العالم الإسلامي

أفغانستان والجوار: السياسات والانعكاسات والدلالات (1)

تقديم:

انعقد اتفاق المراقبين للأحوال السياسية العالمية على أن العالم المعاصر بسبيله إلى تحولات كبرى وعميقة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعلى أن “الإسلام وأمته” سيكونان -بلا جدال- في قلب هذه التحولات… الأمر الذي يطرح تساؤل الوقت: في أي اتجاه تمضي هذه المستجدات بأمة الإسلام؟ وما هي معالم الطريق المترائي أمامها؟وإذا ما كانت الإجابة المنتظرة عن مثل هذا التساؤل الهائل تحتاج إلى تضافر جملة جهود بحثية، فإن هذا التقرير يثير هذا التساؤل في المكان والزمان اللذين قُدِّر لهما أن يكونا الأكثر اقترابًا من تداعيات الهجمات على نيويورك وواشنطن؛ أي في أفغانستان ودائرتيها: اللصيقة ذات الهوية الإسلامية من باكستان، طاجيكستان، أوزباكستان، تركمانستان، علاوة على قيرغيزستان وكازاخستان غير الحدوديتين، وشبه اللصيقة ذات الثقل الإقليمي وربما العالمي من روسيا، والصين، والهند، وكذلك في المدة بين الحادي عشر من سبتمبر والثاني والعشرين من ديسمبر للعام 2001 من حين وقعت الهجمات إلى أن تسلمت حكومة حميد كرزاي الانتقالية أعمالها في كابول عقب مؤتمر بون.
فعبر سنوات خمس، هيمنت خلالها “الحركة الإسلامية لطلاب المدارس الدينية”- طالبان على نحو تسعة أعشار الأرض الأفغانية، وكانت خلالها بمثابة فاعل ذي ظلٍ متدرج الكثافة -محليًا وإقليميًا- وذي إثارة للعالم من آونة لأخرى، عبر ذلك تخلّق في أفغانستان وجواريها المباشر وغير المباشر واقع جيوستراتيجي جديد، تعاطت معه الدول والأنظمة وسائر الفواعل المحلية والإقليمية إيجابًا وسلبًا بما يمكن الزعم أنه أعدَّ المسرح لما وقع مباشرةً عقب –وليس في- الحادي عشر من سبتمبر 2001م. إن هذا اليوم وما تداعى وراءه لا يعدو أن يكون حلقة بارزة في مسلسل ممتد من التدافع الذي مثلت أفغانستان إحدى محطاته من قبل.
هذه هي المقولة الافتراضية الأساس التي يسعى هذا التقرير إلى اختبار مصداقيتها على اعتبار أنه من الضروري حقًا لهذه الأمة وأبنائها أن يدركوا جيدًا أن ما يفعلونه ويتعاطونه من خبرات حاضرة في عالمهم لم يعد بمنأى عن التأثير في الساحة العالمية برمتها والتأثر بها.
فيما يلي متابعة تتضمن ثلاث جولات من التداعيات المباشرة للحادي عشر من سبتمبر 2001 يسبقها تمهيد حول التجربة الطالبانية وأبعادها المحلية والإقليمية والدولية؛ بغية الوقوف على جذور التداعيات الراهنة.
تمهيد: أفغانستان والجوار … مسيرة إقليمية نحو أزمة عالمية
إن التجربة الطالبانية وما علق بها من ممارسات جبهة العرب الأفغان الذين نُبذوا من قبل الأنظمة الحاكمة ببلدانهم منذ مطلع التسعينيات باسم “العائدين”[1]، والمُنابَذين من جهة الغرب والشرق باسم “الأصولية والإرهاب والتطرف وخلافه…”[2]، وكذلك طرائق تعاطي الأطراف المحلية والإقليمية مع هذه التجربة، تعد في التحليل الأخير مثالًا نموذجيًا على مجمل الحالة الإسلامية التي تتعانق فيها أبعاد الدين والدنيا، والذات الإسلامية بأطيافها مع الآخر غير المسلم بأطيافه المقابلة.
وعليه، يشتمل هذا المبحث الأول على استعراض موجز لهذه التجربة الكثيفة على محورين متداخلين: بين الداخل الأفغاني (طالبان وسائر القوى الأفغانية والعرب الأفغان) وبين الدائرة المحيطة بأفغانستان، والأيادي الممتدة من بعيد مكملة لعناصر التجربة الرئيسة.

المحور الأول- الداخل الأفغاني: طالبان بين المنطلقات والممارسات: إثارة أم تأثير؟

أثار الطالبان منذ ظهورهم وفي كل سكنة وحركة تعلقت بهم ردود فعل وتوجهات شتى على طول الخط بدءًا من الطريقة التي اندفعت بها الحركة من الحيز الديني الدراسي المهمَّش إلى الحلبة السياسية الأفغانية المائجة وما تردد حول ماهيتها وغاياتها وما ورائياتها ومرورًا بالكثير من محطات فعلها وتفاعلها مع واقعها المحيط.
وفي هذا، غلبت تفسيرات “الصناعة الخارجية والأيادي الخفية” على تحليلات الظهور الطالباني المفاجئ عام 1994م[3]، غير أن الملا محمد عمر مجاهد –الزعيم الديني والسياسي للحركة- كان يصف هذا الخروج بالعفوية ضمن التفاعل مع ظروف داخلية وخارجية آنية[4]، الأمر الذي ربما حسمَ الكثير من الجدل حوله مبكِّرًا تصريحُ طالبان بالأسس والمنطلقات الفكرية لحكمها عقب الاستيلاء على كابول 27 سبتمبر 1996م؛ إذ أعلنت الحركة قيام إمارة أفغانستان الإسلامية على غرار دولة الخلافة، تطبق أحكام الشريعة وحدودها، تحت مظلة العقيدة الماتريدية (نسبة إلى مذهب أبي منصور الماتريدي)، ووفق الفقه الحنفي على نهج المدرسة الديوبندية (ذات الأصل الهندي المسلم)، بأمانة العلماء وأهل الحل والعقد، وتحت ولاية “أمير المؤمنين” الذي تجب مبايعته على السمع والطاعة في غير معصية، ولا يحل عزله إلا لعجز أو لانحراف أو بوفاته[5].
رفضت طالبان مطلقًا كافة التقاليد السياسية الغربية في الحكم، وعلى رأسها الديمقراطية التي رأت الحركة أنها “تسوي بين العالم والجاهل، وتجعل أمر الله – تعالى- وتشريعه بيد الشعب”، وأصدر مجلس كبار العلماء بالحركة الفتاوى بذلك وبتحريم مشتقاته من التحزب والتعددية الحزبية وتداول السلطة ونظام الانتخابات على أساس أنها: “تقاليد غير إسلامية”[6].
لقد جاءت هذه المنطلقات والمبادئ والتصاريح بها لتصيغ الجزء الأكبر من إدراك الأطراف المعنية بالهم الأفغاني في الداخل والمحيط القريب، وتوجه الأنظار إلى الطالبان كجماعة سلفية -ربما بدت أكثر تقليدية- تضاف إلى عداد “الحركة الإسلامية الأصولية” المنساحة عبر هذه البقعة من وسط وشرق وجنوب آسيا، الأمر الذي أسفر عن سيطرة المخاوف والمحاذير على توجهات الجوار نحو طالبان في مستهل تجربتها السياسية. لقد تجلى ذلك مبكرًا في تجنب أنظمة الجوارين الاعتراف بطالبان حكومة شرعية لأفغانستان حتى عقب تأكد سيطرتها على تسعين بالمائة من البلاد، فلم تلق ترحيبًا يذكر سوى من دول ثلاث أقامت معها علاقات دبلوماسية متفاوتة الدرجة، هي باكستان والسعودية والإمارات العربية.
من خلال مسح فعاليات هذه التجربة الخماسية لطالبان، فإن أربع موجات رئيسة متداخلة من الإثارة الإقليمية والعالمية تتبدى على خلفية الممارسات الطالبانية المنبثقة بالأساس عن منطلقات فكرية وآليات وعي وسعي يمكن تبين دلالاتها على النحو التالي:

الموجة الأولي- فتاوى التعديل الاجتماعي: أهكذا تكون البداية؟

على أثر التمكين لطالبان في أفغانستان أواخر عام 1996م، راحت الحركة تضع اللبنات الأولى لمشروع دولتها الإسلامية، فأقامت الحركة نوعًامن التنظيم الحكومي اتسم بخصائص الهيراركية الهرمية، والتلقائية الإدارية، فضلًا عن الصبغة الدينية.
فبطبيعة الحال، اصطبغ حكم طالبان في مرجعيته ومنطلقاته، ومبادئه وآلياته، اصطباغة دينية حاول البعض -إفراطًا في التعميم- وصمها بالثيوقراطية[7]، غاضًا الطرف عن الخصوصية السياسية الإسلامية؛ الأمر الذي لا يعني -من ناحية أخري- التفريط في التحفظ على التجربة الطالبانية. إن تعدد مجالس العلماء وهيئات الفتوى والشورى، وإقامة وزارة حسبة كوزارة سيادية، وشغل مواقع الصف الأول بالملالي، واشتراط العدالة الدينية في سائر شاغلي الجهاز الحكومي، كلها كانت تعبيرات موحية على هذه الروح المشربة والتي تجلت أكثر في آليات العمل. فاتساقًا مع الطبيعة الطالبانية، جاءت “الفتوى” كآلية شبه منفردة وأسلوب بديل لعملية “اتخاذ القرار” وفق تقاليد الدول القومية المعاصرة، لتكون الأداة الرئيسة للحركة في سعيها لإعادة تأهيل المجتمع الأفغاني وفق منطلقاتها ومرجعيتها، مشفوعة –غالبًا- بتظهير الملا عمر.
وصدرت الفتاوى تباعًا بتحريم النحت والتصوير والموسيقي والغناء، وبإغلاق دور السينما والمسرح والإذاعات المرئية والمسموعة، فيما عدا إذاعة “الشريعة” لسان حال الحركة، جرمت الحركة حلق اللحى وعاقبت على تهذيبها، وحرمت التدخين سيما على موظفيها وعممت الحجاب على المرأة الأفغانية التي لم تكن –على كل حال- بعيدة عنه، وقصرت عمل وتعليم الأنثى على ما رأته من “الضرورات” كالتطبيب، كما أغلقت الأضرحة والمزارات التي كان الناس يؤمونها للتبرك أو للتوسل وسؤال الأولياء وخلافه[8].
صدرت كافة هذه الفتاوى في الفترة الأولى من حكم طالبان بين عامي 1996-1998، فيما يمكن تعريفه بمحاولة إرساء القواعد والإعلان عن الذات، مصحوبة بموجة “الإثارة” الأولى. وعلى الرغم من إمكان أن يغفل التعبير “إثارة”حالة التحفز المسبق من الخارج، فإن طالبان -أيضًا-لم تحاول الاستدراك على خطواتها المبدئية أو التخفيف من حدة آثارها.
وبعيدًا عما أثارته موجة الفتاوى والممارسات الأولية من معارضات وتأويلات وإسقاطات، فلا يزال التساؤل مطروحًا ومشروعًا حول المشروع الطالباني بين المشروعية كمعيار يصدق على الإيمان بالوحي الإلهي، وحول الملاءمة كمعيار يأخذ بحسبانه التحليل المقاصدي وترجيح المصالح/المفاسد، واعتبار الواقع وفقهه… الأمر الذي تشكل الإجابة عنه أهمية كبيرة على صعيد البحث في المآلات المترائية للأمة.

الموجة الثانية- السياسة الطالبانية تجاه المعارضة الأفغانية: التحول المشدود

شهدت المرحلة الأولي من علاقات طالبان بالقوى الأفغانية (أكتوبر 1994- أواخر 1998) غلبة سياستين رئيسيتين: سياسة التحييد والاحتواء، وذلك في مواجهة الأطراف الثانوية من القبائل والفصائل التي أرهقت قواها دوامةُ العنف غير المحسوم من حين تهاوى نظام نجيب الله (أبريل 1992) والتي اندفعت لمطاوعة طالبان من تلقاء نفسها، وقبلما تعلن طالبان عن منطلقاتها وسياساتها. هذه الهرولة من الفصائل والقادة السابقين إلى مهادنة فمطاوعة الطالبان – سيما الحزب الإسلامي (محمد يونس خالص) الذي يكنّ له البشتون في الجنوب والوسط تقديرًا خاصًا وكذلك جماعات “العرب الأفغان” التي قذفت بها الحرب الأهلية إلى بيشاور ومناطق الحدود مع باكستان، هذه الهرولة عززت ولاشك من طموح الطلاب الصاعدين، ومن ثم تماديهم في السياسة الثانية: سياسة الدحر والاكتساح العسكري إزاء القوى الأساسية الأخرى.
جاءت آلية الدحر هذه مع البدايات الأولى لخروج الطالبان، لتضفي على المشهد الأفغاني مزيدًا من التعقيد والتشويش سيما إزاء طبيعة وقناعات وولاءات الحركة الصاعدة. فالانتصارات المتوالية في اتجاه كسر شوكة الحزب الإسلامي (حكمتيار) الذي تميز باستقطاب شبه منفرد لعداءات الغرب ودول الجوارين المباشر وغير المباشر، وحظي من ناحية أخري -بتأييد العرب الأفغان (قاتل في صفة 600 مقاتل عربي في بعض الإحصاءات) [9]، من شأن ذلك أن يورث تفاؤلًا لدى سائر المراقبين.. بيد أن مواصلة الطالبان لنفس النهج إزاء الطرف الثاني (رباني-مسعود-دوستم- الشيعة) بما آل إلى تقهقره سراعًا إلى شريط حدودي بأقصى الشمال الشرقي (تخار وبدخشان) باسم “الجبهة الإسلامية المتحدة لإنقاذ أفغانستان”، أحال موقف الراصدين سيما الجوار إلى الحذر مجردًا عن “التفاؤل”.
لكن سرعان ما تجمد الموقف عند حد التسعين بالمائة من الأراضي الأفغانية “منذ منتصف العام 1998″؛ الأمر الذي يُعزى إلى شبكة من المتغيرات، لعل أهمها على الإطلاق تحرك الأطراف الخارجية البعيدة والقريبة للحيلولة دون اكتمال الهيمنة الطالبانية، سيما بعد احتضان الحركة لتنظيمات الأصوليين وتواتر عدد من التقارير حول تبنيها للحركات الإسلامية في المنطقة، ثم إعلان أسامة بن لادن (فبراير 1998) قيام الجبهة الإسلامية المتحدة لقتال اليهود والصليبيين، وتصاعد الاتهامات الأمريكية لتنظيم القاعدة بتدبير عمليات تخريبية ضد أهداف أمريكية. وأيًا ما كانت درجة الدعم الباكستاني للطالبان في البداية، فإن المؤكد أن تعديلًا أجري على هذا التيار ساهم في تراجع معدل الزحف الطالباني، مع تزايد الضغوط الأمريكية بما تبدَّى في خطاب نواز شريف الرافض آنئذ لإيواء طالبان للأصوليين العرب والساعي لطردهم من بيشاور[10].
من ناحية أخرى، يلاحظ إزاء هذا الطور من التجربة الطالبانية أنه جاء ثمرة طبيعية وكاشفة لنمط من أنماط الاعوجاج السلوكي والخطابي الأفغاني إزاء المنطلقات والمرجعيات العامة المنتسبة للإسلام. فقد حركت طالبان وعيها وسعيها إزاء المعارضة بناء على مفهوم “الأمير المتغلب” الذي يدان كل من يعترض على حكمه أو ينازعه الأمر بـ”البغي” وتحل مقاتلته على ذلك حتى يفيء، ذات الموقف الذي لم تتجاوزه المعارضة الشمالية بترديد أنها “الحكومة الشرعية المعترف بها من الدول”[11].
في ظلال هذه النفسية المعبأة بركام الخلاف، المدشنة برؤى تصطنع لذاتها واقعًا غير هذا الذي يشير إليه الجميع،لم يكن ثم مجال للحديث عن مقاصد الشرع والأمور المعلومات منه بالضرورة من المشترك الإسلامي والمعاني القرآنية والنبوية: “إنما المؤمنون إخوة..أمتكم أمة واحدة..الأعراض والدماء والأموال الحرام..الصلح خير..فأصلحوا بين أخويكم.. وأصلحوا ذات بينكم.. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم…” ذلك على حين لا يخجل كل طرف حين يمد يده السفلى صوب الأبعدين استجداء لوقود الفتنة… الأمر الذي لا تتواني فيه أي جهة ذات علاقة ما بالشأن الأفغاني [12].
إنه إذا ما عُدَّت طالبان عقابًا قدريًا لحكومة المجاهدين الألداء (28/يونيه/1992إلى26 سبتمبر 1996)، فإن القراءة السننية وخبرة التاريخ الإسلامي كانت تنذر بوضوح ببوادر بديل لن يكون سوى بوابة لسطوة الخارج على الداخل الإسلامي أو الأفغاني تحديدًا فيما هاهنا[13].فمع نهاية العام 1998 ومع أن حالة العجز المتبادل أسفرت عن بوادر حوار وتفاوض فيما بين طالبان والمعارضة الداخلية، إلا إن إرهاصات ظهور البديل الثالث -متمثلًا في شخص الملك السابق محمد ظاهر شاه وأنصاره ثم زعماء الأحزاب غير ذات الأصالة- كان يؤْذِن بمزيد من تعقد شبكة القوي الضالعة في الشأن الأفغاني. أسفرت محاولة “جس النبض” من قبل الملك السابق حول عزمه الإسهام في حل مشكلات “بلاده” (ودعوته إلى عقد مجلس “لويا جركه” القبائلي الضخم) عن رفض خطابي من قبل أغلب الأطراف سواء الطالبان أوفصائل الشمال، غير أن أحدًا من هؤلاء لم يكن بمكنته اقتلاع هذه البذرة القدرية. إن هذا التردد بين مشهدي الداخل والخارج أبرز إلى أي مدى يلهو الداخليون سيما في ظل غياب المشروع المحدد، بينما لا يرعوي الخارجيون عن غايات مبيتة!
ففي المبتدأ تعثرت أوليات التفاوض الطالباني مع المعارضة لفقدان الطرف الشرط الضروري: الأمم المتحدة؛ إذ كانت قد سحبت طاقمها المكون من أربعين موظفًا من كابول منتصف عام 1998 إثر اغتيال ثلاثة من موظفيها.. بيد أنه مع مطلع العام 1999 عادت المنظمة مما أسفر -توًا- عن عقد محادثات عشق أباد الأولى (10-11/ فبراير 1999) والتي انفضت بلا شيء، ثم محادثات عشق أباد الثانية (منتصف مارس 1999) والتي توصلت فيها طالبان والمعارضة إلى اتفاق غير متوقع على تقاسم السلطة على المستوى التنفيذي والتشريعي والقضائي، وتبادل الأسري [14]، الأمر الذي ذهب أدراج الرياح حين علقته طالبان على شرط “عدم المساومة على نظام الإمارة الإسلامية، ومنصب أمير المؤمنين الملا محمد عمر”، وهو ما أوله المراقبون بأنه يحيل ممثلي المعارضة إلى مجرد “موظفين” لدى الإمارة[15].. ذات الشيء الذي تكرر في مفاوضات جدة أول أغسطس 1999 بمبادرة ووساطة منظمة المؤتمر الإسلامي. أسفرت هذه التجربة بجلاء عن نمط التفاوض السياسي الداخلي أو البيني في الأمة الواحدة: نمط الخصم الألد، حين تعقد مفاوضات جدة -على سبيل المثال- في غرفتين منفصلتين يتنقل بينهما الوسطاء، اتباعًا لسنن السابقين: (بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [16]. إن المعارك لم تتوقف في ظل مبادرات متعددة المصادر كثيرة الاشتراطات والتي تقرر من ذاتها مصيرها المعتاد: الفشل.
اتضح جليًا كذلك أن القوى الأفغانية – بما فيها حركة طالبان- لا تتحول بسهولة عن مواقفها المبدئية إلا حال عجزها المؤكد عن فرض حلولها الأحادية، أو يأسها من تبدل الظروف المحيطة.
في غضون ذلك، شرعت إيران في كيل الصاع لطالبان صاعين ردًا على مقتل دبلوماسييها الثمانية، حيث راحت المعونات العسكرية تتدفق على حزب الوحدة (وحدات– كريم خليلي) الشيعي ضمن التحالف الشمالي[17]، وألقت روسيا بثقلها وكذلك فرنسا وراء أحمد شاه مسعود ودوستم[18]، فيما راحت الولايات المتحدة تعلن نفاد صبرها تجاه الحركة وتمارس ضغوطًا معلنة على باكستان-نواز ثم برويز وعلى تركمانستان لقطع أي خطوط إمدادات، بل وأعلن المسئولون الأمريكان عن عزم إدارة كلينتون على فتح قنوات مع معارضي طالبان في الداخل.
وفي أثناء ذلك أيضًا، وفي قلب عام المفاوضات الداخلية (1999) رأس ظاهر شاه مؤتمرًا بعنوان “المصالحة الوطنية”لم يحضره سوى أنصاره وعلى رأسهم جيلاني ومجددي؛ حيث دعا في إطاره إلى كل ما عارضته طالبان من نظام جمهوري ديمقراطي حزبي تعددي… إلخ[19].
وإزاء العجز الجماعي عن الحسم، آثر الجميع التخندق خلف سياسة الانتظار، إلى أن يضيق الخناق الدولي حول الحركة؛ حيث بدا أن ذلك بسبيله إلى التحقق العاجل مع أواخر العام 1999 حين دخلت عقوبات الأمم المتحدة ضد طالبان حيز التنفيذ (15/11/1999) وضج الإعلام بما جلبته طالبان على الشعب الأفغاني من بؤس لا مثيل له… الأمر الذي قابلته طالبان بخطاب يومي باللامبالاة والفشل في الالتحام بالشعب تحت شعار “العقوبات تؤثر على الشعب لا علينا”[20].
خلال العام 2000 تمكنت طالبان من فتح جبهات متعددة دون إغلاق إحداها سيما بعد تفجير المدمرة الأمريكية يو إس إس كول أمام سواحل عدن أكتوبر 2000 وتوجيه الولايات المتحدة -كالعادة- أصابع الاتهام نحو ابن لادن وقاعدته والذي تأبى طالبان بشدة تسليمه. سرعان ما راحت الأطراف الضد- طالبانية تمارس لعبتها المعتادة: الدخول إلى قلب أفغانستان عبر قنوات الأطراف الخارجية، ولم تنفع طالبان نداءاتها للأمة أو لمنظمة المؤتمر الإسلامي أو ما يسمى بالمجتمع الدولي أن يدفعوا عمليات التفاوض الداخلي للأمام وأن يرفع المتطفلون أيديهم عن أفغانستان [21].. فموجات الإثارة المتوالية كانت أعتى من أن تتحملها أو تدفعها الأمة الواهنة!

الموجة الثالثة- آثار باميان: فن إدارة الأزمات على الطريقة الطالبانية

إبان الشطر الثاني من حكمها خضعت طالبان لخطاب سياسي خارجي، يلقي بها إلى خندق الجماعات الأصولية -بالمفهوم الغربي المعولم- ويصوب الوعي نحوها كإحدى مناطق التهديد الإقليمي والدولي، وذلك عبر مواقف متتالية عديدة الأبعاد: أمنيًا وثقافيًا واقتصاديا، استنفرت خلالها ردود فعل إقليمية ودولية أبانت عن درجة عالية من الترصد الجماعي تجاه كل بادرة طالبانية.. الأمر الذي اتسم بنوع من الانتقائية والازدواجية إزاء رصد المواقف وتشخيصها فيما بين الضجيج المتحامل والصمت المتغافل.
فمن ناحية، ضوضأت الدعاية في الخارج إزاء ما أطلق عليه “ثالوث المحرمات”: انتهاكات حقوق الإنسان، المخدرات، الإرهاب الدولي [22]، وعلى صعيد النجاحات الطالبانية العديدة، تحركت عناصر التورية والإغفال، من قبيل الموقف من النجاح منقطع النظير في امتحانة “المخدرات” التي أوقعتها الدعاية العالمية فيها بين ناري الخارج والداخل [23] علاوة على ذلك تلاشت عبر الأثير النداءات المتوالية من طالبان بالإسهام الدولي في رفع المعاناة والحصار الأمريكي والدولي عن الشعب الأفغاني، وفى إعمار البلاد والتوقف عن إلهاب الحرب الداخلية بالتدفقات المالية والعسكرية على الجانب الآخر. أفضى هذا التحليل إلى تحميل طالبان ذات الأجل القصير الخطيئة كاملة.. الأمر الذي بلغ مداه مطلع العام 2001 حين أصدر الملا محمد عمر فتوى تدمير تمثالي “بوذا” الضخمين 27 فبراير 2001.
وفى وسط هذا الضجيج المثار بين إعلان الفتوى وتنفيذها(مارس2001) أعرض الخطاب السائد تمامًا عن مرجعية طالبان التشريعية، وعن تكييفها للقضية، الأمر الذي أرجأ دور أهل الاختصاص عن البت في الأمر إلى التوظيف السياسي كوفدٍ ناقلٍ لخطاب “الإثناء” في الوقت الذي تمادت الأطراف الإقليمية والدولية في قطع خط الرجعة على طالبان، إذ اصطدمت الحركة بقرار تبنته روسيا والولايات المتحدة يقضي بتشديد العقوبات على أفغانستان جراء امتناع طالبان عن تسليم ابن لادن، ورفضها إغلاق مواقع الحركات الأصولية في أراضيها[24].
كشفت الأزمة المصطنعة حول آثار باميان عن عالم شديد الحساسية إزاء الحركة، على أتم الاستعداد لإحالة أي مخالفة منها للمناخ العام إلى أزمة دعائية ضاغطة، وفرصة لمزيد من تشديد الخناق عليها، كما كشفت هذه الأزمة –أيضًا- عن نمط “إدارة الأزمات” لدى أحد روافد الفاعلين في الأمة: الإسلاميين، وتحديدًا الطالبان، بما يمكن إجماله في الملاحظات التالية.
– غلبت عقلية “الصدام “مع المحيط على طالبان، إذ ظهر ميلها إلى الهروب من جبهات خانقة بفتح جبهات أخرى مفاجئة، وفق تكتيكات سلبية انسحابية… لا ترقي إلى التفكير الاستراتيجي… إن الأزمات الفعلية للواقع الأفغاني، وضغوط الدعاية العالمية إزاءها، والاستعراض الإقليمي المؤازر للمعارضة، والإغلاق الدولي لنوافذ الدبلوماسية الطالبانية، ذلك وغيره لم يتمكن من إثناء عقلية المقاتلين اللامرحلية عن اختلاق الأزمات وراء أخواتها.
– يرتبط بذلك إحالة طالبان كافة الأمور إلى شأن ديني لا حظ فيها لشأن من “شئون دنياكم”[25] وفق آلية “الفتوى” المعممة، الأمر الذي من شأنه أن يخلق إيهامًا محتملًا بالقدسية، ويضيق من نطاقات المناورة إزاء واقع الاستضعاف الراهن…. لكن الملاحظ أنه فيما عدا أزمة آثار باميان فإن خطًا مختلفًا لوحظ على الخطاب الطالباني عقب فرض العقوبات الدولية عليها 15/11/1999 اتسم بتحريك نوعيٍّ لعناصر الواقع كما يطرحه سائر الفرقاء سيما في خطابي وزيري الخارجية والإعلام الطالبانيين [26] .
بالطبع لا يمكن حصر البدائل والحسابات في معادلة واحدة بعينها.. لكن تجربة طالبان في إدارة الأزمات تؤكد -في التحليل الأخير- مسيس حاجة الأمة لمراجعة الذات، وضرورة السعي للربط الاستيعابي الجميل بين فقهي الوحي والواقع، والبصيرة في الزمان حتى لا يوقع المسلمون أنفسهم في الحرج ويحمِّلوا إسلامهم ما لا يطاق. وعامة، فالجمع بين أمانة الدين وقوة المراس أمر أعيا السابقين [27]!!

الموجة الرابعة- طالبان والعرب الأفغان: ملاحان في قارب واحد .. إلى أين؟

حالَ الصراعُ بين فصائل المجاهدين الأفغان منذ عام 1992، وحالةُ التربص الغربي والعربي على خلفية موجة “الإرهاب” المنسوبة إلى “العائدين” من أفغانستان، دون إبراز الصورة الدقيقة لهؤلاء المجاهدين العرب -سابقًا -الذين نعتوا من قبل بنعوت النضال والبطولة و”القتال من أجل الحرية”، هؤلاء العرب الأفغان أو العرب المؤفغنون اللاجئين في بيشاور ومناطق الحدود بين أفغانستان وباكستان.. حال غبار الأحداث العنيفة الدائرة حولهم دون تبين حقيقة التحويرات الطارئة على منظومتهم، إلى أن فتحت حركة طالبان ذراعيها أمامهم، وأبدت تعاطفها الكبير تجاه العديد من زعمائهم، وعلى وجه الخصوص زعيم تنظيم “القاعدة” الشاب السعودي الموسر أسامة بن لادن.
لقد جاء التحول التلقائي إلى طالبان-عقب التحييد الإجباري لحزب إسلامي (حكمتيار) الذي انضم إليه معظم العرب أثناء الصراع نظرًا للتقارب الفكري- تعبيرًا عن حجم المعاناة التي عاشتها تنظيمات العرب الأفغان في أتون هذه الفترة العصيبة، فعلى حين عاد الكثيرون إلى بلدانهم، واندمج البعض في المجتمعات القريبة، فإن البعض الأخير حيل بينه -سواء لعوامل ذاتية أو لأخرى خارجة عن إرادته- وبين ذلك، ليشكل هذا البعض النواة لظاهرة “العرب الأفغان”. قامت هذه التنظيمات بالأساس كامتدادات للجماعات القطرية من بلدان العالم العربي، والتي غلب عليها النهج الثوري أو الدامي، علاوة على متطوعين جري تجنيدهم في أثناء المعارك ضد السوفيت (1979–1989). وعليه، فقد اتسمت العلاقات البينية في نطاق هؤلاء العرب الأفغان بدرجات من المد والجزر ومحاولات التقارب أو الاندماج التي تنتهي عادة بشيء معتبر من التواصل الفكري والتنسيق الحركي دون التوحد، مع بقاء بعض من الخلافات الفكرية والتنظيمية الممتدة عبر خبرات هذه التنظيمات القطرية سابقًا [28]. وجدت بين العرب الأفغان خلايا طرفية مهمشة، لكن نخبة من القادة والجماعات التي تمثل -بالأساس التيار الثوري- هي التي حازت القدر الأكبر من الفاعلية والظهور على ساحة هذا التكوين المنفرط، ومن ثم كانت الممارسة الأكثر لفتًا للانتباه -بعيدًا عن عمليات التأصيل والتواصل الفكري أو الحركي البينية- تدور حول إدارة صراعات قطرية عنيفة عن بُعد، ضد أنظمة الحكم في البلدان التي تنتسب إليها كل جماعة [29].
في هذا الإطار، صعدت على السطح صورة رجل كانت جهوده المشهودة في الجهاد بالمال والنفس ضمن الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، وقيادته أو مشاركته في قيادة معارك بعينها مثل جلال أباد ومأسدة الأنصار[30]، ودوره في تجميع الشباب العربي المتوق إلى الجهاد في “بيت الخدمات” ثم في “بيت الأنصار” 1988[31]، سبيلًا ليصير ملء الأعين والأسماع بين الأفغان وبين العرب بل وبين الكثيرين من أثرياء الخليج وعلماء باكستان. إنه أسامة بن لادن الذي انطلق منذ منتصف الثمانينات لتقديم الخدمات المالية والمادية إلى مناطق التداعي الإسلامي بدء أفغانستان ثم الشيشان والبوسنة والهرسك وألبانيا وكشمير والسودان والفلبين. بيد أن ارتباط أسامة بالشباب المصري سيما أبا عبيدة البنشيري، ومحمد عاطف (أبا حفص) اللذين قادا معه معركة مأسدة الأنصار (رمضان 1407- مايو 1987) ثم أيمن الظواهري، الذي تسلم زمام ما يُعرف بتنظيم الجهاد المصري منذ عام 1985.. هذا الارتباط المبكر أحال ابن لادن ومؤسسته التي ستصبح شبكة أو جبهة القاعدة إلى الجانب الآخر: العنيف [32].
هذا، إلا إن ثمة عاملًا خاصًا أضاف على تحول ابن لادن إلى الثورية بعدًا عالميًا، هذا العامل يتمثل في خصوصية تجربته القطرية. فعلى حين كان كل فصيل في العرب الأفغان معني في صراعه القطري، حكومة قطره. كان أسامة بن لادن معنيًا بمنازلة القطب المتعاظم عقب تداعيات حرب الخليج الثانية واستفحال الوجود الأمريكي العسكري في بلدان الخليج سيما وطنه، ومن هنا بدأ الطريق إلى “الجبهة العالمية”. ففي البداية رأى أسامة بل وصرح فيما بعد في مقابلات تليفزيونية- أن القائمين بتفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك عام 1993 “نماذج تُحتذى”، وحث أتباعه وكل مسلم على قتل الأمريكيين الذكور البالغين من الجنود ودافعي الضرائب[33].
وحتى العام 1996 كان باديًا أن ابن لادن يتحرك منفردًا من خلال تنظيمه (الذي كان مؤسسة): القاعدة، فنُسبت إليه عمليات من قتل 18 جنديًا أمريكيًا في الصومال (أكتوبر 1993)، ثم عمليات الخُبر والرياض بالعربية السعودية 1996 (عام إعلان الجهاد)[34]، والتي راح ضحيتها 19 عسكريًا من سلاح الجو الأمريكي. وفيما كانت الموجة العنيفة الصراعية على أشدها بين تنظيمات العرب الأفغان وأجهزة الأمن ببلدانهم، جرَّ أسامة بن لادن الآخرين إلى فكرة “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين” لتوحيد فصائل العرب الأفغان فبراير 1998، والتي حمل البيان التأسيسي لها تظهير أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، وجماعتين من باكستان، وأخرى من بنجلاديش، ومسئول شورى الجماعة الإسلامية المصرية الذي انسحب بعد ذلك لاعتراض قيادات جماعته بمصر، والتي كانت تعد خطًا جديدًا سلميًا يتبني مبادرة وقف العنف منذ مارس 1999م[35].
وفي بحر هذا المسار توحي مؤشرات العلاقة بين طالبان والأفغان العرب باجتماع حالتي الاتصال والانفصال، والانفصال أظهر. فحرصت طالبان على أفغانية الجهاز الحكومي الطالباني، وعلى تحييد دور العرب الأفغان تجاه قضايا الداخل الأفغاني، اللهم إلا الحالات التي حاول فيها أسامة بن لادن إنهاء الخلافات بين أصدقاء الأمس وحلفاء اليوم[36]. وعلى حين يعلن ابن لادن انصياعه لقيادة أمير المؤمنين ولتعليمات الإمارة وأنه لا يعمل باستقلالية[37]، فإن مشاهد الأداء تبدو – دائمًا قاصرة على لاعب واحد دون الآخر، حتى في الاختبار العصيب الذي خاضته طالبان لثلاث سنوات كاملة، والذي أوقعتها فيه علاقتها بالعرب الأفغان عقب توجيه الاتهام إليهم -وبالتحديد ابن لادن– في تفجيرات السفارتين الأمريكيتين. إن هذه الضربة المزدوجة في السابع من أغسطس 1998 والرد الأمريكي بقصف منطقة خوست، أدخلت على التجربة الطالبانية عناصر إشكالية شغلت علاقات طالبان الخارجية إلى أن أوقف مسارها الحادي عشر من سبتمبر 2001.
فعلى حين افتقدت واشنطن استراتيجية واضحة إزاء التطورات الأخيرة على الساحة الأفغانية وتراوحت سياستها بين بدائل غير متوائمة تمتعت طالبان بميزة المبدأ الواضح، وإن حَصَرتَ فعالية سياستها في ابتكار البدائل المناورة لردود الفعل الأمريكية؛ وذلك على النحو التالي:
بالرفض البات واجهت طالبان المطلب الأمريكي بتسليم ابن لادن منذ أحداث الخبر والرياض 1996، مؤسسة هذا الموقف المبدئي عبر مسيرته على قاعدتين لا ثالث لهما: أنه لا يجوز الحكم على شخص مسلم أمام محكمة غير مسلمة “ويحكمون عليه كما يريدون”، كما أعلنه وزير الخارجية الطالبان آنئذ الملا محمد حسن خان[38]، وأنه يقيم في أفغانستان كضيف على الشعب الأفغاني وليس من عادة الأفغان أن يطردوا ضيوفهم من بيوتهم بالقوة، بما ردده كافة الطالبان[39]. وأمام هذا التحديد والتشديد الطالباني تراجعت الغاية الأمريكية تباعًا من مطلب “التسليم العاجل” بصيغة الأمر والإلزام إلى “التسليم بعد محادثات وأدلة” إلى مطلب “الطرد أو الإبعاد” إلى أن تم تحديد الحد الأدنى من المطالب الأمريكية على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بعد نحو العام من بدء هذا الجدل بعبارة فضفاضة: “إن تقديم أسامة بن لادن للعدالة هو الحد الأدنى لمطالب واشنطن لتسوية هذه المسألة”[40].
ارتبط بهذا النجاح استغلال جيد من طالبان للتردد الأمريكي بفرض الشروط أو العوائق تلو الأخرى من قبيل: تقديم الأدلة وفق مهلة منحتها المحكمة العليا الطالبانية برأت بعدها ساحة ابن لادن[41]، واشتراط تطبيع العلاقات والاعتراف الدولي بحكومة طالبان لكي يكون ثَمَّ اتفاق على تبادل تسليم المتهمين[42]، إلى آخر العثرات التي ألقتها طالبان من حين لآخر أمام صانع السياسة الخارجية الأمريكي. آل هذا إلى تنازلات أمريكية فعلية؛ إذ صرحت واشنطن باستجابتها للشروط الطالبانية في تقديم الأدلة للمحكمة الطالبانية التي تجاهلتها على حد قول المتحدث الأمريكي[43]. تلا ذلك تصريح واشنطن أنها ليست ضد أي نظام معين في أفغانستان -في إشارة سافرة إلى طالبان، بل وتعلن الحرص الأمريكي على “استمرار الحوار مع طالبان”[44]. هذا، رغم أن كل ذلك لم يخلُ من التلويح الأمريكي بمشروطيات مضادة.
إلى نهاية العام 1999، بدا أن طالبان نجحت في إدارة وتبريد الأزمة، بما تجلى في بوادر التقارب مع أطراف عدة بمعاونة باكستان وتركمانيا للتعاطي الطبيعي مع الحركة، الأمر الذي لم يرق لبعض دول الجوار، فنسبت الهند إلى ابن لادن مؤامرة لتدمير البعثات الأمريكية بها[45]، بينما تبنت روسيا في مجلس الأمن قرارًا بفرض عقوبات على طالبان، دخل حيز التنفيذ منذ منتصف نوفمبر 1999، مما أثار الحركة والشعبين الأفغاني والباكستاني، فتطايرت الانتقادات الحادة تجاه واشنطن والأمم المتحدة [46].
وعليه، فقد شهد العام 2000 -على أثر التحول الجاري في باكستان والانقلاب على نواز شريف الداعم الأكبر للحركة، ومجيء الجنرال مشرف بخطاب متحفظ على حالة “الجماعات الدينية” وعلى وجود العرب الأفغان، وساعٍ إلى التقارب مع الولايات المتحدة، والقفز على مسألة العقوبات الاقتصادية المفروضة على خلفية التفجيرات النووية مايو 1998م، بل وعلى ضوء التحركات الأمريكية في دول الجوار لدعم العمل ضد ما عرف “بالإرهاب الدولي القادم من أفغانستان”، منذ مطلع العام 2000- شهد دخول الموقف بين طالبان والأطراف المعنية نفقًا من الأشواك والصدام.
فعلى حين كانت طالبان ماضية في مناورات التبريد مع ما تحصده من تقدم في مواجهة تحالف الشمال منذ صيف العام 2000، جاء تفجير الفرقاطة كول (أكتوبر من نفس العام) ليعيد كرة التصعيد بلا تردد هذه المرة. تصاعدت لهجة الخطاب الأمريكي تجاه طالبان، وقادت روسيا مبادرة ثانية لتشديد العقوبات الدولية ضد الحركة (ديسمبر 2000) والتي حظرت توريد السلاح على الحركة دون غيرها وفرضت الحصار على الحدود الأفغانية وبالأخص مع باكستان، بما تبدى في تراجع قوات طالبان أمام المعارضة بحلول العام 2001 م.
وفيما لم يكن بد أمام الحركة إلا أن تكرر نفسها -في موقفها المبدئي الرافض لتسليم ابن لادن وفي تكتيكاتها- فإن الجانب الآخر تعرض لتغير عميق؛ إذ حلت إدارة أمريكية جمهورية، سعت لاستثمار التحركات الأخيرة للإدارة السابقة، فاستهلت حوارها مع الحركة بقطع الحوار وإعلان مكتب طالبان في نيويورك[47].
وهكذا ساق العرب الأفغان القارب الطالباني عبر موجات وشلالات وعرة، لم تتمكن طالبان إزاءها من تعديل الدفة أو تفادي صخرة إلصاق تهمة: “التهديد الأول: الإرهاب القادم من أفغانستان”؛ بما جعل من غير المستغرب تمامًا لدى أغلب الأطراف المتعاطية مع الشأن الأفغاني أن تُسلط تلقائيًا سهام الاتهام ثم الانتقام إلى هذه البقعة مع اصطدام الطائرات بمركز التجارة العالمي والبنتاجون يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001.

المحور الثاني- أفغانستان وسياسات الجوار: الأصولية والحلف المضاد

منذ البروز الطالباني على الساحة في وسط وجنوب آسيا، راجت مقولة ترى أن أفغانستان صارت تمثل النموذج المثالي “للحالة الإسلامية” التي قام دعاة “صدام الحضارات” بالتنظير لها[48] إلا أن التحقيق ينبه إلى اختلافات نوعية ربما تشْكِل على تعميمات الطرح الأصيل للصدام الحضاري والمنبثق عن دوائر غربية بالأساس، وإجمالًا يمكن القول إنه فيما عدا الحالتين الباكستانية والتركمانية، اجتمعت كلمة الجوارين الأفغانيين على اتخاذ “الأصولية الإسلامية” في نموذجها الطالباني وامتداداتها الإقليمية عدوًا أول تتضاءل أمام غاية مكافحته والقضاء عليه تناقضات المصالح والغايات الأخرى، الأمر الذي يسعى الرصد التالي إلى تبين الخطوط العريضة لآلياته، بما يؤسس لفهم أشمل للتجربة الطالبانية وما أحاط بها، وتمهيدًا للفهم الأعمق لمواقف هذه الفواعل عقب الحادي عشر من سبتمبر 2001.
1) باكستان وتركمانستان: الاستثناء المضغوط

باكستان:
تزامنت مع نهاية الحرب الباردة انعطافات ألقت بإسلام أباد في معادلات مختلفة عن ذي قبل، تدور حول البحث عن دور جديد والحفاظ على البقاء في الحلبة، في ضوء تراجع الدعم الحميم من السنيد الأمريكي، وصعود القوى الإقليمية غير الحميمة بدءًا من إيران وروسيا وانتهاء بالخصم اللدود الهند، مرورًا بالصين ودول آسيا الوسطى التي يبدو أنها لم تعد تعوِّل كثيرًا على علاقات مع باكستان.
في هذا الإطار تجاوبت باكستان مع قضاياها الثلاث الأدنى: الداخل السياسي الذي تتنازعه مسارات أطراف ثلاثة كبرى: (الجيش القابع في الخلفية والقاطع للوتيرة كل حين، والأحزاب القومية سيما حزبي الشعب (بنازير بوتو) والرابطة الإسلامية (نواز شريف)، اللذين استمراء لعبة الكراسي الموسيقية منذ اغتيال ضياء الحق أغسطس 1988، وأخيرًا الجماعات الدينية المتواسعة والآخذة في سحب الشارع الباكستاني من تحت الأقدام). وفي الخارج اللصيق تقع القضيتان الأخريان: الصراع المصيري مع الهند حول إقليم جامو وكشمير، وأخيرًا أفغانستان.
ودون الخوض في أصول “المسألة الأفغانية” في السياسة الباكستانية، وبالتركيز على التجربة الطالبانية، نجد أن ثلاثة أنظمة تعاقبت على الحركة حكمتها ثوابت ومتغيرات للوقوف وراء الحركة والقيام بدور الظهير أو العرّاب حتى اللحظة الأخيرة، فيما يمكن متابعته على النحو التالي.
§ حرصت إسلام أباد منذ البداية على تأمين جهتها الغربية والشمالية باعتبارها تمثل عمقًا استراتيجيًا في مقابل الجبهة الكشميرية، الأمر الذي فشل قلب الدين حكمتيار في تحقيقه، مما أسقط في يد باكستان إلى أن سنحت فرصة الخروج العفوي لطلاب المدارس الدينية ذوي الارتباطات الوثيقة عرقيًا وتعليميًا مع باكستان، فسارع نصير الدين بابور-وزير الداخلية البشتوني في حكومة بوتو- وأجهزة الاستخبارات العسكرية الباكستانية (ISI) المعنية بالملف الأفغاني (والمسيطر عليها عناصر بشتونية) بمؤازرة الحركة، الأمر الذي أخذ دفعة أكبر عقب تسلم نواز شريف السلطة عام 1997[49].
§ عبر هذه السنوات الأولى جنت باكستان ثمار مؤازرتها للحركة؛ إذ ساهم الاستقرار المتنامي في فتح الطريق أمامها نحو آسيا الوسطى لتفعيل منظمة التعاون الاقتصادي (ECO) التي أسستها مع إيران وتركيا عام 1985، والتحقت بها الجمهوريات الإسلامية الستة المستقلة 1992. كذلك، فإن إسلام أباد أبدت حماسًا للعب دور رئيسي في نقل تدفقات النفط والغاز الطبيعي والمواد الأولية التي أفصحت عنها المنطقة: بدلًا من المعبر الإيراني، الأمر الذي لم يكن مكفولًا قبل مجيء طالبان وضمانها للسلم والأمن[50].
§ من جانب آخر قدمت الحركة عبر رسالتها وممارساتها ذات الطابع الأممي ظهيرًا هامًا للموقف الباكستاني إزاء الهند، سواء على صعيد المسألة الكشميرية التي ألقت طالبان بثقلها فيها، أو على صعيد تنامي النزعة الهندوسية القومية عقب وصول حزب “بهاراتيا جاناتا” إلى الحكم 1998.
ومع استفحال الدور الذي باتت تلعبه الجماعات الدينية على الساحة الداخلية في باكستان،سيما تلك المسئولة عن توفير التعليم الديني المجاني لعدد يصل إلى مئة ألف طالب باكستاني، وعلى رأسها جمعية علماء الإسلام (الملا فضل الرحمن محمود) ورافده المنشق 1993 (الملا سمع الحق) والجماعة الإسلامية الباكستانية وريثة المودودي بزعامة (الملا قاضي حسين أحمد) ودورهما في ترجيح كفة أحد الحزبين القوميين الكبيرين، ومع ارتباطات هذه الجمعيات العلمية والفكرية والإثنية بالطالبان البشتون، لم يكن بد أمام الحكومات الثلاث المتعاقبة (بناظير، شريف، مشرف) من التغاضي عن قناعاتها المتمايزة عن توجهات الحركة، بل قامت هذه الحكومات خاصة حكومتي شريف ومشرَّف بالدفاع مرارًا عن خصوصية تجربة الحركة وإسداء النصح للآخرين للاعتراف بنظامها وإنجازاتها[51] .
وتعد الفترة النوّازية أشد فترات الدعم الباكستاني للحركة؛ إذ واجهت طالبان عقوبات أمريكية منذ يونيو 1997 لم تلبث إسلام أباد أن شاركتها مثلها عقب التفجيرات النووية وولادة ما عرفه الإعلام الغربي بـ “القنبلة النووية الإسلامية” مايو 1998. والمعروف أن المسافات كانت بسبيلها إلى التماهي بين كابول وإسلام أباد على خليفة انتهاج فواز شريف سبل التحدي والتقشف والاعتماد على الذات، ورفضه سياسة التركيع الأمريكية؛ بما وجد هوى لدى الجماعات الدينية والتي تقدمت خطوات بإعلان مطالبات باحتذاء النموذج الطالباني في تطبيق الشريعة؛ الأمر الذي كاد يستجيب شريف لشيء منه فعلًا إلى أن اقتلعه انقلاب 12 أكتوبر 1999 لينقطع الخيط.
وعليه، لم يجر الجنرال مشرف – عبر عامي تجربته مع المسألة الأفغانية تحويرات ذات بال على سابقيه، اللهم إلا في مساع تخص الوضع الباكستاني الخاص بالدرجة الأولى، من قبيل السعي لتحسين الصورة والعلاقات مع الغرب وبالأخص الولايات المتحدة، الأمر الذي تمفصل مع المساعي الثلاث الأخرى في: التواصل أولًا مع الجانب الهندي، والسعي للإغلاق السلمي للملف الكشميري، والحد من دعم فصائل المجاهدين هناك، وفي السعي ثانيًا لتحجيم دور الجماعات الدينية رغم التنويه بإيجابياتها، وثالثًا في طرد العرب الأفغان عام 2000 من منطقة الحدود تحت ضغوط دولهم والأنظمة الإقليمية، والذين تراوح عددهم بين عشرين وثلاثين ألفًا برواية وزير الخارجية عبد الستار عزيز [52]، ولاشك أن آثارًا غير مباشرة لحقت بالعلاقة مع طالبان ترتبت على هذه المساعي.
وخلاصة القول: إنه عبر التسعينيات تضافرت عوامل الداخل والخارج لتربط باكستان بالمسألة الأفغانية والطالبانية ربطًا وثيقًا في خطين: خط من المؤازرة بلغ منتهاه إبان وزارة نواز شريف، وخط من التحفظ ضمن الاحتفاظ بحق التدخل الدائم بلغ حده الأعلى منذ مطلع العام 2001، ومع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية وتجديد العقوبات الدولية (يناير 2001) ضد الحركة بما تبدى في تقديم حكومة الجنرال مشرف طلبًا بالانضمام لمجموعة شنغهاي المناوئة للأصولية سيما القادمة من أفغانستان.

تركمانستان:
في أمور عديدة تعد تركمانستان أو تركمانيا استثناء نسبيًا على القواعد والحقائق الحاكمة لجمهوريات آسيا الوسطى؛ فهي الأكبر مساحة بعد قازاقستان والأقل سكانًا بين الجمهوريات الخمس، والأكثر استقرارًا على الساحة الداخلية، والمتفردة في سياستها الخارجية إلى حد كبير. فنتيجة لهيمنة أبي الأمة التركمانية (تركمان باتشي) الرئيس صابر مراد نيازوف بحزبه الديمقراطي (الشيوعي سابقًا) على تفاصيل الحياة السياسية دون معارضة تذكر، فإن سياسات الرفاه الاجتماعي كانت هي المعادل السياسي لشرعية النظام، والتي تمثلت بالأساس في تقديم الخدمات الأساسية للشعب بأسعار زهيدة. والحقيقة أن هذه البرامج لم ترتبط بإصلاحات اقتصادية على نمط النمور الآسيوية أو غيرها، إنما اعتمدت بالأساس على رصيد هائل من ثروات الغاز الطبيعي كرابع دولة في احتياطيه بعد الولايات المتحدة وروسيا وكذا [53]، ومثلما كان الغاز محددًا رئيسًا للسياسة الداخلية لتركمانيا، فإنه أيضًا كان المحرك الأساسي للتوجهات الخارجية لنيازوف؛ إذ سعت عشق أباد للوصول إلى الأسواق العالمية – لعدم فاعلية التبادل مع دول رابطة الكومنولث –بإقامة شبكة من خطوط الأنابيب عبر دول الجوار. كانت إيران أولى الدول جذبًا لهذه الفرصة إلا أن ارتفاع تكلفة خط تركمانيا –إيران تركيا، والخلافات الأمريكية الإيرانية حالتا دون استمرار التعاون الجدي في هذا الاتجاه؛ الأمر الذي أبرز المعبر الأفغاني إلى باكستان كأفضل البدائل. وبناء عليه فقد أبدت تركمانيا حماسًا ملحوظًا للتعاون مع نظام طالبان الذي تمكن من إرساء قاعدة من الأمن والاستقرار في أفغانستان، فبادرت بتوقيع مذكرة تجارية مع باكستان (أبريل 1995) لتصدير الغاز بقيمة ثلاثة مليارات دولار، والعمل لمد خط أنابيب يربط باكستان بآسيا الوسطى عبر أفغانستان وتركمانيا، كما أبرمت الأخيرة مع حركة طالبان اتفاقًا لتزويدها بإمدادات الطاقة. وطوال الدوام الطالباني كان صراع شركات الطاقة الأمريكية والأوربية والصينية والخليجية والأرجنتينية على مد مثل هذه الخطوط، موجهًا رئيسيًا لسياسة تركمانيا تجاه الجنوب الأفغاني.
اضطلعت عشق أباد بدور مزدوج –كعرَّاب ثانٍ بعد باكستان- لصالح طالبان؛ فاستضافت منذ مطلع 1999 محادثات المصالحة بين القوى الأفغانية لأكثر من مرة، وسعت حثيثًا لحسم هذا الصراع السلبي بالنسبة لها.
ومن ناحية أخري حاولت القيام بدور الوسيط فيما بين طالبان ودول آسيا؛ إذ حمل شيخ بوريس مرادف المبعوث الخاص للرئيس التركماني وزير الخارجية (السابق) إلى دول الجوار الكبرى والمتوسطة رسالة مفادها أن طالبان أصبحت حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، وذلك منذ سبتمبر2000 [54] حققت هذه التحركات مردودًا إيجابيًا؛ إذ انتقل الموقف الأوزبكي المتشدد -على سبيل المثال- من جانب التهديد بشن غارات جوية بالتعاون مع روسيا ضد أهداف في أفغانستان (صيف نفس العام) إلى جانبٍ يصرح فيه الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف بأن أوزباكستان لم تعد تنظر إلى طالبان على أنها مصدر تهديد وقلق، وأنها تتطلع إلى تعاون تجاري في المنطقة[55]. بل إن الدولتين –ترتيبًا على ذلك– تعمدتا الغياب عن قمة روسيا ودول وسط آسيا (أكتوبر 2000) والتي سعت إلى اتخاذ استراتيجية أمنية موحدة ضد الأخطار التي قد تنجم عن اكتمال الهيمنة الطالبانية على أفغانستان، والبحث في طرق مكافحة الإرهاب القادم من أفغانستان –حسب بيان القمة[56].
وإجمالًا، فإن باكستان وتركمانستان مثَّلتا حالتين من “الاستثناء” على مسار وتوجهات المحيط الأفغاني في التفاعل الإيجابي مع التجربة الطالبانية، بل الترويج لإيجابيات التعاطي معها، واحترام خصوصيتها.. إلا إن هذا الاستثناء ظل “مضغوطًا” من جانبين: من جانب حدود قدرات الدولتين على مساندة الحركة، وارتباطات كل منهما بدول الجوار وبالولايات المتحدة، الأمر الذي علق هذا التجاوب على ميزان المصلحة وبدائلها بالمفهوم البراجماتي، ومضغوطًا من جانب موجات الإثارة الطالبانية التي أورثت الدولتين هاجسًا من احتمال الانكفاء على الظهر أمام إشكاليات التنامي الإسلامي وظاهرة العرب الأفغان والتحركات المضادة التي تتزايد حدتها باطراد.. فهل قرأ الطالبان والعرب الأفغان هذه الرسالة أو كانت لهم أي مساع لاستثمار بوادر المساندة هذه؟!

2) الرهاب الإسلامي: هلال شنغهاي- موسكو الإقليمي والتعبئة الدولية ضد أممية طالبان

قبيل وقائع الـ 11 سبتمبر 2001 بنحو الخمسين يومًا كتب الجنرال المتقاعد الرئيس السابق لدائرة الشرق الأوسط بجهاز الـ كي جي بي ألكسندر كوليك يقول:
“إن إدارة الرئيس جورج بوش الابن تستثمر ما أنجزته إدارة بل كلينتون ووزيرة الخارجية أولبرايت، وصارت لدى الإدارة الحالية قاعدة جدية لاستثمار الوضع القائم في العالم، وفي آسيا الوسطى ومن حول أفغانستان تحديدًا” [57] .
بإضافة هذه الملاحظة إلى حقيقة تفاقم الصحوة الإسلامية في هذه المنطقة المحيطة بأفغانستان شرقًا وشمالًا وغربًا، سواء في مواجهة أنظمة الحكم في جمهوريات طاجيكستان وأوزباكستان (المتاخمتين) أو قيرغيزيا وقازاقستان، أو ضد أنظمة غير مسلحة يراها البعض حكومات احتلال، كما هو الحال في الصين وروسيا والهند يتبين تضافر شبكة من العوامل الذاتية (الإقليمية) والخارجية (الدولية): المفردة والمركبة، دفعت باتجاه حصار طالبان، والسعي للقضاء على فاعليتها وامتداداتها عبر المنطقة
فعلى صعيد التجارب الذاتية المفردة شهدت الجمهوريات الأربع في آسيا الوسطى المذكورة آنفًا دوامة عاصفة من الصراع العنيف مع التيار الإسلامي الثوري، الأمر الذي تباينت درجته من حالة إلى أخرى. ففي طاجيكستان تزامنت التجربة الطالبانية إبان رسوها مع تراجع رحمانوف وحلفائه (العسكريين الروس) أمام تقدم الحركة الإسلامية الطاجيكية عقب حرب طاحنة دامت ست سنوات بإبرام “وفاق وطني” مع حزب النهضة الإسلامية بزعامة سعيد عبد الله نوري (صيف 1997) في ذات العام الذي بلغ التوجه الإسلامي أشده أمام إسلام كريموف؛ إذ شنت “الحركة الإسلامية” في أوزباكستان (IMU) هجماتها المسلحة ضد الحزب الشيوعي الحاكم ردًا على محاولات حظر الحجاب ومنع أذان الصلاة[58].
ومن الجدير بالملاحظة أن هاتين الدولتين المشتعلتين تقعان على الحدود المباشرة لأفغانستان؛ ومن ثم كانتا الأكثر مناوأة للحركة عبر كيل التهم بمؤازرة المعارضة الداخلية بكل منهما، وعن طريق توفيرهما الدعم للمعارضة الأفغانية الشمالية (أحمد شاه مسعود الطاجيكي ودوستم الأوزبكي سواء بالأصالة، أو بالنيابة عن روسيا.
على الجانب الآخر، تبدو كازاخستان وقيرغيريا أقل حدة، في ضوء مشاغل الداخل من تداعيات الموزاييك الديمغرافي في الأولى، والسعي لضبط وتيرة التحول الديمقراطي في الثانية، وفي ضوء محاولات تحدي النفوذ الروسي سيما من قبل الرئيس القازاقي نور سلطان نزار باييف، ومع ذلك فإن الدولتين لم تعدما دورًا دعائيًا تهويليًا إزاء الخطر الإسلامي في وادي “فرغانة”، ومن ثم ركوب موجة توجيه الاتهامات لطالبان والمقاتلين الشيشان بالوقوف وراء التنامي الإسلامي عبر الحدود[59]، بل كانت الدولتان الأكثر ضلوعًا في الترتيبات الجماعية ضد الإسلاميين.
وتواصلًا مع التجارب الذاتية المفردة، واجهت القوى الإقليمية الكبرى الثلاث تحديات إسلامية مقاربة مع الفارق؛ ففي الصين، تمكن الإيجور المسلمون في سينكيانح أو تركستان الشرقية من تجاوز موقف الممانعة الثقافية ضد عمليات السلخ وإعادة التوطين إلى الدخول في صدام مسلح مع الحكم الصيني، ومواجهة عمليات الاغتيال والإعدام بالجملة من قبل الشرطة (مائتا قيادي وخمسة عام 1999)، مستفيدين من الخط الحدودي مع طالبان (70-100 ميل) والتي رفضت تسليم اللائذين منهم بناء على طلب الحكومة الصينية، متذرعة بضرورة تقديم الأدلة على تورطهم في أعمال غير قانونية[60].
يكتمل الهلال الإقليمي الأمني المضاد لطالبان والمد الإسلامي بدولتين هما الأشد عداوة وضراوة؛ إذ تشتمل كل منهما على أقلية مسلمة ذات بال وصراع عنيف، ممتد على مناطق تزعم كل منهما أحقيتها بها دون مسلميها. في كلتا الحالتين الروسية والهندية أعلنت طالبان مناصرتها للمقاتلين الاستقلاليين في داغستان والشيشان وفي كشمير، لتمتد جبهة المواجهة بالدعم المتبادل للمعارضين.
ففي وقت مبكر يعلن الملا محمد قاسم (مسئول حركة طالبان في الجزء الكشميري المحكوم من الهند) أن حكومة طالبان في كابول “موجودة” في المنطقة لنصرة الثوار المسلمين الاستقلاليين في “تكثيف” حرب العصابات ضد القوات الهندية للاستيلاء على عموم وادي كشمير، في تأكيد للاتهام الهندي الرائج ساعتها[61]. ومن ثم، لم تتوانَ حكومة نيودلهي عن دعم قوات المعارضة الشمالية في أفغانستان سياسيًا وعسكريًا، بل إن هذا البعد تجلى في مطلع العام 2001 بتجمع ثلاثين حزبًا وجماعة إسلامية في باكستان في مؤتمر دعا فيه “حافظ محمد سعيد” زعيم جماعة (العسكر الطيبة) الكشميرية إلى الجهاد “لمواجهة العقوبات المفروضة على أفغانستان”، وذلك في أتون أزمة تماثيل بوذا السابقة الإشارة إليها.
تتصور الإدارة الروسية طالبان والإسلاميين “عفريتًا أطلق من القمقم” على حد تعبر فيكتور بوسوفاليوك نائب وزير الخارجية الروسي. وبأنها “تنغمر في لجة التعصب والغلو وإراقة الدماء والعداء الإثني”[62]، فقد حملت روسيا على عاتقها قيادة “التجربة الجماعية” من خلال اشتراكها في مجموعة شنغهاي وعلاقاتها الثنائية مع بقية الهلال، وبالتحديد الهند وإيران.
وأثرًا عن هذه التجارب المفردة تشكل مع مطلع التجربة الطالبانية تركيب إقليمي عرف بـ “خماسي شنغهاي Shanghai Five” عام 1996، ثم أضحى -عقب انضمام أوزباكستان بصفة رقيب- يعرف بمنظمة شنغهاي المتحدة (sco)، ضامًا كافة الدول الست السابقة (عدا إيران والهند)، مصرحًا بأن مهمته الرئيسة تنصب على تعزيز إجراءات الثقة في المناطق الحدودية خاصة مع الصين، وتوثيق التعاون الاقتصادي، ثم مواجهة الأخطار المشتركة، الأمر الذي لم يلبث أن طغى عليه المحور الأخير (الأمن)، إبان الصعود الطالباني الأخير والتصعيد الأمريكي ضد الحركة وضيوفها على خلفية تفجير السفارتين (أغسطس 98) إلى جرى عقد اتفاق بين دول المنظمة يحدد “العدو والخطر” في ثالوث الشر: (الإرهاب الدولي، التطرف الديني، النزعات الانفصالية)؛ وذلك خلال القمة الرابعة في “بيتشكيك” عاصمة قيرغيزيا (أغسطس 1999) بما أسفر عن تشكيل هيكل إقليمي – عبارة عن قوة مجهزة متعددة الأطراف بمكافحة الإرهاب– وذلك تزامنًا أيضًا مع التهاب الموقف في الإيجور وداغستان والشيشان ووادي “فرغانة”[63].
ومن خلال تحليل البيانين الختاميين لمؤتمري القمة لمنتدى شنغهاي (دوشانبه 5/7/2000، وشنغهاي 15/6/2001) يمكن ملاحظة التطورات التالية[64]:
-جلاء الموقف المتشدد الذي يتزعمه الرئيس الروسي بوتين، وإشادته بانصراف المنتدى للاهتمام بالقضية الأمنية، ودعوته الآخرين للانضمام إليه، “ضد الذين يستغلون شعار الدفاع عن الدين”.
– التأكيد على وحدة الأراضي الصينية (صين واحدة) ودعم الجهود الروسية في حل المسألة الشيشانية، المشار إليها بـ”الإرهاب”؛ الأمر الذي يحقق للدولتين الكبريين دعمًا مزدوجًا، إزاء الحركات الانفصالية، وإزاء الضغوط الغربية، وبالأخص الأمريكية باسم حقوق الإنسان.
– تشديد لهجة الخطاب الموجه إلى طالبان، واعتبار الوضع الأفغاني يمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن الإقليمي والعالمي.
– وأثناء مراسم التوقيع على البيان الختامي لقمة (شنغهاي 15/6/2001) حرص الرئيس القازاقي على التحذير من القوى الشريرة الثلاث (الإرهاب – التطرف– الانفصاليين) التي تصدر بالأساس عن أفغانستان.
– حرص الرئيس الصيني (زيمين) والروسي (بوتين) -والرفاق من بعد- على التعبير عن أن المشاكل الداخلية لبلدان المنتدى هي جزء لا يتجزأ من “شبكة الإرهاب الدولي المتجذر كله في أفغانستان”.
ومما هو جدير بالذكر أن فشل الكريملين في تفعيل “كومنولث الدول المستقلة “كان أحد عوامل السعي لتضخيم الأخطار، وإبراز عدو مشترك يهدد أمن آسيا الوسطى، وينذر بحروب وصراعات وبسيادة فواعل ظلامية متطرفة بما يمكِّن موسكو من لم شتات الدول المتمردة على نفوذها، وإذابة جبل الجليد بين روسيا الجديدة وبين القوي الكبرى كالصين والهند وإيران، وكذلك العمل لكسب ود الولايات المتحدة.
ومن هذه الزاوية جاء التحرك الروسي على جبهتي الهند وإيران، سعيًا وراء تضييق الخناق على طالبان، الأمر الذي أبرزته زيارة بوتين للهند (2 أكتوبر 2000) على رأس وفد ضخم ليوقع معاهدة الشراكة الاستراتيجية مع الهند متضمنة اتفاق تعاون استراتيجي سياسي– عسكري لمكافحة الإرهاب الذي أشار بوتين إلى أفغانستان كتجسيد له. لقد كان هذا العنصر الأكثر حيوية ضمن (14-16) معاهدة؛ إذ سرعان ما تشكلت “مجموعة عمل” عقدت اجتماعها الأول (23/11/2000) في نيودلهي، ولوحت بإمكانية تشديد نظام الحصار المفروض على أفغانستان [65].
لقد حال العداء التاريخي بين الصين والهند، دون ضم الأخيرة إلى منظمة شنغهاي المتحدة،ومن ثم اكتفت الدول بالضم غير المباشر للهند عبر روسيا، الأمر الذي لم يستوِ على سوقه إلا بالدور الخارجي المتمثل في اليد الأمريكية واليد الإسرائيلية في بناء الجدار المرصوص المناهض للأصولية الأممية الإسلامية.
وعلى الرغم من مساحات التقاطع التي قد تسفر عنها المقارنة الأولية بين النظامين الإيراني والطالباني سيما البادية في مظاهر الأصولية الإسلامية والخلاف الأمريكي المشترك ووصمة دعم الإرهاب، فقد غلب الخلاف السني- الشيعي على علاقات النظامين إلى الدرجة التي كادت تنشب فيها حرب بينهما على خلفية قتل الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار الشريف، عقب استيلاء طالبان عليها (أغسطس 1998)، وادعاءات إيران حول مذابح طالبان في حق الطائفة الشيعية، الأمر الذي دأبت طالبان على نفيه كما أسلفنا. وعلى الرغم من حرص طهران على أن تبدو متمايزة في مناوأتها لطالبان (وهي تضخ السلاح والرجال في صمت نحو المعارضة الشمالية)، فإن روسيا (عرَّاب التحالف المناهض لطالبان) نجحت في اللعب بأوراق الخلاف الأمريكي الإيراني وإمدادات السلاح الروسي -بالأخص مفاعل “بوشهر” النووي الذي بدأت روسيا العمل فيه منذ العام 1996- وغير ذلك من الأوراق التي تبدو إيران دافعة -أكثر من كونها مدفوعة.
في غمار ذلك بدا أن روسيا نجحت في الضم غير المباشر لإيران إلى التحالف الهلالي المرتكز بالأساس في مجموعة شنغهاي؛ فيما عبرت عنه تصريحات الطرفين بتفاهمهما حول “ضرورة مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات القادمة من أفغانستان”، بل إن التقارب وصل إلى حد إعلان وزير الخارجية الإيراني (كمال خرازي) المحسوب على الجناح المحافظ ضمن النظام الإيراني أن إيران لا تندد بما تفعله القوات الحكومية الروسية في جمهورية الشيشان”[66].
والخلاصة أن رهابًا إسلاميًا تربع في المدركات السياسية لدول الجوارين المباشر وغير المباشر المحيطة بأفغانستان، استنفر حشد جهود القوى الإقليمية الكبرى ضمن خطى “منتدى شنغهاي”والتربيطات الروسية ليتشكل حول طالبان هلال أو قوس إقليمي مناوئ عبرنا عنه بـ “هلال شنغهاي– موسكو” أعد الأرضية جيدًا لمواقف هذه الدول إثر أحداث11 سبتمبر 2001.
إلا أن الإشارة إلى فاعليْن أساسييْن في دفع وتنشيط حبات العقد الإقليمي تعد ضرورة لاستكمال المشهد، خاصة إذا كان أحدهما يتمثل في الولايات المتحدة الفاعل الأول والأكبر في تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، والثاني هو إسرائيل وامتداداتها اليهودية والتي تمثل -في خاصة رأي الباحث- ملاط الجدار المرصوص، ووقود المعركة التي اشتعلت مبكرًا في مواجهة الأمة الإسلامية.

3) التحرك الأمريكي والإسرائيلي حول أفغانستان: تحالف مستور ضد أممية أصولية إسلامية

جرى استخلاص فكرتين في طيات البحث الآنف فيما يتعلق بالتحرك الأمريكي؛ إذ لوحظ تأرجح السياسة الأمريكية بين تضييق الخناق على طالبان وبين محاولات فتح قنوات التفاوض معها، على حين أشارت عبارة ألكسندر كوليك السالفة إلى إنجاز هذه الإدارة لقاعدة جدية من العمل في المنطقة وحول أفغانستان تحديدًا. إن الجمع بين هاتين الخلاصتين على ما قد يبدو بينهما من تعارض ظاهري لا يعني سوى أن واشنطن -ومثلها إسرائيل- قد آثرت العمل من خلال الآخرين عملًا بالحكمة الأمريكية القديمة: “دع الآسيويين يروضون الآسيويين”!
ومما لا خلاف عليه أن الترتيبات الحصارية الإقليمية التي جرت حول أفغانستان والسابق الحديث عنها، حظيت بضوءٍ أخضر أمريكي؛ ففي أعقاب زيارة تمهيدية قام بها جورج تينيت مدير الـ CIA ولويس فريه مدير الـ FBI إلى قيرغيزيا وأوزباكستان وكازاخستان (نوفمبر 1999)، لا حاجة لبيان طبيعتها، جاءت زيارة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت (أبريل 2000) إلى ذات الدول الثلاث، لتعلن بكل محطة عن تقديم الولايات المتحدة للدعم المالي والأمني لتعزيز قدرات هذه الدول في مواجهة “الإرهاب” وإيقاف مد “الإسلام السياسي في المنطقة، مفتتحة مكتبًا للمباحث الفيدرالية في كازاخستان بحيث يخدم دول آسيا الوسطى”[67].
يلاحظ أن هذه التحركات جاءت في أعقاب التصعيد بين واشنطن وطالبان على خلفية قضية ضرب السفارتين.. إلا إن الإدارة الكلنتية أخذت دفعة شديدة لتفعيل التحالف الإقليمي القائم إثر تفجير الفرقاطة “كول” في مياه عدن أكتوبر 2000؛ إذ اتفق الرئيسان الأمريكي والروسي -خلال اجتماعات، منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي منتصف نوفمبر 2000 – على تكثيف الجهود لمواجهة الأصولية الإسلامية في آسيا الوسطى، وقطع مصادر التمويل عن طالبان وأسامة بن لادن، بل إن زيارة كلينتون إلى كل من الهند وباكستان مارس 2000 عُنون لها لم بعنوان “الأمن قبل كل شئ”[68].
إذا كانت الكثير من الحساسيات حٌَجمت من كثافة الدور الأمريكي، فإن إسرائيل الحليف الاستراتيجي -وبطرائق خاصة- كانت أكثر نفاذًا وتنفيذًا للغايات المضادة للمد الإسلامي في المنطقة. فلا يخفي أن إسرائيل سعت مبكرًا إلى ولوج المنطقة عبر تركيا، إلا إن خطها المباشر غير الضوضائي كان أكثر فعالية بالنظر إلى امتداداتها اليهودية المنتشرة هناك، وقدرتها على اللعب بورقة “المعبر” إلي الدفء الأمريكي، علاوة على صلاتها الشخصية الظاهرة والمورَّاة بأكثر القيادات في هذه المنطقة.
التفاصيل يضيق بها هذا المجال؛ إذ تتعدد أوجه النشاط الإسرائيلي وآليات التحرك في كسب الولاءات واختراق الصفوف، والقفز على المحاور المختلفة وتشكيل الجبهات ضد الخصوم.. فيما يعرف باستراتيجية “شد الأطراف” التي أسسها ابن جوريون منذ الخمسينيات. ومن ثم يمكن رصد إشارات دالة حول الدور الإسرائيلي في تثبيت دعائم الهلال المذكور كما يلي:
– ففي روسيا وبالنظر إلى حاشية الرئيس بوتين ورجال الأعمال المحيطين به، يمكن فهم تصاعد النزعة المعادية للإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الروسية (الحكومية والخاصة) التي يستحوذ اليهود عليها، وحرصها الدائم على مطابقة الحالتين الشيشانية والفلسطينية أو ما سماه البعض بـ”رش الملح على الجرح الشيشاني”، حتى صار الكثيرون من المسئولين الروس يرددون صراحة أن “خندقًا واحدًا”يضمهم والإسرائيليين في مواجهة “التطرف الإسلامي”[69].
وفي حديثه إلى قناة O.R.T من تل أبيب (القناة الأولى الروسية التي يمولها النائب البرلماني والملياردير اليهودي بوريس بيروزوفسكي) يؤكد وزير الداخلية الروسي فلاديمير روشايلو (6/6/2000) إمكانية القيام بعمليات مشتركة بين الاستخبارات الروسية والموساد “لمكافحة الإرهاب”، والاستفادة من “الخبرة الإسرائيلية الطويلة وإنشاء بنك معلومات وتبادل الخبرات ضد الجماعات الإرهابية”[70].وأخيرًا يلقي أفيجدور ليبرمان –رئيس حزب “إسرائيل بيتا” الجامع ليهود روسيا في إسرائيل– أثناء حوار له في موسكو (نوفمبر 200)، يلقي الضوء على مشروع إقامة “ائتلاف” يضم إسرائيل وروسيا وتركيا والهند –وربما الصين- لمواجهة أممية أصولية إسلامية، الأمر الذي صادق عليه رئيس الوزراء الروسي السابق يفجيني بريماكوف، إذ يدعو إلى “استنفار جهود عالمية” لمواجهة مثلث التطرف الذي تقع رؤوسه في أفغانستان والشيشان وكوسوفا [71].
وعلى الصعيد الصيني، فإن متانة العلاقات العسكرية والأمنية بين بكين وتل أبيب، والأنباء عن الدور الإسرائيلي في تعزيز الأمن الصيني تجاه مسلمي الإيجور، لم يعد خافيًا.. بل إن التحذيرات الأمريكية راحت أدراج الرياح أمام الإصرار الإسرائيلي على بيع الصين تكنولوجيا عسكرية أمريكية متطورة؛ الأمر الذي تجلي بخصوص طائرة الاستطلاع طراز “فالكون” خلال النصف الأول من العام 2000[72]. إلا أن الطفرة الحقيقية تمثلت في الدرجة التي ارتقت إليها العلاقات الهندية الإسرائيلية. فالارتباط قديم بين الهندوس القوميين والصهاينة، وإلحاحهم على إقامة علاقات مباشرة منذ الخمسينيات؛ الأمر الذي تحقق منذ العام 1992. هذا الارتباط أخذ دفعة قوية بوصول حزب بهارتيا جاناتا بزعامة فاجبايي المعروف بميله الشديد لإسرائيل إلى الحكم عام 1998. ومن ثم لم يكن مستغربًا مد إسرائيل الهند باحتياجاتها من السلاح والخبرة إبان أزمة كارجيل صيف 1999، في ذات الوقت الذي ورد فيه أن خمسمائة يهودي هندي تم تهجيرهم إلى فلسطين[73]. إلا أن العامين 2000، 2001 شهدا تناميًا مطردًا غير مسبوق في علاقات الدولتين على المحور الأمني؛ إذ شكلتا “مجموعة عمل لمحاربة الإرهاب” عقب زيارة وزير الداخلية الهندي “لال كيشان أدواني” لتل أبيب مايو 2000، الشيء الذي جرى الإعلان عنه رسميًا في زيارة لاحقة لوزير الخارجية الهندي “جاسوانت سينج” لإسرائيل مطلع يوليو 2000؛ إذ دعا نظيره الإسرائيلي للتعاون الاستخباري والنووي “لقيادة العالم في محاربة الإرهاب”[74]، هذا إلى جانب التعاون المتواسع بين الدولتين في سائر المجالات حتى صارت إسرائيل تاسع مستثمر في الهند[75].
– وأخيرًا، فقد كانت إسرائيل أسرع القافزين إلى دول آسيا الوسطى، لنقل علماء الاتحاد السوفيتي السابق إلى مصانعها العسكرية، والحيلولة دون وصول اليورانيوم المخصب الذي تمتلك قيرغيزيا وكازاخستان وطاجيكستان وأوزباكستان كميات غير قليلة منه وإمكانيات إنتاجه، دون وصوله إلى إيران أو باكستان أو العراق أو أي أيد مسلمة. وعليه نشطت إسرائيل -عبر الموساد والشركات والصلات الشخصية، ويهودها المنفرطين في هذه الجمهوريات- إلى احتواء المسارات المستقبلية لها عبر المشروعات المشتركة في كافة المجالات، بما أفضي إلى “شراكات”ثنائية لحصار الظاهرة الإسلامية والتهييج ضدها[76].
الخلاصة:
في مختتم هذا التمهيد، تتأكد المقولة الاستهلالية من أن التجربة الطالبانية وتعاطي دول الجوارين المباشر وغير المباشر معها إيجابا وسلبًا كانت بمثابة إعداد المسرح لحادث جلل أو لانعطافة وعرة، وهذا ما كشفت عنه وقائع اليوم الأمريكي وتداعياته!!

أفغانستان والجوار وأزمة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001
السياسات.. الانعكاسات. الدلالات

بمجرد إعلان الإدارة الأمريكية أسامة بن لادن المشتبه به الأول فيما وقع صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، تحولت أنظار العالم كله من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وانتقلت أفغانستان وجوارها المباشر وغير المباشر إلي بؤرة الاهتمام العالمى، وتبارت محاولات التفتيش البحثي داخل خريطة القوى الفاعلة في المنطقة والمحددات والخلفيات الحاكمة لردود الأفعال، والانعكاسات المحتملة للتعاطي مع الأزمة. وترادفت السؤالات في أعقاب بعضها البعض كلما تقدمت الولايات المتحدة خطوة، بدء ًامن السؤال: “من؟” الذي انقشع بالتحديد الأمريكي إلى السؤال: “لماذا؟” الذي استحال بكائية في بلدان الجنوب غشي عليها هدير الطائرات والمدمرات المتحركة.. إلى السؤال الذي بقي يتجدد ولا يتبدد: “إلى أين؟ ماذا بعد؟”
والحقيقة أن التحليل السابق -الذي هو أدنى إلى التذكرة وتجديد الوعي– أبان عن حالة على وشك الانفجار، وعلى استعداد للتحرك باتجاه مسمى لا يشتمل على الكثير من التنويعات المتمايزة، أو التحفظات ذات الأثر. وهذه هي الخلاصة التي نسعى لاختبارها برصد مواقف أو بالأحرى سياسات الأطراف الضالعة عبر الأزمة ومستجداتها؟ وانعكاسات هذه السياسات على الأزمة بنفسها وتطوراتها –ودلالات كل ذلك على المنطقة ومآلاتها.
ومن ثم يتخذ هذا المبحث منحىً تطوريًا، يتابع المنطقة عبر مراحل ثلاث متتالية، تغطي الفترة من الحادي عشر من سبتمبر إلى الثاني والعشرين من ديسمبر للعام 2001

الجولة الأولي- من الترصد الإقليمي إلي مظاهرة التحالف الدولي
(11/9 – 7/10/2001)

جاء الانقلاب إلى الأمة الإسلامية – بعامة – وأفغانستان ودائرتيها المباشرة وغير المباشر مبكرًا جدًا ومتصاعد الحركة من يوم لآخر. فعشية وقوع الانفجارات في نيويورك واشنطن لوحظت أولى مساعي “الإحالة” التلقائية الممتزجة بنبرات الحفز والتهييج ضمن الخطاب اليهودي للمواساة والتضامن، سواء من شخصيات إسرائيلية أو أمريكية، وفي هذا تزامن أول تلويح من الرئيس الأمريكي بوش بذكر أفغانستان ابن لادن كمتهم محتمل (12/9) مع دعوة هنري كسينجر –وزير الخارجية الأمريكي الأسبق– إلى ضرب أفغانستان ابن لادن على غرار الرد الأمريكي على حادث بيرل هاربور 1941م.
تلك الإشارات والتلويحات استحالت تأكيدات رسمية وإرهاصات تحرك نحو المنطقة سراعًا؛ إذ صرح جون أشكروفت –وزير العدل الأمريكي– لمحطة CNN أن الأدلة “الأكثر جدية” تقود إلى أسامة بن لادن الذي يعيش في أفغانستان، للشيء الذي صادق عليه وزير الخارجية كولين باول ذات اليوم (13/9) مضيفًا أن محادثات أمريكية مع باكستان تجرى بشأن “الرجل” الذي ترى فيه واشنطن عدوها الأول في عالم ما بعد الحرب الباردة.
وهكذا، وعبر قفزات واسعة شهدت الأيام القلائل عقب الحادي عشر من سبتمبر انتقال مجرى الأمور ومدار الجدل العالمي من استهوال ما وقع إلى استشراف ما سيقع، فيما عرَّفته واشنطن بـ”الحرب” على عدو هلامي الذات فضفاض الصفات ذي تسميات متعددة انتهت إلى اصطلاح “الإرهاب” الذي جرى تغليب استعماله لما يحتمله من بُعد عنيف يتواءم مع غاية الرد العسكري التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية منذ اليوم الأول. وعليه، فإن حشودًا متتابعة من الرسائل الخطابية، وحزمًا من القرارات والخطط والتحركات الفعلية المتنوعة نيط بها إعداد أرضية موائمة للتعاطي الاستراتيجي مع ما بدا عالمًا جديدًا، غلب على جمهور المراقبين تعريفة بـ “عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر”، والذي تعد هذه الجولة بسياساتها وانعكاساتها حجر الأساس في تشكيل هيكله وآلياته وعملياته وفواعله وقضاياه، وفي الكشف عن حقيقة مستجداته سيما فيما يتعلق بموضع الأمة الإسلامية منه!
ومن ثم، يدور هذا الجزء من التقرير حول سؤال “الكيفية” التي رتبت بها الأطراف المعنية في الداخل الأفغاني والجوارين أوراقها وحساباتها للإجابة عن السؤال البلاء: أين تقف؟ أو على النحو الذي فرضه به الرئيس الأمريكي: “معنا أم مع الإرهاب”؟ وما وراء هذا السؤال هو رصد الطريقة التي تتفاعل بها أطراف الداخل الإسلامي وأطراف الخارج مع قضايا الأمة التي تبدو مصيرية.

أولًا– الداخل الأفغاني: طالبان والمعارضة الأفغانية

1. طالبان: بين إباء المبدأ ومحاولات إرجاء الحرب

لاشك أن لحظة الإدراك الطالباني الأولى للموقف تجاذبتها قوتان متعارضتان: قوة سكونية –أو قل: قوة سَكينة– تدفع باتجاه الاستماتة علي المبدأ المشهر منذ بدء التجربة الطالبانية 1996 في وجه المطالب الأمريكية بتسليم ابن لادن، والتي ترتكن علي سبق التردد الأمريكي المشار إليه من قبل. وقوة أخرى حراكية تدفع نحو مزيد من التحفز والتعبير عن قدر كبير من الجدية، وربما الإشفاق من التورط في معركة غير محسوبة العواقب، يتعرض فيها وجود الحركة ومصيرها لاحتمالات الزوال. لقد تبدى ذلك عاجلًا في نفي سفير الحركة بباكستان –عبد السلام ضعيف- في ذات اليوم المشهود (11/9) لأي صلة للحركة وابن لادن بالأحداث متعللًا بأن الأخير مقيد الحركة والاتصالات، وأنه والحركة ليسا بهذا المستوى، حتى لو أرادا ذلك[77].
وفي ضوء الحصار الذي تعرضت له الحركة على مدار الفترة السالفة واقتصار تعاملاتها الدبلوماسية والاقتصادية على باكستان من الناحية ذات الاعتبار، فإن آليات تعاطي الحركة مع الأزمة المتصاعدة تكاد تكون اقتصرت على أداة “الخطاب” الذي بدا مأزومًا مشدودًا بين تبريرات المبدأ الذي تستميت الحركة عليه، والسابق التنويه به، وبين محاولات تجنب الآثار السلبية لما حسبته في المبتدأ “ضربة عابرة” ثم استبانت عن قرب أنه “حرب شاملة طويلة…”، وفيما بين هذين الطرفين اشتمل الخطاب على جمل ردع للكافة في الداخل والخارج. على الجانب الآخر غير الخطابي وعلى ضوء الإيماءات المرسلة وتظاهر أكثر الأطراف الإقليمية لتشييد التحالف ضد الحركة، جرت تحركات ضئيلة إلى أن انقطع خيط وصل الحركة مع باكستان، فلم يعد سوى التحركات العسكرية في الداخل استعدادًا لأمر بات مقدورًا.
كذا يلاحظ أن الخطاب الطالباني على الرغم من سمة التردد فيه والممازجة بين الحدة والتجاوب النسبي، فإن جرعة التشدد والتحدي وعبارات الردع فيه تزايدت كلما تكشفت أبعاد النوايا الحقيقية لواشنطن، والتي تدرجت بدورها من مطلب التسليم المنصب فقط علي ابن لادن إلى طلب إغلاق المعسكرات؛ فإرهاصات ثم تأكيدات مسعى إسقاط الحركة نفسها وإحلال نظام “موائم” محلها.
فخلال الأسبوع الأول، تجلت هذه الحالة المترددة من خلال موجة تحد وردع تلقائية؛ إذ هدد ضعيف في اليوم التالي لتصريحه المتبرئ (12/9) بأن أي تفكير أمريكي في توجيه ضربات سيكون خطئًا تتحمل واشنطن عواقبه. ويتوعد متحدث باسم الملا عمر في اليوم الثالث بـ”الانتقام”، ثم يصدر الملا عمر نفسه بيانًا في الوكالة الأفغانية (15/9) -ردًا على إعلان بوش أن ابن لادن هو المشتبه الأول، وتصريح برويز مشرف بموافقة جيشه على استخدام الأمريكان للمجال الجوي الباكستاني– فيعلن عمر رفضه البات تسليم ابن لادن، وأنه سيقاتل “حتى الموت”، داعيًا العالم الإسلامي إلى تحالف مضاد للتحالف الدولي الآخذ في التشكل[78].
وفيما يبدو فإن مسئولي طالبان تلقوا دفعة معنوية للمضي في مسار التحدي والإباء على خلفية اندلاع التظاهرات المتضامنة مع موقفهم، وتلك الرافضة للحرب عامة والتي شهدتها معظم دول العالم بما فيها أوروبا والولايات المتحدة، والتي بدأت في باكستان مبكرة عقب صلاة الجمعة (14/9). فقد راح الملا عمر في بيان لاحق يذكِّر الولايات المتحدة ويتوعدها بأنها ستكون “الإمبراطورية الثالثة” التي تنكسر علي الأعتاب الأفغانية بعد بريطانيا والسوفيت، بل وتوعد دول الجوار برد عنيف في حالة إعانة الأمريكان على الحرب ضد نظامه[79].
إلا أن موجة التحدي التلقائية هذه أعقبتها في نهاية الأسبوع الأول إضافة عنصر “التبرير” و”الحوارية” على الخطاب الطالباني، بالتساؤل حول “الأدلة”، وتعليل الرفض بالتقاليد الأفغانية والإسلامية، وأن تسليم المتهمين لا يكون بمجرد “الاشتباه الأمريكي”، بل أتاحت الحركة –في خضم ذلك– لابن لادن أن يصدر بيانًا (16/9) ينفي فيه أي صلة له بالتفجيرات، مشيرًا إلى كثرة أعداء الولايات المتحدة: “إنني أعيش في إمارة أفغانستان الإسلامية، وقد بايعت أمير المؤمنين على السمع والطاعة في جميع الأمور، وهو لا يأذن لي بالقيام بمثل هذه الأعمال من أفغانستان”[80]. شهد الأسبوع التالي مزيدًا من تدفق القوات والأسلحة والمدمرات، وبدايات تأسيس القواعد الجوية الأمريكية بدول الجوار، وتحول الدفة عن “ابن لادن” منفردًا إلى طالبان أيضًا على ما جاء في تحذير الرئيس الأمريكي (17/9): “إن طالبان ستعتبر مسئولة عن توفير ملاذ آمن لابن لادن،.. إنه يجب أن تأخذ طالبان هذا التحذير على محمل الجد”[81]، ثم توقيع بوش قرار الحربً (19/9) وسط تصريحات رسمية متكاثرة بأن الحرب ستستهدف الدولة التي تؤدي ابن لادن. هذا الأسبوع شهد كذلك تحولًا نوعيًا على السياسة الطالبانية، تمثل في وضوح حالة الحرص على تفادي أو إرجاء الخطر المحدِّق.
ففي نبرة جديدة فعلًا، أعلنت طالبان عن استعدادها للتفاوض حول تسليم ابن لادن، وأنها لا تستبعد احتمال تورطه. وجاء على لسان وزير الإعلام –قدرة الله جمال– (19/9) أن “أي شخص مسئول عن ارتكاب هذا العمل فإن طالبان لن تدافع عنه، كان هذا الشخص أسامة أم غيره”، الأمر الذي صادق عليه بيان للملا عمر في ذات اليوم؛ مصرحًا باستعداده لإجراء مثل هذه المفاوضات في الحال[82].
وعلى الرغم من مواجهة واشنطن لهذا التحول بحائط صد عليه شعار بوش “إن الوقت قد حان للتحرك وليس للتفاوض”[83]، فإن طالبان واصلت تفعيلها لمحاولات التبريد هذه، فوافق الملا عمر على استقبال وفد باكستاني يحمل رسالة تحذير وإثناء من قبل الجنرال مشرف، فيما يبدو أنه كان يكرر المطالب الأمريكية ولم يلتفت إلى المبدأ الطالباني وتبريراته، فعاد الوفد (20/9) كما ذهب.
إلا أنه ما كاد يُعلن عن فشل مهمة الوفد الباكستاني، حتى أقدمت طالبان على خطوة عاجلة ذات مرام؛ إذ دعا زعيم الحركة إلى عقد ما أطلق عليه “مجلس علماء أفغانستان” لاتخاذ قرار بشأن المسألة الراهنة. قصدت هذه الخطوة –من جانب– إلى التصديق على موقف الحركة أمام سائر صفوفها، وإلى تعبئة قوى الداخل المترددة خلفها من جانب ثان، علاوة على التواصل مع فتاوى وتظاهرات الخارج الإسلامي التي دعا بعضها للجهاد إلى جوار الحركة؛ الأمر الذي انتهى بإلقاء الكرة في ملعب ابن لادن: “غادر أفغانستان بإرادتك إن شئت”، ثم حسمه الملا عمر بإعلان تمسكه المبدئي بالرجل: “إن ابن لادن سيكون آخر شخص يغادر أفغانستان حيًا أو ميتًا”[84].
وسعيًا نحو استكمال صفها السياسي أعادت طالبان مناشدة منظمة المؤتمر الإسلامي والبلدان الإسلامية مساعدتها حال تعرضها للهجوم؛ حيث طالب الملا عمر باستراتيجية مشتركة: “إننا يجب أن نتحد ضد أعدائنا الذين يريدون أن يسحقونا لأننا مسلمون”[85]، الأمر الذي لم يلقَ أي صدي؛ إذ كان الجميع منشغلين بتحرير إجاباتهم عن السؤال البلاء الذي أعلنه بوش في خطابه (21/9):”إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهاب”.. بما يعني أن الخطاب الأمريكي نجح في جذب الآذان والأذهان –كعادته أو كعادة متلقيه!
وكما جاء التحذير الأمريكي المباشر لطالبان (17/9) بداية لخط التهدئة في السياسة الطالبانية؛ فقد جاء خطاب بوش أمام الجلسة المشتركة لمجلسي الكونجرس الأمريكي (21/9) دافعًا لخط آخر موازٍ -وليس بديلًا – من إبداء التحدي؛ إذ اشتمل خطاب بوش على مراسيم كبرى حادة منها:
* ضرورة تسليم طالبان – ليس لابن لادن وحده– إنما لكافة المنظمات (الإرهابية) التي تنطلق من أرضها.
* تحذير حكومات العالم بالشعار المذكور أعلاه: “معنا أو…”
* أنها مطالب غير قابلة للتعارض أو المناقشة.
* إعلان الحرب الجديدة التي تُلاحَق فيها أي أمة أو دولة تقدم دعمًا للإرهابيين.
* إعطاء “الإسلام” نفسه تأويلًا يبدو فيه الإرهابيون –كما يعرفهم بوش- “خونة يريدون اختطاف الإسلام”[86].
ترجمت طالبان هذا الخطاب بأنه تحول إلى الإصرار الأمريكي الذي لا رجعة فيه عن خوض الحرب؛ فأزاحت خطاب المهادنة شيئًا ما أو شاكلت عليه؛ ليعلن عبد السلام ضعيف استعداد الحركة لإعلان الجهاد على كل من يهين الإسلام، معتبرًا أن تسليم ابن لادن إهانة للإسلام والشريعة[87]. ومن الواضح أن غاية “إسقاط طالبان وإحلال نظام آخر محلها” لم يكن قد استقر الرأي عليها في ترتيبات الإدارة الأمريكية، الأمر الذي تواترت التلميحات والتصريحات من المسئولين الأمريكيين والأوربيين عليه: فبوش يريد ابن لادن حيًا أو ميتًا، “وأن لا تفكير لدى إدارته بشأن نظام الحكم في أفغانستان”، ويؤكد وزير دفاعه نفس الأمر، بل ويقترح كولين باول عشية خطاب بوش الأخير محاكمة ابن لادن خارج الولايات المتحدة[88]، لكن نهاية الأسبوع الثاني حملت بوادر هذا الفكر خاصة عبر الاتصالات الأمريكية والأوربية والإقليمية الواصلة بين أجنحة المعارضة الأفغانية في الداخل والخارج.
إزاء ذلك تحركت طالبان، فأعلنت حظرًا جويًا علي أثره أسقطت طائرة تجسس أمريكية في إقليم سمنجان الشمالي (22/9)، ودفعت نحو (25-30) ألف مقاتل إلى الجبهة الشرقية؛ حيث حدودها مع باكستان التي مضت في سبيل دعم التحرك الأمريكي، ونحو الشمال؛ حيث خط المواجهة مع المعارضة الشمالية سيما على حدودها الأوزبكية، وانطلق خطابها التحذيري إلى كافة أطراف المنطقة.
وجه وكيل أحمد متوكل –وزير الخارجية– رسالة تحذير قاسية إلي نظيره الأوزبكي فيها على اتخاذ “قرار حكيم” لصالح المنطقة؛ محذرًا من “أن الشعب الأوزبكي سوف يخبر حكومته لكي تنأى بنفسها عن مثل هذه الحرب التي لن يكون من السهل عليها الخروج منها.. لقد أُسقطتَ الطائرة الأمريكية، وسوف يكون هذا هو قدر كل المعتدين”[89]؛ حيث كانت الطائرة قد خرجت من الأجواء الأوزبكية. وبالمثل راح الملا عمر يرسل النداءات متعددة الوجهات: لطمأنة الداخل ودعوة الأفغان للعودة إلى بيوتهم وأن يمارسوا حياتهم الطبيعية، ولردع الخارج والتأثير فيه حين حذر الشعب الأمريكي بأنه لن يكون بمنأى عن النار التي تسعرها إدارته، ثم راح يسلط جام غضبه على المعارضة سيما “الملك” الذي يحلم بالعودة على “أسنة رماح الأمريكان” على حد قوله محذرًا إياه من نفس مصير الشيوعيين من قبل[90].
وأمام تزايد الضغوط علي الحركة جراء بدء تحرك المعارضة الشمالية منذ نهاية الأسبوع الأول، ثم قطع الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع الحركة اعتبارًا من السبت (22/9) على أساس عدم تجاوب الحركة مع مطالب المجتمع الدولي ممثلًا في مجلس الأمن، كررت طالبان نفسها بخطاب يمزج التحدي بمحاولات تفادي الحرب؛ إذ تتابعت نداءات وزارة الخارجية الطالبانية إلى الأمين العام بالأمم المتحدة وإلى البلدان الإسلامية لإيقاف الإرهاب الأمريكي، وإلي الشعب الأمريكي على النحو السابقة الإشارة إليه.
وإذ أدركت الحركة أن هدف إسقاطها أضحى موثوقًا منه، سعت إلى تدويل قضيتها وإظهارها حربًا على الإسلام نفسه؛ لإبعاد الدقة عنها وفصم نفسها عن ابن لادن، أو سحب آخرين إلى معركتها؛ إذ صدر بيان نسب إلى الملا محمد عمر يتضمن شروطًا تعجيزية لقبول الحركة تسليم قيادات تنظيم القاعدة، ومنها: سحب الولايات المتحدة قواتها من الخليج، ووضع حد لانحيازها الواضح لإسرائيل، ووقف تدخلها في شئون الإسلام، “إذا لم يفعل الأمريكيون ذلك فإنهم سيتورطون في حرب دامية ستحرقهم هم وغيرهم دون جدوى”؛ معربًا عن إدراك الحركة مقصود التحالف من إزالة النظام الإسلامي ووضع حكومة موالية في أفغانستان [91]
ودون أن تقطع وتيرة المزاوجة بين خطابي الإباء والإرجاء، ومحاولة إبقاء كافة النوافذ مفتوحة أمامها، مضت طالبان تعزز من دفاعاتها حول المدن الرئيسة وعلى الجبهات المختلفة، معلنة قيامها بإعداد وتسليح أكثر من مائة ألف شخص، وأن أربعين ألفًا بايعوا القائد الأعلى للحركة على الموت جهادًا ودفاعًا عن “إيمانهم” [92]؛ بما يعبر عن تحول الحركة إلى حالة التعبئة الحقيقية للحرب واستنفار وحشد كل قواها التي تتمثل أساسًا في “الأفراد المتحمّسين”؛ وبما يعني كذلك ارتكاز الاستراتيجية العسكرية لطالبان على الحرب البرية بالأساس، وحرب المشاة والجبال بصفة أكثر تحديدًا.
جاء الأسبوع الثالث بمزيد من تعقيد الموقف وتأزيمه أمام طالبان، فقد بدت محاولاتها الواهنة للردع أو الإرجاء تذروها الرياح في ظل تعاقب إعلانات كافة دول الجوار المباشر وغير المباشر بقبولها- وأحيانًا بحماس زائد إلى درجة الطلب والاستعجال- للتعاون مع الولايات المتحدة والناتو في العملية العسكرية التي باتت وشيكة؛ الأمر الذي انعكس عاجلًا في إعلان قوات التحالف الأفغاني في الشمال عن تحقيقها نجاحات على الأرض، وفي تزاحم الأنباء والتحركات والتصريحات سيما في الجناح الخارجي السياسي المناهض للحركة من مركزه في روما حول “البديل”، والاتصالات السرية والمعلنة بين الجناحين والمدعومة من الكافة والتي تكللت بالتقاء وفدين من الجانبين في روما (23،24/9) ثم باجتماع رباني مع الأمريكيين في طاجيكستان في نفس الوقت بما أعطى تقديرًا بأن كافة الغرماء السابقين قد اجتمعت كلمتهم- لأول مرة وبصورة غير مسبوقة-على شئ واحد هو الإطاحة بطالبان!!
وفي حين راح أعداء الحركة يتكاثرون ويتحازبون ويتواصون ويتحركون ضدها، فإن البقية شرعت تتبرأ منها وتهرول بعيدًا عنها وتوصد أمامها آخر أبواب الارتباط الرسمي بالخارج. فلحاقًا بالتخلي الإماراتي (22/9) المشار إليه عاليًا، أعلنت العربية السعودية (25/9) قطع كافة علاقاتها بطالبان على أساس أنها جعلت “أرض أفغانستان مركزًا لاستقطاب وتدريب المغرر بهم خاصة من مواطني السعودية نفسها مع استمرار رفضها تسليم هؤلاء المجرمين للعدالة” [93]!! لتأتي الضربة الأشد بإغلاق باكستان سفارتها في كابول وقنصلياتها في سائر المدن الأفغانية وإن أعلنت أنها مجرد تدابير احتياطية وليست قطعًا للعلاقات الدبلوماسية، الأمر الذي علق البعض عليه بأنه يعني أن إسلام أباد علمت بتوقيت الهجوم الأمريكي على أفغانستان [94] .
في ظلال هذه الأجواء الملبَّدة بالغيوم، بدا أن الاستجابة الطالبانية الخطابية بالأساس كانت في سبيلها للتململ، إلا أن الحركة حرصت على استمرار الإعلان عن موقفها وإن كان بلهجة أقل مثلًا إلى صحيفة الأمة الباكستانية (28/9) إجابات نسبت لأسامة بن لادن نفى فيها أي علاقة له بتفجيرات (11/9) محولًا الاتهام إلى الداخل الأمريكي وإلى الاستخبارات الأمريكية أو المنظمات اليهودية المتطرفة التي تبغي إيقاع الفتنة بين الإسلام والمسيحية: “أنا لا أكذب، فلم أكن على علم بهذه الانفجارات، ولا أؤيد قتل الأبرياء، وربما كانت تلك الهجمات نتيجة لعنة صبَّها الله على أمريكا بعدما ارتكبته بحق الرجال والنساء والأطفال من ديانات أخرى، خاصة المسلمين..نحن لسنا أعداء للمواطنين الأمريكيين أو الولايات المتحدة نفسها، ولكننا أعداء هذا النظام الذي جعل الدول الصغرى تحت عبودية أمريكا..هذا النظام الذي يديره اليهود ويمتثل إليه الأمريكيون دون وعي منهم..في الحقيقة كان يجب أن تكون هذه الانفجارات ضد إسرائيل وليس أمريكا”، بل إن ابن لادن ألمح إلى عدم استيائه من موقف الدول الإسلامية الداعم لشن هجوم أمريكي على أفغانستان باعتبارها “مجبرة” على الإذعان..[95].
لم يقف الأمر عند الحد الذي يقدم فيه أسامة بن لادن هذه الرؤية المخالفة صراحة لما سبق أن أعلنه في بيانات الجهاد-سيما أنه منذ العام 1998 أبان تشكيل الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين- بما يشير إلى محاولة شبة أخيرة لتحريك الموقف المأزوم في أي اتجاه أيًا ما كان، بل إنه في الوقت الذي جاءت فيه تصريحات الرئيس الأمريكي حول وجود قوات أمريكية تطارد الإرهابيين داخل أفغانستان وتكرار رفضه أي تفاوض مع طالبان:”لقد سمعوا ما قلته وعليهم التحرك الآن” مشيرًا إلى تعاظم هدفه فوق مجرد القبض على ابن لادن[96]، ومع الإدراك الطالباني لذلك،حين نوهت الحركة بالمشاورات الدائرة بين وزارة الدفاع الأمريكية وتحالف الشمال المعارض للإطاحة بها والارتقاء بسقف التعاون من مجرد النصح ومناقشة الخطط إلى بدء عملية التسليح الفعلية عبر دول الجوار الأفغاني سيما روسيا التي صرَّح رئيسها بذلك فعلًا [97]، على الرغم من ذلك جاء رد الملا عمر على النوايا الأمريكية المشار إليها هادئًا مستبعدًا قيام الولايات المتحدة بهجوم في جملة غير واضحة المغزى: “لأن الولايات المتحدة لا تمتلك أي سبب الهجوم” مع استمرار توجيه التحذير بشدة للقوى التي تساعد أمريكا من الداخل والخارج بأنه سيعتبرها “دولًا عدوّة”[98].
وتواصلًا مع محاولات التعلق بأي قشة، اعتقلت الحركة (28/9) صحافية بريطانية تدعى إيفون ريدلي تعمل بصحيفة الصنداي إكسبريس على بعد (15) كم من الحدود الباكستانية وهي ترتدي الشادور (البرقع الأفغاني)، وإذ نشرت وسائل الإعلام أن الصحافية هذه متزوجة من إيلان هرموش اليهودي الإسرائيلي- العراقي الأصل- العامل بالجيش الإسرائيلي وجدت الحركة الفرصة في محاولة دس أنف إسرائيل في الأمر مما دفع كولن باول إلى إعلان أنه لا وجود لأي مشاركة إسرائيلية في حملة تكوين التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب حتى لا تقع النظم الإسلامية في “الحرج البالغ” إذا وجدت نفسها مع إسرائيل في خندق واحد-على حد تعبيره [99].
وكما سبق أن أشرنا، فإن الولايات المتحدة ودول الجوار الساعية لاقتناص الفرصة نجحت في تسعير حرب إشغال مبكرة ضد طالبان منذ نهاية الأسبوع الأول التالي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ الأمر الذي بلغ مدى عاليًا مع نهاية الأسبوع الثالث حين لاحت بوادر تحول بعض القادة الميدانيين من الدرجة الثالثة أو الأقل إلى المعارضة، الأمر الذي صدقت الحركة على بعضه بأرقام متدنية منذ أواخر سبتمبر. ومن ثم فإنه مع مطلع أكتوبر كانت الحركة قد شرعت في القتال فعلًا! فأمارات التمرد في بعض المدن والمقاطعات تتبدى مع قيام إسماعيل خان-القائد الشيعي الهارب من سجون طالبان أوائل عام 2001-بقيادة مجموعة من المتمردين من الجهة الشمالية الغربية تحت مظلة دعم إيراني له جذوره، وتحت معاونة أمريكية من الجو بقوات الكوماندوز لاستطلاع مواقع طالبان الأمامية، فيما كانت الحركة على الجبهة الأخرى ترسل أرتالها في ظل تقدم محدود لقوات الجبهة المتحدة.
إذن فقد بدأت المعركة ولما تطلق الولايات المتحدة قذيفة واحدة؛ الأمر الذي أجبر طالبان على التخلي عن تشديد عمليات التمويه وتأمين القتال، واللجوء إلى نشر قواتها على جبهات متعددة في آن واحد وتحريك دفاعاتها الضئيلة نحو مواقع لم تكن تعدها رئيسية، فيما يعد محاولة لتعرية الصدر الطالباني مبكرًا أمام السهم الأمريكي الوشيك.
وفي الثالث من أكتوبر صرحت دوائر أمريكية باكتمال الاستعداد الأمريكي لشن الحرب “المختلفة” على طالبان والقاعدة؛ الأمر الذي دعا صحفًا عالمية مثل “الأوبزرفر” البريطانية إلى توقع الحرب خلال ساعات فيما أكده أحد قادة المعارضة الشمالية من أن “هجومهم-أي المعارضة-سيكون بعد يومين مدعومًا بهجوم جوي أمريكي” [100]. وبالفعل بدأ الكشف الصريح عن النشر الفعلي للقوات الأمريكية في طاجيكستان وأوزباكستان الحدوديتين في وضع الاستعداد للهجوم، وأعلنت باكستان (4/10) إغلاقها المجال الجوي أمام أي طائرة غير مدنية قادمة من خارج البلاد معلنة أن الأدلة التي قدمتها الولايات المتحدة لباكستان بشأن تورط ابن لادن في انفجارات (11/9) تمثل “أساسًا كافيًا لتوجيه الاتهام رسميًا”.[101]
إزاء هذه الحلقة المحكمة والجبهات الآخذة في الانفجار والوضع الأشبه بالعد التنازلي قبل انفجار القنبلة، تضاءلت مساحة الخطاب الطالباني بالنسبة إلى التحركات والإعدادات العسكرية، بإنشاء الخطوط الدفاعية وحفر الخنادق وتجنيد المواطنين وتسليحهم ونصب الصواريخ فوق المرتفعات، وتعزيز القوات على جبهتي الشرق والشمال بأعداد من المتدربين الجدد الذين قدروا بعشرات الألوف، وتعهدت الحركة بشن “حرب عصابات من الجبال” في حالة القيام بالعمل العسكري ضدها. وقد كان لهذا التعهد دلالاته في كشف أبعاد الإدراك الطالباني لموازين القوى ولاحتمالات تطور الموقف؛ فإعلان عزم الحركة على خوض حرب عصابات يعني عدة أمور:
أولًا- أن الحركة أدركت فعلًا أن هذا الحشد الأمريكي الهائل لن يتفرق دون أن يضرب ضربته، وأنها لن تكون ضربات عابرة على غرار ما وقع أغسطس 1998، وأن الحشد الجوي والبري والبحري ينبئ عن نية مبيتة ومكشوفة “للغزو”، وأنه لن يمكن ذلك دون لقاء بري، فيما بدا أنها ركزت فكرها عليه.
ثانيًا- أن الحركة أدركت أنها لن تتمكن من صد هجوم جوي أو قصف بحري إذا استمسكت بالأرض والمدن، وأنه في هذه الحالة ليس لها ملاذ سوى الجبال التي نصبت عليها صواريخها وحركت إليها قدرًا غير ضئيل من أسلحتها، وأن هذه الحرب الطويلة لا تكافئها سوى مقاومة طويلة من هذا النوع المعروف بحرب المستضعفين أو حرب العصابات، فيما يعد إعلانًا مبكرًا عن الاستعداد للتخلي عن الحكم دون التفريط في المبدأ والالتحام الكامل بفريق ابن لادن.
وعلى الجانب الآخر سعت طالبان إلى الدعم الداخلي-بعد فقدانها أي فرصة في الخارج-من خلال عقد الجلسات مع زعماء القبائل سيما قبائل الباشتون، وفتح باب المفاوضات مع الزعيم البشتوني قلب الدين حكمتيار المقيم في طهران، والذي كان الأوحد في إعلان تضامنه مع الحركة إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا عليها، مرسلًا خطابات التهديد المتواترة إلى واشنطن، وإنذارها من أنها ستوحد الجميع وراء طالبان، وأن رجالها في الداخل وفي روما منبوذون من قبل الشعب الأفغاني[102]، كذلك سعت طالبان إلى المزيد من إثارة الجماعات والأحزاب الإسلامية الباكستانية للضغط على حكومة مشرف، والتي كانت تواجه مظاهرات يومية في بيشاور وكراتشي وإسلام أباد تندد بالتوجه الذي انتهجه مشرف.
في هذا الآن وصل الخطاب الطالباني المتضائل إلى آخر مطافه ردًا على بيان بوش (6/10): “إن الوقت يضيق أمام طالبان وستدفع الثمن ومعها المنظمات الإرهابية”[103]، فقد جاء رد الملا عمر نفس اليوم طارحًا خط التحدي السابق بعيدًا في دعوته واشنطن إلى إغلاق ملف التحقيق ومن ثم الحرب؛ “لأن الذين فعلوها قتلوا أنفسهم وأن لا أحد ينتحر بأمر من آخر ومن أجل آخرين”[104].
كان هذا الخطاب آخر المطاف؛ ففي اليوم التالي بدأت الجولة الثانية حين نزل اللاعب الأمريكي إلى حلبة الصراع العسكري الدائر فعلًا، وذلك مع طلائع القذائف الأمريكية على كابول مساء السابع من أكتوبر 2001.
وفي ختام متابعة الموقف الطالباني خلال هذه الفترة العصيبة يتبين فعاليات هذه السياسة الطالبانية انعكست على تطورات الموقف انعكاسًا ضئيلًا؛ إذ لم يبد أن أحدًا من الأطراف المعنية قد استمع جيدًا إلى خطابها أو اهتم بردود أفعالها اهتمامًا مؤثرًا؛ فقد أبان التحرك الأمريكي المبكر نحو أفغانستان عن غاية أمريكية وعي الجميع مغزاها المباشر والقريب، وتصرف على أساس التعاطي معها دون النظر في أبعاد موقف الطرف المقابل..
هذه السياسة وانعكاساتها الخافتة إن دلت على شئ فإنما تدل على حقيقة هامة فيما يخص التجربة الطالبانية تحديدًا والأمة الإسلامية بعامة: مفادها أن تعدد الرؤوس المتزعمة في كيان أو نظامٍ ما يسهم بلا شك في إفقاده القدرة على انتهاج سياسة ذات أهداف وخطوط وأدوات محددة، بما تبدي في التحالف الطالباني مع الأفغان العرب منذ مطلع تجربة الحركة في الحكم..فقد تحملت الحركة مغبة ونتائج المعركة الموقدة بين ابن لادن وجماعته وبين الغرب سيما الولايات المتحدة الأمريكية، ونتائج عمليات-فيما يبدو-لم تكن موضوعة ضمن استراتيجية معدة تشتمل على ردود أفعال مكافأة لاحتمال تحركات الأطراف المناوئة. وعليه فإن طالبان تتحمل تبعة تضارب غايتها بين بناء الدولة والسعي للحصول على الاعتراف الدولي وفرض هيمنتها على سائر الأراضي الأفغانية والتخلص من أعباء الحصار الاستراتيجي المتظاهر على رميها عن قوس واحدة من جانب، وبين غاية الاستمساك بتحالف مع جماعات تصدر البيانات وتشكل الجبهات للتورط في حرب لا طاقة لها بها. إن صورة تلك الحقيقة انعكست بجلاء على مرآة الخطاب الطالباني على نحو ما سبق إيضاحه.
وعلى الجانب الآخر يتحمل فقه الأفغان العرب-حتى لو لم يكونوا وراء الأحداث الأخيرة-مسئولية العجلة التي حذر الشرع الحنيف من الانزلاق إليها، وسيما في سبيل العلاقة مع المناوئين من غير المسلمين حال استضعاف وذلة المؤمنين على النحو الذي لا يختلف عليه اثنان حاليًا، وذلك كقوله-سبحانه وتعالى- )فلا تعجل عليهم( (مريم: 84)، )يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200)، فالأمر بالصبر يشتمل على نهي عن العجلة، والصبر نصف الإيمان، وهو فضيلة يعاني المسلمون الأمرين لقاء عدم التقائهم عليها، ولا يحسبن أحد أنها أخلاقيات وقيم غريبة عن السلوك السياسي، فهي في الصميم منه، سيما في فهم الأزمات وآليات إدارتها.
فالاستعجال والتهور كالجبن والتردد كلاهما آفة النصر والإنجاز، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذا الأمر نستدل عليه من النص المبين في هذه الحال وهو قوله -تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم…) (الأنفال: 60)، فعناصر الإعداد والاستطاعة تجلي قيمة الصبر وأن الجهاد يسقط للعجز على نحو ما أجمع عليه السلف، وأن العلماء ذكروا أيضًا أنه “إذا لم تقع النكاية في العدو وجب الانهزام لما في الثبوت في فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، قد صار الثبوت هنا مفسدة محققة ليس في طيها مصلحة “على ما نقله البوطي في (فقه السيرة) عن العز بن عبد السلام، وعلى ما يفهم من فقه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا، وقد أوردت هذه الدلالة هاهنا وقبيل متابعة الجولة الثانية البادئة بالحرب، مع تساوي الاحتمال عندي بوقوع الهجمات من قبل رجال أسامة بن لادن وبعدم هذا؛ وذلك أنه بعد أن يقع القدر يبطل اللوم، ويكون قول المؤمنين إذ ذاك “قدَّر اللهُ وما شاءَ فَعَل” والسعي إلى إصلاح ما فسد بالحكمة والموعظة الحسنة وبالذود عن حياض المسلمين، وليس بالوقوف عند حدود التأنيب المثبِّط وإعانة شياطين القنوط والإحباط على المسلمين..وهذا من فقه النصيحة المهجور والذي يجب الالتفات إليه، وخاصة في ظل الهرولة الطائشة إلى “التبرؤ من المسلمين” بما يعني في الأصول “تكفيرهم وإخراجهم من الملة” بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير، وذلك ضمن حملة نابعة من بين ظهراني الأمة للاعتذار للآخرين، في حين أن السُّـنَّة في هذا الحال هي: الاعتذار إلى الله U -لا إلى غيره- مما “فَعَلَ المسلمون من معصية لله”، وأن تكون البراءة من الفِعْل دون التبرؤ من الفاعل المسلم.
وأخيرًا فإن التقويم النهائي للتجربة الطالبانية علاوة على ما يتطلبه من تجرد هو جد عسير، فإنه لابد أن ينبني على أساس ومعايير تأخذ في اعتبارها قبل أي شئ أن ثمة مرجعية إسلامية تكتتف معياري الشرعية والمواءمة، وهي الأولى بالنظر والرعاية.

أفغانستان الأخرى: بأيدينا لا بأيدي الأمريكان

بالرغم من الظلال الطالبانية الكثيفة المرسلة على خلفية المشهد الأفغاني إبان تداعي الأزمة الأمريكية المعولمة، فإن تعقيدات الواقع الأفغاني من كافة زواياه أسفرت عن أكثر من أفغانستان أخرى، عبر عن كل منها فصيل ما أو عدة فصائل. ففيما عدا موقف القبائل التي بدت من قبل قانعة بما آل إليه الوضع تحت إمرة طالبان وأحزاب الانضواء التي سبقت الإشارة إليها، والتي عدت نفسها جزءًا من الشعب الذي سيقع عليه أكثر الضرر دون جريرة أو رأوا ضرورة مساندة طالبان، فإن الضفة الأخرى المناوئة للحركة من قبل والتي شهدت تحولات ذات بال عبر السنوات الخمس الماضية كانت بلا جدال الأكثر فاعلية ومن ثم الأولى بالمتابعة والاهتمام.
ففي حين آل موقف قلب الدين حكمتيار وحزبه (حزب إسلامي) وكثير ممن عُرفوا بـ”لوردات الحرب” إلى الحياد والكمون ومراقبة التطورات، فإن المناهضة الحقيقية للحركة تواصلت من جهتين: من معسكر تحالف المعارضة الشمالية ذي الأجنحة الخمسة، والذي انضم إليها مؤخرًا إسماعيل خان على ما أشير إليه عاليه، والذي تميز بنهج المواجهة العسكرية، ومن فريق عاودته الروح من قريب وبقوة على ضوء الأزمة الطالبانية-الأمريكية منذ 1996، وهو الفريق الملتف حول محمد ظاهر شاه الملك الأفغاني الأخير المستقر في روما منذ أن جرى خلعه للفعل داخل أفغانستان، هذا في حين بقيت بعض مجموعات أخيرة مذبذبة بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فيما عُرف بـ”أحزاب بيشاور” بزعامة أمثال صبغة الله مجددي -أول رئيس لحكومة المجاهدين المؤقتة عام 1992 -وسيد أحمد جيلاني… والتي بدت أكثر ميلًا إلى معارضة طالبان والسعي للاندساس في صفوف سائر الباحثين عن أي دور أيًاَ كان.
وللوهلة الأولى، فقد عبرت أكثر الفصائل الفاعلة عن إدراكها للأزمة الراهنة على أنه فرصة وإن تفاوتوا في درجات نعتها بالمواءمة، وخاصة مع تصاعد الأمر نحو احتمالات الغزو الأمريكي الشامل لأفغانستان. فالكافة رأت في المأزق الطالباني “فرصة” للضغط على الحركة من أجل مكاسب معينة، غير أن تمايزاتها فيما بعد ذلك تراوحت بها-على مستوى المبادئ-بين ثلاث اتجاهات لم تلبث أن هيمن عليها اتجاه واحد مضى لا يرعوى باتجاه قنص الفرصة.
ففي جانب بدا الأكثر اقترابًا من مؤازرة طالبان جاء خطاب حكمتيار شديد التحفظ على السعي الأمريكي، رافضًا تمامًا كافة صور التدخل الأجنبي، ومحذرًا من عواقب قيام واشنطن بمهاجمة أفغانستان على نحو ما أشير إليه أعلاه، بينما على الجانب الآخر جاء خطاب ظاهر شاه وأنصاره معربًا عن رغبة عارمة لاقتناص الفرصة المواتية وهرولة تلقائية جامحة للانطباق مع التوجه الأمريكي بل وتقديم ذاته كبديل أول يبشر بالنهاية الطالبانية في القريب العاجل؛ الأمر الذي تضافر على تعزيزه كافة الفرقاء الغربيين سيما الناتو والأمم المتحدة وممثلي الاتحاد الأوروبي الذين تحركوا نحو هذا الفريق منذ اللحظة الأولى.
فيما بين هذين الطرفين المتباعدين جاء الموقف المبدئي لتحالف الشمال الأفغاني شديد التوتر على خلفية احتوائه على توجيهات متباينة: بين حرس قديم ذي ماضٍ يمثله رباني وعبد رب الرسول سياف، وبين جيل صاعد تربى في كنف أحمد شاه مسعود وورث عنه توجهه البراجماتي المعروف وهو الجيل الذي قاده بعد مصرع مسعود ثلاثي (فهيم-عبد الله-قانوني). وفيما بدا الأخيرون أكثر تحديدًا وحدة في الاقتراب من معسكر روما بزعامة ظاهر شاه، فإن موقف الرئيس المخلوع بدا شديد التضارب كثير التراجع: فيبدأ برفض تام للنوايا الأمريكية المعلنة ثم لا يلبث أن يعرب عن تأييده التام لها، وينفي وجود أي اتصالات لفريقه مع الأمريكان، وإذا به توًا يعقد اجتماعًا عسكريًا مع وفد أمريكي في طاجيكستان، ويشدد على إنكاره تلقي أي مساعدات من أي طرف خارجي ثم هو لا يستحيي أن يطلبها علانية في اليوم التالي ضمن إعلان رئاسي عقب اللقاء الثلاثي الذي جمعه والرئيسين الروسي والطاجيكي في دوشنبه [105].
حقًا، إذا كان أكثر مجاهدي الماضي قد خسروا أمام طالبان وأمام آفاقهم الضيقة خسرانًا بسيطًا آل بهم إلى الخارج قليلًا عن دائرة الضوء والتأثير، فإن الرئيس الذي أزاحته طالبان آثر إلا أن يخسر خسرانًا مركبًا يمضي به في سبيل الأفول التام والتلاشي.
وفي هذا السياق فإن الجزء الأول من الجولة-وحيث لم تكن الأهداف الغربية قد اتضحت تمامًا-شهد تصاعدي الارتكاز على فريق روما بشكل شديد الكثافة. وإذا كان دور هذا الفريق ولاقته “عودة الملك السابق” فيما قبل الأزمة الراهنة كان بمثابة ورقة ضغط وتهديد غربية ضد طالبان لا أكثر، إلا أنه عقب الحادي عشر من سبتمبر فإن هذا الدور أخذ منحى أكثر جدية وخطورة. ففي وقت مبكر تكشف صحيفة “نيو إنترناشيونال” الباكستانية (16/9) عن مشاورات تجرى بين الناتو وبين ظاهر شاه وأعوانه لتنفيذ مخطط يهدف إلى عودة الأخير كملك أو كحاكم –بأي صفة- عقب إسقاط نظام طالبان وذلك تحت شارة “إنقاذ الشعب الأفغاني من المعاناة المستديمة التي تعرض لها على يد الشيوعيين سابقًا وحركة طالبان حاليًا”..الأمر الذي تكاثرت التعليقات الأولية على أنه ينذر بحرب أهلية في ضوء عدم تمتع ظاهر شاه وأنصاره بشعبية ما، سواء بين الباشتون الذين ينحدر شاه منهم أو بين سائر العرقيات، بما حدا بأنصاره إلى التراجع الإعلامي المؤقت بأنه:”إن كان الملك المخلوع دور فسيكون كمنظم لاجتماع كبار الزعماء القبليين: لويا جركا، والذي سبق أن دعا لانعقاده منذ العام 1996″[106].
بيد أن التحالفات الفرعية في إطار التحالف الدولي بزعامة واشنطن كانت بسبيلها للتشكل سرًا وجهرًا، فيصرح فرانسيس فيندريل -مبعوث الأمم المتحدة الخاص بأفغانستان عقب اجتماع مع ظاهر شاه (23/9) بأن الأخير قد يقوم بدور “رئيسي” في تشكيل حكومة محتملة، فيما جاء مردوده عاجلًا بلقاء ظاهر شاه ووفد عن تحالف الشمال في ذات الأسبوع يرأسه محمد يونس قانوني -وزير داخلية حكومة رباني- حيث دار الحوار حول الكلمتين اللتين صارتا عنوان المسيرة: “العودة” و”الحكومة الائتلافية”. ومن الجدير بالذكر أن رباني كان قد صرح قبيل هذا اللقاء مباشرة برفضه البات للبديل الظاهري بكل وضوح:”يعود كمواطن…”، إلا أنه ما لبث أن صدق بنفس الدرجة من الوضوح والحماس على ما انتهى إليه القادة الجدد، فيما يقدم مؤشرًا قويًا على تحول معارضي الداخل إلى التوحد مع التيار الاقتناص الذي اطمأن إلى أن لا طاقة به لإنجاز شئ يذكر إذا ما بقى مترددًا أو متحفظًا على المطاوعة لغايات التحالف الأمريكي.
عدة سيناريوهات طرحت على أطراف حديث هذه العودة أبانت عن جدية هذا التحول وعن قدر كبير من الثقة في القدرة الأمريكية على الإسراع بإزاحة طالبان والتخلص منها ربما أكثر بكثير مما بدا من الأمريكان أنفسهم، الأمر الذي لم يخل بدوره من طرافة من طرائف الواقع الأفغاني ومخازيه سيما في مشهد “المذبذبين”…إذ نرى سيد أحمد جيلاني-زعيم الجبهة القومية الأفغانية وأحد كبار مؤيدي ظاهر شاه-يشدد على أن الأخير لن يدخل كابول على أكتاف الأمريكان “حتى لا يستفز مشاعر الشعب”؛ معتبرًا أن “أكتاف الأمريكان”-هاهنا-هي أن يدخل الملك السابق في طائرة أمريكية، على حين يأخذ على رباني أخذة شديدة بحجة أنه من العار على رباني الوصول إلى الحكم عن طريق قانونية”[107].
هكذا يقرأ الأفغان واقعهم وتتحكم بالسراة منهم الأهواء والظنون، إلا أنه مما يزيد الأمر طرافة أن يعقب ذلك بأيام ثلاثة تصريح لظاهر شاه (23/9) بقبوله التدخل الخارجي الذي “ليس هو الأمر الهين، ولكن يمكن قبوله لفترة مؤقتة من أجل مصلحة الشعب الأفغاني”، وذلك في خضم تحركات ما عرف بـ”مجلس شورى التفاهم الأفغاني” المنبثق عن مكتب روما لدفع جهود المصالحة بين مناوئي طالبان، والذي علق رئيسه حيات الله بغير مواربة: “إننا نعمل مع المجتمع الدولي للقضاء على الإرهاب وإيجاد حكومة موسعة تضمن حقوق الشعب”[108].
وبعيدًا عن الطرافات المدهشات، فقد اضطلع هذا النفر بأشد المهام الفارقة في هذا الهم الأفغاني الإسلامي،ألا وهي التطوع لإسباغ “الشرعية الأفغانية” على الغزوة الأمريكية المزمع القيام بها والتهييج ضد الطالبان ليسهل الانتقام الأمريكي منها بنفس الدعاوى التي أطلقها الغرب ضد الحركة من قبيل التطرف والإرهاب، وأسر الشعب الأفغاني وراء قضبان التشدد والأصولية، وذلك دون تحفظ ذي بال يتجاوز الإطار الاستدراكي العام الذي استوت فيه كافة الأطراف. غير أنه من ناحية أخرى فإن استدراكات المعارضة الأفغانية بدت ذات أهمية من نوع خاص؛ إذ جاءت في الأغلب كنصائح ترسم الطريقة المثلى التي ينبغي لواشنطن وحلفائها أن تتبعها للإجهاز على العدو الطالباني، وذلك على النحو الذي أطلقه ظاهر شاه نفسه “بأيدينا لا بالأمريكان” مؤكدًا أنه أمر تم الاتفاق عليه بين فصائل المعارضة الأفغانية [109].
وعليه لم يكد سبتمبر ينقضي حتى تكشفت التحركات الأمريكية الجادة باتجاه فصيلي المعارضة هذين اللذين ذهبا يعرضان خدماتهما بحماس كبير حتى بدا الأمر وكأن الولايات المتحدة قد ارتدت قفازين أفغانيين: أحدهما للقتال المسلح بالوكالة، والآخر لترتيب الأوضاع السياسية للضغط على طالبان أو إزالتها والإعداد لشغل الفراغ من بعدها. فمن ناحيته شد ظاهر شاه وفريقه على أيدي الأمريكان في لقاءاته المتكررة بممثليهم، كاجتماعه بالقنصل الأمريكي لدى إيطاليا-وليام بوب-الذي أكد على ضرورة عودة الملك “للمساهمة في خلق الأجواء المناسبة نحو استعادة الديمقراطية ولإحلال السلام والاستقرار”، ثم استقباله (29/9) لوفد أمريكي لذات الغرض الذي أعرب عنه رئيس الوفد-آل سانتولي، مستشار الأمن القومي في الكونجرس الأمريكي-بالسعي إلى “تكوين حكومة وحدة وطنية لكي يتم القضاء على شبكات الإرهاب”[110].
بدا هذا الجزء الأول من هذه الجولة الفاصلة أو بالأحرى الواصلة بين اليومين: الأمريكي والأفغاني، أكثر مواتاة لفصيل روما، إلا أنه على الناحية الأخرى سريعًا ما أفاق تحالف الشمال من الهزة السياسية والعسكرية التي أصابته إثر اغتيال متزعمه العسكري وربما الفعلي أحمد شاه مسعود (9/9)، ليندفع تيار “ابتهال الفرصة” يؤجج الجبهة القتالية منذ نهاية الأسبوع الأول عقب الحادي عشر من سبتمبر، موسعًا من تحركاته الدبلوماسية نحو كافة الأطراف في الجوار وفي الغرب. بل وقبل أن تتراءى أبعاد وحقائق الموقف الأمريكي بشأن التعاون مع هذا الفصيل، فإن وزير خارجيته -عبد الله عبد الله- يبادر (21/9) بأشد عبارات الموالاة للأمريكان فجاجة وفظاظة بالإعراب عن “استعداد الجبهة للتعاون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد طالبان..” بل “ووضع كافة إمكانياتهم من مقاتلين وخبرات عسكرية في الأراضي الأفغانية تحت تصرف القوات الأمريكية”، على حين يبدي البعض ضمن هذا الفصيل تخوفاته من احتمالات ألا تكتفي واشنطن بمجرد التعاون معهم، وأن تسعى لاستغلالهم كـ”ناقلة” لغزو أمريكي تلمح إليه الحشود المتوالية حول أفغانستان[111].
حقًا، لقد عبر هذا المشهد عن أبشع انعكاسات الحادي عشر من سبتمبر على الأمة المسلمة؛ حيث يشفق نفر من المنتسبين إلى الإسلام وأمته ألا يلتفت إليهم الغازي المعتد بتفوقه حين يمدون هم إليه يد الصداقة والموالاة والمعاونة ضد آخرين منسوبين -أو على الأقل- محسوبين على الملة والأمة، في الوقت الذي يبقى من خارج الأمة من ينتفر وينتفض يوميًا للدفاع عن الأخيرين على أساس أنهم لم يتعدوا-في أسوأ الحالات-كونهم: “مهتمين بغير دليل فعلي معلن، وضعفاء معدمين عرضة للانتقام الأعمى”!!!
وهكذا تدفقت المسعِّرات العسكرية والمؤازرات المعنوية من قبل دول الجوار الكبرى سيما روسيا ومن الجوار الإسلامي المباشر وخاصة طاجيكستان ذات الارتباط الإثنى والجغرافي بهذه الفئة، وبطريق غير مباشرة من الكافة، سيما القيادة الباكستانية التي وإن مثلت أكثر المتحفظين على دور هذا الفصيل ظاهرًا؛ فإنها كانت على مستوى الفعل الداعمَ الحقيقيَّ له منذ إعلان مشرف سماح حكومته وجيشه باستخدام الطيران الأمريكى للأجواء الباكستانية مما دفع طالبان إلى إعادة نشر وتوزيع قواتها لتتخلخل العديد من خطوط دفاعاتها ونقاط تمركزها؛ الأمر الذي صب في صالح هذا الفصيل فتوالت بيانات قادة أجنحته سيما دوستم وفهيم عن تقديم قواتهم وتمكنها من الاستيلاء على قطاعات وممرات استراتيجية هامة ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة إضافة إلى أعداد من الأسرى الطالبان…[112]
ومع مطلع أكتوبر بدا للكافة أن فكرة القفازين باتت حقيقة ماثلة وفاعلة؛ إذ نشبت المعارك المبعثرة في شمال ووسط وشرق وغرب أفغانستان؛ لتجد طالبان نفسها منساقة مبكرًا إلى حرب أهلية-دولية متعددة المحاور تعرِّض استراتيجيتها-القائمة على الرهاب الأمريكي من بر أفغانستان-لضربة قاصمة..في حين تجد الولايات المتحدة من الأفغان أنفسهم أكثر وأسرع مما كانت تحلم به لإحداث تمرد داخلي ضد طالبان!!
الكل ضد طالبان، أو طالبان في مواجهة الجميع. لم يكن ثمة استثناء يذكر على الصعيد الأفغاني سوى ما مثله موقف قلب الدين حكمتيار الذي توعد بالتعاضد مع طالبان حال وقوع الغزو الأمريكي، الشيء الذي أرجعه بعض المراقبين إلى ما هو معروف عن قناعات الرجل الفكرية والمتقاطعة كثيرًا مع نهج طالبان والأفغان العرب، والمرتبطة بعدائه المتبادل والجذري تجاه واشنطن، في حين عزاه آخرون إلى سعي حكمتيار لاستعادة شعبيته البشتونية واهتبال الفرصة للعب دور في ترتيبات ما بعد طالبان[113].
وإجمالًا، فإن اتجاه ميزان هذه القوى رجّح كفة القفازيْن اللذين اندفعا بكل طاقتيهما في رهان غير محسوب العواقب تحت لافتة:”من يخطف أفغانستان؟” الأمر الذي كانت انعكاساته هي الأشد وطأة-إضافة إلى الموقف الرسمي الباكستاني-وكانت دلالاته هي الأهم عبر الجولة برمتها، إلا إن الدلالة الكبرى لهذا الجانب من التعاطي الأفغاني والمحسوب على أمة الإسلام برزت في مدى خطورة وجسامة تغييب المرجعية والأبعاد العقدية والأممية وموجبات الولاء والبراء وحدودهما، والتخلي المتعمد وعدم الاكتراث بفقه الضرورات (الأزمات) وكيف تقدر بقدرها، وفقه المآلات وارتباطاته بتراتبية المقاصد العليا؛ جريًا وراء منافع عاجلة تعلوها مضار هائلة، وثارات تنم عن عقلية الانفعال والجمود والوهن..نعم إن طالبان تخشبت إزاء ما رأته مبدءًا إلى آخر المطاف معززة حجتها بما قال به عقلاء الغرب نفسه من حرمه العقاب الجماعي أو المؤاخذة بغير بينة، دون البحث عن بدائل استدراكية، إلا إن تذبذبات ثم اندفاع المعارضين في الاتجاه الآخر بهذه الصورة الارتجالية أشبههم والأمة من بعدهم بطفل يعبث على طاولة الكبار!

باكستان: المأزق الأخطر والخاسر الأكبر

إذا لم يكن طرف ما قد سلم من الحرج والحيرة، فإن باكستان بلا جدال كانت الأكثر من غيرها تعرضًا لمأزق رهيب: مأزق خيارات تتنافس في درجات الصعوبة والإحراج، سيما عقب إظهار واشنطن توجهها الواضح والعاجل لتنفيذ ضربة عسكرية مؤثرة ضد حركة طالبان بالاعتماد بصفة أساسية على التعاون مع باكستان. وإذا ما كان هذا التوجه قد تحدد أمام العالم في نهاية الأسبوع الأول من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإن الحقيقة أن اليوم التالي للحدث شهد أولى تلميحات كولن باول الجادة إلى المحادثات مع باكستان على نحو ما سبق ذكره، ثم ما لبث التوجه الأمريكي أن استحال قرارًا لا يضع أمام إسلام أباد سوى خيارات محدودة جدًا زادتها طبيعة الداخل الباكستاني محدودية، بما أوقف كافة الفرقاء الباكستان على المحك الأخضر من نوعه!
وعلى حين نوعت سائر الدول في ردودها على السؤال الأمريكي-البلاء:”معنا أم مع الإرهاب؟” بما وازن بين القيادات والقواعد الشعبية، فإن باكستان آثرت على صعيد الأطراف الفاعلة أن تنقسم على نفسها بين الطرفيين البعيدين.
ففي ناحية قاصية وقفت السلطة الحاكمة برئاسة الجنرال برويز مشرف الذي أكد منذ اليوم الثالث(14/9) على “التزام بلاده بتقديم التعاون الكامل” لواشنطن، ثم أكده باسم الجيش(15/9) بالموافقة على طلبات أمريكية محددة كإغلاق حدود باكستان مع أفغانستان، وقطع إمدادات الوقود عن طالبان، والسماح باستخدام الأجواء الباكستانية، ومشاركة الولايات المتحدة في المعلومات الاستخبارية..الأمر الذي عزاه البعض إلى أن الولايات المتحدة لم تقدم رسميًا على طلب المساعدة من أحد قبل باكستان حتى حلف الناتو، علاوة على أن طلباتها من باكستان كانت أكثر حدة وتحديدًا.
وعلى الجانب الآخر تراوحت المواقف غير الرسمية بين الهدوء الحذر والهياج الرافض؛ إذ أدرك الجميع أنها لحظة فارقة، فراح القوميون في أحزابهم والنخبة المثقفة عبر الصحف يحثون الجنرال مشرف على الحذر في إعادة رسم السياسة الخارجية لباكستان، خاصة بعد أن حذرته طالبان من مغبة معاونة الولايات المتحدة، بينما اندفعت الأحزاب الدينية إلى الطرف الآخر البعيد: الجهاد إلى جانب طالبان لرد العدوان الأمريكي إذا وقع!
قديم باكستان وماضيها القريب يزيدان الأمر تعقيدًا سيما فيما يتعلق بالنظام الحاكم والمتمحور حول شخصية الجنرال مشرف. فالحكومة الحالية جاءت عبر انقلاب ضد حكومة نواز شريف (12 أكتوبر 1999) على ضوء اتفاقه مع الولايات المتحدة للانسحاب من كارجيل ودراس في قسم كشمير الواقع تحت سيطرة الهند. إذ ذاك طفت على السطح صورة وشخصية رئيس أركان الجيش الباكستاني (الجنرال برويز مشرف) الذي انضم إلى شريف إبان محاولته السيطرة على تداعيات الأزمة، باذلًا جهدًا واضحًا لإسكات التململ في الأوساط العسكرية بعد أحداث كارجيل. في هذا الآن أصدرت الولايات المتحدة (22/9/1999) تقريرًا بادي الانحياز إلى نواز شريف؛ إذ يتضمن التحذير الصريح من التفكير في إزاحة حكومته المنتخبة، في إشارة ظاهرة لمعارضتها قيام انقلاب عسكري صد نواز شريف، إلا أنه سرعان ما حسم الجنرال الموقف مرة ثانية لكن في الاتجاه المضاد.
وعلى الرغم من معارضة الولايات المتحدة الأولية البادية للعيان للانقلاب ومسارعتها بفرض عقوبات جديدة على باكستان (15/10/1999) إلا أنها كانت في الحقيقة إجراءات رمزية؛ إذ شملت مساعدات لا تتجاوز (5.2) مليون دولار سنويًا فيما لا يشمل المساعدات الإنسانية وقروض المصارف الأمريكية إلى الحكومة الباكستانية. ومع التحولات المتوالية التي أبانت بالأساس عن قناعات السلطة الجديدة التي بدت متوائمة مع المزاج الأمريكي نسبيًا سيما في قضية كشمير والعلاقات مع الهند من جهة، والتوجه نحو الأصولية الإسلامية وأحزابها من جهة أخرى..شرعت واشنطن في التجاوب مع الحكم العسكري لباكستان مخففة من نبرة معارضتها المبدئية له أو الضغط عليه اللهم إلا فيما يتعلق بمسألة طالبان وأسامة بن لادن التي ظلت الحائل الأكبر أمام استواء هذه العلاقات؛ إذ ترددت إسلام أباد في التعاون مع واشنطن في هذا الصدد منذ العام 1998 عقب حادث السفارتين وإلى أن وقعت الأحداث الأخيرة.
كانت باكستان أولى الدول التي شهدت تصاعد التظاهرات الواسعة في مختلف المدن والمقاطعات تعبيرًا عن معارضة التوجهات الأمريكية نحو أفغانستان، الأمر الذي يعني اشتعال المواجهة مبكرًا بين النظام الحاكم والشارع الباكستاني الذي استحوذت عليه الأحزاب الدينية، وذلك منذ الرابع عشر من سبتمبر فصاعدًا. إن اختيار مشرف التجاوب الكامل بلا أي تحفظ ذي بال مع واشنطن في محاربة ما سُمي بالإرهاب كان يعني فتح النيران عليه من كل اتجاه: من جانب طالبان والأصولية الممتدة عبر المنطقة، ومن قبل ثوار كشمير على خلفية ذهاب مشرف إلى الوقوف مع الهند في خندق واحد وفيما بدا ميله إليه من قبل، ومن قبل الجماعات الإسلامية في الداخل والتي تتميز بروابط مفصلية مع الجميع: مع طالبان والتي تعد تلميذة وربيبة هذه الجمعيات، ومع المجاهدين الكشميريين، ومع الشارع الباكستاني من خلال آليات الدعوة والتعليم الديني ومدارسه، ومع قطاع لا بأس به من العسكريين سيما في نطاق المخابرات العسكرية الباكستانية ظهير طالبان على نحو ما سبقت الإشارة إليه، وأخيرًا جاءت المعارضة أيضًا من قبل الأحزاب السياسية غير الدينية التي سنحت لها فرصة إثارة قضية ضرورة عودة الحكم المدني والتي بدا موقفها أيضًا في حرج ما بين المعارضة الإسلامية التي تنبذ الكثير من سياقاتها وبين معارضتها المختلفة للعسكريين الحاكمين، وما بين موقفها المشكل من الحملة الأمريكية ضد ما عرف بالإرهاب.
استجاب الجنرال مشرف للتهديدات الأمريكية المحتملة وعلى رأسها التهديد بالاستعانة ببدائل أخرى في حالة الرفض من قبيل الهند وإسرائيل، وما أعرب عنه الجنرال مشرف نفسه من مخاوفه أن تلجأ أي من هاتين القوتين المعاديتين إلى ضرب المنشآت النووية الباكستانية في خضم فوضى الحرب المنتظرة[114]، كما انجذب أيضًا وبحماس معلن للإغراءات سيما في رفع العقوبات عن الاقتصاد الباكستاني المترهل والوعد الأمريكي بفتح صفحة جديدة في العلاقات معه، في الوقت الذي واجه التهديدات الطالبانية بضرب أي دولة تسخر أراضيها أو أجواءها في مهاجمة أفغانستان، واجهها بإنذارات حادة وجمل ردع عبر أجهزة الإعلام على نحو ما ورد في “المهلة” التي أعلنها للحركة (16/9) لتسليم ابن لادن خلال ثلاثة أيام[115].
في هذا الوقت جاءت ردود الأفعال على خيارات برويز في الداخل عنيفة في خطابها وبوادر وتطوراتها، إذ جرت عملية توحيد من قبل الأحزاب الفاعلة على شاكلتين: توحيد الموقف المضاد من خلال مؤتمر لاهور (16/9) الذي ضم-على حد قول المحلل السياسي عبد الغفار عزيز-كل الأحزاب الدينية والسياسية، مؤكدًا أن المؤتمر لا يعبر عن موقف الأحزاب الدينية فحسب[116]، علاوة على توحيد الخطاب السياسي الذي انتهى إلى التخريب الثنائي العالمي المتنامي؛ إذ طابق خطاب الجماعات الأحزاب إذ ذاك بين واشنطن والسلطة الباكستانية في كفة كمناوئين أو كما عبَّر زعيم الجماعة الإسلامية الباكستانية الكبرى قاضي حسين أحمد:”إن سلطات إسلام أباد وواشنطن ينبغي لهما أن يتجنبا سبيلًا أدى في الماضي إلى هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. إن الغطرسة الأمريكية وألاعيب السلطة الباكستانية لن تقود إلا إلى الدمار”[117]، في حين يتطابق خطابها هذا مبدئيًا وبدرجة كبيرة مع الخطاب الطالباني.
كان لذلك مردوده الفوري على سياسة النظام الباكستاني على صعيدي الداخل والخارج؛ إذ سارع مشرف بإرسال وفد من العلماء والزعماء المقربين منه إلى طالبان (17/9)، وإعلان استثناء المشاركة الأرضية أو بقوات ضمن العمليات الأمريكية المرتقبة، ثم راح ومسئولو حكومته يجتمعون بزعماء المناطق والقبائل والنخب سيما مسئولي الصحف الوطنية وزعماء بعض الأحزاب السياسية لإيقافهم –وخاصة منذ منتصف الأسبوع الثاني – على زوايا رؤية النظام للموقف بين المخاطر التي سوف تتعرض لها باكستان في حالة معارضتها التعاون في أمر له بدائل أخرى غير باكستان والمنافع الاقتصادية والسياسية التي سوف تجنيها باكستان من هذا الموقف، سيما على صعيد الحياة اليومية للشعب. ومن ثم توالت عقب ذلك المؤتمرات الصحفية التي يعقدها وجوه الحكومة وعلى الأخص وزير الخارجية عبد الستار خان؛ لشرح كل خطوة تقدم عليها السلطة أو حلفاؤها في الخارج، مع السعي للظهور بمظهر الناصح الأمين المتعقل الراغب في الحفاظ على نظام طالبان سالمًا بمواصلة إنذار الحركة من مغبة إصرارها على التمسك بأسامة بن لادن.
جاء الأسبوع الثاني ليكشف عن ارتقاء سقف التنسيق والتعاضد بين الحكومة الباكستانية والولايات المتحدة، فبينما كان تليفزيون الـ CNN يذيع أن الإدارة الأمريكية لم تستقر بعد على الوضع النهائي لطالبان في الحملة الراهنة أو حتى على “نوع” العمل العسكري المفترض، أذاع التليفزيون الباكستاني (19/9) خطابًا لمشرَّف يصرح فيه أن نظام طالبان يشكل هدفًا رئيسًا من أهداف الحملة الأمريكية [118]، الأمر الذي حد من سخونة الشارع الباكستاني، فراحت الولايات المتحدة تقدم أولى إشارات دعم موقف مشرف فيما كشفت عنه تصريحات وزير التجارة الأمريكي دونالد إيفانز والممثل التجاري والأمريكي روبرت زويليك عن المنح المنتظرة للمتعاونين علاوة على ترسانة العقوبات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تنتظر غير الراغبين في التعاون [119]. وكان كولين باول قد ألمح في الأسبوع الأول بعد الضربات إلى سعي بلاده لتخفيف العقوبات المفروضة على إسلام أباد منذ 1998 على خلفية التفجيرات النووية، والتي كانت تشمل حظر “المعونات الاقتصادية والمبيعات العسكرية والقروض الحكومية”[120].
بناء على ذلك أخذ الصراع الداخلي يتصاعد بين السلطة والأحزاب الدينية-سيما الجماعة الإسلامية وجمعية علماء الإسلام-والتي بدت للمراقبين مع الأسبوع الثاني وكأنها تسحب البساط من تحت أقدام النظام؛ حيث وقعت المصادمات الدامية وصُرع وجرح الكثيرون ضمن تظاهرات “تحالف الأحزاب الدينية” الذي ضم العشرات منها. كان العنف هو جديد هذا الأسبوع في مظاهر متصاعدة الخطورة من إلقاء للحجارة على السيارات والمركبات العامة، وإحراق الإطارات في طرقات المدن، ودفع المصالح التجارية إلى إغلاق أبوابها، والسير في تجمعات حاشدة ترفع شعارات “الموت لأمريكا” وتحرق دمي لجورج بوش، وتهتف بعبارات التأبيد لابن لادن وطالبان والتنديد بالسياسة الحكومية..الخ.
على الجانب الآخر، واصلت حكومة مشرف حملتها المكثفة لإقناع الشعب الباكستاني بموقفها على ما أشير إليه، ففضلًا عن أحاديث الوزراء والمسئولين المحليين في الأقاليم البعيدة، تكاثرت الاجتماعات مع زعماء القبائل والأحزاب وكبار رجال الدين-سيما من وصفوا بالاعتدال-وجرى تحريك وسائل الإعلام الرسمية والصحف المستقلة لنفس الوجهة من خلال إبراز التنديد الشائع بتجربة طالبان بعامة والأخذ بخاصة على إيوائها ابن لادن، إلى الحد الذي تطرقت فيه الصحف الباكستانية وتصريحات المسئولين إلى الدعوة الغربية المدعومة من المعارضة الأفغانية باسم “إعادة البناء” انطلاقًا من تشكيل حكومة ائتلافية في أفغانستان [121] لقد تجلت بذلك أولى الإشارات الجادة لبوادر التحويرات الاستراتيجية في السياسة الخارجية الباكستانية نحو الربيب الأفغاني “طالبان” والقوى الأخرى التي طالما راهن الجميع على الخلاف الجذري بينها وبين الخط الباكستاني المائل للبشتون وبالتحديد حكمتيار فطالبان، الأمر الذي طرح تلقائيًا تساؤل الوقت الأهم: ماذا بعد طالبان من وجهة النظر الباكستانية؟ ألا يتعلق هذا السؤال بالمصلحة القومية العليا بل وبالأمن القومي الباكستاني على نحو ما هو معلوم عن محدداته؟
عامة، لم تمهل الأحداث المتداعية الجنرال مشرف لتحرير الإجابة عن تساؤل الوقت المفروض، إذ انجذب ورجاله إلى عملية تعبئة مضادة خطابية وسياسية جراء تحركات الجماعات الدينية التي راحت تنذر بعواقب داخلية وخيمة، وتزعم اجتماع كلمة الشعب الباكستاني وراءها، وتتهم الموقت الحكومي بالعمالة والنفاق السياسي وتعريض مصالح ومستقبل الشعب الباكستاني والأفغاني لمخاطر جسيمة، الأمر الذي في طيه طرحت قضية الحكم بالشريعة طرحًا مخفيًا لمعارضيها. ومن ثم حرص مسئولو الحكومة على التطمين-بصفة دائمة-بأن هذه الجماعات والأحزاب لا تحظى سوى بشعبية محدودة للغاية، متهمين إياها بـ”الغوغائية” [122] مع التنويه بتعهد زعماء القبائل في إقليمي بلوشستان وفرحد المتاخمين لأفغانستان وذوى الأصول البشتونية بتأييد جميع “الإجراءات التي يتخذها الجنرال مشرف حيث نسب مسئول حكومي إليهم أنهم مدركون لخطورة “الانسياق” وراء مشاعر تأييد طالبان، دون أن ينسى الإشارة إلى أن المساعدات الأمريكية بسبيلها إلى العودة للضخ في إسلام أباد[123].
والحقيقة أن باكستان كانت تتلقى الثمن فعلًا بدءًا من قرار واشنطن إعادة جدولة ديونها المستحقة (600 مليون دولار) ووعود الدول المشاركة ماليًا في التحالف بنفس الشيء، كتصريح اليابان بخطط لصرف منحة طارئة لباكستان (40 مليون دولار) علاوة على تصريحات البنك الدولي وصندوق النقد والدوائر الأوروبية السائرة في ذات الاتجاه.. إلا أن إسقاط العقوبات الأمريكية كان له مغزاه الخاص؛ حيث أصدر الرئيس الأمريكي (22/9) قرارًا برفع العقوبات المفروضة على باكستان والهند كمكافأة للدولتين، رأى المراقبون أنها قد تخفف من حدة معارضة الرأي العام الداخلي لموقف الحكومة التعاوني مع الولايات المتحدة، بيد أن مجلس الدفاع الباكستاني الأفغاني الذي شكلته الأحزاب الدينية أجهض هذه التوقعات، فأعلن قادة جمعية علماء الإسلام أن تحركات للمجاهدين التابعين لها بدأت الأحد 23/9 نحو الحدود الباكستانية-الأفغانية للتصدي للهجوم الأمريكي المتوقع، بل إن الأمر تطور للسعي نحو إقامة سوار المجاهدين حول القواعد العسكرية في باكستان في محاولة لمنع القوات الأمريكية من استخدامها وقال زعيم الجمعية في بلوشستان الحدودية: “إن مجاهدينا سيحاصرون جميع القواعد العسكرية في باكستان، فالحرب الأمريكية ليست ضد أفغانستان فحسب، بل ضد العالم الإسلامي بأكمله”[124].
وعلى هامش هذا الموقف وعلى خلفية التهديدات الأمريكية للجماعات الباكستانية نفسها بضمها في لائحة المنظمات الإرهابية، أكد المسئولون الدينيون الباكستانيون على الاختلاف بين المدارس الدينية في باكستان وتلك التي في أفغانستان، فهناك نحو عشرة آلاف مدرسة دينية موزعة في جميع أنحاء باكستان قامت بتدريب ناشطين إسلاميين لا مقاتلين، وشدد مولانا فضل الرحمن-أحد قائدي جمعية علماء الإسلام إلى جانب مولانا سميع الحق- على “أن مدارس باكستان لا تتولى تدريب مقاتلين على الرغم من أن الجهاد يشكل جزءًا من التعليم الإسلامي، لكن المدارس الباكستانية تكتفي بإعداد المسلمين إعدادًا جيدًا، ثم تترك الحرية للطلاب لكي يختاروا الحياة التي يرغبونها بعد انتهاء الدراسة” [125] ذلك بينما يصرح مسئول طالباني بأن آلاف المدارس في أفغانستان تخرج نحو (1.2) مليون طالب، من بينها (35) مدرسة فقط تعتبر مدارس لإعداد المجاهدين، وغالبية طلابها من الأفغان ومن بعض الدول الإسلامية، الشئ الذي أكده أيضًا رحمة الله كازادة قنصل طالبان في كراتشي[126].
بدأ الأسبوع الثالث بقرار استدعاء القائم الدبلوماسي الباكستاني من أفغانستان وإغلاق السفارة في كابول والقنصليات في سائر المدن(25/9) تحت دعوى الضرورة الأمنية، وأصدرت الخارجية الباكستانية بيانًا أوضح أن باكستان لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أفغانستان كما فعلت الإمارات العربية السعودية، إنما فقط تم اتخاذ تدابير احتياطية حفاظًا على حياة الدبلوماسيين في ظل احتمالات الحرب المتصاعدة، الأمر الذي علق عليه البعض بأن باكستان علمت بتوقيت الهجوم الأمريكي[127].
وعلى الرغم من مضاء هذا القرار قدمًا فيما انتهجته السياسية الباكستانية منذ البداية إلا إن أعراض الحيرة والاضطراب ظهرت من جديد إزاء عدد من القضايا التي أفرزها تداعي الأحداث، وعلى رأسها وضوح الدعم الأمريكي عسكريًا للمعارضة الأفغانية (جبهة الشمال المتحدة) مباشرة أو عن طريق أطراف أخرى، ومسألة عودة الملك واحتمالات أن يكون بديل طالبان المروَّج له من ذوى الماضي السيئ مع باكستان، وتنامي حقيقة استهداف الولايات المتحدة لبعض الجماعات الإسلامية في باكستان بزعم دعمها لطالبان والأفغان العرب، وضم جماعات كشيميرية مجاهدة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية التي تصدرها الخارجية الأمريكية، كما قامت واشنطن بحظر جميع المعاملات المالية لجمعيتي “الرشيد ترست” و”حركة المجاهدين” الباكستانيتين على أساس الاشتباه في ارتباطهما بتنظيم القاعدة، علاوة على رفض الولايات المتحدة الاستجابة للطلب الباكستاني بالعمل-ولو شكليًا-تحت مظلة الأمم المتحدة، وكذلك إحجام سائر الدول الإسلامية والعربية عن المشاركة في تحالف بوش بشئ أكثر من الكلام والتعاون الإداري غير الملموس.
وعليه، فقد صرح مسئولون باكستانيون لصحيفة نيوز إنترناشيونال الباكستانية (26/9) أن الرئيس مشرف يرغب في أن يقتصر التعاون العسكري الباكستاني الأمريكي فقط على القضاء على أسامة بن لادن وتنظيمه داخل أفغانستان، وعدم منح المعارضة الفرصة لتولي الحكم في كابول[128]. لقد جاءت هذه التصريحات عقب تأكيد مسئولين أمريكان أنهم سيقومون بدعم المعارضة-وإن بدت الإدارة الأمريكية أيضًا قلقة بخصوص المعارضة الشمالية وفصائلها الإسلامية وأكثر ميلًا إلى بديل غير إسلامي التوجه ألبتة على غرار ظاهر شاة وأنصاره، ومن ثم وصفت موقفها الراهن من المعارضة الأفغانية الشمالية “بالدعم المحدود”[129]،.. عبرت الحكومة الباكستانية عن مخاوفها إزاء كافة هذه العقبات التي ظهر شبه اتفاق بين المراقبين على أنها تسبب قلاقل على المدى القريب في الداخل والمحيط الباكستاني، إلا أن ذلك لم يحٌَول من الخط الحكومي قيد أنملة.
فقد جاءت تطورات نهاية الأسبوع الثالث لتؤكد أن ثمة خطًا سريًا انطلقت فيه باكستان منذ الخميس (13/9) أي عقب الحادي عشر من سبتمبر2001 بيومين، حين استقبلت بتكتم شديد قوات كوماندوز أمريكية بدأت في التحرك إلى أفغانستان لإثبات أو قتل أو إخراج أسامة بن لادن من مكمنه، الشيء الذي أفصح عنه بوش أثناء استقباله عاهل الأردن عبد الله بن الحسين (28/9) والأمر الذي يكشف بدوره عن انفصال كبير بين الخطاب الذي لا يخلو مطلقًا من تحفظات ومطالبات وإشعار بالتحرج، وبين الممارسات التي تمضي مبكرًا جدًا وفي صمت متعمد نحو هدف دقيق وغايات مبيتة.
وهكذا فإنه فيما بين وقائع الحدث الأمريكي ووقوع الحدث الأفغاني أثارت ردود أفعال الداخل الباكستاني عددًا من القضايا والمعضلات والتساؤلات التي تتوجه بالأساس نحو المستقبل القريب لباكستان في الداخل وعلى صعيد المنطقة من قبيل:
o إلى أي حد ستكون القناعات المتضاربة والخاصة بالفواعل السياسية المتكاثرة في باكستان والمتصلة والمتصارعة مع فواعل الجوار والقمة العالمية… إلى أي حد ستكون بارزة ومستحكمة في العملية السياسية الباكستانية؟ وما هو العامل الذي يمكن أن يكون المرجح بينها على مستويي التفاعل: الخطابي الفكري من جهة، والمراسي الصراعي من الجهة الأخرى؟
o وإلى أي حد سيتواصل هذا الخلاف المتواسع على ما لا يجوز الاختلاف فيه من حقيقة ومضمون وعناصر وأسس ومحددات الأمن القومي الباكستاني والتهديدات الحقيقية التي تحيق به؟ وهل تحولت القوة النووية من السلاح باليد إلى أن تمثل عبئًا وخطرًا على حائزها على النحو الذي عبرت عنه مخاوف الجنرال مشرف صراحة؟
o وإلى أي حد يمكن التعويل على الأساس الاقتصادي منفردًا في انتهاج التوجهات الكبرى؟ وبأي معنى يمكن تفسير تبريرات الموقف الرسمي من الهجوم على شعب مسلم بأشياء من قبيل رفع العقوبات الأمريكية والإشارة إلى الأموال التي سيعاد ضخها؟ وهل يصح أن تتماشى دولة ما أيًا كانت خفة وزنها مع القول بأنها تحت عقاب من دولة أخرى، بل وتجوز للأخيرة معاداة ومعاقبة أطراف أخرى من الداخل؟
o إذا جاز أن يتغاضى النظام الحاكم عن تدخلات خارجية كادت أن تصير أمرًا معتادًا، فإلام ستذهب بدايات التدخل الأمريكي والغربي الأخيرة في شئون تعد من صميم الهوية والعقيدة والشرعة الإسلامية في أبواب التعليم الديني ومدارسه، وجمعيات العمل الخيري الإسلامي، والسعي لإعادة تحرير المفاهيم الإسلامية الأصلية من قبيل النصرة والأمة الواحدة وتوجيهات التصدق والزكاة والجهاد بكافة وسائله… سيما في ظل الصمت أو التمويه أو الانضغاط الذي يبدو مطبقًا على أولي الأمر في هذا الشأن؟
وعامة، لقد جاءت هذه الجولة لتكشف عن حقيقة كبيرة حول المستقبل القريب لباكستان، إن جزءًا كبيرًا من نضوحات هذا المستقبل يقع في يد الجنرال الذي جعل من أتاتورك مثلًا أعلى له على حد قوله، وقال عن نفسه إنه وضع خططًا لتوجيه باكستان وجهة جديدة منذ اللحظة التي تولى فيها سدة الرئاسة، وأنه كان يوجهها نحو تلك الوجهة ببطء حين وقعت أحداث 11سبتمبر.فيكفي أنه خلال بضعة أسابيع من وقوع هذه الأحداث قام باستبعاد مؤيدي طالبان الكبار في الحكومة الباكستانية بمن في ذلك خمسة من أكبر جنرالاته الـ13. تقول النيوزويك:”إن مشرف الذي كان قد رفض بازدراء كدكتاتور عسكري، سرعان ما بات صديقًا قيمًا للغرب”، إلا إن أحد معاوني بوش يقول عنه:”لقد اتخذ القرارات الصعبة لكن ما زال هناك الكثير مما ينبغي عمله، والمشكلات مازالت هائلة”، الأمر الذي يطرح التساؤل من قبل المجلة: “هل يستطيع مشرف الحفاظ على نوع الاحترام الذي يحظى به خارجيًا في داخل باكستان؟”[130]
وهكذا فإن هذا التحليل الغربي المحفز للجنرال على الاستمرار والصمود في وجه العقبات، لا ينفي حقيقة أن أشياء جديدة ذات بال قد تخلقت لا تعد فقط من قبيل “العقبات” أمام الجنرال، بل من قبيل الفواعل الجديدة التي تخترق أجنداتها المتنوعة الحدود الباكستانية. نعم من الواضح أن مشرف كان قد بسط هيمنته فعلًا على المؤسسات الهامة والفاعلة في باكستان في سبيله إلى الهيمنة على سائر فعاليات الداخل الباكستاني، فقام بالعزل،والتعيينن، والاستبعاد والتقريب دون أدنى معارضة فعلية فيما يبدو، وألقى خطابًا تهديديًا صارمًا إزاء الأحزاب الدينية والمناوئين في انتظار فرصة سانحة للتعامل معهم جدٌَيًا، إذ إنه أمام التداعي الجهادي على أفغانستان بعشرات الألوف من الشباب الباكستاني لم يكن الوقت مناسبًا للقمع العام، إلا إن كثيرين يرون إنه أذا كان ممكنًا أن يسكت الجنرال أصواتها حتى لا تعلو فوق صوت المعركة، فإنه من المستبعد بدرجة كبيرة أن يتمكن من إعادتها إلى مكامنها تارة أخرى.
وأخيرًا، فإن الكثير من انعكاسات ودلالات مثل هذا الحدث الكبير على الحالة الباكستانية على وجه الخصوص أكبر من أن تتراءى كليًا أو جزئيًا خلال هذه الفترة القلقة الحالية!.

دول آسيا الوسطى: من التحالف الإقليمي إلى المطاوعة ضمن تحالف دولي

أبان القسم الأول من هذا التقرير عن عدة محددات رئيسة تحكم العلاقات الخارجية الإقليمية لجمهوريات أسيا الوسطى سيما فيما يتعلق بالشأن الأفغاني، والذي لاشك أن لـه صداه الممتد مع بوادر الأزمة الناجمة عن تداعيات وقائع الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبالتحديد عقب التصريح الأمريكي في صيغة السؤال الحرج: “معنا أم الإرهاب؟” ويمكن الإشارة في هذا إلى أهم هذه المحددات كالآتي:
· التوجه الداخلي: فأمام رد الفعل الشعبي المباشر الذي اجتاح مناطق عديدة من العالم الإسلامي وبالتحديد المنطقة المحيطة، كان على الموقف المفصل لهذه الجمهوريات ألا يتعجل إثارة ما تحت الرماد، سيما في طاجيكستان وأوزباكستان وتركمانستان الواقعة على الحدود الأفغانية، والتي تشهد الأوليان منها حركة إسلامية ذات بال وذات ارتباط ما بطالبان.
· أن أنظمة الحكم بهذه الدول كانت على مرِّ تجربتها منذ الاستقلال في مواجهة حركة إسلامية متنامية وممتدة في الداخل وعبر الحدود: تهدد وجودها في السدة، وتجمع بين المواجهة المجتمعية والسياسية وبين الحرب الأهلية على غرار الوضع في طاجيكستان (1992-1997)، وأنه قد جرى اعتماد الربط المنهجي بين التوجهات الإسلامية لحركة طالبان وبين هذه الجماعات تحت تسميات “الإرهاب الدولي القادم من أفغانستان”، والتطرف الإسلامي الممتد، و”الأممية الأصولية الإسلامية” وغيرها.
· أنه جرت خطوات إقليمية مدفوعة من هذه المواجهة انتظمت في ترتيبات مجموعة شنغهاي ومحور موسكو-الهند-إيران، معلنة موقفها المناوئ لطالبان والأفغان العرب، ضمن توجه عام ذكر فيما سبق باسم “الرهاب الإسلامي” كهاجس إقليمي حيوي سيطر على سياسات هذه الدول تجاه أفغانستان.
· أنه في ذات الوقت لوحظت حالة من الهرولة من قبل أنظمة هذه الجمهوريات الخمس نحو الغرب سيما الولايات المتحدة وإسرائيل.. ومن ثم فإن احتمالات الرد على السؤال المطروح تتبدى مقدمًا، إلا أن فعاليات هذه الردود التي تشكل موقف كل منها من الأزمة الراهنة، خضعت بدرجات متفاوتة لمحددات أخرى أكثر جزئية وخصوصية من قبيل:
· التوجه الروسي: إذ بدت حالة من الانتظار المتبادل في صياغة تفاصيل الموقف من قبل هذه الجمهوريات من جانب ومن قبل موسكو على الجانب الآخر، في إطار نظر البعض إلى بقايا الماضي التنافس بين وريثة القطب الشرقي من جهة وبين الولايات المتحدة والغرب من الجهة الأخرى.. لقد بدا الجانبان في انتظار الضوء الأخضر لتأييد متبادل أو لترتيب مواقف متوائمة من الأزمة الراهنة.
· التوجه الأمريكي نفسه: في مراميه البعيدة ومطالبه المحدودة وآثاره القريبة المحتملة، في ظل ما يثار-منذ مطلع التسعينيات-حول مخططات غربية بزعامة واشنطن للانقضاض على ثروات بحر قزوين والقوقاز وللاقتراب الاستراتيجي من حديقة الكريملين وسور الصين ومن سائر “الدول المارقة” في الشرق كإيران وكوريا الشمالية وإلى حد ما غير الحميمة جدًا كالهند، هذا التوجه الأمريكي ذو الأبعاد المتراكبة مثَّل لهذه الجمهوريات عنصر قلق بارزًا، سيما مع حقيقة متاخمتها لأفغانستان، وإرهاصات السعي الأمريكي لاستخدام أراضيها وأجوائها في شن هجمات على أفغانستان، بما يعني أن هذه الدول كانت في موقف شديد الإحراج من جهة مقاربة لتلك التي أصابت باكستان؛ إذ يطرح عليها تساؤل أكثر خطورة وتحديدًا: “معنا في الحرب العسكرية أم مع الإرهاب في الحرب أيضًا”؟
وعليه فقد جاء الموقف المبدئي لهذه الجمهوريات-سيما الثلاث التي نعني بها-غير مختلف جوهريًا عن رد الفعل الرسمي عالميًا، في إعلان “التضامن والتجاوب” مع الجهود الأمريكية ضد الإرهاب، دون تحديد لمعنى أو نوعية أي شئ سواء من مفهوم الإرهاب أو من يقع تحته أو الأعمال التي يمكن اتخاذها ضده، الأمر الذي ترتب عليه وبناء على المحددات السابقة استغراق الأسبوع الأول من الجولة الأولى لأزمة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر فيما يشبه التردد أو التريث أو محاولة التقاط الأنفاس عقب الصدمة، إلا أن الأسبوع الثاني شهد الفصام المعتاد والمنتظر بين خطابات التحفظ وممارسات المطاوعة التي توالت مع استقبال طلائع القوات الأمريكية البرية والجوية سيما في طاجيكستان وأوزباكستان، على حين جاء الأسبوع الثالث والرابع كاشفين عن انتصار القناعات الذاتية لمفاتيح السياسة الخارجية لهذه الدول في الانطباق شبه القائم مع التحالف الدولي. وفيما يلي نتبين هذا تطور عبر الجمهوريات الثلاث الأكثر اقترابًا من التداعيات على النحو التالي:

طاجيكستان:
في رد فعل تلقائي على المطلب الأمريكي لاستخدام المجال الجوي الطاجيكي في حملة ضد أفغانستان يعكس أثر المحددات السابقة بوضوح، وأثر انعدام دور المبدأ الحاكم في ظل عليه النهج البراجماتي على القيادة الطاجيكية ومع عدم تبين الرؤية الأولية للموقف أمامها، صرح رئيس الوزراء “كاليكوف” (15/9) أن بلاده لا ترغب في استخدام مجالها الجوي لتوجيه ضربة عسكرية لأي دولة مجاورة؛ “لأنها تخشى رد فعل الدول الأخرى المجاورة لها، كما أنها تخشى أيضًا رد فعل المجتمع الطاجيكي الذي سيرفض بالتأكيد ضرب (إخوانه) في كابول، معلنًا أن الولايات المتحدة طلبت من بلده استخدام مجالها الجوي، وأن بلاده لم ترد رسميًا على واشنطن وستشاور روسيا في هذا الشأن”[131]
إلا أن نهاية هذا الأسبوع الأول شهدت خطوة للأمام نحو بناء الموقف الطاجيكي حين أعلن الرئيس إمام على رحمانوف استعداد بلاده للتعاون مع “الأسرة الدولية” ومن بينها الحكومة الأمريكية في الحرب ضد الإرهاب والتطرف الدولي[132]؛ الأمر الذي آثر التمويه عليه سيما في نوع التعاون المقصود وهل هو التعاون العسكري على نحو ما طالبت به الولايات المتحدة؟ وحاولت الخارجية الطاجيكية الإجابة مؤقتًا عنه بنفي السماح الأمريكان بإقامة قواعد عسكرية[133].
وعلى الرغم من محاولات سابقة لرحمانوف للتخلص من ثقل الظلال الروسية على السياسة الخارجية لطاجيكستان، إلا أن اضطراب التصريحات الرسمية على هذا النحو خلال الأسبوع الثاني بين التحفظ والمطاوعة فالتأييد المطلق جاء إلى حد كبير متماشيًا مع ترددات الموقف الروسي فيما أبان عن تواصل هذا التأثير، فتزايدت أعداد قوات حرس الحدود الروسية من أحد عشر ألفًا إلى ثلاثين ألفًا على خط الحدود الطاجيكية-الأفغانية (1300 كم).
بيد أنه من الواضح أن درجة اضطراب الخطاب الطاجيكي كانت على خلاف السرعة التي تجري الاستجابة بها إلى المطالب الأمريكية أو تلك القفزات التي تتنقل بها السياسة الروسية إزاء هذه المطالبات. ففيما تعلن وكالة “إنترفاكس آي.في.إن” الروسية موافقة طاجيكستان على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية، تزامنًا مع إعلان الرئيس الروسي بوتين استعداد بلاده لإتاحة المجال الجوي للمساعدات الإنسانية وما يشبهها، فإن دوشنبه آثرت تأخير امتداد خطابها إلى هذه النقطة ربما تحرزًا من رد فعل شعبي وإسلامي عنيف يوقع نظام رحمانوف فيما يماثل المأزق الباكستاني؛ فأعلن الناطق باسم وزارة الدفاع “زروب الدين سيرودجيف” أنه لم يتم النظر بعد في وضع قواعد عسكرية تحت تصرف الجيش الأمريكي، مضيفًا أن بلاده لن توافق على استخدام الأمريكيين لأراضيها من دون التشاور مع روسيا [134] ؛وذلك على الرغم من الجولة الطارئة التي قام بها “فلاديمير روشايلو” الأمين العام لمجلس الأمن الروسي لجمهوريات آسيا الوسطى لتقويم الوضع وتنسيق المواقف الماثلة ساعتها.
على كل حال فإن هذا التحفظ والحذر الطاجيكي لم يستمر طويلًا؛ إذ على ضوء الانطلاق الروسي في سبيل دعم التوجه الأمريكي، أعلنت دوشنبه موافقتها الرسمية على فتح المجال الجوي أمام القوات الأمريكية، ووعدت بتأمين وقت الحاجة [135]، فيما راحت تلعب دورًا مزودجًا يضاف إلى جهود التحالف الدولي ويصب في عملية الضغط المتضخمة على حركة طالبان؛ فمن ناحية مثلث
طاجيكستان قاعدة هجوم متقدمة بالنسبة لروسيا سمحت بإطلاق التهديدات الروسية العسكرية المباشرة ضد طالبان، ومن ناحية أخري مثلث قناة اتصال وإيصال للمساعدات العسكرية الروسية إلى قوات التحالف الشمالي التي تسيطر عليها قيادات ذات ارتباط إثني بطاجيكستان أي من الطاجيك (رباني ومسعود ثم فهيم من بعده)، الأمر الذي تكلل باللقاء الثلاثي بين بوتين ورباني ورحمانوف كما سبقت الإشارة إليه، والذي تضمن تصريح بوتين بتقديم قصارى الدعم اللازم على هذه الجبهة.
فيما كانت الإجراءات الفعلية للإعداد للحرب على قدم وساق، غير آبهة بسيل التهديدات المطلقة من قبل مسئولي طالبان، فإن شيئًا ذا بال لم يلاحظ على الشارع الطاجيكي، سيما في ظل تضارب مواقف الطرف الداخلي الفاعل: “جماعة النهضة الإسلامية”. فعلى الرغم من كونها أضحت الحزب الإسلامي الوحيد في آسيا الوسطى الذي يمارس نشاطه بحرية طبقًا للدستور الطاجيكي الذي تم التصويت عليه في أعقاب الحرب الأهلية، فإن التناقض بين زعامات هذا الحزب إزاء الأزمة والدور الطاجيكي فيه، مهد السبيل أمام قناعات النظام الحاكم لكي تفعل مفعولها.
فأمام ما أشار إليه بعض المراقبين بالرغبة في البقاء الرسمي والقناعة بالقنوات القانونية السلمية عقب جهاد مرير، أعلن زعيم حزب النهضة “سعيد عبد الله نوري” موافقته على محاربة الإرهاب “أنّى وجد”، رافضًا فتوى ابن لادن المعروفة بفتوى الجهاد، “لأن ابن لادن ليس في موقع يؤهله لإصدارها” [136]، إلا أن نائب نوري في الحزب اتخذ اتجاهًا آخر يستنكر موقف دوشنبه المعاون لـ “الإرهاب الأمريكي الذي يريق دماء الأبرياء”؛ إذ أعرب “محمد شريف همت زاده “عن تمنيه ألا تشترك طاجيكستان في “اللعبة الكبرى”[137]، إلا أن أحد المراقبين أشار إلى اتفاق هذين الاتجاهين في الوقوع تحت تأثير الحملة الإعلامية، فيما يبدو من تأكيدهما على خلو طاجيكستان من أنصار ابن لادن[138]
وهكذا تضافرت القناعة الذاتية لرحمانوف وحكومته مع الدفع الروسي والحفز الإقليمي والعوامل الإثنو– سياسية، والسلبية الشعبية-حتى من قبل القوى الإسلامية – في تشكيل الموقف الطاجيكي المطاوع تمامًا للمطالب الأمريكية ضمن ما عرف بالتحالف الدولي ضد الإرهاب.

أوزباكستان:
على حين خف ثقل الضغط الروسي على السياسة الخارجية الأوزبكية مقارنة بالحالة الطاجيكية، فإن ثلاثة عوامل رئيسة أخرى من المحددات العامة المشار إليها عاليه تبدو أكثر فاعلية في موقف طشقند من ذات القضية: يتمثل أولها – والذي كان الأكثر غلبة وتأثيرًا – في متانة العلاقات بين نظام كريموف والغرب والولايات المتحدة وخاصة عبر تركيا وإسرائيل، فيما يتولد ثانيها عن الداخل الأوزبكي ذاته في ظل صراع البقاء بين الأبوية “الكريموفية” التي تؤكد عدم ملاءمة الديمقراطية للشخصية القومية الأوزبكية وبين المعارضة متنوعة الاتجاهات التي يمثل الاتجاه الإسلامي فيها التيار القائد أو الأكثر إثارة، ويقع ثالثها في حقيقة الاتصال الجغرافي المباشر بطالبان وقواتها دون موانع من جيوب المعارضة تحول دون مهاجمة ميلشيات طالبان لحدودها (130كم) عبر نهر جيحون.
ففي البداية جاء أثر العامل الأول إيجابيًا وسباقًا، فلم تشهد أوزبكستان نفس القدر من التردد والتريث الذي أبدته جارتاها، واندفع إسلام كريموف يعلن بصورة حماسية مساندة بلاده “لعمل مشترك” مع الولايات المتحدة ضد مراكز الإرهاب في المنطقة[139]، على الرغم من أن تفاصيل هذا العمل المشترك ظلت على مستوى الخطاب المعلن تحتفظ باستدراك باهت باسم “عمليات الحث والإنقاذ داخل أفغانستان “، فقد جاءت أنباء الأسبوع الثاني حول توالي وصول القوات والطائرات إلى القواعد العسكرية والمطارات في أوزباكستان، لتؤكد على حقيقة الارتباط الوثيق بين النظام والغرب أكثر من أي شيء آخر. فبينما لا تزال موسكو تصرح بمعارضتها استخدام الجيش الأمريكي للقواعد السوفيتية السابقة في الجمهوريات الثلاث المتاخمة لأفغانستان، ويرفض البنتاجون تأكيد أي معلومات أولية في هذا الصدد، يعلن مصدر في طشقند (21/9) أن “طائرات استطلاع أمريكية حطت في مطار “توزل” العسكرية على بعد 150 كم من طشقند، علاوة على عدد من المروحيات الأمريكية ترابط في “تشيرتشيك”. وتعلن وكالة الأنباء الروسية أن طائرتين أمريكيتين طراز C130 مجهزتين بـأنظمة استطلاع نقلتا (23/9) مئات الجنود الأمريكان إلى أوزباكستان[140].
إبان ذلك تمكنت طالبان من إسقاط طائرة تجسس أمريكية خرجت من الأجواء الأوزبكية، وشنت الحركة هجومًا خطابيًا حادًا على طشقند سيما في رسالة متوكل إلى نظيره الأوزبكي (24/ 9) على نحو ما أشير إليه آنفا، وراحت طالبان تعيد انتشار قواتها ومضاداتها الجوية وتدفع بالمزيد من المقاتلين إلى حدودها مع أوزبكستان، الأمر الذي إن كان ذا أثر على موقف كريموف، فإنه لم يتعد حيز الخطاب المتجمل على نحو ما سيبين.
واتصالًا بتحييد هذا المحدد الجيو-استراتيجي، فإن المعارضة الداخلية. الإسلامية والعلمانية التي توقع الكثيرون أن توقف المسار الرسمي لم تبد أي محاولة تذكر أو استعداد للتسبب في إحداث قلاقل للنظام، الأمر الذي أفسح الطريق أمام توافد المزيد من القوات الأمريكية بأعداد وتسليح أضخم وبصورة كسرت ستر التمويه والمواربة، فزار رامسفيلد طشقند (3/10) ليعطيه كريموف تصريحًا بالسماح لطائرات الشحن والمروحيات والقوات الأمريكية باستخدام الأراضي الأوزبكية، وينسى كريموف القاذفات والمقاتلات ومنصات الصواريخ التي سيعددها الأمريكان فيما بعد، ولا ينسى أن يضيف عبارته الاستدراكية: “ولكن فقط لعمليات البحث والإنقاذ داخل أفغانستان”، فيما كانت الفرقة الأمريكية العاشرة (قتال جبلي) تشرع في ذات الآن في تأمين قاعدة جوية في مدينة “تيرميز” بالقرب من الحدود الأفغانية[141]
لقد ألهب هذا الموقف من التحرك الطالباني لتتدفق قوات الطالبان والمدفعية بعيدة المدى وقاذفات الصواريخ على هذه الحدود وسط تهديدات بعض المسئولين بـ”غزو أوزباكستان”[142] واستشاطت وزارة دفاع طالبان مهددة ومتوعدة: “نشرنا قواتنا في كل المناطق الهامة: لأن تلك مسألة شرف وكبرياء، لن ننحني أمام القوات الأمريكية وسوف تقاتل حتى آخر نفس”[143].
وفيما كانت المعارضة الداخلية مكتوفة فإن طاهر يولداش زعيم حركة أوزباكستان الإسلامية، يشن حملة خطابية على كريموف، وذلك من أفغانستان حيث يقيم مع مجموعة من عناصر الحركة (ما بين 2000- 2500مسلح) معلنًا الجهاد إلى جوار طالبان، بما سوف يشتد حدة عقب اندلاع القصف الأمريكي فعلًا، إذ يؤكد يولداش أنه هجوم على الإسلام، وأن موقف بلاده في فتح المطارات والأجواء يعد “خيانة كبيرة”، وهدد باستمرار “الجهاد” ضد حكومة طشقند، بل وضد طاجيكستان لنفس العلة[144]، يذكر أن يولداش محكوم عليه بالإعدام وأن حركته قادت مقاومة ضخمة ضد نظام كريموف، متعاونة مع حركة النهضة الإسلامية في طاجيكستان انطلاقًا من وادي فرغانة، كما يذكر أن الرئيس الأمريكي أعلن اسم حركة أوزباكستان الإسلامية ضمن التنظيمات الإرهابية التي تم تجميد أرصدتها عقب أحداث سبتمبر الأخيرة.
وإذا كانت طالبان قد رفضت عبر مفاوضات سابقة مع طشقند تجميد أنشطة هؤلاء المعارضين، سيما في ظل إيواء أوزباكستان لفيصل عبد الرشيد دوستم المعارض الأوزبكي الأصل، فإن بعض المراقبين يستشف من ذلك أن أحد أبعاد الصفقة الأمريكية – الأوزبكية هو التعاون مقابل القضاء على قواعد المعارضة الأوزبكية التي يعتبرها الطرفان أحد فصائل جبهة القاعدة التي يتزعمها ابن لادن[145].
وخلال هذه الأيام الأربعة السابقة على ختام هذه الجولة،صارت الأمور أكثر وضوحًا، ومن ثم تواترت التصريحات المعبرة عن الكثير من أبعاد الموقف؛ إذ أعلنت المتحدثة الرسمية باسم البنتاجون فيكتوريا كلارك (4/10) عن نشر 1000 جندي من قوات المشاة من الفرقة العاشرة المذكورة، في طاجيكستان وأوزباكستان مع توقع إرسال كتيبة أخرى خلال ستة أشهر على ما يعني – على حد قول المتحدثة– أنها حرب “مفتوحة النهاية”، وأن مهام هذه القوات تتمثل في تأمين المقاتلات والقاذفات ووحدات البحث والإغاثة، وأن تكون على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم للقوات الخاصة الأمريكية حال وقوعها في مأزق أثناء غاراتها على أفغانستان فيما عرفه بعض المحللين بـ “إحكام الحلقة” حول أفغانستان المحاصرة لبدء العمليات الجوية والبرية ضد طالبان[146]. وفي اليوم التالي (5/ 10) أكد مصدر أمريكي آخر توجه ألف جندي آخرين من الوحدات الأمريكية الخاصة إلى أوزباكستان.
ومع تحذير بوش الأخير (6/10) لطالبان من أنه لم يعد أمامها سوي القليل من الوقت لتسليم ابن لادن، توالى وصول المزيد من الوحدات الأمريكية إلى مطار ترميز في أوزباكستان بالقرب من الحدود الأفغانية[147]، فيما تكرر المصادر الأوزبكية أن تصريح كريموف يتعلق بمهام الإغاثة لا بشن هجوم بري أو جوي ضد أفغانستان، في مشهد بالغ التعبير عن حالة الشقاق الذاتي والفصام النكد التي تعاني منها الأمة على مستويات الهوية والخطاب والسلوك.

تركمانستان:
تميز الموقف التركماني ضمن جمهوريات آسيا الوسطى إزاء التفاعل مع حركة طالبان –على النحو السابق بيانه، والذي انتهى بمحاولة عشق آباد القيام بدور العراب الثاني للحركة بعد إسلام أباد- بناء على ما توفره من استقرار أفغاني يخدم مصالح عشق آباد الاقتصادية، إلا أنه من الواضح أيضًا أن الأرض التركمانية لم تحظ –من وجهة النظر الأمريكية– بنفس أهمية أوزباكستان القريبة من المناطق الاستراتيجية (قندوز ومزار الشريف) على الرغم من تطاول حدودها مع أفغانستان.
فقد أعلنت تركمانيا منذ الأسبوع الأول استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة، إلا أن غياب الأثر الجدي والعميق لأغلب المحددات السابقة واحتمال إشفاق نيازوف مما يثار حول أبعاد التوجه الأمريكي نحو المنطقة، وعلى رأسها البعد الاقتصادي الذي يرتكز عليه النظام التركماني أعطي الموقف التركماني وتحفظاته على التعاون مع التحالف الدولي تميزًا مشهودًا؛ فقد انعكست جدية نيازوف البادية في حصر التعاون في نطاق المساعدات الإنسانية فقط على المواقف المقابلة. فإذا كانت واشنطن لم تعول كثيرًا على هذه الجبهة، فإن زخمًا معينًا لم يثر حول الموقف التركماني، سواء في الداخل الذي يفتقر – على نحو ما سبقت الإشارة إليه– إلى أي معارضة منظمة ذات بال، أو في الخارج الطالباني الذي اكتفي بالتهديد العام لدول الجوار المتعاونة مع واشنطن.
ومن ثم فإن قاعدة كوسكا السوفيتية السابقة والموجودة في تركمانستان ظلت هدفًا أمريكيًا متعذرًا حتى حددت روسيا موقفها في الأسبوع التالي – بينما استمرت التصريحات التركمانية الرسمية تؤكد على ضرورة تجنب سقوط الضحايا من الأبرياء، وألا يتعدى دورها تقديم المساعدات الإنسانية ونقلها إلى الشعب الأفغاني [148].
إذا أضفنا إلى ذلك تصريحات المسئولين في كازاخستان وقيرغيزيا المتحمسة للتعاون مع واشنطن والمهيجة على الأصولية الإسلامية، يمكن القول إن الحلقة قد أحكمت فعلًا في آسيا الوسطى وأن أوتار القوس قد شدت ولم يبق سوي السهم الأمريكي لكي تندلع الحرب، إلا أن هذا المشهد بعمومه يعد ثمرة لجذور كبيرة تمتد في قوى ثلاث كبرى باقية، كان لموقفها الأثر الكبير في تشكيل أبعاد وسياسات هذه الجولة من تداعيات الحادي عشر من سبتمبر هي:- روسيا، والصين، والهند، وفيما يلي نستعرض مواقفها إبان هذه الجولة.

ثالثًا – الجـوار غير المباشـر:

1. روسيا: فرصة مناسبة للتعرف على الذات وحدودها

على الرغم من انقضاء حقبة الحرب الباردة بكل مشتملاتها مع تفكيك أوصال ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، فلا تزال الكثير من التحليلات الرائجة تضفي على روسيا الاتحادية صفة الوريث الأكبر لهذا الاتحاد، ليس على صعيد الإمكانيات والمشكلات كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن وحسب، بل أيضًا في وراثة طبيعة وآليات العداء للغرب بزعامة الولايات المتحدة… الأمر الذي يصنع وهمًا كبيرًا يغفل حقائق الوضع الروسي التي تراكمت عبر إدارة بوريس يلتسن، وما أضيف اليها من مسارات وتوجهات منذ تولي فلاديمير بوتين الحكم بالوكالة ثم فعليًا في مارس 2000.
لقد غلبت هذه الميول على تحليلات محددات الموقف الروسي من أحداث الحادي عشر من سبتمبر خلال الأسبوع الأول؛ إذ لم يكن الموقف الروسي قد تبلور وتحددت ملامحه بعد، فما هي المحددات والحدود الحقيقية للسياسة الخارجية الروسية الحاكمة والمنتجة لرد الفعل الروسي إزاء دعوة التحالف الدولي ضد الإرهاب التي أطلقتها واشنطن.
إجمالًا، يمكن القول إنه إذا كانت روسيا ورثت ترسانة نووية ضخمة عن سلفها السوفيتي، بما أبقاها في عداد القوى الكبرى، وأضفى على سياستها الخارجية درجة عالية من الاهتمام العالمي والإقليمي ظاهريًا، فإنها ورثت أيضًا عوامل الوهن التي لازمت الاتحاد السوفيتي خلال عقديه الأخيرين سيما على الصعيد: الاقتصادي والاجتماعي والقيمي، وباتت بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف نفسها داخليًا، الشيء الذي تولت أمره قيادات جديدة تميزت قبل كل شيء بالتنكر التام للماضي الشيوعي بتوهماته وحقائقه، اللهم إلا بقايا سمات من قبيل: السلطة ذات القبضة الحديدية، تغلغل النفوذ اليهودي في الحكم والمجتمع، السياسة التدخلية في دول آسيا الوسطى المنتسبة إلى عالم الإسلام دون سائر جمهوريات الاتحاد الغابر باسم رابطة أو كومنولث الدول المستقلة.
لقد كان الشيء الجديد بالفعل والذي خاضت فيه بقوة إدارة يلتسن لثمانية أعوام وراكمت عليه إدارة فلاديمير بوتين منذ مطلع العام 2000، هو نفض غبار العلاقة الصراعية مع الغرب، والسعي الجاد لفتح ملف جديد لعلاقات تتراءى خصائصها الإيجابية من زوايا الصداقات الشخصية بين القادة الجدد والنخب الغربية، والتعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاستراتيجية، الأمر الذي يعنينا منه مقايضات وتوافقات التوجه الروسي مع الخط الغربي والأمريكي فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية كلًا وتفصيلًا، على نحو ما أسفرت عنه تجارب: الشيشان، البوسنة، كوسوفا، العراق، فلسطين، وأفغانستان والأصولية الإسلامية عبر التسعينيات، على النحو الذي سبق بيانه، بما ينتهي بنا إلى نتيجة هامة نسعى لاستبيان مدى مصداقيتها، مفادها: “أن البراجماتية الغالبة على التوجه الروسي الراهن تعلوها رغبة أقوى في مواجهة تنامي الأصولية الإسلامية، سيما في جوارها القريب وبالأخص القابعة في أفغانستان “، ولقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها لتكشف بوضوح عن أبعاد هذا الإطار المحدد للسياسة الخارجية الروسية.
كانت روسيا في مقدمة الدول التي سارعت بالإعراب عن تعاطفها مع الأمريكان إزاء ما أسمته برقية بوتين لنظيره الأمريكي بـ “العمل الإرهابي” و”المأساة العميقة مؤكدًا أن مثل هذه الأعمال يجب ألا تمضي دون عقاب. وفي الداخل الروسي حرصت موسكو على التعبير عن مشاعر المواساة بإعلان الحداد لمدة يوم في عموم روسيا وتنكيس العلم الروسي فوق هيئاتها الحكومية، فيما توافد المئات للتوقيع في سجلات التعزية بالسفارة الأمريكية بموسكو[149] .
وفيما لم تكن عبارات التعاطف والمشاركة في الغضب – بصورتها العامة – تعني الكثير بالنسبة لرد الفعل الأمريكي المتفاقم مبكرًا، والذي وقف وراءه إعلام يهودي حانق على العرب والمسلمين، فإن ذات الإعلام راح يشن حملة شعواء في أغلب وسائل الإعلام الروسي للتحريض ضد كافة قطاعات الأمة بإسقاطها تحت الخط الأصولي الإسلامي الذي اعتبرته هذه الدوائر تهديدًا للحضارة الإنسانية، رابطة بعبارات مثيرة بين ما حدث في نيويورك وواشنطن وما يجري في القدس والشيشان[150].
وعلى الرغم مما يرجحه التحليل السابق للموقف الروسي قبل 11 سبتمبر من المسألة الطالبانية من احتمال الإسراع بمطاوعة التحالف الدولي الذي دعا إليه بوش، إلا أن عددًا من الاعتبارات ساهم في تردد الخطاب الروسي بين التجاوب،بل وأحيانًا الحفز نحو تفكيك قواعد الإرهاب في المنطقة، وبين التحفظ ضمن مخاوف عدة من جانب، ومطامع من جانب آخر تثيرها هذه الفرصة السانحة. فأمام التقارير الماضية حول المساعي الأمريكية لاختراق المنطقة وما يمكن أن يمثله ذلك من تحجيم للنفوذ الروسي والحد من حرية حركته إقليميًا، وأمام هذا التوجه المتشدد الذي صرحت به إدارة بوش تجاه روسيا منذ أوائل العام 2001 خاصة فيما يتعلق ببرنامج الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ والتلويح بالانسحاب من اتفاقية ABM المعقودة مع السوفيت منذ العام 1972، وكذلك المماطلة الأمريكية الأوروبية في دعم الكريملين أمام قوى اليمين واليسار المعارضة في الداخل بإعاقة مطامح قبول روسيا شريكًا في ترتيبات الأمن الأوروبي، وفي فعاليات وآليات عمل الناتو، علاوة على التحفظ النابع من المؤسسة العسكرية الروسية التي لا تزال تعبر عن رواسب حلم الدب الروسي….إزاء كل ذلك كان لابد وأن يغلف الرد الروسي الأولي بمشروطيات وحدود للتعاون مع الولايات المتحدة.
فتعقيبًا على إعلان كولين باول (13/9) رغبة واشنطن في إقامة تحالف دولي لمكافحة الإرهاب يرتكز بالأساس على دول حلف شمال الأطلسي ودول الشرق الأوسط،في ضوء تحريك المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تفضي على “ضرورة تضامن دول الحلف عندما تتعرض إحداها لهجوم”،طرح وزير الدفاع الروسي سيرجى إيفانوف (15/9) أن موسكو لن تسمح لحلف الناتو أن يتخذ من أي منطقة في جمهوريات الاتحاد محطة له أو قاعدة له…إن روسيا مستعدة لتقديم كل سبل الدعم لعمل “التحقيقات”،لكنها لن تشارك بأي حال من الأحوال في الهجوم على أفغانستان،التي تورطت معها روسيا في حرب مميتة من سنة 1979 إلى 1989″[151].
وفيما كان المراقبون يتشككون في ثوابت ومتغيرات الموقف الروسي، بين مرجح للتطور نحو التعاون والتحالف بناء على الثوابت السابق الإشارة إليها، وبين متطلع إلى ضغط روسي على التوجه الأمريكي يحد من فاعليته، فإن التسعير اليهودي الداخلي أضيف عليه تصعيد الشيشان لهجماتهم العسكرية، ليذهب ذلك بالموقف الروسي إلى نقطة بعيدة.ففي السابع عشر من سبتمبر أعلن مكتب الرئيس الشيشاني-أصلان مسعودوف-سيطرة قوات تابعة له على مدينة”غودرميس”الاستراتيجية، ونقلت الوكالات تواصل المعارك حول المدينة، وأن تسعة عسكريين روس أحدهم برتبة جنرال لقوا مصرعهم احتراقًا بعد إسقاط المقاتلين الشيشان مروحية عسكرية كانت تقلهم فوق جروزني وغيرها من الهجمات التي شهدها هذا اليوم(17/9)، الأمر الذي توقع المراقبون أن يؤدي إلى نتائج سلبية؛ إذ يعطي الفرصة لإدارة بوتين لتنفيذ مخططاتها، وتحقيق قناعتها بالإجهاز على الحركة الإسلامية في المنطقة كمصلحة قومية روسية مباشرة ضمن التحالف الدولي الذي تسعى إليه واشنطن[152].
لقد كان لذلك مردود خطابي عاجل عبر لقاء سيرجي إيفانوف وباول (19/9)؛ إذ أعلن الوزير الروسي الاتفاق على استخدام القوة وتنسيق الأدوار في ذلك….إلا أن خطاب التحفظ استمر خلال هذا الأسبوع الثاني؛ حيث جدد بوتين (21/ 9) تأكيده على “التنسيق” مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب، “فقط في إطار القوانين الروسية والتعهدات الدولية التي وقعتها روسيا[153]، بينما خفت الصوت الرسمي المعارض لـ “الاقتراب الأمريكي” من تخوم روسيا، أي بإقامة قواعد أمريكية في آسيا الوسطى، أو باستخدام القوات الأمريكية للقواعد السوفيتية السابقة فيها. من الواضح أن تحركات موازية كانت تمهد لتحول نوعي في الموقف الرسمي لروسيا؛ إذ اجتمع الرئيس الروسي في اليوم التالي مع عدد كبير من المسئولين على رأسهم وزير الدفاع سيرجي إيفانوف وأمين عام مجلس الأمن القومي الروسي “فلاديمير روشايلو” الذي كان عائدًا لتوه من جولة طارئة في دول آسيا الوسطى فيما يبدو أنه كان بغاية تنسيق الموقف إزاء المطالب الأمريكية المتزايدة تحديدًا وإلحاحًا. لقد بدا أن روسيا تنتظر بيان الجميع لمواقفهم لتقدير موقفها الخاص على ضوء ذلك، ومن ثم دعت إلى قمة طارئة لدول الثماني الكبار، لمناقشة مسألة الإرهاب الدولي [154].
وعليه كان الموقف الروسي المتردد محل اختبار حقيقي، حين طلب بوش بصورة شبه رسمية تأييد روسيا، دون تحديد لنوعية هذا التأييد عبر اتصال هاتفي مع بوتين(22/9) سيما فيما يتعلق بالسماح باستخدام المجال الجوي لدول آسيا الوسطى الثلاث المتاخمة لأفغانستان؛ الأمر الذي فتح المجال أمام الاستواء بين القناعات القيادية والبيئة الموضوعية المدركة من قبل النخبة وأغلب العامة في روسيا في ضرورة التواؤم مع التحالف الأمريكي والسعي للاضطلاع بدور قيادي ومتميز في إطاره.
ففي كلمة بثها التليفزيون الحكومي الروسي (25/9) أعلن بوتين عن توسيع نطاق تعاونه ومساندته للعمليات العسكرية الأمريكية التي باتت حتمية في أفغانستان، مفصلًا مجالات هذا التعاون في[155]:
– إرسال أسلحة ومعدات عسكرية إلى المعارضة الأفغانية في الشمال وتوسيع نطاق التعاون مع حكومة أفغانستان المعترف بها دوليًا، في انتقال مبكر وصريح إلى ما لم تقدم الولايات المتحدة على الخوض فيه إلا في مرحلة متأخرة.
– فتح المجال الجوي لبلاده لتحلق فيه طائرات تحمل “المساعدات الإنسانية” إلى المناطق التي تنفذ فيها عمليات ضد الإرهاب، علاوة على الدعم اللوجيستي من خلال الجمهوريات المتاخمة لأفغانستان.
– التعهد بتقديم المخابرات الروسية لكافة المعلومات التي لديها بشأن البنية الأساسية للإرهاب، ومواطن تواجد الإرهابيين الدوليين، وقواعد تدريب المقاتلين.
– تكثيف التشاور مع حلف الأطلنطي بشأن مساعدات روسيا للتحالف.
وبالفعل بدأت القفزات المتسارعة، إذ التقي وزير الدفاع إيفانوف في اليوم التالي (26/9) في بروكسيل مع وزراء دفاع الناتو ونائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوفيتز، والذين أكدوا على استمرار الاتصالات للتنسيق قبل بدء العمليات. في ذات اليوم كان وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف يؤكد احتمال تعاون موسكو وواشنطن في التصدي لمن أسماهم “الإرهابيين الشيشان”، مشيرًا إلى التعاون القائم فيما يخص التحركات العسكرية ضد طالبان والقاعدة، فيما عده الكثيرون الصفقة الأول التي خرجت بها روسيا – أو تتمنى أن تخرج بها – من هذه الجولة، إذ راهنت موسكو على أن القضاء على طالبان يعد المقدمة الصحيحة لإنهاء العملية العسكرية في الشيشان في غضون 15 إلى 20 يومًا على حد قول وزير الخارجية الذي ما فتئ يذكر بالعلاقة بين زعماء الشيشان مثل القائد أمير خطاب – الأردني الأصل – وبين أسامة بن لادن[156].
على الجانب الآخر الداخلي جرت عمليات متضادة التأثير على السياسة الروسية بين خبراء ينصحون بتأمين موسكو ومؤسسات الدولة والمواقع الحيوية والنووية حتى لا تقع في متناول الأهداف الإرهابية على غرار ما جرى في واشنطن ونيويورك، وهذا الرأي الذي تزعمه وزير الدفاع الروسي السابق “شابوشينيكوف”[157]، ومن يروجون الأقاويل باحتمالات هروب ابن لادن إلى الشيشان أو إحدى دول آسيا الوسطى[158]، ومن يوقدون نارًا للحرب ويناضلون من أجلها من قبيل اليهود الروس الذين حملوا على عبارات بوش التجميلية التي تصف الإسلام بأنه دين سلام وتفصل ما بينه وبين الإرهاب والإرهابيين على حد ما جاء في صحيفة “كمرسنت ديلي” الواقعة تحت نفوذ الملياردير اليهودي الهارب بوريس يبيرزوفسكي -السابق الإشارة إليه- بل راحت نفس الدعاية اليهودية تكيل الاتهامات لمؤتمر عقد في موسكو جمع علماء الدين المسلمين والمسيحيين، إذ وصمته بمؤتمر “دعم الإرهابيين”… فيما طالب زعيم كتلة يابلوكا في الدوما -اليهودي يافلينسكي- بتعليق دعم موسكو لواشنطن على “ضرب مواقع الإرهابيين في كل مكان”[159].
هذا على جانب، بينما على الجانب الآخر ظهر تيار التريث والحذر والبحث عن الذات، إذ يصرح رئيس مجلس الدوما – جينادي سيلزنيوف – بأنه “لا يجب علينا أن نشارك واشنطن في نواياها، ولا نريد أن نقدم مطاراتنا لها “وتساءل:” ضد من ستحارب أمريكا؟ ولمصلحة من نزج بأنفسنا في حربها؟”[160]، وتوالت “نصائح” خبراء الحرب الروس التي وصلت أحيانًا إلى حد التخويف والإرجاف للأمريكان والروس من مغبة الإصرار على مهاجمة أفغانستان وغزوها، فيذكر الجنرال ألكسندر روتسكوي -نائب رئيس روسيا سابقًا والمعروف ببطل الاتحاد السوفيتي- الجميع بعبارة للإسكندر الأكبر تقول: “يمكن للمرء المرور بأفغانستان، أما البقاء فيها فذلك مستحيل”، وينصح قائد القوات الروسية في أفغانستان (1987-1989) الجنرال بوريس جوردسوف، القيادة الروسية بـ”عدم التورط بإرسال أي جندي إلى أفغانستان أو المشاركة بأي شكل من الأشكال في التدخل”[161]، ثم انضم رجال الأرثوذكسية الروسية لهذا التيار؛ إذ حذر بطريرك موسكو (24/9) من صراع إسلامي – مسيحي[162].
في غضون ذلك عبر بوتين عن وقوعه تحت تأثير الجانب الأول المسعر للحرب عبر خطابه في البوندستاج (البرلمان الألماني) إذ أنفذ رسالة إلى الولايات المتحدة، بأنها إذ تحارب الإرهاب تصر على عدم وضع الشيشانيين على لائحتها للإرهاب[163]، إلا أن وكالات الأنباء أذاعت أن واشنطن منحت روسيا تفويضًا لتنفيذ اقتراح للكرملين بعقد (محادثات سلام) مع المقاتلين الشيشان رغبة في عدم المشاكلة على حملتها الراهنة[164].
وإزاء هذا الموقف الأمريكي غير الداعم بشكل كبير للتحرك العسكري الروسي في الشيشان، على خلفية تصريحات منظمات حقوق الإنسان باحتمالات أن تكون الشيشان هي الثمن[165]، توقع البعض تجمد الموقف الروسي على تحفظاته الباقية إلا أن بوتين أعلن مع نهاية سبتمبر ومطلع أكتوبر”تحالف” بلاده مع واشنطن في خطوات عسكرية أكثر تقدمًا، أهمها: تأمين الجبهة الشمالية لأفغانستان، والسماح بإقامة قواعد أمريكية مؤقتة في الجمهوريات السوفياتية السابقة المجاورة لأفغانستان، الأمر الذي كان له صداه على الموقف الطاجيكي الذي كان مترددًا في إعلان فتح أجوائه أمام الطيران الأمريكي إلى هذا الحين على نحو ما أشرنا إليه[166].
وعليه فإن الدعم الروسي للتحالف تدرج حتى وصل إلى الدرجة التي لم يبق بعدها سوي إشراك قوات روسية في الهجمات الأمريكية، الأمر الذي لم تطلبه الولايات المتحدة حتى من أدنى حلفائها في شمال الأطلسي، اللهم الاّ المملكة المتحدة التي بدا رئيس وزرائها الأكثر تحمسًا وتحركًا خارج الولايات المتحدة لتشييد التحالف الدولي.
وخلال الأيام القليلة التي سبقت الحرب، لم يعد ثم مكان للتحفظ الخطاب؛ حيث تسلمت موسكو دورها الداعم على مستوى التحركات الدبلوماسية والخطاب الإعلامي، وعلى المستوى العسكري فيما راح يتدفق على تحالف الشمال المعارض لطالبان من معونات.. بل إن روسيا راحت تشارك بقوة في التحضيرات المسبقة لترتيبات “ما بعد طالبان”؛ حيث أعلنت عن رفضها المطلق لمشاركة أي أعضاء من طالبان ممن يوصفون بالمعتدلين، وشددت على أن أي حكومة بديلة لابد أن تخلو تمامًا من العناصر الأصولية وعلى ضرورة عودة الحكومة الشرعية المعترف بها؛ حيث كانت علاقاتها بها أوثق، وذلك بالنظر إلى برودة ارتباطات روسيا بتجمع روما الذي بدا وقد تخلق في رحم الغرب، ولا يلتفت إلى التعاون مع روسيا إلا ضمن التبعية للسياسات الغربية.
وهكذا فقد فشل مرة أخرى الاعتماد في التحليل السياسي على منطق”المصلحة” وحده مجردًا من العوامل القيمية الثقافية والحضارية، المنطق الذي يصر على إغفال دور المبادئ والقناعات الحاكمة والممزوجة بحسابات المصالح، والقادرة على القيام بدور المرجع بين هذه المصالح حال تعارضها، بل وكثيرًا -في مثل مواقف الأزمات هذه- ما تسود على هذه الاعتبارات المصلحية وتجبها، خاصة إذا ما تعارضت المبادئ الجذرية نفسها على غرار ما هو قائم في الحالة الإسلامية بعامة، وفي صورتها الأصولية الكائنة في هذه المنطقة بخاصة.
وإذا ما كانت السياسة الروسية عبر الجولة الأولى تمثل تعبيرًا واضحًا عن هذه النتيجة، فإن السياستين: الصينية والهندية تزيدان الأمر جلاءً.

2. الصين: تعايش المتناقضات

تمثل الصين بالفعل – كما تشير أغلب الدراسات[167]حول شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية- نموذج التناقضات والازدواجيات المتعارضة والمجتمعة في صعيد واحد. يمكن تبين هذه الجدلية في قيادة الحزب الشيوعي لاقتصاد السوق والإصلاحات على نمط شبه غربي، والتجاوب مع عمليات ظواهر العولمة بالسعي نحو تحرير التجارة الصينية بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، كل ذلك في ظل هيمنة أشكال الاشتراكية الصينية التي لا يزال الكثير من الدارسين والممارسين يتفاعلون معها كميراث للحقبة الماوية (49-1973)، ثم القوميات والعرقيات من الهان والزوانج والمانشو والهيوي والمياو والويغار (أو الإيغور المسلمين) والواي والمنغول والتبت والبيوي والكريون وغيرها من الأقليات الأصغر حجمًا وما تتمسك منها من ثقافات وهويات سيما مسلمي الإيغور فالهيوي… وذلك أيضًا في ظل إصرار نظام الحكم على تدشين وحدة وطنية لا تقيم وزنًا لدين معين، وتؤكد على شمولية الثقافة الكونفوشية(القارية) وما يعرف بالقيم الصينية الممتزجة بتجديدات الماوية الشيوعية، والتي راحت حدتها تخف تدريجًا خلال عهدي ديانج هسياو وجيانج زيمين الأخيرين.
إلا أن الساحة الخارجية تفرز شواهد أكثر على هذه الحقيقة الأشبه بحركة الديالكتيك (صراع التناقضات) الشائعة في الأدب الشيوعي؛ حيث تحرص الصين على القبض بقوة على عنان سياستها الخارجية، الأمر الذي يبديها شديدة الإحجام إلى درجة السلبية المطلقة في كثير من الأحيان. فبينما تبدو الصين أحيانًا بسبيلها لقيادة حركة منظمة لدول العالم الثالث أو المجموعة الأفرو-آسيوية في مناهضة العولمة والهيمنة الاقتصادية والحضارية والثقافية الغربية، تفصح سائر ممارساتها عن إيماءات سلبية وربما تجاوبات عريضة مع السياسات الغربية والأمريكية إلى الدرجة التي تحولت فيها الصين من الممانعة إلى الاندفاع نحو الانضمام للمؤسسة العولمية الجديدة على نحو ما أشير إليه.
ومن جانب آخر فيما يتعلق بالعالم الإسلامي تجمع الصين بين الاعتراف بالحقوق العربية في الشأن الفلسطيني، والتجاوب الدبلوماسي والخطابي مع القضايا العراقية والليبية واللبنانية ومع إقامة علاقات تعاون مع دول إسلامية كبيرة تخلت عنها الدبلوماسية الغربية والأمريكية في مراحل ما، خاصة عقب انقضاء الحرب الباردة، مثل: إندونيسيا وباكستان وإيران، تجمع الصين بين هذا الموقف الذي لا يرقى لمستوى الأداء المستديم أو انتهاج استراتيجية محددة المعالم، وبين علاقات حميمة متعاظمة، سيما في المجالين العسكري والاقتصادي مع إِسرائيل على نحو ما أشار إليه القسم الأول من هذا التقرير.
وعامة، فإنه على صعيد العلاقات الصينية – الأمريكية لا يختلف الموقف كثيرًا؛ إذ تتراوح التوجهات الاستراتيجية لواشنطن نحو الصين بين الضغط إلى درجة المضايقة وإثارة المخاوف باستمرار في تبني قضايا تعتبرها الصين من صميم شأنها الداخلي كمسائل تايوان والتبت وحقوق الإنسان والعلاقات مع كوريا الشمالية والتعاون العسكري مع دول تعدها واشنطن دولًا مارقة مثل: إيران، وبين ترك الأبواب الأخرى شبه مفتحة فيما يشبه إلى حد كبير سياسة العصا والجزرة من قبيل اعتبار الصين الدولة الأولى بالرعاية تجاريًا وتطوير العلاقات معها سيما خلال فترة كلينتون إلى درجة اعتبار الصين شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد. على الجانب الآخر، فإن السياسة الصينية إزاء الولايات المتحدة تميزت بسمتي اللامبالاة وعدم الإفصاح عن ردود الأفعال السلبية من ناحية، والضغط غير المباشر بالاستمرار في التنمية الذاتية باتجاه التوازن وربما التسابق مع الولايات المتحدة وغزو الأسواق العالمية ومواصلة سياسة تصنيع وتصدير الأسلحة المتطورة والتعاون مع دول لا تسير في الفلك الأمريكي من ناحية أخري. إلا أن حالة الصمت وعدم الإفصاح عن الموقف والتي تشغل حيزًا كبيرًا من التفاعل الصيني مع قضايا الخارج يعزي إليها الكثير من الالتباس الذي يقع فيه المراقبون.
وعليه فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تكتسب أهمية علمية وعملية كبيرة في الكشف عن حقائق السياسة الخارجية الصينية، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمة الإسلامية. فعلى الرغم من البرودة التي أصابت العلاقات الصينية – الأمريكية عبر ثلاثة أرباع العام 2001 على خلفية قضايا برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي وإعلان بوش أن إدارته لا تعتبر الصين شريكًا بل منافسًا استراتيجيًا وما عكسته قضية طائرة التجسس (أبريل 2001) من كوامن ندية وتحفز متبادل، فإن الصين كسائر الدول لم تتأخر عن الدعوة لمكافحة الإرهاب الدولي ضمن مواساة زيمين لنظيره الأمريكي عقب الحادث مباشرة[168].
لقد رأى المحللون الصينيون أنفسهم أن هدف تشكيل تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب يمثل في التحليل الأولي فرصة ممتازة بالنسبة للصين، إذ يضطر ذلك واشنطن إلى التخلي عن نزعتها الأحادية ويدفعها إلى تحسين علاقاتها مع قوى روسيا وإيران والصين، بما يوفر أرضية صلبة تعترف بصحة المقولة الصينية الخاصة بأن تعايش العالم وتماسكه يتطلب العمل وفق صيغة تعدد الأقطاب[169].
إلا أن الجميع لاحظ تناقضية الرد الصيني الإيجابي على دعوة التحالف بما يؤول إلى خلوه من المعنى الجدي المعتبر؛ حيث اشتمل على عبارات أدنى إلى التطابق مع وجهة النظر الأمريكية ودعمها إلى آخر النفق، وعبارات أخرى تصب في خانة الحذر والتحفظ.
ففيما أكد وزير خارجية الصين -تانج جياكسوان- خلال زيارته لواشنطن (21/9) وقوف بلاده إلى جانب الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب الذي يهدد السلم والاستقرار الدوليين، إلا أنه حرص على الإشارة إلى المدخل القانوني للتضامن الصيني مع الولايات المتحدة؛ حيث شاركت في إصدار قرار مجلس الأمن (1368) الذي اعتبر الهجمات على واشنطن ونيويورك عملا إرهابيًا دوليًا يهدد السلم والأمن الدوليين، وبينما أردفت الخارجية الصينية في اليوم التالي (22/9) بإعلانها عدم السماح لابن لادن بالدخول إلى الأراضي الصينية على ما أشاعت احتماله بعض الصحف الغربية، فلم تنقطع بيانات الرئيس زيمين الناصحة بثبات لواشنطن بعدم التورط في”ضرب عشوائي” دون أدلة كافية، مشددًا على ضرورة عدول واشنطن عن اتباع “المقاييس المزدوجة”[170] في سياستها فيما عد الخطاب الأوحد بين الخطابات الرسمية الذي جرؤ على تذكير واشنطن بالسؤال الممنوع: لماذا وقع ما وقع؟ ولماذا هذا الاختيار الأمريكي؟”
هذه المحاذير الصينية كان لها ما يبررها: فهناك المخاطر المحتملة جراء التوافد العسكري الأمريكي على حدودها الغربية والجنوبية بحرًا وبرًا بأحجام وتشكيلات تنبئ بإقامة غير قصيرة، ومخاوف انعكاسات الحرب على الداخل الصيني سيما في تركستان الشرقية التي تقود المسلمين فيها حركة استقلالية كثيرًا ما أشارت الحكومة الصينية إلى ارتباطاتها بأسامة بن لادن، علاوة على حقيقة أن الصين لم تكن على عداوة تامة أو سافرة مع طالبان ووجودها بقدر ما كانت تسعى لقطع أياديها الممتدة وراء الأصولية الإسلامية في المنطقة، في طاجيكستان وقيرغيزيا والإيجوز على النحو الذي أفصحت عنه ترتيبات شنغهاي المشار إليها أعلاه.
إن هذا يدعو للتساؤل عن العوامل المحفزة التي يمكن أن تجعل الصين تطرح كل تلك المخاوف جانبًا لتعضد التوجه الأمريكي؟ فضلًا عما أشارت إليه الصحافة الصينية من قبل، فقد كشفت الأحداث عن رغبة صينية في اقتناص الفرصة لإطلاق العنان لأسلوبها المعروف في تسوية المسألة الإسلامية الإيجورية في سينكيانج دون توقع لمعارضة ذات بال من قبل الحقوق- إنسانيين الغربيين الذين طالما طاردوا النظام الشيوعي بهذه الوصمة!
ففي فاجعة مشينة، نشرت “التايمز” البريطانية- على صفحتها الأولى –خبر قيام السلطات الصينية(25/9) بإعدام “عشرات السجناء الإسلاميين ممن يقاتلون من أجل استقلال تركستان الشرقية، وذلك أمام”العامة” وبعد أن تم “تجريعهم الخمر مع وجباتهم الأخيرة” وفيما اعتبرت الصحيفة الغربية ذلك استخفافًا بمشاعر المسلمين في الصين واستغلالًا لموجة الغضب ضد المسلمين واسترضاء للغرب وفصّلت في تصوير وعرض أساليب الإذلال الصيني للمسلمين في الشوارع حتى تم إعدامهم بإطلاق رصاصة على مؤخرة رأس كل سجين، فإنني لم أعثر على رد فعل إسلامي ذي بال رسميًا كان أو غير رسمي، بل إن القليل من الصحف العربية التي نقلت الخبر قذفت به إلى الزوايا المهملة وبإيجاز شديد وبلا تعليق[171].
وها هي الصين تنضم للمقتاتين من لحم ودم الأمة المخذولة من بنيها إلى أقصى درجات الخذلان.
في اليوم التالي لذلك (26/9) واصلت الصحيفة البريطانية نفسها متابعة أنباء الغزوة الصينية من الشرق المتضافرة مع الغزوة الغربية؛ إذ توافدت قوات خاصة صينية إلى منطقة “كاشغار” على الحدود الأفغانية تحسبًا لأي هجمات محتملة ممن أسماهم مسئولون صينيون “متطرفين إسلاميين من داخل البلاد”، الأمر الذي علق عليه دبلوماسيون غربيون بأن أحدًا لم يطلبه من الصين، إنما هو هاجس الخوف من “الحمية الإسلامية المنتظرة مع اقتراب الحرب على أفغانستان”[172]، بل إن دبلوما سيين من بكين نفسها صرحوا أن هذا الظرف هو الأنسب لكيلا تجد جماعات حقوق الإنسان من يسمع لتقاريرها حول “وحشية الشرطة واستغلال المستعمرين “[173]
أي أن الصين كعادتها –وقعت بين مخافتين متعارضتين تدفعها كل واحدة في اتجاه: مخافة الاقتراب الأمريكي، ومخافة التنامي الإسلامي، ولا شك أن اختيار الصين في هذه الجولة العاصفة الفارقة الكاشفة سيكون حاسمًا في فهم آليات تحديد الأولويات في السياسة الخارجية للصين.
جاء مطلع أكتوبر حاسمًا بالفعل؛ إذ أكد الرئيس الصيني زيمين في اتصاله الهاتفي(30/9) مع الرئيس الباكستاني برويز مشرف أن الصين ستواصل حملتها الدبلوماسية لمكافحة كل أشكال الإرهاب، ثم شدد على اعتماد جانب الحذر بإطلاق تفصيلات ثلاث للعملية العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان أو أي دولة أخرى – وهى تفضيلات وليست شروطًا على خلاف ما حاول البعض وصفها به-إذ لم تمثل أكثر من نصائح تورد ضمن تصريحات أكثر حلفاء الولايات إيغالًا في التعاون، (وتتلخص في: الاستناد إلى أدلة دامغة، وأن تكون الأهداف محددة، وأن تتوافق مع أهداف ومبادئ القانون الدولي) ومن ثم لم يكن لهذه التحفظات أمام “الحملة الدبلوماسية الصينية ضد الإرهاب “التي أكد عليها زيمين سوى معنى “التجميل أو التجمل”
ومع اقتراب ساعة الصفر كان الاتجاه التفاؤلي في الحكومة والنخبة الصينية هو الأعلى صوتًا على اعتبار أن الهدف الأمريكي المتمثل في القضاء على نظام طالبان وإحلال نظام غير أصولي يصب في المصلحة القومية الصينية؛ إذ يعزز الاستقرار في تركستان الشرقية التي تسميها الصين (سينكيانج أو جينجيانج)؛ حيث يضم تنظيم القاعدة بناء على التقارير الصينية عدة عناصر من الإيغور الاستقلاليين؛ مما يفقدهم ملاذًا ودعمًا هامًا يحجم من حركتهم داخل تركستان نفسها، وعلى اعتبار أن الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى وأفغانستان لا يدعو إلى القلق؛ إذ إن مهمته محدودة بمكافحة الإرهاب وأنه ليس من الصالح الأمريكى البقاء طويلًا في المنطقة، في ظل اعتراض دولها الكبرى والصغرى سيما داخل تجمع شنغهاي الخماسي [174]..
وعلى الرغم من وجود تيار يحمل الولايات المتحدة وسياساتها مسئولية ما جرى لها، والذي انفلتت بعض عباراته إلى خطاب الرئيس الصيني، ويرى أن أسلوبها في معالجة المسألة غير إيجابي وسوف تكون له عواقب وخيمة عليها وعلى حلفائها والمتعاونين معها بما فيهم الصين، فإن عوامل العجز عن إيقاف المسار الامريكى، والخسائر المحتملة من جراء رفضه أو عدم التجاوب معه، علاوة على أصالة العداء القومي والجماعي – الدولي والإقليمي – للأصولية الإسلامية، هذه العوامل سيطرت على القيادة الصينية لتنضم إلى مظاهرة التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة.

3. الهند: الفرصة السانحة بلا مخاطر

لاشك أن الحالة الهندية تتقاطع مع الحالتين الروسية والصينية في خصائص عامة كثيرة من قبيل السعي إلى إحراز مكانة إقليمية ودولية على خلفية حوزة مقدرات وإمكانيات معينة والاصطدام بالأصولية الإسلامية الهادية والاستقلالية في كشمير على غرار الشيشان وتركستان الشرقية في الحالتين المذكورتين، وتنامي العلاقات الاستراتيجية والسياسية مع الكيان الإسرائيلي مع الاحتفاظ بخطاب رسمي لا يفصم العلاقات مع العرب في الشرق الأوسط، وعدم ارتقاء العلاقات مع الولايات المتحدة إلى درجة الدفء التام ضمن محاولات إرساء علاقة صداقة ندية خالية من أشكال التبعية والاحتواء التي تبدو واشنطن مصرة عليها، وأخيرًا تتسم الدول الثلاث بصعود أنظمة حكم في العقد الأخير تمثل انقطاعًا أو تجديدًا على الخط التقليدي الذي كانت عليه إبان مجريات حقبة الحرب الباردة. على الرغم من ذلك فإن نيودلهي اختصت بعاملين آخرين: خارجي وداخلي، كان لهما دور كبير في تشكيل السياسة الهندية خلال هذه الجولة التالية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
فمن ناحية، تفخر الهند باعتبارها أكبر ديمقراطية في العالم من حيث السكان -واقعيًا- على الحالة الروسية فضلًا عن دولة الحزب الشيوعي الصينية. وعلى الرغم من التحفظ على هذه الاطلاقات الهندية إلا إنه يمكن القول إن ثمة ديمقراطية أضفي عليها حزب “بهاراتيا جاناتا” الذي اعتلى سدة الحكم 1998 طابعًا أصوليًا واضحًا ساهم في إعطاء الديمقراطية الهندية تميزًا معينًا يتلخص في أنها ديمقراطية هندوسية، أي أن التميز الأكبر والأهم في هذه الديمقراطية هو أنها “ضد المسلمين” سواء في الداخل الهندي أو في القطاع الذي تسيطر عليه الهند من جامو وكشمير.
وإذا ما كانت هذه الديمقراطية الهندوسية من شأنها السماح بدرجة من التنويع في اتجاهات الرأي على الساحة السياسية الداخلية، فإن العامل الخارجي ساهم في تحجيم هذا التنوع وأفسح المجال أمام حكومة فاجبايي لإعطاء أولوية مطلقة التطابق مع الحملة الأمريكية لاجتثاث جذور الأصولية الإسلامية من المنطقة كلها.
ومن الناحية الأخرى،كان للعامل الخارجي الأثر الأكبر متمثلًا في طبيعة العلاقة مع الجار اللدود باكستان التي وقعت في المأزق الخطير، بين سياستها الداعمة لطالبان، وواقعها المتخم بالجماعات الدينية بدرجاتها، وبين النوايا الأمريكية المشهرة منذ اليوم الأول بالاستفادة منها في إنفاذ رد الفعل الأمريكي. وعليه فإن الهند سارعت -بموازاة الصديق الإسرائيلي- وأطلقت خطابًا تحريضيًا ذامًا للتوجه الأمريكي، بل وموجهًا لمساره وضاغطًا على إسلام آباد في آن واحد فيما أطلق عليه البعض: “الفرصة السانحة، التوظيف السياسي للأزمة، تصفية الحسابات الإقليمية، استغلال رغبة الانتقام الأمريكي الأعمى”[175].
فأعلن رئيس الوزراء الهندي مبكرًا استعداد نيودلهي للتعاون مع المساعي الأمريكية “ضد كل أشكال الإرهاب وضد الدول الداعية أو الآوية للإرهاب”، وذلك دونما انتظار لطلب أمريكي محدد بهذا الصدد، وراح الإعلام الهندي يشاكل على احتمالات تمتن العلاقات الأمريكية – الباكستانية على خلفية قبول الجيش الباكستاني للتعاطي مع المطالب الأمريكية؛ إذ صعدت وسائل الإعلام الهندية من الحديث عن “الإرهاب الكشميري” المدعوم من إسلام آباد، والدور الطالباني أيضًا في كشمير والمماثلة بين المعاناة الأمريكية الحالية الكشميرية.
وعليه فقد قدمت نيودلهى عناصر مزيدة على التحالف الدولي ضد الإرهاب الذي تتزعمه الولايات المتحدة على غرار ما عبر عنه وزير الداخلية الهندي “أدفاني” (18/9) من أن “الإرهاب أخطر من الحرب، وإذا ما اعتمد العالم معاهدة تسليم الإرهابيين، فإنه يمكن القضاء على تلك الظاهرة بشكل حاسم”، الدعوة التي أكدها ديليب تريفدي -أحد قادة المجلس الهندوسي العالمي- بقوله: “كانت الهند ضحية للأنشطة الإرهابية، وأي محاولة عالمية للقضاء على هذا التهديد هي موضوع ترحيب منها”[176].
لقد كانت الدلالة الكبرى للخطاب والتحرك الهندي خلال الأسبوع الأول من تداعيات الحدث، أن الهند كسرت حالة الفتور والإحجام عن التعاون معها أو التعويل عليها ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي ينبغي استيعابه أيضًا دون إطلاق تعميمات، أي في مضمار الأزمة الراهنة وأن المشترك فيها هو العداء للأصولية الأممية الإسلامية.
وفي مقابل هذا العرض الهندي الذي لم يعترض على السياسة الأمريكية في الاعتماد على باكستان، وزاد في تقديم نفسه بديلًا حال تراجع نظام مشرف، حرصت واشنطن على التلويح منذ البداية بالامتيازات التي ستحصل عليه الهند، والتي كللها بوش (24/9) برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الهند –وباكستان– منذ العام 1998 على ما سبقت الإشارة إليه، الأمر الذي رحبت به الخارجية الهندية: “وجهة نظرنا كانت دائمًا أن العقوبات.. لم تكن أداة فعالة، وقد تأكدت صحة موقفنا الآن”[177].
إلا أن الثمرة الأساسية التي جنتها الهند تمثلت في تحول السياسة الأمريكية إلى تقوية العلاقات الأمريكية في المحيط الهندي للهند لبحث سبل استئناف المناورات العسكرية المشتركة، في رسالة طمأنة على المكانة الاستراتيجية للهند في المنطقة، الأمر الذي قابلته الهند بدورها -على غرار روسيا وإسرائيل- بالعمل على تهدئة الأوضاع في الأقاليم الساخنة المرتبطة بها لإفساح المجال أمام الأمريكية ضد أفغانستان لتأخذ مجراها دون معوقات،وسيظل اللعب بورق كشمير هو الهدف الأساسي للهند.
خلاصة القول في الدلالات العامة لسياسات دول المنطقة عبر هذه الجولة الأولى من تداعيات اليوم الأمريكي (11/9) يمكن إجمالها في الملاحظات التالية:
1- أول ما يلاحظ على المواقف الأولية لهذه الدول هو تماثل الشعور بوطأة ما جرى في القطب الأكبر، فبدءًا من طالبان والأفغان العرب والأفغان المناوئين، وحتى القوى الكبرى، مرورًا بسائر الدول، وعلى مستويات الشعوب والنخب والقيادات شخصت أبصار الجميع وبلغت القلوب الحناجر للوهلة الأولى، الأمر الذي يعطي لدراسة القوى العالمية العظمى والكبرى وتفاعلاتها شرعية قد تصل إلى حد الفرض الديني والعقلي والأمر الذي ربما يلمح على أهميته التعبير القرآني المحكم: “غلبت الروم” والذي يشير إلى حقيقة تجاوب النفس البشرية داخليًا مع الوقائع الجسام من هذا القبيل.
2- كذا كشفت هذه الجولة عن حقائق هامة في مضمار الصراع الحضاري أو التدافع المشتعل دون هوادة والذي لم تشكل استدراكات الدول وتحفظاتها السابق إيرادها بالنسبة إليه، سوى زينة وزخرفة تقتضيها السنن، لقد تمثل ذلك بجلاء في الاعتماد المضمر لآليات هامة من قبيل:
أ- الاعتماد المضمر للتعريف الأمريكي لـ”الإرهاب” إذ لم ترد أي بادرة معارضة أو تحفظ من قبل دول المنطقة فيما عدا الأطراف الموسومة بالأصولية (إيران فقط) في تعريف الإرهاب أو الالتفات إلى خصوصية مفهوم “الجهاد” في الفكر والخبرة الإسلامية. ومما لا شك فيه أن ذلك الأمر وإن جرى التعتيم والتغييم عليه– إلا أنه كان مقصودًا في ظل تأويله وإسقاطه الفعليين المشهودين أيضا على الظاهرة الأصولية الإسلامية دون غيرها، والتي تعانى منها سائر هذه الأنظمة بما فيها نظام الجنرال برويز مشرف وفق توجهاته وقناعاته البادية أخيرًا.
ب- الاعتماد المضمر لخيار المواجهة المسلحة سبيلًا مقدمًا على سائر الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والآليات التجفيفية: (كآلية تجفيف منابع التمويل بتجميد الأرصدة، وتجفيف منابع التعبئة بتطوير التعليم الديني، وتجفيف منابع التحريك والاتصال بالاتفاقيات الأمنية…. الخ).. فأمام هياج وخوار الثور الأمريكي لم يصدر صوت رسمي ذو بال – فيما عدا الحالة الإيرانية المترددة – يرفض الوسيلة العسكرية كحل مطروح حاليًا.
ج- الاعتماد المضمر لآلية التدخل الخارجي في كافة شئون الغير، ليس فقط فيما يخص الحالة الأفغانية التي أعطى الجميع لأنفسهم الحق تلقائيًا في إرسال المأخذ وعرض الأمنيات وتقديم الطروحات في ماضيها ومستقبلها وما شابه ذلك دون تردد، بل والتدخل العجيب والصريح والمعلن في مناقشة قضايا أنظمة الحكم والجماعات الإسلامية والجمعيات الأهلية وقضايا التعليم والثقافة في عموم الأمة الإسلامية.
بل إن بعض الدول سعت بنفسها لتدويل قضايا داخلية بعينها ذات صلة إسلامية، وشحذ همة الغرب لمؤازرتها فيها على غرار ما فعلت روسيا والهند ودول من آسيا الوسطى، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى خوض الغرب والقوى الإقليمية في تقديم تعريف معين للإسلام نفسه والتمييز بين مسلمين ومسلمين على أساس واحد هو مقدار التواؤم أو التلاقي مع النموذج الحضاري الغربي بالأساس أو الموسوم بالإنساني أو العالمي بصفة عامة، هذه الآثار التي انعكست على تفاعل الأطراف المختلفة مع الحدث بما طرح العديد من التساؤلات ذات العيار الثقيل:
– إلى أي مدى سيتواصل هذا التدخل في شئون الأمة وفي أمر دينها؟ وما هي المجالات التي تميل هذه القوى إلى التركيز عليها؟ وما هو رد الفعل الأممي الإسلامي المنتظر؟ وممن؟
– هل يمثل ذلك– فعلًا – بداية لنظام عالمي جديد آخر يعرف بنظام ما بعد الحادي عشر من سبتمبر يتحول فيه النظام الدولي من الهيراركية ذات القطب الأوحد، ونخبة القوى الكبرى… إلى هيكل جديد تتكتل فيه أنظمة كبرى وعظمى من الغرب والشرق ضد عدو متشعب الأجزاء والتكوينات يتمثل في” التحدي الإسلامي”بعامة، “والأصولية الأممية الإسلامية” بخاصة؟ وهل هذا هو المشهد المنتظر لصراع أو تدافع الحضارات؟
– إلى أي مدى ستتواصل حرارة هذه الجولة مبقية على خط التقارب المشهود خلالها في أفقه المترائي؟ وإلى أي مدى ستبقى التحفظات المعبرة عن حدود الحركة تمثل خطوطًا أمامية تتجاوزها القناعات؟.. وغير ذلك التساؤلات التي يضيق المجال بحصرها.
3- الدلالة الكبرى والأهم تدور حول الطرائق التي تعاطت بها الأطراف الإسلامية أو الموصوفة بذلك مع الأزمة في أتونها، والطرائق التي تتخذ بها القرارات المصيرية في الأمة الإسلامية؟ وفي هذا الصدد ينبغي التنبيه على أن متخذي القرار هنا لا يقتصرون على القيادات والرسميين؛ إذ إن الأحداث أسفرت عن تثبيت أقدام فواعل أخرى من دون الدول باتت تطرح نفسها على الساحة الدولية، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة!
ففيما فسرت الأطراف غير المسلمة قناعاتها المستحكمة بما يتلاءم معها من مصالح قومية خاصة بها، فإن معياري المبادئ والمصالح الخاصة البادية أبيا إلا أن يتفرقا ويفرقا بين تيارين كبيرين داخل الدائرة الإسلامية؛ فطالبان والجماعات الدينية وفتاوى العلماء في سائر العالم الاسلامى وكذا الشارع المسلم عبرت عن تغليب معيار المبدأ المتمثل في عدم تسليم المسلم فيما يخص مسألة ابن لادن، وعدم التعاون مع غير المسلم ضد المسلم فيما يتعلق بالحملة على طالبان نفسها، دون الالتفات إلى أي مصالح أو مفاسد، أو بالنظر إليها على أنها دون مصلحة حفظ الملة وإعلاء الكلمة، في حين أن أنظمة الحكم والنخب ذات الطابع العلماني في أكثرها راحت تروج لميزان المصالح – المفاسد، مع خطاب يركز على تحميل الأصوليين مسئولية هذه الورطة، ويشير – وكثيرًا ما يصرح – بعدم حسابهم ضمن الدائرة الإسلامية؛ إذ الإسلام الحنيف براء من الإرهاب والإرهابيين. وفي الوقت الذي أصغى فيه الجميع إلى البيانات الغربية وأحيانًا الشرقية غير المسلمة، فإن الآذان صمت عن أي حوار من أي نوع بين هذين التيارين المسلمين.

الجولة الثانية- الحرب الأمريكية ودلالات التداعي الأفغاني (7/10 – 15 /11/2001)

على الرغم من جسامة الحقائق والدلالات التي أفرزتها تعاطيات الأطراف المختلفة من داخل وخارج الأمة مع الحدث الأمريكي المؤزم، إلا أن هذا اليوم لا يحظى بأهميته الفعلية على صعيد الأمة الإسلامية إلا باعتباره واحدًا من وقائع “حرب ممتدة” -على حد تعبير أكثر الفرقاء- على هامشها تجري حروب صغيرة ومعارك متصلة، يعد السابع من أكتوبر 2001 -حين بدأت الغارة الأمريكية على أفغانستان- يومها الأكبر من ذات الزاوية: زاوية الذات الأممية.
لقد أسفرت وقائع اليوم الأخير (على عادة العرب في تسمية الواقعة الحربية يومًا) عن مزيد وجديد من الحقائق الكبرى التي أبرزت من جانبها الكثير من أبعاد التفاعلات السياسية داخل وحول الأمة المسلمة، علاوة على تصديقها على ما سبق استخلاصه ضمن التحليل السابق، سيما في نطاق العلاقة مع الآخر كمنطلق لترشيد السلوك والتفاعل إزاء مكونات الذات الأممية الجامعة.
في نحو الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين مساء بتوقيت كابول عبرت الأجواء الباكستانية قذائف صاروخية من طراز كروز منطلقة من سفن أمريكية وغواصة بريطانية رابضة في المحيط الهندي، في ذات التوقيت الذي عبرت فيه نحو عشر طائرات أمريكية طرازات BI، B2، B3 أجواء أوزباكستان باتجاه المدن الأفغانية الرئيسية: كابول، قندهار، جلال أباد لتعلن عن بدء حذر للحملة على أفغانستان، صرح المسئولون العسكريون الأمريكيون أنه يهدف إلى”شل القدرات الدفاعية الجوية وأجهزة القيادة والاتصال والرصد الراداري التي تحوزها طالبان”[178].
كان باديًا سيطرة حالة من القلق والشك حول إمكان إنفاذ الهدف الأمريكي، والتأثر بتحذيرات الخبراء التي أصمت مسامع الجميع طوال الفترة الماضية، والرغبة في التعرف على اتجاهات ردود الأفعال الإسلامية والطالبانية وحقيقة ما توعد به الإسلاميون وأنصار ابن لادن. وعليه فقد اقتصر القطب الأمريكي خلال أول يومين على الطلعات الليلية دون استجابة دفاعية إيجابية إلى أن أعلن قائد حاملة الطائرات الأمريكية “انتربرايز” في اليوم الثالث: “أن الطيارين الذين أضحوا يحلقون نهارًا لم يعودوا يجدون أهدافًا لضربها” وتابعه وزير الدفاع الأمريكي بأن “الولايات المتحدة باتت قادرة على تنفيذ ضربات على مدار الأربعة والعشرين ساعة: إن كل مطارات طالبان أصيبت بأضرار خلال القصف باستثناء مطار واحد”[179].
وفيما هلل الأمريكيون لهذا النجاح السريع، إلا أن نهاية الأسبوع الأول على هذه الحال أفرزت تحديًا أمام الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ تطلعت كافة الأنظار إلى الجديد، ووجه الأمريكان بالسؤال عن حقيقة إنجازهم: هل أسروا ابن لادن أو أطاحوا بطالبان كما أرادوا وأعلنوا أم صاروا هم معلقين في الهواء بلا جدوى؟
أعلن الرئيس الأمريكي (13/10) أن “أهداف المرحلة الأولى من القصف الجوي تحققت بنجاح.. إن الطيران الأمريكي يسيطر على أجواء أفغانستان،.. إلا أن الحملة لم تنته بعد”[180]، بيد أن بوادر عدم مصادقة الرأي العام وتقارير المختصين على دعوى واشنطن تمكنها من تقطيع أوصال الشبكة الإرهابية داخل أفغانستان، دفع وزير دفاعه ونائبه إلى التصريح بأن “الحرب البرية في الطريق” الأمر الذي لم تقدم عليه القوات الأمريكية طوال أسابيع خمسة كرست حالة متصاعدة من الإحباط الأمريكي والغربي تؤازرها موجة متصاعدة من الاحتجاج الإسلامي والتململ العالمي إلى أن تحولت الولايات المتحدة إلى الاعتماد شبه الكلي على الأفغان أنفسهم لإجهاض الصمود الطالباني، وتحقيق النصر البري الذي كان ممتنعًا على الأمريكان والتحالف.
وعليه يمكن استعراض فعاليات هذه الجولة من تطورات الأزمة من خلال تبين آليات ومسارات التعاطي الطالباني ودلالاته مع ما أقحم عليه من خطاب قيادات القاعدة، وما ارتبط بذلك من مواقف المعارضة الأفغانية والقوي المحيطة بأفغانستان إزاء تطورات الغارة الأمريكية وما أفرزته من قضايا وجدالات.

أولًا – طالبان تقاوم: استراتيجية الصمود والاستدراج: إلى أين وإلى متى؟

خلال الأيام القلائل السابقة على القصفة الأمريكية تتابعت رسائل طالبان للبحث عن مخرج– على نحو ما انتهى إليه التحليل السابق،بيد أن دوي وبريق
القصف الفعلي الذي ابتدأ ليلة السابع من أكتوبر أزاح كل ستائر الأمل الكاذب، لتنتفض طالبان وحلفاؤها العرب في خطاب تحد مدوٍّ بلغ أقصي درجات العمق والتأثير في الشريط المسجل الذي بثته قناة الجزيرة القطرية عقب بدء الغارة بنحو الساعة، والذي تصدر فيه حديث ابن لادن عقب اثنين من أعوانه ساحة الاهتمام العالمي، وكان بمثابة المعادل الدعائي للأثر المعنوي الذي خلفه بدء الغارة على أفغانستان [181].
فقد انبرى سليمان أبو غيث -المتحدث باسم القاعدة- ليؤكد في لهجة حماسية أن “مجموعة ابن لادن” مستعدة للمواجهة، ويواجه الأمة المسلمة: “يا أمة أبي بكر وعمر، يا أمة الإسلام، اختاروا مع أي الخندقين تقفون، إن الواقعة قد بدأت”.. الأمر الذي كرره أيمن الظواهري – الذي عرّف أمريكيًا بالساعد الأيمن لابن لادن – وزاد عليه أن واجَهَ الشعبَ الأمريكي يستحثه ليسأل نفسه: “لماذا كل هذه الكراهية ضد أمريكا في قلب العرب والمسلمين….؟ الجواب سهل، إن أمريكا ارتكبت الكثير من الجرائم، وهي زعيمة المجرمين… إن حكومتكم هي التي تقتل أطفال العراق، وتسوقكم إلى حرب خاسرة جديدة تفقدون فيها مزيدًا من أبناء شعبكم، واذكروا هزيمة حكومتكم في فيتنام”، ليعود ويواجه الأمة: “أنتم أيها المسلمون، ها هي قريش الجديدة، تجمعت على فئة من المسلمين كما تجمعت قريش بالأمس على الفئة المؤمنة، فكونوا كما كان أهل الإسلام”.
جاء بيان ابن لادن أخيرًا أشد إثارة ومردودًا؛ إذ بدت على الرجل أمارات التحفز والغضب، فافتتح حديثه بإشهار السرور بما أصاب أمريكا: “ها هي أمريكا وقد أصابها الله في مقتل من مقاتلها، فدمر أعظم مبانيها، فلله الحمد والمنة، وها هي أمريكا قد ملئت رعبًا” ثم أعقب ذلك بقولته التي أثارت الكثير من الجدل حول مغزاها وما يمكن أن يستفاد سياسيًا وقانونيًا منها حين قال: “إن كوكبة من كواكب الإسلام وطليعة من طلائعه دمروا أمريكا”، فيما عدَّه الغرب وكثيرون في الشرق إقرارًا صريحًا من الرجل بنسبة العمل– إن لم يكن إلى نفسه وإلى جماعته – فإلى عموم المسلمين والعرب على نحو ما راج في الغرب منذ وقائع اليوم الأمريكي.
وعلى غرار صاحبيه، أهاب أسامة بن لادن بالمسلمين: “إن رياح التغيير هبت”، وبرر ما جرى لأمريكا تبريرًا يزيد من معاني تبني ضربة 11 سبتمبر: “إن ما تذوقه أمريكا اليوم هو شيء يسير مما تذوقه أمتنا منذ عشرات السنين، فأمتنا يُقتل أبناؤها، ويُعتدى على مقدساتها… اليوم يقف العالم خلف هُبَل العصر: أمريكا”، ويتابع التقسيم الثنائي: “إن هذه الأحداث قسمت إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر، فاختاروا يا أمة الإسلام: إما أن تكونوا مع الكفر أو مع الإيمان”.
أما العبارة التي صارت أكثر ذيوعًا والتي ربما هي بقيت عن البيان تلوكها الألسنة، فهي التي اختتم بها ابن لادن حديثه متحفزًا: “أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد، لن تحلم أمريكا، ولا من يعيش في أمريكا بالأمن قبل أن نعيشه واقعًا في فلسطين، وقبل أن تخرج جيوش الكفر من أرض الإسلام، والله أكبر والعزة للإسلام”!
خطاب معبِّر أيما تعبير، لاشك أن دلالاته ومضامينه مما لا يتسع المجال للتفصيل فيها والإحاطة بجوانبها، إلا أن فرزه بالإجمال يقتضي الإشارة إلى ما له من محاضن ودواع انطلق منها ومن انعكاسات أفرزها على المدى القريب:
فأولًا– ينبغي ملاحظة أن هذا البيان الثلاثي كان معدًا مسبقًا على خلفية الاقتناع بأن الغارة قادمة لا محالة، وأن الأمر يتطلب ساعتها ردًا معينًا قد يتعذر إيصاله إلى غاياته إذا اندلعت الحرب فعلًا أو ربما أملًا في ردع التوجه الأمريكي مبكرًا. وعليه جاءت الإشارة إلى القصفة التي لم تمض عليها الساعة بصورة عرضية، فيما انصب الحديث على أمر انقضى عليه ما يقارب الشهر وهو الحادث الأمريكي، ومن ثم يمكن عزو الحماسة التي بدا عليها المتحدثون وتحفزهم إلى الإعداد المبكر للبيان حين كانت البيانات الأمريكية ودعوات إقامة التحالف الدولي على أشدها الأمر الذي يتجلى في عدم التعرض لردود الأفعال من داخل الأمة على الإطلاق.
لقد ابتغى الخطاب إدراك عدة غايات معًا: ردع النوايا الأمريكية، التأثير في التماسك الغربي، تبرير الموقف الذاتي المعادي لأمريكا، تعبئة الأمة وراء القاعدة وطالبان، وإعلان التحدي والصمود.
ومن ناحية ثانية، فقد حمل الخطاب مغازي ودلالات هامة لعل أهمها:
– حالة الانفجار الخطابي في وجه الولايات المتحدة وسياستها، ونفاد صبر طالبان التي طالما حرصت على تحييد ابن لادن ورجاله أو إخراجهم من المشهد برمته، لتتحول إلى إعلان الحرب بالقاعدة ومعها ومن أجلها.
– حالة الالتحام متعدد الأوجه: الالتحام بأفغانستان وطالبان، الالتحام بأسامة بن لادن الذي أطلق أبو غيث اسمه على “المجموعة” فيما أظهر الرجل– مع أسلوبه الخاص–كأسطورة إغريقية على حد وصف البعض[182] ثم المحاولة المتكررة للالتحام بالأمة المسلمة وقضاياها الساخنة في ضوء مفهوم الصراع الأبدي بين خندقي أو فسطاطي الإيمان والكفر، سعيًا لتحريك الأمة: “أمة أبي بكر وعمر”.
– حالة المقابلة في المفاهيم والتقاسيم: إذ واجه الخطاب تقسيمه جورج بوش للعالم إلى معسكرين، بذات الشيء مع التميز الأصولي الشائع في الفقه الإسلامي في مطابقة التقسيم السياسي مع التقسيم الديني عالميًا، إلا أن البيان وظف هذه التقسيمة أساسًا لتعبئة الأمة ودفعها إلى معسكره.
– وفيما دعا قادة القاعدة الأمة إلى نصرة معسكرهم على أساس مضمر أنهم فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه، فإن الصريح أنهم أعداء عدو الأمة الأكبر، “قريش الجديدة، هُبل العصر، زعيمة المجرمين”، الأمر الذي استلزم تحريك عناصر الواقع للاستدلال بها وتمتين الاقتناع داخل الأمة وخارجها، من قبيل الإشارة إلى الدور الأمريكي في مآسي العراق وفلسطين وفي مداهمة الأراضي المقدسة.
– وأخيرًا فإن تنويع وجهات الخطاب بين الأمة والولايات المتحدة: إدارة وشعبًا، والعالم بصفة عامة، وتنويع أساليبه بين الحوار المتسائل والاستدلال الإقناعي، والتهديد والتحدي.. إلخ قد أسهم في إفراز عدد من الانعكاسات الوقتية للبيان تدور حول الآثار السيكولوجية له والتي أهمها:
– إثارة الهاجس الأمني وتضخيم احتمالات الخصم لمواجهة عمل مضاد عاجل، أثر على الثقة العالية التي بدا عليها المتحدثون، لدرجة أن دوائر المخابرات الأمريكية اعتبرت أن عبارة “أقسم بالله العظيم” التي أطلقها ابن لادن هي بمثابة “كلمة سر” لأتباعه للقيام بأعمال مضادة للولايات المتحدة لقد جاءت تطورات مرض الجمرة الخبيثة (الإنثراكس) لتضفي على النفسية الأمريكية العامة الكثير من الاضطراب والمخاوف ذات الارتباط.
– توزيع الاهتمام العالمي المتوجه إلى ما يجري في أفغانستان بين لونين من الحرب: الحرب العسكرية الدائرة، والحرب الدعائية التي أكد المراقبون أن أسامة بن لادن “موهوب فيها لأقصي درجة” إلى الحد الذي أعرب عنده خبراء الإرهاب الأمريكيون عن مخاوفهم من احتمالات تغلغل خطاب الرجل إلى أعماق الشعوب في الغرب؛ إذ قالت الجارديان تحت عنوان “ابن لادن يكسب حرب الدعاية”: “إن اتجاه الأحداث يمضي لتحويل ابن لادن إلى بطل أسطوري في العالم الإسلامي” فيما أكد الخبراء “عجز أمريكا وحلفائها عن مجاراته فيه”[183].
– لا شك أن الخطاب كان له وقعه على الكافة، إلا أن التحرك الأمريكي المضاد جاء على غير المتوقع تمامًا؛ إذ ضربت الولايات المتحدة بعرض الحائط مآثرها المروج لها من حرية النشر والاتصال والتعبير…. إلخ، لتصدر أمرًا سياسيًا بخطر إذاعة أو نشر بيانات ابن لادن في وسائل الإعلام الغربية في أوربا وأمريكا، وأسرعت تضغط على سائر الدول بما فيها قطر صاحبه القناة ذات الاتصال مع ابن لادن لقطع السبيل أمام الرجل لكسب هذه الحرب الدعائية. ومن ثم لم تلق بيانات القاعدة فيما بعد ذات الصدى. الأمر الذي بدت طالبان إزاءه تعمل وحدها في الميدان.
منذ بدء القصف الأنجلو-أمريكي لم يكف متحدثو طالبان عن إعلان التحدي والصمود بترديد أن الملا عمر وابن لادن اللذين أضحيا غاية الغارة الأمريكية على قيد الحياة وفي أمان تام، مع تأكيد الإصرار على الموقف والاستعداد للتضحية على نحو ما أعلنه عبد السلام ضعيف (9/10) سفير طالبان لدى إسلام أباد وعبد الحي مطمئن المتحدث باسم الملا عمر الذي أضاف “إن مقاتلي الحركة لم تلحق بهم أي خسائر وكذلك الضيوف المجاهدون.. وأن المدافع المضادة للطائرات تجبر مقاتلات أمريكية على الفرار”[184].
عسكريًا تجلي أن استراتيجية طالبان وكانت ترمي إلى الصمود -كيفما أمكن- أمام الغارة الأمريكية والحفاظ على الوجود بإعادة انتشار قواتها دفاعيًا وإخراجها من حيز التعرض للقصف الجوي البحري،مع الاحتفاظ بالقوات الكافية في الشمال والشرق على خط المواجهة مع تحالف الشمال والاقتراب من قواته بما يصعب على الطائرات على الأمريكية مهمة قصف خطوطها الأمامية المكشوفة.
وعليه فقد راهنت طالبان على قدرتها على التحلي بالصبر وتفادي الآثار السياسية والخسائر المادية الجسيمة للقصف الأمريكي. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الخطاب العسكري الطالباني سعي جاهدًا إلى”استفزاز واستدراج” العسكرية الأمريكية للنزول المبكر إلى الأرض والضغط الدعائي على الأمريكان للإشعار بعدم جدوى الاستمرار في ضرب جوي دون حرب برية.
وفيما بين الصمود والاستدراج العسكريين، فإن طالبان واجهت التهديد الفعلي من قبل التحركات السياسية التي قادتها الولايات المتحدة ونشطتها قيادات الاتحاد الأوربي وممثلو الأمم المتحدة في لندن وباريس وبون وروما وبروكسيل، والتي سعت إلى تكثيف المؤازرة السياسية والإعلامية لصالح التحالف الدولي وراء الولايات المتحدة، من خلال الإعلان المتتابع عن الاستعداد للإسهام العسكري البري في الغارة القائمة، والاضطلاع بأدوار منظمة في تأليب القوى الأفغانية في الشمال وقبائل الجنوب، وفي تحريك المسار الذي تقوده مجموعة روما الأفغانية بزعامة محمد ظاهر شاه نحو صياغة المستقبل الأفغاني فيما عُرّف بـ”ما بعد طالبان”، علاوة على الدور المالي في دعم الكثيرين من المناصرين للحرب الأمريكية في العالم الإسلامي، بل والسعي لتجميد حالة الهياج الشعبي الإسلامي وموجة الرفض الشعبي في الغرب للحملة الدائرة.
لقد جاء طالبان الخطر من كل مكان.. غير أن السهم القاتل لم يكن لينطلق إلا من قبل المحاربين بالوكالة في جبهة رباني ووزرائه المدعومين من روسيا وطاجيكستان وأوزباكستان في الشمال الشرقي، وفي جبهة الشيعة بزعامة إسماعيل خان الذي قاد حملة دعائية مضادة تدّعي توالي استسلام قوات الحركة أمام قواته وانضمامها إليه[185].
أمام هذا الحشد من الأحزاب التي لم تجتمع كلمتها من قبل على شيء، انتهجت طالبان سياسية تعبر عن مزيد من التحدي والصمود. فراح الملا عمر يدعو القبائل للحرب جنبًا إلى جنب مع طالبان، ويوسع دائرة المعركة زمنيًا وموضوعيًا بالقول إنها لن تنتهي بوفاته..: “إن آخرين سيحلون محلي”، مستغلًا الهياج والاحتجاج الذي عم العالم الإسلامي،سيما في باكستان التي باتت على حافة الهاوية منذ الأسبوع الأول للغارة. ولقد دفع ذلك بوش للتعبير عن مخاوفه وتحذيره للأمريكيين، وليصرح في أول مؤتمر صحفي رسمي في البيت الأبيض منذ 11 سبتمبر بإمكان أن “يعيد النظر في الحملة الأمريكية على أفغانستان إذا قامت طالبان بتسليم ابن لادن”، فيما سماه “الفرصة الأخيرة”[186] إلا أن طالبان ردت عليه سلبًا معلنة أن “المسألة لم تعد مسألة ابن لادن ولا كانت”[187]، في حلقة مفرغة ومتكررة من الإيجاب والسلب بين واشنطن وقندهار في دعوات التفاوض أو التراجع المتبادلة من حين لآخر.

على هامش الصمود: مأساة الشعب وملهاة حرب نفسية

لم تكف طالبان عن مواصلة التأكيد على سلامة الرجلين المستهدفين كإعلان مستمر عن الإخفاق الأمريكي، وإبراز تزايد أعداد الضحايا المدنيين فيما وصفه ضعيف بـ”منحة أمريكا إلى شعب أفغانستان البريء”، وأكده الملا محمد أختر من أن العدد الأكبر من الضحايا من النساء والأطفال، وأن جميعهم من المدنيين، الشيء الذي قدر عدده خلال الأسبوع الأول بأكثر من (220) شخصًا[188].
ورغم أن دفاعات طالبان ومضاداتها الجوية كانت قد خرجت من المعركة مبكرًا بنهاية الأسبوع الأول تقريبًا، إلا إن الأسبوع الثاني يوصف -بحق- بأنه “أسبوع غير أمريكي على الإطلاق “؛ حيث بدت الولايات المتحدة أقل قدرة على المثابرة أمام عدد من الضغوط التي راحت تتداعى على حملتها: فقد استحالت الهواجس الأمريكية والغربية إلى حالة من الهلع مع استفحال خطر “الجمرة الخبيثة” إلى حد إعلان أشكروفت وتومي تومبسون أن الولايات المتحدة تواجه هجومًا إرهابيًا بيولوجيًا، نسبه ديك تشيني – بدوره – إلى ابن لادن وقاعدته[189]. هذا في الوقت الذي شرعت فيه الأخطار تحدق بالحملة على حافة مسرحها على خلفية توجه الهند إلى تصعيد التوتر على حدودها الكشميرية مع باكستان؛ الأمر الذي دفع واشنطن وأعوانها إلى البحث عن انتصار محقق سواء على الصعيد العسكري أو السياسي.
فمن ناحية، اتجهت العمليات الأمريكية إلى تشديد الضغط على الميليشيات الطالبانية باستخدام رخات من القنابل العنقودية – المحرمة دوليًا– تزن الواحدة في المتوسط ألفي رطل، والتي أسماها العسكريون الأمريكان بالقنابل الذكية؛ إذ نجحت فى إحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوف المدنيين بالأساس(!) وهدم العديد من القرى وأنصاف القرى والأحياء فيما اعترف البنتاجون بعدد من حالاته سيما التي تكررت تجاه بعثات المنظمات الدولية[190]، في الوقت الذي لم يسفر فيه الضغط الأمريكي على خط المواجهة شمالًا سوى عن تقديم مكتوف من قبل قوات المعارضة الشمالية دون أن يتسبب في إحداث الهلع الذي انتظرت واشنطن أن يرغم قادة طالبان وقواتها على الفرار أو التسليم.
بيد أن الحرب الدعائية كانت هي الأسوأ بالنسبة إلى طالبان، وعلى صعيد الداخل الطالباني شرعت وسائل الإعلام المختلفة تورد شائعات عن انشقاقات سياسية داخل طالبان وأخرى أفغانية – عربية تؤذن بانهيار الحركة ذاتيًا فتذكر قناة الجزيرة القطرية – التي وصفت بالمقٌَربة من طالبان والأفغان العرب– أنباء عن وصول وكيل أحمد متوكل وزير خارجية طالبان إلى الإمارات العربية (14/10) خروجًا على الحركة، الأمر الذي نفخت فيه العديد من الدوائر معرضة باحتمال التعاون مع “المعتدلين” الطالبانيين إلى أن ظهر الرجل وأكد بنفسه أنها مجرد دعاية مغرضة[191]. ذات الأمر الذي تكرر في إيراد الأخبار عن وقوع اشتباكات طالبانية ضد مقاتلين عرب يلبوا مكتب إغاثة تابع للأمم المتحدة.
واجهت طالبان هذا البلاء المتثاقل عبر الأسابيع الثلاثة الباقية على المحورين المضادين: فمن ناحية حرصت دعاية الحركة على إبراز وتضخيم حجم الخسائر في الجانب الأمريكي في الأفراد والمعدات.. فمثلًا يعلن وزير الحدود والقبائل جلال الدين حقاني (21/10) مقتل ما بين20-25 من الكوماندوز الأمريكيين مع إسقاط مروحية أمريكية مكذبًا الادعاء الأمريكي بأنهم أقل من ذلك بكثير. وراح خطاب الحركة يسعى إلى استفزاز عدوها للمخاطرة بالنزول إلى الأرض فيما عرفه المراقبون بـ” الفخ الأفغاني” وبهذا الصدد أعلنت جلسة خاصة لطالبان برئاسة رجلها الثاني (ملا محمد حسن) تعزيز دفاعاتها استعدادًا لاحتمالات إنزال وحدات خاصة أمريكية لتنفيذ عمليات خاطفة، وأعلن المجتمعون عن ارتياحهم لمستوى الأداء الذي أفشل المحاولات الأمريكية لهذا الحين[192].
ومن ناحية أخرى، سعي الملا عمر إلى التأثير في القوي الأفغانية لتمتين الارتباط مع المناصرين واكتساب المزيد منهم إلى صفة، وتخويف الخائنين. فدعا عمر قبائل البشتون على الحدود مع باكستان إلى إرسال الآلاف من أبنائها للجهاد ضد أعداء الإسلام، وأوفد وسيطًا إلى أحد زعماء قبيلة رودي جليزاي (عبد الباري معروف) يستحثه على ذلك فيما بدا أنه أمر غير هين في ضوء غلبة قبيلة “دراني” التي ينتسب إليها الملك المخلوع ظاهر شاه بين نحو خمسين قبيلة مموهة المواقف.
ومع تصاعد مظاهر الإحباط الغربي وتزايد الشكاوى من تطاول أمد الحرب سيما في الخطاب الإسلامي ومناشدات الجنرال مشرف، كثفت الولايات المتحدة من غاراتها التي كانت الأسوأ من نوعها منذ بدء الحملة وحتى نهاية الأسبوع الثالث، وذلك على كافة خطوط ومواقع قوات طالبان في حالة من الغضب الهادر بدت أدني إلى الجنون وأسفرت عن نجاح منقطع النظير في قصف حي قلعة الماطر في كابول والمعروف بحي “الأكواخ” بوابل عاصف من القنابل (الذكية) والصواريخ (الموجهة). في حين جنرالات واشنطن لأول مرة وبتردد شديد اقتراب ساعة النزول الأمريكي، ويناشد البيت الأبيض الشعب الأمريكي وحلفاءه التحلي بالصبر (!!) حتى تحقق الحرب أهدافها، لأنها عملية معقدة للغاية، كما أنها ليست”حربًا تقليدية”، وذلك في خضم اتهامات الخبراء الاستراتيجيين للقوات الأمريكية بأنها “أسيرة الرعب” من أي مواجهة مع قوات طالبان، الأمر الذي شهر به ابن لادن في بياناته من قبل[193].
جاء الأسبوع الرابع متصلًا بسابقه، حيث شنت الطائرات الأمريكية ما عرف بغارات “العقاب والانتقام” على كافة المدن الرئيسية في غيظ حانق دفع المراقبين على القول بأنه إذا كان التحالف الدولي قد نجح في شيء، فإنما نجح في كسب عداء الشعوب سواء داخل أفغانستان أو في جواريها سيما في باكستان، وفي العالم الإسلامي برمته، وأن مشاهد القتلى والجرحى والأشلاء والمشردين من الرجال والنساء والولدان الأفغان فتحت على واشنطن وحلفائها نيران الغضب الشعبي عالميًا واعتراضات المنظمات الدولية وغير الحكومية حتى داخل أمريكا نفسها، بل إن مشايخ القطاع الذي تسيطر عليه المعارضة راحوا يسمون أمريكا “بالشرير الذي جاء ليحصد أرواح الأبرياء بغير اهتمام.. إننا نحن مذنبون، لأننا نحن الذين دعوناهم إلى بلادنا” على حد تعبير واعظ قرية” خان أغا”[194].
ومن ناحيتها، واصلت طالبان مسيرة إعلان الصمود والتحدي ومحاولات استفزاز الأمريكان للانتقال إلى الخطوة التالية قبل أن تتهاوى قبضة الحركة التي بدت – رغم ذلك في طور من الإعياء فيعلن الملا عمر أن “الحرب الحقيقية ضد الولايات المتحدة لم تبدأ بعد… إن قواتها البرية لن تستقبل بالورود حين تهبط”، تزامنًا مع سعى الحركة لتفعيل تحالف مع فصيل قلب الدين حكمتيار الذي صرح تلفزيونيًا أن المحادثات التي يجريها مع الحركة لا تهدف إلى تشكيل جديد بل إلى تشكيل جبهة متحدة للدفاع عن أفغانستان.
وعامة فقد كان لهذا الصمود والتحدي والتهديدات الملحقة به آثارها المشهودة؛ إذ شهدت الإدارة الأمريكية والمجتمع الأمريكي حالة استنفار وتأهب قصوي عقب تهديدات أعلن عنها جون أشكروفت في مؤتمر صحفي مفاجئ بالبيت الأبيض آخر أكتوبر،على أثرها تم نقل نائب الرئيس الأمريكي تشيني إلى مقر آمن وأعلن وزير الأمن الداخلي الجديد توم ريدج أن مصدرها هو أسامة بن لادن والقاعدة، الأمر الذي رأى فيه البعض محاولة للمشاكلة على حالة التململ التي أصابت الرأي العام الغربي، مع تطاول أمد الغارة دون جدوى حقيقية وتصاعد اعتراضات حركات المناهضين للحرب anti-war movements في كافة أقطار الغرب بما هدد بتفتيت التحالف الدولي على نحو ما صرح به وزير الخارجية الفرنسي[195].
علاوة على ذلك أثمر الصمود الطالباني إثارة مسألة “عامل الوقت” وضرورة تحديد أمد الحرب على ما تكرر في خطابات قادة الدول الإسلامية. مسألة شهر رمضان ومسألة الشتاء الأفغاني. الأمر الذي دفع الدبلوماسية الأمريكية مدعومة من قبل الاتحاد الأوربي وعلى الأخص الحليف البريطاني لشن هجوم مضاد إعلاميًا ودعائيًا للتهوين من أثر عامل الزمن هذا والمطالبة بانتهاج سياسة “النفس الطويل” والتأكيد الحازم على مواصلة الحملة دون توقف أو شعور بالإحباط، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخري حرصت هذه الدبلوماسية المضادة المنظمة على احتواء الآثار الجانبية للحملة وللفشل المترائي بترديد عدم استبعاد اللجوء القريب إلى الحرب البرية، وعبر تتابع المكافآت أو تحديد الإيعاد بها في محاولة لإعادة بث الروح بكثير من النقاط المأزومة سيما في العالم الإسلامي وفي الجوار الأفغاني القريب. يبد أن ذلك لم يخفف فعلًا من الشعور الأمريكي بالإحباط والرغبة العارمة في تحقيق أي تحول نوعي في حالة من التضارب المعنوي عبرت عنها التصريحات الأمريكية والأوربية من قبيل تصريح رامسفيلد:”إنه لابد من إحراز نصرما وبسرعة “إنه لابد من إحراز نصرما وبسرعة لإعادة الثقة إلى الأمريكيين والتي أخذت تتضاءل على مختلف الجبهات داخليًا وخارجيًا… إنه لم يمض على الحرب إلا 22 يومًا، وإن فكرة تحقيق نصر سريع لا تعكس الواقع وغير منطقية”[196].
عبرت هذه الفترة عن حالة سياسية معاكسة تمامًا للوضع العسكري، مع استمرار الصمود والتحدي السياسي والخطابي الطالباني بروح معنوية تبدو عالية-أو هكذا تبدو- مقارنة بالارتباك السياسي الأمريكي والغربي، مما انتهي إلى تصويب الأنظار نحو الخيول الأفغانية التي ما فتئت تلح على التحالف الدولي للمراهنة عليها في السباق المأزوم، مما أسفر عن قصتي لوردات الحرب، والمحاربين بالوكالة.

قصة لوردات الحرب

إن قصة “لوردات الحرب” التي شكلت حلقه فارقة في سلسة إفرازات الغارة الأمريكية تلقي المزيد من الضوء على جانب هام من الحقيقة السياسية الإسلامية عامة والأفغانية تحديدًا. فإذا كان قد عيب على طالبان أو الأفغان العرب تعجل المواجهة ضد من عدُّوه عدو الإسلام دون وسائل مكافئة فيما عد تغريرًا بالمسلمين ومقدراتهم، فماذا عن الذين يجعلون من أنفسهم، من أرواحهم وأموالهم ودعايتهم جسورًا يعبر عليها من لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة، ويوالون من لم يصدر عنهم ما يمكن أن يُأَوَّل على سلامة غرض أو نزعة إنسانية والذين أعلنوها صريحة: إنهم إنما يحاربون لمصالحهم، ومصالح شعوبهم الخاصة؟
ففي مطلع الأسبوع الثالث من الغارة بدا التململ والإحباط بالأساس من نصيب قادة وشعوب التحالف الغربي، فسعار الإنثراكس بلغ المنتهى حتى نكست الأعلام في كافة الولايات الأمريكية وأقرت القيادة الأمريكية بعدم قدرتها على ضمان سلامة البريد، واضطر بوش إلى التأكيد على أنه لم يصب بالمرض[197]، في ظلال قاتمة من موجهة التظاهر العالمي ضد الحرب الدائرة، أمام هذا العجز والتداعي لجأت الاستخبارات الغربية إلى الخيول الأفغانية الجاهزة لاختراق الصفوف وإثارة القبائل المترددة لتتخلي عن طالبان وتفتح جبهة أخري ضدها سيما في الجنوب وحول قندهار. إن قصة “لوردات الحرب” التي شكلت حلقه فارقة في سلسة إفرازات الغارة الأمريكية تلقي المزيد من الضوء على جانب هام من الحقيقة السياسية الإسلامية عامة والأفغانية تحديدًا. فإذا كان قد عيب على طالبان أو الأفغان العرب تعجل المواجهة دون وسائل مكافئة فيما عد تغريرًا بالمسلمين ومقدراتهم، فماذا عن الذين يجعلون من أنفسهم، من أرواحهم وأموالهم ودعايتهم جسورًا يعبر عليها ومن لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ويوالون من لم يصدر عنهم ما يمكن أن يؤول على سلامة غرض أو نزعة إنسانية والذين أعلنوها صريحة: أنهم إنما يحاربون لمصالحهم ومصالح شعوبهم الخاصة؟
في غمار ذلك تصدرت المشهد شخصية قائد ميدان أفغاني سابق أجمعت الدوائر الدبلوماسية والاستخبارية الأمريكية على وصفه بأنه “سيد حرب من الصنف الذي نحب”، وكالت له الصحف والإعلانات الغربية عبارات الثناء. كتعريفه بأسد بيشاور كما عرفت أحمد شاه مسعود من قبله بـ”أسد بانجشير”. ثم عبارات الرثاء الذي لم ينقطع، لميوله نحو التعاون مع العالم المتحضر وتنديده المتكرر بـ “التطرف الإسلامي” وتأييده لتعليم النساء وتحدثه الإنجليزية بطلاقة، فضلًا عن أنه “يشرب مشروبات غازية أمريكية”(!)، تقول عنه النيوزويك الأمريكية الأسبوعية: “بعد أن تخلى عن أعماله المربحة في الاستيراد والتصدير في دبي، قصد باكستان في سبتمبر (2001) في محاولة لإقناع أسياد حرب آخرين بالابتعاد عن حركة طالبان الحاكمة بغية تشكيل ” ائتلاف سلام ” وفي 21/ أكتوبر تسلل إلى داخل الحدود الأفغانية، ويقال إنه حمل معه الكثير من الدولارات الأمريكية، وقد استلزم حركة طالبان خمسة أيام لتعقب عبد الحق ومقاضاته في محاكمة صورية استغرقت ساعتين وإعدامه باعتباره جاسوسًا”[198].
حاول البعض نفي أن الرجل كان يعمل لمصلحة الاستخبارات الأمريكية، خاصة روبرت ماكفرلين- مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ريجان (التي احتفت بالرجل في البيت الأبيض عام 1985) والذي عمل مستشارًا لعبد الحق حتى مصرعه، إلا أن هذه الصلة تأكدت مع صعود الأصوات الخلافية في الكونجرس الأمريكي حول اتهامات اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية بمجلس النواب الأمريكي للمخابرات الباكستانية بالوشاية بـ “الجنرال عبد الحق” وللمخابرات الأمريكية بأنها لم تبذل جهدًا كافيًا لإنقاذه؛ حيث جري إعدامه يوم 26 / أكتوبر[199].
كان تعليق الحركة على ذلك صارمًا: “إن مصير أي أفغاني يتعامل مع الولايات المتحدة والتحالف المعارض هو الموت… وسوف يصاب من يرجون العودة إلى الحكم بمساندة أمريكا بالخيبة، لأننا سنلجأ إلى الجهاد لضمان أن يكون الشعب الأفغاني هو المصدر الوحيد لحكامه “… هكذا صرح الملا عمر[200].
يبد أن محاولات ارتياد الخيول الأفغانية لم تتوقف بالتخلص من عبد الحق على ما بدا للمراقبين، فقد كان ثم مغامر آخر أكد الأمريكيون أنه أجود من عبد الحق من زاوية حذره الشديد وتأكيده الاتصال بهم قبل إقدامه على دخول أفغانستان، علاوة على حرصه على التسليح الجيد للمجموعة المحيطة به.
إنه الرجل الذي قدر لأفغانستان أن يقف على رأسها بعد أن تضع الحرب أوزارها، والذي كان أول من تطوع لمهمة تأليب القبائل البشتونية الجنوبية- حتى قبلما يفعل عبد الحق- على أساس انتسابه إليها، وماضي والده البرلماني، وشهرته هو كأحد الأفراد المنتسبين إلى آخر حكومات ظاهر شاه كوكيل لوزير الخارجية فيها.
حاول قرضاي اختراق الحدود الأفغانية ثلاث مرات: أولها قبيل اندلاع الغارة الأمريكية وعاد منها سراعًا، إذ كانت طالبان في عنفوانها، ثم أعاد الكرة ثانية (8/10) بعد اندلاع الحرب بيوم واحد، إلا أن الثالثة كانت الأكثر بروزًا وهي التي أعقبت إعدام عبد الحق مباشرة؛ إذ نجح قرضاي ومجموعته في استغلال المأزق الطالباني في الشمال والوسط، لتشكيل ميليشيات تحمل اسم قبائل أفغانية في الجنوب، صرح الأميرال جون ستوفليبيم- مساعد مدير العمليات في هيئة الأركان الأمريكية المشتركة- أنها شرعت تقاتل طالبان بنشاط[201].
إلا أن طالبان واجهت هذه المحاولة بفاعلية مشهودة؛ إذ تمكنت من التخلص من ثلاثة من أنصار قرضاي شنقًا بعد أسرهم خلال اشتباك في “دهر واد” بمقاطعة أوروزجان علاوة على أسرها 25 من أتباع قرضاي (2/11) حتى كاد قرضاي يقع بيد قوات الحركة لولا تدخل الطائرات الأمريكية، فيما أكدته طالبان وألمح إليه الأمريكيون ولم ينفه أحمد والي قرضاي شقيق حميد[202].

المحاربون بالوكالة: علام الموالاة وفيم المعاداة؟

إزاء تزايد حالة التأزم التي تواجه التحالف الدولي وإخفاق أعمال المجهود الرئيسي أو الاعتماد على المحاولات الشخصية لتحريك الموقف على المحاور الهامشية، وإزاء استمرار الاستفزاز الخطابي الطالباني للعسكرية الأمريكية، تحول التحرك الأمريكي متجاوزًا كوابح التردد السابق، فأعلن رامسفيلد عن خطوة للتعاون الجدي عسكريًا مع مناوئي الحركة في الداخل: “إن واشنطن لا تشجع قوات المعارضة الشمالية فحسب، بل كذلك غيرها من القوات المعارضة لطالبان”[203].
تأخرت هذه الخطوة لعوامل عدة، لعل أهمها: مخاوف فصيل رباني من إثارة الرفض الشعبي والإسلامي القريب من قناعته القديمة إزاء الانتصار على أكتاف الأمريكان، وشكوك واشنطن بدورها في قدرات هذا الفصيل في ظل حالة التشرذم والهشاشة التي يبدو عليها تحالفه، وفي مدي ولأنه في ظل اقتراب. هذا الفصيل من كافة القوي الكبرى بالمنطقة: روسيا، الهند، الصين وأخيرًا إيران دون الإفصاح عن توجه محدد، والهوة الراسخة بينه بين باكستان أحد أهم أركان الحرب الأمريكية، بالإضافة إلى ما يتردد عن وحشية قادته بما يسئ إلى صورة التدخل الأمريكي نفسه.
يبد أن نهاية أكتوبر كانت حاسمة، إذ شرعت الطائرات الأمريكية – لأول مرة– في قصف مواقع طالبان على الحدود الطاجيكية الواقعة بين “تخار” معقل المعارضة ومزار الشريف والتركيز على منطقة “كاتاكالار” بهدف فتح ثغرات في الخطوط الطالبانية الأمامية حيث تحشد الحركة نحو ستة آلاف مقاتل، بما انعكس في تشديد الهجوم وتوسيع نطاقه إلى المدينة الاستراتيجية التي طالما فشلت قوات المعارضة في الاقتراب منها والتي تعد مفتاح الهيمنة الحقيقية على شمال ووسط أفغانستان.
في غضون ذلك، وقع أول إنزال فعلى معلن للجنود الأمريكيين على الأرض الأفغانية، والذي جاء طريفًا ومعبرًا، ففي حين لا يكف الإعلام الغربي– وربما العربي– عن الإشادة بالقدرات الأمريكية ومستوي الفرق والجنود الأمريكان، فقد جاء هذا النزول كاشفًا عن حجم وعمق المخاوف الأمريكية من مغبة اللقاءات المباشرة، إذ نزل الجنود الأمريكان في “دار الصوف” خلف قوات المعارضة وفي حمايتها وبعدد لا يتجاوز 15جنديًا.
تزامن ذلك مع عرض الفضائيات حطامات الطائرات والمروحيات الأمريكية وإعلان قناة الجزيرة المذكورة عبر مراسها –الذي وصف نفسه بشاهد عيان– عن قتل وأسر طالبان لأعداد من الأمريكان على الحدود مع باكستان. الأمر الذي دفع قادة الشمال أنفسهم سيما الثلاثي (فهيم، عبدالله، قانوني) بالإضافة إلى إسماعيل خان في الشمال الغربي للتطوع بإسداء النصيحة للأمريكان للتركيز على دعمهم معتبرين أن هذا سيكون أجدي بكثير من غاراتها غير المؤثرة[204]، الأمر الذي أسفر عن استمرار الطرافات الأفغانية.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه مسئولو طالبان أن نحو 500 عسكري من الولايات المتحدة وحلفائها موجودون على الأراضي الأفغانية إلى جانب قوات المعارضة الشمالية، ويصدق البنتاجون على ذلك مع إعلانه تركيز القصف على الجبهة الطالبانية شمال كابول ومزار الشريف في نحو مائة طلعة يومية، وإلحاح قادة هذه المعارضة على المزيد من ذلك عبر لقاءات لهم مع العسكريين الأمريكيين في دار الصوف، ثم التقاء محمد قاسم فيهم في دوشنبه (31/10) مع القائد العام للعملية الدائرة تومي فرانكس الذي أكد كل ذلك، في هذا الوقت يصر رجل واحد على إنكار ذلك واعتباره “معلومات مغلوطة” هو برهان الدين رباني[205]، الذي جاء صورة معبرة بكل وضوح عن مصائر المذبذبين وعواقب التخلي عن الذات وامتهان المبادئ؛ الأمر الذي جعلنا نتساءل بحق: ما هي منطلقات هذا الفريق في يومه هذا؟ وإلامَ يسعى؟ وبأي شيء هو يؤمن؟!
على كل، فقد بدا مع مطلع نوفمبر أن الاختبار الحقيقي لطالبان قد بدأ؛ إذ كشف أحمد ضياء (شقيق الراحل أحمد شاه مسعود) عن إعداد قوات المعارضة الشمالية لحملة برية قاصفة على كابول خلال أيام تحت غطاء قصف جوي مكثف، في مخطط أُعِدَّ بالاشتراك بين التحالف الأمريكي والتحالف الأفغاني فيما أطلق عليه البعض (تحالف الشمال) في الوقت الذي يكشف فيه من جانب آخر، وزير داخلية هذا التحالف “يونس قانوني” -الذي صار يمثل الواصلة بين التحالف الشمالي ومكتب روما- عن الاستعدادات لإعلان تشكيل مجلس وطني “لويا جيركا” لتشكيل حكومة جديدة في أفغانستان بالتعاون مع ممثلي الملك المخلوع ظاهر شاه.
وفيما عبر الإعلان الأخير المكرر عن سعي حقيقي تشوبه محاولات للضغط المعنوي على طالبان، فإن الإعلان الأول اشتمل على حقائق مموهة أسفرت عنها تداعيات الأسبوع الأول من نوفمبر، والذي ما كاد ينتهي حتى أخذت طالبان تتهاوي وتفاجئ الجميع بسرعة عالية التقهقر والتخلي عن المدن الواحدة تلو الأخرى.
فالتصريح السابق ذكر “كابول” تمويهًا بينما المعروف أن البداية لابد أن تكون من نصيب مزار الشريف التي يسهل بعدها كل شيء تقريبًا، وبالمثل موه هذا التصريح على “الجديد” في المخطط، والذي اشتمل على تنسيق تام بين الطيران الأمريكي والقوات البرية للمعارضة الأفغانية فيما يمثل البداية الحقيقية والجادة لغزو أفغانستان على ظهور خيولها؛ فالجديد أن الهدف العسكري لم يعد تدمير البنية العسكرية والقوى النيرانية والاتصالية والقيادية للحركة التي لم تعد ذات بال، أو حتى التأثير سلبًا في الروح المعنوية للمقاتلين باستمرار تشديد الخناق عليهم على نحو ما سارت عليه الحملة الأمريكية إلى هذا الحين، بل تحول الأمر إلى استهداف تدمير قوات طالبان نفسها، وإحداث أكبر قدر من الخسائر في الأرواح يجبر القادة الميدانيين على التسليم أو الفرار، ويفتح الطريق أمام قوات المعارضة للانقضاض على مواقعهم.
وعليه جري توزيع الأدوار بحيث يستفز الهجوم البري من قبل المعارضة قوات طالبان لتخرج من مكامنها، أو تعيد الانتشار بما يعني في كل الأحوال انكشافها، في حين تنطلق الطائرات الأمريكية – ومنها عدد من القاذفات بعيدة المدى- لحصد القوات الطالبانية على خط المواجهة الفاصل بين الفريقين، بتركيز شديد تستخدم فيه إلى جانب القنابل الانشطارية الضخمة المعهودة منذ بدء الحملة، قنابل أخري من مخزون الترسانة الأمريكية على رأسها ما وصف “أعتي وأقوي وأثقل سلاح تقليدي في العالم” وهو القنبلة BLU-82 التي يقرب وزن الواحدة منها سبعة أطنان من مواد شديدة الانفجار يمكنها تحويل كل شيء في دائرة قطرها “600 ياردة” إلى رماد.
كان هذا ما حدث – على رواية المتحدث الرسمي بالبنتاجون العميد بحري ستوفليبم – منذ السادس من نوفمبر وإلى أن سقطت مزار الشريف (وليس كابول) في 9/11/2001 في أيدي قوات التحالف، ثم توالي سقوط الولايات الشمالية، وعلى رأسها ولاية تخار بسقوط مركزها طالوقان، وولاية بادغيس ثم سقوط مدينة هرات ييد إسماعيل خان، وسط دهشة عارمة وحذرة من انعدام المقاومة الطالبانية، فيما ظنه البعض نوعًا من المناورة العسكرية من الحركة التي اعتادت أسلوب الكر و والفر، سيما في ظل إعلان بعض قادتها أن قندهار ستكون المنطق لتحرير المدن التي احتلتها قوات الشمال، وأن قوات الحركة ما انسحبت من كابول (13/11) إلا لتجنب وقوع المزيد من القتلى بين المدنيين، الظن الذي أغفل حقيقة أساسية دارى عليها الصمود الطالباني السابق لمدة خمسة أسابيع متواصلة، وهي أن طالبان قد تكون قادرة على الصبر والصمود وتحمل الحصار، والتعامل الإيجابي مع حالة “الدفاع”، إلا أن الحقيقة السافرة أنه ليس بمكنة هذه الحركة – على ضوء تدني إمكانياتها– أن تقود حربًا هجومية تقليدية بعيدًا عن خنادقها والجبال والمواقع المحصنة.
وقبيل أن نتعرض لكافة إفرازات نهاية التجربة الطالبانية في الحكم ودلالاتها، نجد من المفيد أن نستكمل تداعيات وإفرازات رحلة الصمود، وما كشفت عنه الغارة الأمريكية من حقائق ذات بال، والتي يمكن الاقتصار فيما تبقي منها على ما أبانت عنه هذه الفترة من نموذج فريد للأممية الإسلامية المقاتلة في صفوف طالبان، علاوة على الإشارة إلى دور منظمة الأمم المتحدة في المعركة على أساس أنها سوف تلعب دور المنسق المرتكز عليه عبر جولة “ما بعد الحكم الطالباني”.

المقاتلون في صفوف طالبان: نصرة إسلامية أم أممية طالبانية؟

في أتون المعركة تنكشف المعادن وتستبين الجواهر؛ فعلى الرغم من الدعاية الضخمة في الغرب وفي عالم المسلمين ضد الحركة الطالبانية وأسلوبها في الحكم باسم “النظام الإسلامي” على نحو ما استهجنه قطاع كبير من النخب المثقفة عبر جولات الإثارة الطالبانية المختلفة، إلا أن ذلك لم يمنع من التأكيد العام على أنهم “مسلمون يصيبون ويخطئون”، الأمر الذي كان له مردوده التلقائي والعميق في اندلاع التظاهرات الشعبية في أنحاء العالم الإسلامي، سيما في باكستان وجنوب شرقي آسيا، وفي كثير من الأقطار العربية، تؤازر الحركة وترفع لافتات تحيل ابن لادن إلى رمز شعبي للاعتراض على الصلف الأمريكي، بماكان له وقعه التلقائي على مجريات الغارة الأمريكية وخاصة في إحراج مواقف أطراف التحالف المتعاونة والمطاوعة على النحو السابقة الإشارة إليه.
يبد أن الظاهرة الملفتة للانتباه تمثلت في تداعي الشباب المسلمين من كل حدب وصوب لمناصرة الحركة بالنفس، والذين جاء الإعلان المتواتر عن جنسياتهم وقومياتهم المتعدية للأفغانية والباكستانية بل وللعروبة ليُسهِم في إنفاذ رسالة هامة عن الطور الحالي الذي تمر به أمة الإسلام على صعيد البعد العقائدي، وعلاقته بالأبعاد السياسية والقانونية.
فعلاوة على إيفاد جماعات وقبائل باتانية (بشتون الباكستان) وفودًا من العلماء والزعامات إلى أفغانستان لمحادثة مسئولي طالبان حول ما تحتاجه الحركة من أعداد لمواجهة الضربات الأمريكية، وتوالي قدوم الآلاف من رجال هذه القبائل على الحدود في انتظار تصريح طالبان لهم بالدخول والمشاركة في الجهاد على نحو ما عبر عنه عدد منهم[206]، كشفت وسائل الإعلام عن مشاركة مقاتلين مسلمين من كافة أنحاء العالم إلى جانب طالبان: من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وأسبانيا وكندا وأستراليا والصين والهند وروسيا ودول آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والسنغال ونيجيريا وشمال أفريقيا ودولة جنوب إفريقيا وغيرها.. بل ومن الولايات المتحدة وبريطانيا قائدتي التحالف نفسيهما، سواء كانوا منتمين إلى منظمات وجماعات أو جاءوا من تلقاء أنفسهم[207].
لم يأتِ هؤلاء الشباب من أجل مظاهرة الوجود الطالباني وتكثير العدد وحسب، إنما للانغماس في القتال نفسه؛ فالإعلان الأول عنهم سيما منذ مطلع الأسبوع الثالث للغارة جاء عبر روايات عن مصارعهم: (أربعة بريطانيين وأمريكي قرب كابول 23/10)، ثم الإعلان عن سائر الجنسيات التي ورد أن أعداد الغربيين منهم بلغت الألف إلى هذا الحين، والذين جاءوا على أساس أن المعركة الآن هي معركة “الدفاع عن الإسلام” على حد تعبير أحدهم عقب وصوله إلى لاهور على الحدود الأفغانية – الباكستانية[208].
لقد راع ذلك الغرب، فراحت التهديدات الرسمية والتهييجات الإعلامية تتوالي ضدهم لمحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمي، سيما في بريطانيا التي خرج منها العدد الأكبر، فيما بلغ نحو السبعمائة في بيان لحركة “المهاجرون” من إسلام أباد (30/10)[209].
أثارت هذه الظاهرة تساؤلات هامة على صعيد الرابطة السياسية التي تميز الدولة القومية المعاصرة، وما وراءها من المنطق العقائدي (بالمعنى الواسع للعقيدة السياسية)، وما فوقها من المرجعية النظامية الكامنة، والتي تضع تلقائيًاحدود الواجب والمحظور والمباح، وتفرز عقوبات تلقائية ظاهرة وباطنة على من يتعداها. لقد عرَّى ذلك حقيقة الادعاء الغربي التنويري فالحداثي بالتبرؤ من كل عقيدة تحت ألوية الليبرالية والعقلانية والوضعية والعلمانية وخلافه.
إلا أن السؤال الخاص بالأمة نفسها يتلخص فيما تمثله تلك الظاهرة من مغازٍ وانعكاسات مستقبلية؛ فعلى الرغم من الانكسارة الطالبانية وتراجع القاعدة إلى الجبال، فإن آثارًا من تلك أصابت قطاعات واسعة من الأمة التي اندفع أبناؤها إلى أتون المعركة باسم الإسلام والجهاد في سبيل الله –تعالى- فكيف أدركت الأمة بقادتها ونخبها وأوساطها الجماهيرية هذه الظاهرة؟ لا شك أن جزءًا هامًا من مستقبل هذه الأمة في وعيها أو لاوعيها سيتأثر بالإجابة عن مثل هذا التساؤل!

الأمم المتحدة: هل أُزيح الستار بين القانون والسياسة؟

في عالم الإسلام ثَم اتجاهان رئيسان في النظر إلى الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في المنظومة العالمية الراهنة، هذا الدور الذي يتراوح بين حالتي الفعل والانفعال لكنه في كل الأحوال بدا غير موائم للحقوق والغايات الإسلامية فيما يظهر ضمن تفاعلات المنظمة مع قضايا الأمة الكبرى بدءًا من فلسطين وحتى إندونيسيا، ومرورًا بالعراق وليبيا ولبنان والصومال وأفغانستان وغيرها.
خلاصة الفارق بين الاتجاهين هي مراوحة النظر إلى المنظمة الدولية بين اعتبارها أداة مظهرية بيد القوي الكبرى للتحكم بمصائر شعوب الأمة وحقوقها، وانعدام الثقة في أي معاني النزاهة المفترضة فيها، وبين اعتبارها بمثابة الفرصة المتاحة للدفاع عن الحقوق ضمن مرجعية تنفق ومبادئ العدل والإنصاف والمساواة. هذا الفارق المعبر عن التيارين الكبيرين للإصلاح في عالم الإسلام.
بيد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعدها والسابع من أكتوبر وما تلاه كانت كاشفة وذاهبة بالنظر إلى المنظمة في الاتجاه المنتقد لها. فلم يكف متحدثو طالبان عن انتقاد الدور الذي تلعبه المنظمة وأمينها العام كوفي عنان، سيما مع تصاعد القصف الأمريكي وتساقط المدنيين الأفغان، مما حدا بسفير الحركة لدي إسلام أباد (عبد السلام ضعيف) لكيل التهم إلى المنظمة التي وقفت “صامتة غير آبهة لهذه الفظائع التي يذهب ضحيتها مئات الأشخاص كل يوم”[210].
وفي هذا الصدد، لوحظ تكامل توزيع الأدوار ضمن التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة بين الناتو والبنتاجون اللذين قادا المحور العسكري، والمؤسسات المالية الدولية والأصدقاء الأثرياء الذين اضطلعوا بدفع فاتورة الحرب وأثمان التعاون (كاليابان والاتحاد الأوروبي)، وبين الوكالات والقنوات والشبكات التي قادت المعركة الإعلامية وفق مراسم البيت الأبيض، ثم الأمم المتحدة التي طرحت نفسها بكل صراحة طرفًا في التحالف منذ أعلنت (12/9) أن الهجمات على واشنطن ونيويورك هي من قبيل الأعمال التي تهدد السلم والأمن الدوليين، بما يقتضي تحريك نصوص الفصل السابع من الميثاق، ويتطلب من كافة الدول الأعضاء التصدي لذلك الشيء الذي طرح له اسمٌ وفشلت المنظمة عبر لجانها ومؤتمراتها في تحديد مسماه، ألا وهو “الإرهاب الدولي”.
ومن ثم اتخذت المنظمة وممثلوها من البداية موقفًا مناوئًا لطالبان، منصرفًا عن الالتفات إلى نداءاتها المتكررة –على نحو ما جرى عليه الأمر منذ الصعود الطالباني– إلى درجة أن الأخضر الإبراهيمي– موفد المنظمة إلى أفغانستان، والذي تم تجديد تعيينه إثر اندلاع الغارة– رفض الالتقاء بالسفير الطالباني عبد السلام ضعيف بحجة أنه ليس لديه الوقت لذلك! في الوقت الذي لا يكلّ الرجل من التنقل بين كافة الأطراف الأخرى والاجتماع بممثلي الجهات الأمنية والاستخباراتية والسعي المبكر لتشكيل “البديل لما بعد طالبان” بالاتفاق التام مع مكتب روما وقاصديه[211].
وهكذا أمسى مفروضًا على طالبان أن تواجه الجميع تارة واحدة، في حين تحولت الأمم المتحدة لقيادة تحركات تهدف إلى تنسيق الجهود الدبلوماسية والسياسية الخادمة للجهود العسكرية الأنجلو- أمريكية ضد الحركة، مما دفع الأخيرة إلى صب جامِّ غضبها على المنظمة، وقام بعض جنودها (1/11) بالاستيلاء على مكتب المفوضية العليا للاجئين التابعة لها في مدينة “سبين بولداك”، حتى إذا انبري أسامة بن لادن عقب أسابيع من الصمت لم يفعل سوى أن كال لهذه المنظمة التهم والإدانات بأنها هي وراء مآسي العرب والمسلمين، بل إنه –في شريطه المسجل الذي بثته قناة الجزيرة 3/11– وصم قادة العرب بـ “النفاق” لأنهم أعضاء في الأمم المتحدة: “إن الذين يرون مآسينا في الأمم المتحدة إنما هم منافقون يخادعون الله ورسوله ويخادعون الذين آمنوا.. هل مآسينا إلا من الأمم المتحدة؟ من الذي أصدر قرار التقسيم وأباح بلاد المسلمين لليهود؟ إن الذين يزعمون أنهم زعماء العرب وما زالوا في الأمم المتحدة هم كفروا بما أنزل على محمد، والذين يحيلون الأمور إلى الشرعية الدولية هم كفروا بشريعة القرآن الكريم وسنة المصطفي”[212].
على كل فإنه مع السقوط المدوي لطالبان، اضطربت الحالة العسكرية في أفغانستان وسط أنباء عن مذابح ومخاز سواء بأيدي الأفغان، أو بأيدي الأمريكان من قبيل مذبحة جانجي المروعة، بينما كانت الأمم المتحدة ترتب في أوروبا أوراق المسألة الأفغانية فيما بعد طالبان عبر الإعداد لمؤتمر بون الذي قام الأخضر الإبراهيمي فيه بدور المنسق والمصمم.
وبهذا كشفت الجولة الثانية من تداعيات اليوم الأمريكي(11/ 9)، والجولة الأولى من تداعيات اليوم الأفغاني (7/10) عن الكثير والخطير من حقائق الأوضاع في هذه البقعة، سيما فيما يتعلق بالداخل الأفغاني، إلا أن التعرض لموقف المجاوبة الصامتة الذي ساد على جنبات مسرح العمليات لهو من الأهمية بقدر ما يجلي من أبعاد البيئة التي تتحرك على أرضيتها فواعل الأمة الإسلامية.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2003

للاطلاع على الجزء الثاني من الدراسة والهوامش، اضغط هنا

للحصول علي الملف كاملًا

اضغط هنا

 

 

الوسوم