د. حامد ربيعد. سيف الدين عبد الفتاح

أمتي في العالم – أمتي والعالِم الأستاذ الدكتور/ حامد ربيع

عالِم حمل هم الأمة في عقله

عالم أشخاص الأمة، هو العالم الذي يزكي الأمة ومعانيها ومضامينها في الوعي والسعي، ومن ثم سنجد في القرآن الكريم ” إن إبراهيم كان أمة قانتا لله” فالشخص الأمة هو الذي يحمل رسالة وهو معلم الخير، وهو الصالح المستمسك بأمته وعقيدته إذا فسد الناس وعيا وسعيا.
هذا المعاني تتداعى حينما نحاول أن نسلط إضاءات حول عالم أشخاص الأمة، خاصة حينما نتحدث عن علماء الأمة المعاصرين الذي جعلوا الأمة قبلتهم في البحث والكتابة والتأليف، وحملوا همها في عقولهم وكيانهم، ومن هنا لم يكن مستغربا أن يسطر قلمه سلسلة من المقالات أسماها ” أمتي والعالم “، والتي كانت ملهمة لهذا التقرير وما يتضمنه من اهتمام في المبنى والمعنى والمغزى، فكان “أمتي في العالم”، الأمة بواقعها وتحدياتها، والأمة بإمكاناتها وطاقتها، الأمة في مستقبلها، وواقعها الواهن، وذاكرتها التاريخية والحضارية الدافعة الناهضة.
بدا حامد ربيع كعالم بحث عن جوهر وظيفة العالم في أمته يتحيز لها وينحاز لقضاياها، ويعلن عن انتمائه لهذه الأمة مفتخرا بذلك، ولكن ليس من ذلك النوع من الفخر الذي يقعده متغنيا بمجدها الغابر، أو بماضيها الذهبي، أو البكاء على أطلالها، وإنما يبحث عن الحي في الأمة في عالم أفكارها وحياتها وفاعلياتها وبحث عن ضرورات الإحياء ومساراته فيها، إنها أمتي والذي عبر عنها بضمير الملكية، لا كتعبير عن ملكيته لها، بل كتعبير عن امتلاكها له فملكت عليه عقله وكتاباته وبتعبيرات وشعارات واضحة لا لبس فيها، حمل ضمير المتكلم عن أمة من دون أن يغيب هو عن أمته، أو تغيب هي عنه، فأعطى للضمائر حقها في كتاباته ليعبر عن أقرب درجات الانتماء لأمته، أمته وفق هذا التعبير معنى يخصه وهم يملأ عليه عقله، وقبلة يتوجه إليه بكتاباته.
وهو بهذا التعبير جعل من كل عالم لا يعتبر هذه الأمة “أمتي” بأقرب الضمائر وأوثقها صلة بين الشخص والأمة لا يستحق هذه الصفة ووجه كل سهام النقد إلى هؤلاء الذين انفصلوا عن الأمة مهما استخدموا من ضمائر هي في النهاية غريبة عن كيانهم وعن جوهر الانتماء المفترض أن يتوجهوا إليه. إنها عقول مهاجرة حتى لو ظلت في الأمة في المكان، ولكن تفكيرها ورؤيتها وقبلتها ظلت خارج الوطن، وفى اتجاه لا يعبر عن وجهته، الأمة ظلت بالنسبة لهؤلاء “تهمة ” يريدون أن يتبرأوا منها، وورطة رغبوا في الخروج منها، وعقدة أملوا في التخلص منها. وبدا هؤلاء يتحدثون بكل ضمائر الغائب عن أمته وقضاياها، ووجدوا في الآخر حياة لها أو إحياء، أما هي في ذاتها أو فيما تملك ليست بالأمر الذي يستأهل أن نقف عنده أو نقاتل من أجله.
اعتبر هؤلاء أن ياء الاختصاص والمتكلم الحاضر في “أمتي” تحيزا مفرطا وتعصبا قميئا وشوفينية، وأن ذلك ليس إلا خروجا عن وعلى الموضوعية. فبدا العالم الأمة الدكتور حامد ربيع يعلمهم معنى “الضمير” في أمتي، إنه التزام بالأمة وقضاياها وهمومها، إنه التزام بإمكاناتها وطاقاتها الدافعة، إنه التزام بحركاتها الإيجابية وفاعليتها، إنه التزام بأصول ذاكرتها الحضارية الحافزة الدافعة الرافعة، إنه التزام بإحياء كل ما يعينها على البقاء والحياة والشهود، إنه التزام يسعه عقله وقلمه تحرك في العالم كل معاني الكفاحية حينما أكد على الوظيفة الكفاحية للعالم والوظيفة الحضارية للأمة.
وأبرز أن الاختصاص والحضور في ضمير الياء “أمتي” ليس خروجا على الموضوعية، بل هو عين الالتزام الموضوعي والاستقامة العلمية.
إذ أكد في غير موضع أن قضايا الأمة لا يبحث فيها بعمق ولا يحمل همومها إلا أبناؤها، وأنه ليس من العلم أو الموضوعية بأي حال أن يتخلى العالم عن أمته وقضاياها أو أن ينفصل عن ذاكراتها ومصالحها، وليس من الموضوعية أو الحياد أن نقتفي دراسات غيرنا لنا، أو نتهافت على تقليدها، حتى لو كانت مغرضة وإن تسربلت بالمنهج وتدثرت بالحديث عن الموضوعية.
ماذا عنى حامد ربيع بأن تسترد الجامعات بعضا من وعيها الحضاري فتتحول إلى مؤسسات حضارية، تهتم بقضايا الأمة وتعرف لها حقها، تحفز كل عناصر عمران الأمة وعمارتها في بناء حضاري متكامل ومتوازن وفعّال.
العالم الأمة لابد أن ينشأ في وسط تمثله الجامعات الحضارية، فتترسم خطى ومعنى الرسالة في العالم، والوظيفة والدور في الجامعة.
والأمة “في” العالم، وفي ارتباطها به وتفاعلها فيه، تعني أنه من أوجب الواجبات،وهي تبحث عن جوهر وظيفتها الحضارية والمعنوية، أن تكون في العالم غير مقطوعة منه أو ممنوعة عنه، إنه معنى الأمة في الحضور والشهود، لا معنى المغيب وعدم الفاعلية.
وفي إطار ذلك الفهم والوعي تحركت ثوابته الحضارية ورسالة العالم الكفاحية لتتفاعل لتخرج أجندته البحثية، والتي حار البعض في تفسير مكوناتها أو مكنوناتها أو الاجتهاد في تبين الناظم الكامن فيها أو بينها فهو تارة يتحدث عن التراث وتارة أخرى عن القيم، وعن الدعاية والاتصال وعن السياسة الخارجية وعن التحليل السياسية وعن التطور السياسي، وعن علم السياسة بكل فروعه وتجلياته، وهو يتحدث عن الصهيونية وعن النظام السياسي الإسرائيلي (من يحكم في تل أبيب -النموذج الإسرائيلي للممارسة السياسة )، ويتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي وتأملاته فيه، وعن الحرب النفسية في المنطقة العربية، وعن الدعاية الصهيونية، ويتحدث عن النفط العربي كإمكانية واستخدامه كسلاح سياسي يصب في مصلحة الأمة وتقوية إمكاناتها وطاقاتها وعناصر فاعليتها )، ويتحدث عن المنظومة العربية ويتحسس مفاصل الضعف فيها، ويتحدث عن الإسلام (جوهر هوية أمته ) والقوى الدولية وعن أمته أمة القيم، وذاكرة الأمة في تراثها الحي ضمن سلوك المالك في تدبير الممالك، والغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي، تحركت هذه الأجندة بكل موضوعاتها لتحفز كل مناطق الفاعلية في كيان الأمة، فهو تارة يذكر الأمة بإمكاناتها ويبصرها بوجهتها الحضارية الثابتة وبقصدها الخالد، وهو تارة يحذرها من خصومها وأعدائها، ويلفت نظرها إلى هدر إمكاناتها في الوعي والفعل، في الإمكانات والتفاعلات.
ومع موته،وربما إثره بقليل، حدثت حرب الخليج الثانية، أو زلزال الخليج كما يحلو للبعض أن يسميه فأبرزت ومن غير عناء معنى ومغزى أجندته البحثية المتنوعة التي نظر البعض لها آنذاك بأنها تشتيت للطاقات الذهنية التي امتلكها، والإمكانات البحثية التي استوعبها، وعدم التركيز في تخصص بعينه.
واكتشفنا بعد غيابه وتوقف قلمه أن طاقاته الذهنية اتجهت إلى هموم الأمة، وأن إمكاناته البحثية والعلمية قصدت وسخرت للكتابة في وعن قضاياها، وأن تخصصه الأول والأخير الذي ملأ عليه عقله واستغرق قلمه هو الأمة إن تخصصه في الأمة : قضايا وموضوعات، مقاصد ومصالح، وسائط ووسائل، الوعي والسعي، التفاعلات والفاعليات. “الأمة” لم تكن له مجرد مجال للتحليل أو وحدات له، بل هي ” تخصص ” كرّس له كل قدراته وإمكانياته وفاعلياته.
فهمنا في حينها ما كان يعنيه بأمتي والعالم، وأمتي أمة القيم، وأمتي والقوى الكبرى، وسوف أظل عربيا، وما كان يشير إليه بإلحاح، والجميع يتحدثون عن سلام آت ورخاء قادم مترتب عليه، يتحدث هو وبأعلى صوت يحذر الناس والحكام والعلماء جميعا، إنها الحرب القادمة، يستمع إلى دقات طبولها عن بعد، واختلطت على الغافلين هل هي طبول “أفراح السلام ” ؟ أم طبول حرب آتية ؟ قصد لها أن تتخفى وأن تأخذ أشكالا أخرى.
إنه يتحدث عن الحرب القادمة التي لن تكون ككل الحروب، والتي ستقع في غير ميدانها المعتاد، وبأطراف ليست أطراف كل صراع بيننا وبين إسرائيل، حرب ربما لا تكون فيها إسرائيل طرفا، ولكنها ستشن لمصلحتها، وستتداخل فيها الأدوات تارة باسم السلام وتارة بسلسلة من حروب التقويض والتفكيك، وشد الأطراف والالتفاف، إنها حرب تلفها عناصر التسميم السياسي، هذا التسميم سيهدم سلم الأولويات ويعدّل فيه، ويجعل القضية الأولى ربما العاشرة إنه سيعيد ترتيب الوظائف وترتيب السلم في إطار من غسيل المخ الجماعي، نفكر في قضايانا بعقول غيرنا لا بعقولنا، ونبحث في العالم المحيط بنا من علاقات وتفاعل عما يضرنا ولا ينفعنا.. هل يصل الأمر لذلك ؟، نعم يقول العالم المكافح حامد ربيع، ويحدثنا عن أنواع من الحروب أشدها فتكا الحرب المعنوية التي تفت في عضد كيان الأمة فتخور قواه وتقضي طاقاته وتشل فاعلياته وتتوارى الإرادة، وتحل على الأمة معاني الكثرة الغثائية بلا فاعلية.
هل تعلمنا دروس الحروب القادمة المستمرة والمتنوعة والمتخفية، التي تشن على الأمة تارة باسم السلام وتارة باسم الأمن والاستقرار؟
وبدا ذلك الصوت عن الحرب القادمة ضمن عقلية خارقة كاشفة صوتا ربما الأوحد الذي يصرخ أنها الحرب ولا تغرنكم طبول أفراح السلام، التي لم تكن سوى إعلان حروب من نوع جديد ؟!أكّد وهو يعلمنا معنى الأمة في ضمائرنا، أن هذه الأمة لن تموت أبدا، بل هي تحمل عناصر تجددها الذاتي، بل إنها قد تتلمس معادلات “قوة الضعف” و”غطرسة القوة”، فيدرس كيان العدو الإسرائيلي ومكوناته وسياساته وتوجهاته فيتحدث عن قوة الداخل في الأمة في الفت في عضد الكيان الإسرائيلي إن الداخل مهما استخدم من أسلحة ضعيفة سيكون الأكثر نجاعة وفاعلية في التأثير على غطرسة القوة الإسرائيلية، فكانت الانتفاضة التي أضفت على نفسها قوة كانت أهم معادلاتها الطفل الصغير الأعزل إلا من حجر كان رميه أرقا وقلقا وخوفا للكيان الإسرائيلي بأسره، انتفاضة جمعت بين فن التماسك وتأسيس بنية تحتية لشبكة علاقات الانتفاضة، وبين عبقرية الحجر السلاح القادم والذي لم تقو ترسانة السلاح في الجيش الإسرائيلي على مواجهة الطفل الصغير والحجر الصغير.
واستوعب كما لم يستوعب أحد معادلة الخروج بما نحن فيه ضمن أجندته البحثية الممتدة والموصولة والواصلة بين هموم أمته وطرائق مواجهتها، إن الإرادة القوية الجامعة لإمكانات وفاعليات الأمة، والعدة المتنوعة من إمكانات ووسائل وطاقات تترجم الإرادة إلى وعي إدراكي وسعي عملي في التسيير لسياسات الأمة والتدبير لإمكاناتها وفاعلياتها، والتغيير لكل ما يشكل عناصر سلبية تضعف الأمة، والتمكين لكل عناصر الطاقة الإيجابية الفاعلة والدافعة والرافعة والجامعة التي تقوي أوصال الأمة وأصول فاعليتها وقدراتها.
هل بعد هذا تفهمنا معنى “الفكرة ” في الشخص” ؟، الفكرة تبقى والشخص يموت، لكن قيمة الشخص بمقدار ما يسهم به في عالم الأفكار الذي يسهم بدوره في تشكيل العوالم الأخرى، العالم -الأمة، والعالم في الأمة، والعالم للأمة عناصر مهمة جسدها الأستاذ الدكتور حامد عبد الله ربيع حينما حمل هم أمته في عقله وسطرها في كتاباته وتأليفاته ومقالاته، وحمل قلمه كأمضى سلاح يناجز به عن أمته ويزود به عن حياضها ويحمي بها بيضتها.
إن كل ذلك لم يكن إلا بعض معاني “أمتي والعالم” الأمة في دمه، وفي عقله، وفي كتبه وفي قلمه، وفي أفكاره، ويموت العالِم، لكن لم يمت معنى الأمة الذي حمله في كيانه، إنه يطلب من كل عالم أن يعي كل ما يحمله ضمير الياء من اختصاص وحضور في “أمتي والعالم”، وإذا كان حامد ربيع أصر على حضور أمته في نفسه وقلمه، كما أصر على حضورها في العالم، فإننا ونحن نسطر هذه الحولية لا يمكن ونحن نستلهم عنوانها وموضوعها منه إلا أن نكتب عن ربيع العالم -الفكرة -الأمة “أمتي والعالم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق