د. نادية مصطفىسلايدر

الذاكرة التاريخية للتطور الأوروبي الحديث وأثرها في مآلات التكوين وتوجُّهات وسياسات الدور العالمي

تكررت أسئلةٌ عدّة حول مكانة أوروبا في النظام العالمي بين مجموعة القوى العالمية؛ سواء الجديدة الصاعدة (الصين)، وتلك التي تجدد قواها (روسيا)، في ظل ما كان يسمى نظام الأحادية الأمريكية عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم في ظل ما يسمى الآن نظام التعددية الجديدة.

وفي هذا الإطار يمكن القول إن تحولات دور ومكانة أوروبا في العالم تتحَدد بناءً على متغيرين خارجيين أساسيين: علاقات أوروبا مع القوى الكبرى وأطراف مختلفة عبر العالم، والتعامل الأوروبي –الجماعي والفردي- مع القضايا العالمية والإقليمية. ناهيك بالطبع عن تأثير متغيرات داخلية تتصل بالتكوين المجتمعي والسياسي والاقتصادي. وتقع قضية الأمن الأوروبي في قلب هذه التفاعلات الإقليمية الأوروبية وعبر الإقليمية والعالمية؛ حيث تتعدد أنماط تحديات الأمن الأوروبي التي تفرزها كافة هذه التفاعلات وما يرتبط بها من قضايا.

وينبثق عن هذين المتغيرين عددٌ من الأسئلة:

ما الجديد في تطورات أوروبا ودورها العالمي؟ هل من نهج جديد يتبعه الاتحاد الأوروبي، أو قوى أوروبا الأساسية؟ كيف تتعامل أوروبا مع تحولات القوة الأمريكية، وصعود قوى مثل الصين وروسيا؟ وكيف تتعامل أوروبا مع القضايا الأساسية على الأجندة العالمية؛ مثل: الأمن الإنساني، الملفات النووية، البيئة، الهجرة واللجوء، تجدد صعود اليمين والتيار الشعبوي وخاصة داخل أوروبا نفسها، الحروب السيبرانية، الحروب التجارية عبر الأطلسي وعبر العالم؟ وماذا عن التوسع الأوروبي شرقًا عبر الناتو والاتحاد الأوروبي وأثره على علاقاتها مع روسيا؟ وكيف تختبر الأزمة الأوكرانية المتصاعدة منذ عامٍ كافة تحديات الأمن الأوروبي وخاصة منذ بداية العدوان الروسي على أوكرانيا في 23/ 2/2022؟ وكيف تؤثر مثل هذه الأحوال والتطورات على علاقة أوروبا بالعالم العربي والإسلامي وسياساتها تجاهه؟ حيث إن قضية الأمن الأوروبي –عبر عقود مضت- لصيقة بالأمن العربي وأمن العالم الإسلامي.

لا تكفي الإجابة عن هذه الأسئلة بالنظر إلى خبرة العقود الثلاثة الأخيرة فقط (كما سيظهر في أوراق الملف)، ولكن الذاكرة التاريخية الحضارية لخبرة التطور الأوروبي لا تزال لها أهمية كبيرة علميا وفكريا[1]؛ حيث تكشف هذه الذاكرة عن أنماط هذا التطور والقوى المؤثرة عليه، والأهم تكشف لنا عن ماهية “أوروبا” القارة نفسها؛ سواء داخل حدودها أو في امتدادتها إلى جوارها الجغرافي المختلف حضاريًّا: شرقًا وغربًا وجنوبًا؛ وسواء أكانت فاعلًا ذا دور مركزي عالمي أو كانت مفعولًا به.

(1)

كانت أوروبا القديمة ذات امتدادات خارجية في جوارها الحضاري الجغرافي المختلف شرقًا وجنوبًا، خاصة في ظل الإمبراطوريتين الإغريقية ثم الرومانية، بتكويناتهما العقدية وهياكلهما الاجتماعية والاقتصادية وأنماط سياساتهما، وذلك قبل ظهور المسيحية وبعدها ثم ظهور الإسلام في قلب الشرق.

وكانت الصراعات الرومانية-الفارسية في قلب تفاعلات العالم قبل ظهور الدولة الإسلامية. ومع تمدد الدولة الإسلامية، في ظل توالي موجات الفتوح الإسلامية (الأولى بقيادة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين، ثم الثانية موجة فتوح الخلافتين الأموية والعباسية، ثم الثالثة موجة الفتوح العثمانية)، ومع توالي هذه الموجات من الفتوح تمت تصفية امتدادات الإمبراطورية الرومانية خارج حدود أوروبا، مقابل امتداد فتوح إسلامية في غرب أوروبا (الأندلس) أولًا، ثم في شرقها، ومن ثم تراجعت أدوار أوروبا حتى داخل حدودها. وكانت الهجمة الصليبية بحملاتها المتتالية على الشام وفي قلبها القدس -ولمدة 150 عامًا- هي الاستثناء في هذا المسار التاريخي منذ ظهور الإسلام، حتى حين آخر؛ أي حتى جاء عصر النهضة الأوروبية الحديثة الذي دشن موجة امتدادات أوروبية جديدة إلى خارج حدودها متنوعة الأنماط والتأثيرات؛ باسم الاستعمار الأوروبي.

فلقد أضحت أوروبا (القارة الموصوفة الآن بالقارة العجوز) عبر تاريخها الحديث -أي منذ بداية نهضتها الحديثة ابتداءً من نهاية القرن الخامس عشر الميلادي- مصدرًا لتحولات فكرية واقتصادية وسياسية وساحة لتفاعلات أوروبية–أوروبية، امتدت آثار كل منها خارج أوروبا لتؤثر وتتأثر أيضًا بما يحدث في أرجاء العالم من تحولات وتفاعلات؛ وفي القلب من ذلك العالم الإسلامي الذي تداولت أركانه أدوارًا عالمية مركزية.

عبر هذه القرون وحتى الآن كان على المحك عدة أمور يتم اختبارها على التوالي عبر المفاصل التاريخية الكبرى من تاريخ أوروبا مع العالم؛ لعل أهمها:

– أي الأمم الأوروبية كان يقود أوروبا أو يتزعمها وما نمط العلاقة بين هذه الأمم والدول التي مثلتها.. صراعية أم تعاونية.. ولماذا؟

– متى وكيف أضحت أوروبا مركز النظام العالمي؟ ومتى وكيف تراجعت عن هذا المركز؟ ومن الذي كان يتحداها من القوى الدولية الأخرى؟

– وإذا كانت الأديان السماوية أشرقت بنورها في الشرق وانتقلت للغرب وفي قلبه أوروبا، ومثلت تحديًا متعدد الأبعاد؛ فطرحت (المسيحية) تحديات روحية وعقدية، وأضاف الإسلام تحديات وجودية سياسية وعسكرية واقتصادية لنماذج الحياة والمجتمع والسياسة الأوروبية القديمة.. فماذا جاءت به أوروبا لتقوم نهضتها الحديثة؟ وما طبيعة هذه النهضة وما أفرزته من نموذج حضاري؟

بعبارة أخرى، اقترنت ثلاثة أمور هيكلية بالحديث عن تطور دور أوروبا الحديثة ومكانتها ومركزها العالمي: حالة العلاقات الأوروبية ومدى وجود كيان جماعي أوروبي والتنافس على قيادته والهيمنة عليه من عدمه، موضع أوروبا من التنافسات والتوازنات العالمية، طبيعة النموذج الحضاري الذي تحمله أوروبا بناءً على طبيعة الرؤية للعالم التي شكلتها قوى التحولات في التاريخ الأوروبي الحديث سواء من داخلها أوروبا أو من خارجها.

إن المتابعة السريعة لأهم ملامح وخصائص مراحل هذا التطور الحديث لابد أن تقود إلى حُسن فهم كل ما يدور الآن، بل مُنذ بداية القرن الواحد والعشرين عن مآل دور أوروبا ومكانتها في ظل نظام عالمي جديد: أحادي أمريكي أم متعدد الأقطاب؟ وما انعكاسات هذا المآل على أمن وقوة ومصالح العالم الإسلامي؟

(2)

كانت أوروبا (القارة) في مرحلة تاريخية مفعولًا به على أرضها من جانبين: الجانب الأول الفتوح العربية الإسلامية في أقصى جنوبها الغربي منذ القرن الثامن الميلادي والتي أسسَت للأندلس ولعدة قرون تلت. والجانب الثاني الفتوح العثمانية الإسلامية من الشرق منذ بداية القرن الـرابع عشر الميلادي. وبعدها بدأت أوروبا تأخذ دور الفاعل المتحدي، باسترجاع الأندلس تدريجيًّا حتى تصفية آخر ممالكها (غرناطة) في نهاية القرن الـخامس عشر الميلادي؛ في نفس فترة استحكام الحكم العثماني لشرق أوروبا والبلقان بعد فتح القسطنطينية (1453م) ثم إتمام فتح كوسوفا (1389م).

كانت الدولة العثمانية تلعب دورًا فاعلًا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي باعتبارها مركز القوة العالمية وحتى نهاية القرن السابع عشر[2]، حين بدأت تتزايد التحديات الأوروبية لهذا الدور المركزي، وحتى تأكد انتهاؤه في ١٧٧٤م[3]؛ لتدخل الدولة العثمانية ولمدة ما يزيد عن القرن ونصف القرن مرحلة التصفية؛ سواء لممتلكاتها في أوروبا أو الأقاليم العربية.

ولقد شهدت هذه القرون الممتدة من الشد والجذب بين أوروبا والإمبراطورية الإسلامية -في شرق وغرب أوروبا ذاتها- تحولات أوروبية محورية نتاج تطورات متراكمة في أوروبا شكلت طبيعة النظام الأوروبي ذاته، وطبيعة نموذجه الحضاري، وتوجهاته الخارجية نحو العالم.

فقد كانت الكشوف الجغرافية -بعد استرداد الأندلس- ثم الثورة الفكرية والعلمية ضد استبداد الكنيسة والإقطاع والملكيات، ثم الثورة الصناعية بموجاتها المتتالية، ثم الثورة الفرنسية بأفكارها السياسية والاجتماعية وما تلاها من توسعات الحروب النابليونية وانتكاساتها، كانت ثورات متراكمة متحاضنة غيرت من أوضاع أوروبا وحالتها، وقادت إلى أربع خصائص هيكلية ظلت تشكل التوجهات والسياسات الأوروبية؛ وهي: العلمانية الوضعية في إطار ما يسمى التنوير والحداثة، والرأسمالية التجارية ثم الصناعية، والاستعمار الماركنـتيلي ثم التقليدي، وصراع القوميات والدول القومية ذات السيادة.

ولقد امتزجت هذه الخصائص الهيكلية في تأثيرها المتبادل لتفرز نموذجًا حضاريًّا استعلائيًّا يرفع شعار “المركزية الحضارية الأوروبية” من ناحية، ومهمة “الرجل الأبيض” من ناحية أخرى، وحتمية العلاقة بين المصلحة والقوة بالأساس والبقاء للأقوى من ناحية ثالثة.. وغيرها من مفردات “الاستعلاء الأوروبي” خلال السعي للهيمنة على مقدرات العالم وشعوبه بأساليب “استعمارية” عنصرية عنيفة ودموية، اعترفت بها ووثقتها اتجاهات فكرية -أوروبية وغير أوروبية- في تأريخ التطور الأوروبي والغربي بصفة عامة عبر عصوره المتتالية.

وقد تخضب هذا النموذج بدماء الشعوب غير الأوروبية والشعوب الأوروبية نفسها؛ فقد تناثرت الدماء الأوروبية دائمًا فيما بين الأوروبيين أنفسهم؛ سواء باسم صراع الأسر الملكية والإمبراطورية، أو صراع القوميات الأوروبية والمذاهب المسيحية، أو التنافس على زعامة أوروبا والهيمنة عليها بزعم نشر المبادئ التحررية والوحدوية (حال الثورة الفرنسية والحروب النابليونية مثلًا) أو باسم الحفاظ على التوازنات الأوروبية وتحقيق المصالح القومية الاقتصادية (حالة بريطانيا وألمانيا بعد توحيدها مثلًا).

فبينما احتدم التنافس الاستعماري الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، على العالمين الجديد والقديم على حد سواء، كانت الحروب الأوروبية-الأوروبية أكثر احتدامًا على ساحة القارة ذاتها (حرب المئة عام المذهبية 1548- 1648): الحروب العثمانية الأوروبية، والحروب النابليونية، وحروب الوحدتين الألمانية والإيطالية، وحربا البلقان، وصولًا إلى الحربين العالميتين الأولى ثم الثانية.

وتناوبت الدول الأوروبية الكبرى محاولات الهيمنة المنفردة على أوروبا، ابتداءً من الصراع بين الهابسبورج والبوربون (بين الإمبراطورية النمساوية–المجرية (الرومانية المقدسة سابقًا)، وفرنسا)، فالصراع الفرنسي–البريطاني، والتحالفات الأوروبية ضد روسيا القيصرية خلال سعيها للتوجه غربًا (مصطدمةً بالدولة العثمانية في شرق أوروبا والبلقان بالأساس) إلى الصراع الألماني–البريطاني– الفرنسي، والروسي-العثماني والذي قاد إلى الحرب العالمية الأولى بين حلف الوفاق والحلف المركزي.

ولم تكن التحالفات والتحالفات المضادة الأوروبية مقصورة على إدارة التوازنات على القارة الأوروبية فقط، ولكن امتدت لتدير العملية الاستعمارية الممتدة عبر أرجاء العالم، تلك الإدارة التي شهدت مقاصات بين الدول الأوروبية الكبرى لاقتسام مناطق النفوذ والسيطرة على حساب الشعوب المستعمرة وحقوق تقرير المصير. ولم تكن معاهدات تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ابتداءً من فرساي إلى تريانون إلى سـيـﭭر، إلى ياني، إلى آخر النماذج الواضحة في بداية القرن العشرين على تلك المقاصات.

وجرى ذلك خلال أفول الدور المركزي العالمي لأوروبا أو أفول ما يسمى النظام الدولي الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ليُفسِح الطريق أمام نظام دولي يتشارك الصراع فيه على النفوذ العالمي عدة قوى غير أوروبية، وهي الولايات المتحدة واليابان حيث أخذ يتحول النظام الدولي من نظام دولي ذي مركزية أوروبية منذ نهاية القرن الثامن عشر، (بعد المركزية العثمانية العالمية) وحتى أول القرن العشرين (بداية المركزية غير الأوروبية)؛ ليصبح النظام ذا أبعاد عالمية، وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية.

بعبارة أخيرة، فإن دورًا ومكانةً عالمية لأوروبا- كما يتضح من تطور تاريخها الحديث وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية- لم يكونا رهنا بقدرات أوروبا الذاتية فقط، ولكن بطبيعة صعود قوى أخرى غير أوروبية، ومقاومة الشعوب المستعمَرة، وطبيعة العلاقات بين القوى الأوروبية الكبرى ذاتها، والأكثر أهمية من هذا وذاك هو أن تلك “الأوروبا”؛ أي تلك المساحة الجغرافية الممتدة، لم تكن تمثل أبدًا كيانًا حضاريًّا واحدًا أو مجتمعًا دوليًّا واحدًا ومن ثم كيانًا سياسيًا موحدًا. فلقد كان هناك دائمًا شرق أوروبا وغربها تحت تسميات مختلفة؛ ولعل أقربها إلى الذاكرة العربية والمسلمة حتى منتصف القرن العشرين: انقسام أوروبا بين الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية)، والإمبراطورية الرومانية المقدسة (الرومانية الغربية والباباوية)، ثم انقسامها لاحقًا بين دول المحور (ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية)، ودول الوفاق (بريطانيا وفرنسا وروسيا) قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، وانقسامها كذلك بين دول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان)، ودول التحالف (فرنسا وبريطانيا وروسيا ثم الولايات المتحدة) في الحرب العالمية الثانية وخلالها.

وفي المقابل، وبعد أن صعدت عدة قوى في العالم الإسلامي منذ القرن السادس عشر الميلادي (الصفوية، المغولية الهندية)، إلى جانب (العثمانية والمماليك)، وبعد أن احتلت الدولة العثمانية مركز القوة العالمية، توالت أنماط التوسع الأوروبي الحديث: الاستعمار الماركنـتيلي ثم العسكري، على أرجاء هذا العالم حتى تم اقتسامه بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن عمليات وحركات المقاومة الحضارية الشاملة (العسكرية وغير العسكرية)، لم تكفّ ولم تضعفْ.

وبقدر ما قدمت القرون الثلاثة الأخيرة -الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون- أنماطًا من محددات الدور الأوروبي العالمي امتدادًا أو انكماشًا وانعكاساتها على العالم الإسلامي بصفة خاصة، بقدر ما قدمت خبرة النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين أنماطًا أخرى من تطور التكوين والتوجهات والسياسات الأوروبية في ظل تأثير مجموعة متجددة من المحددات الداخلية والإقليمية والعالمية دفعت بأوروبا نحو مزيد من “التجمع” ونحو مزيد من الأدوار الإقليمية وعبر الإقليمية وليس العالمية، في نفس الوقت الذي برزت نماذج حضارية غير أوروبية تنافس أوروبا عالميًا.

فكما خرجت أوروبا منهكة من الحرب العالمية الأولى في مقابل صعود الاقتصاد والنفوذ الأمريكي الذي كان حاسمًا في ترجيح كفة دول الوفاق على الدول المركزية في هذه الحرب، فقد ظل النظام الدولي حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية هو نظام توازن متعدد القوى وتشارك في التنافس على قيادته قوى غير أوروبية: مع استمرار نمو وقدرات ودور الولايات المتحدة غربًا واليابان شرقًا، ومع تدعيم الاتحاد السوفيتي لقواه المختلفة (منذ 1922) رغم سياسات الحصار الأوروبية عليه، كما أخذت الصين تنفض عن كاهلها أعباء التدخلات والامتيازات الخارجية واللامركزية وتتحرك نحو نظام سياسي واجتماعي جديد (شيوعي) بعد انتصار الثورة الشيوعية على ما سُمي معسكر القومية.

في المقابل، كانت الإمبراطوريتان الاستعماريتان الكبريان (بريطانيا وفرنسا) تواجهان أنماط المقاومة ضد استعمارهما وترزحان تحت أعباء اقتصادية وسياسية داخلية، وخاصة بعد تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى (1929-1933) على أرجاء العالم المختلفة. وكانت ألمانيا تنفض عن كاهلها أوزار تسويات الحرب العالمية الأولى ضدها فتعيد النازية إحياء الروح القومية الألمانية وتجدد مشروع المجال الحيوي وتدعم من قواها العسكرية على نحو غير مسبوق. ومن ثم، زادت التحذيرات -وقتها- داخل فرنسا وبريطانيا من موجة حرب جديدة قادمة تفجرها ألمانيا. ولم تنجح التوازنات والتحالفات الأوروبية-الأوروبية، والمضادة لها، في منع اندلاع هذه الحرب العالمية الثانية؛ تلك الحرب التي قوضت، خلال مسارها وتسوياتها ما قد بقي لأوروبا من دور مركزي عالمي (كما سنرى).

(3)

في ضوء هذه اللمحات السريعة والموجزة عن مراحل من تطور الوضع الأوروبي عالميا عبر التاريخ الحديث حتى الحرب العالمية الثانية، وابتداء من نمو مركزية الدور الأوروبي العالمي وحتى أفوله، يمكن أن نضيف ملامح أخرى عن الخصائص الهيكلية في هذا التطور وتوجهاته وسياساته. وتبرز هذه الخصائص في مجموعها سمتي التناقضات والمعايير المزدوجة اللتين ما فتـئـتا تمسكان برقبة خبرة التطور الأوروبي الحديث حتى الآن.

فمن ناحية: كان التأسيس الدستوري للحريات ولتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم قد مثل إحدى أهم نتائج ثورات الفكر والسياسة ضد استبداد الكنيسة والملوك وأمراء الاقطاع. وكانت البداية في انجلترا (الملكية الدستورية الوحيدة عند نهاية القرن الـسادس عشر أو الـسابع عشر) إلا أن ثورات التحرر ابتداءً من الثورة الفرنسية ثم ضد قواعد ومبادئ مؤتمر فينيا 1815 لم يقدر لها النجاح السريع (1815 – 1848)، وبالمثل محاولات التوحيد للقومية الألمانية والإيطالية لم تنجح سريعًا في نفس الفترة رغم توافر شروط عديدة (الفكر، والاقتصاد)، إلا بعد أن فرضت القوة العسكرية الحسم لصالح الوحدتين (1870- 1871) في مواجهة القوى المضادة لها، وخاصة الإمبراطورية النمساوية المجرية من ناحية وفرنسا من ناحية أخرى.

وبعد أن تفجرت الثورة الفرنسية، وحتى نجحت في إرساء الجمهورية الأولى، فقد أظهرت الحروب النابليونية ما طال أن أخفته فرنسا تحت عباءة نشر مبادئ الثورة من طموحاتها للهيمنة على أوروبا؛ وهي طموحات قديمة ظلت تشكل أنظمة التنافس الأوروبية –الأوروبية بين فرنسا والنمسا وبريطانيا، ثم ألمانيا.

وإلى جانب هذا التناقض بين توجه التحرر الفرنسي من استبداد الملكية، وتوجهها للهيمنة على شعوب ونظم أوروبا، برز التناقض أيضًا بين مبادئ الثورة الفرنسية ثم الجمهوريات الفرنسية الثلاثة المتتالية وبين التوجه نحو الاستعمار خارج أوروبا: الحملة الفرنسية أولًا على مصر والشام (1798- 1802)، ثم استعمار الجزائر 1830، ثم تونس 1881 تحت ذرائع عدة. كانت الدوافع الاقتصادية والهيمنة تصاحبها دوافع “التبشير الديني” أيضًا.

وستظل هذه التناقضات بين مبادئ وقواعد التحرر وحقوق تقرير المصير وبين التوجهات الاستعمارية لصيقة خبرة السياسات الأوروبية حتى الآن ولو بدرجات مختلفة.

ولقد تكرر هذا النمط من التناقض في خبرات أوروبية تالية: فرغم أن “مبادئ ويلسون” الأربعة عشرة رفعت لواء حق تقرير مصير الشعوب في تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن القوميات الأوروبية -وخاصة الألمانية (المنهزمة)- لم ينطبق عليها هذا الحق؛ كما عانت غيرها من القوميات -كالقومية البلقانية مثلًا- من عدم تطبيقه. في المقابل تم توظيف الفكرة القومية لتفكيك أواصر الدولة العثمانية؛ سواء على مستوى أقاليم البلقان وشرق أوروبا أو الأقاليم العربية كذلك، وبالمثل لم تتحقق أهداف الثورة العربية الكبرى (التي تم تحريكها ضد الدولة العثمانية باستخدام مفهوم “القوميات” العربية في مواجهة التركية)، وكان اقتسام الانتداب الفرنسي–البريطاني أقاليم الشام، ثم وعد بلفور 1917 هما المقابل المفروض من قوى الاستعمار المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

ومن ناحية أخرى: إذا كانت النظم العلمانية التحديثية في أوروبا، بعد التخلص من استبداد الكنيسة وأنماط حكمها، قد انعكست على نظم الحريات والحقوق السياسية في ظل نظم دستورية أوروبية، إلا أن الوجه الآخر للعملة -أي تداعيات الرأسمالية الصناعية على المجتمعات والنظم- لم يكن دائمًا بنفس القدر الإيجابي. فرغم مظاهر التقدم المادية المتنامية، إلا أن العاقبة السيئة كانت أكبر على الإنسان. وظل التناقض بين الحريات السياسية والحقوق الاقتصادية، ناهيك عن الثقافية، قائمًا ويمثل جوهر أزمة الديمقراطيات الأوروبية الوليدة، تلك الأزمة المستمرة حتى الآن والتي لم تشهد عبر تطوراتها، إلا حلولًا تكيّـفية تساعد نفس النظم الرأسمالية الملتحفة بالديموقراطية التمثيلية على الاستمرار بعد إصلاحات غير هيكلية.

وبالمثل انتقلت هذه التناقضات خارج أوروبا؛ سواء طوعًا مع حركات الأفكار والأفراد والأموال، أو قسرًا في ظل الاستعمار المباشر التقليدي، (ثم بعد ذلك: الاستعمار الجديد، عقب الاستقلال السياسي)، فإن فرض نظم التعليم والقوانين والإدارة والسياسة والاجتماع الأوروبية على المستعمرات ثم على ما يسمى الدول حديثة الاستقلال (من خلال النخب غربية التوجه) لم يثمر في هذه الأرض بقدر ما أثمر في الأرض التي نبت فيها ومن واقع خبرتها. بل لقد ترتب على الصراع بين الوافد والأصيل ما أسماه الحكيم طارق البشري “الصدع الذي تحول إلى فلق ضخم يحول دون تحقيق النهوض الحقيقي في المجتمعات العربية والإسلامية”، التي ظلت أسيرة “ثنائيات نكدة” (الإسلام-الديمقراطية، المدنية-العسكرية، الأصالة-المعاصرة، العقل-الوحي، ..).

ومن ناحية ثالثة: كان لأوروبا، القديمة والحديثة، دائمًا عدوٌ خارجي يتم على ضوء الصورة النمطية المصطنعة له إطلاق دعوات تجميع صفوف المتنافسين من الأوروبيين، بل وربما الدعوة إلى توحيدهم ولو في إطار رمزي مؤقت. فتاريخيًا: كانت الفارسية العدو للرومانية، ثم الخلافات الإسلامية (الراشدة والأموية والعباسية) العدو للبيزنطية (الرومانية الشرقية)، وتم تحديد الإسلام كعدو للكنيسة البابوية وللرومانية الغربية، ومن ثم كانت الحملات الصليبية بدعوة من البابا لملوك أوروبا لاستعادة القدس، ثم كانت الدولة العثمانية الوليدة العدو ليس للبيزنطية فقط حتى إتمام إسقاطها بفتح القسطنطينية، ولكن أيضًا العدو الذي سيطر على شرق أوروبا والبلقان، والذي يقول البعض إنه مثَّل التحدي الذي دفع لخلق هوية أوروبية جامعة؛ أي تكوين أمة أوروبية واحدة ذات شعوب تجتمع على التصدي للتهديد الإسلامي العثماني من الشرق بعد أن فرغت منه في الجنوب الغربي بتصفية الأندلس.

فلقد ظلت التساؤلات قائمة حول هذه الهوية وخصائصها الجامعة… هل التقاليد اليهودية المسيحية أم الديموقراطية والرأسمالية الحديثة العلمانية الوضعية، أم ماذا؟

وبالمثل أضحت روسيا القيصرية، الإمبراطورية المتنامية منذ بطرس الأكبر في القرن الثامن عشر في نفس وقت بداية أفول الدولة العثمانية، عدوًا جديدًا تستميت كلٌ من بريطانيا وفرنسا، ثم ألمانيا، في منع امتداد يده غربًا (إلى شرق أوروبا) أو جنوبًا ليلتهم نصيبًا من تركة الدولة العثمانية، أو يؤمّن معابره (مضيقي الدردنيل والبوسفور) للبحار الدافئة. ولهذا؛ لطالما كانت روسيا إما هدفًا لأحد التحالفات الأوروبية أو طرفًا فيها ضد تحالفٍ أوروبي آخر؛ أي ظلت روسيا القيصرية حاضرةً في معادلات التوازنات والتوازنات المضادة في لعبة الصراع بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا. هذا الحضور كان يأخذ نمطًا بندوليًا: يتجه نحو الغرب حين تحين الفرصة (بعد استعادتها القرم 1774 من الدولة العثمانية) أو يتجه شرقًا من جديد للتوسع بعد غلق الفرص أمامه في الغرب (بعد هزيمة روسيا في حرب القرم 1856)، ثم بعد أن تُحكِم قبضتها على وسط آسيا والقوقاز تعود من جديد غربًا (الأزمة البلقانية 1875). وظل الفاعل الروسي تتأرجح تحالفاته بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا (العصبة القارية) حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبعد أن شارك فيها خرج منها لقيام الثورة الشيوعية وفق تسوية محجفة به مع ألمانيا 1917 (بريست ليتوفسك)… وهكذا، فإن روسيا رغم تأرجح تحالفاتها مع قوى أوروبا، ظلت دائمًا عدوًا استراتيجيًّا وليس حليفًا استراتيجيًّا.

بعبارة أخرى، كان العدو الخارجي يحرك التحالفات والتحالفات المضادة الأوروبية-الأوروبية، ولكنه لم يساعد -حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية- على تأسيس كيان جماعي أوروبي، أيًّا ما كانت طبيعته أو درجته. وفي المقابل برزت الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها حليفًا حضاريًّا استراتيجيًّا دائمًا لأوروبا –منذ الحرب العالمية الأولى فصاعدًا- فتدعمت معه ركائز التحالف العسكرية والاقتصادية والسياسية تدريجيًّا وباستمرار حتى وصلت بعد الحرب العالمية الثانية إلى تأسيس هذا التحالف في شكل مؤسسي (حلف شمال الأطلنطي/الناتو) والذي أضحى ركيزة أمن أوروبا داخليًّا وخارجيًّا. ولكن ظلت الولايات المتحدة الزعيم والقائد في هذا التحالف الذي يحدد الشروط والقواعد -بدرجة أو بأخرى- كما فعلت بريطانيا في ظل “السلام البريطاني”.

ومن ناحية رابعة: تأتي التناقضات بين سيادة الفكر الواقعي الوضعي وتجلياته وبين عدم فعالية الفكر الليبرالي والنقدي الأوروبي. فلم تكن التناقضات الثلاثة السابقة في مجموعها إلا نتاج تأثير سيادة الفكر الوضعي الواقعي وتغلبه على تشكيل توجهات وسياسات أوروبا الخارجية بصفة خاصة.

ولا يمنع هذا بالطبع من الإشارة إلى أمرين أساسيين:

– أولهما: أن تغلب وهيمنة أوروبا لم يكن نتاج تعاظم قدراتها الذاتية فقط، ولكن نتاج تهاوي قدرات القوى المنافسة لها والتي كانت في قلب ومركز السياسة العالمية من قبل. ولم يتغلب المركز الأوروبي إلا بثمنٍ فادح تَمثَلَ في الحروب الأوروبية الدموية سواء على ساحة أوروبا، أو تنافسًا على المستعمرات من ناحية، أو تمثل في المقاومة المستميتة من الشعوب المستعمَرة حين احتلالها أو خلاله. فلم يتغلب الخارج على الداخل العربي والإسلامي عسكريًا فقط، ولكن في جوانب أخرى نتيجة الانحدار الحضاري العام الذي أصاب هذا الداخل وأفقده والقدرة على المقاومة الحضارية وليس العسكرية فقط.

– الأمر الثاني: الفكر النقدي والبنائي والليبرالي الأوروبي كان حاضرًا ويكتسب صِبغة تعاونية سلمية، ولكنه لم يكن سائدًا أو فعالًا في التأثير على مسار السياسات العالمية؛ إذ لم تتحقق دعوات: حق تقرير المصير، ونقد الاستعمار والرأسمالية المتوحشة، أو دعوات وقف سباق التسلح وضبطه وتدعيم نظم الأمن الجماعي.. وغيرها.

خلاصة القول: في ضوء هذه المجموعات من التناقضات الناجمة عن الخصائص الهيكلية للخبرة الأوروبية، ما الذي قدمته أوروبا: الإمبراطوريات أو الدول القومية، حين كانت مركزًا للنظام الدولي أو خارجه، ومن واقع خبرة تطورها الداخلي، أو امتداداتها الخارجية المختلفة؟ ما الذي قدمته هذه الأوروبا الحديثة للعالم؟ وما الذي تقدمه هذه “القارة العجوز” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في المرحلة المعاصرة منذ خرجت من مركز قيادة العالم لتصبح مفعولًا به؟ وأين موضع العالم العربي والإسلامي من هذه الخبرة المعاصرة؟

ألم تبرز بدرجة أكبر التوجهات البنائية النقدية أو الاتجاهات الليبرالية التعاونية إلى جانب الوضعية الواقعية نتيجة التغير في المعطيات الأوروبية المختلفة؟ وهل استطاعت التأثير على توجهات وسياسات “القارة العجوز” في مواجهة مراكز القوة العالمية الجديدة المتصارعة؟

(4)

اندلعت الحرب العالمية الثانية من قلب انقسام أوروبا ومن قلب تحدي ألمانيا لنتائج تسويات الحرب العالمية الأولى ومن قلب تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية (1929–1933) التي انطلقت من الولايات المتحدة لتصيب أرجاء العالم ولتكشف ما تبقى من ركائز دور أوروبي عالمي.

وبدأت أوروبا منذ نهاية هذه الحرب ما يعرف بالمرحلة المعاصرة من التطور الأوروبي: فهل تمثل هذه المرحلة انقطاعًا أم استمرارًا لمرحلة تطور وضع أوروبا الحديث عالميًا؟ سؤال يحتاج لتدبر لنصل إلى المرحلة الراهنة من أزمة أوروبا على أعتاب حرب عالمية ثالثة على أرضها بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية.

رغم تعدد تفسيرات اندلاع الحرب العالمية الثانية وآثارها، إلا أن المتفق عليه إجمالًا أن مسارها ونتائجها دشنت نظامًا دوليًّا جديدًا (هيكلًا، وأجندة قضايا، وقيمًا حاكمة، وحالة عامة)، كما دشنت انقسامًا جديدًا على أرض أوروبا بين شرق فُرضت عليه الشيوعية بعد تحرير الجيش الأحمر له من النازية، وبين غرب أوروبا الرأسمالي بعد تحرير الجيش الأمريكي له من النازية من جهة أخرى.

وعليه، لم تعد أوروبا فاعلًا مركزيًّا فيه بقدر ما أضحت أوروبا المنقسمة شرقًا وغربًا، مفعولًا به وبدرجات متنوعة لعدة عقود؛ سواء في ظل الثنائية القطبية الجامدة والحرب الباردة (1945- 1962)، أو الثنائية القطبية المرنة والانفراج الدولي (1962-1980)، أو تصفية هذه القطبية (1980- 1991).

ولقد سرت هذه القاعدة: “الفاعل-المفعول” على كل من شرق أوروبا (حلف وارسو والكوميكون) وغربها (الناتو والجماعة الاقتصادية) على حد سواء، وإن كان بدرجاتٍ وسياقات مختلفة.

إن أوضاع أوروبا الغربية في النظام الدولي وطبيعة دورها العالمي قد اُختبِرت خلال عدة أزمات وعدة تفاعلات (أوروبية وإقليمية وعالمية)، مقارنة بالقوتين العُظميين، من حيث درجة الاستقلال والتبعية للحليف الأمريكي من ناحية، ومن حيث درجة التوجه نحو تأسيس بنيان جماعي أوروبي اقتصادي وعسكري من ناحية ثانية، ومن حيث طبيعة العدو الخارجي الذي يشكل التوافق أو الانقسام بين مواقف الدول الأوروبية الخارجية وبينها وبين الحليف الأمريكي من ناحية ثالثة. وبالطبع لم تكن أوضاع الداخل في الدول الأوروبية بمنأى عن هذه الاختبارات الثلاثة، فلقد كان المزاج الأوروبي العام يتأرجح ما بين اليمين المحافظ التقليدي واليسار الاشتراكي وخاصة في الدول الأوروبية الكبرى. وكان اليمين الشعبوي المتطرف لا يظهر إلا باستحياء . فلقد كانت أوروبا وما زالت تناضل ضد آثار دمار الفاشية والنازية وضد تهديدات الشيوعية على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والفكرية.

ولقد واجهت دول شرق أوروبا أزمات داخلية متناثرة، وذلك في إطار المؤسسات التي تحكمت بها هيمنة الاتحاد السوفيتي السابق عليها، حيث فجرت تلك الأزمات اتجاهات سياسية وفكرية معارضة لهذه الهيمنة، وانتهت هذه الأزمات بسحق الجيش السوفيتي لها بالقوة العسكرية (كما في حالات: المجر وبولندا 1955–1956، وتشيكوسلوفاكيا 1967-1968، وبولندا 1981-1982). ولذا لم يكن شرق أوروبا فاعلًا مستقلًا، كما كانت أوروبا الغربية، رغم تبعية الأخيرة النسبية للولايات المتحدة، ولو كانت تلك التبعية في إطار تحالفٍ معها. وظلت جذور تلك المعارضات متقدة في شرق أوروبا حتى أسقطت ثوراتها النظم الشيوعية الحاكمة (1989-1991) معلنة تفكك حلف وارسو ومنظمة الكوميكون بعد تفكك أواصر الاتحاد السوفيتي ذاته.

مما سبق بيانه، يمكن اختزال نتائج تغيرات 45 عامًا (1945-1990) -على  المحاور الأربعة المشار إليها عاليًا- فيما يلي:

من ناحية: نلحظ تحول أوروبا من التبعية الكاملة للحماية النووية الأمريكية في إطار الناتو إلى المطالبة بـ”استراتيجية العامودين: الأوروبي والأمريكي للناتو” إلى العمل على تكوين جيش أوروبي وموحد، إلى الاختلاف مع الحليف الأمريكي حول اقتسام أعباء الناتو، وكان بالطبع العدو الرئيسي في هذه المرحلة هو الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا باعتباره مصدر التهديد العسكري والأيديولوجي الذي يدعو الناتو للمواجهة معه. إلا أن المصالح الاقتصادية بين شرق وغرب أوروبا بدأت تفرض نفسها تدريجيًا وعملت على إذابة جليد الحرب الباردة الأوروبية، كلما زاد “الانفراج الأكبر” بين القوتين العظميين، وكان “ديجول” أول من دق ناقوس التوجه لشرق أوروبا. وكان بناء خط غاز سيبيريا لنقل غاز روسيا إلى أوروبا في النصف الأول من الثمانينيات علامة مهمة على أن سياسة “الستار الحديدي” بين القطبين قد تراجعت وقتها. وبدأت مرحلة من “الاعتماد المتبادل الاقتصادي”.

بعد الاعتماد على المعونات الاقتصادية الأمريكية وعقب الحرب العالمية الثانية مباشرة (مشروع مارشال) اتجهت أوروبا –وبدعم وتحفيز أمريكي- إلى تأسيس بنيان جماعي على الصعيد الاقتصادي ابتداءً من “الجماعة الاقتصادية الأوروبية” (1955) ككيان سرعان ما أخذ يتسع نطاق عضويته ونشاطه بالتدريج على نحو صب في قدرات أوروبا الاقتصادية للدول المنفردة وجماعيًّا، مما كان له صدى على بداية اختلافات أوروبية أمريكية حول السياسات الجماعية الاقتصادية الأوروبية؛ وهي السياسات التي أضحت تنتقل من إجراءات حمائية بسيطة إلى أخرى أكثر شمولًا وإحكامًا.

ومن ناحية ثانية: بعد الانصياع التام في مجال السياسات الخارجية للمواقف الأمريكية، بدأت أوروبا (مع بداية التعاون السياسي الجماعي –في إطار الجماعة الأوروبية وتحت تأثير السياسات الفرنسية المستقلة منذ الرئيس “ديجول” ومن بعده بدرجات مختلفة) بدأت أوروبا تجتهد لاتخاذ مواقف مستقلة منفردة أو جماعية (كما حدث مثلًا تجاه أزمة الشرق الأوسط منذ حرب 1967)، وتجاه العالم الثالث وحركة عدم الانحياز (بعد تصفية المستعمرات الأفريقية والآسيوية). ولم تنجح جهود الدول الأوروبية في هذه المرحلة في الانتقال من مستوى التعاون السياسي ثم سياسة خارجية أوروبية مشتركة، إلى سياسة خارجية أوروبية موحدة. وظلت التفاوتات قائمة بين مواقف الدول الأوروبية الكبرى، حول السياسة الخارجية والأمنية وكذلك السياسات الجماعية الاقتصادية والاجتماعية، وأفرزت هذه الأوضاع ثلاثة توجهات واضحة: التوجه البريطاني نحو الحفاظ على تحالف قوي مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتوجه الفرنسي الساعي نحو درجة أكبر من الاستقلالية عن الأطلنطية، وأخيرًا “محور بون–باريس” لتحقيق التوازنات والتوافقات المتنوعة بين الدول الأوروبية وبين تحالف بريطانيا والولايات المتحدة.

ومن ناحية ثالثة: لم تُخفِ عمليات البناء الإقليمي الأوروبي الغربي –نحو الاستقلال والاندماج- جملة من التناقضات التي حكمت مسار التطور الأوروبي الحديث والمعاصر، كما سبقت الإشارة. وهي التناقضات بين القيم والمصالح الحاكمة أوروبيًّا وبين القيم والمصالح الحاكمة خارجيًّا. ولكن لم تعدْ الصورة بنفس القدر من الفجاجة والنفاق الدولي الذي كانت عليه حين كانت أوروبا مركز النظام العالمي والاستعماري. إذ بدأت أوروبا –بعد الحرب العالمية الثانية وبعد حرب السويس 1956- ترتدي قفازات من القوة الناعمة، تسعى من خلالها لاستمرار قيامها بدور عالمي، تاركة القوة الصلدة للحليف الأمريكي والعدو السوفيتي الشيوعي. واتخذت هذه القوة الناعمة أدوات مثل الوساطة الدبلوماسية والمعونات الاقتصادية للحفاظ على ما يسمى “اعتدال” مواقف مواجهة بعضها البعض (وتعد القضية الفلسطينية بعد 1973 نموذجًا واضحًا على ذلك).

أما قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي (الذي يرزح تحت نظم مستبدة خرجت من عباءة العسكرة والمعسكر الشرقي والاشتراكية لتلتحف بأردية جديدة للاستبداد في إطار رأسمالي شبه معسكر)، فقد ظلت قضاياه تلك غائبةً عن أولويات أوروبا المباشرة.

ومن ناحية رابعة: لم تكن الحرب الباردة –على صعيد أوروبا- مقصورة على الأبعاد الأمنية العسكرية ولا الاقتصادية أو السياسية فحسب، ولكن اتخذت أبعادًا فكرية وثقافية أيضًا، وبرزت لها دلالات مجتمعية وسياسية داخلية وعبر الحدود بين شرق وغرب أوروبا. فبقدر ما كانت أبعاد النموذج الشيوعي تتعرض للنقد وتتراجع أمام هجوم الدعايات الغربية عن مجتمعات الرفاه والحرية والتحرر والإبداع والمبادرة، أخذت أيضًا نماذج سياسية ومجتمعية داخل الرأسمالية والديموقراطية الغربية تتعرض لموجات من النقد الذاتي من تيارات فكرية غربية (كأمثال ما بعد الكولونيالة ومابعد الحداثة، والنسوية) ومن حركات مدنية مجتمعية: كالحركة المضادة للعولمة، والحركة المضادة للفساد والاستهلاكية، والمضادة للعنصرية وللحرب، والحركات المدافعة عن حماية البيئة وحقوق الإنسان ..الخ.

وكان ظهور هذه التيارات والحركات في هذه المرحلة بمثابة إعلان عن تعرض الوضعية المادية –كنموذج معرفي وحضاري- بتداعياتها السياسية، لنقد جديد في أثواب جديدة، امتدادًا لما ظهر من نقد في مراحل سابقة من خبرة التطور الأوروبي الحديث حين كان لأوروبا دورٌ عالميٌّ مركزيٌ، وبقدر ما زادت تجليات تلك التيارات والحركات على الصعيد الأوروبي (وخاصة برلمانات الدول الأوروبية، والبرلمان الأوروبي)، بقدر ما ظلت تأثيراتها خارجه مقصورةً على جهود المؤسسات المدنية والشعبية في نطاق حركات المجتمع المدني العالمي.

(5)

لم تكن نهاية القطبية الثنائية وانتهاء الصراع الإيديولوجي المباشر بين عالم شيوعي وآخر رأسمالي بداية لنظام عالمي جديد يسوده السلام والاستقرار كما بشرت الولايات المتحدة والغرب، وكما حلمت الشعوب الصغيرة التي عانت من ويلات الاستقطابات بين هذين العالمين، ومن حروب الوكالة بين القطبين على أراضي تلك الشعوب وحول نظمها وثرواتها.

ولكن كانت تصفية القطبية الثنائية بداية لإنهاء انقسام أوروبا الأيديولوجي بين شرق شيوعي وغرب رأسمالي وبداية لانضمام صعب لدول هذا الشرق الأوروبي في مؤسسات الغرب الجماعية العسكرية (الناتو) والاقتصادية السياسية (الاتحاد الأوروبي).

وفي المقابل، لم يعد العالم الثالث عالمًا ثالثًا بين شرق وغرب، ولكنه أضحى “جنوبًا” في مواجهة “شمال” جمع بين عدوي الأمس: الشيوعي والرأسمالي، في إطار صراعي جديد.

كما لم تتأكد الأحادية والهيمنة الأمريكية على العالم أيضًا؛ إذ سرعان ما كان سبتمبر 2001 -وما تلاه من تطورات- اختبارًا حادًا لها وتدشينًا لنظام يشهد صعود وتجديد قوى عالمية أخرى تُرسي قواعد تعددية جديدة. وكانت أوروبا الشرقية (وارسو) جزءًا من هذه التفاعلات، ولكن على نحو يختلف عن وضع روسيا والصين. فلم تكن بالطبع تسعى لتحدي استمرار تفوق النظام الدولي الغربي أو القيادة الأمريكية لهذا النظام، إنما أخذت تسعى للانضمام إلى مؤسسات الغرب العسكرية والاقتصادية، وازدادت في الوقت ذاته جهود أوروبا الغربية لحماية مصالحها التي أضحت مهددة بسياسات أمريكية منفردة تجسد الهيمنة الأمريكية. وازدادت وضوحًا الفروق بين الأدوات والتكتيكات الأوروبية الغربية وبين نظائرها الأمريكية، ولكن ظلت التوافقات والرضا بين الحليفين الأوروبي والأمريكي على الاستراتيجية الغربية الكبرى أكثر ثباتًا رغم تحديات توسيع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقًا من ناحية، ورغم تحديات الحروب الإقليمية الجديدة عقب 2001 من ناحية أخرى.

ولقد اختبرت عدة أزمات وقضايا أوروبية وإقليمية هذه الملامح الكبرى؛ أي استمرار أوروبا (الموسعة وليس الغربية فقط) ركنًا أساسيًّا في التحالف والاستراتيجية الغربية بقيادة أمريكية، واستمرار سعي أوروبا الغربية لتدعيم أركان بنائها الجماعي (الاتحاد الأوروبي منذ 1991) والتغلب على تداعيات توسعته بضم دول شرق أوروبا: أعضاء الكوميكون وحلف وارسو السابق، والقيام بدور فاعل في مناطق الأزمات التي تهدد مباشرة المصالح الأوروبية، ولكن على نحو تبدو فيه أوروبا وسيطًا أو ذات مواقف وسط مقارنة بمواقف الولايات المتحدة أو روسيا.

وتوالى خلال ربع قرن بروز هذه الملامح ووضوحها عبر عدة صراعات مسلحة: كالعدوان العراقي على الكويت والحرب على العراق لتحرير الكويت (1990–1991)، وجولات التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد للسلام (1991)، وحروب تفكيك الاتحاد اليوغسلافي السابق وصراع القوميات بين دول البلقان: حرب البوسنة (1991- 1995) وحرب كوسوفا (1999) والحروب الروسية في القوقاز ضد مطالب استقلال جمهورية الشيشان (1992- 1998)، ثم الحرب على أفغانستان واحتلالها (2001- 2021)، ثم الحرب على العراق واحتلالها (2003-… ) العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة واستمرار حصارها (2008- 2021)، وبداية سلسلة حروب الاستراتيجية الأمريكية العالمية لمحاربة “الإرهاب” الظاهرة منها والخفية، والحروب الأهلية والإقليمية العربية (2011- … ) نتاج تحرك قوى الثورات المضادة ضد الثورات السلمية للشعوب العربية التي قامت بدورها ضد الفساد والظلم والاستبداد والتبعية، ثم المواجهة مع كل من المشروع الإيراني الإقليمي والمشروع التركي الإقليمي في الشرق الأوسط.كما تم اختبار طبيعة العلاقات الأوروبية الأمريكية على صعيد قضايا عالمية كونية جديدة أخذت تأخذ بخناق شعوب العالم؛ على رأسها: أزمة البيئة العالمية، والفقر والجوع وانتهاكات حقوق الإنسان، وفشل عمليات التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة في دول ما يسمى الجنوب. وأخيرًا: جائحة كورونا العالمية، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الطاقة والغذاء والمال.

وكان لأوروبا ما بعد الحرب الباردة مواقفها وخصائصها تجاه المحاور الأربعة الهيكلية التي تابعنا من قبل على ضوئها التطور الأوروبي الحديث منذ بداية عصر النهضة، وعلى نحو يضع الخطوط تحت مجموعة من الأنماط والمحددات المؤثرة في تشكيل التوجهات والسياسات الأوروبية في العالم:

فمن ناحية: أظهرت الصراعات الإقليمية المسلحة (العراق، البوسنة، أفغانستان…) وأنماط التدخل الأمريكي والأوروبي فيها كيف أن التحرك الأمريكي العسكري كان يسبق ويدفع نظيره الأوروبي، حيث كانت الدول الأوروبية أكثر تحفظًا، وليس رفضًا تامًا، للحلول العسكرية للأزمات، ولكنها من ناحية أخرى لم تقبل التدخل المنفرد (البوسنة، مالي…) بدون تدخل أمريكي مساند.

كما كانت أوروبا تهتم بجذور الصراعات وأسبابها بقدر الاهتمام بالأبعاد العسكرية للتدخل فيها، ولم تمنع الاختلافات التكتيكية الأوروبية-الأمريكية من استمرار تحرك التحالف الغربي جماعيًّا، إلا أن أوروبا بعد كل أزمة، وخاصة العراق والبوسنة، تحركت من أجل تدعيم سياساتها الخارجية والأمنية، وفي هذا يشار إلى أن قيام الاتحاد الأوروبي 1991 كان نتاج خبرة أوروبا مع أزمات ما بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة. ومن ثم ظهرت اتجاهات تدعيم السياسات الخارجية والأمنية الأوروبية في النقاش الأورو-أطلنطي حول استراتيجية الناتو بعد الحرب الباردة وتوسعه شرقًا ودور كل من الحليفين على صعيده.

كذلك لم تكن الاختلافات الأوروبية–الأمريكية على الصعيد الاقتصادي أقل حدة؛ ولكن كانت تتم إدارتها في إطار محركات ودوافع وأهداف الاعتماد المتبادل الاقتصادي المركب وتزايد المنافسة مع قوى أخرى مثل الصين واليابان. ومع ذلك ظلت مسافات واضحة بين المصالح الأوروبية ونظائرها الأمريكية في العلاقات مع كل من الصين وروسيا. فكانت حماية المصالح الاقتصادية الأوروبية، وخاصة الألمانية مع كل من روسيا والصين تحوز الأولوية، حتى لو انفحرت الصراعات الأمريكية الصينية (إدارة ترامب) أو الصراعات الأمريكية الروسية كما يحدث الآن مع الحرب في أوكرانيا. وتمثل هذه الحرب اختبارًا حادًا لأمن إمدادات طاقة أوروبا.

وهكذا، مع كل اختبار أمني أو عسكري عبر العالم، ومع تواتر التحليلات عن الأثر على التحالف الغربي، لا تخرج أوروبا أكثر قوة أو استقلالًا عن الحليف الأمريكي، ولكنها تجتهد لتظهر بمظهر الشريك في اتخاذ القرار، وفي المقابل تظل جميع هذه الأزمات الكاشفة عبر العالم دليلاً ظاهرًا على أن “السلام الصغير” غائب وأن “السلام الكبير” (أي منع نشوب حرب عالمية ثالثة) هو الحاضر، وتتم المقاصّات بين الكبار للحفاظ عليه بأي ثمن، وإن تم الدفع من وراء الكواليس لصالح توازنات القوى الكبرى حتى ولو بالتضحية بالآلاف أو ملايين من الناس في حروب بالوكالة… إلا أن حرب أوكرانيا تهدد الآن هذا السلام الكبير على أرض أوروبا ذاتها، وهي للأسف ليست حرب البوسنة أو كوسوفا التي كان ضحيتها “أوروبيون مسلمون” ومن ثم لابد وأن تختلف إدراتها الآن من جانب كافة الأطراف، حتى لو أظهرت نفاقًا دوليًّا سبق وشهدته الذاكرة التاريخية الأوروبية مرارًا.

ومن ناحية أخرى: لم تتوحَّد أوروبا الغربية بدرجة أكبر مما استهدفته منذ إرساء الاتحاد الأوروبي 1991. ثم مع التوسع شرقًا –أمنيًا واقتصاديًّا- زادت تحديات وأعباء استكمال تدعيم البنيان الجماعي الفيدرالي.

بعبارة أخرى، وإنْ انتهى الانقسام المؤسسي والهيكلي بين شرق وغرب أوروبا، إلا أن هدف الوحدة لم يتحقق كاملًا فيما بين الغرب الأوروبي أولًا، وبين شرقه وغربه ثانيًا. وما كان الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي إلا جرس إنذار، تلته أجراس إنذارات أخرى فرضها أمران يقعان في صميم “الأمن الأوروبي”:

  • العوائق التي وضعتها روسيا أمام انضمام دول شرق أوروبا إلى الناتو وإلى الاتحاد الأوروبي، والتي وإنْ فشلت في منع هذا الانضمام، إلا أنها وصلت إلى أقصى حدِّها مع أوكرانيا لتهدد الآن بنذر حرب عالمية ثالثة مباشرة، ولتضع من ناحية أخرى موقف كل من المجر وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا في الناتو على المحك. فهل ستخرج أوروبا بشرقيها وغربيها أكثر اندماجًا وتوافقًا من هذه الحرب أم بالعكس ستتغلب مصالح الوضع الخاص لكل من الشطرين بذاكرته التاريخية؟
  • الأمر الثاني الذي يدق أجراس الإنذار هو ظهور تيارات انفصالية استقلالية داخل الدولة الأوروبية الواحدة، كما في حالة أسبانيا وبلجيكا، ناهيك عن علو تيار المصالح القومية على الجماعية كما حدث خلال الموجة الأولى من جائحة كورونا أو موجات الهجرات إلى أوروبا منذ 2014، فكيف ستمثل أزمة الطاقة مع الحرب في أوكرانيا ساحة لاختبار مهم للمواءمات بين المصالح القومية الرافضة لحظر استيراد البترول والغاز الروسي أو الموافقة عليه اصطفافًا مع الموقف الأمريكي؟

بعبارة أخرى: هل ستستطيع دول الاتحاد الأوروبي ذاتها إدارة الاختلافات بينها حول “أمن الطاقة” بصفة خاصة على نحو يحفظ البنيان الجماعي والمصالح القومية لكل دولة؟

ومن ناحية ثالثة: لم يعد العدو الذي يهدد أوروبا “موحدًا ظاهرًا” كما كان في حالة الاتحاد السوفيتي والشيوعية عبر ما يزيد عن نصف القرن. فبعد أن صعدت فزاعة أسلحة الدمار الشامل لدى العراق وإيران، صعدت منذ 2001 بصفة خاصة فزاعة “الإرهاب العالمي” و”الإسلامي” تحديدًا، والذي اصطفَّ أعداء الأمس شرقًا وغربًا في مواجهته وجعلوا الأوطان العربية والإسلامية ساحة لاجتثاث جذوره بحسب زعمهم. في حين كان الأمر في الواقع يتصل بالدفاع عن الهيمنة ضد الأفول والتراجع في مواجهة مقاومة المستضعفين في هذه الأوطان ضد تداعيات هذه الهيمنة على الاستقلال والحرية والثروات، بل والثقافة. ومع استحكام النظم المتداعية في الدفاع عن نفسها وتآكل فرص التغيير السياسي والاقتصادي في هذه الأوطان أضحت لعبة “محاربة الإرهاب” ذريعة لاستمرار هذا الاستحكام وهذه التدخلات الخارجية التي تحميه.

استمر ذلك حتى العقد الأخير حتى بدأت تبرز صورة عدو آخر يتصاعد خطره من “الشرق الأقصى” تحديدًا؛ حيث الصين الصاعدة بقوة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وعلى نحو أعاد تشكيل التوجهات والسياسات الأوروبية المتأرجحة بين مصالحها الاقتصادية مع الصين ومع روسيا وبين الصراعات المفتوحة: بين الصين وأمريكا في عهد “ترامب”، وصعود الصراع مع روسيا في عهد “بايدن”. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا، بعد شد وجذب طيلة أعوام بين روسيا وبين أوكرانيا والناتو، لتُلقي الضوء بوضوح على حال اللعبة الثلاثية الأوروبية–الأمريكية-الروسية من ناحية، وعلى مآل لعبة ثلاثية أخرى روسية–صينية–أمريكية، فهل ستقدر أوروبا –بشرقيها وبغربيها بمؤسساتها ومصالحها- على الصمود أمام تحديات هاتين اللعبتين المتداخلتين في صميم تشكيل تحولات النظام العالمي الراهن: مَن عدوُّ مَن مِن الكبار؟ ومَن صديق مَن؟

وفي المقابل، تُترك أوطاننا العربية والإسلامية لنظمها المتهالكة المستبدة بشعوبٍ دمرتها واستنزفت طاقاتها البشرية والمادية الحروبُ والانقساماتُ على حد سواء. ولقد ارتوت من دمار هذه الشعوب وأينعت إسرائيل وقوى إرهابية ما زالت تُوظَّف كفزاعة وذريعة لاستمرار انتهاك حقوق الإنسان وتجميد الحريات بكافة أنواعها ما عدا حريات الإباحية وازدراء الأديان والتوحش الرأسمالي، فأين هذا كله من راية حقوق الإنسان والديموقراطية التي ترفعها أوروبا كقوة ناعمة؟

ومن ناحية رابعة: ومع ازدياد توحش العولمة الليبرالية الجديدة وتوحش آثار الحروب الأهلية والمجاعات والفقر، والاستبداد على شعوب الجنوب، ومع تنامي ترسانات الأسلحة الجديدة ذات قدرات التدمير العالية وعن بُعد أو التي تدمر بدون قصف مثل أسلحة الحرب الإلكترونية، ومع تنامي الفجوة العلمية والمالية والحياتية بين مجموعات الشعوب، ومع تزايد صعود قوى اليمين المتطرف والعنصرية في قلب الغرب الديموقراطي، ومع تصاعد أصوات الأصوليات القومية والدينية المتطرفة حاملةً معها أنواعًا جديدة من العنصرية والفاشية ضد المختلف لونًا أو دينًا أو عرقًا أو طبقة… تظل أوروبا –القارة العجوز- حاملةً لبؤر فكرية وعلمية وحركية ذات أبعاد إنسانية ديموقراطية ليبرالية رشيدة وليست زائفة. وكلما تصاعدت أصواتها وحركتها تضامنا مع المستضعفين عبر الحدود، في أرجاء العالم، تتصاعد في مقابلها أصوات الشعبوية واليمين المتطرف الجديد في أوروبا، وهي أصوات متنامية ضد من هو غير أوروبي، وخاصة المسلمين على نحو شبهه البعض بمناخ نازية الثلاثينيات في ألمانيا ضد اليهود.. ولكن هذه المرة ليس في ألمانيا فقط، إنما عبر دول أوروبا بدرجات متنوعة وبأنماط مختلفة، ولدرجة دفعت للتساؤل الآن: هل هذا “ما بعد إسلاموفوبيا”؟ وإلى أين يمضي؟

بعبارة أخرى، إنَّ مصدرًا أساسيًّا من مصادر قوة أوروبا، وهو القوة الفكرية الإنسانية دفاعًا عن حق تقرير المصير، وعن الديموقراطية العالمية والعدالة العالمية والمساواة الإنسانية، وعن الحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية للشعوب، تمر –بدورها- باختبارات صعبة: هل ستصمد خلالها أم ستتراجع بدورها مثل عناصر القوة العسكرية والاقتصادية مقارنة بالكبار الثلاثة الآخرين؟

(6)

خاتمة النظر في الذاكرة التاريخية لتطور التكوين الأوروبي الحديث وأثره على تطور أنماط ومحددات الدور الأوروبي العالمي في مراحل عدة:

مع اندلاع الحرب في أوكرانيا فبراير 2022، ومن قبلها مع جائحة كورونا العالمية، ومن قبلهما الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب، ومع مؤشرات أزمة اقتصادية عالمية، فإن الوضع العالمي الراهن لا يختبر طبيعة الدور والمكانة العالمية الراهنة “لأوروبا” القارة العجوز فقط، ولكن يختبر بالأساس ماهية التحولاتTransformations  في هيكل النظام الدولي ومنظومة قيمه الحاكمة بعد تراكم مجموعة من التغيرات أو التطورات developments: أولًا داخل التحالف الغربي ذاته، وثانيًا على مساحة القوى العالمية الصاعدة أي الصين وروسيا الاتحادية، بتحدياتها للهيمنة الغربية ولهيكل الأحادية الأمريكية، وثالثًا حالة الجنوب التي استحكم تهميشه، والتدخل الاستباقي في كافة أنواع الحروب ذات المصادر القومية والعرقية والدينية والمذهبية، وإنْ كانت هذه الحروب لا تمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الكبرى المادية -كما يعتقد ساسة واقتصاديو الغرب- إلا أن هذا التدخل يمثل قنبلةً موقوتةً ويحمل في طياته أنماطَ مقاومةٍ متعددة -ظاهرة وباطنة- تمثل تحديًا لن ينتهي للشمال بغربه وشرقه.

ومن الواضح أن “أوروبا” أضحت رهينة لعبة توازن ثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ولم تعد أوروبا قادرةً على أن تصبح المكون الرابع لهذه المعادلة كفاعل مستقل موحد صاحب استراتيجية ذات أركان اقتصادية وعسكرية مستقلة، أو أن تعكس خصائص حضارية وذاكرة تاريخية تشكل باستمرار توجهات وسياسات خارجية موحدة ومستقلة، كحالة منافسيها الدوليين كالصين وروسيا.

إن الوعي بهذه المساحة مهم وضروري من جانب الأنظمة والنخب والشعوب العربية والإسلامية التي ما زالت جميعها تراهن -ولو بأشكال وأهداف مختلفة- على وساطات وأدوار توفيقية ومساعدات أوروبية لوقف الحروب أو للتنمية والتحول الديموقراطي أو للتصدي لما تسميه النظم الإرهاب “الإسلامي”!

ومما لا شك فيه أن تداعيات الحرب الروسية على أواكرانيا –خلال نحو شهر حتى الآن- قد ألقت الضوء على عدد من معالم التحولات العالمية المرتقبة، إلا أنها قد أثارت بدرجة أكبر تساؤلات مهمة عن أثار هذه التحولات ودلالاتها بالنسبة لأوضاع أوطاننا العربية والإسلامية: مستقبل النظم المستبدة والرأسمالية المتوحشة في مواجهة مطالب التغيير السياسي والاجتماعي، مستقبل حروب القوميات والمذاهب (الهويات) في مواجهة مطالب تدعيم الدول المدنية الديمقراطية، مستقبل التوجهات الخارجية شرقًا أو غربًا في مواجهة مطالب الاستقلال الوطني، مستقبل مقاومة المشروع الصهيوني وموجات تطبيع النظم مع إسرائيل.

 الحمد لله

25 مارس 2022

⁕⁕⁕⁕⁕

 

قائمة مراجع وقراءات حول الذاكرة التاريخية لوضع أوروبا في النظام الدولي

  • د.محمد السيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين، (القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، ط4، 2014).
  • د.نادية محمود مصطفى، العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن، تقديم: المستشار طارق البشري، (القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية ودار البشير للثقافة والعلوم، 2015).
  • Barry Buzan & Richard little, International Systems in World History: Remaking the Study of International Relations, (Oxford: Oxford University Press, 2000).

 

وحول أوضاع أوروبا المعاصرة منذ نهاية الحرب العالمية:

  • د.نادية محمود مصطفى، أوروبا والوطن العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة الثقافة القومية (8)، 1986).
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، أوروبا والعرب: من تسوية الصراع العربي الإسرائيلي إلى الشراكة الأوربية المتوسطية، (في): تقرير حال الأمة في عام (1997)، وفي: (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، أوروبا الغربية وأمن الخليج (1980-1987)، (مجلة الفكر الاستراتيجي العربية، العدد 28، أبريل 1989).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، أزمة الخليج الثانية والنظام الدولي الجديد، في د.أحمد الرشيدي (محرر): أزمة الخليج والأبعاد الدولية والإقليمية، (جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، أكتوبر 1991).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، حرب الخليج الثانية: بين السياسة الجماعية والسياسات القومية الأوربية، (في): د.ودودة بدران (محرر) مصر والجماعة الأوربية 1989-1990، (جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1993).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، المنطقة العربية والنظام الدولي الجديد، القسم الأول، (في): تقرير الأمة في عام 1992- 1412هـ، (القاهرة: مركز الدراسات الحضارية، 1993).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، أبعاد الدور السياسي لأوروبا وحدوده: إشكالية الاستمرارية والتغيير، (شئون عربية، العدد 121، ربيع 2005).
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــونجوان الأشول، الاتحاد الأوروبي: بين الغياب والمبادرة عبر أرجاء العالم الإسلامي، في: أمتي في العالم، العدد الثامن: الأمة ومشروع النهوض الحضاري: حال الأمة 2008، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 1430هـ/ 2009م).
  • بشارة خضر، أوروبا والوطن العربي: القرابة والجوار، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1993).
  • علي الدين هلال، القوى الكبرى والوحدة العربية، (مجلة المستقبل العربي، عدد 463، سبتمبر 2017).
  • أحمد قاسم حسين، الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2021).
  • علي الحاج، سياسات دول الاتحاد الأوروبي في المنطقة العربية بعد الحرب الباردة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه (51)، 2005).
  • صالح المسلوت، تاريخ أوروبا السياسي في القرن العشرين من قيام الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب الباردة 1914م – 1991م، (الدمام: مكتبة المتنبي، 2011).
  • عبد العزيز سليمان نوار، محمود محمد جمال الدين، القانون الأوروبي: التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، (ط1، دمشق: دار الفكر العربي، 1999).
  • عبد العظيم رمضان، تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث: من ظهور البرجوازية الأوربية إلى الحرب الباردة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ثلاثة أجزاء).

 

———————————————————

(*) أستاذ العلوم السياسية غير المتفرغ، ورئيس أسبق لقسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، مدير مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة..

[1] حول مفهوميِّ: الذاكرة الحضارية”، و”المفاصل التاريخية” انظر: نادية محمود مصطفى، الهجمات الحضارية على الأمة وأنماط المقاومة: بين الذاكرة التاريخية والجديد منذ الثورات العربية، العدد الثالث عشر من أمتي في العالم: “المشروع الحضاري الإسلامي: الأزمة والمخرج”، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2017)، ص ص 27-31.

[2] كانت معاهدة كارلوفيتز1699 كاشفة عن هذا التغير، انظر: د.نادية مصطفى، العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن، (القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية، دار البشير للثقافة والعلوم، 2015)، ص ص235- 282.

[3] كانت معاهدة كوجوك كينارجي 1774 كاشفة عن هذا التغير، انظر: المرجع السابق، ص ص 242-246.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى