آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالولايات المتحدة وأوروبا

التوجُّهات الاستراتيجية لروسيا الاتحادية وعلاقتها مع الغرب

مقدمة:

بعد عامين من تولِّيه الرئاسة في روسيا لأول مرة عام 2000 أدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصريح في وجه العالم قائلًا: “نحن قوةٌ عالمية، ليس لأنَّنا نمتلك قوة عسكرية عُظمى وقوة اقتصادية محتملة فقط، بل نحن كذلك لأسباب جغرافية، سوف نظل موجودين في أوروبا وآسيا، في الشمال والجنوب كما لنا في كل مكان بعض الاهتمامات والمخاوف”[1]، بهذه الكلمات الجامعة يُشير بوتين إلى التوجُّه الروسي نحو الصعود العالمي، فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة وبسْط الولايات المتحدة هيمنتَها على العالم في ظلِّ أُحادية قطبية، يأتي التحدي الروسي -إلى جانب مجموعة من التحديات المتمثلة في صعود قوى عالمية أخرى كالصين- ليمثِّل تهديدًا لهذه الأُحادية القطبية في محاولة لاستعادة القوة الروسية العالمية، والوقوف أمام التمدُّد الغربي وتوسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقًا باتجاه الحدود الروسية، وهو ما تعمل روسيا على مواجهته بطرق مختلفة، ويأتي هذا التقرير للوقوف على التوجُّهات الاستراتيجية لروسيا تجاه الغرب، في محاولة للإجابة عن مجموعة من التساؤلات التي تدور حول ملامح الاستراتيجية الروسية العالمية في ظل بوتين وكيف تنعكس على السياسة الخارجية لها، وما هي خصائص العلاقة مع الناتو والاتحاد الأوروبي ودلالة ذلك بالنسبة للتحالف الأمريكي – الأوروبي، وما الأسباب التي أدَّتْ إلى اتِّساع هذه السياسة ابتداءً من سوريا وصولًا إلى أوكرانيا.

أولًا- الاستراتيجية الروسية العالمية في ظل بوتين: ملامح وإشارات

إن إعلان الرئيس فلاديمير بوتين بأن “حدود روسيا لا تنتهي أبدًا” يشير إلى الهدف الرئيسي من سياسة بوتين الخارجية والذي يتمثل في ضرورة ترسيخ وضع الاتحاد الروسي كمركز نفوذ في العالم الراهن، حيث ترغب روسيا في استعادة مركزها كقوة عظمى، وبناء عليه؛ انصبَّ اهتمام بوتين منذ تولِّيه الحكم في الكرملين عام 2000، على النطاق الأوراسي، فالمشروع الأوراسي -حسب الجغرافي هالفورد ماكيندر- يربط موسكو عبر دوائر متداخلة بالدول الآسيوية والأوروبية والأفريقية، وتكون أولى حلقاتها دول الاتحاد السوفيتي السابق؛ بوصفها منطقة نفوذ خالصة لروسيا أمام التمدُّد الغربي، من خلال عقد شراكات وثيقة، وفرض نفوذ اقتصادي وسياسي وأمني على الدول التي تشاركها الحدود، أو التدخُّل عسكريًّا عند اللزوم، كما حدث في جورجيا والقرم وأوكرانيا، أو أبْعد من ذلك كما في سوريا وليبيا وأفريقيا الوسطى.

تستلهم السياسة الروسية خطواتها وفق ما سُمِّيَ “العقيدة الأوراسية”، والتي ترتكز على قاعدتين أساسيَّتين: الأولى- التقارب وبناء الشراكات مع قوى مناوئة أو متوجِّسة من النُّفوذ الأمريكي. الثانية- توسيع الرقعة الجغرافية وتشكيل قوس جغرافيٍّ استراتيجي، بضمِّ أراضٍ شاسعة فيها مخزون من أكبر مخازن الثروة الباطنية في العالم[2]، ومن هذا المنطلق تشكِّل الجغرافيا أحد المحركات الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية نظرًا لمساحتها الشاسعة وحدودها مترامية الأطراف[3]، يمكن القول بأن أهمَّ أهداف السياسة الخارجية الروسية تتمثل في[4]:

  1. تعزيز القدرات الروسية والمحافظة على الأمن القومي الروسي: حيث تعمل روسيا على إيجاد الوسائل اللازمة لفرض الردْع خوفًا من النزاعات التي قد تنشأ مع جيرانها بسبب الحدود، وملكية الأرض، وذلك من خلال تعزيز القدرات الروسية عبر التركيز على تطوير دور السلاح النووي وتحسين القدرات القتالية للجيش، ومنع أي اقتراب من الحدود الروسية أو إقامة قواعد عسكرية في الدول التي كانت خاضعة للنفوذ السوفيتي فذلك يمثِّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ووفقًا لذلك، عمدت روسيا إلى المشاركة في إنشاء منظمة شنغهاي في يونيو 2001 لإبعاد الوجود العسكري الأمريكي في بعض جمهوريات آسيا الوسطى، وذلك بالتعاون مع الصين التي تشترك مع روسيا في الرغبة في إبعاد الوجود الأمريكي بالقرب من حدودها في آسيا الوسطى.
  2. إقامة نظام دولي متعدِّد الأقطاب: حيث تسعى روسيا لرفض الهيمنة الأمريكية على العالم والتأكيد على استقلالية سياستها الخارجية.
  3. الحفاظ على محيطها الحيوي وعدم السماح لتدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية في الجمهوريات المستقلَّة عن الاتحاد السوفيتي (دول الكومنولث): حيث تسعى روسيا إلى تشكيل اتحاد أوراسي يضم كافة دول الرابطة يتحقق من خلاله اتحاد جمركي ومعاهدة للأمن الجماعي في إطار منظمة دولية قادرة على مواجهة التحديات والتهديدات العالمية.

وقد انعكست هذه الأهداف في سياسة بوتين التي تنوَّعتْ حدَّتها على مدار ولايتيْه، حيث عمل على تنفيذها على عدَّة مستويات، ففي بداية تولِّيه للسلطة عمل بوتين على تجاوز تراجع دور روسيا العالمي فسعى إلى تعزيز التقارب الروسي الغربي والدعوة إلى تفعيل دور الأمم المتحدة والتأكيد على ضرورته في حلِّ أيِّ أزمة في العالم، والتأكيد على الجهود الجماعية، كما انصبَّ اهتمامُه على تعزيز القدرات العسكرية الروسية، وزيادة التسليح العسكري الروسي، والاهتمام بشركات ومصانع السلاح الروسية، وتصدير السلاح إلى الخارج، حيث ازداد تصدير السلاح الروسي إلى مصر والهند والصين وإيران… إلخ، لتصبح روسيا ثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية[5].

من ناحية أخرى شهدت سياسة بوتين الخارجية توجُّهًا يمكن أن نطلق عليه سياسة روسيا الآسيوية، حيث سعى بوتين بقوة إلى تطوير علاقات الشراكة مع الصين، وكذلك مع الهند كقوة آسيوية عظمى وكشريك استراتيجي تقليدي لموسكو؛ أيضًا طوَّر علاقته مع اليابان وكوريا الجنوبية كمصادر لاستيراد التكنولوجيا والاستثمارات.

على صعيد آخر، وفي سبيل استعادة النفوذ العالمي اتجهت موسكو نحو الشرق الأوسط وأصبح لديها علاقات مثمرة مع إيران وإسرائيل خاصة منذ بدء عملياتها العسكرية في سوريا 2015، فنظرًا للأهمية الكبيرة للشرق الأوسط، حرصت روسيا على تعزيز نفوذها في المنطقة، فالشرق الأوسط يعتبر الساحة التي تتنافس فيها القوى الدولية للتأثير على بعضها البعض، ولهذا السبب تحرص روسيا على تعزيز حضورها في الأحداث التي حدثت في دول المنطقة وتطوُّراتها، والتأثير على مجرى الأحداث لخدمة مصالحها[6].

إن النُّفوذ الروسي في سوريا يُعَدُّ نواةَ النُّفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إيران، وهذا يعزِّز من نفوذها في تشكيل التوازنات في المنطقة، إن الدعم الروسي الكبير للنظام السوري منذ العام 2015، يرجع الى أسباب عدَّة منها تخفيف الضغط على روسيا نتيجة السياسة الأمريكية الأوروبية التي تتمُّ من خلال الناتو للتوسُّع في الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي وهذا سيعمل على محاصرة روسيا، ولهذا تعمل روسيا على مواجهة هذه السياسة التوسُّعية بتأكيد وجودها في مناطق أخرى كما في سوريا، كما ترى روسيا أن تدخُّل الدول الغربية لتغيير الأنظمة في عدد من الدول، كما حدث في أوكرانيا 2014 من خلال دعم حركة التظاهرات الشعبية وغيرها في دول أخرى، يهدف إلى التخلُّص من الأنظمة الصديقة لروسيا وتنصيب نُظُمٍ موالية للغرب[7].

وفي هذا السياق وهذا المسعى لاستعادة الهيبة والمكانة الروسية، جاء أيضًا قرار بوتين بالتدخُّل في جورجيا عام 2008 كأول خطوة عملية لترجمة “الفكرة الروسية” والتحوُّل لدولة عظمى واستعادة النُّفوذ وذلك بحجَّة الدفاع عن أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهما منطقتان سَعَتَا إلى الانفصال وتأسيس جمهوريَّتين مستقلَّتين بدعم روسيا وحمايتها، ثم جاء التدخُّل بضمِّ شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليِّين في شرق أوكرانيا في 2014، وفي الحالتين حذَّرت موسكو منظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والاتحاد الأوروبي، من بسط نفوذهما في جمهوريات تعتبرها ضمن مجالها الحيوي. وصولًا إلى 2021 وتغيُّر استراتيجية الأمن القومي الروسي لتنْبئ بتحوُّلات في الأولويات الاستراتيجية لروسيا ولتصبح أكثر حدَّة وأكثر جرأة خاصَّة نحو الغرب، فقد كانت الاستراتيجية الروسية سابقًا تعبر عن إشكالية علاقة روسيا مع الناتو ورفضها نشاطه العسكري الزائد، وتمدُّده باتجاه حدودها، لكنها كانت تظهر اهتمامها بالحوار مع الاتحاد الأوروبي، أما الآن فهي لم تعدْ مهتمَّةً بالحوار مع بروكسل، وعلى هذا الأساس جاء الغزو الروسي لأوكرانيا فبراير 2022، وقد جاء في إعلان بوتين وأجهزته الإعلامية بأن أهدافه الاستراتيجية التي يسْعى لها والتي عكستها الحرب الأوكرانية، ليس ضم أوكرانيا لروسيا، بل تغيير منظومة ما بعد الحرب الباردة في أوروبا، وهي المنظومة التي أقْصت روسيا عن المشاركة في اتخاذ القرارات في شؤون أوروبا، ومن هنا إذا نجح بوتين في إبقاء أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا خارج حلف الناتو، فإن ذلك يكون بمثابة الحفاظ على حصن أخير في وجه توسُّع حلف الناتو[8].

ثانيًا- العلاقات الروسية-الغربية ودلالاتها:

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتسلُّم يلتسين السلطة، تحوَّلت السياسة الخارجية الروسية تجاه أوروبا باعتبار أن لديها إمكانات متميزة للشراكة والتعاون، ليس فقط بسبب الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية، بل بسبب التقارب الثقافي والتاريخي. واستُخدم هذا الفهم لتحفيز التعاون المؤسَّسي الروسي مع الغرب منذ بداية التسعينيات، كما نوقشت أفكار مثل انضمام روسيا إلى الناتو والاتحاد الأوروبي ما أنتج اتفاقية الشراكة والتعاون بين روسيا والاتحاد الأوروبي الموقَّعة في عام 1994، وانضمام روسيا إلى مجلس أوروبا في عام 1996، واتفاقيات العلاقات المتبادلة والتعاون والأمن مع الناتو 1997[9].

بوصول بوتين إلى السلطة عام 2000 بدأت روسيا مرحلة وعهدًا مختلفًا في تاريخ سياستها الخارجية حيث عمل بوتين على تحقيق مصالح روسيا الاستراتيجية، وإعادتها إلى مكانتها العالمية، مما تتطلَّب ضرورة تحقيق الاستقرار الداخلي ابتداءً، فبدأ بخوض حرب ضد الفساد المالى، وإعادة بناء اقتصاد قوي واستقرار سياسي واجتماعي وتحقيق انسجام داخلي واسع يساند السياسة الخارجية الجديدة، ووضع خطة استراتيجية لعلاقات روسيا الخارجية وبخاصة مع الولايات المتحده الأمريكية، ونجح في ذلك بسبب الدعم القوي من الشعب الروسي له، وتميَّزت السياسة الخارجية الروسية الجديدة بالبراجماتية، أي إعطاء أولوية للمصالح القومية وتغليب النظرة الواقعية، ولقد مرَّت هذه السياسة بمرحلتين:

  • المرحلة الأولى: مرحلة الانفتاح والتعاون مع الغرب

سَعَى بوتين ابتداءً إلى خلق تأثير روسي في المجال الإقليمي السوفيتي السابق، بهدف تحسين المكانة الروسية عالميًّا والعمل على استعادة دورها في آسيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى مع عدم السماح للغرب بتهميش هذا الدور[10]، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتدعم هذا التعاون الروسي الغربى وتنقل روسيا والولايات المتحدة إلى مستوى التعاون الثنائي، حيث محاربة الإرهاب وتحقيق الأمن العالمي اللذان أصبحا من المسائل ذات الاهتمام المشترك بينهما، وكان بوتين أول رئيس يتَّصل بجورج بوش معربًا عن استعداد موسكو لتقديم كل المساعدات الممكنة خاصة أن لديها الكثير من المعلومات حول أفغانستان، وفي نوفمبر من العام نفسه، الْتقى بوتين وبوش وصدر بيان مشترك عنهما جاء فيه “لقد تغلَّبت الولايات المتحدة وروسيا على إرث الحرب الباردة، وسخَّرت موسكو مجالها الجوي وقواعدها في آسيا الوسطى لخدمة واشنطن، وعُقدت خمسُ اجتماعات قمة أمريكية-روسية في عام 2002 ناقش خلالها الجانبان قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي[11].

وعلى صعيد العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، سَعَتْ روسيا أيضًا للتقارب مع أوروبا والاندماج في الهياكل والمؤسسات الغربية، وفي هذا السياق انضمَّت إلى مجموعة الدول الصناعية الكبرى لتتحوَّل إلى مجموعة الثمانية في يونيو 2002، واستضافت وترأَّست قمة المجموعة عام 2006. كما أصبحت عضوًا في منظمة التجارة العالمية في أغسطس 2012 بعد مفاوضات استمرَّت 18 عامًا، كما تمَّ تأسيس مجلس “روسيا – الناتو” كمنتدى لتطوير التعاون والتنسيق السياسي والعسكري بين روسيا والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 28 مايو 2002[12].

إلا أن هذا التوجُّه التعاوني شَهِدَ عدَّة تحوُّلات ابتداءً بتنديد روسيا بالقرار الأمريكي بغزو العراق، مرورًا بأزمة الانتخابات الأوكرانية عام 2004 ودعم الولايات المتحدة للثورة البرتقالية ومن ثم فوز السياسي القريب من الغرب، فيكتور يوتشينكو، وفي 2007 عندما قرَّرت واشنطن نشر درع صاروخي في بولندا وجمهورية التشيك هدَّدت روسيا بنشر قواتها في منطقة كالينينجراد[13]، وفي خطاب مؤتمر ميونخ للأمن من نفس العام أعلن بوتين صراحة رفضه للأحادية القطبية، موجِّهًا انتقادات شديدة إلى الغرب، مؤكِّدًا أن نموذج الأحادية القطبية لم يعد ممكنًا في العالم المعاصر، وحمَّل الدول الغربية وفي مقدِّمتها الولايات المتحدة المسؤولية عن محاولة فرض معايير خاصة بها على دول أخرى، وحذَّر من استمرار تمدُّد حلف الناتو صوْب حدود روسيا[14].

وفي هذا السياق شَنَّ بوتين حربًا شاملة على مستوى الفكر والثقافة والاقتصاد والتقنيات الحديثة، فلم يقْتصر الأمر على استعراض عضلات روسيا النووية والصاروخية العابرة للقارات والمقاتلات والغوَّاصات الاستراتيجية؛ وممَّا حفَّز هذا التغيُّر في التوجُّه الروسي الاستراتيجي نحو الغرب هو الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت الاقتصاد الروسي عام 2008، والحرب التي شنَّتها روسيا على جورجيا منعًا لانضمامها إلى الناتو واحتلَّت فيها خُمس أراضيها لتدعم بعدها استقلال إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ورسَّخت تلك الأحداث اعتقادًا في أوساط النخبة السياسية الروسية بأن الغرب يريد السيطرة على روسيا وإخضاعها له[15].

  • المرحلة الثانية: الصدام والمواجهة مع الغرب

مع عودة بوتين إلى الرئاسة عام 2012 بدأت صياغة رؤية جديدة للسياسة الخارجية الروسية مختلفة عن سابقاتها، تتَّسم بانفتاحية أقل تجاه الغرب، خلال هذه الفترة ضمَّت روسيا شبهَ جزيرة القرم وانخرطت في القتال في الساحة السورية وأزمة أوكرانيا 2014، كأن روسيا تشنُّ حربًا غير معلنة على الغرب وعلى حلف الناتو.

خلقت هذه التحولات ديناميات جديدة للسياسة الخارجية الروسية. أحد جوانب محركاتها الطموحُ في إعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي في العالم مستندًا إلى وعي بقدرات روسيا التي كانت في حقيقتها بعيدةً عمَّا يلزم لتحقيق هذا الطموح، وفي جانب آخر عمَّقت هذه التحولات لدى النخبة الروسية شعورًا بأن الصراع مع الولايات المتحدة أمرٌ لا مفرَّ منه للحفاظ على روسيا، ولقد دفع ذلك روسيا إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ونتج عن ذلك تخفيض التوقُّعات بشأن نتائج التعاون الروسي الأوروبي، والذي اقتصر في تلك المرحلة على محادثات حول التبادل الاقتصادي ومشاريع الطاقة التي سَعَتْ روسيا من خلالها إلى تكثيف تواجدها الأوروبي في مجال إمدادات الطاقة لاستخدامها كورقة مؤثِّرة في إدارة علاقاتها مع أوروبا، ممَّا أثار انتباه خبراء أوروبيِّين حذَّروا من أن الغرق في مشاريع الطاقة الروسية مثل مشروع “السيل الشمالي” سيمنح روسيا نفوذًا كبيرًا في أوروبا[16]. وبناءً على هذه التحولات التي مرَّت بها العلاقة الروسية-الغربية شهدت العلاقة بين روسيا وكل من الناتو والاتحاد الأوروبي على وجْه الخصوص تحولات عديدة.

  1. روسيا و حلف شمال الأطلسي

لقد مرَّت علاقة روسيا بالناتو في ظلِّ بوتين بعدَّة تحولات بين التعاون والاضطراب وصولًا إلى ما عبَّر عنه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في وصفه للعلاقات بين روسيا وحلف الناتو بأنه: “لا يمكن وصف العلاقات بين ​روسيا​ وحلف ​الناتو​ بأنها سيئة، لأنه لا توجد علاقات أصلًا بينهما في الوقت الراهن”[17].

لقد بدأ التعاون بين الناتو وروسيا بشكل واضح في عام 2002، وظهر ذلك في مجلس الناتو وروسيا (NRC)[18]، والذي يعمل كآلية للتعاون وبناء التوافق واتخاذ القرارات المشتركة، حيث يقول راسموسن رئيس الوزراء الدنماركي السابق الذي شغل منصب الأمين العام لحلف الناتو في الفترة من 2009 إلى 2014: “لقد تعاونَّا في مكافحة الإرهاب في أفغانستان، ومكافحة المخدرات والقرصنة”، إلا أن هناك اختلافات جوهرية في الرؤى الاستراتيجية لم يتمَّ تجاوزُها بين الطرفين، فلم يتمكَّنا من تجاوز اختلاف وجهات النظر بينهما حول مستقبل جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي ورفض روسيا لتوسُّع حلف الناتو وضمِّه هذه الجمهوريات واعتبارها هذه التحرُّكات تحديًا أمنيًّا لها. ومع مرور السنوات أصبح الحنينُ إلى الاتحاد السوفيتي من قبل روسيا أكثر وضوحًا، وفي هذا السياق قال بوتين عام 2005 إن تفكُّك الاتحاد السوفيتي “كان أعظم كارثة جيوسياسية في القرن”[19].

في أبريل 2008، وعد الناتو بمنح جورجيا وأوكرانيا عضوية الحلف في قمة بوخارست إلَّا أن قادة الحلف قرَّروا تأجيل قبول عضويتهما في ذلك الحين، في المقابل قامت روسيا بشنِّ غزوٍ لمدَّة خمسة أيام على جورجيا بحجَّة الدفاع عن المنطقتين الانفصاليَّتين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وأعلنت أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا فيما بعد استقلالهما، إلا أن روسيا واحدة من الدول القليلة في العالم التي تعترف بذلك، وقرَّر الناتو عدم دعوة كلٍّ من جورجيا وأوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو[20].

وزاد التوتُّر بشكلٍ حادٍّ منذ عام 2014 وذلك على وقْع ضمِّ روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وفي ظلِّ تصاعد التطوُّرات بين الطرفين جاء قرار الناتو في أكتوبر 2021 بطرد ثمانية دبلوماسيِّين روس بحجَّة أنهم عملاء للاستخبارات الروسية ليزيد الوضع سوءًا، وردَّت موسكو حينها بإغلاق مكاتب الحلف في موسكو، ووقْف مهمَّة الاتصال الخاصَّة بالحلف في السفارة البلجيكية في موسكو[21].

هذا فضلًا عن سباق التسلُّح بين الطرفين، فمنذ انسحاب واشنطن وموسكو من اتفاقية منع إنتاج ونشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة التي تحمل رؤوسًا نووية في أغسطس عام 2019، بات المجال مفتوحًا لسباق التسلُّح بين دول الحلف وروسيا، بعد أن كشفت وثائق مسرَّبة على موقع الجمعية البرلمانية لحلف الأطلسي، أن الولايات المتحدة نشرت 150 قنبلة نووية في 5 دول تابعة للحلف في أوروبا، كما بدأ الناتو لأول مرة إعادة تشغيل مطارات عسكرية في دول البلطيق الثلاث التي كان يستخدمها حلف وارسو والاتحاد السوفييتي السابق، وتتحدَّث روسيا عن وجود عسكري للناتو في أوكرانيا رغم أن كييف ليست عضوًا في الحلف. وما يزيد من التوتُّر بين روسيا والناتو أن وزارة الدفاع الأمريكية نصحتْ حلفاءَها في الحلْف ببيع الأسلحة الفتَّاكة لأوكرانيا، وهي نصيحة تراها موسكو بأنها تهديد مباشر للأراضي الروسية التي تُتاخم إقليم دونباس الأوكراني الذي يشهد صراعًا بين الموالين لروسيا والحكومة الأوكرانية منذ عام 2014[22].

بصرْف النظر عن مظاهر التعاون بين الطرفين فيما يخصُّ أفغانستان ومحاربة الإرهاب، يظل الخلاف حادًّا في عددٍ من القضايا يختلف فيها موقف الناتو وروسيا، الأمر الذي يرتبط بالمصالح الاستراتيجية للجانبيْن، من بينها قضايا الحرب في جورجيا والاعتراف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وسياسة توسيع الناتو، وبشكل أساسي إمكانية عضوية أوكرانيا وجورجيا وتوسُّع حلف الناتو شرقًا، فضلًا عن الأزمة السورية، حيث اختلفت المصالح الجيوسياسية للطرفين بسبب اختلاف مصالحهما الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط[23].

  1. روسيا والاتحاد الأوروبي

روسيا هي الجار الأكبر للاتحاد الأوروبي، حيث يشتركان في روابط تاريخية وثقافية وعلمية واقتصادية طويلة الأمد، ومع ذلك، فإن الخيارات السياسية المتعمَّدة للقيادة الروسية على مدى السنوات الماضية، ولا سيما ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014 وأعمالها المستمرَّة المزعزِعة للاستقرار في أوكرانيا، وتصرُّفاتها في الجوار الشرقي للاتحاد الأوروبي وسوريا وليبيا وما وراءها، والأنشطة والهجمات السيبرانية المتكرِّرة ضدَّ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد خلقت دوامة سلبية في علاقة الاتحاد الأوروبي بروسيا، مما دفع إلى فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا[24].

ومع تزايد تأزُّم العلاقات الروسية الغربية بصفة عامة تفاوتت مواقف الدول الأوروبية الكبرى تجاه روسيا كما تعرضت العلاقات الأوروبية الأمريكية لاختبارٍ هام، فقد دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير 2021، إلى الحوار مع روسيا وبناء هيكل جديد للأمن الدولي، معتبرًا أن هذا الحوار ضروري للسلام الأوروبي، وهذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها ماكرون لإعادة النظر في العلاقات الأوروبية-الروسية، فقد سبق وأن دعا إلى ذلك خلال مؤتمر ميونخ 2020، وكذلك في كلمة ألقاها في افتتاح مؤتمر الدبلوماسيين الفرنسيين في 27 أغسطس عام 2019، حيث ذكر رؤيته بأن العالم يعيش نهاية عصر الهيمنة الغربية وأن هناك دولًا أخرى بينها روسيا، تعمل لتغيير النظام العالمي، وأكَّد ضرورة إعادة النظر في العلاقة مع روسيا لأن دفعَها بعيدًا عن أوروبا خطأ كبير[25].

إلا أن دعوة ماكرون هذه أعقبها فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا على خلفية قضية المعارض الروسي ألكسي نافالني، كما أنها جاءت مخالفة للتوجُّه الأمريكي المعادِي لروسيا، بالإضافة إلى أنها جاءت في سياق أوروبي مضطرب ومنقسِم حول رؤيته لروسيا، حيث نجد فرنسا وألمانيا ترفضان تصعيد العداء مع روسيا، وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الغزو الروسي الأخير لأوكرانيا في فبراير 2022، فبينما تُصِرُّ فرنسا على الحلول الدبلوماسية وضرورة الحوار مع روسيا وكذلك برلين ترفض فرض عقوبات على قطاع الغاز والنفط الروسي -الذي تعتمد عليه بنسبة كبيرة- حيث قال وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر: ” إن ألمانيا لا يمكنها الاستغناء عن إمدادات الغاز الروسي في الوقت الراهن”، وأن قطعها “سيضرُّنا أكثر من روسيا”[26]، في المقابل نجد بريطانيا في طليعة الدول التي تمدُّ أوكرانيا بالأسلحة وكذلك دول شرق أوروبا التي تضغط بشدَّة لفرضِ أقْسي العقوبات على روسيا[27].

ومن أهم العوامل المؤثرة على علاقة روسيا بالاتحاد الأوروبي أن هناك مصالح مشتركة وتكامل في قطاع الطاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، فروسيا أكبر مصدر للطاقة لأوروبا، حيث جاءت في المرتبة الأولى بين مصدِّري النفط لأوروبا، واستأثرت بحوالي 30٪ من واردات الاتحاد الأوروبي من النفط و39٪ من إجمالي واردات الغاز له عام 2018، ومن ثم فإن أمن الطاقة الأوروبي يرتبط عضويًّا بروسيا لا سيما ألمانيا التي تُعَدُّ أكبرَ مستهلكي الغاز الروسي.

ومن ناحية أخرى، يعتبر الاتحاد الأوروبي السوق الرئيسي للطاقة الروسية، حيث تمدُّ عوائد صادرات النفط والغاز الموازنة الروسية بنحو 55% من مداخيلها، وتسهم بأكثر من 60% من حصيلة روسيا من العملة الصعبة، وتقوم روسيا بنقل الغاز الروسي مباشرة إلى أوروبا عبر شبكة من الخطوط التي تقوم بتلبية احتياجات الأخيرة المتزايدة من الطاقة، من بينها “خط يامال” الذي يربط “يامال” أبرز أقاليم الغاز الروسية الشمالية بأوروبا عبر بيلاروسيا، وخط “نورد ستريم 1″ أو”السيل الشمالي 1” الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق. هذا إلى جانب مشروع “نورد ستريم 2” أو “السيل الشمالي 2” الذي أكَّد نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، في 14 فبراير 2021، أنه تمَّ بالفعل إنجاز أكثر من 95٪ منه. ويتضمَّن مدَّ خطَّين لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا مباشرة عبر قاع بحر البلطيق، وتَعتبر أوروبا “السيل الشمالي 2” شريانَ حياةٍ جديدٍ لها، وتعوِّل عليه ألمانيا كثيرًا في تنفيذ خططها الرامية لتقليل الاعتماد على الطاقة النووية والفحم[28].

وفي هذا السياق كانت هناك دعاوى قبل الحرب على أوكرانيا يقودها سياسيون وبرلمانيون أوروبيون لاستئناف التعاون الروسي الأوروبي بعد العقوبات الأوروبية التي فُرِضَتْ على روسيا بشأن المعارض الروسي نافالني تلبيةً للمصالح الأوروبية، ومن ذلك مطالبة المتحدث باسم كتلة “البديل من أجل ألمانيا” في البرلمان، ستيفن كوتريتس، في 17 فبراير 2021، لواشنطن بتسديد تكاليف تأخير إنجاز مشروع “السيل الشمالي 2” ممَّا تسبَّب في دفع المستهلك الألماني قيمة أعلى لقاء الغاز، وانتقدت عضو البرلمان الأوروبي الأيرلندية كلير دالي، في 12 فبراير 2021، تعامل الاتحاد مع روسيا، معتبرةً أنه يستخدم قضية نافالني لتأجيج المواجهة الجيوسياسية مع موسكو، وأكَّدت دالي دعمَها لزيارة الممثِّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيب بوريل إلى موسكو بالقول: “أنتم على حق، علينا أن نتعاون مع روسيا ونشارك في الحوار معها لا أن نقرع طبول الحرب”، وفي 13 فبراير انتقد النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي، وممثل كتلة الهوية والديمقراطية اليمينية في البرلمان الأوروبي، نيكولا باي، بشدَّة ما وصفه بـ”سخافة موقف الاتحاد الأوروبي إزاء روسيا”، وشدَّد على أن أوروبا تفرض عقوبات على روسيا على مدى نحو سبع سنوات، لكن الاتحاد نفسه بالدرجة الأولى يعاني من عواقب هذه الإجراءات العقابية[29].

وعلى الرغم من هذه المصالح المشتركة بين روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي ودعاوى التعاون إلا أن روسيا بالنسبة لحلف شمال الأطلسي تُعَدُّ التهديدَ الأولَ للأمن الأوروبي، فمع ميلاد الحلف حدَّدَ اللورد إسماي، أول أمين عام للحلف، أهدافه في ثلاثة مرتكزات أساسية كان أهمُّها “إبعاد الروس عن أوروبا”، باعتبار موسكو التهديد الرئيسي للحلف. ورغم مرور سبعة عقود على ذلك وتفكُّك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، فإن عقيدة الحلف لم تشْهد تغيُّرًا في هذا الخصوص. ففي الأول من ديسمبر 2020 قدَّم الأمين العام للحلف، يانس ستولتنبرج، في المؤتمر الافتراضي لوزراء خارجية الحلف تقريرًا بعنوان “الناتو – 2030: الوحدة في عصر جديد”، اعتبر فيه روسيا التهديد العسكري الرئيسي للحلف، مستندًا في ذلك إلى استمرار “سياساتها العنيدة وأعمالها العدوانية” ومشيرًا إلى ما اعتبره “عدوان موسكو” على أوكرانيا وجورجيا، كما أشار التقريرُ إلى التأثير السلبي على أمن المنطقة الأوروبية الأطلسية من أعمال روسيا النشطة في البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي القطب الشمالي وشرق البحر المتوسط[30].

وتعتبر أوكرانيا أحد قضايا الخلاف الجوهرية بين موسكو وبروكسل، ونموذجًا لتنافر المصالح بين الجانبين وذلك منذ تفجُّر الأزمة أواخر عام 2013. ففي الوقت الذي سَعَى فيه الاتحادُ الأوروبي لدمْج أوكرانيا ضمن هياكلِه الاقتصادية والأمنية من خلال اتفاقية “الشراكة الشرقية” التي طرحها عام 2009 بهدف تعزيز العلاقات مع ستٍّ من دول الاتحاد السوفيتي السابق منها أوكرانيا والتي تتضمَّن اتفاقيةً طويلةَ المدى مع كلٍّ منها على حدة، بالإضافة إلى اتفاق تجارة حرة وتخفيف قواعد منح تأشيرات الدخول، في المقابل طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشروعَه “الاتحاد الأوراسي” الذي يتضمَّن بناءَ اتحاد اقتصادي بين روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق وفي مقدِّمتهم أوكرانيا، لتتصادم المصالح بين موسكو وبروكسل. وصعَّد من هذا الصدام طرح الناتو ضم أوكرانيا لعضويته في قمة بوخارست عام 2008 ليقف الحلف بذلك على الحدود الروسية مباشرة وهو ما اعتبرتْه موسكو تهديدًا مباشرًا لها لا يمكن قبوله. ومن ثم كانت إدارة الأزمة الأوكرانية أشبه بساحة مواجهة بين موسكو من ناحية والاتحاد الأوروبي وواشنطن من ناحية أخرى، وفي هذا الصدد، وعقب ضم شبه جزيرة القرم لروسيا في مارس 2014، وفي خضمِّ عددٍ من الإجراءات التصعيدية والعقابية التي قادتها واشنطن لمواجهة موسكو، فرضَ الاتحادُ الأوروبيُّ ثلاث حزم من العقوبات على روسيا تتضمَّن حظر سفر مواطنين روس، وفرض عقوبات اقتصادية ضد عددٍ من مؤسسات النفط التابعة للدولة وشركات الصناعات العسكرية والشركات المالية، أما الحزمة الثالثة فتمثَّلت في عقوبات مرتبطة بالقرم.

وفي المقابل أصدر الرئيس بوتين في 6 أغسطس 2015 مرسومًا يتضمَّن حظر استيراد المنتجات الزراعية والمواد الخام والأغذية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والنرويج وأية دولة قرَّرت فرضَ عقوبات ضدَّ هيئات أو شخصيات روسية. والاستعاضة عنها ببدائل من دول آسيا الوسطى وأذربيجان وصربيا ومصر والمغرب وتركيا وإيران ودول أمريكا اللاتينية، إلى جانب تشجيع المنتجين المحليِّين في روسيا للتوسُّع في إنتاج المواد التي تمَّ حظر استيرادها[31].

والواقع أن العقوبات والعقوبات المضادَّة من جانب روسيا والاتحاد الأوروبي منذ 2014 لم تؤثِّر فقط على روسيا، ولكن كان لها تأثير واضح على اقتصادات بعض الدول الأوروبية والاقتصاد الأوروبي عامة؛ حيث تُعَدُّ روسيا سوقًا رئيسية للمنتجات الأوروبية، وتستوعب 10% من صادرات المنتجات الزراعية للاتحاد الأوروبي، وهي الشريك التجاري الثالث للاتحاد الأوروبي، بينما يشكِّل الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لموسكو، الأمر الذي ألْقى بظلالٍ واضحةٍ على التوافق الأوروبي حول استمرار العقوبات المفروضة على روسيا[32].

ولقد جاءت أزمة أوكرانيا الأخيرة 2022 لتزيد الوضع سوءًا حيث يدلُّ الغزو الروسي لأوكرانيا على زهد روسيا في الحوار مع الاتحاد الأوروبي[33]، هذا فضلًا عن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، ولكن مما تجدر الإشارة له أن الاتحاد الأوروبي ذاته منقسمٌ حول هذه العقوبات خاصة ما يخصُّ مجال الطاقة نظرًا لاعتماد أوروبا بشكل كبير على الصادرات الروسية للطاقة وهذا مما يؤثِّر على أمن الطاقة في أوروبا[34].

ثالثًا- العلاقات الروسية-الغربية وأثرها على التحالف الأمريكي-الأوروبي

تضمَّنت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في ديسمبر 2017 تأكيدًا واضحًا على أن دور روسيا الدولي يمثِّل تهديدًا للولايات المتحدة، مستخدمة مصطلح “الدول التحريفية” للإشارة إلى روسيا والصين اللتين تحاولان تغيير الوضع الراهن، أي تريدان خلق عالم لا يتوافق بالضرورة مع المصالح والقيم الأمريكية، وفي خطابه الذي ألقاه بوزارة الخارجية الأمريكية، يوم 4 فبراير 2021، شدَّد الرئيس الأمريكي جو بايدن على ما تمثِّله روسيا ومعها الصين من تحدٍّ وتهديدٍ للأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية، وأن المواجهة الأمريكية-الروسية مستمرَّة وستزداد حدَّة في المستقبل، أو على حدِّ تعبير بايدن “أن أيام تراجع الولايات المتحدة أمام روسيا انتهت”، وفي هذا السياق، تستمرُّ الضغوط الأمريكية المعرقلة التعاون الروسي-الأوروبي خاصة في مجال الطاقة، فلقد فرضت واشنطن سلسلة من العقوبات بهدف عرقلة مشروع “السيل الشمالي 2″، كان آخرها تلك التي أقرَّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 19 يناير 2021، وتحاول الولايات المتحدة تبرير العقوبات المفروضة من جانبها باعتبارات تتضمَّن حماية أوروبا من الهيمنة الروسية، وأن تبعية الاتحاد الأوروبي للغاز الروسي تنطوي على مخاطر لأوروبا والغرب بشكلٍ عامٍّ، وأن خط “السيل الشمالي 2” سيسْمح بنشر قوة روسيا وتأثيرها عبر بحر البلطيق، وسوف يُمكِّن روسيا من مواصلة تقْويض سيادة أوكرانيا واستقرارها، كما ستمكِّن إيراداتُه روسيا من تمويل تقْويض المؤسسات الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة[35].

ولقد جاءت أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 لتزيد الأمرَ تعقيدًا؛ حيث كشفت الأزمة منذ أيامها الأولى أن العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد كما كانت طوال العقود الماضية، فرغم ما أفرزته الأزمة من فجوة في الموقف وتوتر بين الجانبين الأوروبي والروسي، فإنها في الوقت ذاته رفعت الغطاء عن جوانب ارتباط أوروبية-روسية، خاصة مع ألمانيا والمجر، التي صرَّح رئيس وزرائها قبل فترة أن أوروبا تدفع ثمن العقوبات على روسيا، وفي المقابل، وَضَحَ بما لا يدع مجالًا للشك أن العلاقات الأمريكية-الأوروبية فقدتْ مصادر التماسك والاتِّساق في تقديرات كلِّ جانبٍ لمصالحه وتهديداته، فأوروبا خلال الأسابيع الأولى من الأزمة كانت متأخِّرة عن واشنطن بخطوات، بل بدا واضحًا من خطاب ومواقف بعض الدول الأوروبية عدم اكتراثها، بالتحذيرات الأمريكية ممَّا أسْمته “استهداف روسيا لأوكرانيا”، أو ما يعنيه ذلك من تهديدات ومخاطر على الأمن الأوروبي. كما أن هناك انقسام داخل أوروبا ذاتها حول العقوبات المفروضة على روسيا ومدى إضرارها بمصالحها، فبعض الدول -مثل ألمانيا وفرنسا- أعلنت مخاوفها من ارتداد العقوبات على روسيا بمردود سلبي عليها[36].

خاتمة:

بناء على ما سبق بيانه، يتبيَّن أن العداء الذي خلَّفته الحرب الباردة لم ينتهِ بعد، بل إن الصعود الروسي في ظل بوتين والحنين إلى إحياء نفوذ الاتحاد السوفيتي من جديد والرفض الروسي للهيمنة الأمريكية العالمية والأحادية القطبية والغطْرسة الغربية والرغبة في إحداث تغيير عالمي يعدِّد الأقطاب ويعيد تشكيل التوازنات؛ ينبئ بأن المستقبل يحمل تغيرات كبيرة على المستوى الدولي، وأن العلاقات الروسية-الغربية ستشهد تغيرات يعود بعضها للخيارات السياسية الروسية وردود الأفعال الغربية تجاهها والبعض الآخر يعود إلى الانقسام داخل الغرب ذاته سواء داخل أوروبا أو بين أوروبا والولايات المتحدة، فالحرب الروسية-الأوكرانية ما هي إلا ساحة عاكسة للحرب الروسية-الغربية وصراع للأقطاب مما يفتح تساؤلات حول مستقبل الساحة الدولية في ظلِّ قوى صاعدة وهيمنة غربية أمريكية تتزعزع، كما يطرح كل ذلك التساؤلات حول التداعيات على حالة العالم الإسلامي في عالم يتغيَّر بسرعة.

_________________________

الهوامش

[1] جلال خشيب، الجيوبوليتيك في القرن الحادي والعشرين: انتصار الجغرافيا وعودة عالم ثيوسيديدس، المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 4 سنة 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/VZKc8

[2] طالب الدغيم، بوتين نحو المجد الأوراسي والارتباك الاستراتيجي الغربي، عمران، 5 مارس 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ba6Zf

[3] Halida Maulidia, Russia Foreign Policy Under Vladimir Putin Administration, State Islamic university, October 2017, available at: https://cutt.us/fJDNH

[4] حسني عماد، السياسة الخارجية زمن الرئيس فلاديمير بوتين، برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2017، ص ص 1-3، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/vfwPg

[5] المرجع سابق، ص4.

[6] Dmitri Trenin, 20 years of Vladimir Putin: How Russia Foreign Policy Has Changed, Carnegie, August 2019, available at: https://cutt.us/tQYgy

[7] زانا دلشاد، محددات الأمن القومي الروسي في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاقتصادية والإدارية، جامعة الشرق الأدنى، 2021.

[8] عزمي بشارة، روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو: تأملات في الإصرار العجيب على عدم تجنب المسار المؤدي إلى الحرب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فبراير 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/uBO9P

[9] فراس بورزان، السياسة الخارجية الروسية في عقدين: نهاية أوروبا الكبرى، إضاءات، 30 أبريل 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/6GX65

[10] حسني عماد، السياسة الخارجية زمن الرئيس فلاديمير بوتين، مرجع سابق، ص ص 23-24.

[11] زانا دلشاد، محددات الأمن القومي الروسي في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، مرجع سابق.

[12] نورهان الشيخ، مستقبل العلاقات الروسية-الأوروبية: الفرص والتحديات، تريندز للبحوث والاستشارات، مارس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/aTdhp

[13] زانا دلشاد، محددات الأمن القومي الروسي في ظلِّ المتغيرات الدولية الجديدة، مرجع سابق.

[14] منذ خطاب بوتين في مؤتمر ميونخ.. أهم مراحل وتطورات المواجهة بين روسيا والغرب، روسيا اليوم، 15 فبراير 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/FqkJD

[15] فراس بورزان، السياسة الخارجية الروسية في عقدين: نهاية أوروبا الكبرى، مرجع سابق.

[16] المرجع السابق.

[17] Madelline Roach, Breaking Down the Complicated Relationship Between Russia and NATO, TIME, 4 April 2019, available at: https://cutt.us/RLAv8

[18] Elena Temelkovska, The Relationship Between NATO and Russia Through the Prism of Mutual Cooperation and Confrontation, European Scientific Journal, Vol. 13, No. 13, May 2017, p. 156.

[19] Madelline Roach, Breaking Down the Complicated Relationship Between Russia and NATO, Op. cit.

[20] Ibid.

[21] زينب مصطفى، روسيا والناتو.. محددات الأزمة ومستقبل صراع الأقطاب، مدى مصر، 29 أكتوبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/WN1ZS

[22] أيمن سمير، روسيا والناتو.. الصراع الخشن، البيان، 1 نوفمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/dTqen

[23] Elena Temelkovska, The Relationship Between NATO and Russia Through the Prism of Mutual Cooperation and Confrontation, Op. cit, pp. 160-169.

[24] Facts and figures about EU-RUSSIA Relations, European Union External action, February 2021, available at: https://cutt.us/jvJ6z

[25] نورهان الشيخ، مستقبل العلاقات الروسية-الأوروبية: الفرص والتحديات، مرجع سابق.

[26] مراقبون: شبح الانقسام يخيِّم مجددًا على السياسة الأوروبية تجاه روسيا، DW، 8 أبريل 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/9UVCx

[27] الحرب الأوكرانية تفضح حجم الاختلاف بين شطري أوروبا، سكاي نيوز، 11 أبريل 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/tb2oG

[28] نورهان الشيخ، مستقبل العلاقات الروسية-الأوروبية: الفرص والتحديات، مرجع سابق.

[29] المرجع السابق.

[30] المرجع السابق.

[31] المرجع السابق.

[32] المرجع سابق.

[33] عزمي بشارة، روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو: تأملات في الإصرار العجيب على عدم تجنب المسار المؤدي إلى الحرب، مرجع سابق.

[34] مايكل ريس، روسيا وأوكرانيا: الاتحاد الأوروبي منقسم بشأن كيفية الابتعاد عن الطاقة الروسية، بي بي سي، مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/jFeKl

[35] نورهان الشيخ، مستقبل العلاقات الروسية-الأوروبية: الفرص والتحديات، مرجع سابق.

[36] محمد خلفان، الأوروبيون بين الولايات المتحدة وروسيا، العين، 27 أبريل 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/lQCUw

فصلية قضايا ونظرات -العدد السادس والعشرون ـ يوليو 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى