د. نادية مصطفى

إشكاليات القراءة في مفهوم ثقافة السلام وخرائط إعادة بنائه من منظور حضاري

مداخلة مقدمة من أ. د. نادية محمود مصطفى إلى اللقاء الفكري "معًا نحو بناء ثقافة السلام" الذي نظمته الهيئة القبطية الإنجيلية (المنيا، 27 أكتوبر 2008)

مقدمة:

إن المشاركة في مناقشة “ثقافة السلام في ملتقى تدعو إليه الهيئة القبطية الإنجيلية، ليكتسب من و جهة نظرى، أهمية كبرى لعدة اعتبارات. من أهمها ما يلي:
الجهة الداعية هي هيئة دينية حوارية تدريبية تنموية، وتعقد لقاء فكريًّا تدريبيًّا في صعيد مصر حول موضوع يحوز اهتمامًا متزايدًا على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي.
ويحوز الموضوع اهتمامي بحكم تخصصي في العلاقات الدولية من ناحية، وبحكم دائرة اهتماماتي الراهنة حول الأبعاد الثقافية والأبعاد الدينية للعلاقات الدولية، من ناحية أخرى. فإذا كان السلام والحرب وجهين متقابلين يمثلان محور الدراسات الدولية القديمة والمعاصرة، فإن ثقافة السلام تمثل جانبًا حديثًا من هذه الدراسات، ينقل اهتمامات الباحثين من الجوانب التقليدية لتحليل الحرب والسلام المتصلة بالحكومات والدول إلى جوانب تتصل بالشعوب وبالإنسان؛ ذلك لأن السلام كحالة ليس هو ثقافة السلام.
ومن ناحية ثالثة وأخيرة: فإن اهتمامي باللقاء يرجع أيضًا إلى استحضاره العلاقات بين المصريين (من مسلمين ومسيحيين)، حيث إن جمهور هذا اللقاء والمشاركين فيه (من القسس والدعاة وكذلك من المدنيين المهتمين بالحوار كوسيلة لحل المشكلات المتجددة والمتراكمة، منذ ما يزيد عن العقود الثلاثة) لَيمثلون نخبة متنوعة من الناشطين والفاعلين على صعيد الحوار الوطني البيني. وهذا الحوار البيني الذي يدشنه هذا اللقاء من أهم أنماط الحوار الواجب الاهتمام بها، إلى جانب، بل وقبل، الاهتمام بالحوارات مع الغرب حول العلاقات بينه وبين الإسلام والمسلمين، وهي الحوارات التي تستدعي أيضًا “ثقافة السلام” بين قضايا أخرى.
وحيث إن لكل مقام مقال، فلابد وأن يختلف الحديث في هذا اللقاء عن أحاديث أخرى في مؤتمر للدراسات الدولية مثلًا أو في لقاء سياسي دولي… أو كذا.
ولذا كان يجب أن أحدد زاوية اقترابي من الموضوع على ضوء كل الاعتبارات السابقة.
وفي بداية هذه العملية المنهاجية قفز إلى ذهني ما يلي: إنه في ظل الحرب الأمريكية على الإرهاب، وعلى العرب والمسلمين بصفة خاصة، فإن الجميع مطالبون– من جانب ما يسمى الشرعية الدولية – بإعلان الموقف من جانبين يمثلان وجهين لعملة واحدة وهما: العنف والسلام، ومن ثم أيضًا إعلان الموقف مما يسمى ثقافة العنف وثقافة السلام. وذلك على نحو حاسم وبلا مواقف وسط أو تمييز بين ما هو مشروع من العنف –وهو من طبائع الأمور والبشر– وبين غير المشروع وغير الشرعي منه.
كذلك قفز إلى ذهني أمر آخر وهو أننا مطالبون أيضًا بتغيير الأفكار والعقول والقلوب – كما يتضح من خطابات مراكز الفكر الاستراتيجي الأمريكي ومن مبادرات الدبلوماسية العامة الأمريكية. وفي المقابل، نجد أن العنف والسلام هما نتاج منظومات متكاملة وليسا نتاج مجرد ثقافة عنف أو ثقافة سلام لدى الشعوب المعنية بحديث الحرب أو السلام. ولذا، فإن هذه المطالبات الحاسمة تزيد من حالة الاستقطاب الثنائي بين السلام والعنف باعتبارهما من المتناقضات التامة، كما تزيد من ناحية أخرى من غموض العلاقة بين السلام كحالة وبين ثقافة السلام.
إن هذين الأمرين اللذين قفزا إلى ذهني ليسا نتاج تجريدات أو أفكار ونظريات في الكتب فقط، ولكنها أيضًا نتاج خبرات عملية ملموسة تفاعلت معها خلال مؤتمرات وطنية وإقليمية وعالمية في مجال حوار الأديان والثقافات طيلة السنوات الست الماضية (2002 -2008). وهذه الخبرات أفرزت سؤالًا محوريًّا: هل حديث السلام وثقافة السلام هو حديث “موضوعي” غير متحيز Free Bias ضد ثقافة بعينها أو دين بعينه أو شعب بعينه أو حضارة..؟! ألا يجب أن تكون ثقافة السلام محايدة ولا تحمل تحيزات لمفهوم السلام؟ فمن الواضح أن المسلمين – على مستوى الأوطان، في مقابل غير المسلمين من أهل نفس الأوطان، وكذلك المسلمون على المستوى الدولى والعالمى مطالبون دائمًا بإعلان نوايا السلام ورفض العنف. ويتحول الأمر، بدون وعي أو عن قصد – إلى محاكمة لعلاقة الإسلام والمسلمين بالعنف والآخر، وذلك باعتبار أن الإسلام هو دين الأغلبية في داخل بعض الأوطان، أو الذي اختطفه الأصوليون على الصعيد العالمي وخاصة منذ 2001.
والملاحظ أن الأصوليات الأخرى قد اختطفت أيضًا أديانها وتنهج بدورها عنفًا لا يقل خطورة عن عنف ما يسمى “الأصولية الإسلامية” ولا تجد أصواتًا عالية أو نافذة تطالبهم بما يتم مطالبة المسلمين به.
ومن ناحية أخرى؛ فإن أهل الأوطان – من غير المسلمين الأقل عددًا، قد تحولوا بدورهم إلى عنف من نوع آخر وهو الأقرب إلى العنف الهيكلي، والمتمثل بالأساس في اعتبار أن “الظهور الجديد” لدين الأغلبية (المسلمين) في المجال العام، وكذلك استدعاء الدين من جديد في خطابات السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل والمعرفة، هو من مصادر الخطر أو المصدر الأخطر على المواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان، وكما لو أن هناك طبعة واحدة أو صبغة واحدة من المواطنة ألا وهي العلمانية، أو المواطنة المنقطعة الصلة عن هوية شعب من الشعوب.
إن هذا التصور المتفرع والمتشابك قد تكوَّن أيضًا على ضوء معايشة الجدالات بين الخطابات المسيحية والعلمانية والإسلامية حول مستقبل المواطنة والديموقراطية في مصر – والتي تفجرت بقوة خلال السنوات الأربع الماضية مستكملةً حلقات سابقة لها. وكان موضوعا الحوار وثقافة السلام من الموضوعات التي تطل برأسها من وسط ضباب هذه الجدالات، وهو الأمر الذي أفضى بدوره إلى طرح كثير من الأسئلة حول: ماهية ثقافة السلام؟ وما الغاية من ورائها، وكيفية تحقيقها؟ وما المقصود بها في حالة العلاقات بين المصريين من المسلمين والمسيحيين بصفة خاصة؟
بعبارة أخرى، نحن في حاجة إلى استكشاف أبعاد قراءة هذا المفهوم –تأصيلًا وواقعًا– ومدى ما يكتنفه من احتياجات إعادة بناء ما هو شائع أو ذائع، على الأقل، وفق مقتضيات رؤيتي للإطار الأشمل المحيط به.
مفاد القول: إن الأمر في ذهنى – ابتداء – ليس مجرد ثقافة فقط، وليس مجرد رفض للعنف بالقوة المسلحة فقط، فبالرغم من أن رؤيتى لا تقوم على الاعتبار “المادي” فقط؛ حيث إن الفكر والقيم – وفي قلبها الدين- يحتلان مكانة أساسية، إلا أن هذه الرؤية لا تُسقط بالطبع ما هو قائم في الواقع. والمحيط بهذه المنظومة القيمية يؤثر فيها ويتأثر بها في مسار تفاعل متبادل، ليس فيه حديث عن متغير مستقل أو متغير تابع.
بعبارة أخرى، أنا لن أقدم “رؤية تأصيلية إسلامية عن موقف الإسلام من السلام، فأنا لست متخصصة شرعية ولكني أستاذة علاقات دولية انطلق من منظور حضاري إسلامي مقارن مع منظورات أخرى للعلاقات الدولية، انطلق منه باحثة عن وضعه في خريطة معقدة من المنظورات المتقابلة حول المفاهيم الذائعة، ومنها مفهوم ثقافة السلام. ولذا فأنا أحاول رسم خريطة معقدة، فكرًا وممارسة، أطرحها عليكم كنوع من التدريب الفكري.
وبناء عليه فإنه، على ضوء التقديم السابق، فإن اقترابي من المفهوم قد أفصح مبدئيًّا عن تحيزاته، ويقتضى هذا الاقتراب اتخاذ الخطوات المنهاجية التالية:
1- تشخيص الحالة، أي حالة تداول مفهوم ثقافة السلام وخريطة ذيوعه وانتشاره مقترنًا بالحديث عن ثقافات أخرى للحوار والتعايش والتسامح وقبول الآخر والتربية المدنية…الخ، كل ذلك في إطار أوسع وهو حوار الأديان أو الثقافات أو الحضارات.
2- هل مفهوم ثقافة السلام مفهوم واحد أم تتعدد المفاهيم؟
3- خرائط الإدراك الذائعة خطوة نحو إعادة بناء المفهوم وإعادة التخطيط للحركة من منطلقات وطنية وحضارية تتجاوز التدخلات الخارجية باسم العالمية.
4- ما الدلالة بالنسبة لحالتنا في مصر وبالنسبة للدورة التي نجتمع لتدشينها بهذا اللقاء الفكرى الذي يضمكم، قسسًا ودعاة في حاضرة من حواضر الصعيد وفي إطار عملية مستمرة ومنتظمة ومتراكمة من الحوارات؟

1- تشخيص أبعاد الحالة الراهنة لذيوع المفهوم وانتشاره:

دراسات السلام Peace studies حقل فرعي من حقول العلاقات الدولية يقابله حقل دراسات الحرب War studies. وثقافة السلام فرع من الدراسات الثقافية الحضارية الدولية يقابله ثقافة العنف ومن ثم هناك عمليتين كل منهما ذات وجهين: عملية: السلام/ العنف، وعملية ثقافة السلام/ ثقافة العنف، فكما سبق القول حديث “السلام” لا يتطابق مع حديث ثقافة السلام، فالأخير فرع عن الأول. كما أن الحديث يثور على مستويين وهما المستوى الوطني (بين أهل وطن واحد) والمستوى الدولي (بين شعوب ودول في العالم).
ويمكن رصد الأبعاد التالية من واقع تشخيص حالة الذيوع الراهنة لمفهوم ثقافة السلام- في ارتباطه بثقافة العنف.
أ- الشكوك في “السلام” يقابلها جلد للذات:
فمن الملاحظ أنه بالرغم من أن السلام قيمة مرغوب فيها، بل هو من القيم التأسيسية في الإسلام (ضمن منظومة متكاملة من القيم)؛ إلا أنه أضحى محاطًا بانطباعات سيئة تظهر على مستويات عدة. ابتداء من المستوى الخارجي حيث نجد أن مفهوم السلام مع إسرائيل يناظر مفهوم الضعف وفقدان الحق وتفوق إسرائيل على العرب، كذلك فإن الدعوة (أو الادعاء الأمريكي) بالعمل من أجل سلام العالم وأمنه إنما يستدعي تكريس الهيمنة والعدوان تحت حجة بناء السلام. أما داخليًّا فإن مفاهيم السلام الاجتماعي ومكافحة الإرهاب والتطرف إنما هي ذرائع لاستمرار عنف النظم القائمة المستبدة تجاه قوى المعارضة وخاصة الإسلامية منها، سواء التي تنتهج العنف أو التي تنتهج السبل السلمية. بعبارة أخرى، هل “السلام” أو “ثقافة السلام” يمكن أن تسود بين غير متكافئين؟ وألا تستدعي عندئذ هذه الحالة من عدم التكافؤ تنازلات إحلال السلام وعلى نحو يستدعي أيضًا مفهومًا متحيزًا للسلام؛ وهو مفهوم “الأقوى” أو “المنتصر” أو “المستبد”؟ حيث إنه يستبعد المقاومة أو المعارضة؟
ومن ناحية أخرى؛ يمكن أن نلمس مفردات وتعبيرات تعكس حالة شديدة من جلد الذات واتهامها بسيطرة ثقافة العنف وعدم التسامح أو الميل لتبرير كل عنف تجاه الآخر، أو تقديس العنف في الثقافة العربية، أو سيادة معتقدات ظلامية أفرزتها ثقافات أخرى – غير الثقافة المصرية…الخ. وهذا الأمر يدفعنا للتساؤل: ما حجم وما وزن ما يتصل بالعنف بين المسلمين والمسيحيين بين هذه التعميمات عن سيادة العنف وتحوله إلى ظاهرة، أم ان المقصود أساسًا بهذه التعميمات هو هذه الحالة بالذات أي بين أهل مصر من المسلمين والمسيحيين؟ فعلى سبيل المثال: استشعرت من تركيز أ. سميرة لوقا عند افتتاح اللقاء الفكري، وكذلك مداخلة الأب متى شفيق (عن “جمعية معًا” وعن خبرته في ملبورن)، كم هو التركيز على حالة العنف بين المسلمين والمسيحيين، وكم هي في حاجة لبذل الجهد، على نحو يدفعني لتكرار السؤال المطروح عاليًا: ما هو حجم هذا العنف ووزنه –فكرًا وممارسة– بين أنماط العنف الأخرى في المجتمع المصري؟ ومن ثم فهل ثقافة السلام المعنية هي بين المسلمين والمسيحيين.. فقط أم يجب أن تكون ذات امتدادات أكثر اتساعًا وشمولًا على مستوى المجتمع المصري برمته؟.
ب- ذيوع وانتشار المفهوم على مستويات متعددة
من واقع المسح على شبكة المعلومات الدولية، ومن واقع متابعة مرصد مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات لما يصدر عن أو ينشر عن “ثقافة السلام” لا يمكن التوقف التفصيلي عند الخريطة المتفرعة والمتشابكة. ولكن يكفي القول بما يلي: إن المستويات المعنية تتعدد ابتداءً من الأمم المتحدة ومنظمتها المتخصصة (اليونسكو)، إلى المراكز البحثية العربية والأجنبية (مثلًا المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية في مصر ويتضمن وحدة لدراسات الأمن الإقليمي وثقافة السلام)، إلى المواقع عن دراسات وبحوث السلام ( مثل موقع IFLAC: المنتدى الدولي لأدبيات وثقافة السلام) أو موقع الحركة العالمية من أجل ثقافة السلام Global movement for a culture of Peace، إلى مبادرات وطنية مثل مبادرة سوزان مبارك من أجل السلام، ومبادرة نشر ثقافة السلام باستخدام الإنترنت، إلى العشرات من المؤسسات والهيئات المدنية الوطنية وعبر القومية التي تعمل في مجال ثقافة السلام والحوار، إلى مبادرات إقليمية وعبر إقليمية مثل: تلك التي تأتي في نطاق الشراكة الأورومتوسطية، إلى برامج سياسات الدبلوماسية العامة للقوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، أو سياسات منظمات دولية “أمنية” مثل حلف الأطلنطي بعد نهاية الحرب الباردة…، إلى المؤسسات والهيئات الدينية أو العلمانية على حد سواء من أجل ثقافة السلام أو من أجل قضايا محددة مثل البيئة والمرأة ومكافحة الفقر والتهميش، والشباب والطفولة.. الخ من حركات ومبادرات وسياسات رسمية أو مدنية تسعى جميعها إلى تدشين سبل سلوك وحياة متنوعة في مواجهة نظم العنف العالمية والوطنية.
إن هذه الخريطة المعقدة والمتفرعة لذيوع وانتشار المفهوم ومن ثم تعدد مستويات العمل لتفعيله تدفعنا لطرح السؤال التالي: هل هذه ظاهرة حديثة أم قديمة؟ وما الجديد فيها؟ ولماذا الكثافة والانتشار، حيث إن اليونسكو قد دشنت منذ نصف قرن هذا المفهوم؟ وأليس هذا الذيوع قرين ذيوع مناخ “حقوق الإنسان”؟
ج- ثقافة السلام محل اهتمام مجالات دراسية متنوعة:
ثقافة السلام عامل مشترك بين دراسات الأمن القومي، ودراسات الأمن الإقليمي ودراسات الأمن العالمي، وأخيرًا ما يسمى الأمن الإنساني كذلك المفهوم في صميم دراسات الحوار بأبعادها القيمية والفكرية إلى جانب الدراسات الاستراتيجية بأبعادها السياسية والعسكرية. كما أن المفهوم يظهر على صعيد الدراسات الإنسانية وكذلك الدراسات الاجتماعية المتصلة ببيئة الإنسان وأطره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وأخيرًا، فإن مفهوم السلام في صميم دراسات اللاهوت، كما هو في صميم الدراسات الإسلامية الفقهية والفكرية، فهل لمفهوم “ثقافة السلام” من موضع في هذه الدراسات ذات المرجعية الدينية؟.
على ضوء كل ما سبق من أبعاد تشخيص الحالة، على الأقل وفق اقترابي منها لأغراض إعداد هذه المداخلة، يمكن ملاحظة أن ثقافة السلام محل اهتمام عالمي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم منذ عام 2000 مع عقد الأمم المتحدة لثقافة السلام. إذن هي تتجه لكل الثقافات والشعوب ولم يكن مقصودًا بها شعب أو دين بعينه، كما حدث بعد ذلك، حيث يبدو – كما سبق القول- أن العرب والمسلمين هم المستهدفون الآن أكثر من غيرهم ببرامج ثقافة السلام، سواء في مناطق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين، أو مناطق الصراعات المتفجرة الآن وذات الجذور التاريخية الممتدة، أي في أفغانستان، أو العراق المحتلة، أو السودان، أو مصر أو الجزائر، أو البلقان..الخ، من ناحية، وتجاه مسلمي أوربا والولايات المتحدة من ناحية أخرى.
ولذا، ليس هناك إجماع سواء من التأييد أو الرفض تجاه برامج وخطط ثقافة السلام، حيث تبدو أنها مجرد وجه لعملة وجهها الآخر هو حروب وتدخلات خارجية سافرة بالقوة العسكرية والقوى الرخوة على حد سواء، وفي نفس الوقت فإن القائمين على هذه الحروب والتدخلات أو العاجزين عن مقاومتها، هم المبادرون بدعوة الشعوب “الضحية” بالتحول نحو ثقافة السلام.
ومن ثم تبدو هذه الدعوات غير ساعية نحو سلام عالمي حقيقي –كما يهدف العديد من المخلصين– ولكن تسعى إلى حرب أفكار وقلوب وعقول، وهي من قبيل أدوات التخدير للبعض (فلسطين) أو أدوات استثارة للبعض الآخر تمهيدًا لتدخلات أخرى مستغلة في ذلك أمراض اجتماعية أضحت شديدة الخطورة، مثل أمراض عدم التماسك الوطنى وفشل الدول الحديثة الاستقلال في إرساء أسس وقواعد المواطنة فيما بين شعوبها على اختلاف القومية أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق.
وهكذا يبدو لنا مثلًا أن الاهتمامات الراهنة بثقافة السلام في نطاق الحوار الإسلامي- المسيحي في مصر هو اهتمام بوسيلة وليس غاية، وعلى نحو تركز الاهتمام فيه على مجال الحوار بين الأديان بالأساس دون مستويات أخرى من التفاعلات التي هي في حاجة أيضًا إلى ثقافة سلام، وخاصة من جانب النظم وتجاه الشعوب وقوى المعارضة.

2- مفهوم ثقافة السلام مفهوم واحد أم مفاهيم عدة؟

ليس هناك مفهوم واحد لثقافة السلام. ومرد الاختلاف حول مفاهيم العنف والسلام هو الاختلاف بين المنظورات والمدارس والتيارات النظرية والفكرية.
ولشرح هذه المقولة العامة عاليًا يمكن طرح الأسئلة التالية:
هل يكفي لتحقيق السلام تغيير عقول وقلوب الأفراد ومجرد منع استخدام العنف؟
بعبارة أخرى: هل يكفي، لتصبحوا – قسسًا ودعاة ومع رعاياكم – أكثر سلامًا مع بعضكم البعض هل يكفي جلوسكم معًا هنا تتحاورون، في حين أن الناس جميعها، وليس فقط مسلمين ومسيحيين، لا يستمعون لبعضهم البعض وتتوالى أعمال العنف بدرجاتها فيما بينهم، ابتداء من عنف القول إلى العنف الهيكلي وصولًا إلى العنف الجسدي؟ كذلك هل يكفي جلوسكم معًا والناس جميعها لا تجد راعيًّا أو حاكمًا يحقق لها أدنى مطالبها، كما لا تجد في العالم قوة عظمى مسئولة بحق عن سلام واستقرار العالم؟
وتكمن الإجابة على هذه الأسئلة في تعدد تعريفات السلام وثقافة السلام. وفيما يلى نماذج من التعريفات تبين كم تختلف المداخل إلى المفهوم من ناحية وتكشف – من ناحية أخرى- عن خريطة ممتدة من الثنائيات الشائعة في حالة التعامل مع مفاهيم ثقافة السلام.
وبقدر ما لا يمكن الادعاء بعرض كل التعريفات، إلا إن تعدد مداخل هذه التعريفات – كما سبق التوضيح – يستكمله الاختلاف بين التيارات والمدارس الفكرية حول الطبيعة البشرية وكيفية إدارة نوازعها، وحول “طبيعة الإنسان”. فالرؤية عن الإنسان ليست واحدة لدى المدارس الفكرية والفلسفية ومن ثم السياسية المختلفة. فمفهوم الإنسان وفق النموذج المعرفي العلماني الوضعي المادي، ليس هو مفهوم الإنسان وفق النموذج المعرفي القيمي المعياري. ومن ثم، فإن منظور الواقعية ومنظور الماركسية ومنظور الليبرالية –مثلًا- يختلفون حول مفهوم الإنسان (لهذا السبب وغيره). ومن ثم، تختلف مفاهيمهم عن القوة والحرب والسلام..الخ. ناهيك عن الاختلافات بينهم – باعتبارهم ما يمكن وصفه بمنظورات علمانية – وبين منظورات تتخذ من الدين مرجعية لها مثل منظور إسلامى.
هذه ملاحظة مبدئية كان يلزم التمهيد بها قبل عرض نماذج التعريفات، حيث لا يسعنا المقام هنا التعليق عليها من حيث المنظور الذي يمثله كل تعريف، فبالرغم من أهمية هذا الجانب إلا أننا سنتخطاه ونتجاوزه هنا، لأغراض التركيز على ما يقع في صميم اهتمامنا المباشر في هذا اللقاء ألا وهو الجانب الإجرائي العملياتي في تعريفات ثقافة السلام، أكثر من التوقف عند شرح المضامين الفلسفية لكل منها، وإن كانت تلك الأخيرة تفصح عن نفسها بدون تعليق مباشر عليها.
فمن ناحية: تأتي تعريفات الأمم المتحدة؛ فالتعريف الأول هو تعريف ميثاق اليونسكو (1948) والذي استندت إليه وثائق الأمم المتحدة –بعد ذلك حول– ثقافة السلام، فلقد دعت المنظمة في دستورها إلى بناء دفاعات للسلام في عقول البشر لأن “السلام الذي يقوم على أساس الترتيبات السياسية والاقتصادية من جانب الحكومات دون غيرها لن يكون سلامًا من شأنه أن يحظى بالتأييد الاجتماعي الدائم والمخلص من شعوب العالم، وحتى لا يفشل السلام، لابد أن يؤسس على التضامن الفكري والمعنوى للبشرية”. بعبارة أخرى، هناك مستويان لثقافة السلام: إجراءات تتعلق بسياسات داخل الدول ونحو الشعوب خاصة وإجراءات وسياسات لتدعيم العلاقات التعاونية بين الدول والحكومات في كافة المجالات. وجميعها إجراءات وسياسات علاجية أو وقائية لحفظ السلام الداخلي، والسلام الدولي. ومن ثم يثور دائمًا السؤال حول العلاقة بين النمطين من السلام.
وفي الدورة الثانية والخمسون للجمعية العامة (1997) جاء طلب إدراج بند تكميلى في جدول أعمال الدورة تحت عنوان ” نحو ثقافة للسلام”، وذلك استكمالًا للمؤتمر الدولى للسلام في عقول البشر الذي عقدته اليونسكو في “كوت ديفوار” في 1989، حيث – كما أوضحت مذكرة طلب الإدراج – تزايد النظر إلى هدف تشجيع ثقافة السلام. وجاء في هذه المذكرة حول المفهوم ما يلى:
“ويتطلب بناء ثقافة للسلام عملًا تربويًّا وتثقيفيًّا واجتماعيًّا ومدنيًا شاملًا، يتاح خلاله لكل شخص أن يتعلم ويعطى ويشارك. وهو يخاطب جميع الأعمار وجميع الفئات؛ كما أنه استراتيجية عالمية متفتحة الذهن ويتوخى هدفًا محددًا، ألا وهو جعل ثقافة السلام لا تنفصم عن الثقافة بذاتها، مع ترسيخها في أفئدة وعقول الناس. وليس السلام هو غياب الخلافات أو النزاعات فحسب، وإنما هو عملية إيجابية ديناميكية وتشاركية مرتبطة بشكل لا ينفصل بتحقيق الديموقراطية والعدالة والتنمية للجميع، وبما يكفل احترام الاختلافات وتشجيع الحوار وتحويل النزاعات بصفة مستمرة بفضل وسائل اللاعنف إلى سبل جديدة للتعامل.
وبينما يظل إلغاء الحرب، وقد أصبحت آفة أكثر من أي وقتٍ مضى، محور أولويات البشرية، حيث تتطلب هذه المهمة لا مجرد التحول في هياكل الحرب ومظاهرها المؤسسية، وإنما أيضًا تحولًا لجذورها الثقافية العميقة وتحويل ثقافة الحرب والعنف إلى ثقافة للسلام.
واستنادًا إلى هذا المعنى الأوسع والأكثر إيجابية للسلام، تصبح ثقافة السلام مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد والعادات وأنماط السلوك وأساليب الحياة بحيث تجسد في مجموعها تعبيرًا عن، وطموحًا إلى: احترام الحياة، واحترام البشر وحقوق البشر، مع رفض العنف بكل أشكاله، والاعتراف بالحقوق المتساوية للرجل والمرأة، والاعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير، والإعراب عن الرأي والحصول على المعلومات، والتمسك بمبادئ الديمقراطية، والحرية، والعدالة، والتنمية للجميع، والتسامح، والتضامن، والتعددية، وقبول الاختلافات والتفاهم بين الأمم، وبين الفئات العرقية والدينية والثقافية وغيرها من الفئات وبين الأفراد.
وعلى هذا، تكون العناصر المفردة لثقافة السلام هي عدم العنف واحترام حقوق الإنسان والاحترام والتضامن فيما بين جميع الشعوب والحوار بين الثقافات، وربط السلام بالمشاركة الديمقراطية والتنمية البشرية المستدامة، والتدفق الحر للمعلومات والمعارف وتقاسمها، والمساهمة في منع الصراعات وإتباعها ببناء السلام، وتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وهي عناصر تدعم جميعها على أفضل وجه من خلال المشاريع التي يقوم بها البشر بدور إيجابي في تحقيق قيمهم ومواقفهم وسلوكهم “.
وفي تقرير تقويمي عن العقد الدولي لثقافة السلام وعدم العنف لأطفال العالم (2000-2010)، تمت الإحالة إلى أن قرار الجمعية العامة الصادر 1997 (A/52/13) اعتبر ثقافة السلام هي “القيم والاتجاهات والسلوكيات التي ترفض العنف وتدأب لمنع الصراعات وذلك بالتصدي لجذور أسبابها من أجل حل المشاكل من خلال الحوار والمفاوضات”.
وأشار ذلك التقرير التقويمي إلى أنه بالرغم من أهمية إيجاد مجتمعات سلمية من خلال جهود الحكومات والمجتمع الدولي إلا أن تقويم العوامل المؤثرة على تطوير ثقافة السلام، في حاجة إلى إطار عام يساعد على الربط بين الظروف الخاصة بكل وطن وخصوصية ثقافتها (its unique culture)، وبين مفهوم الأمم المتحدة عن ثقافة السلام. ومن ثم فيقترح التقرير أن أبعاد ومكونات ثقافة السلام تستند إلى مجموعة من المؤشرات اللازم على ضوئها القول بأن هناك ثقافة سلام أم لا في مجتمع من المجتمعات. وأهم هذه المؤشرات التي ذكرها التقرير ما يلي (والتي طورها من واقع دراسة: البرازيل، أسبانيا، الولايات المتحدة): التطور الديموقراطي، المساواة، وسائل اللاعنف، وNurturance نفقات التعليم، التسامح تجاه الآخر، وزن المرأة في الهيئات التشريعية.
ومن ناحية ثانية: قدمت جمعيات مدنية – فكرية ومهنية – رؤيتها لثقافة السلام باعتبارها رفضًا تامًا وكاملًا لكل أشكال العنف ابتداء من مستوى الفرد إلى مستوى الدول. وهي بهذا تقدم رؤية مثالية ليبرالية لا تقبل أي تبرير لأي نمط من العنف مفضلة عليه بالأساس الحوار والتفاوض كأساليب لحل المشاكل. ومنها على سبيل المثال: ما أصدرته “مؤسسة سلام العصر النووي” عن مسئولية الإنسان في بناء ثقافة السلام. وعلى اعتبار أن السلام يبدأ من الفرد، وأن على الأفراد أن يدركوا مكامن قوتهم ومن ثم مسئوليتهم عن إنهاء مسلسل الحرب وتحقيق التراكم لثقافة السلام، على أساس أن السلام هو أكثر من مجرد عدم وقوع الحرب. وتؤكد هذه الرؤية على مسئولية الأفراد عن الوعي بما يجرى في مجتمعاتهم ودولهم والعالم، ومن ثم عليهم الحفاظ على ضمير كوني يحاسبنا على قراراتنا وآثارها على عائلاتنا ومجتمعاتنا والعالم.
ومن الأمثلة الأخرى الموضحة لهذا المفهوم ما قدمه موقع culture – of – peace.info تحت عنوان نحو ثقافة سلام كونية. والذي ينطلق من رفض كون الإنسان بطبيعته صراعي وعنيف أو أن الحرب تكمن في جينات الطبيعة البشرية، مؤكدًا أنها أمر ثقافي تكون عبر التاريخ من خلال خلق أعداء، وبناء أسلحة ومجتمعات هيراركية تسلطية تؤمن أن القوة تتحقق من خلال العنف والسيطرة على تيار المعلومات من خلال السرية أو الدعاية. ومن ثم يرى أن كسر حلقة العنف يقتضى ثقافة سلام تقوم على: تفاهم وتسامح وتعاون (بدلًا من صورة العدو)، نزع السلاح على الصعيد العالمي، مشاركة ديمقراطية، حرية المعلومات والتشارك فيها، الحوار والتفاوض وحكم القانون، مساواة المرأة، التعليم من أجل السلام، اقتصاديات عادلة وتنمية مستدامة. ويوافق هذا التقرير على وصف مضمونه بالمثالية، إلا أنه يؤكد أن كل تغيير اجتماعي حقيقي إنما يبدأ بمن يحلمون ويناضلون من أجل تحقيق أحلامهم على كافة المستويات.
ومن ناحية ثالثة: يرى اتجاه ثالث – أكثر واقعية – أن الطبيعة البشرية تجمع بين العنف والسلام وأن حالة كل منهما أو غلبه أحدهما على الآخر ليس نتاجًا فرديًّا فقط، ولكن نتاج الهياكل والمؤسسات المحيطة بالإنسان. ففي دراسة مهمة تحت عنوان: “ثقافة السلام: مشكلة إدارة الاختلافات البشرية”، والتي أعدتها أستاذة الاجتماع والعلاقات الدولية Elise Boulding تبدأ الدراسة بمقولة: إن ثقافة السلام ليست بدعة أو حدث طارئ ولكنها محورية في الطبيعة البشرية مثل ثقافة الحرب. وتقوم هذه الرؤية على أنه لا يوجد ثقافة سلام بحتة بدون صراع، لأن الصراع هو جزء أساسي في كل نظام مجتمعي، وتاريخ البشرية هو تاريخ تجسير الفجوة بين الاختلافات في المدركات المتبادلة بيننا، والمشكلة الأساسية هي التفكير في كيف يمكن أن يتم ذلك سلميًّا، ومن ثم فلا يوجد مجتمع ذو ثقافة عدوانية تمامًا أو العكس؛ فكل مجتمع يطور نمطه من الموازنة. بين الحاجة للاستقلالية وبين الحاجة للروابط. كما ترى أيضًا Boulding أن تيار اللاعنف يمثل أقلية في حركات وثقافة السلام المقدسة، أي ذات المرجعية الدينية، وأن ثقافة الحرب المقدسة إذا كانت قد شجعت ممارسة القوى على مستويات عدة ابتداء من العائلة إلى العلاقات الدولية – إلا أن ثقافة السلام المقدسة أيضًا تستطيع أن تقيد استخدام العنف. ومن هذا الطرح الذي تقدمه Bouldin أستطيع أن أقرأ أن السلام ليس مثالية وانعزالية كما أنه لا يعنى الرفض أو الاستبعاد النهائى للعنف أو الحرب، وأن الأديان تستطيع ضبط هذه الثنائية. ولذا فإن دراسة Boulding ترسم خريطة لحركات سلام علمانية ودينية على حد سواء، على مستوى العمل الداخلي أو العمل العالمي من أجل تنمية الوعي بالإنسانية والأساليب السلمية لكل النزاعات.
كذلك يرى البعض الآخر أن العنف يجد مبرراته في الظروف المحيطة وخاصة الإعلام، فالعنف ليس سمة اجتماعية أو سلوك خاص بفرد أو مجموعة يمكن تغييره بالتركيز عليه بمفرده دون تغيير الأطر المحيطة بالإنسان والمولدة للعنف لديه ومن حوله وخاصة صناعة إعلام “الترفيه”.
ومن ناحية رابعة: فإن التوقف عند رؤية إسلامية للسلام، ومن ثم ثقافة السلام، أمر صعب؛ نظرًا لامتداد خريطة الاتجاهات وتعددها على نحو قد يستحضر إلى الذهن التجزأ والتشتت، في حين أن هذا التعدد إنما يعكس في الواقع الاختلاف الفقهي وتنوعه، وهو رحمة ورشادة. وتطرح هذه الخريطة إشكالية ذائعة يترجمها السؤال التالي: هل الأصل في الإسلام – من حيث العلاقة مع غير المسلم – الحرب أم السلم؟ وهو سؤال يجب إعادة صياغته واستحضار الإجابة عليه على نحو غير تقليدى ارتكازًا إلى ثلاثة أمور: الأول هو أن قواعد العلاقة مع غير المسلم عبر حدود الأمة، ليست هي نفس قواعد العلاقة مع غير المسلم داخل حدودها الحضارية والسياسية، فلكل من النمطين قواعد إدارته سواء في ظل السلم أو الحرب، وإذا كان العنف والحرب ممكنة وأحيانًا مفروضة في النمط الأول (ليس بسبب اختلاف الدين أساسًا ولكن لأسباب أخرى)، فهي مرفوضة تمامًا في النمط الثاني بقدر رفض العنف سبيلًا لإدارة العلاقة بين المسلمين بمستوياتها المختلفة. هذا وتجدر الإشارة، بل والتأكيد على، أن كلا النمطين من العلاقات بين المسلمين وغيرهم –سواء على الصعيد الداخلي للأمة أو خارجها– إنما يحكمها مبادئ وأسس الرؤية الكونية الإسلامية، والتي محورها الإنسان وهذه الرؤية تؤصل للتعدد والتنوع والتعارف والحوار، كما تؤصل للدعوة والجهاد والقوة.
الأمر الثاني: أن اختزال رؤية الإسلام للعنف في مسألة الحرب أو السلام بصورة تقليدية هو افتئات على طبيعة الإسلام كنظام حياة متكامل يقوم على رؤية كلية للإنسان والعالم فهي رؤية تستدعي أمورًا أخرى غير الحرب والسلام (باعتبارهما مجرد حالات أو أدوات) مثل الرؤية للإنسان والعمران والتعدد والتنوع والاختلاف والتعارف والتواصل. كما تستدعي مبادئ وقواعد أو سنن تتصل بالإنسان وعلاقته بالكون وبالآخر وهي تنبع من صميم الرؤية لعلاقة الإنسان بالله.
إن هذا الوجه الآخر للعملة، أي الوجه الحضاري الكلي، يجب استحضاره كجانب تأسيسي لا غنى عنه عند النظر في الرؤية الإسلامية عن “السلام”؛ فهي ليست مجرد إدارة وضبط العنف – وليس منعه- ولكنها أكثر شمولًا وكلية، ومن ثم فهي رؤية حضارية لا تَجتزئ جوانب من “الصورة ” دون أخرى.
الأمر الثالث: إن العنف ذاته أو الحرب، إذا اقتضتها الأوضاع وفرضتها –وكسبيل أحيانًا نحو السلام– هناك قواعد وأسس ومبادئ لإدارتها تبعد بها عن الممارسات الصراعية اللاإنسانية. ولعل بعض المستشرقين المنصفين – وليس مجرد المسلمين ذاتهم قد فطنوا إلى هذا الجانب من الإسلام، أي “إنسانية الإسلام”، وأشير في ذلك إلى: كتاب “ميشيل بوازارد” “إنسانية الإسلام”، وكتاب “توماس أرنولد” “الدعوة في الإسلام”.
وعلى ضوء هذه الأمور الثلاثة، وعلى ضوء الواقع الراهن لحالة استحضار الإسلام والمسلمين في دائرة الاتهام بالمسئولية عن تهديد السلام والاستقرار العالمي، وهو الاستدعاء الذي تزخر به خطابات سياسات القوى الكبرى، وعلى ضوء الاعتراف بواقع ممارسات فئات من المسلمين تنتهج عنفًا هيكليًّا أو ماديًّا ضد المسلمين وضد غير المسلمين على حد سواء، على ضوء هذا كله لا عجب أن تتجدد الجدالات حول خطابات السلام والعنف في الإسلام ومدى حيازة المسلمين لثقافة السلام، ومدى الحاجة –لدى البعض– لإخراج الإسلام من المجال العام- ليصبح أكثر سلمًا واستقرارًا على المستويين الوطني والعالمي بحسب زعمهم. وبالرغم من تعدد خطابات هذا الجدال وروافده الراهنة، إلا أنه يهمنى أن أشير إلى أحدث هذه الخطابات، وهي من أستاذ قدير وهو د. محمد السيد سعيد، وقد دشن دعوة إلى “مشروع سلام إسلامي”، يحمل في طياته دعوات مهمة للتجديد على الطرفين سواء المسلمين أو غير المسلمين وهم يفكرون في الإسلام. وهي دعوة جديرة بالنظر والنقاش لأنها – على الأقل تأتى من مفكر وناشط مدنى طالما عرّف نفسه بأنه ليبرالي وعرّفه آخرون بأنه علماني، علمًا بأنه لا صنف واحد للعلمانية، كما قد يتبادر إلى الأذهان، فإن هذا التنميط للعلمانية كان وراء كثير من مناطق سوء الفهم أو ربما الاتهامات المتبادلة، بين روافد علمانية وأخرى إسلامية. ولعل محاولات أستاذنا عبد الوهاب المسيري (رحمه الله) في إصداراته الأخيرة قبل وفاته، وخاصة العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، قد حاول تجسير الفجوة والبحث عن قواسم مشتركة عن العلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة وتجلياتها حول قضايا عدة من، بينها قضايا العنف والسلام. وأخيرًا، فإن الحاجة ماسة إلى إبراز الجانب الإنساني الحضاري في الخطاب الإسلامي، سواء عن العنف أو السلام، وهذا الجانب قائم في خطابات عديدة، إلا أنها لا تحظى بقدر الاهتمام الذي تحظ به خطابات التشدد والتطرف، ليس من جانب فئه من المسلمين فقط ولكن أيضًا من فئة من غير المسلمين. ناهيك بالطبع عن الحاجة لإلقاء الضوء وتركيزه على تفاصيل العنف والتطرف في خطابات دينية ومدنية تصدر عن أهل مصر من المسيحيين أيضًا، بل وعن دوائر خارجية أجنبية أيضًا تعمم خطاباتها على مسلمي العالم.

3- خرائط الإدراك الذائعة: تعدد المداخل والثنائيات

ومن واقع هذه التعريفات نلحظ المداخل التالية لهذه التعريفات:
من مدخل السلام السياسي والعسكري (الإطار المحيط بالإنسان) إلى المدخل الثقافي (الإنسان)، من مدخل اللاحرب واللاعنف إلى مداخل احتمالات العنف وشروطه، من المدخل الرسمي إلى المدخل المدني إلى المدخل الشعبي، من المدخل الوطني إلى القومي إلى الدولي، من المدخل الجزئي (الفرد) إلى الوسطي (المجتمع) إلى الكلي (الدولة)، وأخيرًا نلحظ حاضرًا –غائبًا وهو مدخل السلام الحضاري أي مدخل كلي وشامل يجمع بين الثقافي وغيره من الأبعاد في رؤية متكاملة.
ومن واقع هذه التعريفات –وغيرها من الأدبيات العميقة– حول مفهوم السلام أو ثقافة السلام وارتباطاتهما بمفاهيم أخرى مثل العدالة، التي يعتبرها البعض شرطًا مسبقًا لتحقيق السلام بفعالية، من واقع هذا كله يمكن أيضًا أن نرسم خريطة مجموعة من الثنائيات الذائعة التي تثير الالتباس حول المفهوم. ومن ثم، فإن مناقشتها تقود إلى محاولة لإعادة بناء المفهوم وفق رؤية حضارية، ولا أقول رؤية سياسية أو ثقافية، ولا أقول رؤية دينية مسيحية أو إسلامية أو رؤية علمانية، ولكن أقول رؤية حضارية عن “السلام الحضاري”.
ما هي إذن هذه الثنائيات؟ وكيف أناقشها وفق رؤيتي؟
1- أن السلام والحرب (العنف) ليسا نقيضين أو بديلين ولكن السلام والحرب حالتان يعرفهما بدرجاتهما المختلفة الإنسان والكيانات الاجتماعية.
2- السلام ليس مثالية فردية أو حالة انعزالية عن المشاكل السياسية والمجتمعية القائمة ولا يتحقق لدى الإنسان بمفرده، ولكن السلام حالة واقعية ومبادرة وحركة وتفاعل تقتضى إدارة نوازع الفرد بين المثالية والواقعية ولا يكفي أن تبدأ من الإنسان فقط وتتوقف دون ذلك.
3- السلام ليس وسيلة للاستقرار (بمعنى الجمود) وعدم التغيير الجذري، ولكن السلام غاية لا تتحقق إلا بتوافر شروطها وخاصة العدالة والحرية، فالسلام نتيجة وليس شرطًا مسبقًا.
4- العنف ليس نقيض السلام في كل الحالات ولكن بعض أنواع العنف تكون سبيل للسلام العادل، كما في حالة المقاومة لكل أنواع الظلم.
5- السلام لا يتحقق باستبعاد الدين باعتباره مصدرًا للصراعات والنزاعات، ولكن المشترك بين الأديان يمثل منظومة قيمية قادرة على تحقيق السلام وذلك إذا أحسن كل طرف فهم دينه.
6- السلام لا يتحقق فقط من خلال حوار الأديان بين الملتزمين والمتدينين تهدئةً للتوترات الدينية بينهم، ولكن يتحقق السلام من خلال تحفيز دور الدين وقيمه في حل مشاكل الإنسان والمجتمع والوطن والعالم وعلى نحو يتطلب ما هو أوسع من مجرد الحوار بين أبناء ديانتين بانفصال عن مجتمعهم وسياسة دولهم.
7- السلام يبدأ من عقل الفرد وقلبه، ولذا فهو مسئولية الإنسان ابتداءً. ولكن السلام وإن كان ينطلق من الإنسان، إلا أنه لا يتحقق ويكتمل إلا بجهد من أعلى أيضًا، فهو ليس مجرد منتج إنساني فردي ولكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة.
8- السلام ليس أداة من أجل الرخاء والرفاهية (الجزرة) بغض النظر عن أمور أخرى قيمية (مثل: الحرية، والكرامة، والهوية، والعزة) وذلك لأن السلام هو نتيجة للعدالة وحق تقرير المصير والحفاظ على الهويات والخصوصيات المنفتحة والمتعارفة على بعضها البعض.
9- السلام لا يتحقق بضمان حقوق الثقافات الفرعية ولو على حساب تماسك الأوطان واختراقها من الخارج، ولكن يتحقق باحترام هذه الحقوق وباحترام الثقافة السائدة أيضًا.
10- العنف قد يكون مقبولًا وله مبرراته، وبذا فالسلام له شروطه وليس مجرد حالة دائمة.
11- العنف أو السلام ليسا خصائص هيكلية أو كامنة في ثقافات أو شعوب دون أخرى، ولذا فإن ثقافة العنف، مثل ثقافة السلام، تنتشر بأشكال ودرجات مختلفة لدى كافة الشعوب.
وبناء على مناقشة هذه الثنائيات، فإن مفهوم ثقافة السلام يتحدد كالآتي:
1- ثقافة السلام لا تعني تغيير العقول والقلوب فقط، ولكن لابد وأن يساند هذا التغيير تغيير آخر في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
2- ثقافة السلام ليست جزئية أو نخبوية أو يتحدث الكبار عن حاجة الصغار لها وفقًا لرؤية هؤلاء الكبار عالميًّا.
3- ثقافة السلام ليست ثقافة الحقوق فقط، ولكن هي أيضًا ثقافة الواجبات.
4- ثقافة السلام في الداخل، ليست فئوية؛ أي ليست لخدمة فئة تشعر بالاضطهاد والتعرض للعنف فقط، ولكن هي ثقافة السلام” الإنساني” والسلام الحضاري سواء للفرد أو الوطن كله أو العالم كله، تقوم على الاعتراف بالتعدد والتنوع والتواصل والتعارف والحوار.
5- ثقافة السلام ليست مجرد أفكار في العقول ولكن هي ممارسات وسلوك ووقائع وأحداث.
6- ثقافة السلام لا يجب أن تتضمن عنفًا هيكليًّا ضد الدين بصفة عامة وخاصة ضد دين الأغلبية باعتباره مصدر عنف أو تمييز ضد “الأقليات”.
إذن، ثقافة السلام مفهوم لا يتحدد وفق مفهوم تيار واحد (فكري أو سياسي)، كما لا يتحدد وفق مرجعية واحدة، مثل مرجعية الأمم المتحدة، ولكن يمكن تأصيل المفهوم وتطبيقه وفق مرجعيات أخرى وآخذًا في الاعتبار مقتضيات ومتطلبات التغيير الوطنى وأطره الحضارية السائدة وعلى نحو يساعد على تجاوز التدخلات الخارجية باسم ثقافة السلام، بل ويساعد من ناحية أخرى على الإعداد لمقاومة هذه التدخلات الخارجية تحت ذريعة العنف وعدم احترام حقوق الثقافات الفرعية.
4- موضع ثقافة السلام من حالة الحوار الإسلامي – المسيحي في مصر:
على ضوء كل ما سبق، وبالنظر إلى طبيعة اللقاء والمشاركين فيه والجهة الداعية إليه، لابد من طرح مجموعتين من الأسئلة، ونحن نتعامل مع حالة محددة من حالات التأزم أو التوتر أو الاحتقان…، أيًّا كانت التسمية الآن، والتي من شأنها تهديد السلام أو بمعنى آخر، تقتضى العمل على صعيد إعادة بناء ثقافة السلام من خلال أساليب عدة من بينها الحوار (إلى جانب التربية والتعليم والإعلام…)
وإذا أخذنا حالة العلاقات بين أهل ومواطني مصر من مسلمين ومن مسيحيين، فإن مجموعتي الأسئلة تتلخص في الآتي:
أ- ما حجم ووزن ما يتصل بأعمال العنف المتبادلة بين الجانبين، وذلك مقارنة بأنماط أخرى من العنف يتعرض لها أيضًا كلٌ من الجانبين أو يشاركا فيها معًا ليس بصفتهم الدينية ولكن بصفات أخرى؟ فإن الأرقام والمعلومات والاستطلاعات الموثقة لازمة وضرورية لتقرير مدى تحول العنف بين المسلمين والمسيحيين (ماديًّا– جسديًّا أو هيكليًّا) إلى ظاهرة مرضية في مجتمع محدد (قرية، حي، مدينة، محافظة، وطن بأكمله).
ب- ما هي أسباب أعمال العنف (الأصلية منها والفرعية) وكيف تمت إدارتها، وهل العنف نتاج أزمة ثقافية هيكلية تآكلت معها منظومة “قيم ثقافة السلام” لدى هذا الشعب؟ أم أن هذا العنف كشف عن غياب هذه الثقافة أصلًا؟ أم أن الوضع برمته نتاج أزمة داخلية سياسية واقتصادية ومجتمعية شاملة تولد اشكالًا متنوعة من العنف بين المصريين على كافة المستويات؟ وكيف تمارس التدخلات الخارجية تأثيراتها في ظل ارتفاع زخم ومناخ كل من الخطابات العالمية عن حقوق الإنسان من ناحية والسياسات التدخلية الخارجية لحماية هذه الحقوق من ناحية ثانية، وأخيرًا: ارتفاع فورة أو ثورة الهويات والخصوصيات على نحو هدد ويهدد من تماسك عديد من الدول القديمة والحديثة على حد سواء ولدرجة دفعت البعض إلى رفض بل والدعوة إلى مقاومة خطابات الهويات والخصوصيات لحساب خطابات المواطنة، كما لو أنهما متضادان لا يمكن الجمع بينهما؟
إن أسئلتي السابقة لا تُهوِّن من قدر ومن أهمية الجهود الحوارية المبذولة بين المسلمين والمسيحيين في مصر سواء كانت على مستوى الحوار بين أئمة وقسس أو على مستوى الحوارات “المدنية”. ومن ثم، فإن أسئلتي لا تهوِّن من قدر جهودكم –كرجال دين- بل ربما تكونون أنتم – أحرص من غيركم- على أن تتم ثقافة السلام، وما يرتبط بها من ثقافات (مثل: التربية المدنية) –بشكلٍ غير منقطع الصلة عن الدين؛ حيث إن بعض الرؤى العلمانية ترى أنه لابد من إبعاد الدين عن فحوى ثقافة السلام والتربية المدنية نفسها بحجة أنها يجب أن تكون موضوعية ومحايدة.
بعبارة أخرى، وإن كانت أسئلتي السابقة لا تقلل أو تنفي وجود مشاكل قائمة بين المسلمين والمسيحيين، كما أنها بالطبع لا تعني رفضًا للحوار، حيث إنني أعمل في تقويم هذا المجال لما يقرب الآن من العقد من الزمان، وقد كشفت لنا الدراسات والتحليلات، عن حالات مقارنة من الحوارات، خصائص وسمات مهمة عن أزمات الحوار وعن كيفية تفعيله، ومن أخطرها “التسييس” لهذه الحوارات.
وبناء عليه، فإننى أدعو من أجل بناء مفهوم ثقافة السلام لتحقيق “السلام الحضاري” في مصر؛ أي سلام مصر النابع من خبرتها الحضارية الممتدة، ومن ثم من طبيعة هوية شعبها من مسلمين ومسيحيين، بعيدًا عن انغلاقات الهوامش على الجانبين، أي المتطرفين المتعصبين من الجانبين، فهم بالرغم من محدوديتهم العددية –على ما أعتقد- إلا أنهم ذوى خطاب ذائع سواء خطاب أهل الذمة أو خطاب تحرير الأمة القبطية من الاستعمار العربي الإسلامي. إن حوارنا هنا لابد أن يواجه هذه الخطابات والممارسات بخطاب إنساني مصري معاصر، ولكن خطاب متدين – كعهد مصر مع الدين- خطاب يحترم “دين” الأكثر عددًا، ويحترم ويحمى “دين” الأقل عددًا، كما يحمي حقوق المواطنة للجميع، ويحمي نظامهم العام.
فلحقوق المواطنة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مرجعيتها، ولحقوق الشعوب في المواطنة الثقافية مرجعيتها أيضًا، ولا يجب التضحية بأحدهما لحساب الأخرى، فهما ليسا بديلين ولكن متكاملين.
وبناء عليه، فإن ثقافة السلام (في نظري) يمكن أن تنبني ليس فقط لمنع العنف أو الحرب – بالمعنى الضيق- ولكن تنبني على العمل معًا (الواجبات) من أجل سلسلة من القضايا: معًا من أجل القدس، معًا من أجل حماية البيئة، معًا من أجل مكافحة الفقر والتهميش، معًا ضد الاستبداد السياسي الداخلي والعالمي، معًا ضد الإرهاب ومع المقاومة المسلحة المشروعة من أجل الكرامة (الاستقلال والتحرير)، معًا من أجل تجديد وإحياء منظومات القيم الحضارية وخاصة قيمة احترام الانسان وحماية الأسرة، معًا من أجل مقاومة العنف الهيكلي ضد الدين وقيمه وأخلاقه، معًا من اجل مقاومة العنف ضد من يتخذون الدين –وخاصة الإسلام- مرجعية لهم في الحياة والفكر والسياسة، معًا ضد الاستقواء بالخارج باسم حماية المهمشين والضعفاء (المرأة والأقليات)، معًا من أجل حماية وحفظ الثقافات الفرعية واحترام “الثقافة السائدة” ونظامها العام، معًا من أجل فهم مراجعات الحداثة والعلمانية والوضعية الجارية في العالم سعيًّا نحو إنسان حضاري وليس من أجل إنسان وضعي مادي بلا صبغة ولا لون أو رائحة إلا المصلحة والمنفعة والمكسب، معًا من أجل بناء سلام “ثقافته” بقدر أهميتها بقدر ما أنها لا تمثل إلا جانبًا واحدًا من صورة معقدة ومركبة ذات جوانب أخرى، تحيط بالثقافة وتخنقها وتلوثها، ومهما عظم الإيمان بقدرة “العامل الثقافي” على إحداث كسر في الحلقة المفرغة، إلا أن الأمر يرتهن بمضمون ومحتوى هذا الثقافي الذي نريد إعادة بنائه وتجديده.
ولكن وفق أي نمط؟ فإن نمط برامج “الخارج” ليست دينًا جديدًا علينا واجب اعتناقه، ولكن نحن بحاجة إلى أن نكون معًا من أجل “ثقافة سلام حضارية” تنبع من خصائصنا الحضارية واحتياجاتنا الحضارية، وعلى رأسها احترام الخصوصيات والهويات وفي قلبها الدين واسترجاع دوره ومكانته وعلى نحو يحقق الفهم الصحيح، فلا يصبح الدين مصدر العنف –كما يروج البعض– فيصير من الواجب إبعاده… ولكن ليصبح هو مصدر “ثقافة السلام “، ثقافة من أجل استعادة سلام الوطن كله وليس سلامًا فئويًّا أو طائفيًّا.
ولا أجد لأختم حديثي، وتوضيح رسالتي الكامنة والظاهرة في هذا الحديث، أفضل من أن استدعي من جديد الانتقادات الموجهة لبرامج ثقافة السلام والتربية المدنية التي تروج لها بعض منظمات العمل المدنية وغير الحكومية أو الأهلية المسموح لها العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدعم من هيئات دولية رسمية أو مدنية. فإن ثقافة السلام في هذه البرامج هي ثقافة تغيير القيم لدى الإنسان الفلسطيني بعيدًا عن قيم حماية الأرض والحقوق والكرامة، وليُقَّدم عليها قيم ما يسمى التنمية والاستقرار (بحجة أنها السبيل لبناء القوة اللازمة لاستعادة الأرض)، فلا تتحقق التنمية –بالمعنى الحقيقي– ولا يتحقق السلام- وإن كان ضروريًّا ولا يمكن إنكار أهميته، إلا أن اقتطاعه من سياقه (الاحتلال الاستيطاني المسنود بالقوة العظمي الأمريكية) يجعله إسلامًا سلبيًّا؛ حيث إنه يسقط “الإنسان” من منظور أكثر تركيبًا، أي المنظور الذي يستدعي أيضًا الهوية وأسلوب الحياة والكرامة، فهذه أمور ضرورية ومهمة بقدر ضرورة الحسابات المادية أيضًا، إلا أن تلك الأخيرة ليست كافية بمفردها، وخاصة في مثل الحالة الفلسطينية. إن هذه الجهود المبذولة على الساحة الفلسطينية – باسم ثقافة السلام والتسامح والحوار – هي أداة لنزع الصفة السياسية للصراع وحصره في “الصفة الإنسانية” وما أسوأ هذا المعنى “للإنساني” إنساني الذي يدشن لإنسان بلا حق أو هوية أو كرامة أو تاريخ…
*****

قائمة المراجع:

1) د. أحمد الرشيدي: حقوق الإنسان، (في) سلسلة مفاهيم، العدد 24، القاهرة: المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، ديسمبر 2005.
2) د. أحمد فخر: السلام… بناء السلام وإنهاء النزاعات (في) سلسلة مفاهيم، العدد الأول، القاهرة: المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، يناير 2005.
3) د. أحمد زايد: العنف، المفهوم والأنماط والعوامل (في) سلسلة مفاهيم، العدد 2، القاهرة: المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، فبراير 2005.
4) د. رضوان السيد: الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، بيروت: دار الكتاب العربي، 2004.
5) سعاد الحكيم: ثقافة التغيير وتغيير الثقافة، الإسلام وثقافة السلام، مجلة التسامح، العدد 11، طالع المقال على موقع مجلة التسامح:
http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=235
6) غادة على موسى: مفهوم المقاومة (في) سلسلة مفاهيم، العدد 34، أكتوبر 2007.
7) د. قدري حفني (وآخرون): أعمال حلقة نقاش: ثقافة العنف وأشكاله الجديدة في المجتمع المصري، المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، القاهرة.
– د. محمد السيد سعيد: نحو مشروع سلام إسلامي، رواق عربي، العدد 43، العدد 44، 2007. مركز القاهرة لحقوق الإنسان.
8) د. محمد عابد الجابري: ثقافة السلام بديلًا لسرطان الحرب،25/7/2006، على الرابط:
www.aljabriabed.net/textes.htm

9) د. نادية محمود مصطفى، تأصيل العلاقة مع الآخر: دراسة في موضع الآخر من مشروع النهوض إلى إشكاليات التأصيل وأبعاده: نحو تأصيل من منظور الفقه الحضاري، بحث مقدم إلى مؤتمر نحو مشروع نهضوي إسلامي عمان 16- 17 نوفمبر 2008 المنتدى العالمي للوسطية.
10) د. نادية محمود مصطفى: جدالات حوار/ صراع الحضارات: إشكالية العلاقة بين السياسي- الثقافي في خطابات عربية وإسلامية، مجلة السياسة الدولية، أبريل 2007.
11) Brian E. Fogarty: Peace and Justice, Toward a Culture- neutral view. Peace & Change, Vol. 17, No3, July 1992.
12) Josef Seifert: Philosophical Reflection on Justice, Humanitarianism, and other Requirements for a Global Culture of Peace, Journal of Chinese Philosophy.
13) Dr. Nadia M. Mustafa: The missing Logic in the discourse of peace and Violence in Islam, (in): Abdul Aziz Said, Mohammed Abu- Nemer, Meena Sharify- Funk (eds.), Contemporary Islam- Dynamic, not static, Rout ledge, London and New York, 2006.

**بعض المواقع الإلكترونية (لا يمكن حصرها هنا)، انظر على سبيل المثال:

14) Joseph De Rivera: assessing the culture of peace, Journal of Peace Research, Vol. 41, No. 5, 531-548 (2004)
DOI: 10.1177/0022343304045974, at:
http://jpr.sagepub.com/cgi/reprint/41/5/531
15) Elise Boulding: Peace Culture: The Problem of managing
Human Difference, at:
www.crosscurrents.org/bouding.htm
16) Jorg Becker: Media, Terrorism, and a culture of peace, at:
http://www.waccglobal.org/lang-en/publications/media-development/46-2007-3/466-Media-terrorism-and-a-culture-of-peace.html
1)Carah Ong, Individual Responsibility in Building a culture of peace, at:
www.NuclearAge peace foundation, September2001
– على موقع اليونسكو:
http://www3.unesco.org/iycp
وجدير بالذكر أن منظمة اليونيسكو قد دشنت عام 2000 ما يسمى بـ ” الحركة الدولية لثقافة السلام واللاعنف” وأصدرت بيانًا رسميًّا بذلك، للاطلاع على البيان طالع: http://www3.unesco.org/manifesto2000
– على موقع الأمم المتحدة:
http://www.un.org/arabic/ga/62/plenary/peaceculture/bkg.shtml
– Global Movement for a culture of peace (David Adams)
-موقع شبكة أخبار ثقافة السلام: The Culture of Peace News Network
http://cpnn-world.org
– International Forum For the Literature & Culture of Peace www.iflac.com
– The Strange war- stories for a culture of peace
http://www.scout.org/ar/information_events/news/2006/euro_arab_meeting_united_towards_a_culture_of_peace
– http://www.culture-of-peace.info/cultureofpeace.html
– http://decade-culture-of-peace.org/

للتحميل اضغط هنا 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى