادة ما يتم رصد دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها إحدى الأدوات المستخدمة في التضليل ونشر المعلومات الكاذبة.

على الجانب الآخر يميز كثير من النشطاء الرقميين أنفسهم عن نشطاء ومعارضي الفضاء المادي؛ معتبرين أن أبرز مظاهر اختلافهم تتمثل في كونهم ينطلقون من قناعات معارضة للأفكار السائدة أو المقبولة سياسياً. وعليه فإن النشطاء الرقميين ينتمون للمعارضة، ولكنهم لا يسلكون السبل النظامية للاحتجاج؛ فمن وجهة نظرهم طالما أن قواعد عمل المعارضة هي من وضع مؤسسات السلطة، فإنه -وفقا لهذه الحركات- ينبغي مقاومتها. وأنصار هذه الحركات بشكل عام لا يتفاوضون بشأن قناعاتهم ولا يحاولون الوصول إلى حلول وسط. وقد أصبح كثير ممن يمثلون هذا التفكير حالياً ضمن معسكر ما يسمي بالنضال الرقمي Hacktivism، الذين تتمثل فرضيتهم الأساسية في أن إضعاف المؤسسات الرسمية يترتب عليه تلقائيا زيادة في تحرر المجتمع، وانعتاق أفراده من الأغلال التي قيدتهم بها مؤسسات الدولة الحديثة[38].

هذا ويفترض النشطاء الرقميون أن ثمة أهدافًا خلف أعمال المقاومة السيبرانية التي يقومون بها، أكبر من مجرد تعطيل أجهزة حاسوبية عن العمل أو سرقة بيانات أو تسريبها. فقراصنة التسريب (Whistleblowers) على سبيل المثال يدعون أن أهدافهم تتعلق بتخطي السلطة السياسية كمصدر وحيد للمعلومات المتعلقة بالشأن العام، أو على الأقل مزاحمتها فيما تحتكره منها. كما تتعلق بمحاولة إثبات أن السيادة مازالت في يد الشعوب التي تملك إدانة سلوك صاحب السلطة وفضح وسائله التي يستخدمها للبقاء في الحكم[39]. كما يرى عدد من الناشطين الرقميين أن التسريبات ضرورية للكشف عن “النفاق السياسي” أو التناقض بين أقوال الساسة وأفعالهم، وهناك أيضا الاعتبارات الأخلاقية التي تتعلق بالكشف عما يراه المؤيدون للتسريب أفعالا ضد المبادئ الأخلاقية التي يعتنقونها.[40].[41] كما يذهب فريق من القراصنة الرقميين إلى أنهم يمارسون دورا تصحيحيًّا للعديد من الممارسات الرسمية الخاطئة (من وجهة نظرهم). ففي إحدى حالات القرصنة الشهيرة -“العملية جاليليو” على سبيل المثال- كان هدف القراصنة المعلن هو مقاومة الأنشطة التي تستخدم الوقود النووي. في هذه العملية تم مسح جميع الملفات من على أجهزة الحاسب المستخدمة في إطار مشروع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا): “جاليليو”؛ نظرا لاستخدامه وقودا نوويا (24 كيلو جرام من البلوتونيوم المشع)[42].

ولكن بطبيعة الحال ليس كل القراصنة أصحاب مواقف سياسية؛ فكثير من المجرمين نقلوا نشاطهم إلى الإنترنت لممارسة نوع جديد من الإجرام. وتتخذ الجرائم السيبرانية أشكالًا متنوعة؛.صحيح أن القرصنة، بمعنى الوصول غير المصرح به للمعلومات، هي أكثرها شيوعًا، لكن الأنشطة الإجرامية باستخدام الإنترنت تشمل أيضًا سرقة الهوية، والاحتيال، والسطو على بطاقات الائتمان، واستخدام البرامج الضارة مثل: برامج الفدية، وبرامج التجسس، والتصيد الاحتيالي. ويمكن أن يندرج التنمُّر والتحرش الإلكتروني (Cyberstalking) ضمن فئة الجرائم السيبرانية أيضا[43].

خاتمة:

استهدف العرض السابق بيان الطبيعة المركبة وغير المستقرة التي يبدو عليها الفضاء السيبراني، فضلا عن ازدواجية كل ما يتعلق به خصائص، ففي كل فرصة تكمن إشكالية، ومن كل إشكالية تتولد فرصة، وهذا ما يجعل من الصعب الوصول إلى قول فصل في أي قضية تتعلق به؛ وهي حالة مرشحة لأن تستمر لبعض الوقت في المدى المنظور. ولهذا يبدو أن الاهتمام برسم خارطة طريق للتعامل مع الجوانب المختلفة التي يثيرها هذا الوافد الجديد والمربك في الوقت نفسه يعد من ضرورات الوقت، وهذا هو ما يخطو هذا التقرير، بمباحثه المتنوعة والثرية، أولى خطواته.

*****

الهوامش

[1] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, (California: SAGE Publications Inc., 2018), p. 157.

[2] بشرى زكاغ، سوسيولوجيا الشبكات الافتراضية في سياق التحولات التكنو-اجتماعية العربية، ذوات (المجتمعات العربية من الواقعي إلى الافتراضي)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، العدد 56، 2019.

[3] Myriam Dunn Cavelty et al. (eds.), Power and Security in the Information Age: Investigating the Role of the State in Cyberspace, (Burlington: Ashgate Publishing Company, 2007), p. 7.

[4] Michael A. Peters et al. (eds.), Post-Truth, Fake News Viral Modernity & Higher Education (Singapore: Springer, 2018), p. 43.

[5] Francis Fukuyama, The Post-Truth Society, Stanford University [YouTube channel], (3 October, 2016),  available at: https://cutt.us/lMYsC

[6] هال أبلسون وآخرون، الطوفان الرقمي: كيف يؤثر على حياتنا وحريتنا وسعادتنا، ترجمة: أشرف عامر، (القاهرة: هنداوي، 2014)، ص 81.

[7] المرجع السابق، ص 94.

[8] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. 132.

[9] Myriam Dunn Cavelty et al. (eds.), Power and Security in the Information Age, Op. cit., p. 7.

[10] Department of Economic and Social Affairs, United Nations E-Government Survey 2020, (New York: United Nations, 2020), p. 187.

[11] Thomas J. Holt & Adam M. Bossler (eds.), The Palgrave Handbook of International Cybercrime and Cyberdeviance, (Cham: Springer, 2020), 1404. Warf, p. 11.

[12] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. 109

[13] Eli Pariser,  The Filter Bubble: how the new personalized web is changing what we read and how we think, (New York: Penguin Books, 2011).

[14] Andrew Heywood, Politics, (Hampshire: Palgrave Macmillan, 2013), p. 190.

[15] شريف عبد الرحمن، المجتمعات الافتراضية على حافة المواجهات السياسية، ويكيبيديا وأزمات الشرق الأوسط المعلوماتية نموذجًا، سياسات عربية، العدد 44، مايو 2020، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة.

[16] David J. Gunkel, Hacking cyberspace, (Oxford: West View, 2001), p. 14, Warf, p. 143

[17] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. xxviii

[18] See:

– Vasileios Karagiannopoulos, Living with Hacktivism: From Conflict to Symbiosis, (Cham: Palgrave Macmillan, 2018), p. 159.

– Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. 134.

[19] بيونج تشول هان، مجتمع الشفافية، ترجمة: بدر الدين مصطفى، (الرباط: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2012)، ص 93.

[20] انظر:

– هال أبلسون وآخرون، الطوفان الرقمي، مرجع سابق، ص 45.

– Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. xxvii.

[21] Ibid.

[22] Steve Jones, Cybersociety, (London: Sage Publication, 1998), p. 60.

[23] Thomas J. Holt & Adam M. Bossler (eds.), The Palgrave Handbook of International Cybercrime and Cyberdeviance, Op. cit., p. 1132.

[24] Andrew Heywood, Politics, Op. cit., p. 190.

[25] World Internet Users in 2021, available at: https://cutt.us/zIrFI

[26] بشرى زكاغ، سوسيولوجيا الشبكات الافتراضية في سياق التحولات التكنو-اجتماعية العربية، مرجع سابق، ص 18.

[27] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. 78.

[28] Ibid, p. xxvii

[29] محمد عبد لله يونس، ما بعد الحقيقة: كيف أثرت فوضى المعلومات على إدراك الواقع، الأوان، 3 أبريل، 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2OhkZl4

[30] المرجع السابق، نقلا عن:

Soroush Vosoughi٫ Deb Roy٫ Sinan Aral٫ The spread of true and false news online٫ Science Magazine: Vol. 359٫ No. 6380٫ pp.1146-1151.

[31] See:

– Andrew Heywood, Politics, Op. cit., p. 190,

– Michael A. Peters et al. (eds.), Post-Truth, Fake News Viral Modernity & Higher Education, Op. cit., p. 45.

[32] هال أبلسون وآخرون، الطوفان الرقمي، مرجع سابق، ص ص 26، 27.

[33] BYUNG – CHUL HAN, The Transparency Society, (California, Stanford University Press, 2015), p. 45

[34] The White House, National Security Strategy (2010), p. 27.

[35] Emily O. Goldman,  Michael Warner, Why a Digital Pearl Harbor Makes Sense . . . and Is Possible, (Washington: Georgetown University Press, 2017), p. 147.

[36] National Cyber Strategy of The United States of America September 2018, available at: https://bit.ly/3uhIrxZ

[37] White House, Cyberspace Policy Review: Assuring a Trusted and Resilient Information and Communications Infrastructure, (Washington DC: US Government Printing Office, 2009), p. iii.

[38] Tim Jordan, Paul Taylor, Hacktivism and Cyberwars: Rebels with a Cause?, (London: Routledge, 2004).

[39] WikiLeaks’ war on secrecy: Truth’s consequences. Time magazine, available at: https://bit.ly/3cMjncr

[40] Peter Ludlow, Wikileaks and Hacktivist Culture, The Nation (October 2010), available at: https://bit.ly/3wqhdao

[41] لمراجعة نماذج من هذه المواقف راجع: عزمي بشارة، الحقيقة والسلطة وإعادة الاعتبار إلى الحقيقة، في: هدى حوا، (تحرير)، ظاهرة ويكيليكس، جدل الإعلام والسياسة بين الافتراضي والواقعي، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص ص 50: 52، وانظر: شريف عبد الرحمن، شفافية بالإكراه، التحدي الرقمي، وجدل المراقبة والتسريب، ويكيليكس نموذجًا، مجلة المستقبل العربي، العدد 469، مارس، 2018، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان.

[42] David J. Betz and Tim Stevens, Cyberspace and The State, Toward A Strategy for Cyber-Power, (Routledge, 2011), p. 23.

[43] Barney Warf, The SAGE Encyclopedia of the INTERNET, Op. cit., p. 164.

فصلية قضايا ونظرات- العدد الحادي والعشرون – أبريل 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى