تقارير ودراسات

إنتاج العلوم الاجتماعية في الجنوب: معوقات وتحديات

مقدمة:

تعاني دول الجنوب[1] من عدد هائل من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، مع عجزها عن تنفيذ الحلول القادرة على معالجة تلك الأزمات، ومن ضمن الأزمات التي تعاني منها: أزمة تخلُّفها عن سباق التكنولوجيا المتطوِّرة خاصَّة تخلُّفها عن التطور في الفضاء السيبراني، ومما يزيد من معاناتها الإشكالياتُ التي تواجهها في مجال العلوم الاجتماعية والذي هو منطلق التنمية الحقيقة والتطور الحقيقي وتجاوز الإشكاليات والأزمات المتكررة التي تعاني منها، لذلك فإن سؤال البحث والإنتاج في العلوم الاجتماعية أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا، خاصَّة في ظلِّ تطوُّر العلوم الاجتماعية الغربية وفرضها على دول الجنوب رغم اختلاف السياقات، مما يخلق المزيد من إشكاليات النقل والفرض، ومما يؤجِّج من تلك الإشكاليات توسُّع الفضاء السيبراني وأثره على إنتاج ونشر تلك العلوم.

ويسعى هذا التقرير إلى بحث قراءة أهم المعوقات التي تواجه قضية الإنتاج في العلوم الاجتماعية في الجنوب، وحجم الهُوَّةِ بين دول الشمال والجنوب في الإنتاج والنشر في العلوم الاجتماعية، وإلى أيِّ مدى يمكن أن تساهم عوامل الفضاء السيبراني في نقل الإنتاج في دول الجنوب نحو مصاف دول الشمال.

أولًا- قراءة في واقع إنتاج العلوم الاجتماعية في عالم الجنوب:

إن المتأمِّل في وضع ومكانة العلوم الاجتماعية في دول الجنوب، سيخرج بعددٍ من الإشكاليات الخاصَّة بتحليل نتيجة لموقعها في سلَّم أولويات الدول لتشكيل الوعي بطبيعة التحديات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية التي تواجه العالم. فهناك حالة إهمال لمكانة العلوم الاجتماعية في منظومة التعليم، وهو ما يظهر من مكانة الكليات التي تدرِّس العلوم الاجتماعية في ترتيب كليات القمة، حيث اهتمَّت النُّظم التعليمية الناشئة مع تأسيس جمهوريات ما بعد الاستقلال بمعالجة جوانب وحاجات دول حديثة التأسيس من وجهة نظر التنمية الاقتصادية وأدَّى ذلك لتركيزها على الجوانب التطبيقية أكثر من اهتمامها بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

تعد قضية دراسة الظروف المحيطة بإنتاج المعرفة في الحقل الاجتماعي، أحد محدِّدات تفسير مكانة هذا الإنتاج في دول الجنوب، وبطبيعة الحال ماهية تلك المعرفة المنتَجة، ففي ظلِّ ظروف سياسية شمولية تضغط لعدم ترك مساحات هامشية للحركة، تجد أن تحرُّر الإنتاج من قيود الرؤية العامة للسلطة أمر من الصعب النَّفاذ منه بسهولة، وهنا أحد نقاط الاختلاف بين طبيعة الإنتاج في العلوم الاجتماعية بين الجنوب والشمال، لأننا إذا كنا نشير إلى توافر الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتيح للباحثين في الشمال سهولة في الإنتاج وحرية في النشر وقدرات مادية ومعنوية تساعدهم على الاستمرارية، فإن أصعب الظروف التي قد تواجه الباحثين في الشمال هي عدم تقديم الدعم اللازم من الكيانات الرأسمالية وليس التضييق عليهم ومحاصرتهم ومعاقبتهم على مساحات النقد في العلوم الاجتماعية كما يحدث في الجنوب. إذ تحاول تلك الكيانات الرأسمالية دعم الهيئات العلمية والبحثية المتوافقة معها لصالح تأويل التنظيرات التي تدعم رؤى العولمة وفتح الحدود أمام سهولة حركة السلع والأفراد والخدمات، “فقد بات العلم متوشِّجًا بالرأسمالية الغربية توشُّجًا وثيقًا، حيث يسعنا أن نؤشِّر على العلم بوصفه ذاك المشروع البرجوازي الغربي، وغدا العلم والتكنولوجيا مكمِّلان للنِّظام السوسيو اقتصادي الرأسمالي، وراحا معًا يشكِّلان قوَّة من شأنها أن تسهم في التأسيس للرأسماليَّة والاحتكار والتبعيَّة وكذا الإمبرياليَّة، ومن ثم بالوسع النظر إلى العلم بوصفه امتلاكًا وملكيَّة، وعلى هذا تمَّ توظيفه توظيفًا نفعيًّا، يحقِّق النَّفع لأولئك الذين يحوزونه، وراحت الرأسماليَّة توظِّف نتائج تطوُّر البحث العلمي لصالح نموِّها الوحشي الشرس؛ حيث كرَّست الشقَّ الأكبر من المغامرة العلمية”[2]. وهو ما يعرف باقتصاد المعرفة، وهذا لا يعني أن النظريات النقدية في العلوم الاجتماعية تعاني في الشمال، ولكننا نقصد أنه لا يقابلها السخاء ذاته الذي تتمتَّع به المراكز والجامعات العلمية التي تسير على الخط نفسه مع الرأسمالية العالمية.

وقد انعكس تأثير الرأسمالية الغربية في فلسفة العلوم بصفة عامة، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية خاصة، في ترسيخ الاستبداد والفقر والعجز عن تحقيق الإنتاج المعرفي والبحثي في دول الجنوب، حيث نجد” أن التطوُّر العلمي والتقني كان يحدث -فيما قبل الرأسمالية- على نحو عالمي، بيد أن الرأسمالية الأوروبية والأمريكية أسهمت في حصر التطوُّر العلمي والتقني داخل القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وراحت الرأسمالية توظِّف نتائج تطوُّر البحث العلمي لصالح نموِّها الوحشي الشرس؛ حيث كرَّست الشقَّ الأكبر من المغامرة العلمية لتطوير تقنيات التسليح والحروب، أمَّا النَّفع الذي ينبغي تحقيقه للإنسان فيأتي في مرتبة تالية، وذاك لأن العلم والرأسمالية قد توشَّجا معًا توشُّجًا خالصًا”[3].

والنتيجة هي تضليل الوعي لدى دول الجنوب، نظرًا لظهور أزمات مستوردة نقلتها دول الشمال المحتلَّة لدول الجنوب، وباتت المحصلةُ حالةً من تشوُّه المجتمع مع غياب أدوات الإنتاج المعرفي والبحثي المحلية القادرة على التعامل مع تلك الأزمات، إذ حاول باحثو الجنوب استيراد حلول لأزماتهم؛ فأدَّى ذلك لتعميق حدَّة تلك الأزمات بدلًا من حلِّها، نظرًا لأن العلوم الاجتماعية في الغرب كانت ردة فعل للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتْها أوروبا، ولم تكن جزءًا من الإرث التاريخي والحضاري لدول الجنوب. “بل كانت كلها نتاجًا لعصر التنوير؛ عصر الكوجيتو السياسي، هو “الأنا أفعل” التي يتحوَّل معها الإنسان من فرد إلى مواطن، هذا هو الكوجيتو السياسي الذي حقَّقه الوعي الأوروبي في القرن الثامن عشر، والذي تغيَّر بعده مسار العالم السياسي والاجتماعي برمَّته، ومن ثم يمثِّل هذا القرن مرحلة تحوُّل في طريق الإنسانية من المقدَّس المسيحي إلى مقدس الحداثة، ولذلك يعد القرن الثامن عشر هو القرن التأسيسي لما سيأتي بعده، بعيدًا عن كون ما جاء بعده هو امتداد، أو تضاد له”[4].

وبالتالي وجبت الإشارة إلى أن قراءة واقع العلوم الاجتماعية في الجنوب، لا ينبغي أن تنفك عن بحث التأثيرات العميقة للرأسمالية الغربية في توجيه المناهج التي تنظم حركة العلوم ومخرجات الأبحاث واستنتاجات الباحثين، بما تفرضه من فرض معرفي بدعوى امتلاكهم للحقيقة، التي لا ينبغي الخروج عن مقولاتها.

وأحد أهم الإشكاليات الداخلية التي تواجه العلوم الاجتماعية في الجنوب بشكل عام هي الحرية الأكاديمية، وهي أوسع من مجرد ضغط حكومي في تسيير الأبحاث ونتائجها بل وحتى مواضيعها وقضاياها نحو مساحات معيَّنة دون غيرها، بل إن الحرية الأكاديمية تعني عدم ممارسة أي نوع من أنواع الضغط من شتَّى المؤسَّسات الرسمية وغير الرسمية على حركة الإنتاج المعرفي في العلوم الاجتماعية، أي أن تتمتَّع المؤسَّسات الأكاديمية والتابعون لها بشكل كامل من الاستقلالية، دون ضغط أو ابتزاز يعيق حركة النشر الاجتماعي، فالحياة الأكاديمية في دول الجنوب تتَّسم بالتأطير الأمني السلطوي الذي تحدِّده الجهات الأمنية، باعتبار أن السلطة المعرفية ومصادر قراءة الواقع وتشكيل الوعي هي إحدى وظائف السلطة السياسية لخلق المواطنين النافعين[5].

لقد وضعت دول الجنوب المصلحة الوطنية على رأس أي أجندة بحثية، وتلك المصلحة الوطنية هي التي يحدِّدها النظام السياسي وحده، حيث أصبح هدف الإنتاج المعرفي ترويج المقولات التي ترضى عنها السلطة، فالمعرفة أحد مصادر اكتساب الشرعية لدى نظم الحكم في عالم الجنوب، وتعدُّ مساحة الإنتاج المعرفي والأكاديمي المتحرِّر من قيود السلطة، إحدى أخطر مساحات المقاومة في العلاقة بين الباحثين والسلطة، بما يملكه الباحث من معرفة بمكامن الضعف لدى السلطة من جهة، وبطرق البناء النظري لكيفية معالجته من جهة أخرى، وهو ما يجعل العلاقة بين السلطة والمعرفة علاقة هيمنة وخضوع وليست علاقة تعاون جدي لمعالجة الأزمات في الجنوب. فبين فرض فكري رأسمالي خارجي وتضييق استبدادي داخلي أخذت عملية الإنتاج البحثي في دول الجنوب تترنَّح بين إخفاق وآخر.

هناك إشكالية أخرى تواجه الإنتاج في العلوم الاجتماعية، وهي ضعف التمويل الحكومي المقدَّم للبحث، وهو الأمر الذي يفوِّت فرصًا عديدةً على المهتمِّين بالعلوم الاجتماعية، ما يجبرهم على محاولة طلب دعم الوكالات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المدعومة من الشمال، ولا تغطِّي تلك المنح كافَّة الباحثين، بل تختار عددًا محدودًا جدًّا منهم، وغالبًا ما تربط الباحثين بأجندة معرفية معيَّنة خاصَّة بها، وبالتالي تعرقل جهود الإنتاج ناحية القضايا الحقيقية التي تمسُّ مجتمعات الجنوب، وفي الأغلب لا تخدم تلك القضايا الواقع، بقدر محاولتها خلق واقع جديد مشابه للغرب، فبدلًا من البحث عن الأزمات القائمة في الجنوب، تمَّ تصدير أزمات الشمال لمعالجتها في الجنوب[6].

ولم يختلف الأمر في العالم العربي كثيرًا، حيث عانَى من المشاكل ذاتها التي عانتْها دول الجنوب، حيث يعتمد أغلب باحثي المنطقة العربية على تناول الموضوعات المطروحة على أجندة دول الشمال، بدون اهتمام حقيقي بالأزمات الذاتية الراهنة في العالم العربي، حتى إن القضايا المتَّصلة بعالمنا مثل قضية اللغة والهوية والدين وتأثيراتها على المسار الحضاري للأمة، تمَّ تناولها بمناهج واقترابات غربية، تختلف عن الخبرة الحضارية للعالم العربي.

وعلى كل الأحوال يتَّفق الباحثون في العالم العربي على أن العلوم الاجتماعية تعاني من أزمة معرفية تتعلَّق بالمقولات والمفاهيم التي تستخدمها هذه العلوم في دراسة المجتمعات، حيث رأوا أنها غير قادرة على استيعاب واقع المجتمع العربي، لذلك دعوا إلى تأصيل أو توطين معرفي لهذه العلوم في الحقل المعرفي العربي، إلَّا أنهم اختلفوا في طبيعة الفروض التفسيرية التي قدَّموها لأزمة العلوم الاجتماعية، فأصحاب الاتجاه الوضعي اعتبروا أن الأزمة تتمثَّل في أزمة عقل عربي لم يستطع استيعاب المقولات المعرفية والمنهجية للعلوم الاجتماعية نتيجة لتكلُّس بناه المعرفية وعجز أدواته المنهجية نتيج لهيمنة التراث عليه، فبرأيهم يجب العمل على تحرير العقل العربي من التراث أولًا ثم التفكير في تأصيل العلوم الاجتماعية المعاصرة من خلال توسيع نظرياتها بإدخال المعطى المحلي فيها[7]. ونتج عن ذلك أزمة في التنظير في العلوم الاجتماعية في العالم العربي، نتيجة غياب استراتيجية واضحة لعلماء الاجتماع العرب[8].

وإذا أخذنا الحالة المصرية كمثال للاستشهاد، سنجد أن مراحل تطور العلوم الاجتماعية قد اتَّسم بتأخُّر بدايته، وتعثُّر خطواته، وغياب رؤيته وضعف إنجازه، إذ إننا لم نشهد إشارة إلى تأسيس أكاديمي لعلم الاجتماع قبل إنشاء الجامعة الأهلية عام 1908، سوى الاهتمام الذي أبداه الشيخ محمد عبده في تقديمه “لمقدمة ابن خلدون” وتدريسها لطلاب دار العلوم قبل وفاته عام 1905، وفي هذا السياق، يشير دارسو تاريخ نشأة علم الاجتماع في مصر، أن أول كتاب مصري صدر في علم الاجتماع، كان في 1919 والذي جاء بعنوان تاريخ علم الاجتماع، الذي ألَّفه محمد لطفي جمعة، ثم تبعه كتاب حياة الهيئة الاجتماعية وتطورها لنقولا حداد وصدر هذا الكتاب في جزءين: الأول عام 1924؛ والآخر عام 1925[9]، ونستنتج من هذا أن الاهتمام بالإنتاج في العلوم الاجتماعية جاء متأخِّرًا جدًّا في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي، ناهيك عن أن قسم الاجتماع نفسه تعرَّض للإلغاء وأصبح مادة تدرَّس في 1934 واستمرَّ كذلك حتى عام 1947[10].

ومن جانب آخر، نجد أن مقومات الإنتاج البحثي في علم الاجتماع في مصر تأسَّست في بداية الأمر على أفكار إميل دوركايم[11]، بدلًا من التركيز على تأسيس علم اجتماع مستقل يراعي الخصوصية الحضارية العربية عامة، والمصرية في القلب منها، وهو ما كان سيُسهم في تحديد مجالات اهتمام العلوم الاجتماعية وفي بلورة بنائه النظري وإنشاء منهجية في البحث كدعائم لاستقلال نظام فكري وعلم مستقل بذاته، ولم تكن هذه السِّمة حصرًا على الباحثين في مصر -كما سبق الذكر- فقد تهافت الباحثون في علم الاجتماع العرب على مناهج الغرب واقعين في أسْر التبعية والتقليد، متأثِّرين بالدراسات التجريدية وفي مقدِّمتها مدرسة دوركايم، فقد اقتصر جهدهم على النقل دون النقد والتمحيص، وبدون مقارنة تلك النظريات بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العربية، بالإضافة إلى أن فهم فكر إميل دوركايم لا يتمُّ إلَّا في ضوء أطروحات أوجست كونت، التي كانت ردَّ فعل للصراع الفكري والأيديولوجي في عصره[12]، وهو ما لم يحدث في مصر أو العالم العربي أو على مستوى دول الجنوب كافَّة.

وفيما يتعلق بالدراسات العليا والتي هي جوهر الإنتاج البحثي والأكاديمي نجد إشكاليات عدَّة تشوبها، فمن جانب، كانت الدراسات العليا في مصر تتَّسم بالعشوائية حتى عام 1956 فلم يكن هناك تقيُّد للخريجين بسنوات تمهيدية أو تخصُّصية قبل الدخول مباشرة في عمل الماجستير والدكتوراه، حيث كان الطالب يعدُّ رسالته قبل منحه الأدوات التي تساعده في إخراجها في أفضل صورة، وإعطائها القابلية للتأثير في الإنتاج العلمي.

ومن جانب آخر، ارتبط الحصول على درجات الماجستير والدكتوراة بنظام الترقيات في الجامعات، وقد أدَّى ذلك إلى تعرُّضها للنقد من قبل العديدين داخل البلد بحيث صارت الدكتوراه تُفهم في المعتاد على أنها تأهيل ضروري للترقِّي إلى الأستاذية، بل إن هناك حالة انعدام اهتمام بالبحث فيما تروِّجه تلك الدراسات حول خطابات الأزمة، حيث كانت غير مهتمَّة في حقيقة الأمر بإنتاج المعرفة، وتحرص أكثر على الترقِّي الوظيفي[13]، بالإضافة إلى ضعف أعداد الباحثين خارج السلك الأكاديمي المهتمِّين بالدراسات العليا نتيجة ضعف العائد المادِّي والمعنوي مقابل كم الجهد والمال الذي يبذله طالب الماجستير والدكتوراه في مجال يعاني من ضعف المقابل المادي[14]، وفي نفس السياق نجد أن الطالب تُقَيَّدُ حركتُه في تحديد الموضوع الراغب في دراسته، حيث نجد أن الأساتذة المشرفين لهم دور كبير في تحديد موضوع الدراسة وليس الطالب، أو على أقل تقدير يضعون حدودًا معيَّنة لحركة الإنتاج في مساحات معيَّنة دون أخرى[15].

وقد ساهم انخفاض أعداد المهتمِّين بالحصول على الدرجات العلمية في الدكتوراه في صعوبة تحقيق التراكم التخصصي كمًّا وكيفًا، بوجود قسم خاص لكلِّ مجال من مجالات العلوم الاجتماعية، وبالتالي كان طبيعيًّا أن تجد أستاذًا جامعيًّا يشرف بمفرده على أكثر من رسالة ماجستير ودكتوراه، حتى لو كانت بعيدةً عن تخصُّصه الأساسي ومجال اهتمامه المحوري، وبالتالي حرمان الطلبة من المساعدات العلمية القيِّمة التي تمكِّنهم من تقديم منتج معرفي رصين.

إن التحليل النهائي للحالة المصرية لن يختلف كثيرًا عن باقي دول الجنوب، من حيث النشأة المتأخِّرة، التي لم تُعضَّد بالدعم المطلوب، بل تعرَّضت للتعثُّر كثيرًا، بالإضافة إلى اتِّسامها بالتحيُّز والأُحادية في اختيار مدارس معيَّنة في علم الاجتماع الغربي، كما سبق ونوَّهنا في التأثُّر بمدرسة إميل دوركايم، رغم حالة الثراء البحثي في الشمال، الذي يصل في كثير من الأحيان حدَّ التناقض في المسلَّمات والمفاهيم والمنطلقات؛ وبالتبعية، النتائج والمخرجات، فبين التخبُّط والتأخُّر وغياب الاستراتيجية، كان الإنتاج في العلوم الاجتماعية يترنَّح مفتقدًا البوصلة والدعم والإصرار.

إن منافسة الشمال معرفيًّا تحتاج إلى الإلمام بشمولية رؤيته وأعمدة تصوُّراته ومكوِّنات بنيته، لاسيما في ظلِّ حالة الإغراق المعلوماتي، والإلمام بالواقع المعاش في الجنوب وتاريخية الانطلاق من مرجعيته في إطار نقد المعرفة الغربية وإنتاج معرفة أصيلة مرتبطة بواقع الجنوب، فقد أدَّت أزمات الجنوب على تأخُّره في الإنتاج العلمي وتخلُّفه عن ركب التطوير في العلوم الاجتماعية، إلى استفحال تلك الأزمة مع ظهور الفضاء السيبراني ومساحات نشر جديدة، كانت دول الجنوب عاجزة عن الإنتاج فيها مقارنة بالشمال[16].

ثانيًا- الهُوَّة السيبرانية بين الشمال والجنوب في الإنتاج العلمي:

شهد العالم منذ عقدين ونيف ثورةً جديدة تمثَّلت في النُّقلة النوعية التي أحدثتْها التكنولوجيا الرقمية، وما بات يعرف بالفضاء السيبراني، فقد تطوَّرت تكنولوجيا الاتصالات في دول الشمال، حتى حوَّلت العالم الافتراضي إلى وسيلةٍ لنقل الأفكار والمعارف والصور والفيديوهات بكلِّ ما تحمل من منظومة قيمية ومادية.

فقد أسَّست بنيةً تحتية لدعم الثورة التكنولوجية السيبرانية في تيسير رفع كافَّة أشكال الملفات والوثائق على الفضاء السيبراني، واستثمرتْ أموالًا طائلة في سبيل تحقيق ذلك، وفتحت الباب أمام تشكُّل المؤسَّسات والكيانات التي ترعى ذلك، وتعمل على تطويره، في الوقت ذاته، لم تكن تعرف فيه دول الجنوب ماهية الثورة الرقمية تلك، وهو ما أحدث هُوَّةً كبيرةً بين ما وصل إليه التطور الرقمي المؤسَّسي في الشمال، وطرق تعامل دول الجنوب مع ما بات يعرف بالفضاء السيبراني والتحوُّل الرقمي[17].

وقد انعكس التحول الرقمي على شكل الحياة في دول الشمال، وطريقة العلاقة بين المواطنين والمؤسَّسات، حيث عملت الحكومات في الشمال على رفع ملفاتها وما تملكه إلى بيانات متاحة سهلة الوصول على الفضاء السيبراني، وحصلت منظومة التعليم عامة وفي القلب منها التعليم الجامعي والإنتاج البحثي على نصيب كبير من مشروع الرقمنة، فتمَّت إتاحة المعرفة بشكل كامل ومنظَّم ومؤسَّسي على محركات البحث الرقمي في الغرب، وهو ما نتج عنه طفرة جديدة في الإنتاج المعرفي والنشر البحثي للباحثين في الغرب، وكانت النتيجة تفاقم حدَّة الهُوَّة والفجوة الحضارية بين دول الشمال وباقي دول العالم، بسبب حجم الفارق التقني السيبراني بين المركز والأطراف، من بنية تحتية وبشرية وتحول رقمي وسرعة في الوصول وإتاحة للمعلومات والمصادر المعرفية، وتوفير مساحة جديدة للنشر لتشجيع الكتابة والبحث في الموضوعات الاجتماعية الجديدة التي أحدثتْها الثورة الرقمية، حيث نجد أن الجامعات صاحبة التصنيف الأعلى توجد في الدول التي لديها تكنولوجيا رقمية أعلى مثل البلدان كوريا الجنوبية، واليابان، والدانمارك، وسنغافورة[18].

فقد حدثت دفعة جديدة في الإنتاج العلمي في الشمال بفضل هذا السياق الجديد، لاسيما مع حجم البيانات الهائل المتوفِّر عن كافَّة أشكال النشاط البشري. وهو ما أحدث عملية إغراق معلوماتي وبحثي على ساحة العلوم الاجتماعية بفضل سهولة الحصول على معلومات حول الكثير من القضايا الاجتماعية، نظرًا لتوافر كمٍّ هائلٍ من بيانات مستخدمي الفضاء الإلكتروني، حيث يعاني الباحثون في مناطق الجنوب وخاصة الدول العربية من كيفية التعامل مع هذا الغرق المعلوماتي.

وبالمقارنة مع دول الشمال، فلا يزال عدد كبير من دول الجنوب يتحسَّس الطريق نحو تأسيس بنية تحتية تكنولوجية تساعد في الانضمام إلى مرحلة التحول الرقمي، ومأسسة المنظومة التعليمية بصورة رقمية، ليسهل على طلبة العلم والباحثين الوصول لمرحلة توافر مصادر البحث والمعرفة بصفة عامة على الفضاء السيبراني بسهولة.

إذ لا يزال القصورُ مستمرًّا في البنية التحتية التكنولوجية، ناهيك عن حالة الضعف في الإنتاج والنشر في العلوم الاجتماعية في دول الجنوب، رغم أننا نرى أن التحول الرقمي قد يكون فرصةً مناسبة لتقوية الإنتاج المعرفي في العلوم الاجتماعية، نظرًا لانخفاض تكاليف الحصول على المعرفة بالمقارنة بأسعار المصادر المعرفية ورقيًّا، علاوة على توافر مساحة إلكترونية للنشر، تساعد الباحثين على الوصول لعدد هائل من القرَّاء.

فقد ناقشت القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس عام 2003 ثلاثة محاور رئيسية تتمثَّل في: الفجوة الرقمية، والسيطرة على الشبكة العنكبوتية والاستفادة منها، وتشير الأرقام إلى أن 15% من سكان العالم يسيطرون على 90% من الشبكة، والتفاوت في الثقافة الرقمية والإمكانات التكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب كبير جدًّا، بالإضافة إلى وجود تباين داخل البلد الواحد بالنسبة لدول العالم الثالث التي ما زالت الأمِّيَّةُ تنتشر فيها بكثرة وما زالت المناطق الريفية فيها تعاني الفقر والحرمان وانعدام مستلزمات الحياة. وبالنسبة للوطن العربي تشير آخر الإحصائيات إلى وجود ما يزيد على ثمانين مليون نسمة لا يعرفون القراءة والكتابة. والإشكالية المطروحة في الثورة الاتصالية هي أن الدول الصغيرة والفقيرة قد أقْدمت على شراء التكنولوجيا والوسائل والقنوات لتواكب التطور لكنها عجزت عن إنتاج المعرفة التي توزَّع عبر هذه التكنولوجيات، وهكذا فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى اقتناء البرمجيات والمادة التي تبث و توزع عبر الوسائل والتكنولوجيات المختلفة[19].

ولكن ثمة أزمة أخرى تواجه الباحثين، تتمثَّل في ضرورة إتقان اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة وتحدُّثًا، فقد جاءت دول الجنوب وعلى رأسها الدول العربية على قائمة أسوأ 20 دولة في إتقان اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وفقًا لمؤشِّر EF[20]، حيث تعاني تلك الدول من سيادة اللغة الأجنبية في كافة محددات الفضاء السيبراني وبالتبعية في لغة البحث العلمي، وسبب ذلك ضعف البنية التعليمية بالكامل. وتعد قضية إتقان لغة العلم السائدة حاليًّا، واحدة من عوامل العودة للتأثير في حركة العلم والنشر، خاصة أن الفضاء السيبراني، يتيح سهولة في الوصول للجمهور الواسع من القراء في العالم، في ظلِّ توافر المنصَّات العلمية التي تُتيح النشر للباحثين، في محاولة للاشتباك مع القضايا الاجتماعية الراهنة.

ومما سبق نجد أن الفجوة الرقيمة بين الشمال والجنوب كبيرة ونتائجها تتَّسع مع التوسُّع في التطوُّر فيه، حيث لا يزال ما يقرب من نصف سكان العالم 3.7 مليار شخص، غالبيَّتهم من النساء، ومعظمهم في البلدان النامية، محرومين من استخدام الإنترنت، ولا يتمكَّن هؤلاء الذين ليس لديهم اتصال بالإنترنت من الاستفادة من التعليم عن بُعد أو العمل عن بُعد أو الخدمات الصحية عن بُعد -في ظل أزمة كورونا- مما قد يؤدِّي إلى أن تصبح الفجوة الرقمية الوجه الجديد لعدم المساواة في العالم[21].

ثالثًا- تأثير الفضاء السيبراني في العلوم الاجتماعية:

يهيمن نمط الإنتاج الرأسمالي على عالم اليوم المعولم بشكل متزايد منذ أكثر من 200 عام، وهو يهيمن على جميع العلوم أيضًا بما فيها إنتاج ونقل العلوم الاجتماعية، فالعولمة مدفوعة بالرأسمالية والإمبريالية، سمحت بواسطة التكنولوجيا (أي العسكرية) لأوروبا الغربية بالسيطرة على العالم كله تقريبًا منذ ذلك الحين، ومع الثورة التكنولوجية (الرقمية) تأكَّدت تلك الهيمنة الشمالية، في مقابل ضعف وتبعية الجنوب سواء في الاقتصاد أو في إنتاج التكنولوجيا الرقمية وفي إنتاج العلوم الاجتماعية[22].

إن قدرة الباحثين في الجنوب على إنتاج بحوث اجتماعية، بالاستعانة بالفضاء الإلكتروني من أجل الوصول إلى شرائح مجتمعية عديدة، تواجه صعوبات في وصول الخدمات الرقمية والتكنولوجية لتلك الشرائح من جهة، وقدرتهم على القراءة والكتابة من جهة ثانية، وحسن تعاملهم مع الوسائل الإلكترونية من جهة ثالثة، لذلك لا يستفيد الباحثون في الجنوب كثيرًا بنفس حجم استفادة الشمال من الفضاء الإلكتروني، ناهيك عن أن المواقع السيبرانية العلمية بحاجة إلى اشتراكات مالية لتيسِّر على الباحثين الحصول على المعلومات والشواهد التي تدعم أبحاثهم، ونظرًا لضعف التمويل، وانخفاض أجور الباحثين، فكلها أمور تضغط أكثر فأكثر على عملية الإنتاج في العلوم الاجتماعية.

وعليه، نجد أن الفجوة في إنتاج العلوم الاجتماعية، تتضافر مع الفجوة الرقمية لزيادة معاناة دول الجنوب في قضايا الحوكمة والتنمية. تلك القضايا المتعلِّقة بالعلوم الاجتماعية وما يمكن أن تقدِّمه من تفسيرات وحلول لإشكاليات محلية لا تتمُّ دراستها ودراسة خصائصها بقدر فرض حلول غريبة ناتجة عن سياقات غربية بالأساس[23]، وتضيف عليها المعاناة فيما يتعلَّق بالتبعية التكنولوجية، ليصبح إنتاج العلم وفي قلبه العلوم الاجتماعية إشكالية داخل إشكالية يعاني منها الباحث ودولته على حدٍّ سواء.

وإذا كانت الفجوة الرقمية قد أنتجت مزيدًا من المعاناة، فهل يمكن الاستفادة منها؟ إن دراسة البيانات الإلكترونية أو ما يسمَّى بالبيانات الكبيرة (Big data) يعدُّ أحد الملفات الهامَّة للباحثين في العلوم الاجتماعية وما قد يطرحه الفضاء الإلكتروني من إشكاليات اجتماعية وسياسية واقتصادية في حدِّ ذاتها، إلَّا أن تلك البيانات لا تقدِّم استنتاجات واقعية بصورة تامَّة، باعتبارها قد تضمُّ معلومات مغلوطة ومضلِّلة ولا تتمتَّع بالشفافية الكاملة، كما أنه “من الصعوبة بمكان البحث عن محددات للربط بين مناهج البحث العلمي التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصَّةً وأنها مجال جديد للحياة الاجتماعية، ولم يتزايد البحث عنها إلَّا في السنوات القليلة الماضية”[24]. وإلى أي مدى يمكن أن تَحِلَّ بيانات الفضاء السيبراني محلَّ الأدوات التقليدية في جمع البيانات في العلوم الاجتماعية مثل المقابلة والاستبيان والبحث الميداني وغيرها من الأدوات، وإن كان هذا لا يمنع من وجود اتجاه مناهض يرى أن ضخامة حجم البيانات سيجبر الباحثين بصورة أكبر على استخدام أدوات المنهج العلمي أكثر من أيِّ وقت مضى[25].

كما أن نتائج الأبحاث، ستشجِّع التعميم نتيجة حجم العيِّنة الذي يقدَّر بالملايين، إذ سيتم التعامل معها كحقائق ستوصِّلنا في النهاية إلى نتائج أخطر وهي إلغاء التنوُّع الحضاري والاختلاف الثقافي بين الأمم والحضارات، وحينها سيتغيَّر شكل العلوم الاجتماعية تمامًا، أو على الأقل سيتم العودة إلى التبشير الحداثي وحلم تأسيس علم الكيمياء الاجتماعية والفيزياء الإنسانية، حيث يمكن التحكُّم بصورة مطلقة في الجموع البشرية وتوجيه سلوكياتها فيما يخدم المشروع الرأسمالي الإمبريالي، وتنحية كافَّة معوقات نجاحه.

والأمر المؤكَّد أن العلوم الاجتماعية ستتعرَّض للمزيد من التحديات الجوهرية في الفضاء السيبراني، وتتمثَّل في الطبيعة المختلفة لنمط السير لدى كلٍّ منها، فبينما تتطوَّر المساحات السيبرانية بصورة سريعة للغاية، نجد أن طبيعة العلوم الاجتماعية تحتاج إلى التأنِّي في الخروج بنتائج علمية دقيقة حول الموضوعات التي تبحثها، بداية من الملاحظة والمراقبة والمتابعة على فترات زمنية متتابعة قصيرة وطويلة، للخروج بنتائج حول ظاهرة واحدة، بينما التأثيرات التي تحدثها الحياة الرقمية أبعد بكثير من مجرد تأثير أو اثنين.

لقد فرض الفضاء السيبراني تحديات عدَّة على إنتاج العلوم الاجتماعية، منها إتاحته مساحة كاملة من الحرية لكتابة غير المتخصِّصين تأمُّلاتهم ورؤاهم حول القضايا الاجتماعية، فنظرًا لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وإتاحة الفرصة أمام جميع المستخدمين لإبداء آرائهم حول مستجدَّات المجتمع وأحوال البلاد، أصبحت هناك مقالات معرفية تخصُّ مجالات العلوم الاجتماعية من مؤثِّري وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من خلال المواقع الصحفية المنتشرة على الفضاء السيبراني، أو حتى المدونات المتاحة بسهولة لتدوين الأفكار والتأمُّلات، وقد انقسم الخبراء بين اتجاهٍ معارضٍ لهذه الظاهرة، ويرى أن دخول غير المتخصِّصين سيعقِّد من أزمات العلوم الاجتماعية في الجنوب، لعدم التزام الكتَّاب الجدد بنظريات ومناهج العلوم الاجتماعية، وبالتالي سيؤثِّر ذلك على نتائج كتاباتهم، وسيجعلها ركيكة في المبنى ومضلِّلة في المضمون والمعنى، بينما ثمة اتجاه آخر، يرى أن جزءًا رئيسيًّا من أزمات إنتاج المعرفة والبحث في الجنوب مرتبطٌ بالتقيُّد بمناهج واقترابات غير محلية ولا تعبِّر عن الأزمات الحقيقية لبلادنا، وبناءً على ذلك، يرى هذا الفريق أن من مزايا كتابة غير المتخصِّصين، أنهم متحرِّرون من تأثيرات الشمال في الكتابة المعرفية الأكاديمية، وبالتالي يساعدهم ذلك في استخدام لغة ومصطلحات قادرة على توصيل المعنى بسهولة للقارئ العادي.

  • كورونا والعلوم الاجتماعية في الجنوب

لم تعانِ الجامعات الغربية من حجم التأثيرات السلبية لجائحة الكورونا بالقدر ذاته الذي عانتْه الجامعات في الجنوب، نظرًا لحجم المأسسة الشاملة التي تميِّز الجامعات في الشمال على المستوى السيبراني، الذي يتيح للطلاب والباحثين سهولة في الوصول للمعلومات والبيانات التي يحتاجونها في أبحاثهم ودراساتهم، وذلك بعكس الجامعات في الجنوب التي واجه طلابها وباحثوها أزمات معقَّدة في الوصول للمعلومات للإنتاج البحثي من ناحية، واستكمال دراساتهم من ناحية أخرى، ممَّا يضيف أعباءً ومعوِّقات أخرى على عملية إنتاج العلوم الاجتماعية.

ونظرًا للضعف الشديد في نظم الرقمنة وتوافر الأدوات السيبرانية التي تمكِّنهم من تجاوز عقبات التباعد الاجتماعي وإجراءات الحظر من التحرُّك إبان اجتياح فيروس كورونا للدول في الجنوب؛ شهدت الدول غير المستعدَّة لارتفاع الطلب ازدحامًا في الشبكة، وانخفاض متوسِّط سرعة الإنترنت وتدهور جودة الخدمة حتى في الأسواق الناضجة نسبيًّا. وهو ما يؤدِّي إلى عدم المساواة في الوصول إلى اتصال عالي الجودة ومن ثمَّ تعريض الاستقرار للخطر بالإضافة إلى زيادة نسبة التفاوت الاجتماعي[26].

ففي ظل أزمة كورونا، أعلنت جميع المؤسَّسات التعليمية في العالم التحوُّل السريع في التعليم استجابةً لمتطلبات هذه الأزمة؛ وهو ما جعل الجميع يعيد النظر إلى أن التعليم بعد أزمة كورونا لن يكون كما هو الحال قبلها[27]، وما ينتج عن ذلك من إشكاليات أخرى على إنتاج وتدريس العلوم الاجتماعية في دول الجنوب.

فالفضاء السيبراني قادر على أن يكون العمود الفقري الذي تُبنى عليه منظومة الإنتاج والنشر العلمي، لأسباب عديدة، أهمها سهولة الوصول للمعلومات دون الحاجة للسفر أو إجراءات في الاستعارة أو غيره، وقدرة الفضاء الإلكتروني على تجاوز أي جائحة صحية أو حتى سياسية واجتماعية، شريطة أن تكون هناك بنية رقمية تحتية قوية قادرة على تسريع عملية التواصل والوصول للشبكة، كما أن الفضاء السيبراني سيُساعد الباحثين على الوصول لكافَّة أساتذة وجامعات العالم الكبرى، لاسيما في حالة وجود اشتراكات مالية أو تنسيق تقوم به الوزارات الحكومية المعنيَّة لتيسير وصول الطلاب للمعرفة الحديثة.

خاتمة:

خلال العقدين الماضيين وفي ظل تحول السيبرانية إلى لغة العالم الجديد، انقسم العالم إلى دول تمكَّنت من الدخول في الفضاء السيبراني وتحولت رقميًّا وتمكَّنت من استغلال الذكاء الاصطناعي في ميكنة المؤسَّسات التعليمية والمالية والخدمية، وبالتالي تيسير احتياجات الناس عامة، وقسم ثانٍ تأخَّر في الدخول في مرحلة التحوُّل الرقمي واستغلال القدرات الهائلة للفضاء السيبراني.

لا بدَّ أن تكون هناك خطة استراتيجية وتصورات تدريجية لكيفية الاستفادة من تجربة التحول الرقمي في الشمال ونقلها إلى الجنوب، بحيث يكون هناك نقل للتقنية وليس للأجندات المعرفية والبرامج العلمية خاصة المسئولة عن العلوم الاجتماعية، التي قد تخلق أزمات اجتماعية، في حالة فرضها على مجتمعات الجنوب، وبالتالي فالأهم هنا أن يكون هناك تركيز على بناء الكادر التقني القادر على التعامل مع الفضاء السيبراني، جنبًا إلى جنب مع تأسيس بنية تحتية تكنولوجية قادرة على مساعدة التحوُّل الرقمي، دون أن يكون هناك إهمال بوجود مؤسَّسات قادرة على حماية الخطة الاستراتيجية للتحول الرقمي، وأخيرًا بوجود معايير لقياس كفاءة عمل الخطة، والتدخل بالتعديل في حالة ظهور خلل أو تشوُّه في الأهداف.

إن قضية الانتقال من الإنتاج البحثي والمعرفي من مرحلة النشر التقليدي، إلى استغلال الفضاء السيبراني، سيتيح فرصة حقيقية للاستفادة من الإنجازات الحضارية في الشمال، إذا أدركت الحكومات أهمية إنفاق قدرٍ ليس بالقليل في إتاحة معارف الشمال لأبنائها في الجنوب، كي تحلَّ محلَّ البعثات التعليمية في الخارج، من أجل توفير فرصة حقيقية لحلِّ كُبرى المشاكل التي تواجه المتلقِّي لاحتواء النظريات الاجتماعية المتجدِّدة، ونقصد بالمتلقِّي هنا أولئك الباحثين الاجتماعيِّين في عالم الجنوب، الذين هم بحاجة إلى الوقت لاستيعاب النظريات ليتمكَّنوا من تجاوزها كشرط ضروري للتطوُّر الحضاري، حيث ستُساعدهم إتاحة المعرفة سيبرانيًّا في توفير أعمار وسنوات من تاريخ الأمم. بينما في حالة حدوث العكس، سيفنى الإنتاج الاجتماعي بمرور الوقت ولن يتمكَّن من الصمود أمام حالة الغرق المعلوماتي بالنظريات والأبحاث المعرفية المتجدِّدة من الشمال، وستكون النتيجة فشل عملية النقل الحضاري الهادئ القادر على هضم المعارف الجديدة.

فواجب الوقت أن تكون هناك مؤسَّسات كبرى، تتمتَّع بالتمويل اللازم الذي يوفِّر احتياجات الباحثين في الإنتاج بصورة قريبة من سرعة الإنتاج المتزايد في الغرب، بدلًا من نقل قطرة من بحر، كل عام أو عامين بجهود فردية لن تصمد كثيرًا في ظل صعوبة الأوضاع التي تتفاقم بمرور الوقت. ولكن هذا لا يعني عدم المقاومة، حيث لا بدَّ أن نضع على عاتقنا إعادة التفكير دومًا في تقلُّباتنا وكيف نحافظ على القيم الثابتة، ولا ننحرف نحو سيولة القيم المتغيِّرة، لا سيما مع تضاؤل مساحة الثابت بصورة كبيرة، لحساب قيم الموضة الآنية منبتَّة الأصل ومنقطعة الصلة.

وإذا كنا نشير إلى توجُّه العالم نحو التحوُّل الرقمي وسيطرة الفضاء السيبراني على الحياة المستقبلية، فمن الضروري أن يكون حلم التحرُّر من أسر السيبرانية الشمالية، وتوفير بنية رقمية وتكنولوجية مستقلَّة تحمي دول الجنوب، أحد أهداف استراتيجيات الجنوب في العقود المقبلة، كي لا تظل دولُه أسيرةَ استهلاكِ المعرفةِ الرقميةِ دون إنتاجها، بل يجب أن تسعى إلى تصديرها.

_______________________

الهوامش

[1] دول الجنوب هي الدول النامية والتي تعد من الدول الأفقر اقتصاديًّا، ويستخدم البنك الدولي هذا المصطلح للإشارة إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول آسيا النامية ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط.

[2] عزيزة بدر، لم تنفصل علوم الغرب عن المسار العام للسيطرة الرأسمالية، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 26 يوليو 2021، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/mqBA7

[3] المرجع السابق.

[4] فاطمة المومني، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: الرؤى والبدائل، مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة الشهيد حمة لخضر – الوادي، العدد 19، نوفمبر 2016، ص 284، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/iC3zv

[5] جوناثان كرينر، العلوم الاجتماعية في جامعة القاهرة قبل شباط/فبراير 2011 وبعده: تمثلات وإدراكات متغيِّرة للحرية الأكاديمية، ترجمة: منير السعيداني، إضافات، بيروت، العددان 41-42، ربيع 2018، ص 119، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/kaDGA

[6] سامية عزيز، باية بوزغاية، المشكلات التي تواجه البحث العلمي في الوطن العربي، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، 2ديسمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/IEc26

[7] عبد الحليم مهورباشة، أزمة العلوم الاجتماعية، مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة سطيف، العدد الرابع، 2014، ص 34، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/muXoo

[8] فاطمة المومني، العلوم الاجتماعية في العالم العربي، مرجع سابق، ص 284.

[9] نفيسة دسوقي، الإنتاج المعرفي لطلاب الدكتوراه: دراسة حالة لقسم اجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة، إضافات، بيروت، العددان 41-42، ربيع 2018، ص 34، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/39r3L

[10] المرجع السابق، ص 35.

[11] أحمد زايد، علم الاجتماع: بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، (القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1983)، ص 85.

[12] فاطمة المومني، العلوم الاجتماعية في العالم العربي، مرجع سابق، ص ص 285-286.

[13]دانييل كانتيني، إنتاج المعرفة في مستوى الدكتوراه في العلوم الاجتماعية والإنسانيات في الجامعات المصرية، ترجمة: منير السعيداني، إضافات، بيروت، العددان 41-42، ربيع 2018، ص 21، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/D4tDh

[14] نفيسة دسوقي، الإنتاج المعرفي لطلاب الدكتوراه، مرجع سابق، ص 33.

[15] المرجع السابق، ص 23.

[16] المرجع سابق، ص ص 31-32.

[17]للمزيد انظر: محمد قيراط، هل يستطيع الجنوب تقليص الفجوة الرقمية؟، البيان، 25 نوفمبر 2005، تاريخ الاطلاع: 24 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/fqjBT

[18] علي بوعزيز، الفجوة الرقمية في الوسط التعليمي العربي وسبل الحد منها (3-2)، موقع تورس نقلًا عن جريدة الشروق التونسية، 3 ديسمبر 2012، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/2ND7z

[19] محمد قيراط، هل يستطيع الجنوب تقليص الفجوة الرقمية؟، مرجع سابق.

[20] تصدر مؤسسة EF Education First، (EF EPI) تقرير الترتيب العالمي لأفضل متحدثي اللغة الإنجليزية كلغة ثانية والذي يحلل بيانات 2.3 مليون شخص مُتحدث للغة الإنجليزية كلغة ثانية في أكثر من 100 دولة، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/Ilyzo

[21] With Almost Half of World’s Population Still Offline, Digital Divide Risks Becoming ‘New Face of Inequality’, Deputy Secretary-General Warns General Assembly, un, 27 April 2021, available at: https://cutt.us/BXTMD

[22] للمزيد حول الهيمنة الشمالية على عملية إنتاج العلوم الاجتماعية، انظر الآتي:

– György Széll, Western and/or universal social sciences?, Asian Journal of German and European Studies, Springer, Vol. 3, No. 7, 2018, available at: https://cutt.us/3DPTY

– Yves Gingras and Sébastien Mosbah-Natanson, Where are social sciences produced?, in UNESCO International Social Science Council, World Social Science Report – Knowledge Divides, 2010, chapter 4, available at: https://cutt.us/WEKgN

[23] Ibid.

[24] خالد سعيد، «التواصل الاجتماعي».. مصادر غير موثوقة للبحث العلمي، للعلم، تاريخ النشر 26 سبتمبر 2017، تاريخ الاطلاع: 26 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/xgUad

[25] المرجع السابق.

[26] بثينة الجورماني، التحول الرقمي في زمن كورونا: دراسة حالة لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدونات البنك الدولي، 29 يوليو 2020، تاريخ الاطلاع: 17 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/DnxG5

[27] عائشة بنت العتيبي، التحوُّل الرقمي والذكاء الاصطناعي.. تأثيرات ومؤشرات مستقبلية في الجامعات والتعليم، الجزيرة، 21 أغسطس 2021، تاريخ الاطلاع: 13 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/w21Yf

فصلية قضايا ونظرات – العدد الثالث والعشرون – أكتوبر 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى