د. نادية مصطفى

إشكاليات البحث والتدريس في علم العلاقات الدولية من منظور حضاري مقارن

مقدمة:

من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام إلى بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية:

بعد عشرة أعوام من العمل البحثي الجماعي في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام في الفترة (1986- 1996) الذي صدر منه اثنا عشر جزءًا[1] انقضت عشرة أعوام أخرى شهدت مناقشة نتائج هذا المشروع، واختباره في دوائر ومستويات عدة، كان من أبرزها المؤتمر الذي عُقد عام 1997، وخبرة تدريس نظرية العلاقات الدولية من منظورات مقارنة في مرحلة الدراسات العليا لأعوام دراسية سبعة في الفترة 1997- 2006[2].
ولقد توالت بين هاتين الخبرتين خبرات أخرى انبنت على نتائج مشروع العلاقات الدولية من ناحية، وساهمت مخرجاتها في دعم العملية التدريسية من ناحية أخرى. ولقد تمثلت حصيلة خبرات هذه السنوات العشر في النهوض ببناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية في إطار مقارن مع منظورات العلم الأخرى، والتعامل معها بكونها جزءًا مندمجًا في هذا العلم من ناحية، واختبارها بوصفها تطبيقات هذا المنظور لدراسة قضايا العلاقات الدولية، وتحليلها، وخاصة موضع قضايا الأمة الإسلامية المعاصرة منها، وتفاعلاتها وتحدياتها[3].
لقد كانت هذه السنوات العشر الأولى بمثابة البنية التحتية للمرحلة الثانية التي لا تقل أهمية عنها انطلاقًا من النهوض بالبناء المبتغى ذاته، ألا وهو بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية بوصفه أحد منظورات علم العلاقات الدولية. وتأتي هذه الدراسة حصيلة الخبرة المنهاجية للبحث والتدريس، وهي الخبرة التي أحرص على تقديمها في نطاق المؤتمر الثاني للتحيز[4]، كونها إحدى الخبرات التي تعاملت مع إشكاليات التحيز في مجال علم العلاقات الدولية، انطلاقًا من استيعاب منظورات هذا العلم الغربي، ثم من استيعاب المراجعات الدورية لحالة العلم التي تمثل نقدًا ذاتيًا داخليًا، وصولًا إلى أبعاد المقارنة بين هذه المنظورات والمنظور الإسلامي.
· وهذه المقدمة التمهيدية الإجمالية تستلزم التذكير بالنقاط التالية:
1- عدم الانفصال بين الخبرة البحثية والخبرة التدريسية في عملية بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية. فقد يختلف المتلقي في الحالتين من حيث مستوى القدرة العلمية، ولكن التفاعل يظل قائمًا ومستمرًا بين الخبرتين لدى القائم عليهما معًا، من منطلق كونه باحثًا أو مدرسًا.
وتجدر الإشارة إلى أن خبرة العملية التدريسية ونتائجها، ومحصلة التغذية الراجعة من جانب طلبة الدراسات العليا خلال السنوات الماضية، هي خبرة غنية، شيدتُ خلالها قاعدة بناء المنظور وبعض من جدرانه، وتسعى هذه الدراسة إلى استكماله.
فإن لم تنتقل خبرة البحث إلى الطلبة في قاعات الدرس، وملتقيات إعداد المشروعات البحثية، فسيظل هذا البحث في هذا المجال هدرًا للطاقات، لأن الأساس والمرتكز هو تفعيل النموذج وتشغيله وليس مجرد صياغته، لأننا نعمل في ساحات أكاديمية وبحثية تهيمن عليها المنظورات الغربية، ونحن في حاجة لنقدها وتطويرها، وربما استبدالها. ومن هنا علينا أن نعمل من داخل العلم، وفي تفاعل مع منظوراته الأخرى، وليس من الخارج بانفصال أو توازٍ، كما لو أن الحديث عن الإسلام والظواهر السياسية حديث منقطع الصلة عن العلوم الاجتماعية الحديثة.
2- التداخل الشديد بين الأبعاد المنهاجية والمضمونية في المنظور يفرض التركيز على الأبعاد المنهاجية، واستحضار المضمون بوصفه أمثلة، دون التوقف التفصيلي عند شرح مدلول القضايا والمشاكل والموضوعات من منظورات مقارنة، فالأبعاد المنهاجية موضع الاهتمام في هذه الدراسة ذات مستويين: مستوى المشترك العام مع العلوم الاجتماعية، ومستوى العلم محل الاهتمام (علم العلاقات الدولية) وهذه الأبعاد المنهاجية المقصودة هي: أبعاد المنهاجية الإسلامية، وأبعاد المنهاجية الغربية المقارنة.
وتتضمن هذه المنهاجية الرؤية الكونية للعالم، والنسق المعرفي، والمنهاج، وأجندة القضايا، والعلاقة بين الداخلي والخارجي، والعلاقة بين المادي وغير المادي.
3- إن هذه المحاولة لا تنفصل عن إنجازات علم العلاقات الدولية الحديث، ولذا فإن التحدي الأساسي الذي واجه هذه المحاولة هو تطوير منظور يصبح جزءًا مندمجًا في هذا العلم. فإذا كانت دراسة العلاقات الدولية الخارجية في الإسلام قد سبقت تأسيس علم العلاقات الدولية الحديث (الغربي)، فإن الحاجة ماسة الآن لتخطي الفجوة بين منهاجية العلوم الإسلامية التي تناولت ظاهرة العلاقات الدولية، ومنهاجية العلوم الاجتماعية الحديثة التي تناولت المجال نفسه.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد جرت محاولات سابقة سعت إلى صياغة “نظرية إسلامية للعلاقات الدولية” كان على رأسها محاولة د. عبد الحميد أبو سليمان[5]، ولكنها افتقدت الروابط المقارنة مع النظريات الأخرى في نطاق العلم المعني، لأنها انغمست في الإشكاليات المنهاجية لتطوير المنهاجية الإسلامية لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، بعيدًا عن نقائص “المنهاجية الإسلامية التقليدية”.
ولقد كانت هذه المحاولة من الركائز الأولى التي تعامل معها مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، وإن كان بمنحى وهدف مغاير لأن المشروع انطلق ابتداء من مراجعة حالة العلم لبيان موضع المشروع منه.
وأفرزت الدائرة الغربية محاولات نظرية، من داخل تخصص العلاقات الدولية ومن خارجها، حاولت دراسة الرؤية الإسلامية للعلاقات الدولية، ولقد اهتمت بزوايا ومداخل متنوعة لم يكن من بينها بناء منظور مقارن للعلم[6].
4- بد أن تواجه عرض هذه الخبرة المنهاجية صعوبة مزدوجة؛ فنحن نفترض أن المتلقي على معرفة بالعلم موضع الاهتمام، لأن الخبرة المعروضة هي خبرة مقارنة بين بناء قائم متعدد الطوابق هو علم العلاقات الدولية بمنظوراته الكبرى القائمة، وعملية بناء طابق جديد في هذا البناء. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة تهدف إلى شرح خبرة العملية المنهاجية التي تساعد على فهم خطوات هذا البناء وأساسياته وثوابته من ناحية، ومتغيراته من ناحية أخرى، ومن ثم الاستعداد للمشاركة في نقد المرحلة الراهنة من عملية هذا البناء وتقويمها، وللمشاركة كذلك في مراحل تالية منه لاستكماله وتدعيمه.*
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة هى نسخة منقحة ومزيدة لنسخة سابقة (2001)[7] قدمتْ في حينها دلالات الخبرة في بدايتها (1997-2000)، وذلك في وقت تبلورت فيه تأثيرات انتهاء الحرب الباردة على تدريس نظرية العلاقات الدولية، وعلى دراسة خصائص هذه العلاقات في مرحلة ما بعد الحرب الباردة من ناحية[8]، وتبلورت كذلك في تلك المرحلة ملامح بروز تحديات العولمة التي تواجه الأمة الإسلامية. لقد كانت النسخة الأولى من الدراسة استجابة للحظة خاصة من تطور العالم ووضع الأمة فيه، ومن تطور العلم ومراجعاته، ووضع الأبعاد الثقافية والحضارية والأبعاد القيمية فيه، وبذا قدمت هذه الدراسة الأولى التأسيسَ لدوافع ومسوغات الحاجة إلى منظور حضاري مقارن، والملامح الأولية لخصائصه المقارنة.
ومنذ أحداث سبتمبر 2001 بدأت مرحلة تالية من البحث والتدريس (2001-2006) أخذت تضيف خبرتها الدراسة الحالية المزيدة والمنقحة، وجدت هذه المرحلة في ظل تداعيات هذه الأحداث على كل من مسار العلم ومسار العالم، فلقد ظهرت فورة الاهتمام بدراسة أثر الدين والثقافة والحضارة على العلاقات الدولية، واضحت الأمة الإسلامية في صميم اهتمامات السياسات الدولية، وبذا عمقت هذه المرحلة من إرهاصات التحولات في منظورات العلاقات الدولية، وأكدت التلاقح بين المعرفي والنظري وبين الواقع[9]، ومن ثم تبلور مضمون ومحتوى الأبعاد المقارنة لمنظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، وبدأت من ناحية أخرى خبرات تشغيله في فهم واقع هذه العلاقات ومشاكلها ودراستها.
وبناءً على التمهيد السابق فإن هذه الدراسة تنقسم إلى جزئين أساسين:

الأول: يقدم الأبعاد المنهاجية حول إمكانيات بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية
بين الأهداف، والدوافع، والمسوّغات، وبين التحفظات، والانتقادات

والثاني: يتناول الأبعاد المنهاجية حول خصائص هذا المنظور، وأبعاد دراسته مقارنة بمنظورات غربية أخرى.

أولًا: الأبعاد المنهاجية حول إمكانيات بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية
بين الأهداف، والدوافع، والمسوّغات، وبين التحفظات، والانتقادات

تسجل المقدمة العامة لمشروع العلاقات الدولية في الإسلام[10] دوافع المشروع، ومنطلقاته وأهدافه، على نحو يبيِّن كيف أن أعمال المشروع هي البنية التحتية المسبقة على تحقيق الهدف النهائي لأي منظور إسلامي.
ولهذا فإن عرض الأبعاد المنهاجية في هذه الجزئية من الدراسة يفترض التوقف المبدئي عند المحطتين التاليتين:
1. مفهوم المنظور في علم العلاقات الدولية الغربي، ووضعه في عملية التنظير لهذا المجال الدراسي، ثم المنظورات الكبرى التي تعاقبت على هذا العلم، وأثر الاختلافات بينها على دراسة العلاقات الدولية.
وإذا كان من العسير أن نشرح في هذه الدراسة كل العناصر السابقة، فإننا سنكتفي بالملاحظات التالية:
إذا كان تاريخ التنظير للعلاقات الدولية طوال 75 عامًا قد شهد مداخل متنوعة، فإن أحدها هو مدخل “المنظور” والجدل بين المنظورات الكبرى[11].
والمنظور هو رؤية سائدة في مرحلة ما عن طبيعة الظاهرة الدولية كما يدركها، وكما يصفها معظم المنظرين في كل مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية، وهو يشير إلى وجود نوع من الاتفاق على سمات الظاهرة الدولية وأبعادها الأساسية، والأسئلة التي تثيرها، وكيفية دراستها والبحث فيها. وإذا كان البعض (روزيناو)[12] يرى أن المنظور بمثابة النظارة التي تشكل الرؤية للوجود من حولنا، وأن التنظير هو السبيل لتنظيم فهم الحقائق المعقدة والمتداخلة على الساحة الدولية، فإن د. منى أبو الفضل يرى أن عدم تحديد المنظور في حقل دراسي يشبه بداية رحلة دون دليل أو خريطة، لأن المنظور هو الذي يحدد ما الذي يقع في نطاق الحقل أو خارجه، والقضايا الأكثر إلحاحًا وحاجة للتحليل، وهو وحده الذي يحدد التحليل والعلاقة بين القيم والواقع[13]. ولقد تم استخدام “المنظور” بوصفه أساسًا لتصنيف الجهود التنظيرية في علم العلاقات الدولية، استنادًا إلى معيارين: أحدهما موضوعي يقوم على الافتراضات الأساسية حول الطريقة التي يتهيكل بها العالم، وثانيهما: منهاجي يقوم على أساليب البحث والدراسة.
ولقد تعاقب على علم العلاقات الدولية مجموعة من المنظورات الكبرى، وشهد العلم بروز جدالات متعددة بين هذه المنظورات، بالافتراضات والمقولات الأساسية لكل منظور. وقد اتصلت هذه الجدالات بعدة محاور مضمونية هي: أصل العلاقات الدولية، ومحرك تفاعلاتها، والفاعلون، وقضايا التفاعلات، ونمط التفاعلات، ونمط العلاقة بين الداخلي الخارجي.
وتختلف الرؤية التي تتصل بهذه المحاور، ومن ثم يتبلور الاختلاف على شكل العلاقات الدولية وطبيعتها بين المنظورات المتنوعة.
أما البعد المنهجي فيتبلور بعامّة حول إشكالية العلاقة بين الوضعية، والسلوكية، والإمبريقية وبين المعيارية، والقيمية، ولقد احتل البعد المنهاجي مكانة محورية في الجدل الدائر بين المنظورات، وخاصة بعد أن ارتفعت نغمة “العلمية- الإمبريقية- السلوكية”، وبعد أن بدأت مراجعة هذه المنهجية في محاولة لرد الاعتبار من جديد للقيم والفلسفة والتاريخ[14].
وتستند هذه المنظورات إلى أسس معرفية، وفلسفية، وأنطولوجية مختلفة، تساهم في تشكل رؤية طبيعة هذه العلاقات ومنهاجية دراستها[15].
ولقد شارك في تطور المنظورات رافدان كبيران من روافد النسق المعرفي الغربي، وهما: الرأسمالي، والماركسي، وانبثقت عن كل منهما بعض المنظورات المتضادة والمتنافسة.
وبقدر ما يدافع بعض منظري العلاقات الدولية عن أهمية مدخل المنظورات، وجدالاتها لفهم تطور مسار علم العلاقات الدولية، يتعرض هذا المدخل لانتقادات من آخرين، فمن غير الدخول في تفاصيل هذين الأمرين[16] يكفي القول إن مدخل المنظورات المقارنة ساحة هامة للتعرف على خريطة الرؤى والجدالات، وهو ما يفسح السبيل لتكوين موقف من تلك المنظورات، ويفسح المجال أمام تقديم منظور بديل أو مقارن من خارج نسق معرفي محدد أو من داخله، وهو الأمر الذي يتسق وهدف خبرتي؛ أي تقديم منظور إسلامي مقارن مع منظورات العلم الأخرى.
2. نسق المصطلحات المتصلة بمدخل المنظورات؛ أي العلاقة بين طبيعة النسق المعرفي وطبيعة المنظورات المنبثقة عنه، وبين طبيعة النظريات أو الأطر النظرية وقدر تأثرها بالمنظورات، ومن ثم ضرورة تحديد الاختلافات بين النسق المعرفي الإسلامي والنسق المعرفي الغربي، ودلالة هذه الاختلافات بالنسبة للأبعاد المقارنة بين “منظور غربي” لدراسة العلاقات الدولية و”منظور إسلامي” لهذا المجال.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان التمهيد الأول عن تعريف المنظور يعد ضروريًا بحكم مجال التخصص، فإن التمهيد الثاني حول أثر النسق المعرفي يُعدُّ أكثر ضرورة، لضرورات أخرى تتصل بطبيعة الوسط الأكاديمي الذي يتلقى فيه الطالب علومه السياسية. وتتصل كذلك بتكوين الطالب ذاته، الذي تنفصل فيه المعرفة الإسلامية عن المعرفة المدنية في أغلب الحالات، ولذا فلا غرابة إن لاحظنا لدى معظم الطلبة إما استغرابًا أو إحساسًا بالغربة تجاه مجرد ذكر منظور حضاري إسلامي لدارسة العلاقات الدولية، ناهيك عن ضعف الإدراك العام لأهمية الدراسة النظرية بصفة عامة من ناحية، وضعف الوعي أو انعدامه من ناحية أخرى بقضية الأنساق المعرفية، وموضعها من دراسة فلسفة العلم ومصادر المعرفة.
وتجدر الإحالة إلى بعض المصادر التي عالجت الإشكاليات المنهاجية العامة عن أثر اختلاف الأنساق المعرفية على المنظورات المقارنة الغربية والإسلامية في مجال العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية بصفة عامة، ومنها العلاقات الدولية بصفة خاصة. وتتضمن هذه المصادر تعريفًا ببعض الأبعاد النظرية المتصلة بدراسة هذه الاختلافات[17].
ويكفي في هذا الصدد أن أحيل أولًا على رؤية د. منى أبو الفضل[18] حول أهمية الدراسة المقارنة للمنظورات الغربية وللجدالات بينها، بوصفها سبيلًا للمراجعة التي تقود إلى طرح منظور إسلامي، على ضوء الاختلاف بين الأنساق المعرفية، ثم أحيل ثانيًا على أهم أبعاد الاختلاف بين خصائص النسقين المعرفيين ومصادر كل منهما.
تعرِّف د.منى أبو الفضل النسق المعرفي (Episteme) بأنه القيم القاعدية، والمعتقدات عن المعرفة، والوجود، ومصادرها، التي تؤثر في أي مجال بحثي دون الوعي بحدوث هذا التأثير على نحو ما. وتعرف المنظور (Paradigm) بأنه بنية الخطاب السائد من حيث النسق القيمي والإدراكي الذي ينظم التفكير في حقل ما، فيضع نطاق هذا الحقل وحدوده، ويحدد مفاهيمه ورؤاه العالمية ومعتقداته وقيمه ونظرياته.
وفي ما يتعلق بالرابطة بين اختلاف النسق المعرفي وأهمية دراسة جدال المنظورات، تشير إلى أن مراجعة حقل علم السياسة، من خلال دراسة المنظورات وجدالاتها، يعد من أكبر سبل الدراسة تحديًا وصعوبة، ولكنه من أكثرها اتساقًا لإدراك معنى التنوع والاختلاف، وأكثرها مناسبة لتمهيد الطريق نحو طرح إسهامنا الذاتي في تطوير منظور يحمل بصمات ميراثنا الفكري. فإذا كان قد آن الأوان ليشارك العلماء المسلمون في الجدال حول حالة الحقل لتحديد إمكانيات وأسس تطوره، أو تحوله على ضوء منظورات بديلة، فإنه من الضروري للساعين نحو طريقة بديلة للنظر إلى العالم غير تلك السائدة، أن يزيدوا فهمهم بطبيعة السائد منه. ولهذا من الضروري أن ينظروا نقديًّا لما يفعله الآخر، على ضوء ما يمكن أن يقدموه من بديل، ولذا؛ فإن النظر في جدال المنظورات يعكس عناصر التجانس في حقل ما ويبينها، ويشارك في تحديد درجة الاتفاق العام حول نطاقه وموضوعاته وقيمه وقواعده.
وفيما يتصل بخصائص كل من النسقين المعرفيين ومصادر كل منهما، أكتفي بالإحالة إلى د.منى أبو الفضل ود.المسيري[19]. ففي رؤيته لفقه التحيز يصف د. المسيري خصائص النسق المعرفي الغربي بأنه إنه نموذج عقلاني مادي نفعي، يتلخص في مقولة الواحدية المادية، التي بدأت ترى في الإنسان مركزًا للكون، ثم تحولت إلى المطابقة بين هذا الإنسان والطبيعة، ولم تجعل فرقًا بينهما، فالجميع –في نظرها- يسير في خط تطوري يسعى نحو الاتزان، ولكن بتقدم مستمر لا تراجع فيه.
وهذا النموذج الغربي بدأ بإعلان موت الله باسم الإنسان ثم موت الإنسان باسم وحدة الطبيعة، فهو لا يعرف المقدس، أو المطلق، أو الغائي، ولا يوجد سوى اللذة والمنفعة وتعظيم المادي والتحيز له على حساب الإنسان، ويتحيز للعام على حساب الخاص، وللمحسوس والمقاس كميًا على حساب الكيفي، ويتحيز للموضوعي والعقلاني على حساب الذاتي.
وإذا كان من الملاحظ أن وصف “الغربي” الذي استخدمه د.المسيري في أثناء صدور كتاب فقه التحيز (1992) كان ينطبق على الرافد المهيمن حينئذ والمسمى “الوضعي – العلماني – المادي” إلا أنه كان يحجب رافدًا نقديًا كان قد بدأ في التبلور منذ نهاية الثمانينات، وأخذ يترك آثاره على حالة النظرية الاجتماعية والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، بصورة تدريجية متصاعدة، ولذا بدا هذا الوصف “الغربي” في فقه التحيز لدى المسيري وكأنه يتجاهل نتائج حالة المراجعة الذاتية في المنظورات الغربية، التي وإن أفرزت توجهًا قيميًا غير مادي، فإنها ظلت حبيسة الرؤية الوضعية، ولم تنتشر بما فيه الكفاية، ولذا تعرض مفهوم التحيز عند بروزه لدى المسيري إلى انتقادات، لإسقاطه حالة المراجعة لإشكالية الذاتية والموضوعية، فضلًا عن عدم تبلور البديل –لدى المسيري- حينئذ، مقارنةً بما تراكم لديه بعد ذلك تحت مسمى “الإنساني” من مرجعية إسلامية.
ومن هنا يبدو أن طرح د.منى أبو الفضل حول الأنساق المتقابلة المعرفية والمتزامنة تقريبًا مع طرح فقه التحيز في منتصف التسعينات، قد بدا أكثر توازنًا وتكاملًا، لاعتبارين؛ فهو قدم مقارنة بين نسقين، ثم لم يستخدم صفة الغربي أو الإسلامي.
ويتخلص طرح د. منى أبو الفضل في الآتي:
إن منظور الأنساق المعرفية المتقابلة يعنى بإعادة طرح الخصائص التفصيلية للنظرية الاجتماعية المعاصرة، تمهيدًا للبحث في الرؤيا البديلة للخطاب السائد. والأنساق المعرفية المتقابلة المقصودة لدى د.منى هي: النظام المعرفي التوحيدي، والنظام المعرفي التجريدي، الذي اصطلحنا على نعته بالعلماني أو “الأنسوي/ الطبائعي- العلماني”، ومتواليات المنظومتين المعرفيتين تشكل بدورها أرضية نموذجين ثقافيين متجاورين عبر التاريخ، هما: النموذج الثقافي الوسطي (Median Culture- Type) الذي يمثل جماع المتقابلات حول ميزان حاكم يضبط العلاقة بين النسب والمقادير، والكل والجزء، والمطلق والمقيد، والثابت والمتحول. والنموذج الثقافي المتأرجح (Oscillating Culture- Type) (وهو السائد في النظرية الاجتماعية) الذي يتذبذب بين طرفي نقيض عالم الروح وعالم المادة ومتواليات كل منهما، في غيبة المعيار الموضوعي وميزان الاعتدال.
وتعرض د.منى أبو الفضل للنماذج المتقابلة من خلال استراتيجية منطقية تسعى إلى تجاوز التنميط المعهود، الذي يؤكد الفصام والمجابهة بين الغرب الإنجيلي الكلاسيكي بوصفه الذات (الإغريقية – الرومانية واليهودية- المسيحية) والشرق الإسلامي بوصفه الآخر. وهنا تنبغي الإشارة إلى تنويه هام قدمته د. منى، يفسر عدم استخدامها مصطلح “الغربي”، وهو التنويه بطبيعة العلاقة بين الأنساق الثقافية المعيارية والجماعات أو النماذج الحضارية التاريخية، فأيّ تلازم موضوعي بين الغرب التاريخي وثقافة المتأرجح، هو من باب التلازم العارض وليس من قبيل الحتميات أو الخصائص الأصلية. وعلى المنوال نفسه فإن المجتمعات الواقعة ضمن الحوض الحضاري الإسلامي، والمنتمية تاريخيًا إلى النموذج الثقافي الوسطي، إنما تشكلت بفعل مبادئ أساسية يمكن للمجتمعات الأخرى أن تصل إليها، وتقيم حياتها على أساسها.
إنّ التوافق بين النموذج الثقافي الوسطي والمجتمع الإسلامي التاريخي يحتفظ بفاعلية، ما دامت تلك الصلة التكوينية قائمة ومتماسكة، والعكس صحيح؛ أي إن خصائص التزامن قد ترجح على خصائص التكوين.
إن فهم طبيعة هذه العلاقة بين النموذج القياسي والنموذج التاريخي من الأهمية بمكان، فهي، وفق د.منى، تتيح استيعاب الثنائيات التاريخية وتجاوز، وكذا الاستقطابات التنميطية التي من شأنها تعميق الخلافات وتجذيرها، ومصادرة التاريخ وإهدار مقومات الحرية والمسؤولية.
وتقودنا المحطتان التمهيديتان السابقتان إلى السؤال التالي: ما هي إذن دوافع وإمكانيات تطوير منظور إسلامي مقارن في علم العلاقات الدولية؟
أولًا: دوافع ومسوّغات بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية.
الحديث عن “الدوافع” هو حديث عن هموم القائمين بعملية البناء والمهتمين به، ومن المفترض أن يكون ذاتيًّا ومن الداخل ونحو الداخل والخارج أيضًا. أما الحديث عن مسوّغات فهو حديث من الداخل أحيانًا ومن الخارج في أحيان أخرى، وهو يتجه للخارج أساسًا.
منذ بداية خبرتي فى البحث والتدريس تصدرت مقدمةَ مشروع العلاقات الدولية عناوينُ: الدوافع والمنطلقات، وعناوينُ مناظرة، والغاية من ذلك هي تأسيس قواعد منظور إسلامي، بوصفه أحد منظورات علم العلاقات الدولية الذي ننتمي إلى تخصصه في إطار مقارن مع منظوراته الأخرى، فلن تتحقق الفائدة من بناء منظور إسلامي منعزل دون أن نؤسس لأطر مقارنة تحقق التفاعل مع غيره. فإسهامات الدراسات والعلوم الإسلامية في مجال العلاقات الدولية في الإسلام، وافرة، وتعود إلى ما قبل تأسيس علم العلاقات الدولية، ولكن الإشكالية المثارة هي حول “منظورات حضارية مقارنة” تتصل بمجال علم العلاقات الدولية الحديث، الذي أسسته منظورات غربية. التي تستدعي هذه هي الغاية انطلاق الدوافع والمسوّغات من حالة العلم وأدلته الأكاديمية، لمواجهة الانتقادات المختلفة التي تحيط بهذه المسألة وسنرى كيف أن هذه الانتقادات من اختلاف الإطار المرجعي والتقاليد الفكرية والنظرية.
وقد تساءل كثير من المهتمين عن أسباب إيجاد مسوّغات من داخل العلم ابتداء، كما لو أن المنظور “الإسلامي” لا يمتلك أسس شرعيته. ولماذا يبدو الدفاع عن شرعية المنظور قد غلب على تطوير المحتوى وتفعيله على مستوى النظريات. وتساءلوا عن المؤشرات التي ستثبت مصداقية هذا المنظور مع المنظورات الأخرى من العلم.
إنّ دوافع البناء لا تنفصل عن مسوّغاته، فهي عملية. ومن ثّم متكاملة، والإجابة فإن عملية بناء منظور قضية جماعية، قد تستغرق ما يقرب من الجيل، ولذا يظل متزامنًا النقد من الخارج مع استمرار عملية البناء، وتزداد العملية صعوبة إذ كان المنظور ينبثق من نسق معرفي مغاير للنسق الذي يفرز المنظورات المهيمنة.
ويمكن تقسيم الدوافع والمسوّغات إلى أربع مجموعات كبرى تتصل بالمجالات التالية:
1- طبيعة النسق المعرفي الإسلامي، ومن ثم وطبيعة الإطار المرجعي الإسلامي الذي يشكل المنظور والتنظير، بل ويفرض ضرورة تطوير منظور إسلامي.
2- وضع الخبرة الإسلامية في علم العلاقات الدولية الحديث، طبيعة إسهام العلوم الإسلامية في الموضوع مقارنة بطبيعة إسهام العلوم السياسية.
3- واقع الأمة الإسلامية ووضعها في النظم الدولية.
4- مراجعة حالة العلم انطلاقًا من مدخل المنظورات والجدال بينها.
وإذا كانت المجموعات الثلاثة الأولى تقع في دائرة الدوافع التي تراكمت منذ بداية مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام، فإن المجموعة الرابعة تقع في نطاق المسوّغات وجميع هذه الدوافع والمسوغات ذات طبيعة معرفية أو نظرية أو عملية، وتمهد لدراسة أهداف بناء المنظور.

أ- الدوافع: من الدوافع المعرفية والنظرية إلى العملية
1- الاختلاف بين النسق المعرفي الإسلامي والنسق المعرفي الغربي وطبيعة الإسلام بكونه دعوة للعالمين.
الدافع الذي لا بد من الانطلاق منه والتأسيس عليه، هو أن طبيعة الإسلام من ناحية والنسق المعرفي المتولد عنه من ناحية أخرى، تفرضان البحث في العلاقات الدولية من منظور إسلامي، استنادًا إلى طبيعة الدعوة وطبيعة الرسالة التي يحملها الإسلام للعالمين وللإنسانية جمعاء وليس إلى الأمة الإسلامية فقط، وإذا كان لهذا النسق انعكاساته على مجالات العلوم الأخرى أيضًا، إلا أن تأثيره عند اقترانه برؤية العالم، يصبح أكثر وضوحًا فيما يتصل بظاهرة العلاقات بين الأمم والشعوب والدول.
2- كان تقييم وضع الخبرة الإسلامية في نطاق علم العلاقات الدولية الحديث من ناحية، وطبيعة الدراسات الإسلامية المعاصرة تحت عنوان “العلاقات الدولية في الإسلام” من ناحية أخرى، في مقدمة أولويات دوافع بداية وتنفيذ مشروع العلاقات الدولية في الإسلام[20].
وتكفي الإشارة إلى نماذج تبين مدى غياب أو تجاهل أو إهمال الأبعاد المختلفة للخبرة الإسلامية وتقاليدها فى نطاق دراسات المنظور الغربي للعلاقات الدولية، سواء على مستوى تاريخ العلاقات الدولية، أو فلسفة العلاقات الدولية، أو نظرية العلاقات الدولية؛ إذ نجد أن الذي غلب على البحث والتدريس في نطاق تاريخ العلاقات الدولية إنما ينصب على تاريخ العلاقات الأوروبية منذ القرن السادس عشر الميلادي. وقاد الاعتراف بأهمية البحث في الجذور التاريخية الفكرية لما يسمى العلاقات الدولية إلى الاهتمام بما يسمى فلسفة العلاقات الدولية؛ أي البحث عن الأفكار السياسية الكبرى في العصور الفكرية القديمة والوسطى للحضارة الغربية انطلاقًا من الاعتقاد بأن أكثر المحاولات المعاصرة والحديثة التي بذلت من أجل صياغات نظرية للعلاقات الدولية إنما تجد جذورًا وامتدادات فكرية في الماضي، كما أنها تأثرت بالقيم والظروف التاريخية والحقائق الواقعية التي عايشها فلاسفة ومفكرو العصور المختلفة للحضارة الغربية الأوروبية وبخاصة بدايات القرن الثامن عشر. وذلك عائدٌ إلى أن أوروبا سيطرت على العالم على مدى الثلاثة قرون الماضية.
ومن الضرورة بمكان التنبيه إلى أهميّة إحداث نوع من التوازن بين مكونات المواد التى يحصلها الطلاب فى الجامعات العربية الإسلامية، فتمتد وهو ما يمكن أن يحدث توازنًا دراسة تاريخ العلاقات الدولية إلى الفترة التي شهدت دورًا متميزًا للدولة الإسلامية في التفاعلات الدولية.
في اهتمامات المتخصصين في هذا المجال الدراسي، على نحو يتفق وانتماءنا الإسلامي، دون أن نفقد أثر التطور فى مجال العلم المعاصر.
الإسلامية المعاصرة العلاقات الدولة في الاسلام ويتضح من المراجعة العامة لبعض الدراسات التي تتصل بموضوع التي قدمها غير المتخصصين في العلوم السياسية ما يلي:
– إبراز فضل الشريعة الإسلامية في المبادرة بالعناية بأمر تنظيم العلاقات بين مختلف الجماعات.
– الحرص على إبراز “دفاعية” الإسلام؛ إذ إن جمهور المسلمين الآن هو الذي يأخذ بالاتجاه القائل: إنّ أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم في الإسلام هو السلم. وينبثق هذا الاتجاه من رؤية خاصة للتقسيم الشائع للعالم إلى دارين أو ثلاثة (دار سلم، دار حرب، دار عهد).
والكتابات المعاصرة في هذا الشأن، لم تركز على أسباب ظهور هذا التقسيم واستمراره، مع أن الأصل في دعوة الإسلام هو العالمية وتوحيد البشرية في ظل الشريعة الإسلامية. ولم يتمّ عرض الجدل بين الأسانيد الشرعية للمدرستين الأساسيتين، التي تقول إحداهما إنّ العلاقات الدولية في الإسلام أساسها القتال، أو الأخرى التي تقول، إن أساسها السلم، أو تصنيف المعبِّرين عن كل منهما فى تاريخ الفقه الإسلامي، وذلك في صورة علمية منظمة جامعة، تستطيع أن تجيب عن السؤال التالي: من الذي قال بأن أصل العلاقات الدولية للدولة الإسلامية هو الحرب أو السلم، ومتى برز هذا المنظور ومتى ساد.. ولماذا؟
3- واقع الأمة الإسلامية ووضعها في النظام الدولي: بين الحاجة لتنظير جديد والحاجة لنهضة ذات أساس ثقافي وفكري جديد.
لقد اقترن التطور في المنظورات الكبرى التي تعاقبت على علم العلاقات الدولية الحديث بالتطورات الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية خلال ثلاثة أرباع القرن الماضية، ولذا، فإن من أهم مزايا مدخل المنظورات هو الربط بين التغير في واقع العلاقات الدولية، والتغير في كيفية دراستها (نطاق العلم وموضوعاته ومناهجه). وظل وضع الجنوب بصفة عامة، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، لا يحتل وضعًا متميزًا وواضحًا في هذه المنظورات وما انبثق عنها من أطر نظرية أو نظريات، دفعت البعض لانتقاد هذا الوضع[21]، بعد تشخيصه ووصفه وصفًا علميًا، وبعد تفسيره تفسيرات نابعة من هيمنة هدف خدمة مصالح القوى الكبرى على الدراسات الدولية، ومن ثم عدم الاهتمام بدراسة أوضاع القوى الصغرى إلا من أجل هذا الهدف.
قادت تيارات مراجعة هذه الحالة ابتداء من السبعينيات والثمانينيات إلى الحديث عن مدى عدم ملاءمة نظريات التنمية ونظريات السياسة الخارجية وغيرها من النظريات (الغربية) لدراسة أوضاع العالم الثالث[22]. فلقد اقترنت هذه المراجعة بتغيرات في أوضاع العالم الثالث ووضعه في النظام الدولي وبالتغيرات التي أبرزت إسهام المدرسة الماركسية في علم العلاقات الدولية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وقد عكس بروز تيارات هذه المراجعة الارتباط بين المراجعة النظرية والضرورات العملية، على نحو ينتقد المركزية الغربية الفكرية والنظرية والسياسية، على حد سواء، ولو نقدًا ذاتيًا من الداخل.
لقد تعددت الاجتهادات الفكرية والنظرية للربط بين الحاجة لتنظير إسلامي جديد وواقع الأمة واحتياجاتها. وترى أ.د.منى أبو الفضل[23]:
أنه بسبب التغير العالمي ذاته، وبسبب الصحوة الإسلامية بصفة خاصة، فإن أحد سبل استعادة حيوية الأمة هو استعادة حيوية ميراثها الفكري والثقافي. ولأن أحد أهم مكونات الصحوة هو إحياء الوعي بالهوية الثقافية الإسلامية للأمة، أضحت الإسلامية تمثل استجابة حيوية لأمتنا، لأن الفوضى الثقافية الدؤوبة التي يتسم بها عالمنا تعمل بوصفها قوة قهرية للحضارات المعاصرة.
وتكمن مصداقية هذه الاستجابة والحيوية في رسالة الإسلام ذاتها، عبر التاريخ ودوره في المجتمعات والحضارة قوة أو ضعفًا، فلقد كان الإسلام دائمًا محركًا لتجديد الثقافة والحضارة عبر التاريخ في أرجاء مختلفة من العالم (العرب قبل الإسلام وبعده، البربر، الترك، المغول، الفرس، الهنود، ممالك شرق وغرب إفريقيا، مدن المتوسط المسيحية) ومن ثم يمثل عبور الفجوة الراهنة بين الثقافات ضرورة من أجل تجديد ثقافي للأمة لتجديد هويتها وحل مشاكلها. وهذا التجديد الثقافي جزء من التجديد الثقافي العالمي الذي تحتاجه كل الثقافات في العالم، وتشترك في الحاجة إليه الثقافات السائدة والتابعة على حد سواء. فالمنظور الإسلامي مثال ذو مهمة vocational ideal وليس مجرد حرفة أكاديمية فنية.
وكانت الضرورات العملية من بين ركائز موافقة بعض المتخصصين على أهمية تقديم منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، غير أن هذه الضرورات اختلفت عن نظائرها لدى د. منى أبو الفضل وغيرها من داخل هذه الدائرة؛ فلقد اقترنت على سبيل المثال لدى البعض[24] باحتياجات دراسة وفهم آثار الظاهرة الإسلامية (الذي سماها: الأصولية الدينية) على النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة؛ إذ تبرز الأبعاد الثقافية للسياسات الدولية في ظل العولمة، والتجزئة، وعدم الاستقرار.
ورأى البعض[25] أن مشاكل وقضايا خمس سكان العالم من المسلمين، التي تحتل الاهتمام العالمي الراهن، تتطلب الدراسة من منظور يعكس خصوصيتها وطبيعتها، وبيان إلى أي حد يؤدي الإسلام دورًا فيها على مستويات مختلفة مثل: الأسباب، والدوافع، والحلول الممكنة.
وبقدر ما كانت أوضاع ما بعد نهاية الحرب الباردة تستدعي عالم الإسلام والمسلمين إلى قلب تفاعلاتها، ازداد الأمر صعودًا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فتعددت مداخل الاهتمام بدراسة وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي، وفي السياسات الخارجية للقوى الكبرى، انطلاقًا من المنظورات السائدة، فتولّدت دعوة من داخل الغرب ومن داخل العالم الإسلامي، إلى منظور ورؤية بديلة لتلك السائدة بمنطق سياسات القوى الصراعية المادية[26].

ب- المبررات: أبعاد مراجعة حالة علم العلاقات الدولية ومدلولاتها بالنسبة لإمكانيات تطوير منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية
بالنظر إلى حالة العلم منذ نهاية الثمانينيات والتسعينيات، وصولًا إلى المرحلة الراهنة من مراحل تطور دراسة العلاقات الدولية، ومن خلال القراءة المقارنة في أدبيات مراجعة هذه الحالة وخاصة الأدبيات النظرية حول هذه المنظورات الكبرى والجدالات بينها[27]، نلحظ اتفاق منظري العلاقات الدولية على أن العلم يمر بأزمة ويحتاج إلى مراجعة. ومن أهم مؤشرات هذه الأزمة ما يلي:
– عدم وجود منظور سائد ومهيمن على مجال الدراسة كما حدث في المراحل السابقة، ومن ثم تعدد المنظورات المتنافسة، على نحو يعكس فوضى نظرية، وخاصة مع تعدد روافد كل منظور، وتعددت مسميات كل رافد، وفقًا للبعد محل الاهتمام: منهجيًّا أو مضمونيًّا.
وفي ظل هذا التعدد يبرز الاعتراف بهذا المنظور أو ذاك، وبفائدته، فعلى سبيل المثال يبرر “روزيناو”[28] ذلك الاعتراف بأنه يرجع لصعوبة القول بأفضلية أحد المنظورات على الآخر، أو مصداقيته المطلقة مقارنة بغيره؛ إذ يرى أن الباحثين ذوي المنظورات المختلفة سيقدمون رؤى ونتائج مختلفة عن الظاهرة نفسها، لاختلاف منطلقاتهم؛ وبعبارة أخرى، فإنه لابد من التسامح تجاه التنوع الذي يثري البحث، لتعدد سبل الإدراك وتقويم الحقائق في السياسات العالمية. ولهذا يرى روزيناو أن اختلاف الرؤية للعالم، ومن ثم اختلاف الافتراضات الكامنة حول ظاهرة، يقود بالضرورة إلى اختلاف المنهاجيات.
– عدم وجود نظرية عامة للعلاقات الدولية، وفشل النظريات الكبرى داخل كل من المقاربات التطورية، والبنيوية، والسلوكية، والتنبؤ بنهاية الحرب الباردة.
– حالة السيولة التي تعكسها المابعديات: ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الحداثة، ما بعد الوضعية، سواء على صعيد المنهج أو المضمون. فمع انتهاء الحرب الباردة شهد التنظير للعلاقات الدولية مرحلة اختلفت فيها الرؤى حول خصائص العلاقات الدولية في هذه المرحلة، وأهم القوى المؤثرة فيها، وتبلور السؤال التالي بوضوح: هل كشف انتهاء الحرب، عن خصائص جديدة، أم أن تراكم خصائص جديدة قد قاد إلى انتهاء الحرب ومن ثم هناك حاجة لمنظور جديد لدراسة العلاقات الدولية[29] ؟
– اهتزاز الخطوط الفاصلة بين علم العلاقات الدولية وعلوم اجتماعية وإنسانية أخرى، نظرًا لاتساع نطاقه وحدوده وتعقد أجندة موضوعاته، بعد أن تجدد الاهتمام بالأبعاد الدينية والثقافية والحضارية فى دراسة العلاقات الدولية بأنماط جديدة من الفواعل والعمليات.
وكان من أهم ملامح مراجعات ما بعد الحرب الباردة وما بعد الوضعية ملمحان أساسيان ومتكاملان؛ أولهما: بروز أهمية الدين والثقافة في دراسة العلاقات الدولية[30]، بعد أن حازت القضايا والأبعاد العسكرية-الأمنية الاهتمامَ والأولوية في ظل سيادة المنظور الواقعي، ثم نافستها في مرحلة تالية قضايا الاقتصاد السياسي الدولي.
وثاني هذه الملامح هو مراجعة المنهج الوضعي- السلوكي الإمبريقي، الذي رفع شعار “علم خالٍ من القيم”، وهي المراجعة التي قادت إلى رد الاعتبار للقيم[31] انطلاقًا من أن أحد أهم أسباب عدم الوصول إلى نظرية عامة، أو عدم وجود منظور سائد هو -كما يقول هاليداي وهولستي على سبيل المثال- إهمال القيم والتاريخ والفلسفة.
لقد كانت القيم، إلى جانب غيرها من الأبعاد، محورًا أساسيًا من محاور الجدال الثاني الكبير في تاريخ العلم؛ أي الجدال بين السلوكية والتقليدية. وأضحى الفصل بين البعد القيمي والبعد المادي في دراسة العلاقات الدولية -خلال سيادة المنظور السلوكي في ظل الوضعية العلمانية- موضع نقد هام في مرحلة ما بعد السلوكية، ثم تبلور هذا النقد في مرحلة ما بعد الوضعية، الأمر الذي يعبر عن رفض أزمة الازدواجية الناجمة عن هذا الفصل[32].
واقترن بتجديد الاهتمام بالقيم بروز الأبعاد الثقافية والدينية، وبقدر ما شهدت ساحة العلم جدالًا حول القيم، تبلورت أيضًا جدالات في أمرين: هل حدث تحول فى منظورات دراسة العلاقات الدولية، نظرًا لبروز دور الدين والثقافة على مستوى التنظير والواقع، وهل المتغيرات الثقافية والدينية هى متغيرات مستقلة أو تابعة؟ وهل الاختلافات بين الثقافات والأديان لابد وأن تقود إلى صراعات؟ وما تأثيرها في استقرار العالم؟ وأمنه وسلامة وما هى أنماط العلاقات بين الأديان والثقافات، والمصالح وتوازنات القوى؟
إن استمرار الجدل حول هذين الأمرين يبين كيف أن دراسة العلاقات الدولية مازالت تشهد حالة مراجعة، قادت إلى الحديث عن “إعادة تعريف السياسي”[33]. فالمدخل القيمي والمداخل الثقافية والحضارية ساهمت في إعادة تعريف مستوى التحليل، بعيدًا عن المستوى التقليدي (الدولة والنظام الدولي)، وساهمت في إعادة تحديد نطاق موضوعات العلم ليتسع لموضوعات جديدة، فإذا كانت مرحلة ما بعد السلوكية قد أدت إلى إعادة تعريف السياسي، فإن المرحلة الراهنة من تطور منظورات العلم تعالج ما سبق من إهمال للمتغيرات الدينية والثقافية، في محاولة لتجاوز مرحلة مادية العلم المفرطة، كما أنها تعالج إهمال مستويات للتحليل وفواعل لحساب تفوق مستوى الدولة القومية، ولذا تجدد الاهتمام بمستويات أكثر كلية وشمولًا مثل الجماعة العالمية، وانعكس ذلك كله على منهاجية الدراسة، فتبلور الاهتمام بتأثير الأفكار والقيم إلى جانب العوامل المادية. وقد كان من أبرز الاتجاهات الحديثة تعبيرًا عن ذلك “البنائية الجديدة”، التي ربطت بين دراسة العلاقات الدولية والنظرية الاجتماعية، وانعكاس ذلك على نطاق العلم وموضوعاته ومنهاجيته[34].
فإذا كانت إجابات[35] الاتجاهات النظرية عن الأسئلة التي أثارها الجدل حول الاهتمام بالديني، والثقافي، والحضاري، ومن ثم القيم، والتاريخ، في دراسة العلاقات الدولية، تنطلق مما يتصل مباشرة بالأسباب “الواقعية”، فإن إجابة البعض مثلّت اختراقًا معرفيًا لعلمانية العلم وماديته المفرطة. فلقد ظهرت مؤخرًا[36] دعوة إلى الاهتمام بما يمثله الدين من تحدٍ لنظرية العلاقات الدولية، تتجاوز بروز الاهتمام التقليدي بأثر الدين في قضايا العلاقات الدولية ومسار تفاعلاتها، صراعًا أو تعاونًا.
والجديد في هذا النمط من تجدد الاهتمام بمكانة الدين في دراسة العلاقات الدولية، انتقاده الشديد لحالة نفي الدين في ظل النموذج الواقعي التقليدي، ولحالة استدعائه الحالية منذ أطروحات صدام الحضارات وغيرها من الأطروحات، التى تربط جميعها غالبًا بين عودة ظهور الدين ومناخ حرب باردة جديدة، وخطر السياسات الأصولية الدينية، وتهديد الإرهاب العالمي، وحالة الفوضى التى يعيشها العالم.
ويدعو هذا التوجه إلى بيان كيف أن “الاهتمام بالتقاليد الدينية الكبرى العالمية يمكن أن يقود إلى إنجازات نظرية وسياسية خلَّاقة… والتي ظلت نظرية العلاقات الدولية صامتة بغباء عنها… فإن المطلوب ليس تعديلات طفيفة فى الأطر النظرية القائمة التى تتعامل مع دور الأفكار، والثقافة، والهوية… ولكن المطوب هو طرق نظرية جديدة لتفسير العلاقة بين الدين والسياسات… ومن ثم فإن عودة الدين من منفى منظور وستفاليا (الواقعي) يحمل معه فرص تحرير العلاقات الدولية من قيودها الذاتية النظرية… إن المطلوب تجاوز الجدل حول الثقافة والتعددية الثقافية في الفكر الديني المعاصر، ومن ثم استكشاف كيف يقدم الفكر الديني المعاصر طرقًا جديدة للتفكير تنتهي معها مرحلة وستفاليا، التي شهدت دراسة السياسات الدولية من منظور علماني”.
ومن أهم مخرجات هذه المراجعة -من داخل العلم وبواسطة منظريه الأنجلوساكسون- تلك الدعوة إلى تعددية المنظورات، ومن ثم الحاجة إلى منظورات حضارية مقارنة.
وكانت د. ودودة بدران[37] قد حددت أن أهم خصائص مرحلة الثمانينات من دراسة العلاقات الدولية هو القبول بإمكانية تعدد التوجهات النظرية في دراسة العلاقات الدولية واهتمامها بالقيم إلى جانب السلوك، نتيجة المراجعة النقدية للأسس المعرفية الوضعية التي تستند إليها، ومن ثم الدعوة إلى إعادة بناء العلم من جديد.
إن اتخاذ الحاجة الأكاديمية والعلمية مسوّغًا لتقديم منظور إسلامي للعلاقات الدولية، قد وجدت سندًا لها كذلك من داخل الدائرة الغربية، وفي نطاق علم العلاقات الدولية برافديه: الأنجلو ساكسوني، والفرنسي. ونجد مارسيل مارل[38] يشير -بصدد إشكاليات تحديد تاريخ ظهور مصطلح العلاقات الدولية- إلى أنه من الاستحالة الإحاطة بالتاريخ الإنساني في لمحة بصر، ولذا فإنه الأفضل اختيار لحظة بداية تشكل العالم الحديث. فبالرغم من إمكانية الاتهام بالمحورية أو المركزية الإثنية، فإن على خبراء الحضارات الأخرى أن ينبروا لعقد المقارنات.
ورأى كل من Bull, Holsti, Kegly[39] أن إسهامات التنظير في مجال علم العلاقات الدولية مازالت قاصرة على المقاربات الأنجلو أمريكية والأوروبية، وهو الأمر الذي يمثل تحيزًا، ويعد أحد أسباب القصور في التنظير، لأنه يمثل -كما يرى Holsti- أحد أسباب عدم الوصول إلى نظرية عامة للعلاقات الدولية.
وفي ظل مراجعات ما بعد الوضعية وما بعد الحداثة عقب نهاية الحرب الباردة، تجددت بعض الدعوات، في معرض تقييم حالة حقل العلاقات الدولية، التي رأت أن منظورات الحقل المتعاقبة عليه تعكس عنصرية غربية وتحيزًا حضاريًا وإثنيًا؛ حيث لا تتضمن هذه المنظورات مشاركة رؤية الدول النامية[40].
واستمرت هذه الدعوات تحمل أبعادًا جديدة حتى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، فتجدد نقد البعض[41] لهيمنة الدراسات الأنجلوساكسونية والنظرة الفوقية من أعلى إلى أسفل التي مازالت تسود العلم الأكاديمي، على النحو الذي يظل معه علم العلاقات الدولية ليس علمًا عالميًا. ثم اكتسبت هذه الدعوات بعد الحادي عشر من سبتمبر أبعادًا أكثر وضوحًا؛ إذ ربط البعض[42] مثلًا بين نظرية العلاقات الدولية والأخلاق والقيم على ضوء التعقد الذي أصاب العلم، مناقشًا مفهوم “الخلو من القيم” فتقدًا الدلالات التاريخية والثقافية للمفاهيم الغربية (العنف أساسًا) المستندة للتمييز التقليدي بين داخل الدولة القومية وخارجها، وبين الاقتصادي والسياسي، وبين النطاق العام والخاص. ومن ثم دعا إلى مفاهيم تؤكد التفاوض والمنظور والتفاهم بدلًا من المفاهيم التي تعكس توجهًا علويًا عن الحقيقة، وتبين كيف أن السائد هو الذي يقدم نفسه بوصفه المحايد والعالمي.
وإذا كانت هذه النماذج تقبل بتعدد المنظورات الحضارية، وكانت الجهود العلمية الغربية الجادة قد ساهمت في دراسة “رؤية إسلامية للعلاقات الدولية أو مواقف الإسلام من قضايا دولية”[43] ، فإنها لم تقدم بالطبع منظورًا إسلاميًا مقارنًا في مجال نظرية العلاقات الدولية، بل لم تدعو إليه.
وطرح أ.د. بهجت قرني[44] أهمية تقديم رؤية إسلامية عن العلاقات الدولية، انطلاقًا من أن حالة العلم الراهنة تتسم بتعدد المنظورات المتنافسة، والتنامي في وزن ودور الأبعاد الثقافية والقيمية للعلاقات الدولية، وأن المسلمين يمثلون خُمس سكان العالم، وأن قضايا العلاقة بين الإسلام والمسلمين والغرب تحتل الاهتمام العالمي، وأن الوصول إلى “عالمية” علم العلاقات الدولية يفترض مشاركة منظورات أخرى غير الغربية.
وكان د. طه العلوانى، ود. علي الدين هلال عند افتتاح مؤتمر مناقشة أعمال مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (1997) قد قدما أيضًا رؤاهما في هذه المنظومة من الدوافع والمبررات[45]، وتتلخص رؤية د. طه في الآتي:
– ما هو معروف اليوم بالنظام العالمي الجديد هو النظام العالمي الثالث في هذا القرن، يقوم على فكرة محورية وأساسية تكاد تنفي الخصوصيات، وتؤسس نسقًا ثقافيًا وفكريًا وأخلاقيًا وسلوكيًا عالميًا، هو في أساسه، ذلك النسق الذي تطور عبر التجربة الأوروبية في مراحله المختلفة. ومن هنا تنبع ضرورة إبراز الإسهامات المختلفة للخصوصيات الثقافية في العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفة خاصة، لكي تسهم في صياغة العالمية المعاصرة صياغة مناسبة خاصة. فالقيادة الأمريكية لهذه العالمية قد بدأت تدخل فيها إلى مأزق المركزية – بقصد أو بدون قصد- ولا يكون البديل أن ننغلق في خصوصياتنا أو نتقوقع فيها، بل قد يكون ذلك مستحيلًا حتى لو قبلناه من حيث المبدأ.
وخير أسلوب للتفاعل مع العالمية والتعامل معها، هو الإسراع في إبراز وتطوير المنظورات الثقافية المختلفة للتفاعل مع هذا المنظور المهيمن قبل أن يكرس المركزية باسم العالمية. فبالإمكان إيجاد أن صياغة، جديدة لهذه العالمية. ومن المؤكد أن للمسلمين قدرة على الإسهام في إعادة هذه الصياغة وإلا فقد تستحيل إلى عولمة للثقافة وللحضارة الأوروبية، لا على أساس التنوع والتعدد واحترامه، بل على أساس فرض الخصوصية الغربية بكل ما تحمله من معان، ومن هنا تأتي أهمية طرح مثل هذا المشروع البحثي الذي يقدم رؤية ومنظورًا مهمًا مغايرًا في العلاقات الدولية، يمكن أن يحاور وينقد النسق القائم ويتفاعل معه، ويمثل أسلوبًا من الأساليب التي ينبغي اتباعها في الحوار بين الحضارات والثقافات.
– هناك عمليات شاملة من المراجعة والتقويم والنقد الذي قد يصل إلى حد النقض لمرحلة الحداثة وما أنتجت من علوم ومعارف ونظريات وأفكار، ومن أهم المحاور التي يتم التركيز عليها وبصورة كثيفة، العلاقةُ بين العلم والقيم، وبين الدين والمعارف الإنسانية والاجتماعية.
إنّ الدعوة القديمة التي تقول بضرورة فصل العلم والقيم، وأن العلم لابد أن يكون خاليًا من القيم، تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر في تحديد طبيعة القيم وشكل العلاقة بينها وبين العلم، وهل يمكن أن يوجد علم خال من القيم يحدث عمرانًا أو ينشئ حضارة؟ فالمنظور الإسلامي يقيم علاقة صحيحة بين العلم والقيم، وذلك من خلال تحديد القيم وجعلها قيمًا مطلقة لا تخضع لمصالح شخصية أو قومية أو حزبية أو فردية. وفي هذا الإطار يمكن القول إن القيم العليا أو الحاكمة التي يمكن أن يقدمها الإسلام في هذا المجال يمكن أن تتلخص في هذه القيم الأربع: (التوحيد، العمران، التزكية، العدل).
– ظهرت بعد حرب الخليج الكثير من الكتابات حول القيم التي ينبغي أن تحكم العلاقات الدولية، بسبب غياب التوازن الطبيعي الذي حكم العلاقات الدولية خلال فترات تاريخية كثيرة.
ومن هنا جاء النقاش الدائر حول القيم والعلاقات الدولية، ومن هنا أيضًا يمثل هذا المشروع إسهامًا هامًا في هذا الاتجاه، ودعمًا لتيار جديد من الفكر يتبناه باحثون كثيرون ومفكرون من مختلف الأديان وينتمون إلى ثقافات مختلفة. وقد بدأ هذا التيار يتنامى في مختلف أنحاء العالم، حتى إن جامعة طوكيو في اليابان أنشأت مركزًا للأبحاث، انصرف بصورة أساسية إلى دراسة العلاقات الدولية في الإسلام، ودراسة ما يمكن أن يوظف من التراث الإسلامي في تصحيح المسار المعاصر للعلاقات الدولية.
– تنامي الدراسات التي تربط بين الأديان والعلوم الاجتماعية، فتنامي الظاهرة الدينية في العالم وتصاعد ما عرف بالأصولية، دفع كثرًا من الباحثين ومراكز الأبحاث والجامعات إلى الاهتمام بدراسات العالم الإسلامي، فضلًا عن أن تصاعد مفهوم الجهاد في الخطاب الحركي، أعاد تذكير الغرب وجامعاته ومراكز بحوثه بتراث تاريخي من الصراع الإسلامي، فأصبح مفهوم الجهاد من المفاهيم الغامضة الملتبسة في العقل الغربي، إذ أضحى مفهومًا يستدعي مخزونًا تاريخيًا من صور نمطية عن الإسلام والعالم الإسلامي، كما عضد ذلك تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة، التي تستثمر وتستغل نفس المفاهيم التاريخية عن دار الإسلام ودار الحرب ومقاتلة الكفار والتأسيس عن أصل الحرب أو أصل السلام، أو سوى ذلك من نقاش دار في تاريخنا أو تراثنا الفقهي في فترات تاريخية إسلامية معروفة. كل ذلك أدى إلى تنامي ظاهرة الاهتمام بالعلاقات الدولية في الإسلام.
إن مجرد إعادة إنتاج التاريخ الإسلامي أو محاولة ذلك، أو الانزلاق في فكر المفاخرة والمباهاة والقول بأن تاريخنا كان ناصعًا وعظيمًا، أو أنه كان تاريخ ملائكة، لم يعد يغني ولم يعد كافيًا، فلا من دراسة الواقع وتفكيكه، ومحاولة فهم كافة تضاريسه وما أسهم في تكوينه، وبالرغم من أهمية الاعتزاز بالذات والتمسك بالهوية بكونها مصدر الوجود والاستمرار، لكنّ التناول الأكاديمي يقتضي وجود الموضوعية، وتجاوز النزعات العاطفية، وإلا فإن العلم برمته لن يكون أفضل كثيرًا من القصة والحكاية وأي نوع من أنواع الأدب الشرقي، ولن يسهم بصورة فعالة في تطور المجتمعات وبنائها، إلا إذا كان من تلك العلوم التي تستطيع أن تستفيد من التراث، وتستطيع أن تستفيد من المعاصرة في الوقت نفسه، دون الوقوع في أفكار التلفيق أو المقارنة، بل محاولة إعادة صياغة أصيلة من خلال التفاعل مع المنظورات الثقافية الأخرى السائدة في هذا العالم.

ثانيًا: التساؤلات والانتقادات والتحفظات

توالت التساؤلات والانتقادات من أطراف ذات مستويات علمية وبحثية مختلفة واختلف مدى اطلاعها وقراءتها في أعمال مشروع العلاقات الدولية في الإسلام أو حول قضية “التوجه اٍلإسلامي للعلوم”، أو “المنظور الإسلامي للعلوم”. فقد جاءت بعض هذه الانتقادات فور الاستماع إلى كلمة منظور إسلامي؛ ومن ثم فهي تتراوح بين كونها تساؤلات استيضاحية، وبين الرفض الناقد أو الناقض، وبين القبول بشروط وتحفظات. وتنقسم إلى مجموعتين:
الأولى: تمثل إرهاصات تساؤلات طلبة الدراسات العليا التي ظهرت عقب تدريسهم منظورات العلم المقارنة ومراجعة حالة العلم، وذلك عند طرح القضية أمامهم على النحو التالي: ما هو المنظور الإسلامي؟ وما هو وضعه في سياق نظرية للعلاقات الدولية؟ وهل يمكن تطويره؟ وكيف؟
الثانية: تمثل انتقادات منهاجية منظمة، تنطلق من إطار مرجعي مختلف، إما رافض أو متحفظ، وقدمها متخصصون في مناسبات متعددة[46].
المجموعة الأولى: تراكمت خلال ثلاث سنوات من العملية التدريسية، وتم رصدها وتسجيلها وبشكل منظم ولهدف علمي محدد وهو اكتشاف مناطق التحيز في استجابات الطلبة والبحث عن أسبابها، ودعوة الطلبة لاكتشافها بأنفسهم، ومناقشتها والتعليق عليها، على ضوء ما تم دراسته مسبقًا من أدب منظورات العلم ومراجعاته. فبعد ثلاث سنوات من تراكم الأسئلة والتعليقات خلال المحاضرات وغيرها، ومع اكتشاف التكرارات المنظمة عبر هذه السنوات تم توثيقها وصياغتها بمفردات الطلبة ذاتها[47]. وعبر أربع سنوات تالية كان يُطلب من الدارسين عدة تدريبات، تتضمّن قراءتها وتصنيفها في فئات وفق معايير محددة، على الطالب توضيحها مع والتعليق عليها في ضوء التمهيد، والدوافع، والمسوّغات لوجود منظور إسلامي. وكذلك في ضوء التفكير في الأسباب التي تفسر صدور مثل هذه المقولات عن طلبة الدراسات العليا، وتحديد الطالب لموقفه بين هذه المقولات، وأسباب تبنيه لبعضها ورفضه الأخرى.
وتتلخص هذه المقولات في الآتي:
1- المنظور مدخل علمي لا يفترض فيه الانحياز المسبق لوجهة نظر إسلامية أو غير إسلامية.
2- الإنتاج الغربي في حقل العلاقات الدولية يفي في معظمه بالغرض الذي صيغ لأجله، فضلًا عن أنه يمارس عملية نقد ذاتي مستمرة، بهدف تحقيق أكبر قدر من التماسك الداخلي، الأمر الذي يجعل من الممكن التعويل عليه بقدر أكبر من الثقة دونما حاجة إلى استلهام منظور جديد.
3- إذا كان الغربيون لا يعرفون التخندق حول أطر نظرية ضيقة، ويمارسون عملية مرنة من استعارة ومبادلة المفاهيم بين مدارسهم الفكرية المختلفة، فلِمَ نقوم نحن بخلاف ذلك حينما نفرض على أنفسنا استخدام منظور واحد منعزل عما سواه؟!
4- إذا كان معظم إنتاج الفكر الغربي يبدأ من الواقع وينتهي إليه -على عكس النموذج الإسلامي؛ ألا تعد هذه خصيصة تحسب للفكر الغربي على أساس ما توفره من مرونة، فضلًا عن أن المنظور إنما يكون الهدف منه فهم الواقع، وعليه لا ينبغي أن يكون ارتباطه به بداية وانتهاء أحد أوجه انتقاده، خاصة وأن الواقع في البيئة الغربية هو من القوة بحيث أمكن أن يُؤسَّس عليه علم متكامل، وهو الأمر الذي يفتقده الواقع الإسلامي المعاصر.
5- إذا كان من المنتظر من المنظور الإسلامي ألا يقدم أكثر من مجموعة أماني لا تخدم فهم الواقع في شيء، فهل يعد هذا هو الوقت المناسب للتمسك بعبارات إيديولوجية لا تزيد على كونها مجرد شعارات غير ذات قدرة تحليلية؟
6- إذا كان المنظور الإسلامي مرتبطًا بقضية الإحساس بالذات، ومحاولة بلورة هوية حضارية متكاملة الأبعاد، فلِمَ لا تترجم مسألة الهوية عبر صياغة منظور عربي لدراسة العلاقات الدولية؟
7- التنظير الغربي كان وليد الواقع في محاولة لتفسيره؛ ومن ثم تغير التنظير مع تغير الواقع، ومن ثم فإن قوة التنظير الغربي تنبع من كونه تنظيرًا مفسرًا. فهل يعد التنظير المنبثق عن المنظور الإسلامي الذي يأتي الحديث عنه الآن في الأزمة الحضارية للأمة، وسيلة للخروج منها؟ وهل الصورة المثالية التي يقدمها المنظور تقدم سبل الوصول إليها، أم تقتصر على تقرير ما يجب أن يكون عليه الواقع؟ ومن ثم فإن التحدي أمام المنظور الإسلامي هو قدرته على تفسير الواقع، وعلى التفعيل لتغييره.
8- المنظور الإسلامي بالمعنى الذي يطرح به هو شيء موجود منذ أربعة عشر قرنًا، فما هي ملابسات وأسباب الحديث عنه الآن بشكل يوحي بأنه شيء مستحدث؟
9- لماذا الحديث فجأة الآن -بعد أربع سنوات من الدراسة- عن منظور إسلامي للعلم؟ لماذا لم يسبق ذلك تمهيد في مراحل أخرى من العملية التعليمية؟
10- لماذا تتم دراسة منظور إسلامي في إطار مقارن مع منظورات العلم، وانطلاقًا من العلم الغربي ودائرته؟ وهل يهتم الغرب بدراسة منظور إسلامي للعلاقات الدولية كتقليد أكاديمي؟
11- ما الجديد الذي سيقدمه هذا المنظور مقارنة بما قدمته كتب العلوم الإسلامية المعنية بهذا المجال من الأنشطة، أو بهذه الظاهرة الدولية؟
12- كيف يتحقق الربط بين السياسة الواقعية التي لا تلتزم بالقيم والأخلاق، ومنظور يقوم على أصول دينية تحوي مضمونًا قيميًا أساسيًا؟
13- هل الاهتمام بالدوافع والمسوّغات والتركيز عليها مقصود وإرادي، لإضفاء شرعية على المنظور الجديد من داخل دائرة العلم الغربي، أم أن شرعية هذا المنظور تتحقق من مصادر أخرى؟
14- ما معنى منظور وإطار مرجعي ونسق معرفي؟ وهل الفقه فقط هو المنطلق نحو منظور إسلامي؟ وما هي المنهاجية الإٍسلامية؟
15- ما هي شروط بروز منظور إسلامي وتطوره؟ وكيف يتم قبوله والاعتراف به إقليميًا وعالميًا؟ وهل وهن الأمة المادي وضعفها يحول دون البداية فى تطوير هذا المنظور ودون التطوير ودون القبول به في دائرة العلم؟ وهل جهود تطوير المنظور هي رد فعل لوهن الأمة وتعبير عن الحاجة لتأكيد الذات ولو على المستوى الفكري؟
16- الحديث عن منظور إسلامي يفسح الطريق للحديث عن منظورات دينية أخرى؛ فهل هناك منظور يهودي أو مسيحي؟ وهل منظور حضاري إسلامي هو آخِر المنظورات الدينية؟
17- كيف يمكن الرجوع إلى الأصول الإسلامية لدراسة العلاقات الدولية، ألا يمثل ذلك صعوبة ذلك نظرًا لعدم التخصص في العلوم الشرعية، ولأن كتب الفقه والتفاسير والسنة يكتنفها الغموض؟
18- عند الحديث عن منظور إسلامي يبرز شعور بالانفصال عن الواقع؛ لأنه يقدم بصورة مثالية بعيدة عنه، ومن ثم يفقد مصداقية تطبيقه العملي، لعدم وجود الروابط بين مجالات الحياة الراهنة وما يحدده الدين؟
19- كيف نتحدث عن منظور حضاري لأمة إسلامية في علاقاتها الدولية وليس هناك أمة كما يتضح من الحروب بين المسلمين منذ الفتنة الكبرى؟ وهل هناك دول إسلامية حتى نتحدث عن منظور إسلامي لعلاقاتها الدولية؟
20- أليس الاهتمام بتقديم منظور حضاري إسلامي يعني قطع العلاقة مع الآخر من ناحية والتعارض مع المواطنة وتحويل المسيحيين إلى كفار؟
21- ما العلاقة بين منظور إسلامي للعلاقات الدولية ومنظورات أخرى: انقطاع أم انعزال أم استعلاء أم نقد ومقارنة متبادلة حتى يحدث تلاقح فكري وتواصل معرفي؟ وهل مثل هذه العلاقة الأخيرة ممكنة بين منظور -ذي جذور دينية- ومنظورات علمانية؟
22- هل هناك مناهج إسلامية محددة وأدوات لدراسة الظاهرة الدولية تختلف عن المناهج الغربية، أم أن الأمر يقتصر في المنظور الإسلامي على إطار مرجعي وقواعد لرؤية العالم، وليس تحليله ودراسة ظواهره؟ وهل نظل ننقد مناهج البحث الغربية ولا نحدد منهجًا إسلاميًا؟
23- إن علم العلاقات الدولية الغربي يحلل ويفسر كل أنواع العلاقات بين كل أنواع الفواعل؛ فهل سيقتصر المنظور الإسلامي على العلاقات بين المسلمين وغيرهم أم فيما بين المسلمين فقط؟
24- هل المنظور الإسلامي -أو منظور ما- يتم تعلمه أو ممارسته، هل له وصفة جاهزة من يعرفها يكون قد أضحى ذا منظور إسلامي؟ هل هو ذو صبغة ثقافية أم هو عملية تعليمية منظمة الأسس والقواعد؟
وفضلًا عن هذه التساؤلات الناقدة أو المتعجبة في معظمها، فإن نماذج معدودة من الطلبة قدمت مداخلات تؤيد فكرة منظور إسلامي وتبرره على أساس من حماسة لا تستند إلى مبررات منظمة وعلمية، أو على أساس من وعي بأسانيد ومبررات هذا التأييد الذي ينطلق من تبني إطار مرجعي إسلامي، أو على أساس من مجرد التمييز بين الإسلام كدين وعقيدة وبين الإسلام كسياق حضاري وثقافي، أو من حيث هو رؤية للعالم؛ حيث إنه وفقًا للمعنى الثاني للإسلام يمكن الحديث عن منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية.
إذن ما دلالة هذه المقولات بالنسبة لإشكالية التحيز؟ ما الذي تكشف عنه من تحيزات؟ وكيف يمكن مناقشتها انطلاقًا من تحيزات متقابلة؟ لا يمكن استيفاء كل مداخل تعليق الطلبة وقضاياه- عبر 4 سنوات – في هذه الدراسة، ولكن يكفي كمثال طرح نموذجين متميزين من هذه المداخل، رسما خريطة القضايا المثارة في التعليقات وتصنيفاتها -معرفيًا ومنهاجيًا ونظريًا[48]- على نحو يوضح مناط التحيزات المتقابلة.
النموذج الأول: أجاب عن سؤالين: من أين تنبع الأسئلة وإلى أين ترمي؟ مميزًا بين ست مجموعات من التوترات لدى الطلبة، وهي توترات نابعة من ثنائية الواقع والتنظير، وثنائية الذات والآخر، وثنائية الواقع المادي والقيم، وثنائية الديني/ العلمي، وثنائية التقليدي والجديد في الخبرة الأكاديمية، وأخيرًا ثنائية الموضوعية والتحيز.
النموذج الثاني: صنف الأسئلة وفق ثلاثة محاور: الاحتياج للمنظور (الميلاد)، الشكل: المضمون والمنهج (الوجود)، الفاعلية والتفاعل (المنظور في الواقع المعاصر). فالفاعلية تطرح القدرة على التفسير والتغيير، والتفاعل يطرح أبعاد العلاقة مع المنظورات الأخرى.
المجموعة الثانية: مقولات ناقدة، وناقضة، ومتحفظة، المتحفظة.
وقد وردت على لسان أساتذة متخصصين في ملتقيات ناقشت مشروع العلاقات الدولية في الإسلام وما تلاه من جهود، وخاصة حولية “أمتي في العالم”. ونذكر هنا على سبيل المثال تعليقات د. وجيه كوثراني، و د. علي الدين هلال بوصفهما نموذجين مثيلان توجهين أساسيين: ناقض ومتحفظ.
ففي حين انطلق الكوثراني من رفض فكرة منظور إسلامي، استنادًا إلى عدة مقولات، فإن هلال رأى أن السعي وراء تطوير هذا المنظور يمثل ضرورة وتحديًا؛ ولذا فهو محاط ببعض التحفظات.
وينطلق د. وجيه الكوثراني[49] في أسانيده لرفض إحلال المركزية الإسلامية محل المركزية الأوروبية، من كون المنظور الإسلام صورة مقابلة وموازية للمنظور الغربي، ومن ثم فهو يراه إعادة تأكيد لصورة الثنائية التقليدية بين الغرب والإسلام؛ منظورًا إليها هذه المرة من موقع المسلم أو الإسلامي الذي سبق أن رفض هذه الثنائية في أدبيات المركزية الغربية، فضلًا عن أن النقد المنهجي- الإبستمولوجي لأسس المعرفة قد جاء من الغربيين أنفسهم، وأن مادية الغرب في نسقيه الليبرالي والماركسي قد تعرضت للنقد الذاتي من الداخل؛ بخلاف الحالة الإسلامية الذهنية والفكرية السائدة التي لم تعرف هذا القدر من النقد الذاتي. ورفض د. وجيه ما يسمه مصادرة الموقف الديني (العقيدي) للمسعى العلمي وللرأي، حين يسبغ هذا الموقف صفة المقدس الصحيح الشامل على “منظور إسلامي” بحيث تُقفَل أبواب المسعى العلمي القائم على الشك والنقد؛ ولذا فهو وإن أشاد بأهمية مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، إلا أنه أكد هدفًا استراتيجيًا بعيدًا، هو تحقيق عالمية الإنجاز والإنتاج العلمي العربي والإسلامي وليس الإنجاز من موقع الإسلامية الدينية العقيدية، ثم رأى عدم تحميل المنظور دلالات عقدية، حتى يتسنى تفكيك الالتباس بين الديني والسياسي، وبين الوضعي والمقدس.
وينتقد التمييز بين استخدام المناهج وأدوات التحليل الغربية -مثل التحليل النظمي- ومضمون التفسير والتحليل من منظور إسلامي، لأن هذا التمييز يتم من خلال موقف ذهني تماثلي وإسقاطي؛ إذ يستعين الباحث الإسلامي بترسانة النقد الغربي ذاتها وتطور المعارف والمناهج من خارج التجربة التاريخية الإسلامية وحقلها لينسبها إلى منظور إسلامي، ويجعل هذا المنظور هو الجذر والأساس.
ويتضح من هذه المقولات كيف أنها تنطلق من تحيزات معرفية تجاه مفهوم العلم، مفادها أن الديني إنما هو ضد العلمي، واختلاف عالمية المناهج والأدوات، ورفض أن يكون “الإسلام” بصفة عامة قادرًا على توليد علم ومعرفة، فهو يقتصر على رؤية الإسلام بوصفه دينًا وعقيدة..
أما أطروحات د.علي الدين هلال التى جمعت بين المساندة والتحفظ، فتتلخص في ثلاث نقاط مركزية [50]:
– اختلاف مجال الدراسات الإسلامية من علم اجتماعي إلى آخر في جامعاتنا المصرية في بعض المجالات المعرفية، فهناك وجود واضح وإسهام متميز في فرع القانون مثلًا وفرع التاريخ وفرع الفلسفة، وفي هذه المجالات توجد مدارس علمية وأجيال من الباحثين – على الأقل منذ ربع قرن أو يزيد- تعاملت مع الشأن الإسلامي ومع إسهامات المفكرين المسلمين في هذه المجالات، وأبرزوا مساهمة المفكرين المسلمين في هذه المجالات وتقديمها جزءًا من التاريخ الإنساني والتاريخ البشري في فروع مختلفة، أما في علم الاجتماع، فلم يحدث هذا التواصل المعرفي، باستثناء مساهمة ابن خلدون ودوره في طرح بعض النظريات.
وفي فروع أخرى أقل حظًا مثل علم السياسة، وعلم الاقتصاد لا نجد مثل هذا الذي نجده، سواء في المجموعة الأولى من العلوم أو حتى في مجال علم الاجتماع، وإنما نرى جهودًا فردية تختلف في مستواها أو مدى تواصلها. والنتيجة هي أن هناك مهمة، ومسؤولية، نقصًا ينبغي أن نتعامل معه كجماعة أكاديمية مهتمة ببحث الظواهر الاقتصادية والسياسية في مصر وفي وطننا العربي.
– أن العلوم الاجتماعية، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد تحديدًا، هي علوم تأثرت بالمناخ السياسي الاجتماعى الثقافي الحضاري المعنوي في بلادها؛ بمعنى أن العلوم الاجتماعية علوم محددة ثقافيًا وحضاريًا واجتماعيًا. وعندما نتأمل في كيفية وفي أجواء ظهور بعض الأفكار الكبرى، فإننا نكتشف أنها مرتبطة بسياقات تاريخية وثقافية وحضارية معينة، ولهذا ينبغي أن لا يكون لدينا أي شعور بالحرج أو بأننا لا نفعل شيئًا غريبًا عندما نبحث في الأصول الإسلامية، وفي نتائج قرائح وعقول المفكرين المسلمين لنكتشف ونتبين ما الذي أسهم به هؤلاء في مجالات السياسة والاقتصاد.
– كي يكتسب هذا النوع من العمل العلمي سمة الأكاديمية والموضوعية، ينبغي أن يتحلى بعدد من السمات: * ألا يرتبط بتطورات سياسية معينة، بل ينبغي أن يكون همًا مستمرًا بغض النظر عن أحداث سياسية طارئة، قد تكون مجندة أو تكون غير مجندة لهذا النوع من النشاط. * أن يتسم بالتواصل، لأن ما لا نعرفه عن هذا الإسهام هو أكبر بكثير مما نعرفه. هناك إذن مهمة كبيرة في تغطية المخطوطات المختلفة بهذا الشأن وبحثها وتحليلها والدراسة التفصيلية لها، وتوثيقها، شأنه في ذلك شأن أي عمل أكاديمي؛ فإذا بدأ الباحث وفي نيته الدفاع، فإنه يكون قد خلع عن نفسه صفة الباحث وتحول إلى شيء آخر، وإذا بدأ الباحث بتصور معين أننا بوصفنا مسلمين نملك أفضل وأسمى فكرة، وتصبح القضية هي إثبات سمو الفكر الذي طرحته عقول مفكرينا على سائر البشرية. فنحن نبدأ بما لن يدخلنا في صميم العقل الأكاديمي، أو البحثي، أو حتى التأصيل العلمي الموضوعي لتاريخنا ولفكرنا.
· زعم أن كل ما طرحه مفكر مسلم هو بالضرورة متميز ومختلف عما طرحه المفكرون الآخرون من أبناء الهند، أو الصين، أو أوروبا، أو أمريكا. فالمسلمون بشر، والقوانين البشرية التي سنَّها الله سبحانه وتعالى تنطبق على العقل المسلم بقدر ما تنطبق على العقول الأخرى. هناك تمايزًا، وخصوصية هنا أو هناك بمثل ما للآخرين من خصوصيات، ولكنهّها خصوصيات تصب جميعًا في رافد التطور البشري والتاريخي عمومًا. وفي يقيني – كباحث مصري مسلم- أن عظمه ما يمكن أن يسفر عن هذا الاهتمام، ليس في إثبات خروج المسلمين عن سياق التاريخ، فما طرحه المفكرون المسلمون من نظريات ومن أفكار ومن نتائج تصب في المجرى الحضاري، في تاريخ البشرية، بحيث يمكن القول بأن لهم إسهامًا مثل ما للصينيين وما للهنود من إسهام وما لأوروبا الغربية أو الولايات المتحدة من إسهام. عظمة الفكر الإسلامي- إذن- لا تكون في أن نعزله عن مصادر التاريخ، وإنما في أن يكون رافدًا ثريًا وخصبًا ومضيفًا لتيار البشرية، وأن ما طرحه العقل المسلم من أفكار تصلح للمجتمعات الاسلامية بقدر ما تصلح لمجتمعات أخرى، لأن فيها جانبًا عالميًا وجانبًا إنسانيًا يخاطب الإنسان فى كل زمان ومكان.

الجزء الثاني

الأبعاد المنهاجية لدراسة أهداف منظور إسلامي (قيمى إنساني) وخصائصه
مقارنة بمنظورات غربية (وضعية علمانية) (مادية وغير مادية)

تحددت أهداف مشروع العلاقات الدولية في هدفين أساسيين: أحدهما يتصل بالرؤية عن أصل العلاقات الدولية في الإسلام، وثانيهما يتصل بالأبعاد التنظيرية الجزئية حول أبعاد دراسة الظاهرة الدولية و مستوياتها[51].
وتمثل التحدي الأساسي الذي واجه عملية بناء منظور إسلامي لدراسة في تحديد وضع هذا المنظور ومقارنته بمنظورات العلم الغربية على ضوء خصوصية وتميز طبيعته، وخصائص هذه المنظورات الأخرى وطبيعتها، السائدة والمتنافسة (الواقعية، والتعددية، والبنيوية)، على ضوء موضعه من نتائج المراجعات القائمة للحالة السائدة للمنظورات، وهي الحالة التي تكشف عن أزمة.
وإذا كانت محصلة هذه المراجعات قد أظهرت مجموعة من الخصائص التى تتسم بها حالة المنظورات المتعاقبة وجدالاتها (عبر ما يقرب من 75 عامًا من تاريخ العلم) فإن الاقتراب من طبيعة مصادر المنظور الإسلامي وخصائصه ستبين لنا كيف أنه يمثل تراكمًا مقارنًا في الحقل، تتحقق من خلاله مشاركة الخبرة الإسلامية بكل مستوياتها: المعرفية، والتأصيلية، والفكرية والتارخية. ويُقدم هذا المنظور كذلك محاولة لعلاج أزمة مدخل المنظورات.
وتتلخص الخصائص التي أظهرتها المراجعات في الآتي:
· التغير المستمر في المنظورات الذي رافق التغير المستمر والمعقد في الواقع الدولي؛ بدعوى الاستجابة لمتطلبات دراسة هذا التغير والتأثير في مساره، وهو الأمر الذي أدى إلى فوضى المنظورات المتنافسة والمتقابلة، وعلى نحو دفع إلى التساؤل عن عواقب الافتقاد للثابت، وهل هي منظورات لجوانب مختلفة من عالم واحد، أو هي رؤى عن عوالم مختلفة؟، وهل يحقق هذا التغير أهدافًا حركية للقوى المهيمنة سياسيًا وفكريًا ونظريًا؟ أي لماذا هذا المسار في التحول من أولوية السياسي – العسكري إلى الثقافي الحضاري مرورًا بالاقتصادي؟
· مشاكل الاستقطاب الثنائي للمنهاجية بين العلمي والقيمي، ومن ثم بروز الدعوات التوفيقية، أو الوسطية حول إمكانيات الدراسة العلمية، دون استبعاد القيم والثقافة، ومن ثم الحديث عن الواقعية – القيمية، أو القيمية الواقعية، أو المثالية – الواقعية.
· انتقاد الجزئية والاختزالية عند تناول الظاهرة الدولية المعقدة والمركبة، سواء بالتركيز على الأبعاد العسكرية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو بالتركيز على الأبعاد المادية دون غيرها، وهو الأمر الذي يحول دون الفهم العميق والدقيق للتحولات الجارية والمستقبلية، ومن ثم الحاجة إلى رؤية كلية تستدعي بالضرورة إسقاط الحدود بين علم العلاقات الدولية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، وتفعيل التعاون البيئي.
· فك الاشتباك المتأرجح بين أولوية الصراع بين القوى والمصالح والحروب، وأولويات آليات الاعتماد المتبادل أو تجانس المصالح، ومنظومة هذه العمليات والعلاقات بينها؟
ومن المناسب صوغ هذه القضايا في أسئلة نحو: ما السبيل إلى رؤية كلية للظاهرة الدولية تجمع بين المادي وغير المادي، وبين الداخلي والخارجي، وبين العقلانية والقيمية؛ أي ما السبيل إلى رؤية كلية عن المحتوى والمنهاجية؟ وما موضع منظور إسلامي من هذه المراجعة؟ وما خصائص المنظور الإسلامي المقارنة؟ وكيف تعكس الاختلاف بين مصادر المنظورات وطبيعتها؟ وكيف تعبر عنها في الوقت نفسه؟ وما هو نمط التراكم المتحقق؟
وباسترجاع معنى المنظور ووظيفته، ومعنى النسق المعرفي ودلالاته، وباسترجاع أبعاد دراسة المنظور منهاجيًا ومضمونيًا، يمكن فى حقل العلاقات الدولية إجمال الإجابة في المقولة المركبة التالية:
إن منظورًا إسلاميا لدراسة العلاقات الدولية هو منظور قيمي ذو طبيعة خاصة، وترجع خصوصية هذه الطبيعة إلى تميز مصادره وأصوله عن نظائرها في المنظورات الغربية، وهو التميز الذي يرجع بدوره لاختلاف طبيعة النسق المعرفي. وتنعكس هذه الطبيعة القيمية الخاصة بدرجة كبيرة على منهجية المنظور وأدواته، وعلى افتراضات المنظور ومقولاته حول الأبعاد الأساسية لدراسة العلاقات الدولية: أصل العلاقات ومحركها، والفواعل ووحدات التحليل ومستوياته، ونمط قضايا العلاقات الدولية، وتفاعلاتها محل الاهتمام، ونمط التفاعلات، والعلاقة بين الداخلي والخارجي، وبين المادي وغير المادي في تفسير الأحداث والتطورات. وذلك على النحو التالي:

أولًا: المنظور الإسلامي لدراسة العلاقات الدولية منظور قيمي ذو طبيعة خاصة: كيف ولماذا؟

انطلاقًا من طبيعة النسق المعرفي الإسلامي وخصائصه، لا يمكن القبول بالمنظورات المنبثقة عن النسق المعرفي الغربي، وإن كانت تتمتع بالعلمية والموضوعية أو العالمية، غير أنه لا بد من الإقرار بإمكانية وجود منظورات أخرى ذات طبيعة مختلفة، لاختلاف الأنساق المعرفية. ومن ثم، فأمام مادية المنظورات الغربية السائدة ونفعيتها وعقلانيتها، لابد وأن نقرّ بوجود منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، وهو منظور قيمي ذو طبيعة خاصة. وهنا نستطيع أن نرصد مجموعة من الإشكاليات المنهاجية، وكيفية التعامل معها:

1- إشكالية العلاقة بين الثابت والمطلق وبين المتغير: ومعنى هذا البحث في إشكالية العلاقة بين مصادر المنظور سواء الأصول الثابتة أو الاجتهاد المتغير، وما تطرحه من إشكالية العلاقة بين الوحي والعقل في ظل معطيات الواقع ومتطلباته المتغيرة[52]. وهذه الإشكالية المتعددة الأوجه حول مصادر المنظور فرضت ثلاثة مسارات منهاجية:
أ. إن مصادر بناء منظور إسلامي للعلاقات الدولية لابد وأن تنطلق من أساس شرعي سواء أكانت أحكامًا قاطعة أو منظومة القواعد والمبادئ والأسس العامة التي أوردتها الأصول بشأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم وفيما بينهم.
ولهذا فإن نقطة البداية في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام هي دراسة: “الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية في الإسلام”[53]؛ انطلاقًا من أن المسلمين -بغض النظر عن شكل التنظيم السياسي الذي يجمعهم (أمة في دولة واحدة، عدة دول، جماعة)- مأمورون، بناء على عموم وشمول الشريعة وشمولها، بالاتصال بغيرهم لإيصال الدعوة، بناء على أسس معينة تمثل الأساس الشرعي المستمد من الأصول. وتقوم هذه الدراسة على مناقشة الاتجاهات الفقهية الثلاثة الكبرى حول تأسيس أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وصولًا إلى تقديم اجتهاد يتبنى “الدعوة” لتكون أصلًا لهذه العلاقة. ومن المبادئ والأسس الحاكمة لهذه العلاقات وحدة الإنسانية، وما يترتب عليها من مبادئ المساواة والعدل، ومبدأ الوفاء بالعهود وما يترتب عليه من مبادئ واجب النصرة وعدم المعاملة بالمثل عند الإخلال بالعهود، وأخيرًا مبدأ الولاء والبراء.
ب. تأسيس مصادر المنظور على منظومة القيم الحضارية التي يتضمنها الإسلام. فبعد نقد مفهوم القيم في الفكر الغربي، وفي الفكر الإسلامي على حد سواء، أن اتضحت مسوّغات الاعتبار للقيم في مواجهة ما يسمى العقلانية الرشيدة والعلمية الموضوعية ضمن منظومة البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبعد عرض أبعاد الحاجة لإعادة تأصيل مفهوم القيم وإمكانياته، يتضح لنا كيف أن هذه المحطة المنهاجية الثانية في المشروع تنبني على المقومات التالية:
النظر إلى القيم بوصفها الروح السارية في البنية المعرفية للرؤية الإسلامية، ولهذا فهي مفهوم حضاري، ومدخل منهاجي، و إطار مرجعي، ونسق قياس، وتأسيس لرؤية كلية للعالم، ونموذج إرشادي ومعياري، ومن ثم فإن القيم تصبح مظلة، ومنظومةً، ومفهومًا جامعًا، وواصلًا، وشاملًا؛ أي إنها ليست مجرد مثاليات، ولكنها عملية تأصيل، وتحريك، وتفعيل، وتشغيل. فهناك علاقة حميمة وفق هذه الرؤية بين القيمة والممارسة، وبين النظر والحركة، وبين الفكر والعمل والعلم.
– تقديم منظومة قيمية تتكون من سبع مفردات: العقيدة الرافعة، الشرعة الدافعة، القيم التأسيسية الحاكمة، والقيم الوسطية، والقيم المولدة، الأمة الجامعة، الحضارة الفاعلة الشاهدة، السنن الشرطية، المقاصد الحافظة. وجميع هذه المفردات تناظر ثلاث مجموعات جرت التصنيفات وفقًا لها في الدراسات النظرية الدولية المعاصرة وهي: عناصر الرؤية للعالم، القوى المحركة ومجالاتها، وحدات الدراسة ومستواها.
وتحليل جميع هذه المفردات يطرح أمامنا عناصر المفارقة بين الرؤية التأسيسية والتأصيلية، التي تجد حجيتها في المصادر التأسيسية الثابتة، وبين الرؤى الاجتهادية التي تجد حجيتها في الواقع والإمكانات المتغيرة.
– تقديم نماذج التشغيل (الانتقال من الأصل إلى الواقع) ونماذج التفعيل (قياس الواقع على الأصل) لهذه المنظومة القيمية السباعية في مجالات عدة: مثل تأصيل العلاقة في الدعوة، إعادة بناء مفهوم القوة، مفهوم الحرب، أسس تصنيف الدور.
ج. لابد وأن ينبني منظور إسلامي للعلاقات الدولية على خبرات منهاجية في التعامل مع مصادر دراسة الأصول إلى جانب المصادر التراثية المختلفة. ولذا؛ فإن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام يتضمن جزئين منهاجيين آخرين ويتضمن الأول تسجيلًا دقيقًا لخبرة فريق البحث في التعامل مع كتب الفقه، والسيرة، والتفاسير، فيما يختص بدراسة العلاقات الدولية في الأصول الإسلامية، ولتحديد الاتجاهات الفقهية الكبرى حول قضايا وموضوعات محددة مثل: الحرب، والسلام، الدولة. وتنبع أهمية هذا الجزء المنهاجي من أنه يقدم خبرة متخصص العلوم السياسية بفروعها المختلفة (القانون الدولي، النظرية والفكر، والنظم) في التعامل مع هذه المصادر، على نحو يساهم في محاولة سد الفجوة التي يعاني منها المتخصصون؛ أي الفجوة بين دراسة العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية والإسلامية.
ويتضمن الثاني: الخبرة المنهاجية للتعامل مع مصادر دراسة التاريخ الإسلامي اللازمة، لمتابعة تطور وضع الأمة في النظام الدولي مقارنة بالخبرة المنهاجية للدراسات النظمية الدولية (الغربية) التي تعاملت مع التواريخ الغربية.
إن إشكالية الثابت والمتغير بين مصادر المنظور تحمل أبعادًا منهاجية مهمة لدراسة العلاقات الدولية من منظور إسلامي، وتحمل دلالات أكثر أهمية بالنسبة لطبيعة المنظور ذاته، فالإطار الشرعي والاحتكام إلى المرجعية يتطلب دراسته أدوات منهاجية خاصة لازمة للرجوع إلى شروح الأحاديث، وكتب التفاسير، ويتطلب خطوة لاحقة وأساسية؛ تتمثل في تقديم اجتهاد معاصر على ضوء التراث الفقهي باتجاهاته المختلفة حول القضية الكبرى، التي لابد وأن ينبني عليها المنظور؛ ألا وهي قضية أصل العلاقة؛ أي المحرك الأساسي للعلاقات والقواعد والمبادئ والأسس العامة التي تحكمها.
وبالنظر إلى مصادر المنظورات الغربية الكبرى، سواء الواقعية، أو التعددية، أو البنيوية، نجد أنها مصادر بشرية متغيرة نابعة من خبرة الفكر السياسي الغربي، ومع ذلك فإن هناك اتجاهًا إلى إرجاع روافد هذه المنظورات وتنويعاتها إلى مدارس فكرية وفلسفية ثلاثة كبرى. والخصائص الكبرى لكل مدرسة تمثل القاسم المشترك الأساسي بين روافد المنظور الواحد الذي ينبثق عنها، وهي الروافد التي تبلورت عبر تاريخ هذا المنظور.
2- إشكالية العلاقة بين منظور إسلامي قيمي وبين الواقع:
المنظور الحضاري الإسلامي -وإن كان قيميًا بحكم مصادره وطبيعته- إلا أن الرؤية التي يقدمها حول العالم المحيط انطلاقًا من الأساس الشرعي، ومن منظومة القيم ومجموعة القواعد والمبادئ، ليست رؤية تقرر ما يجب أن يكون فقط، ولكنها ذات صلة كبيرة بالواقع؛ لأن للقيم دورًا ووظيفة في الرؤية الإسلامية، كما أن هذه القيم ذات طبيعة مختلفة عن نظائرها الغربية؛ لأن القيم في منظور إسلامي هي إطار مرجعي، وهي مدخل منهاجي، وهي نسق لقياس الواقع لتفسيره وتقويمه وتغييره.
وهنا يبرز لنا سؤالان: كيف تختلف القيم في منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية عنها في منظور غربي يهتم بالقيم؟ وما انعكاسات هذا الاختلاف على الموقف من الواقع؟
حددت د. ودودة بدران أبعاد هذا الاختلاف حول مصدر القيم ومستواها ونطاقها ودرجة إلزامها وعلاقاتها، على النحو التالي[54]:
– “نظرًا للاختلافات الفكرية بين الباحثين المؤيدين لأهمية دور القيم في العلاقات الدولية، فليس هناك تعريف مشترك لما هو أخلاقي كإطار عام للتحرك الدولي. إن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام يمكن أن يوضح حدًا أدنى من الاتفاق حول ماهية القيم. فالقيم التي يمكن أن تحكم العلاقات الدولية محددة بالكتاب والسنة. والأخلاق في الإسلام ترتبط بمفهوم السنن، وتحديدها مرتبط بالمصلحة والمنفعة للعباد في النهاية.
– يثير الباحثون المهتمون بموضوع القيم قضية العلاقة بين الأخلاق الفردية والأخلاق الجماعية الدولية، فيرى البعض إمكانية القياس، أما بعضهم الآخر فيرى عدم إمكانية القياس. ويلاحظ هنا أن إثارة مشكلة القياس الجماعي على الفردي ترتبط بغياب التنظيم الجماعي في الثقافة المسيحية المستمدة من الدين المسيحي. أما الإسلام فقد نظم الاثنين كلًا في مستواه، وبالتالي فإن دراسة العلاقات الدولية في الإسلام يمكن أن توضح أنه لا توجد حاجة للقياس والخلط، فهناك الاثنان وكل منهما له قواعده.
– مع اعتراف بعض الباحثين بأهمية القيم في السياسة الخارجية، إلا أنهم يؤكدون أنه لا توجد مبادئ مجردة وعالمية (إلا في بعض الحالات الاستثنائية) تحكم السياسة الخارجية. إن بحث العلاقات الدولية في الإسلام يمكن أن يوحي بوضع مخالف تمامًا، فنظرة الإسلام للعالمية تناقض هذه النظرة الغربية، فالحرام شرعًا يتجاوز الزمان والمكان، ويستمد حدوده من الوحي، مع مراعاة تغير الظروف؛ أي إن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام يمكن أن يوضِّح أن الأخلاق الإسلامية في التعامل الدولي هي الأساس، والخروج عنها هو الاستثناء.
– يرى بعض المؤيدين للاهتمام بالبعد القيمي في تحليل العلاقات الدولية أن الانتقال المنهجي يكون مما هو قائم إلى ما يجب أن يكون وليس العكس. وفي هذا الصدد توضح بعض الأدبيات الغربية أن أخلاقية صانع القرار هي أخلاقية مسؤولة وليست أخلاقية اقتناع، أي إن ما يقتنع أو يؤمن به السياسي يجب أن يخرج إلى حيز الواقع بعد مروره بحسابات التكلفة، فما هو جيد في الحسابات السياسية يرتبط بما هو ممكن. إن دراسة العلاقات الدولية في الإسلام يمكن أن توضِّح نمطًا مختلفًا لمثل هذا التوجه، فنقطة البداية هي المنهج الإسلامي الذي يمكن أن نقيس عليه الواقع”.
إنّ هذه الغايات لا تنفصل عن فقه الواقع، فهذا الفقه منطلق أساسي في هذا المنظور، ولكن مع عدم الفصل بينه وبين فقه الحكم الشرعي. فالمنظور الحضاري الإسلامي لا يعرف فصلًا بين الممارسة المتغيرة، والبعد القيمي الثابت الذي يتم الاحتكام إليه دائمًا عند التفسير وعند التقويم وعند التدبر وعند التغيير: فإذا كان فقه الحكم الشرعي، ومنظومة القيم والقواعد والمبادئ هي الميزان، فإن الواقع هو الموزون الذي تدور حوله أعمال العقل والتجريب والاجتهاد والتجديد، وهذه المنظومة القيمية لا تتوفر في المنظورات الغربية، ولهذا فإن المنظور الإسلامي يعد وسطًا بين أقصى المثالية القيمية التي تقدم الفكرة والقيمة لذاتها، وأقصى المادية التاريخية الملتزمة بالتجريب التي تريد الحفاظ على الواقع القائم في إطار التوازن.
ولهذا أيضًا لا يمكن القول إن منظورًا إسلاميًا لدارسة العلاقات الدولية هو مجرد منظور مثالي؛ لأنه يقرر ما يجب أن يكون عليه حال هذه العلاقات، في حين: أن هذه المثالية، لم تنطبق -كما يتصور البعض- إلا 40 عامًا فقط؛ لأن هذا المنظور بقدر ما يحدد الغايات، -بحكم طبيعة مصادره- يحدد أيضًا ضوابط الحركة وشروطها التي تحكم بدورها النتائج. فهو ليس مثاليًا أخلاقيًا بالمعنى الضيق، ولكنه متصل بالسلوك وبأبعاد الاستخلاف في الواقع، ومن ثم فإن فقه هذا الواقع لا يقل أهمية عن فقه الأساس الشرعي والأساس الحضاري القيمي. ولكن بدلًا من الانطلاق من الواقع فقط ونحوه بدون نسق قياس فإن منظومة القيم الإسلامية (كمدخل منهاجي وإطار مرجعي كما أوضحنا) تمثل الإطار الجامع الكلي المحيط بالسلوك ضبطًا لكل من المادية المفرطة والعقلانية والتجريبية الجامدة، التي تفتقد معها الرؤى والتحليلات كل منطق أو هدف غير مادي. ولذا يصبح الجهاد قيمة وليس مجرد أداة، وتصبح حقوق الإنسان ضرورة وليس قضية.
يتضح أن هذا التحديد والتوصيف لطبيعة المنظور الإسلامي بوصفه منظورًا قيميا ذا طبيعة خاصة، إنما يمثل ردًا على بعض أوجه الرفض والنقد السابق ذكرها، و النابعة من رؤية تحبس الدين في أماكن العبادة، وترفض أن تكون هناك علاقة بين العقل والوحي، وتنطلق من فهم محدود للعقل وللدين بتأثير الخبرة التاريخية الأوروبية المسيحية، ولا تفهم حقيقة الإسلام بوصفه عقيدةً، ونظامَ حياة، ومنظومةَ قيم، ومن ثم فإن هذه الرؤية تنغلق داخل معنى ضيق للمنهاجية الإمبريقية التي تتطابق مع المفهوم الضيق للعلمية، ولا تنفتح على المراجعات الراهنة لمعنى العلمية.
وهذه النظرية لا تعترف بعدم التناقض بين الوحي وبين العقل والعلم، في حين أن معرفة الواقع التجريبي كما اتضح في المراجعات ليست حسًا ماديًا فقط، وإنّما تنطلق من رؤية للواقع وللحقائق ليست هي الحقيقة في ذاتها، كذلك فإن الوحي في الخطاب القرآني لا يقوم على الغيب فقط، ولكن على الواقع المحسوس المشهود.
أما في المنظورات الغربية الوضعية، فقد تجادلت المثالية التقليدية (التي سادت مرحلة ما بين الحربين العالميتين)، والمثالية الحديثة (التي ظهرت خلال مرحلة ما بعد السلوكية ممثلة في روافد الاهتمام بالنظام الدولي الجديد new international order أو رافد الاعتماد المتبادل الاقتصادي المتفائل أو المجتمع العالمي)، مع الواقعية التقليدية، والواقعية الجديدة، إلا أن بعض الاتجاهات التنظيرية قد نحت إلى انتقاد الإفراط في الواقعية وكذلك الإفراط في المثالية. وهذا يعني أن هناك اتجاهًا لمراجعة التقاليد المنهجية في ظل إشكالية العلاقة بين “المثل” والواقع، وكذلك فى ظل إشكالية العلاقة بين المثالي والمادي.
وهنا تقدم المقاربة النظرية الاجتماعية في دراسة العلاقات الدولية توضيحًا هامًا مقارنًا، فوفق طرح البعض من متخصصي العلاقات الدولية، فإن المنهج البنائي في دراسة العلاقات الدولية هو نتاج هذه المقاربة، وهو ملتصق بالواقعية، وإن كان بمثابة مثالية بنيوية. وهو ينظر إلى السياسات الدولية بكونها بناءً اجتماعيًا تؤثر فيه الأفكار. ولقد تسارع تبلور هذه الرؤية بعد نهاية الحرب الباردة، وهي تختلف عن الرؤيتين المادية والفردية، ولها انعكاساتها على كيفية دراسة نظريات السياسات الدولية (من حيث الفواعل والدوافع)، وتقوم على شرح أربع ثنائيات، إحداها ثنائية:المادي – المثالي.
وهناك أيضًا اتجاه لمراجعة التقاليد المنهجية في ظل إشكالية العلاقة مع الإمبريقية المفرطة، والقيمي، مؤكدة عدم إمكانية الفصل بين العلمي والقيمي في المنهجية. ومع ذلك يظل الدين – لدى هذا الاتجاه- خارج مصادر منظومة القيم موضع الاهتمام، فضلًا عن محدودية نطاق القيم التي تترادف في معظم الأحيان مع الأخلاق، ناهيك عن النظر إليها مجرد متغير من المتغيرات أو مدخل منهجي وليس إطارًا مرجعيا، أو نسقًا قياسيًا ذا قوة إلزامية بحكم مصدره، كما هو الشأن مع منظومة القيم في منظور إسلامي.
والطبيعة الخاصة لمنظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية بوصفه منظورًا قيميًا- واقعيًا، لابد وأن تنعكس على مستويات تحليلية مختلفة: نظمية كلية، أو جزئية خاصة بمفاهيم، أو أحداث معينة، أو رؤى حول مواقف محددة.
إن هذه الطبيعة الخاصة لمنظور إسلامي تنعكس على المفاهيم الأساسية للمنظور من جانب وعلى المفاهيم المقارنة مع المنظورات الغربية من جانب آخر. فإذا كانت مفاهيم: التوحيد، والدعوة، والجهاد، والعمران، والاستخلاف، مفاهيم أساسية، فإن المصلحة، والقوة، والصراع، على سبيل المثال من المفاهيم المقارنة التي تحملها رؤية إسلامية بمضامين مختلفة عما تحمله الرؤية الغربية الواقعية أو الماركسية ونجد أن وظائف الدولة الإسلامية الخارجية، ومصالح الأمة أو الدول، وأدوات تحقيق هذه المصالح وحمايتها، وعوامل القوة والضعف، تحمل جميعها أبعادًا غير مادية إلى جانب الأبعاد المادية التقليدية موضع الاهتمام الأساسي والغالب في المنظورات الغربية.
إننا لا نتحدث عن وضع القيم في دراسة العلاقات الدولية من منظور إسلامي؛ عقيدة وحضارة متصدرًا للقيم والأخلاق ويشترك فيها المسلمون مع غيرهم ولكن نتحدث عن طبيعة منظور إسلامي لهذه الدراسة بوصفه منظورًا قيميًا انطلاقا من أساسه الشرعي، ومن مدخله القيمي كإطار مرجعي، ومدخل منهاجي، يأخذ بالحسبان التفاعلات والتغيرات وشروطها ومن هنا موطن تميزه عن منظورات أخرى. وهذا الإطار المرجعي ليس اختياريًا ولكنه إلزامي بحكم مصادره الثابتة التي انبثقت عنها تيارات اجتهادية ومتنوعة عبر الزمان والمكان.

ثـانيًا: أبعاد دراسة العلاقات الدولية بين منظور إسلامي وبين منظورات غربية

ولكي تكتمل صورة مانؤصِّل له لا بد من المقارنة بين منظور إسلامي ومنظورات غربية كبرى ثلاثة: الواقعية، والتعددية، والبنيوية، ضمن أبعاد أساسية من محتوى المنظور ومن منهاجيته. وهذه الأبعاد هي: تأسيس أصل العلاقات الدولية والقوة المحركة لها، والفواعل ومستويات التحليل، ونمط القضايا ذات الأولوية في الاهتمام، ومفاهيم مقارنة، وأسس تقسيم العالم وتصنيف الدول، ورؤى حول قضايا محددة، والعلاقة بين الداخلي والخارجي.
ومن الأبعاد المنهجية توظيف التاريخ في دراسة النظم الدولية (ولعلنا نتذكر هنا كيف أن قائمة هذه الموضوعات وغيرها تترجم الهدفين الكبريين لمشروع العلاقات الدولية فى الإسلام.
وتمثل الموضوعات والمجالات المذكورة سابقًا خريطة أجندة المقارنة بين المنظورات من منظور مقارن. وإذا كانت أدبيات علم العلاقات الدولية قد أفاضت في تناولها على مستوى الجدالات بين المنظورات الكبرى الثلاثة؛ فإن هذه الموضوعات قد تم تناولها في أدبيات عربية وغربية من خارج التخصص وذلك بوصفها موضوعات في الدراسات الإسلامية.
لقد ساهم مشروع العلاقات الدولية في الإسلام في معالجة بعض الموضوعات المعنية، وخاصة الدولة كوحدة تحليل، والدعوة، والجهاد، وتشغيل مدخل القيم في دراسة موضوعات مثل القوة وتقسيم الدور والحرب، وإشكاليات توظيف التاريخ الإسلامي في دراسة النظم الدولية، وقواعد العلاقات في ظل الحرب وفي ظل السلم. ثم ساهمت محاضرات الدراسات العليا وبعض البحوث التكميلية في عرض بعض آخر من هذه الموضوعات في إطار تمهيدي مقارن بين افتراضات ومقولات منظور إسلامي ومنظورات غربية ثلاثة راسخة التقاليد ومتعددة الروافد، وما زال العمل جاريًا من أجل استكمال هذا الإطار المقارن وتدعيمه؛ وذلك بالرجوع إلى المكتبة الثرية والغنية من المؤلفات العربية والغربية في مجال الدراسات الإسلامية التي أفاضت -ولو من خارج دائرة العلم- في تناول بعض الموضوعات محل الاهتمام في نطاق العلم.
وسنقدم ملخصًا موجزًا عن هذا الإطار التمهيدي المقارن بين هذه الأبعاد، على أن نتوقف بقدر من التفصيل عند بعض منها، مع التركيز على المنظور الإسلامي لها.
وهذه الأبعاد هي: أصل العلاقات، ومحركها، ومفهوم القوة، والفواعل ومستوى التحليل (الدولة – الأمة)، والقضايا الثقافية وموضعها من نظائرها السياسية والاقتصادية. وفي الأبعاد المنهاجية تتوقف عند توظيف التاريخ.

1- أبعاد خريطة المقارنة الأفقية بين المنظورات
تقوم العلاقات الدولية على الصراع والقوة، تحقيقًا للمصلحة القومية، وسياسيات توازنات القوى، كما في الواقعية. وهناك الصراع من أجل الرخاء بوصفه أساسًا للقوة، أوتحقيقًا لتجانس المصالح وسياسات الاعتماد المتبادل الدولي والعولمة كما في التعددية، أو الليبرالية الجديدة. وفي النظام الرأسمالي العالمي فإن الصراع الطبقي هو الذي يحرك السياسات ويشكلها نحو مرحلة نهائية مثالية ينهار فيها هذا النظام، كما فى الراديكالية ذات المرجعية الماركسية. وأمّا “الدعوة” فهي أصل العلاقات بين المسلمين وغيرهم، انطلاقًا من طبيعة الإسلام بكونه رسالة للعالمين. ومن هنا يبرز مفهوم القوة المقارن بين هذه المنظورات في علاقته بكل من مفاهيم الصراع ومفهوم الدعوة.
وثمة أنماط صراعية لها تفاعلاتها وأدواتها، ففي حين تُبرِزُ الرؤية الواقعية أهمية وزن القوة العسكرية، ولا تستبعد احتمالات اندلاع الحروب، بل تقول بتعدد وظائفها، نجد أن التعددية والليبرالية تقلل من أهمية القوة العسكرية في إدارة الصراعات، وتهتم بآليات إدارة التنافس الدولي السلمي الجماعية والمتعددة الأطراف. كمحرك للعلاقات الدولية في الماركسية وكمحدد لنمط التفاعلات الدولية على أساس طبقي وتتعدد آليات.
وإذا كان الشائع عن الرؤية الإسلامية أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو الحرب أو السلام، إلا أنه يجب النظر إلى المسألة من زاوية آخرى، فالأصل هو ” الدعوة”، والجهاد ليس قتالًا فقط، ولكن هناك أنماط تفاعلية صراعية قتالية وأنماط تفاعلية سلمية، وهناك ضوابط وشروط لكل منها، لأن كلًا من الحرب، والسلام حالتان من حالات العلاقات لا تنفي إحداهما الأخرى ومن هنا تبدو العلاقة بين الدعوة والجهاد مقارنة بمحركات العلاقات في المنظورات الأخرى، إذ يبرز لنا مفهوم القوة المقارنة من منظور إسلامي في علاقته بمفهومي الدعوة والجهاد والتأصيل لمفهوم الدعوة يقود إلى التأصيل لمفهوم القوة، فيقود بدوره إلى تأصيل مفهوم الجهاد، انطلاقًا من خصائص المنظور الإسلامي “القيمية – الواقعية” –
أمّا ما يتصل بمستوى التحليل أو وحدة التحليل أو الفاعلين، فإن الواقعية تؤكد على الدولة القومية، في حين تفسح التعددية المجال للاهتمام بفواعل أخرى من غير الدول، وتطرح الماركسية الطبقة فاعلًا ويقدم البنيويون الماركسيون مستوى البنى الكلية، مثل مفهوم “النظام العالم”، كما يهتم البنائيون الجدد بمستويات كلية من التحليل مثل “الجماعة العالمية”. وفي المنظور الإسلامي لا تنكر “الأمة الإسلامية” التنويعات التنظيمية الأخرى في داخلها دولًا كانت أو جماعات.
ومن ناحية رابعة، وتحتل القضايا العسكرية السياسية الأمنية الأولوية والاهتمام من منظور طبيعة القوة وتصادرها لدى الواقعية، كما تحوز الأولوية لدى التعددية القضايا ذات الأبعاد الاقتصادية، أما لدى الماركسية فإن المتغيرات والقوى الاقتصادية هي بمثابة المتغير المستقل المفسر لكل التفاعلات الدولية في ظل الحتمية المادية والجدلية التاريخية. أمّا في الرؤية الإسلامية فإن الأبعاد الثقافية الحضارية تخظى بالأولوية والاهتمام على نحو لا ينفصل عن نظائرها السياسية والاقتصادية، بل يغلفها على اعتبار ما للمتغيرات غير المادية من أولوية في المنظور الإسلامي القيمي، دون انفصال عن نظائرها المادية، وتطبيقًا للرؤية الكونية الإسلامية ذات الطبيعة الكلية غير الاختزالية، وهو الأمر الذي ينعكس ابتداء من مفهوم الدعوة، ثم المفهوم عن القوة الشاملة، ثم المفهوم عن أنماط التفاعلات، وجميعها أيضًا مفاهيم ذات طبيعة كلية، تتحدى الثنائيات المتضادة، ومن ثم تبحث في التكاملات انطلاقًا من مفهوم (قيمة) التوحيد، وهي الأساس في النظام المعرفي الإسلامي.
وفيما يخصّ العلاقة بين الداخلي والخارجي فإن المدرسة الواقعية تتجه للتقليل من أهمية تأثير الخارجي على الداخلي، بخلاف التعددية والبنيوية، سواء في رافد الاعتماد المتبادل الدولي أو التبعية أوالعولمة، التي تبرز تأثير الخارجي على الداخلي بطريقة أكثر وضوحًا. أما في الطرح التنظيري الذي نطوره فإن العلاقة بين الداخلي والخارجي هي علاقة تأثير وتأثر مستمرة وليست علاقة غلبة لأحدهما على الآخر فهي موجهة إلى “الخارج” والذي يقوم بها هو “الداخل”.

2- أبعاد المقارنة الرأسية
ولأن الخريطة الإجمالية السابقة لا تلقي الضوء إلا على منطوق الافتراضات، والمقولات الكبرى لكل منظور، مع الاعتراف بأن روافد كل منها تحمل كثيرًا من التنويعات والاختلافات حول تفاصيل هذه المقولات الأساسية، إلا أنه يجدر الانتباه إلى أن هذه المقارنة الأفقية تشير إلى سمة أساسية من سمات كل منظور، وهي أن أبعاده تمثل نسقًا؛ فأصل العلاقات الدولية ومحركها في المنظورات الأربعة ينعكس على طبيعة مفهوم القوة، وأنماط التفاعلات وقضاياها، وكذلك على وحدات ومستويات التحليل. وأخيرًا تستجيب المنهاجية لطبيعة هذا النسق. هذا وتزداد هذه السمة وضوحًا عند المقارنة الرأسية بين كل بعد من أبعاد المنظورات المقارنة، وسنكتفي ببعض التفصيل حول منظومة مفاهيم الدعوة، الجهاد، القوة ومنظومة الفواعل، ووحدات التحليل ومستوياته والأبعاد المنهاجية المقارنة لتوظيف التاريخ ومنهاجية تفسيره.
إذا كانت المنظومتان الأولى والثانية تتصلان أساسًا بمحتوى المنظور فيما يتصل بنطاق الدراسة وموضوعاتها، فإن المنظومة الثالثة تتصل بالمنهاجية.
وإذا كانت الدراسة في هذا الموضع ستستدعي باختصار الأبعادَ المناظرة في المنظورات الأخرى الغربية، إلا أنها ستركز بدرجة أكبر على هذه المنظومات الثلاثة من منظور إسلامي، على نحو يبين التكامل والتراكم فيما بينها مقارنة بنظائرها الغربية ويُبْرِزُ من ناحية أخرى المعنى الخاص للطبيعة القيمية لمنظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، استنادًا إلى طبيعة النسق المعرفي الإسلامي والنسق العقيدي الإسلامي، لنتبيّن أن المنظور الإسلامي لدراسة العلاقات الدولية ليس مجرد طرح نظري لا يصف الواقع، مثلما أنه لا يهدف إلى تكريس هذا الواقع، ولكنه ينطلق من نظام معرفي متكامل، وفي ظل خبرة تاريخية ممتدة، ونحو تقييم الواقع وتفسيره، سعيًا لتغييره، انطلاقًا من رؤية كلية شاملة للأبعاد المادية وغير المادية، الواقعية والمثالية، الداخلية والخارجية، السياسية منها أو الاقتصادية أو العسكرية أو الثقافية على حد سواء.

أ‌. منظومة: الدعوة، القوة، الجهاد:
إن خصائص كل منظور تنعكس في منظومة العلاقة بين أبعاده، ومن ثم لا يمكن فهم مفهوم القوة في الإسلام أو الجهاد منفصلًا عن مفهوم الدعوة. وفيما يلي بيان ذلك:
1. إن الأساس الشرعي للعلاقات الدولية في الإسلام ـ وفق إحدى الاتجاهات الفقهية، هو الدعوة. والمدخل القيمي لدراسة هذه العلاقات يوضح كيف أن الدعوة هي أساس العلاقات. ويقدم إسهام كل من د. أحمد عبد الونيس، ود. سيف الدين عبد الفتاح شرحًا وافيًا على التوالي لكل من الأساس الشرعي لتأسيس الدعوة كأصل للعلاقات من ناحية، والمدخل القيمي من ناحية أخرى. وإذا كانت مناقشة أدلة الاتجاهات الفقهية الكبرى وأسانيدها قد قادت إلى اجتهاد يتبنى الاتجاه القائل بالدعوة أساسًا للعلاقات، فإن تشغيل مدخل القيم السباعي (رؤية عقدية، حقائق شرعية، قيم تأسيسية وفرعية، أمة فاعلة، حضارة عامرة، سنن قاضية، مقاصد حافظة) قد بين أن الدعوة عملية ممتدة جهادية تتعلق بالفرد والأمة، بالداخل والخارج، بالسلم والحرب، ضمن الرؤية العقدية القائمة على قيمة التوحيد، والتي تحمل رؤى فرعية ومتكاملة حول الإنسان والكون والحياة، في سياق مفاهيم مثل: الأمانة والتكليف والعمارة والاستخلاف، ولا تكون بتأسيس العلاقة ضمن حالة استثنائية وهي الحرب، أو حالة السلم المؤدية إلى فعل الاسترخاء وعدم الفاعلية والقعود عن معاني الأمانة والرسالة والخيرية. إن السلم الكامل والحرب الدائمة والشاملة ليست سوى أشكال وأساليب حدية على متصل تتفاوت عليه الأشكال.
ووفقًا للمدخل السباعي للقيم، الذي يُعدّ إطارًا مرجعيًا في العلاقات الدولية في الإسلام، فإن الحرب فقط أو السلم فقط هي أصل العلاقة أو محركها، فلا الفطرة تقبل أن يظل المسلمون في حالة حرب تامة أو فوضى دائمًا، أو أن يظلوا في حالة سلام تامة يحتملون ما يحيق بهم من ظلم أو عدوان، ولهذا فإن التاريخ يبين لنا كيف أن الحرب لم تكن أداة وحيدة في العلاقة مع الآخر في ظل القوة الإسلامية.
وبناء عليه تصبح الدعوة هي أساس العلاقة، لأن غاية هذه العلاقة ليست إقصاء الآخر أو استبعاده أو القضاء عليه، ولكنها دعوة من أجل رسالة العالمين من جانب أمة الدعوة في مواجهة أمة الإجابة. وبناء عليه أيضًا يمكن إزالة الضبابية التي أحاطت بمفهوم الجهاد، بوصفه حالة قتالية أساسًا، ومن ثم علاج تحيزات الخطابات التي تتحدث عن الإسلام إما سلامًا أو حربًا.
إن الظرف التاريخي وحالة عناصر القوة هما اللذان يحددان متى تكون الحرب ومتى يكون السلام استثمارًا فاعلًا، حتى تصبح الحركة الحضارية ملتزمة وواعية، وقادرة على أن تحقق لكل ظرف أهدافه في ظل شروطه، وهي الحركة التي تجعل من الدعوة عملية تسندها عناصر القوة والإعداد لها، ومن الجهاد قيمة وآلية في الوقت نفسه، ومن ثم فهي تحدد أيضًا مفهوم القوة: من حيث طبيعة مصادر القوة، و نمط توزيعها، وغاياتها وآثارها.
2. تقع القوة من حيث طبيعة مصادرها وهياكل توزيعها وأنماط تفاعلاتها وقضاياها في صميم دراسة المنظورات الغربية الكبرى، سواء في تعاقبها على سيادة مجال الدراسة، أو في جدالاتها مع بعضها بعضًا؛ لأن القوة مفهوم محوري ومركزي في علم العلاقات الدولية، وفي علم السياسة الغربي بصفة عامة. وإذا كانت درجة هذه المركزية والمحورية قد اهتزت مع عملية المراجعة من الداخل، إلا أن القوة تظل مفهومًا مفتاحًا في المنظورات الغربية. فلقد وقعت في صميم المنظور الواقعي خلال مرحلة سيادته على دراسة العلاقات الدولية، ثم وقعت في صميم منظور التعددية والاعتماد المتبادل، والعبر قومية، وفي جدالها مع الواقعية خلال مرحلة ما بعد السلوكية، وهي تقع الآن في صميم مرحلة العولمة أو الكونية أو عصر المعلومات. وفي هذا السياق تبرز المقارنة بين التحرك من أولوية مفهوم القوة العسكرية إلى أولوية مفهوم القوة الاقتصادية، إلى أولوية مفهوم قوة المعرفة والمعلوماتية، وما اقترن بهذا التحرك من رؤى حول أنماط العلاقات وأدواتها، وحول التطور في موازين القوى العالمية بين القوى القائدة في النظام الدولي الراهن (منذ بداية القطبية الثنائية حتى انهيارها وما بعده).
وهذا التغير في مفهوم القوة، يبين مدى عدم الثبات النظري استجابة للتغيرات المستمرة فى الواقع الدولي، ويبين مدى الاستقطابات بين الثنائيات المتصلة بعناصر القوة ومصادرها وتجلياتها: عسكرية أم اقتصادية أم قيمية ثقافية. وأخيرًا تبين الارتباط بالقوى الغربية المهيمنة عالميًا، وكيفية التوظيف لخدمة دوائر مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية على التوالي، تدعيمًا وإحكامًا لنطاق هيمنتها على كافة المستويات. ومن ثم فإن إعادة بناء مفهوم القوة يمثل مجالًا أساسيا لإسهام منظورات حضارية أخرى.
ولقد قدم مدخل القيم لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام محاولة لإعادة بناء مفهوم القوة في التقاليد الفكرية الغربية بروافدها المختلفة، فهي وإن تنوعت حول بعض التفاصيل، إلا أنها تعكس إجمالًا الملامح الكبرى للنسق المعرفي الغربي السائد.
وقد اجتهد د. سيف الدين عبد الفتاح فأبرز جملةً من الركائز الفلسفية الكبرى التي تتحرك ضمنها عناصر المفاهيم الغربية للقوة، وهذه الركائز تتحدد في: إعلاء العناصر المادية، والفهم الدارويني لطبيعة التطور، بحيث صار الأصلح هو الأقوى، وعبادة القوة ضمن فلسفة إلحادية حركت كل عناصرها فكرة “موت الإله”، وفصل القيم السياسية عن القيم الأخلاقية في معظم الأحيان.
فهذه الركائز الفلسفية تعني حتمية القوة باسم الواقعية، وتعني علاقات التبعية، بحيث لا يتصور الانفكاك منها، وتعني فرض أجندة بحثية لا تبرز خصوصيات مفهوم المصلحة، وتهمل جوهر مبادئ وسياسات مثل الدعوة من أجل السلام والتعايش وثقافة التسامح.
ومقارنة بهذه الركائز الفلسفية وعواقبها، فإن بناء مفهوم إسلامي للقوة يجب أن يقوم على ما يلي:
– القوة حقيقة استخلافية تحرك الفعل الحضاري العمراني، فهي ليست قوة طغيان ولكن عمران. وهي لا تعني الوهن والهوان، بل هي فعل مأمور به (نموذج الانتفاضة الفلسطينية، ومقاومة حزب الله في لبنان).
– ولذا فإن هذا المفهوم للقوة قد يفرض إعادة تعريف مفهوم السياسة ذاته، بحيث يصبح القيام على الأمر بما يصلحه، وتكون القوة هنا عناصر إصلاح وعمران، والسياسة بناء لعمران -وليس كما في المفهوم الغربي- توازن واستقرار في ظل تكريس الواقع. والعمران نسق حضاري ومجال معرفي وفكري إسلامي يتخطى حدود الفقه التقليدي ويتجاوزها في رؤيته للعالم التي يستند إليها، ولذا فهو يقدم بديلًا حضاريًا للتقسيم الفقهي التقليدي للمعمورة إلى دار سلم ودار حرب.
– ومن ثم فإن مفهوم القوة يتحرك ضمن منظومة منفتحة على عدد من المفاهيم مثل الحق، والعدل، والبناء؛ وليس على المصلحة، والصراع، وتوازن القوى، وتوازن المصالح.
– القوة وفق هذا التصور هي وسيلة، وهي مقدمة الواجب. والواجب هنا هو الحق والعدل. ولذا فإن القوة لا تعني الإكراه، بل هي حركة استخلاف ليست مستقلة عن حركة الفعل القيمي أو فاعليته.
– والقوة ليست عناصر مادية فقط، بل هي عناصر معنوية كذلك، تضفي على معاني القوة معاني الإرادة والإعداد والقدرة.

3. الجهاد
دون التوقف عند مفهوم الجهاد عند المدرستين الفقهيتين (الجهاد قتال وهجوم، أو دفاع)، نقول إن هاتين المدرستين تعكسان الاختلاف في أصل العلاقات بين المسلمين وغيرهم: هل هو الحرب، أم السلام.
وانطلاقًا من مكانة الجهاد داخل منظومة الدعوة، القوة، وعلى عكس الفهم والاستخدام الشائع للجهاد لدى الغربيين؛ أي بوصفه حربًا عدوانية، يمكن القول إن هناك اتجاهًا ثالثًا في التفسير، تتلخص مقولاته في الآتي:
· الجهاد هو بذل المسلم أقصى الجهد لخدمة الإسلام. ولا يمكن جعله مرادفًا للحرب فقط، سواء أكانت حربًا دفاعية أو هجومية. ومن الخطأ اعتباره مرادفًا لمفهوم الحرب المقدسة في التصور الغربي.
· تأسيس العلاقات على الحرب أو السلام يعكس سوء فهم، فهي تقوم على الدعوة التي تحتاج للجهاد لنشرها.
· الجهاد بوصفه مبدأ أو قيمة إسلامية أساسية، لا يستبعد وقوع الصراع المسلح، ولا يفترض السلام حلاًّ وحيدًا في كل المواقف.
لذا فمن الضروري الوعي بالدلالات المختلفة للجهاد وفقًا لاختلاف الحالات، فالبحث في متى ولماذا وكيف يتم استخدام القوة المسلحة أو الأساليب السلمية، يعد أمرًا حيويًا، آخذين في الحسبان قواعد القتال في الإسلام من ناحية، والتحديات المحيطة بالمسلمين من ناحية أخرى. وبعد هذا يكون الجهاد مفهومًا مختزلًا فللجهاد أشكال وأساليب متنوعة، لكل منها منطقه ومسوّغاته في ظل ظروف محددة. ويعكس هذا المفهوم التكامل بين معاني القرآن الخاصة بالعلاقة مع الآخر، في ظل القيم والسنن والأخلاق في القرآن.
· ومفهوم الجهاد على هذا النحو إنما يقوم على إدراك واقعي قيمي: فهو يفسح المجال أمام مواقف وحالات وسياقات مختلفة تواجهها شعوب الأمة، قوة أو ضعفًا، وتجعل من الجهاد حركة لتصحيح العلاقات غير العادلة أو غير المتكافئة، سواء سلميًا أو عسكريًا.
· وبناء عليه، يمكن القول إن المنطق الغائب عن خطابات الحرب أو خطابات السلام في الإسلام هو المنطق الذي يدحض ويكسر الحلقة المفرغة للاستقطاب الثنائي الحاد بين هاتين المجموعتين من الخطابات المتضادة، ومن ثم يفسح المجال أمام المنطق الباحث في العلاقة بين الإسلام والقوة.

ثالثًا: منظومة الفواعل – وحدة التحليل ومستوياته

وفيما يتصل بمستوى التحليل أو وحدة التحليل أو الفاعلين -مع ما بين هذه المصطلحات من اختلافات- فإن الواقعية تؤكد على الدولة القومية، وتفسح التعددية والليبرالية المجال للاهتمام بفواعل أخرى من غير الدول، في حين أضحى نقد الدولة القومية والجدال بين المنظورات الكبرى حول طبيعتها ودورها ووظائفها، محورًا أساسيًا في مرحلة العولمة وما بعد نهاية الحرب الباردة، على نحو يستدعي الجدالات حول مفهوم القوة وآلياتها. وفي المنظور الإسلامي تأتي “الأمة الإسلامية” دون إنكار للتنويعات التنظيمية الأخرى في داخلها دولًا كانت أو جماعات أو أفرادًا.
وتجدر الإشارة إلى أمرين أحدهما يتصل بالدولة، والثاني بالأمة.
1. اهتم دارسو العلاقات الدولية من منظور إسلامي بالدراسة التأصيلية المقارنة بين “الدولة الإسلامية- كفاعل دولي خارجي والدولة والقومية، من المنظور الواقعي.
وشملت أبعاد المقارنة: طبيعة نشأة الدولة، ووظيفتها، وعوامل قوتها ضعفها. وتبرز بقوة الأبعاد القيمية لدى المنظور الإسلامي، فنجد مثلًا الوظيفة العقيدية أو الوظيفة الجهادية أو الوظيفة العمرانية، في مقابل الدولة الحامية للمصالح القومية، دولة الرفاه، الدولة التنافسية لدى منظورات العلم الغربية. ناهيك عن اختلاف المصطلح في اللغة وفي القرآن عن نظيره الغربي. وإذا كانت مرحلة ما بعد السلوكية قد فتحت المجال للحديث عن أزمة الدولة القومية، فإن مرحلة العولمة قد كرست الجدال حول مآل الدولة القومية، لدرجة دفعت إلى الاهتمام ليس بفواعل أخرى من غير الدول فقط، ولكن بمستويات أخرى للتحليل، تتجاوز هذا المستوى التقليدي للدولة، وكذلك مستوى النظام الدولي. ومن هنا جاءت الفرصة أمام المنظور الإسلامي- للمشاركة في التراكم في هذا المجال، وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
2. إن مفهوم الأمة الإسلامية محل اهتمام من مدخل عقيدي، ومعرفي، وفكري وسياسي. وسبق هذا الاهتمام جهود بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، ومشروع العلاقات الدولية في الإسلام. وإذا كانت دراسات شرعية واجتماعية سياسية قد ساهمت في طرح هذا المفهوم وتأصيله ودراسة واقع الأمة، فلقد كان لرائدين من رواد علم السياسة هما د.حامد ربيع، ود.منى أبو الفضل، فضل التنبيه لأهمية هذا المفهوم، وكيفية تطويره وتوظيفه في نطاق علم السياسة.
ففيما يتصل بإنجاز د. حامد ربيع يمكن القول إن البعد الإسلامي في دراسة العلاقات الدولية قد بدا واضحًا بين الأبعاد الأخرى لدراسات د.حامد في هذا المجال. ولذا نجد أنه عبر السبعينات وحتى أوائل الثمانينات بلور فكر د.حامد ربيع بنية مفاهيمية تتصل قضايا الأمة الإسلامية محل الاهتمام، وتساءل عن إمكانية التنظير من مرجعية إسلامية. ويمكن القول إن هذه البنية المفاهيمية وهذه المنهاجية التي أسس لها يمكن أن تندرج تحت عنوان واحد “المداخل الحضارية القيمية لدراسة قضايا الأمة الإسلامية”.
د. منى أبو الفضل فقد أصّلت لمفهوم الأمّة، وبيّنت الأمة هي أم الكيانات الجماعية التي عرفتها المنطقة الحضارية، ومهمة الباحث تحويل الأمة من ظاهرة إلى مفهوم، والارتقاء بها من مستوى الوجدانية إلى مستوى تفاعلات واعية إرادية، مع إكساب سلوكنا الإرادي تلك الأبعاد المعنوية والقيمية التي تضفي عليه ذلك المعنى الإيجابي والمضمون الأخلاقي، الذي لا يستوي التطور الحضاري للإنسان بغيره.
وتنطلق د. منى أبو الفضل من بيان أهمية موضوع الأمة، بوصفه سبيلًا من سبل حل مشكلة الهوية والانتماء، ومدخلًا لبحث قضايا الحكم والنظم والعلاقات الدولية الإسلامية., ولذا، فإن هذا التأصيل ينطلق من رفض اعتبار أن الأمة قد باتت تراثًا يُبَحثُ عنه في مخازن التاريخ. فالأمة في عنقها أمانة، وعليها وظيفة حضارية تجاه الإنسانية كافة، ولهذا علينا أن ندرس ونعرف موضع الأمة في الإسلام، وموقع هذا الكيان الجماعي من الكيانات الجماعية الأخرى، والخصائص التكوينية والحيوية لهذا الكيان، وما يحفظ جوهره واستمراريته.
وفي سبيل إيضاح التأصيل المنهاجي الذي تقدمه تؤكّد الحقائق التالية:
– الأمة هي ذلك الكيان الجماعي المميز الذي أحرزته العقيدة والدعوة، وتلتقي عناصره حول خصائص مشتركة ضاربة الجذور، باسطة الفروع، على مدى الأبعاد الذاتية والموضوعية، المعنوية والمادية، لجماعة هي عصب العالم الإسلامي.
– وبعد أن وُجِدَ تاريخيًّا نظام إسلامي اجتماعي وسياسي متكامل شكل “دار الإسلام”، وقطنته شعوب متباينة، انصهرت في جماعة كونت الأمة الإسلامية، في ظل خلافة ظلت رمزًا للوحدة السياسية للأمة، وبعد أن زالت دولة الخلافة، وتحللت أواصر الجماعة في قوميات متفرقة لا يربطها إلا رباط ديني، وبدا أنه لم يبق من الإسلام إلا العقيدة، يصبح السؤال هو: ما مدى حظ مفهوم “الأمة” من واقعنا المعاصر؟ هل سقط في العقل الباطن للشعوب الإسلامية بعد أن مزقتها الحدود السياسية والنظم الوطنية؟ هل تصبح ظاهرة تاريخية أو ذكرى طيبة أو تصورًا مثاليًا أو تجريدًا؟ أم يجب أن تهتم بالتدبر والتفكر لتنتقل من واقع الإطار الحركي المعاصر إلى استخلاص المعاني وتجريد المفاهيم وتأصيلها في نطاق العقل المجرد والمنطق العلمي، بحثًا عن تعليل وتفسير ظاهرة (الأمة) بوصفها وتفسيرها جماعة حضارية سياسية على قدر من الاستمرارية والتواصل، مع ما أصابها من ضعف ووهن بضياع الأسباب المادية والنظامية.
– الأمة أو الجماعة تصير الأصل، فهي مستودع الرسالة المحمدية، وبالتالي فإن وجود الإمام والدولة وجود منسوب أو مشتق، ومن ثم فإن بقاء الأمة مرتبط بالعلة وليس بالمعلول. واختفاء الإمام – وإن أضعف فاعلية الأمة- لا ينفي وجودها، فالأمة في الإسلام هي التي تفرز النظم بحكم مضمون الإسلام عقيدة وشريعة، فالإسلام عندما جاء بأمة لم يقرنها بحتمية تنظيمية معينة، ومن ثم صارت “قيمة عليا” ثابتة لا تحبسها أطر جامدة، بل هي القادرة على إيجاد الأشكال والصياغات النظمية التي تتلاءم ومعطيات العصر. ومن ثم فإن انحسار المؤسسات التاريخية للأمة لا يعني زوال الأمة.
– لا نجد للأمة الإسلامية نظيرًا في المفهوم الذي عرفته أوروبا في العصور المسيحية، أو في المفهوم المعاصر للقوميات الذي أعقب عصر التنوير في أوروبا، لأن الأمة الإسلامية تفترق عن غيرها من الأمم من حيث تجاوزها العصر الزمني، فهي ذات شخصية حضارية مميزة، ولكنها غير موقوتة بمسار تاريخي محدد. فهي في بقائها واستمرارها حقيقة اجتماعية رهن بالعقدية التي انبثقت منها، وليس بالمسار التاريخي أو العوامل التاريخية التي تتفاعل معها فحسب. ولهذا كله فإن السمة الأصولية المميزة للأمة هي التي تصبغ الجماعات البشرية على اختلاف أنواعها، بصيغتها. ولهذا لم تقتصر العاصمة الحضارية للأمة على موقع جغرافي دون آخر، بل تعددت المراكز الحضارية مع امتداد الجماعة “الأمة” ذاته، وباتت عواصم الدولة الإسلامية متعددة. وهذا يعني أن الإسلام عالمي لا يكرس المركزية ولا يقبل ثبات العاصمة، كما ويعني أنه في حالة إحياء متجدد ما أن يتهاوى المنحنى في موقع حتى يتصاعد في مواقع أخرى، وأيًّا كانت الأشكال والمسميات والقوالب التنظيمية التي تتخذها هذه الصحوات، فإن مرجعها دائمًا هو أن روح الأمة في سعي دائم نحو التجدد والمقاومة.
ولكن ماذا عن الأمة باعتبارها مستوى للتحليل؟ وما دلالة أبعاد التأصيل المنهاجي السابقة لمفهوم الأمة؟
التأصيل المنهاجي السابق يبين لنا أن الرابطة العقدية هي الأصل في منشأ الأمة واستمرارها وبقائها، فالأمة بلغة علم السياسة الحديث، تمثل منطقة ثقافية حضارية يمكن دراسة تفاعلات وعلاقات مكوناتها انطلاقًا من البحث في تأثير الرابطة المشتركة بينها، في ظل تأثير التنوع أو التباين في الجوانب الأخرى المادية، ووقائع الأحداث وتطوراتها، وتعددية الدول القومية (الإسلامية).
إذا كان مشروع العلاقات الدولية في الإسلام -على مستوى التاريخ- قد تعامل مع الأمة الإسلامية، بوصفها نظامًا دوليًا، فإن المدخل المنهاجي لدراسة تطور وضعها في النظام الدولي قد انطلق من المقاربة النسقية، وكيفية توظيف التاريخ في دراسات تطور النظم الدولية – كما سنرى لاحقًا– فلقد تلى ذلك تبلور جهود نظرية تتناول الأمة بكونها مستوىً للتحليل، على نحو مثّل تراكمًا في إطار جهود بناء منظور حضاري للعلاقات الدولية، وتزامنت هذه الجهود وتوازت مع جهود نظرية أخرى، اهتمت بمستوى الأمة الإسلامية (Muslim political community).
وقد انطلقت هذه الجهود من إطار نظري، يبيِّن كيف أضحت مدارس غربية متنوعة تتجه لتتخطى المستوى التقليدي للتحليل؛ أي مستوى الدولة القومية، وتجاوزه نحو مستويات أكثر كلية وشمولًا. وانطلقت هذه الجهود جميعها من نقد النموذج الوستفالي، الواقعي التقليدي الذي يُسقِط كذلك القيم والثقافة والدين.
وتوالت هذه الجهود ابتداءً من مدرسة “المجتمع الدولي” International Society، إلى مدرسة المجتمع العالمي World Society ومدرسة الجماعة العالمية World community، وجهود المدرسة البنائية الجديدة واهتماماتها، بتأثير الأفكار والقيم والثقافة، كون العلاقات الدولية هي بنية اجتماعية.
إنّ المقاربة القيمية-الثقافية في دراسة العلاقات الدولية لابد وأن تؤثر في مستوى التحليل؛ فالانتقال من مستوى الدولة القومية في ظل الوضعية المادية إلى مستوى ما بعد الدولة القومية، اقترن بمراجعة الوضعية المادية، وتجدد الاهتمام بالقيم والأبعاد الثقافية فى دراسة العلاقات الدولية. ومن هنا يقدّم مفهوم الأمة إسهامًا -من منظور حضاري إسلامي- يشارك في التراكم العلمي على صعيد مستوى التحليل، في ظل المراجعة الناجمة عن تجدد الاهتمام بالقيمي، والثقافي، والديني، في النظرية الاجتماعية عامة، وفي نظرية العلاقات الدولية خاصة.
ومن واقع إسهام د. أماني صالح الجديد في مجال دراسات الأمة يمكن تلخيص أبعاد مفهوم الأمة، ومزاياه، وإشكالياته على النحو التالي[55]:
“الأمة – كمفهوم- هي أحد الإسهامات الإسلامية الأصيلة في رصد ظاهرة الاجتماع الإنساني والتطور التاريخي/الحضاري للجماعات الإنسانية. فمفهوم الأمة تصور قدمه الإسلام لوصف مستوى أو نموذج معين للوجود الجمعي. ومع أن مصدر هذا المفهوم إسلامي، إلا أنه لم يُعْنَ فقط بوصف الأمة الإسلامية، بل عُني بتقديم تصور عامٍّ مجرد للجماعة/الأمة في التاريخ الإنساني، إسلاميّ أو غير إسلاميّ[…] لقد كان الخطاب القرآني في العموم هو المصدر الذي أسس المفهوم وحدد أبعاده […] يمكن أن نميز داخل الطرح القرآني لمفهوم الأمة بين ثلاثة أنساق متباينة؛ الأول: يتناول الأمة كمفهوم عامٍّ يصف ويرصد الظاهرة. والثاني: يقدم نظرية للتطور التاريخي الإنساني وسُننه على مستوى تشكيلاته الجماعية الكبرى، بل إن التشكيل الاجتماعي الحضاري الأساسي من المنظور القرآني هو “الأمة”. أما النسق الثالث؛ فهو نسق خاصّ يتناول الحالة الإسلامية تحديدًا والخصائص القياسية أو المعيارية للأمة الإسلامية […] وبرغم الصلة العضوية بين المفهوم والنظرية [التي يشكل المفهوم أداة بنائها الرئيسية] إلا أن ثمة اختلافًا مهمًّا بين البنائين؛ فالمفهوم القرآني للأمة يتسم بالعمومية والتجريد والحياد، الذي يجعله قابلًا للتعامل مع مختلف نماذج تلك الظاهرة. أما النظرية القرآنية لنشأة الأمم وحركتها وصيرورتها فهي ذات طابع ديني معياري، يؤدي فيه متغير الدين والإيمان [بل صحيح الدين والإيمان بالخالق والرسالات السماوية] دورًا جوهريًّا في ترتيب منظومته وبنائها. في حين يزداد البعد المعياري بشدة في النسق القياسي للأمة الإسلامية.
و يتشكل مفهوم الأمة تأسيسيًّا -من واقع الخطاب القرآني- من الأبعاد الأربعة التالية:
– الجماعة هي المادة الحية للأمة؛ فمركز الثقل في الأمة هو الجماعة وليس المؤسَّسة أو الدولة أو الفرد.
– المنهج (العقيدة ونمط السلوك): هو بمثابة الرابطة التي تجمع أجزاء هذه الجماعة وأفرادها في وحدة […] فقد يكون دينًا سماويًا أو عبادة وثنية، أو تقاليد وأفكارًا موروثة عن السلف، وقد يكون شريعة أو مذهبًا إصلاحيًّا بعينه.
– الوظيفة/الدور: ويعني هذا البعد وجود التزام من الجماعة إزاء معتقدها وطريقتها المثلى في الحياة […]، ويقع التزام الأمة إزاء معتقدها ومنهجها بين أحد مستويات ثلاثة: أولها؛ تحقيق التكامل أو الظهور والتبلور الوجودي الفعلي للأمة في الواقع، والمهمة الثانية؛ الدفاع عن العقيدة أو الطريقة المثلى للحياة. ثالثًا: التحرك الإيجابي لنشر الدعوة أو المنهج؛ وهو أحد السمات الأساسية للرسالات السماوية والحركات الإصلاحية.
– الزمن فإن “الأمة” بأبعادها السابقة ليست ظاهرة مفتوحة تاريخيًا، بل يحدها إطار زمني يفصل بينها وبين ما يليها من أمم، وإن شاركوها في خصيصة أو أكثر، مثل الالتزام العقيدي أو منهج الحياة. والإطار الزمني لا تحدده سنوات بعينها، بل يتحدد بناء على مدى نجاح كل جماعة أو جيل أو فشله في إنجاز مهمته أو رسالته.
وعلى هذا يمكن تعريف “الأمة” بوصفها “جماعة من البشر يربطها الانتماء والولاء لمنهج معين، قد يشمل تصوّرًا عقديًّا، أو طريقة حياة وسلوك أو كليهما معًا، وتسعى هذه الجماعة -عبر فضاءٍ غير محدَّد من التحركات والسلوكات الداخلية والخارجية- إلى إنجاز وظائف الدفاع عن تلك العقيدة وذلك المنهج، أو إظهاره أو نشره في إطار زمني معين” […]. والأمة بهذا المفهوم كيان عقدي وحضاري. ولا تشير الأمة إلى كيان اجتماعي/ جغرافي/ سياسي كالدولة-القومية، بل إلى كيان اجتماعي/ ثقافي/ حضاري؛ ومن ثم فالمدخل في تحديد هذا المستوى من مستويات التحليل هو مدخل إبستومولوجي وليس أنطولوجي؛ فالمتغيِّر الأساسي والمحوري هنا هو العقيدة بوصفها إحدى الديناميات المعترف بها في العلاقات الدولية، في مقابل متغير أو دينامية “القومية” لدى الدولة […].
ويتمثل العنصر الثقافي لدى “الأمة” في العقيدة؛ إذ العقيدة هنا بمعنى نسق القيم والأفكار والمعتقدات المتعلقة بتفسير ورؤية الكون والعالم والمجتمع وعلاقة الإنسان بكلًّ من تلك الأبعاد ودوره فيه وأهدافه. وتؤدي العقيدة وظيفة مهمة في تشكيل “الأمة”؛ هي خلق قاعدة مشتركة من الأفكار والتفسيرات والتعريفات ومنظومة القيم والأهداف ونسق الولاءات، لتربط تلك القاعدة المشتركة بين مجموعة من البشر غير القريبين جغرافيًّا أو لغويًّا أو عرقيًّا.
ووفقًا لمعيار العقيدة أو المنظومة العقيدية التي تقوم عليها الأمة يمكن القول بتعدد أنماط الأمة، ويمكن تحديد أنماط ثلاثة لها: الأمة القائمة على أساس ديني خالص. والأمة القائمة على أسس. والأمة التي تقوم على أساس حضاري.
ومع أهمية العقيدة ومحوريتها في تشكيل الأمة (الجماعة العقيدية الناشطة) إلا أن العقيدة بالمفهوم الذي أشرنا إليه (بمعنى تصور الجماعة للوجود ولمهمتها) تكون هي والأمة محصلة لمجموعة من المصادر الخطابية والتاريخية والبشرية تشكل في النهاية ظاهرة “الأمة”.
وتحمل الأمم في مساراتها نوعًا من الصيرورة التاريخية عبر مراحل أو حالات لكل منها أهدافها وغاياتها. وأولى تلك المراحل هي بناء الذات، الذي يبدأ ببلورة جوهرها العقيدي وينتهي ببناء هيكلها السياسي، حتى يمكن القول إن “الدولة” (وليس الدولة-القومية) هي أعلى أو أنضج مظاهر التعبير الخارجي عن وجود “الأمة”، ولكنها ليست شرطًا لوجودها.. وحالة الدفاع، أو تمييز الخصوم والأعداء يمثل أحد تكتيكات تكوين اللُّحمة الداخلية للجماعة وتماسكها. أمّا مرحلة التمدد والهيمنة فتتمثّل في نوع من ممارسة علاقات القوة مع الأمم المنافسة، لتشكّل أعلى مراحل ظهور الأمة.
(…) ولا يتسم تاريخ الأمم بالثبات أو الركود، بل بالحركة الدائبة والتغير المرتبط بالتحولات الطارئة على الأفكار والعقائد الجماعية. ويؤدي التغير الذي قد يطرأ على العقائد إلى تغير في تعريف حدود الجماعة ونطاق الانتماء واتجاه الولاء، ومن ثم التغير في بنية الأمة وحدودها.
والسؤال الذي قد يطرح الآن هو: ما العلاقة المتوقعة بين الأمة بوصفها مستوى للتحليل وبين المستويات الأخرى للتحليل، فضلًا عن وحدات التحليل المعروفة في العلاقات الدولية؟
تشكل أغلب وحدات التحليل المعروفة في دراسات العلاقات الدولية مظاهر أو أدوات للتعبير عن الأمة. فالفرد صانع القرار والمنظمات الدولية والإقليمية والشبكات الاقتصادية والسياسية العابرة للحدود، وحركات الأموال والأفكار والأيديولوجيات، تصبح كلها ظواهر وآليات تعبير عن “الأمة”.
ويمثل النظام العالمي/ الدولي الإطار الحاضن لظاهرة الأمة، وهو إطار تنافسي في الغالب، ومن ثم فهو يضع في الغالب الحدود أو سقفًا وضوابط لحركة الأمة الواحدة، طبقًا لموازين القوة القائمة، وأسس التعاون والصراع المتعارف عليها. وفي هذا الإطار قد يكون النظام الدولي إطارًا مناسبًا لحركة “الأمة” ونموها، بفعل طبيعة القوى المسيطرة عليه وسماتها العقدية والحضارية أو العكس.
وتعد الدولة- القومية في التراث التقليدي للعلاقات الدولية هي الوحدة الأساسية في نظام دولي تمثل القومية وإحدى دينامياته وأيديولوجياته المؤسِّسة، في حين يجيء تبلور النظام الإقليمي بمؤسساته وأنماط التعاون المختلفة فيه طورًا أرقى، يعكس نوعًا من الاستقرار والتوافق والانسجام بين وحداته الدولية، وتطويرًا لقدر من المصالح المشتركة لأعضائه. في ظل مفهوم “الأمة” فإن هذا التتابع (الدولة ثم النظام الإقليمي) يكون عكسيًّا؛ فالدولة (الجامعة لشَمْل الأمة) تعد أرقى مظاهر تبلور ونضوج الأمة التي تصل حالة نموها إلى امتلاك إرادة سياسية واحدة تعبر عنها، وتوجه أفعالها، وتتحدث باسمها في النظام الدولي، في حين يحتل التفاعل النظمي والإقليمي القائم على مفهوم “الأمة”، طورًا أدنى لنمو الأمة وإن كان يعكس حالة للوعي بالذات والتعبير عنها أفضل من وضعية التشتت القُطري(…).
وفي إطار، مزايا ومشكلات توظيف الأمة كمستوى لتحليل في العلاقات الدولية يمكن تفسير نشأة كثير من الدول، سواء على النمط الإمبراطوري مثل الدولة الإسلامية في القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، والإمبراطورية الرومانية المقدَّسة في العصور الأوروبية الوسيطة، أو على النمط القُطري الضيق في العصر الحديث. وعلى صعيد خريطة التعاون والصراع في العلاقات الدولية كانت “الأمم” مبعثًا لكثير من الحروب والتحالفات، مثل الحروب التي حركّتها الفتوح الإسلامية، والمواجهات بين العالم الإسلامي والصليبيين، والحروب الدينية في أوروبا في القرن السابع عشر، والمواجهات المتعددة إبان الحرب الباردة بين الشيوعية والغرب الرأسمالي، وأخيرًا تصاعد أجواء الصراع الدولي بين العالم الإسلامي والغرب المسيحي منذ وقائع الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما اكتنفها من جدالات ثقافية وفكرية.
يمكن أن نزعم أن علم العلاقات الدولية بتجاهله مفهوم (الأمة) بوصفها مستوىً من مستويات التحليل، يفتقر إلى مصدر مهم لتفسير جانب من العلاقات والتفاعلات الدولية، يمكن أن يستفيد كثيرًا بتوظيفه كما يخسر بتغييبه عن التحليل. ويرجع ذلك إلى عدد من الأسباب: أولها- أن علم العلاقات الدولية التقليدي يعنى كثيرًا بالجانب المؤسَّسي أو النظامي؛ إذ إن أغلب الكيانات أو الوحدات محل التحليل هي وحدات مؤسسية أو نظامية. وعكسَ هذا الاتجاهُ في مجمله تأثرًا بالواقع الأوروبي والغربي، ومستوى تطوره الحالي، الذي تعد “المؤسسية” أهم إنجازاته.. ويمكن القول إن هذا الاقتراب التحليلي يعكس انحيازًا لمرحلة معينة من مراحل نمو الكيانات الدولية، هي مرحلة اكتمال تلك الكيانات ونضجها، في حين تبقى مرحلة ما قبل النضج والتبلور -أي حركة ونضال الكيانات نحو التبلور في السياق الدولي- مرحلةً غائبة، مع أنها تترك أثرًا كبيرًا في التفاعلات الدولية، وتحرك جانبًا لا بأس به منها.
في هذا الإطار فإن طرح مستوى الأمة (الجماعة العقيدية الناشطة) يغطي جانبًا مهمًّا في مجال العلاقات الدولية، مثل مراحل التكون الطويلة للكيانات والأزمات الدولية السابقة على ظهورها.
“الأمة” بوصفها مستوىً للتحليل الضوءَ على فاعل مهم تم تجاهله في الأدبيات التقليدية للعلاقات الدولية المعاصرة؛ وهو الجماعة، وعلى دينامية مهمة من ديناميات العلاقات الدولية هي العقائد. وقد تجلت في السنوات الأخيرة أهمية العقائد الدينية والجماعات في صياغة العلاقات الدولية، على نحو أثبت علم العلاقات الدولية فقرًا في معالجته.
إن “الأمة” -كمستوى للتحليل- تتيح أيضًا للباحث التركيز على مناطق بينية تربط -أكثر مما تجزىء- عددًا من عناصر التحليل في العلاقات الدولية، خلافًا لغيرها من المستويات التقليدية للتحليل، التي تركز على بُعد بعينه لا تغادره إلى ما سواه؛ مما يخلق مشكلة يعترف بها كثير من أساتذة العلاقات الدولية؛ وهي مشكلة الربط بين المستويات المختلفة للتحليل والجمع بينها في تحليل واحد”.
إن مفهوم الأمة -على ضوء ما قدمته الدكتورة أماني صالح- يتجاوز الرؤى التي تركز على الفواعل من غير الدول – دون إسقاط دور الدول- وهي الرؤى التي برزت في ظل مراجعة ونقد منظومة الدولة-القومية. يتجاوز مفهوم الأمة بعلاقته بمستويات التحليل الثلاثة (التي تعاقبت المنظورات الغربية المهيمنة على العلاقات الدولية في التركيز عليها) كلًا من تلك المنظورات على حدة، وعلى النحو الذي يؤكد مصداقيته في تشخيص التفاعلات الدولية وتفسيرها في أي مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية، سواء تلك التي شهدت بروز الدولة القومية، أو التي شهدت بروز فواعل أخرى من غير الدول، وهو الأمر الذي يتسق معرفيًّا وأنطولوجيًّا مع حقيقة الظاهرة الدولية، بكونها كونَها ظاهرة معقدة الأبعاد والمضامين، لا يلغي بُعْدٌ منها الآخر. ويحمل مفهوم الأمة تلك الميزة نفسها (المتعلقة بتجاوز الانحياز لبعد واحد) فيما يتعلق بمضمون ومحتوى التفاعلات موضع الدراسة والتحليل، فهو لا يقتصر على التركيز على أي من الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية دون غيرها، على غرار كثير من المنظورات الغربية التي تعاقبت على علم العلاقات الدولية، ومفهوم الأمة بعلاقته بالمستويات الثلاثة إنما يفرد مكانًا لأنماط التفاعلات المختلفة، التي يشارك فيها الأفراد والجماعات، وليس فقط صانعو القرارات ومنفذوها من الدبلوماسيين أو العسكريين أو رجال الأعمال.
إن مستوى تحليل الأمة يمكنه أن يحتفظ بمصداقية أكثر استمرارًا في فهم العلاقات الدولية ودراستها، مهما تعاقبت على واقع العلاقات الدولية المتغيرات التي تعطي أولوية الاهتمام بفاعل دون آخر، أو بمجال ومضمون دون غيره، لأنه يستوعب بدرجة أكبر ما يمكن أن نسميه بطبائع الظاهرة الدولية (والإنسانية عمومًا) من تعقيد وتداخل المتغيرات والأبعاد، خلافًا للمنزع الذي يحكم المعرفة الغربية من انحياز بين فترة وأخرى إلى تغليب عنصر أو متغيِّر وحيدٍ، يعكس غالبًا مصلحة القوى المهيمنة على الواقع أو الفكر أو العلم.
وفي ضوء منظومة الدعوة –الجهاد، – القوة، ومنظومة فواعل ووحدات التحليل ومستوياته، فإن من أهم مجالات تشغيل منظور إسلامي وتفعيلة، مقارنةً بالمنظورات الأخرى في دراسة وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي الراهن، مجاليْ العولمة والعلاقة بين الثقافات والحضارات، وهما مجالان مرتبطان، فالأول يقدم الإطار النسقي لوضع الأمة، والثاني يبحث في نمط العلاقة بينها وبين أمم أخرى. والمجالان يستدعيان مستوى الأمة في التحليل، وينطلقان من نقد مفهوم القوة الواقعي، ويتعرضان لقضايا وأدوات ذات أبعاد ثقافية-دينية في تداخلها مع نظائرها السياسية-العسكرية والاقتصادية.

رابعًا: التاريخ ومنهاجية دراسة العلاقات الدولية

تعددت الروافد المعبرة عن وضع التاريخ في مسار تطور الدراسة العلمية المنظمة للعلاقة الدولية. وتجسد هذا الوضع بقوة في نطاق الجدل بين التقليدية السلوكية، ومرحلة ما بعد السلوكية، وتجدد البروز في أدبيات نظرية العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ومن أهم الأمثلة التي طرحت عن إمكانية التعاون بين المنظورين التقليدي والسلوكي، تلك المتصلة بقيمة المعرفة التاريخية، وتتلخص أهم أبعادها كالآتي:
أ- يعد التاريخ معملًا لدراسة العلاقة بين السبب والنتيجة في السياسة العالمية، ومجالًا يمكن أن تستقصي فيه صحة بعض الفروض النظرية؛ أي إنه يقدم المادة الأولية اللازمة لصياغة بعض الفروض واختيارها، ويعطي عمقًا لدراسة الحاضر.
– إذا كان التاريخ يقدم المادة التاريخية اللازمة للتفسير والتحليل، باستخدام أساليب منهاجية أكثر حداثة، غايتها المعلنة هي التعميمات النظرية؛ فإن هذا يعني أن هناك فرقًا بين استخدام المؤرخ (أو دارس التاريخ الدبلوماسي) وتوظيف دارس العلاقات الدولية للمادة التاريخية وللخبرة التاريخية.
وتألقت جاذبية التاريخ خلال مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وبعد نهاية القطبية الثنائية؛ فمن من بين أهم الأسباب التي يرجع إليها الفشل في الوصول إلى نظرية عامة للعلاقات الدولية، قضيةُ العلاقة بين دراسة التاريخ والتنظير لعلم العلاقات الدولية، ومن ثم التساؤل حول ما إذا كان محور اهتمام نظرية العلاقات الدولية يجب أن يدور حول الواقع الدولي المعاصر، أم أنه يجب أن يمتد ليشمل الحاضر والماضي معًا. ويطرح هذا التساؤل بدوره كثيرًا من التساؤلات الفرعية عن الحدود الزمنية المناسبة لهذا التاريخ، وحول أعباء الامتداد الزمني المرهقة لطاقة التحليل النظري، وكيفية المقارنة بين أوضاع العلاقات الدولية المتغيرة، وحول ضرورة القراءة الانتقائية لأحداث التاريخ أو ضرورة القراءة الشاملة. فقد ظلت تتجدد دعاوى الاهتمام بدراسة التاريخ وتوظيفه في مجال الدراسات السياسية بصفة عامة، وعلى صعيد بعض مجالات الدراسات الدولية بصفة خاصة.
وفي سياق الاهتمام بدراسة آثار انتهاء الحرب الباردة والقطبية الثنائية على دراسة العلاقات الدولية، والاهتمام بتحليل خصائص هذه العلاقات، وما تعكسه درجة الاستمرارية أو التغير في عصر ما بعد الحرب الباردة، والتطورات العميقة في أساليب وطرائق دراسة العلاقات الدولية، لم يفقد عتاة “التقليدية” دأبهم في التذكير بضرورة الاهتمام بالتاريخ، والقيم، والفلسفة[56].
ولقد كان الفشل في التنبؤ بنهاية الحرب الباردة والقطبية الثنائية على النحو الذي جرت عليه من أهم الفرص التي سنحت أمام البعض لتجديد الانتقادات لمخاطر إهمال التاريخ، ولبيان أنه لا يمكن تطوير نظرية عامة في العلاقات الدولية يكون لها القدرة على التنبؤ بالمستقبل دون أن تستند إلى أساس قوي من المعرفة التاريخية ومن الإلمام بخبرة التاريخ. ونجد (John lewis Gaddis) في واحدة من أهم المقالات النقدية المسحية خلال التسعينيات[57] يقدم تقويمًا لنظريات كل من المقاربة السلوكية، والبنيوية، والتطورية، على نحو يبرز فشلها في التنبؤ بنهاية الحرب الباردة، ويُرجِع -في نهاية الدراسة- الفشل إلى المنهاجية “العلمية” الصارمة التي تهمل حقيقة الظاهرة الاجتماعية التي تحتاج للتاريخ والقيم لحسن فهمها تفسيرًا وتنبؤًا.
وأكد كثير من رواد المدرسة العلمية للعلاقات الدولية أنه حتى تقود عملية التنظير إلى القدرة على التنبؤ؛ لا بد من الاهتمام بتاريخ العلاقات الدولية. وكان أوضح مثال على ذلك دراسات النظام الدولي منذ بدايته في الستينيات حتى الآن. ونجد مورتون كابلان أول رواد تطبيق نظرية النظم في مجال العلاقات الدولية، فعلى مستوى النظام يقول: إن التاريخ هو المعمل الكبير الذي تحدث في نطاقه الحركة الدولية[58]، بل إنه في سياق دفاعه عن إمكانية تحليل النظم في تحقيق أهداف بحثية أكثر عمقًا من الأساليب التقليدية عند دراسة الموضوع التاريخي نفسه، يؤكد عدم صحة اتهام المناهج العلمية بعدم الاهتمام بالتاريخ، لأنهم لا يهتمون به، ولكن بأساليب جديدة وأهداف محددة تختلف عن نظائرها لدى التقليديين.
وللتاريخ بالطبع وضع متميز في دراسة العلاقات الدولية من منظور إسلامي، ناهيك عن وضع العلاقات الخارجية (أو الدولية) للأمة الإسلامية في دراسات التاريخ الإسلامي.
لقد كانت الدراسة النقدية لحالة منهاجية دراسة “العلاقات الدولية” في تراث التاريخ الإسلامي، وفي أدبيات علم التاريخ الإسلامي المعاصر، منطلقًا أساسيًا من منطلقات مشروع العلاقات الدولية في الإسلام. وعلى ضوء نتائج هذه الدراسة النقدية اقترب المشروع من التاريخ الإسلامي اقترابًا نظميًا لدراسة تطور وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي، وإذا كانت الأدبيات الغربية لنظرية العلاقات الدولية (على مستوى النظام الدولي) قد وظفت التاريخ –مسقطة التاريخ الإسلامي- فإن المدخل المنهاجي لمشروع العلاقات الدولية –على مستوى التاريخ- حاول سد هذه الفجوة على ضوء المنهاجية التي اتبعها لدراسة تطور وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي من اقتراب نظمي.
ثم تبلورت –خلال خبرة البحث والتدريس- أبعاد المقارنة بين توظيف المنظورات الغربية من ناحية، وتوظيف التاريخ في الدراسة من منظور إسلامي؛ إذ اختلفت منهاجية التوظيف نظرًا لاختلاف فلسفة التفسير.

1- نماذج توظيف التاريخ في دراسات النظام الدولي: يمكن الإشارة إلى المجموعات الثلاث التالية التي اهتمت بهذا الجانب:
أ- المجموعة الأولى (الكلية– الاستاتيكية): وتتميز باتجاهين، أولهما الذي ينطلق من منظور مجرد افتراضي، ويرجع إلى التاريخ لتوضيح الافتراضات. وثانيهما ينطلق من واقع تاريخي ملموس. وتجدر الإشارة إلى أن الغرض من هذا العرض ليس بالطبع الدراسة التفصيلية بقدر ما هو استخلاص السمات العامة لهذا التوظيف ومعاييره.
وكانت دراسة مورتون كابلان (1957) دراسة رائدة على صعيد الاتجاه الأول، وفحواها يتلخص بالتالي يختلف عدد ونمط سلوك الدول، وتتنوع قدراتها العسكرية والاقتصادية على مدار التاريخ، ولهذا فإن هناك نوعًا ما من الرابطة بين هذه العناصر على نحو يمكن معه التمييز بين نظم بنيوية وسلوكية في فترات مختلفة من التاريخ، ويتطلب القيام بمثل هذا البحث صياغة افتراضات نظمية حول طبيعة الروابط بين المتغيرات، حتى يمكن دراسة التاريخ الماضي من أجل توضيح هذه الافتراضات.
أما الاتجاه الثاني فطرح عدة محاولات تراوحت بين محاولة التمييز بين عدد من أنماط النظم الدولية التاريخية وفق معايير متنوعة، ومحاولة متابعة التطور التاريخي للعلاقات الدولية بصورة منظمة لا تغرق في تفاصيل التاريخ الدبلوماسي، أو في افتراضات ومتغيرات التحليل النظمي.
ب- المجموعة الثانية: وتمثلها الدراسات الكلية التحويلة، وهي بمثابة الجيل الثاني من الدراسات النظمية الدولية التي وظفت التاريخ، وظهرت خلال الثمانينيات.
و كانت أهم الانتقادات المنهجية التي تعرضت لها دراسات النظم الدولية في الستينيات والسبعينيات، هي أنها تعكس مقاربة استاتيكية تبحث عن كيفية الحفاظ على النظم القائمة، نظرًا للتركيز على قيم الاستقرار والتوازن، وليس عمليات التغير والتطور والتحول، ومن ثم كان “التحول” في النظام الدولي منطقة بحثية مهملة سواء على الصعيد التنظيري أو التطبيقي. ولقد وجهت النظر إلى هذا القصور التنظيري إحدى الدراسات الرائدة في بداية الثمانينيات، التي قدمت محاولة أولية اجتهادية لتحديد مفهوم عملية التحويل، وتحديد المتغيرات التي يجب الاهتمام بها لاستكشاف التحول من نمط إلى آخر من أنماط النظم الدولية، وأخيرًا تحديد أهمية دراسة التحول.
واندفع هذا الاتجاه خطوة أكثر للأمام، بالاهتمام بدراسة التحول العالمي عبر فترات زمنية ممتدة، وليس فقط التحول من نمط إلى آخر من أنماط النظم الدولية، وهو الاهتمام الذي تجسَّد في مجموعة من الدراسات الرائدة التي تعاقبت خلال الثمانينيات والتسعينيات.
ولهذا فإن الدراسات النظمية التي توظف التاريخ السياسي والاقتصادي، حققت دفعة هائلة خلال الثمانينيات، نظرًا لتزايد الاهتمام الأكاديمي بهذا المستوى من التحليلات، بسبب نمو آثار الاعتماد المتبادل بين أرجاء العالم، وتزايد ما سمي بأزمة الدولة القومية. وأبرز هذان الأمران أهمية بعد أساسي في الدراسات الدولية المعاصرة، هو ديناميكيات التغيرات الكبرى في توزيع القوى العالمية بين الدول. لقد وعمقت من هذه الأهمية طبيعة المرحلة الراهنة للنظام الدولي المعاصر، الذي يمر بفترة تحول هامة، دفعت للتساؤل عن مصير الدول القائدة للنظام وخاصة الولايات المتحدة، ومن ثم تبلورت الدراسات التي تحاول تقديم صياغات هامة حول أبعاد الهيمنة Hegemony ثم السقوط بالنسبة للدول الكبرى أو الإمبراطوريات، وكان الرجوع إلى التاريخ يعمِّق فهم مدلول بعض المتغيرات الحاضرة، ويوسع من آفاق الاحتمالات الممكنة. ومن أحدث هذه الدراسات دراسة بول كيندي، وجورج مودليسكي، وريشارد روزيكرينس.
في ضوء هذا نصل إلى خلاصة أساسية، مفادها[59]:
– الاقتصار على توظيف خبرة النظام الأوروبي وتاريخه، حتى إن الإمبراطورية العثمانية في النظام الدولي خلال الثلاثة قرون الأخيرة من عمرها قد تـم تناولها في الأدبيات -الجزئية أو الشاملة- بوصفها واحدةً من عدة قوى كبرى مثّلت أطراف نظام توازن القوى المتعدد التقليدي، وهو النظام الذي ساد ما قبل الحرب العالمية الثانية، ولم يتم تناولها بوصفها دولة خلافة إسلامية ذات دوافع وأهداف تميزها.
وفي المقابل نجد أن المؤرخين الغربيين الذي اهتموا بأبعاد التاريخ الإسلامي الدولي قبل ويستفاليا وبعده، وكذا المؤرخين المسلمين الأوائل والدارسين المعاصرين للتاريخ الإسلامي بعصوره المختلفة، قد تناولوا أبعاد هذا التاريخ، ولكن على النحو الذي لا يعالج تطور وضع الدولة الإسلامية في بنية النظام الدولي، أو على خريطة توزيع القوى العالمية مقارنة بالقوى غير الإسلامية على الساحة الدولية.
– إذا كانت النماذج السابقة قدمت لنا مناهج متنوعة، ابتداء من الدائرية إلى الخطية الصاعدة أو الهابطة، وجميعها تنبع من رؤى حضارية غربية عن ماهية التاريخ وطبيعته وكيفية تفسيره، فلابد أن نتساءل: عن الرؤية الإسلامية لطبيعة التاريخ واتجاه تطوره وكيفية تفسيره.
إنّ توظيف الخبرة التاريخية الغربية – في نطاق علم العلاقات الدولية- يرتبط بأهداف الحركة في الواقع واحتمالات المستقبل، وخاصة ما يتصل بالحرب والسلام، وبالتغيرات في موازين القوى العالمية، ووضع القوى الغربية القائدة فيها. ومن ثم فإن الغاية هي البحث في القواعد التي تتصل باستمرار الهيمنة الغربية وبالقيم الأمريكية العالمية؛ إذ إن جل الدراسات التي وظفت التاريخ على مستويات مختلفة هي إنتاج أنجلوساكسوني بالأساس، ومن ثم فإن “الجنوب” بصفة عامة كان على هامش هذه الدراسات التي تركز على القوى القائدة للنظام.
ومن ثم لابد أن نتساءل: ألا يمكن لمنظور إسلامي للعلاقات الدولية أن يوظف التاريخ على نحو يعالج تلك المركزية الأوروبية الغربية، ويتصدى لإشكاليات أكثر حيوية لمصالحنا، وهي إشكاليات تحليل التدهور بعد الصعود، وكيفية إحياء عملية الصعود؟
إن توظيف الخبرة التاريخية الغربية يتم في ضوء مجموعة من المتغيرات المادية والهيكلية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية. وتختلف أولوية كل منها باختلاف المنظور أو الإطار المرجعي والمدرسة الفكرية: الواقعية، الليبرالية، الماركسية؛ فإذا كان البعض قد ركز على متغيرات الاستقرار وعدم الاستقرار، فإن آخرين قد ركزوا على متغيرات القوى العسكرية والقوة الاقتصادية وأثرهما في تحديد القوى المهيمنة وتعاقبها صعودًا وهبوطًا، أو متغيرات النمو والتراجع الاقتصادي وأثرها في توالي دورات الهيمنة.
وفي المقابل فإن المتغيرات غير المادية لم تحز نصيبًا من متغيرات نماذج المجموعة الكلية -الاستاتيكية، أو المجموعة الكلية التطورية من نماذج توظيف التاريخ في دراسة تطور النظام الدولي، وهي النماذج التي حازت نصيبًا من الاهتمام الملحوظ من جانب دراسات “المجتمع الدولي” “International Society” التي كان المنظران الإنجليزيان Martin wight, Hedley bull من روادها، وذلك على النحو الذي يمثل إسهامًا في بلورة بعد قيمي في الدراسات الدولية الكلية، التي تركز على النظام المعاصر وليس تطوره التاريخي. والمقصود بهذا البعد ليس القواعد norms المنظمة لتفاعلات النظام ولكن القيم Values التي تمثل الإطار المرجعي الحاكم لهذه التفاعلات، التي يتم على ضوئها تقييم نتائجها بعدًا أو قربًا من هذه القيم. ودراسات المجتمع الدولي هذه تميز بين النظام والمجتمع على أساس أن النظام مصطلح يثير صورة كرة البلياردو الوضعية عن العلاقات الدولية بوصفها صدامًا للقوى في ظل بنية النظام الذي يشكلونه. ولذا يرى منظرو المجتمع الدولي أن هذا المجتمع هو ترتيب إرادي وليس بنية لا إرادية، أو نظامًا وظيفيًا يستقل عن هؤلاء المكونين له. ومن ثم فإن منظري المجتمع الدولي هم المعياريون الذين يختلفون عن منظري “النظام الدولي” (الوضعيين)، لأنهم يهتمون بالأبعاد القانونية والأخلاقية والمعايير، ولأنهم يرون أن المجتمع الدولي ليس مفهومًا مجردًا وإنما حقيقة إمبريقية.
وقد تراكمت على هذا الاتجاه -الذي يتخطى البنيوية الوضعية السلوكية، ومن ثم ينتمي إلى المعيارية- دراسات الجماعة العالمية، والمجتمع العالمي، والمجتمع الكوني، التي دشن تطويرها جون برتون في السبعينيات. وتبلور-خلال التسعينيات- تيار من الدراسات التي ركزت على دراسة التغير في النظام الكوني المعاصر، انطلاقًا من منظور قيمي وسعيًا نحو تطوير نظرية ذات توجه قيمي لفهم هذا النظام. ناهيك عن جهود المدرسة البنائية الجديدة.
وفي ضوء ما سبق، لابد وأن نتساءل كيف يمكن أن يمثل توظيف التاريخ الإسلامي، وفكر فلاسفته وضوابط دراسته وتفسيره، إضافة على هذا الصعيد، فالمنظور الإسلامي منظور قيمي بطبيعته؟

2- توظيف التاريخ في منظور إسلامي على أسس التفسير الإسلامي للتاريخ
تختلف أسس ومعايير وضوابط التفسير الإسلامي للتاريخ عن نظائرها في تفسيرات أخرى تعكس تقاليد الحضارة الغربية في أطوارها المختلفة؛ الماركسية والليبرالية، مع الأخذ بالحسبان تعدد روافد هذين التيارين. وتمثل الدراسة المقارنة بين هذه التفسيرات والدراسة التفصيلية للتفسير الإسلامي مجالًا خصبًا. وأدلت كثير من الأدبيات بدلوها في هذا المجال، وعالجته وفق مقاربات مختلفة.
ولا يسعنا التفصيل في هذه المقارنة، أو التفصيل في أبعاد التفسير الإسلامي وتياراته؛ إذ من الصعوبة عرض جوهرهما في هذا النطاق المحدود، ولكن يمكن أن نورد بإيجاز الملاحظات التالية:
أ- لا يرجع الاختلاف بين التفسير الإسلامي والتفسيرات الأخرى إلى اختلاف الوثائق التاريخية مثلًا، ولكن يرجع إلى اختلاف الافتراضات والرؤى حول العلاقة الثلاثية بين الله، والإنسان، والمجتمع والطبيعة؛ أي حول مدى تأثر الأوضاع البشرية بالأوضاع المادية المحيطة بها، والقدرة الإلهية. ومن ثم فإن المظهر الأساسي للاختلاف هو نسبة العوامل العقدية، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، والسبب الرئيسي لهذا الاختلاف هو اختلاف مصدر رؤى هذه التفسيرات وأسسها؛ فهي مصادر فكرية بشرية أساسًا في التفسيرات الوضعية، ولكنها ذات مصدر إلهي في التفسير الإسلامي.
ب- لا يعبر عن التفسير الإسلامي تيار واحد، ولكن يمكن استكشاف تيارين أساسيين: التيار الأول يمكن تسميته التيار التقليدي المبسط، وتقتصر في تفسيره على ذكر “الإرادة الإلهية” ولا يهتم بالسببية في تحليل الظواهر وتفسيرها. والتيار الثاني وإن كان لا يقبل بساطة التيار الأول الذي يركز على الإرادة الإلهية في صورة منعزلة ومجردة عن العوامل الأخرى، فهو كذلك يرفض مبررات صفة العلمية المرتبطة بالتيار الذي انتقد التيار التقليدي؛ أي يرفض إعطاء الأولوية لتأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن العوامل الغيبية والإلهية، ومن ثم فإن هذا التيار الثاني يعكس مفهومًا واسعًا رحبًا وعلميًا للتفسير الإسلامي للتاريخ، يبعده عن سلبيات وتبسيطات الجبرية الكلاسيكية التقليدية، وينقيها من مادية التيارات الأخرى، ومن أحاديتها، وحتميتها.
ويقدم هذا التيار تصورًا لأبعاد معادلة العلاقة بين الإنسان وإرادة الله وحركة التاريخ على نحو يوفّر حلًا لإشكالية كيفية الجمع في التفسير بين مجموعات العوامل العقدية، والعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
إن دراسة التطورات في حالة كل نظام من التفاعلات الدولية، أو للتحول من نظام لآخر، تتم مسترشدة بالأسئلة الثلاثة التالية: ما دور المعتقدات والقواعد الإسلامية؟ ما تأثير الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها؟ ما تأثير الاعتبارات الثقافية غير الإسلامية أو العوامل المادية القائمة في أطر غير إسلامية؟
ومما لا شك فيه أن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد بدرجة كبيرة على مواجهة الإشكاليات المتعلقة بنمط التحولات الكبرى في التاريخ الإسلامي، بعيدًا عن الأصل الإسلامي، الذي يسمى العلاقة بين النظرية والتطبيق في الإسلام، وهو المنظور المتأثر بمنظور آخر عن ما أسماه البعض بالعلاقة أو المعادلة الصعبة بين السياسة والدين، وخاصة شق المعادلة بين الحق والإيمان، وبين القوة والسياسات.
ويمكن القول إن ما يعتبره الغرب فارقًا بين النظرية والتطبيق في الإسلام حول العلاقات البينية الإسلامية (وحدة الأمة)، وحول العلاقات مع الآخر (الجهاد) الذي يستندون إليه ليصلوا إلى إلغاء التمييز بين الإسلام والمسلمين، ومن ثم يعتبرون أن الإسلام هو فكر وممارسات المسلمين؛ هذا الفارق الواقع – في ضوء ضوابط التفسير الإسلامي للتاريخ وخاصة السنن- هو انعكاس حقيقي للإسلام، فيما وصلت إليه ممارسات المسلمين عبر تراكمات متعددة ليس إلا تأكيدًا لانطباق السنن الإلهية كركن من أركان التفسير الإسلامي، فالعوالم التي نظر إليها الماديون من وجهة نظر أحادية هي في الحقيقة سنن الله تعالى في الكون والحياة والناس، وهي سنن لم يصنعها التطوريون والتجريبيون، وإنما كشفوا عن بعضها وأساءوا تفسيرها وفهمها بدرجة كبيرة. والتفسير الإسلامي بالاستناد إلى السنن يحقق صحة هذا الفهم عن تأثير العوامل المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وبعبارة أخرى: إذا كانت الاتجاهات الغربية تتكلم عن تغيير الإسلام في ضوء الخبرة التاريخية، وعن أنه لم يطبق إلا خلال 40 عامًا فقط، فإنه يجب أن نفطن إلى أن مقتضيات الضرورة العملية وضغوط الواقع الفعلي لا تلغي أسس الإسلام، أو الغاية الكبرى التي ينشدها. وإذا كانت ممارسات المسلمين عبر التاريخ قد ابتعدت عن تحقيق هذه الغاية، فإن هذا الابتعاد عن الأصل ليس دليل فشل، أو عدم صحة غاية هذا الأصل وقواعد تحققها، ومن ثم فقدان مصداقية الإسلام كنظام حياة لكل زمان ومكان، ولكنه دليل على أن عدم اتباع المسلم الأول الإسلام انعكس على ممارسته فانطبقت عليه السنن، أيًّا كان الزمان وأيًّا كان المكان.
فهمنا لضوابط التفسير الإسلامي للتاريخ ومعاييره، تجعل حيثيات حكمنا على الفارق بين النظرية والتطبيق في الإسلام تختلف جوهريًّا عن حيثيات حكم اتجاهات بحثية في الغرب؛ فالمثالية الإسلامية التي في خيالهم ليست هي التي يعنيها الإسلام. ولعل فهمنا لهذه الضوابط والمعايير يكون هو المنطلق السليم لاستخدامنا بعض أدوات وأطر تحليل العلوم الاجتماعية الحديثة (النظام) دون الوقوع في مزالق توجهات الذين كان لهم السبق في توظيفها في دراسة التاريخ الإسلامي. فإذا كانت التطورات في اتجاهات دراسة التاريخ الإسلامي في الجماعات العلمية الغربية قد أبرزت التركيز على الخصوصية والتعددية والتجزئة الإسلامية، وعلى الصراع وعدم الرضا، وأبرزت الانتقال من الأسلوب الاستشراقي التقليدي القائم على السرد والتحقيق إلى أسلوب التحليل الذي اهتم بتضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق في الإسلام، فإن معايير التفسير الإسلامي وضوابطه ستكون المرشد لنا لتصحيح مخاطر القراءة التاريخية، من أجل استخراج الأنماط المنظمة، وحتى لا تكون عملية التنميط والتعميم والاستنتاج هذه تفريغًا من المحتوى الإسلامي، فاستكشاف الأنماط واستخلاص دلالتها مقتطعة من السياق الزماني والمكاني يثير هذه المخاطر، ولكن التنميط مع التدعيم بالتوقف عند قضايا محددة وفي نطاق أزمان وأماكن محددة لتفسيرها في ظل الضوابط والمعايير الإسلامية يخلّصنا من هذه المخاطر.
ولعل القراءة في مضمون وتفاصيل ونتائج الأجزاء الخمسة التطبيقية من المشروع عن خبرات العصور الإسلامية المتعاقبة، يساعد على فهم مغزى السطور السابقة، وهو المغزى الذي تجسده الخاتمة الجامعة عن محور التاريخ في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام.
3- أبعاد المقارنة بين منظور إسلامي للتاريخ ومنظورات أخرى وظفت جميعها التاريخ في دراسة “التغير الدولي” [60]:
أ- طبيعة الإطار المرجعي؛ والنسق القياسي الذي تم في ضوئه دراسة مسار الخبرة التاريخية وتقييم نتائجها وهذا يستدعي التساؤل: هل هناك غاية يتم السعي إليها؟ وهل هناك قواعد تحقق هذه الغاية أو الابتعاد عنها عبر التاريخ؟ بعبارة أخرى: كيف ينعكس الإطار المرجعي (أو مصدر الرؤية) على تحديد الهدف البحثي في التاريخ وتصميم إشكاليات البحث حول الفواعل والقضايا وأنماط التفاعلات؟ إننا أمام حالتين: الأولى؛ هي حالة المنظور الغربي برافديه الرأسمالي، الماركسي. فالرافد الرأسمالي يعبر عن نموذج نظام الدول أو نظام فواعل من الدول وغير الدول، وينطلق من جذور الفكر الواقعي والماركنتيلي أو الفكر الليبرالي، ومن ثم يبرز قيم الاستقرار والتوازن، الذي يضمن هيمنة القوى القائدة من خلال الصراع، أو قيم الاعتماد المتبادل الذي تضمن هيمنة قوة قائدة من خلال نموذج تنافسي متداخل. أما الرافد الماركسي فيعبر عن نموذج “النظام العالم”، الذي يستمد جذوره من الفكر الماركسي، ومن ثم فإن نطاق تأمله هو الرأسمالية بكونها نظامًا، وآليات، وبالنظر إلى تفاعلاتِ صعودِها وهبوطها في ظل تطور صراع مصالح الطبقات، وأنماط الهيمنة الإمبريالية.
أما المنظور الإسلامي الذي انطلق من النظام: الأمة الإسلامية، بكونها مستوى لدراسة التفاعلات البينية الإسلامية، ومنطلقًا للتفاعلات مع الآخر، انطلاقًا من الأصول الإسلامية حول أصل تأسيس العلاقة مع الآخر (هل الحرب أم الإسلام أم الدعوة؟)، وحول القواعد والمبادئ والأسس الحاكمة للعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية وللعلاقات البينية الإسلامية.
ب- كيفية انعكاس طبيعة الإطار المرجعي، ومصدر المنظور على الرؤية عن العوامل المحركة للتحول الكلي، وعن وزن المتغيرات المادية وغير المادية المؤثرة في هذا التحول.
والحالة الأولى تدور حول الصراع من أجل القوة والمصلحة القومية (سواء القوة العسكرية أو الاقتصادية، وسواء أكانت أداة الصراع الحرب، أم الاقتصاد). في حين أن الحالة الثانية تدور حول الصراع الطبقي. وتدور الحالة الثالثة حول الدعوة كمحرك تتم إداراتها بأدوات الحرب أو السلام تحقيقًا لغايات التدافع الحضاري.
ومن هنا يظهر كيف أن تفسير عوامل القوة أو الضعف، والسقوط أو الصعود في الحالتين الأولى والثانية تظل أسيرة المتغيرات المادية، أي عوامل القوة المادية أساسًا، في حين تبرز العوامل غير المادية -إلى جانب المادية- في الحالة الثالثة.
ج- كيفية انعكاس طبيعة الإطار المرجعي ومصدر المنظور على الرؤية عن اتجاه التطور في التاريخ. فإذا كانت المدرسة الماركسية تقدم نموذجًا عن التطور الخطي وعن الحتمية التاريخية، وإذا كانت المدرسة الواقعية والماركنتيلية قد قدمنا نماذج عن الدورانية والبنيوية التاريخية، فإن الرؤية الإسلامية تقدم كما يرى البعض[61] “النموذج التحسني”؛ بمعنى أنه متى تزايد إقبال الأفراد والشعوب على الطاعة لإرادة الله، تحسنت الأمور، ويتمسك المسلمون بأنهم فعلوا ذلك في الماضي، وسيواصلون فعله في المستقبل، لأن الإسلام هو الذي سيفوز بالظفر في النهاية.
إن تفسيرات أخرى تظهر من داخل الدائرة الإسلامية وتقدم طرحين مغايرين، وهما الطرح الأشعري، والطرح المعتزلي. ففي الفهم الأشعري؛ كل لحظة من لحظات التاريخ أسوأ من سابقتها لابتعادها عن لحظة الفضل التي هي لحظة النبوة والخلافة الراشدة. وهذا الفهم يتفق مع التصور الخطي الهابط. وبنى الأشاعرة هذا الفهم القائم على مفهومي الانفصال والفصل على مجموعة من الأحاديث من مثل “خير القرون قرني هذا (…)”[62].
أمّا المعتزلة فطوّروا مفهوم التفضيل، وأوجدوا بدلًا منه مفهوم الموازنة، فإذا كانت أفضل لحظة تتحدد لدى الأشاعرة بالقرب أو البعد من اللحظة المثال، فإن مفهوم الموازنة يقوم على أن حركة التاريخ تبين أنه يمكن تصور وجود لحظات قريبة من لحظة الفضل توقف حركة الانهيار بدرجة معينة.
ولهذا فإن د. سيف الدين عبد الفتاح يتحدث عن التطور الشرطي وفق السنن؛ أي عن السنن الشرطية التي تساعد في وصف وتحليل وتفسير وتقويم أسباب تقلبات الأمم الحضارية بين حال العز والتمكين وحال الذل والهوان، فإن السنن تقع في قلب التأصيل لرؤية حضارية باعتبارها منهجًا للنظر إلى الفعل الحضاري ومسيرته. ومن ثم فإن مدخل دراسة السنن لدى د. سيف الدين عبد الفتاح[63] يعد أحد أبعاد منظومة مدخل القيم كإطار لفهم وتفسير وتقويم العلاقات الدولية من منظور إسلامي. والمعنى التأصيلي الذي يقدمه د. سيف للسنن ليوضح لنا كيف أن مفهوم السنن الشرطية يعبر عن طبيعة اتجاه التطور في التاريخ (في الرؤية الإسلامية) وهو الاتجاه الذي يختلف عن الحتمية الخطية الصاعدة أو الهابطة، لأنه يقترب من عملية الاختيار، وهي القيمة التي ترتبط بخلق الإنسان وتكريمه.
وضمن عناصر هذا التصور عن “السنن الشرطية” يقع فهم ما يوليه بحث العلاقات الدولية من اهتمام بالتطور التاريخي كمجال بحثي، فقد مكن استخدام النهج السنني في تفسير النماذج التاريخية الممتدة والتباينات في أحوال القوة والضعف من منظور قيمي كما سبقت الإشارة.
د- العلاقة بين أصل أو نسق قياسي وبين فقه التاريخ وفقه الواقع وفقه المستقبل.
إذا كانت النماذج الغربية في توظيفها التاريخ تنطلق من خصائص الواقع ومشكلاته نحو التاريخ سعيًا للتنبؤ بالمستقبل، إلا أنها تفتقد نسقًا قياسيًا، أو أصلًا يتم، في ضوء غايته وقواعده، التشخيص للقائم والتفسير للتاريخ والتقويم والإرشاد لإحداث التغيير. وفي المقابل فإن المنظور الإسلامي يقدم هذا النسق القياسي، والأسباب المفسرة لمدى ابتعاد أو اقتراب واقع العلاقات الإسلامية أو اقترابه من الأصل (وحدة الأمة، طبيعة العلاقة مع الآخر) وإمكانيات التغيير ووسيلته.

الخاتمة:

وإذا كانت المجموعات السابقة من الملاحظات قد توقفت عند أبعاد دراسة منظور إسلامي للعلاقات الدولية بالقدر الذي لا يمكن طرحه في هذه الدراسة، إلا أن المنظور الإسلامي لدراسة العلاقات الدولية لا يقتصر على بنائه فقط، لكن عليه أن يمتد إلى مجالات تشغيله وتفعيله في دراسة قضايا وتفاعلات الواقع الراهن للأمة الإسلامية.
ولذا، فإن عملية البحث، والتأليف، والتدريس قد مثّلت تطبيقات للمنظور الإسلامي للعلاقات الدولية، وباعتباري أحد أعضاء الفريق البحثي الجماعي الذي نفذ مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (1986-1996)، وأحد أعضاء الجماعة البحثية المصرية فى العلوم السياسية، وصاحبة الاهتمام بمنظور حضاري لدراسة هذه العلوم، سواء على مستوى نقد المنظورات الأخرى ومراجعتها، أو على مستوى تفعيل هذا النموذج، فإنه تم تشغيل نتائج تحليل الخبرة النظمية التاريخية الإسلامية في مجموعة من الأبحاث حول قضايا وتفاعلات راهنة، وحول طبيعة المرحلة الراهنة لوضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي. وقد كان للأنماط والتعميمات من العمق التاريخي مغزاه في عملية التشخيص والتفسير لهذه القضايا والتحولات، ومن ثم كان للسياق التاريخي لدراسة هذه الموضوعات تأثيره في صياغة المقولات وصياغة المحددات. وكذلك فإن المفاهيم المقارنة عن القوة والفواعل والقضايا واتجاهات التفاعلات، التي أخرجتها عملية، بناء منظور مثلت -بدورها- مدخلًا منهاجيًا حاكمًا ومشكلًا لمضامين التحليل حول قضايا عدة.
*****

الهوامش:

[1] مصطفى، نادية محمود. (إشراف وتحرير). مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996م، 12 جزءًا، وهي:
– مصطفى، نادية محمود. المقدمة، الدوافع، الأهداف، المنطلقات، في: الجزء الأول (المقدمة العامة للمشروع).
– مجموعة باحثين. المداخل المنهاجية للبحث في العلاقات الدولية في الإسلام، جزء 3.
– منجود، مصطفى. الدولة الإسلامية وحدة العلاقات الخارجية في الإسلام، الجزء 4.
– عبد الونيس، أحمد. الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام، الجزء 5.
– صقر، عبد العزيز. العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب، الجزء 6.
– مصطفى، نادية محمود. مدخل منهاجي لدراسة تطور وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي، الجزء 7.
– أبو زيد، علا. الدولة الأموية.. دولة الفتوحات (41- 132هـ، 661- 750م) من استئناف الدولة الأموية القوي والمؤثر لحركة فتوحات الراشدين إلى بلوغ المد الفتحي حدوده الطبيعية في المشرق والمغرب، الجزء 8.
– أبو زيد، علا. الدولة العباسية من التخلي عن سياسات الفتح إلى السقوط )132- 656هـ، 750- 1258م(، الجزء 9.
– مصطفى، نادية محمود. العصر المملوكي من تصفية الوجود الصليبي إلى بداية الهجمة الأوروبية الثانية )642- 923هـ، 1258- 1517م(، الجزء 10.
– مصطفى، نادية محمود. العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية، الجزء 11.
– بدران، ودودة. وضع الدول الإسلامية في النظام الدولي في أعقاب سقوط الخلافة، الجزء 12.
[2] عنوان المقرر هو: نظرية العلاقات الدولية: مدخل المنظورات وجدالاتها: من المنظور السائد إلى أزمة العلم والحاجة للمراجعة ومنظور بديل.
[3] انظر تسجيل متكامل لخبرة عقد (1996- 2006) في:
– مصطفى، نادية محمود. “التوجهات العامة في تدريس العلاقات الدولية وبحوثها: قراءة في خبرة جماعية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية”، ضمن مؤتمر توجيه بحوث الجامعات في العالم الإسلامي لخدمة قضايا الأمة الإسلامية، القاهرة، جامعة الأزهر، 12- 13 /11/2006م.
[4] مع بداية المرحلة الأخيرة في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرحلة الصياغات النهائية والتحرير والطباعة (1992-1996) شاركت في المؤتمر الأول للتحيز ببحث “الدولة العثمانية في دراسات التاريخ الإسلامي والنظام الدولي”، انظر الدراسة في:
– المسيري، عبد الوهاب (محرر). إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1995م.
[5] انظر: أبو سليمان، عبد الحميد. النظرية الإسلامية في العلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية، نقله إلى العربية وعلَّق عليه وراجعه: ناصر أحمد المرشد البريك، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1، 1993م.
[6] انظر عرضًا لبعض أهم هذه الأدبيات في:
– مصطفى، نادية محمود. “مدخل منهاجي لدراسة تطور وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي”، ضمن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، ج7.
* غاية هذه الخبرة المنهاجية هو إعداد مرجع أكاديمي في مجال نظرية العلاقات الدولية تحت عنوان: نظرية العلاقات الدولية: المنظورات وجدالاتها، من المنظور السائد إلى أزمة العلم والحاجة للمراجعة.
[7] انظر: مصطفى، نادية محمود. “عملية بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية: إشكاليات خبرة البحث والتدريس”، تحرير: نادية محمود مصطفى، سيف الدين عبد الفتاح، أعمال ندوة المنهجية الإسلامية والعلوم الاجتماعية: العلوم السياسية نموذجًا. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2002م.
[8] انظر على سبيل المثال:
– مصطفى، نادية محمود. “التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي”، في أعمال مشروع التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، القاهرة، رابطة جامعات الدول الإسلامية، 1999م.
– مصطفى، نادية محمود. العولمة وحقل العلاقات الدولية، سيف الدين عبد الفتاح، حسن نافعة (إشراف وتحرير). في العولمة والعلوم السياسية، سلسلة محاضرات الموسم الثقافي (1) العام الجامعي 1998- 1999، القاهرة، قسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 2000م.
[9] انظر دراسة متكاملة حول هذه التطورات في:
– غانم، أماني محمود. “البعد الثقافي في دراسة العلاقات الدولية، دراسة في خطاب صراع الحضارات”، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2005م، (إشراف) نادية محمود مصطفى (غير منشورة).
[10] مصطفى، نادية محمود. المقدمة، الدوافع، الأهداف، المنطلقات، مرجع سابق، ص 51-78.
[11] انظر دراسة مقارنة حول مداخل دراسة نظرية العلاقات الدولية في:
– S.Smith. The Self Images of a discipline: a genealogy of International Relations Theory (in) K.Booth, S. Smith: International Relations Theory today, 1995, pp 16-17.
[12] Rosenau, James. “The need of theory” (in) J. Rosenau, Mary Dufee: Thinking theory thoroughly, 1979.
[13] (Mona Abu Al Fadl. “Paradigms in political science revisited”, The American Journal of Islamic Social Sciences, No 1, 1989, pp. 1- 15.
[14] حول تطور المنظورات والجدالات بينها حتى نهاية الحرب الباردة، انظر:
– مصطفى، نادية محمود. مدخل في دراسة العلاقات السياسية الدولية، محاضرات ألقيت على طلبة السنة الثانية قسمي الاقتصاد والإحصاء في العام الجامعي (1991 – 1992)، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1992م.
– مصطفى، نادية محمود. “نظرية العلاقات الدولية بين المنظور الواقعي والدعوة إلى منظور جديد”، مجلة السياسة الدولية، العدد 82، أكتوبر 1985م.
– مقلد، إسماعيل صبري. نظريات السياسة الدولية، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 1987، ص 25-55 (أسباب عدم الوصول إلى نظرية عامة للعلاقات الدولية). انظر أيضًا:
– K.J. Holsti. Along the road to International Theory, International Journal, No. 2, 1984.
– P.Viotti, M. Kauppi. International Relations Theory: Realism, Pluralism, Globalism, 1993.
– J. Lewis Gaddis. International relations Theory and the end of the cold war, International Security, vol. 17, No. 3, Winter 1992/1993.
– S. Smith, op. cit.
[15] حول التيارات الفكرية والفلسفية الكبرى الثلاثة التي تمثل جذور المنظورات المتعاقبة على علم العلاقات الدولية وهي الواقعية، العقلانية، انظر:
– Robert Adams. A new age of international relations, International affairs.
[16] انظر في هذا الصدد:
– Steve Smith: The self images, Op.cit.
[17] المسيري، عبد الوهاب. فقه التحيز، ضمن: إشكالية التحيز، مرجع سابق، ج 1. انظر أيضًا:
– عبد الماجد، حامد. الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية, 1995، ص 23-48.
– عبد الفتاح، سيف الدين. بناء علم سياسة إسلامي، القاهرة: جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – مركز البحوث والدراسات السياسية، رقم (6)، 1988.
– عارف، نصر (محرر). قضايا المنهاجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996م، التقديم ص7-15.
– Mona Abul Fadl. “Islamization as a force of global culture renewal of the relevance of Tawhidi episteme to modernity”, the American Journal of Islamic Social Sciences, vol. 2, 1988.
– Mona Abul Fadl. Paradigms in Political Science revisited, op.cit, No. 1, 1989, pp. 1- 15.
– أبو الفضل، منى. “النظرية الاجتماعية المعاصرة: نحو طرح توحيدي في أصول التنظير و دواعي البديل”، ترجمة: نصر عارف، مجلة إسلامية المعرفة، ع 6، سبتمبر 1996م، ص 69-109.
[18] Mona Abul Fadl: Paradigms in Political Science revisited., op.cit.
[19] المسيري، عبد الوهاب. إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، مرجع سابق، ص61-77.
– أبو الفضل، منى. النظرية الاجتماعية المعاصرة: نحو طرح توحيدي في أصول التنظير و دواعي البديل، مرجع سابق.
[20] مصطفى، نادية محمود. الدوافع، الأهداف، المنطلقات، مرجع سابق.
[21]Thomas, Caroline, Wilkin, Peter. Still waiting after all these years: The third world on the periphery of International relations, Political Studies association BJPIR: vol. 6, 2004, pp. 241- 258.
[22] انظر على سبيل المثال:
– قرني، بهجت، وهلال، علي الدين (محرران). السياسات الخارجية للدول العربية (الإطار النظري)، ترجمة: د. جابر سعيد عوض، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ط2، 2002.
– عارف، نصر. نظريات السياسة المقارنة ومنهجية دراسة النظم السياسية العربية: مقاربة إبستمولوجية، فيرجينيا: جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، 1998.
– الشرقاوي، باكينام. اتجاهات حديثة في دراسة النظم المقارنة بالتركيز على الجنوب، (في) د. نادية محمود مصطفى (محرر): علم السياسة: مراجعات نظرية ومنهاجية، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2004.
[23] Mona Abul Fadl: Islamization…, op.cit.
– عبد الماجد، حامد. الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية، مرجع سابق.
– سيف الدين عبد الفتاح، بناء علم سياسة إسلامي، مرجع سابق.
[24] Tibi, Bassam. The challenge of fund amentalism, political Islam and the new world order, University of California Press, 1998.
[25] قرني، بهجت. في ندوة مناقشة العدد الأول من حولية أمتي في العالم، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، مايو 1999م (غير منشورة).
[26] انظر على سبيل المثال:
– مصطفى، نادية محمود. “أولى حروب القرن الواحد والعشرين ووضع الأمة الإسلامية: صعود التحديات الحضارية الثقافية وشروط استمرار حوار الحضارات”، ضمن مؤتمر: “كيف نواصل حوار الحضارات؟”، دمشق، مركز العلاقات العربية- الإيرانية، دمشق، يناير 2002م.
– مصطفى، نادية محمود. “الأمة الإسلامية في عصر العولمة وقضية المرأة بين التحديات والاستجابات”، ندوة دار الفكر في أسبوعها الثقافي الثالث “المرأة وتحولات عصر جديد”، دمشق، دار الفكر، 2002م.
– Ahmed, Akbar. “Ibn Khaldun’s understanding of civilizations and the dilemmas of Islam and the West today”, Middle East Journal, vol. 56, No. 1, 2002.
– T. Hunter, Shireen. The Future of Islam and the West: Clash of Civilizations or Peaceful Coexistence?, Westport: Praeger, 1998.
[27] انظر على سبيل المثال:
– مقلد، إسماعيل صبري. نظريات السياسة الدولية، مرجع سابق، ص 25-55. (أسباب عدم الوصول إلى نظرية عامة للعلاقات الدولية).
– Holsti, K.J.. “Along the road to International Theory”, International Journal, No. 2, 1984.
– P.Viotti, M. Kauppi. International Relations Theory: Realism, Pluralism, Globalism, 1993.
– Gaddis, J. Lewis. “International relations Theory and the end of the cold war”, International Security, vol. 17, No. 3, Winter 1992/1993
– S. Smith, op. cit.
[28] J. Rosenau: The need for theory, op.cit.
[29] مصطفى، نادية محمود. التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي، مرجع سابق (الفصل الثاني).
– فكري، مروة، “تأثير التغيرات العالمية على الدولة القومية خلال التسعينيات (دراسة نظرية)”، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد، 2005م، (الفصل الأول).
[30] On the role of culture, see for example:
– Mazrui, Ali. Culture Forces and World Politics, London, 1999.
– Lapid, Youssef (ed). The return of culture and identity in international relations theory, Lynne Rienner publishers, 1996.
– Halliday, Fred. “Culture and International relations: A new reductionism?”, (in) Michi Ebata, Beverly Neufeld (eds), Confronting the political in international relations, Millennium press Ltd, 2000.
– Zalewski Marysia, Enloe Cynthia. Questions about identity on international relations (in) K. Booth, S. Smith (eds), International relations theory today, Pennsylvania State University press, 1995, pp. 279- 305.
– Murden, Simon. “Culture and world politics” (in) S. Smith and K. Booth (eds), Globalization and world politics, 1997.
– M. Hudson, Valerie (ed). Culture and Foreign Policy, Lynne Rienner Publishers, London, 1997.
– W. Sampson, Martin. Culture influences on foreign policy (in) Charles F. Hermann, Charles W. Kegley, James N. Roseneau (eds), New Directions in the study of foreign policy, 1987.
– Inayatullah Naeem, L. Blaney David. International Relations and the problem of difference (N.y, Routledge, 2004).
– Ferguson, R. James. The contested role of culture in International relations, www.international-relations.com
– For a comprehension perspective on the actual debates related to the impact of culture and religion on the field of International Relations theory see:
– Amany Ghanem. The cultural aspect in studying international relations: A study on the discourse about conflict between civilizations, a Master Thesis in political science, Political science department, Faculty of economics and political science, Cairo university, 2005, (in Arabic).
On the role of religion, see for example:
– Barry Rubin. Religion and International Affairs, The Washington Quarterly, Spring 1990.
– Jeff Haynes. Religion in the third world politics, Lynne Rienner Publishers, 1994 (Ch. 5, Links between religion and foreign policy in the third world) pp. 122- 145.
– Georges Weigel, Religion and peace: an argument complexified (in) Brad Roberts (ed.) Order and Disorder after the cold war (1996).
– Jeff Haynes. Religion, (in) Brian White, Richard Little, Michael Smith (eds), Issues in world politics. Palgrave, England, 2001, Second edition, pp. 153- 170.
– Paylos Hatzopoulos, Fabio Petito (eds). Religion in international relations: The return from exile, Palgrave/ Macmillan England, 2003.
– Peter L. Berger (ed). The desecularization of the world: Resurgent religion and world politics, 1999.
– John D. Carlson, Erik C. Owen. The sacred and the sovereign: Religion and International politics, George Rown university press, 2003.
– Jonathan Fox, Shmuel Sandler. Bringing religion into international relations, NY Palgrave Macmillan, 2004.
– وحول رؤية كلية عن وضع البعد الثقافي في دراسة العلاقات الدولية، انظر:
– غانم، أماني. “البعد الثقافي في دراسة العلاقات الدولية، دراسة في خطاب صراع الحضارات”، مرجع سابق.
[31] The role of value in studying International Relations was studied at various level, for different purposes and from different perspectives. See for example:
– Beitz, Charles R. “Recent international Thought”, International Journal, Spring, 1988.
– Booth, Keen, Security in anarchy. Utopian realism in theory and practice, International affairs 67, 1991, pp. 527- 545.
– P. Viotti, M. V. Kauppi, op.cit, 1993 (Ch 5, Normative Considerations and international relations theory), pp. 533- 545.
-Martha Finnemore. “Norms, culture and world politics: insights from sociology’s institutionalism”, International Organization 50, 2, Spring 1996, pp. 325- 345.
-Robert Jackson. Is there a classical international theory (in) K. Booth, S. Smith, and … (eds) op. cit.
– Kahler, Miles. “Rationality in international relations”. International Organizations, 52, 4, Autumn 1998.
– Seymon Brown. International Relations in a changing global system: Toward a theory of the world polity, Westview press (1992).
– Seif El Din Abdel Fattah. “The values as the frame of reference for studying international relations in Islam”, (in) Nadia M. Mostafa (ed): The project of international relations in Islam (12 volumes). The International Institute for Islamic Thought, Cairo, 1996, Volume 2 (in arabic).
انظر أيضًا مراجعة نقدية للقيم في المنظورات الغربية كمدخل للتأصيل الإسلامي المقارن للقيم في:
– عبد الفتاح، سيف الدين. “مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام”، ضمن: مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، ج2،مرجع سابق.
[32] حول موضع القيم في الجدالات الكبرى بين المنظورات حول المنهاجية انظر على سبيل المثال:
– Bull, Hedely. New directions in the Theory of International Relations. International Studies, vol. 14, No. 2, 1975.
[33] مصطفى، نادية محمود. “إعادة تعريف السياسي في العلاقات الدولية”، ضمن: علم السياسة: مراجعات نظرية ومنهاجية، مرجع سابق.
[34] انظر على سبيل المثال:
– Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics, Cambridge University Press, 2004.
[35] Fred Halliday. Op.cit.
[36] Hatzopoulos, Paylos, Petito, Fabio (eds). Religion in international relations: The return from exile, Palgrave/ Macmillan England, 2003.
[37] بدران، ودودة. “دراسة العلاقات الدولية في الأدبيات الغربية ومشروع العلاقات الدولية في الإسلام”، ضمن: مقدمة مشروع العلاقات الدولية، مرجع سابق.
[38] مارس، مارسيل. سوسيولوجيا العلاقات الدولية، ترجمة: حسن نافعة، القاهرة، دار المستقبل العربي للنشر، 1986م، ص 23-24.
[39] (Hedley Bull. “New directions in the Theory of International Relations”, International Studies, vol. 14, No. 2, 1975, pp. 282- 283.
-K.J. Holsti. “Along the road to International Theory”, International Journal, No. 2, 1984, p. 360.
– C. Kegly, E. WittKopf World Politics, trend and transformations, 1981, Introduction.
[40] انظر على سبيل المثال بعض هذه الانتقادات في:
– S.Smith: The Self Images of a discipline: a genealogy of International Relation s Theory (in) K.Booth, S.Smith: International Relations Theory today, 1995, p 16-17.
[41] Ole Waver: “Figures of international thought: Introducing persons instead of paradigms (in) I.B. Neumann and O. Waever (eds.): The future of International Relations, Masters in the making, Routledge, 1997.
– O. Waever, “The sociology of not so international discipline: American and European developments in International Relations. International Organizations, vol. 52, No. 4, 1998, pp. 687- 727.
[42] Steven Smith: Singing our world into existence: International Relations theory and September 11, International studies quarterly 48, 2004, pp. 499- 515.
[43] انظر على سبيل المثال مؤلفات:
James Piscatori, John Esposito, Fred Halliday, Shireen Hunter
وغيرهم ممن تفصح عنهم عملية البحث في شبكة المعلومات الدولية تحت عنوان الإسلام والعلاقات أو السياسات الدولية، الإسلام والنظام الدولي المعاصر.
[44] قرني، بهجت. في ندوة مناقشة العدد الأول من حولية أمتي في العالم، مرجع سابق.
[45] مصطفى، نادية محمود، وعبد الفتاح، سيف الدين (محرران). الفكر الإسلامي للعلاقات الدولية في الأصول والتاريخ، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2000م.
[46] ومن هذه المناسبات على سبيل المثال:
– مؤتمر مناقشة أعمال مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (1997).
– ندوة نظمها مركز بحوث ودراسات الدول النامية بالتعاون مع معهد دراسات الإسلام والمسلمون في هولندا (1998).
– ندوتين لمناقشة العددين الأول والثاني من حولية أمتي في العالم بالتعاون بين مركز البحوث والدراسات السياسية ومركز الحضارة للدراسات السياسية (1999، 2000).
– عدة محاضرات أمام السمينار العلمي لقسم العلوم السياسية (1999، 2000).
– جزء من أعمال الندوة الفرنسية المصرية التاسعة بالتعاون بين مركز البحوث والدراسات السياسية “السيداج” (2000).
– محاضرة لطلبة برنامج دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية في القاهرة (2004).
[47] ساعد في رصد وتوثيق وصياغة هذه العبارات شريف عبد الرحمن المدرس المساعد بقسم تطبيقات الحاسب الآلي في العلوم الاجتماعية، وكان يساعد في إدارة أنشطة دارسي مقرر نظرية العلاقات الدولية.
[48] من دارسي المقرر في الفصل الدراسي الأول 2006- 2007 وهما آية نصار، ولبنى السبيلجي.
[49] قدمها في مؤتمر مناقشة أعمال مشروع العلاقات الدولية خلال تعقيبه على الجزء السابع من المشروع، والتي نشرها بعد ذلك في:
– الكوثراني، وجيه: الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل، دار الطليعة، بيروت، 2000، الفصل الثامن تحت عنوان: في البحث عن خبرة التاريخ الإسلامي لدراسة العلاقات الدولية، نقد للمنهج الإسلامي أو المنظور الإسلامي.
[50] (في) د. نادية محمود مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح (محرران)، الفكر الإسلامي للعلاقات الدولية في الأصول والتاريخ. ندوة مناقشة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[51] مصطفى، نادية محمود. المقدمة، الدوافع، الأهداف، المنطلقات، مرجع سابق.
[52] تسهم في دراسة هذه الإشكالية حقول معرفية متنوعة، وهي تقع أيضًا في صميم اهتمامات متخصصي علوم سياسية أصحاب رؤى نقدية. انظر على سبيل المثال حول العلاقة بين العقل والوحي ووضعها في البحث المقارن بين النسق المعرفي والغربي وانعكاسها على المنظورات، انظر:
– أوغلو، أحمد. الفلسفة السياسية، ترجمة: إبراهيم البيومي غانم، القاهرة: دار الشروق الدولية، 2005م.
– Louay El Safy. The Foundations of knowledge, Herndon, IIIT, 1997.
[53] عبد الونيس، أحمد. “الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية في الإسلام”، ضمن: مقدمة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.
[54] بدران، ودودة، مرجع سابق.
[55] د. أماني صالح: توظيف المفاهيم الحضارية في التحليل السياسي: الأمة كمستوى للتحليل في العلاقات الدولية (في) أعمال المشروع البحثي الذي أداره برنامج حوار الحضارات (2003- 2005) تحت عنوان “التأصيل النظري للدراسات الحضارية، دمشق، دار الفكر، 2008.
[56] Fred Halliday. The international relations and its discontents.
[57] John lewis Gaddis. “International relations theory and the end of the cold war”, International Security, V. 17, No. 3, 1992, p. 5- 57.
[58] Mortan Kaplan: Op.cit, p. 13- 16.
[59] مصطفى، نادية محمود. “التاريخ في دراسة النظام الدولي “رؤية مقارنة”، الندوة المصرية- الفرنسية التاسعة “العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية: الآفاق والتوقعات”، القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2000م (غير منشورة).
[60] مصطفى، نادية مصطفى. عملية بناء منظور إسلامي لدراسة العلاقات الدولية: إشكاليات خبرة البحث والتدريس، مرجع سابق، ص 223-226.
[61] ويدجري، البان. ج. التاريخ وكيف يفسرونه، ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، ج1، ص163-164.
[62] المتدين، عبد اللطيف. “إمارة التغلب في الفكر السياسي الإسلامي”، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، إشراف سيف الدين عبد الفتاح، جامعة القاهرة، 1998م، ص 84.
[63] حول تعريف السنن وتصنيفها ومصادرها ووضعها من منظومة مدخل القيم لدراسة العلاقات والدولية في الإسلام، انظر:
– عبد الفتاح، سيف الدين. مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق.

للمزيد اضغط هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *