د. منى أبو الفضل

الأمة القطب: نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام

شهدت الأوساط الأكاديمية منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين، ومع اتساع ما بات يعرف “بالصحوة الإسلامية”، ظهور جيل من الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، يسعى إلى إعادة بناء هذه العلوم وفق منطلقات جديدة.

والرؤية الأساسية التي تحكم هذا التيار الفكري هي تجاوز النظريات السياسية الغربية التي قامت عليها هذه العلوم، باعتبارها تعكس المنظور الحضاري الغربي برؤيته المادية ومنهجيته الوضعية؛ وتحصيل هذا التجاوز يستند إلى رؤية أو منظور مختلف يزاوج بين القيمي المعياري والمادي الوضعي. في هذا الإطار تم إدراج مفهوم الحضارة، كعنصر أساسي في التحليل السياسي، باعتبارها الإرث التاريخي للجماعة السياسية الذي لا يمكن تجاهله عند الطمع في فهمها. وقد استتبعت هذه الرؤية لدى كثير من أصحابها اعتبار الإسلام بتراثه وعلومه الشرعية عنصرا مؤسسا في بناء العلوم الاجتماعية.
في كتابها “الأمة القطب نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام” تحاول منى أبو الفضل – أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمنتمية إلى ذلك الجيل الذي نشأ على أفكار حامد ربيع والمنظور الحضاري البديل – أن تقدم تفسيرا للمد الإحيائي الإسلامي الذي اجتاح العالم الإسلامي منذ سبعينيات القرن العشرين.
وتحاول أن تستثمر لأجل ذلك مفهوما إسلاميا، هو “الأمة”، وتسعى من خلال ذلك لتحقيق غرضين: توظيف هذا المفهوم في تفسير ظواهر المد الإحيائي الإسلامي؛ وترجمة هذا المفهوم بالمصطلحات السياسية الحديثة بما يسمح في جعله عنصرا مركزيا في فهم ظواهر الاجتماع السياسي الإسلامي.
ترى منى أبو الفضل أن الجماعة البشرية التي انتشرت في أرجاء دار الإسلام على اختلاف شعوبها وقبائلها إنما تشكلت بوعي “الأمة”، وأن المفهوم القومي الذي جاء ليعيد تشكيل هذا الضمير الجماعي في صياغة بديلة ظل مفهوما حديثا لا يجد له القرار في وعي الجماعة، بل إنه يتزاحمه مع غيره. وفي حين حظي مفهوم “القومية” بما لا يحصى من الدراسات فإن مفهوم “الأمة” بقي مهملا، ولم يعط حقه من الدرس المعمق إلا على يد من لا ينتمون إلى الإطار الحضاري للإسلام.
مفهوم الأمة: الماهية والمرتكزات
ولكن دراسة هذا المفهوم – الأمة – في إطار العلوم السياسية لم يكن مقبولا لدى الكثيرين ممن يتبنون مقولة الفصل بين العلوم الدينية – والأمة بنظرهم مفهوم ديني – والعلوم الإنسانية، باعتبار أن الأولى قد أصبحت جزءا من التاريخ وأن العلوم الإنسانية مهمتها فهم ظواهر المجتمع المعاصر. هنا توضح منى أبو الفضل أن منهجها قائم أساسا على رفض هذه المقولة من جذورها، وذلك من خلال الدعوة إلى الدمج بين حقل الإسلاميات والإنسانيات؛ على أساس أن الإسلام دين حياة قبل أن يكون دين آخرة، وأنه نزل لأحياء في المجتمعات الإنسانية. ولذلك تدعو بوضوح إلى “إعادة النظر في الفصام الأعرج بين العلوم العصرية والعلوم التقليدية، وإلى توحيد أسس بنياننا الفكري، حيث يتم دمج الإسلاميات بالإنسانيات وعلوم الفقه والشرع بعلوم الحياة واجتماع الأحياء“. وهي ترى أن الجو قد بات مهيأ لهذه الدعوة، مع طلائع عودة الوعي واستعادة الثقة بالذات والصحوة الإسلامية.
وتتحدد ملامح هذا المد الإحيائي بالأمور الآتية:
بروز الإسلام كقوة سياسية مؤثرة على المستوى المحلي والدولي في عقد السبعينيات.
تبلور رأي عام إسلامي منظم وغير منظم يسعى للتأثير على الحكومات والنظم.
ازدياد أهمية العنصر الشعبي في النظم التي تنحدر من الكيان الحضاري الإسلامي، وهو عنصر ذو وقع إسلامي أساسا.
التهديد بقلب موازين القوى واختلال التوازن الدولي لما ينطوي عليه المد الإسلامي من فروض ومنطلقات حضارية بديلة.
وتعرض منى أبو الفضل في هذا السياق للثورة الإيرانية أو ما تسميه “الظاهرة الإيرانية” باعتبارها شاهدا على صحوة واعية لجماعة نوعية هي جزء أصيل من جماعة أم كبرى هي الأمة.
وهنا ينبغي أن نتساءل: ما هي “الأمة” التي قدمت كتفسير لظاهرة المد الإحيائي الإسلامي؟ وما تعليل هذه الظاهرة وتفسيرها، على الرغم مما أصاب الأمة” من ضعف ووهن بضياع الأسباب المادية والنظامية التي تمثلها؟
الأمة – في نظر منى أبو الفضل – هي “الأمة القطب”، وهي تلك الجماعة القيادية المميزة ذات القدرة الاستقطابية العالية والتي تؤدي دورا مزدوجا من حيث تماسكها الداخلي وانفتاحها، وجاذبيتها بالنسبة للغير على المستوى الخارجي.
أما عن المرتكز الفكري لفكرة الأمة في الإسلام أو مقولة استمرار الجماعة السياسية جوهرا على الرغم من انتفاء مظهرها النظامي؛ فتتحدد على النحو التالي:
1-
لقد خلف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند وفاته أمة قبل أن يخلف إماما، فالأمة أصل للإمامة وليس العكس.
2-
إن الأمة هي المستودع للرسالة المحمدية وهي وعاء القرآن الكريم.
3-
وهذا يعني أن أمة القرآن باقية ببقاء الذكر الحكيم.
لهذا كله لم يقرن الإسلام الأمة بصيغة مجتمعية نظامية معينة، بل جعلها قيمة عليا ثابتة لا تحبسها أطر جامدة؛ بل هي القادرة على إيجاد الأشكال والصياغات النظمية التي تتلاءم ومعطيات العصر، أي أن مصدر قوة الأمة واستمراريتها إنما تكمن في مرونتها التنظيمية.
والأمة من هذا المنظور هي ذلك الكيان الجماعي الذي يرتكز في تماسكه إلى عقيدة إيمانية شاملة مصدرها رباني ومجالها كافة أوجه الحياة الدنيا في منظور ممتد يصل بين الحياة الدنيا والآخرة. وهو بذلك مفهوم لا يجد ما يعادله في الخبرة التاريخية ولا في الفكر السياسي الغربي حيث تختلف المنطلقات الحضارية اختلافا كليا.
ولكن ما الذي يميز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم؟
ترى منى أبو الفضل أن هذا التمايز يكمن في تجاوزها للعنصر الزمني، فهي وليدة عقيدة إيمانية باقية ببقائها، كما أنها تتمتع بـ”مفاعل استقطابييجعل منها بؤرة جاذبية، أو مركز ثقل بشري حيويا يشد إلى وحداته الداخلية أفرادا وجماعات دون أن يذيبها أو يفقدها معالمها، كما أنه يجذب إليها مفردات جماعية من خارج إطاره.
إن محور الأمة هو التفاعل والتأثير المتبادلان بين القيم الجماعية والفردية في الكيان الحركي العام للجماعة في جميع أبعادها الإدراكية الحسية والانفعالية والسلوكية.
ومن حصيلة هذا التفاعل تتحقق جدلية الاستقطاب، والمقصود بالجدلية هنا هي طبيعة تلك العملية التي يتجاوز من خلالها المسلم الفرد كينونته الطبيعية الخلقية إلى “الفرد الأمة”، وتتجاوز الجماعة المطلق الذاتي لتصير “الجماعة الأمة“.
محاور الاستقطاب
للاستقطاب محاور رأسية وأخرى أفقية: على المحور الرأسي تبرز العقائد والعبادات، بينما تقع العوامل الجغرافية والتاريخية والبشرية على المحور الأفقي. وتقتصر المؤلفة على بيان المحور الرأسي المتمثل في العقائد والعبادات.
أ – وظيفة العقيدة في المد الاستقطابي:
في معرض بيان وظيفة العقيدة في تنشيط خصائص “الأمة القطب” ترى منى أبو الفضل أن العقيدة مصدر تماسك الكيان الذاتي للفرد، كما أنها مصدر تماسك الكيان الذاتي للجماعة، فشهادة الإسلام تنطوي على إقرار مزدوج بالوحدانية والإمامية (إمامة رسول الله للأمة) فينتج عن ذلك التزام وجهة وتأكيد انتماء. وهكذا – بمنطق المؤلفة – يتجاوز الفرد كيانه الطبيعي الحيواني إلى كيان كوني أخلاقي، حيث ينطلق في هوية فاعلة متفاعلة في دائرة انتمائه والتزامه التي يخرج إليها واعيا متحررا.
تكون الوحدانية مصدر وحدة الجماعة كطاقة توليد حيوية ملتفة حول قلب يشدها للالتفاف والتماسك الذاتي الداخلي.
وعلى المستوى الخارجي يتحول المفاعل الاستقطابي إلى طاقة إشعاعية للغير يحفظ خاصية الجذب الموجهة قبل الكيانات الأخرى، فيصير الانتماء إلى كيان الأمة مصدر كرامة وعزة لكل منتم أو راغب في الانتماء.
والذي يجعل العقيدة الإسلامية متفردة بهذه الخصائص هو اتساقها وقيامها على مفهوم التوحيد. ذلك أنه كلما اتسقت القيم انعكس ذلك على المؤسسات التي تقوم عليها، فلا يستغرب أن تنبت عقيدة التوحيد في كمالها القرآني وفي خلوها من كل ما يشوب العقائد البشرية من التباس وخلل، تلك الهيئةَ الجماعية المتفردة في رسوخها وتماسكها. كما أنه بمقدار وضوح ونصاعة مضمون العقيدة الإيمانية يولد وعاؤها الجماعي كذلك.
ب- موضع الشعائر من المد الاستقطابي:
للشعائر والعبادات – في نظر المؤلفة – تأثير كبير في تشكيل الكيان الجماعي للأمة، فالصلاة لا تربط العبد بربه فحسب، بل هي تصل الأمة ببعضها من خلال الشعائر التي تطابق المضمون والجوهر الذي تكرسه من خلال استقبال قبلة واحدة من حيث هي توجه إلى مكان واحد، والتماثل في صفوف العباد، ومن خلال الحج إلى موقع واحد والطواف حوله. بهذا تصبح “الأمة القطب” الوعاء البشري الذي ينفرد بين الكيانات الجماعية قاطبة في الجمع بين الخواص الاستقطابية والإدماجية من خلال عمليات دفع جدلية تشد إليها أفواجا، كما تختص بوظيفة تاريخية عليا في تحقيق التئام الإنسان وإعادة دمج البشرية في رحمها الكوني.
التنشئة الجماعية في الإسلام
ولكن بقاء الأمة واستمرارها يتوقف على عملية تنشئة من نوع خاص، هذه التنشئة ذاتية، مصدرها قرآني وقوامها عمليات استبطان وممارسة، أي أن أساسها تعلمي أكثر منه تعليمي: وتلخص المؤلفة “دورة التنشئة الذاتية” في العناصر الآتية:
1-
الفرد هو اللبنة الأولى في البناء.
2-
العبادات هي مقدمة للمعاملات.
3-
التنشئة الأولية للفرد المؤمن تنطوي على تنشئة متكاملة لأنها تنبثق عن عقيدة هي أصلا شاملة متكاملة.
4-
إن استيعاب القيم الجماعية يتم من واقع التنشئة الفردية.
5-
إن الأمة حقيقة نفسية تعيش داخل كيان الفرد قبل أن تسقط على الواقع الاجتماعي والتاريخي.
6-
إن الأمة كواقع تنظيمي إنما هي حقيقة لاحقة للتواجد النفسي.
7-
إن الأمة كحقيقة تاريخية تتوقف على حيثيات ظرفية تتيح تحويل الطاقة المختزنة في ضمير الجماعة إلى قوة تنظيمية واعية.
وأهم ما تكرسه هذه التنشئة هو قيم التضامن والوحدة والأخوة، واقتران الإيمان بالعمل والظاهر بالباطن، وكل ذلك مما يعزز صفات الجماعة السياسية في الإسلام – الأمة – بما يعمقه من روح الإيجابية والالتزام والصدق، وبما يؤدي إليه من التجانس الداخلي الفريد. فهناك تماثل عميق بين أعضاء الأمة يتجاوز المسافات ويجب الفواصل الجغرافية واختلاف النظم السياسية، ويتمثل في تطابق ردود الفعل إزاء الأحداث والمواقف المتشابهة لدى الشعوب الإسلامية، كما حدث في تجربة الثورة الإيرانية.
سمات الأمة الوسط
تختم منى أبو الفضل كتابها بالحديث عن دلالات مفهوم الأمة الوسط، فهي الأمة المستخلفة في الأساس، وهي صاحبة الرسالة العالمية، وهي وسط من حيث أنها:
تجمع بين محوري الجذب والاستقطاب، وأنها مصدر للتوازن بين الجماعات البشرية، وهي وسط من حيث الاعتدال في المزاج واجتناب الإفراط والتفريط، وهي وسط من حيث موازين القيم والأنظمة التي تقوم عليها كالموازنة بين القيم الفردية والجماعية، يضاف إلى ذلك كله الوسطية المتعلقة بجغرافية الموقع.
وإذا كانت عضوية الجماعة السياسية في الإسلام تكرس قيم السعي والعمل والإنجاز وتعميقها قيمة الحرية والاختيار والعقل والإرادة، فإن الأمة الإسلامية هي الأمة القطب التي تستمد وسطيتها من حيث طبيعتها بين الكيانات العصرية والدعوات العقيدية والفكرية، من ليبرالية عنصرية أو طوباوية، أو ماركسية محصورة في الطبقة العاملة.
تعليقات ختامية
إن القراءة العادلة لكتاب “الأمة القطب” هي التي تضعه في سياقه التاريخي والفكري، فقد ظهر هذا الكتاب في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ومطلع القرن الخامس عشر الهجري [1]، في الفترة التي أعقبت انتصار الثورة الإيرانية، وما أدى إليه ذلك من هبات انتفاضية في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي اتخذت طابعا إسلاميا واضحا، ولم يقتصر ذلك على الجانب السياسي فحسب، بل طغى على الجانب الفكري والأكاديمي أيضا، وسادت في الجانبين رؤى طوباوية [2] أدت في الجانب السياسي إلى ما هو معلوم من فشل معظم تلك الهبات الانتفاضية أو انحسارها وتجميدها؛ وأدت في الجانب الفكري – الذي كان حريا به ألا يخضع للمتغيرات الزمنية السريعة – إلى القيام باستثمارات متسرعة للمصطلحات الإسلامية في حقول السياسة والاجتماع وغيرها؛ قام بها في الغالب باحثون يفتقرون إلى معرفة عميقة بتراث الإسلام وتاريخه، وإن كانوا ذوي اطلاع واسع على المعارف الحديثة كما هو الحال مؤلفة كتابنا هذا [3].
وإذا أردنا أن نسائل هذا المصطلح “الأمة القطب” الذي صكته منى أبو الفضل (وتداوله من بعدها كتاب آخرون) باحثين عن مقدرته التفسيرية – بحسب مصطلح المسيري – فسيظهر جليا أنه مفهوم ينتمي إلى عالم المثل العليا، والتصورات الطوباوية، وأنه عاجز عن تقديم تفسير لكثير من ظواهر التشرذم والشقاق التي تسود عالم المسلمين فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الآخرين، على الرغم من الحديث المتواصل عن الصحوة الإسلامية والمد الإحيائي الذي يفترض أن حامله الجوهري هو ما يختزنه هذا العالم من خصائص “الأمة القطب”. بعبارة أخرى: إن قراءة معكوسة لكتاب منى أبو الفضل ستنتهي بنا إلى القول بأن دينا أنتج أمة بمثل هذا التشرذم والضياع والشقاق، لهو أبعد ما يكون عن استحقاق أهلية هداية البشرية واستقطابها فضلا عن قيادة عالميتها.أ
____________
*
أستاذ بكلية الشريعة- جامعة دمشق.
[1]
وهذا التاريخ كان، بحد ذاته، محل احتفاء واحتفال واسع على المستوى الرسمي والشعبي والفكري، ومناسبة لإعادة النظر في المنظومات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل والفلسفية، من منظور إسلامي.
[2]
في هذه المرحلة كانت الأستاذة منى أبو الفضل تدرس كتاب “العالمية الإسلامية الثانية” لأبي القاسم حاج حمد لطلابها، وتأثرها به وبرؤيته التبشيرية بالحتمية العالمية للرسالة الإسلامية لا يكاد يخفى في معظم صفحات كتابها.
[3]
يلاحظ ذلك كل من عرفها، أو نظر في الإحالات المرجعية في كتبها.
[4]
وهذا ما يبرز بوضوح في الصفحة الأخيرة من كتابها: ص 49. طبع المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1996.

عرض: سامر رشواني
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق