الولايات المتحدة وأوروبا

أزمة تصريحات ماكرون حول الإسلام: قراءة في أبرز القضايا الجدلية

مقدمة:

إن دراسة الإشكاليات والأزمات ذات الأبعاد الحضارية والمتصلة بالعلاقة بين الثقافات والأديان لم تعد ترفًا فكريًا، ولم تعد حكرًا على سجالات الفلاسفة بل أضحت تمس عموم قاطني المعمورة، خاصة بعد أن أصبحت الاختلافات بين الجماعات على مستوى العالم مادة يتلاعب بها الساسة وأصحاب المصالح من مختلف الأطراف بلا استثناء، غير مكترثين بما قد يودي به تصريح مسيء أو فكرة صراعية أو سياسة عنصرية من هنا أو هناك (غالبًا بهدف التوظيف السياسي وتحقيق مصالح ضيقة)، إلى العنف وفقدان أرواح البشر على نحو قد يصل إلى حد الإبادة الجماعية: المواجهات مع المسلمين في الهند، ما يحدث في ميانمار، ما وقع في فرنسا مؤخرًا من حوادث عنف متبادلة بسبب تصريحات ماكرون حول الإسلام وتأييده الرسوم الكاريكاتورية المسيئة.

ومن ثم كان من الضروري التوقف أمام الأبعاد الفكرية والسياسية للحالة الفرنسية الراهنة وما يمكن أن تسببه من تداعيات تحديدا فيما يتعلق بأوضاع الجاليات المسلمة، وهذا ما يقوم عليه ذلك التقرير.

في خطاب ألقاه يوم الجمعة 2 أكتوبر 2020، في (ليه موروه) أحد أحياء ضاحية باريس، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريح مستفز جاء فيه “أن الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم، ونحن لا نرى ذلك في بلادنا فقط. إنها أزمة عميقة مرتبطة بالتوترات بين الأصولية، وعلى وجه التحديد المشاريع الدينية والسياسية، نراها في كل العالم، وتؤدي إلى التشدد حتى في البلدان التي يعتبر الإسلام فيها دين الأغلبية”.

استرسل ماكرون في خطابه هذا ذاكرًا فيه الإسلام؛ بشكل مباشر أو غير مباشر، وفق تقديرات البعض، أكثر من 40 مرة، وكأنه المفكر الإصلاحي للحالة الإسلامية، ليس فقط داخل فرنسا، وإنما في عموم أوروبا والعالم، محتكرًا لنفسه التشخيص والعلاج[1].

ازدادت الأمور احتقانًا لتزامنها مع بعض التطورات: محاكمة المشتبه بهم بتنفيذ الهجمات الإرهابية في باريس عام 2015، وإعادة نشر رسوم مجلة “شارلي إيبدو” التي تصور النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” في صور مسيئة في سبتمبر 2020. وقد أثارت هاتان الحادثتان موجة إدانات بالعالم الإسلامي، وتفاقم الأمر عندما رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إدانة الرسوم علنًا، بل في خطابه سالف الذكر كرر احترام فرنسا لحرية التعبير وتحدث عن “الانفصالية الإسلامية”، وهو موقف اعتبر بمثابة مصادقة مستفزة على محتوى الرسوم الكاريكاتورية وانتقاداً للإسلام ككل[2].

كان من أبرز مسببات الاحتقان أيضًا ما قام به المدرس الفرنسي صمويل باتي الذي جعل الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم جزءًا من محتوى دراسي، يخضع له في الفصل متعلمون فرنسيون بينهم مسلمون، لتحتد الأزمة عندما دخل والد تلميذة فرنسية مسلمة تحضر لصمويل باتي في حملة تواصلية واسعة لإدانة هذا السلوك وفتح نقاش عام حوله؛ ذلك حتى وقع الحادث الإرهابي (قيام شاب شيشاني بقتل المدرس الفرنسي)[3]، الذي وظف لكي تتحول القصة –وفق تعبير البعض- من مظلومية المسلمين في فرنسا إلى مظلومية فرنسا من المسلمين[4]. ذلك فضلا عن أحداث عنف أخرى متزامنة داخل فرنسا: في 25 سبتمبر أمام مكتب مجلة “شارلي إيبدو” في باريس، وفي 29 أكتوبر في كنيسة في نيس[5].

لكن الأهم أن كل تلك التطورات لم تكن منفصلة عن سياسات متوالية مثيرة للجدل لبناء “إسلام فرنسي”، يتم فيه مراجعة ما وُصف بالحقل الديني (الإسلامي) في فرنسا برمته، من منع قدوم أئمة من خارج فرنسا، إلى تكوين الأئمة داخل فرنسا، ومن التحكم في تعليم اللغة العربية، إلى مراقبة المسلمين وتصرفاتهم المالية، ومن إعادة النظر في المنتجات “الحلال”، إلى مراقبة الهبات المالية (وسنفصل في ذلك)[6].

في هذا الإطار من المهم الإشارة إلى بعض الحقائق التي تضفي خصوصية على القضايا المرتبطة بالإسلام والمسلمين في فرنسا. فقد أصبح الإسلام منذ ستينيات القرن العشرين الدين الثاني في فرنسا، ويُرتّب الإسلام حسب الأهمية مباشرةً بعد الكاثوليكية، وقبل البروتستنتية واليهودية. وينتشر المسلمون في مدن فرنسا وفي ريفها على السواء، وأغلب المسلمين من أبناء أو أحفاد الطبقة العاملة الوافدة من المغرب العربي ومن الجزائر بالأخص (35٪)، ثم المغرب(25٪)، فتونس (10٪). ويوجد أيضاً مسلمون منحدرون من إفريقيا، لا سيما من البلاد التي كانت قد استعمرتها فرنسا، مثل: مالي والسنغال والنيجر وساحل العاج، كما يوجد كذلك مسلمون من بلاد المشرق العربي مثل: سوريا ومصر والعراق وفلسطين، إضافة إلى أعداد كثيرة من المسلمين الأتراك (360.000 نسمة)[7].

في هذا الإطار، ومع التأزم الأخير، تتجدد جدالات بعينها: هل بالفعل الإساءة للأديان ولاسيما الإسلام تدخل في نطاق حرية التعبير، ورفضها يمثل خطرًا على منظومة القيم الأوروبية ومظلتها العلمانية، وبالتحديد العلمانية الفرنسية؟ هل مثل تلك المواقف هي من الأساس قيمية مطلقة أم إن التوظيف السياسي في الداخل والخارج هو الحكم للأمور؟ وهل تلك السياقات والمواقف والسياسات الغربية تدعم مساعي الدمج للمهاجرين التي تتغنى بها أوروبا؟

وفي هذا الصدد، لا مانع من التساؤل: من المسئول: هل هي أزمة إسلام، أم أن ثمة أمور أخرى؟

تساؤل الدراسة: بناء على هذه السلسلة من التساؤلات يتحدد الدراسة في: إلى أي مدى تنبع الاتهامات المعادية للإسلام والسياسات الداعمة لها من قناعات قيمية حقيقية تتصل بالحريات والمساواة؟ وهل هناك من الأساس رؤية محددة المعالم لمنظومة القيم الأوروبية وللعلمانية، أم إن تلك الإساءات والمواقف تعبر عن توظيف سياسي قصير الأجل دون الوعي بالمصالح الفعلية، سواء على مستوى العالم، أو على مستوى الدول القومية؟ وهل الوضع الراهن يدعم ما تنادي به أوروبا بشأن إعلاء قيم التعددية ودمج المهاجرين؟

يعرض التقرير الآراء والاتجاهات المختلفة حول تلك القضايا والتساؤلات بالتطبيق على الحالة الفرنسية الراهنة.

تنقسم الدراسة إلى: تمهيد عن جدوى خطاب الكراهية (الإسلاموفوبيا) بين الأمس واليوم. ثم خمسة عناصر هي؛ أولا- أي علمانية وأي حرية التعبير؟ ثانيًا- من الفكري والقيمي إلى السياسي. ثالثًا- الجاليات المسلمة: إذن دمج أم إقصاء؟ رابعًا- خطاب ماكرون تجاه الإسلام: الجدل حول الأبعاد الخارجية. خامسًا- جدوى المقاطعة الاقتصادية. ثم خاتمة.

تمهيد: جدوى خطاب الكراهية (الإسلاموفوبيا) بين الأمس واليوم:

إن اللحظة الراهنة وما تسفر عنه من حالة الإسلاموفوبيا، لتستدعي التوقف عند عدة محطات سابقة من المواجهة بين الإسلام والغرب، أو لنقل بعض قادة الغرب وتصور معين عن الإسلام روَّجوا له؛ سواء عن اقتناع أو رغبة في تمرير وتحقيق مصالح معينة، دون اكتراث بمآل السلم العالمي.

فلا شك أن الصدام الذي يقوده ماكرون مع الإسلام ليس في صالح التسامح والسلم العالمي. فهذه العداوة المعلنة ضد الإسلام ورموزه تعيد إلى الأذهان مرارة حقبة الحملات الصليبية التي مرت عليها قرون، والتي انطلقت بخطبة البابا أوربان في كليرمونت بفرنسا نفسها عام 1095، لكن رغم ذلك مازال يستدعيها منفذو العمليات الإرهابية على الجانبين ليستقوا منها روح الكراهية[8].

على سبيل المثال يرى المؤرخ الفرنسي آلان روسيون في دراسة تعود لعدة سنوات -ونشرها موقع “أوريان21” الفرنسي- أن العداء الممنهج للإسلام متجذر تاريخياً ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ، ومنبعه روح الحروب اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﺔ، وأن ھﺬا العداء ازدهر أﺛﻨﺎء اﻟﺘﻮﺳﻊ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎري، واستعاد قوته مع “اﻟﺤﺮب ﻋﻠﻰ الإرهاب”، فتلك أبرز محطات العداء.

ويوضح الأكاديمي الفرنسي أن أول اﺳﺘﻌﻤﺎل لمصطلح “إسلاموفوبيا” يعود لعام 1910، عندما اﻗﺘﺮح مؤلف يُدعى أﻵن ﻛﯿﻠﯿﺎن تعريفا ﻻ ﯾﺰال صالحا جاء فيه “ﻛﺎن -وﻻ ﻳﺰال- عند شعوب اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ واﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﺗﺤﻴﺰ ضد اﻹﺳﻼم، حيث ﻳﺮى كثيرون أن المسلم عدو طبيعي ولدود ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻲ وللأوروﺑﻲ، وأن اﻹﺳﻼم نفيٌ مطلق ﻟﻠﺤﻀﺎرة، وﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن يُرتقب ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ سوى اﻟﻬﻤﺠﻴﺔ وﺳﻮء اﻟﻨﻴﺔ”.

وتغذى ذلك المفهوم من الحقبة الاستعمارية، رغم تراجع استعمال المصطلح، لكن تداوله عاد بقوة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، على خلفية الثورة الإيرانية، ومشاكل اندماج الجاليات المسلمة في بعض البلدان الغربية وذلك وفق حسابات سياسية معينة أيضًا[9].

ثم كانت مقولات “صدام الحضارات” في مرحلة مابعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، ومحاولة الغرب (خاصة الولايات المتحدة) البحث عن عدو جديد تمثل فيما أسموه “الخطر الإسلامي”؛ ليتزامن ذلك مع أزمات المسلمين في جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنحل، والذين تعرضوا في عدة حالات للإبادة الجماعية، على نحو أوجد تربة خصبة للجماعات الناقمة على الجانب الإسلامي تحت وطأة الشعور بالظلم؛ وهو ما وظفه الغرب أيضًا لصالحه تطبيقًا لمصداقية مقولة “الخطر الإسلامي” بما يحقق مصالح استراتيجية له ولبعض ساسته.

في هذا الإطار واجه العالم السياسات التي انتهجها جورج بوش الابن، وما خلفته من آثار قاتمة على مستويات عالمية وإقليمية حتى يومنا هذا، حيث أعلن دعوته إلى حرب صليبية جديدة، وما كان لذلك من آثار عميقة أضرت بالسلم العالمي، ليس فقط على المستويات السياسية بل المجتمعية أيضًا. كما أوجد هذا المناخ المحتقن مزيدًا من التربة الخصبة للمتطرفين على الجانبين، فتواترت عمليات تنظيم القاعدة بالغرب وحقق على إثرها اليمين المتطرف الأوروبي –والأمريكي- مزيدًا من المكاسب جراء الخوف المتأجج من الآخر.

وها هو ماكرون وغيره (ترامب مثلا) قد سار على الدرب ذاته، دون اكتراث بالتداعيات. ويعد هذا التصريح المشار إليه سلفًا لماكرون (فضلا عن بعض السياسات بشأن الإسلام والمسلمين في فرنسا) وقودًا للكراهية بين المسلمين وغيرهم، ونذير هتك للسلم المجتمعي والذي تتفاخر به فرنسا دومًا انطلاقًا من أنها بلد الحريات والعدل والكرامة، ليتناغم ذلك مع فصل سابق من الكراهية أشاعته اليمينية المتطرفة مارين لوبان إبان الانتخابات الرئاسية لسنة 2012 من أن كل اللحوم في منطقة باريس هي لحوم مذبوحة على الطريقة الإسلامية، وأن الفرنسيين –كما تقول- يستهلكون، دون علم منهم، لحوما مذبوحة باسم الإسلام وأنه يجب إعلام الفرنسيين بهذا ليتوقفوا[10].

واستشعارًا بالخطر يأخذ كثير من معارضي سياسة ماكرون، فيما يتعلق بالمسلمين في فرنسا، تغير خطابه واعتياده استخدام عبارات مستفزة ضد الإسلام والمسلمين، من قبيل تكراره دوما لعبارة “الإرهاب الإسلامي”، ويرون أن مهاجمة الإسلام باتت ملجأً للرئيس الفرنسي، للهروب من الضغوط الداخلية والأزمات –كما سنرى[11]، وإن مثل تلك السياسات والخطابات تلقي بظلال داكنة على مستقبل الديمقراطية نفسها[12].

ورغم تلك المخاطر المحققة على الغرب ذاته من حيث قيمه ومصالحه واستقراره، فضلا عن العالم، إلا أن هناك خلافًا حول إدراك ذلك، سواء في الغرب أو العالم الإسلامي.

أولًا- أي علمانية وأي حرية التعبير؟

حماية العلمانية، احترام حرية التعبير، من أبرز العناوين الكبرى التي ترافقت مع تلك الأزمة، كما صاحبت أزمات مماثلة سابقة.

تقول إحصائيات الديمجرافيا الدينية في فرنسا إنه في عام 2007، كانت وزارة الداخلية الفرنسية تتحدث عن نسبة ما بين 4.5 و8 في المائة من الفرنسيين مسلمون، وفي معطيات عام 2019، ثمة حديث عن نسبة 15 في المائة من المسلمين داخل المجتمع الفرنسي. رغم أن الأرقام تتحدث عن تحول كبير، لكن مراكز التفكير الفرنسية لا تتحدث عن كيف وقع ذلك، ولا عن العوامل المفسرة، ونسبة كل عامل على حدة، وما إذا كان العامل الأقوى هو الهجرة، أم الاقتناع بالإسلام، أم الزواج؟ كما تفعل مراكز أمريكية متخصصة في دراسة التحولات الدينية والقيمية مثل مركز (بيو) مثلا.

بل إن الدوائر الرسمية للدولة أيضًا، تملك هذه الإحصائيات ولكن لا تتقاسمها مع الجمهور إلا فيما ندر، وبدل ذلك، تنتج ردود فعل ضد ظواهر اللباس والزي، وتحاول تصوير هذا الوجود الإسلامي بأنه معركة ضد مبادئ الجمهورية، وضد النموذج العلماني الفرنسي، يقودها إسلام متطرف راديكالي[13].

كان من أبرز تعليقات ماكرون في هذا الصدد ما جاء في معرض حديث له أعقبَ الحوار الوطني حول احتجاجات الستر الصفراء في عام 2019؛ إذ تحدث عن انتشار الطائفية وتراجع قيم العلمانية في بعض الأحياء الفرنسية؛ بسبب انتشار أفكار الإسلام السياسي، حسب وصفه[14].

ولم يكن الأمر مجرد تصريحات، فقد وضعت السلطات الفرنسية على مدار السنوات الماضية عدة استراتيجيات لوقف هذه التهديدات المتصورة؛ حيث أعلن ماكرون وثيقة رسمية تحمل عنوان “إستراتيجية لمحاربة الإسلاموية وضد الهجمات على مبادئ الجمهورية”. وذلك في زيارته لمدينة مولوز الفرنسية في النصف الثاني من فبراير 2020، والتي تشهد مشكلات عدة بسبب تواجد عدد من المهاجرين واللاجئين المسلمين إلى جانب أنصار اليمين المتطرف؛ حيث أكد الرئيس الفرنسي خلال زيارته اعتزامه القضاء على التشدد والانفصال الإسلامي داخل الأحياء الفرنسية المهمشة، خاصة أن هذا التشدد لا يتوافق مع مبادئ الحرية والمساواة ووحدة الأمة، فلا يمكن بحال من الأحوال استغلال الدين لمخالفة قوانين الجمهورية الفرنسية، وفق قوله.

وتنص الوثيقة على ضرورة التركيز على البعدين التعليمي والثقافي بغية تعزيز العلمانية، ومن ناحية أخرى السيطرة على التأثيرات الأجنبية على بعض المؤسسات الدينية داخل فرنسا؛ وذلك من خلال مشروع قانون يرتكز على شفافية التمويل الخارجي والعمل على تنظيم الطوائف، وتعزيز الجمعيات الثقافية.

وبحسب الوثيقة هناك أربعة محاور رئيسية سيتم تفعيلها لحصار الميول المتطرفة والحفاظ على العلمانية، وتتركز هذه المحاور باختصار على النحو التالي:

المحور الأول- يعرف بـ”استراتيجية العرقلة“، وتستهدف مواجهة ظهور الإسلاموية عبر تحرير المساجد والمدارس من التأثيرات الأجنبية المتمثلة في الأئمة والمبعوثين الوافدين من دول محرضة ومتطرفة. علما أنه للتحكم في تمويل المساجد أطلق الرئيس الفرنسي في يناير 2019 ما يعرف بالجمعية الإسلامية الفرنسية؛ حيث ارتكزت مسؤوليتها على مراقبة جمع التبرعات وجمع دخل ضريبة المنتجات الحلال، بالإضافة إلى تدريب واستقدام الأئمة.

المحور الثاني- يهدف إلى تشجيع استراتيجية العروض البديلة وتدابير الدعم المنسقة للمناطق الأكثر تضرر من هيمنة المتشددين.

المحور الثالث- تم تخصيصه لمكافحة المحاولات الانفصالية داخل المجتمع الفرنسي والتي تتعدد أشكالها؛ كتحديد أوقات استحمام منفصلة في حمامات السباحة العامة، وكذلك تخصيص ساعات للصلاة في النوادي الرياضية، في محاولة لإزالة كافة الحواجز والفوارق الفاصلة بين الفتيات والفتيان.

المحور الرابع- يرتكز إلى معالجة أزمة افتقار الكثير من الأحياء الفرنسية للعروض الاجتماعية والرياضية التثقيفية[15].

وجاءت مواقف وتصريحات ماكرون الأخيرة حول الإسلام ودعمه الرسوم الكاريكاتورية اتساقًا مع هذا التوجه.

اتجاها الرأي حول تصريحات ماكرون

تنقسم الآراء في هذا الصدد إلى اتجاهين:

أولهما: يرى أن تصريحات ماكرون وسياساته تتسق مع مبادئ الجمهورية الفرنسية العلمانية، كما تتواءم مع الخبرة العلمانية الأوروبية ككل، التي شهدت مواجهات دامية مع الكنيسة، حتى وصل الأمر بقبول الكنيسة تكوين المثليين لأسرة[16]، ومن ثم لا يوجد استعداد للخضوع لكنيسة جديدة، بعد الثمن الذي دُفع[17]. هذا لاسيما أن فرنسا تعمل على تشديد ترسانة قوانينها من أجل مواجهة النزعات الانفصالية الإسلاموية (على نحو ما أشير) وتحجيم أنشطة جماعات الإسلام السياسي على أراضيها التي باتت تهدد قيم الانفتاح والتسامح؛ وهي أهم المبادئ التي بنيت عليها الجمهورية الخامسة، خاصة أن فرنسا –وفق هذا الاتجاه- شهدت خلال العشرية الأخيرة تمددا لافتا للمجتمعات الدينية الموازية ما يهدد التماسك المجتمعي ويؤصل للتطرف والانعزالية التي ترجمت في الكثير من الأحيان في الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد[18].

ويستند هذا الاتجاه إلى بعض استطلاعات الرأي التي تعكس تمسك المهاجرين المسلمين بالشريعة الإسلامية على حساب قوانين الجمهورية العلمانية، على سبيل المثال: نشر “المعهد الفرنسي للرأي العام” سبتمبر 2019 استطلاعا للرأي بعنوان “الحق في التجديف، حرية التعبير”، طلبه مركز “جان جوريس”، وقد أظهر أن 74 في المئة من الفرنسيين المسلمين ممن تقل أعمارهم عن 25 عاما يضعون قناعاتهم الدينية الإسلامية فوق قوانين الجمهورية فيما انخفضت تلك النسبة إلى 25 في المئة لدى من تزيد أعمارهم عن 35 عاما.

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد 45 في المئة من الفرنسيين المسلمين الذين تقل أعمارهم عن 25 عاما أن “الإسلام لا يتوافق مع قيم المجتمع الفرنسي”، بينما يؤيد هذا الرأي 24 في المئة فقط ممن تزيد أعمارهم عن 35 عاما.

ومن ثم فقد وجب –وفق هذا الاتجاه- أن ترسم فرنسا طريقا أكثر تشددا حيال أنشطة جماعات الإسلام السياسي على أراضيها بعد أن انكشفت مناوراتهم الفكرية والأيديولوجية وقدرتهم الدعوية الهائلة في التأثير على الشباب الفرنسي المسلم واستقطابهم بما يتنافى مع قوانينها وقيمها العلمانية[19].

هذا الاتجاه بالتبعية يرى أن الرسوم والدفاع عنها يدخل في نطاق حرية التعبير، وبشأن أن حرية الفرنسيين تنتهي عندما تبدأ مقدسات غيرهم، يدفعون بأن مشروع ماكرون يقوم على تأسيس هوية مواطنة فرنسية واحدة دون تمييز، وأن التجربة الفرنسية فيما يتصل بالعلمانية لها خصوصيتها عن غيرها من التجارب الأوروبية؛ وهو أمر يجب احترامه[20].

وبشأن دلالة ردود الفعل المسلمة تجاه الرسوم، هناك من يصل به الأمر للقول بأن الذين أقدموا على إعادة نشر الرسوم هم مدركون لخطورة الأمر، بل إنهم يتحسبون نتائج ذلك،. فالأمر بمثابة اختبار لردود الفعل، وأنه بالفعل قد أثبت غضب المسلمين أن الانهيارات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية لا تزيدها إلا تشبثا بمقدسها الديني ورموزها التراثية الدينية[21]، بل إنه قد تمّ تنفيذ جميع الهجمات المتزامنة باسم الدين ودفاعاً عن النبي محمد[22].

أيضًا يُرجع هذا الاتجاه الغضب الإسلامي إلى علاقة العربي/المسلم بالفنون ويصفها أنها مشوبة باللبس والغموض، فالفن مُحرّم في العديد من الأوساط، ومنبوذ في أخرى ومهمش عند البعض. والسبب في ذلك يعود إلى اعتبارات عديدة، لكن الديني منها يقف على رأس الأسباب. وبشأن فن الكاريكاتير تحديدًا، والذي غالبا ما يعمل على التحريف في الملامح الرئيسية للشخص، أو يتم الاستعاضة عن الملامح بأشكال الحيوانات، وبالتالي فإن الكاريكاتير سيكون هو الشكل التصويري الأكثر نبذا لدى المسلمين الذين يرون في ذلك تشويها للخلقة التي تؤول في النهاية إلى السخرية من “صنيع/خلقة” الله. هذا ويضاف إلى ذلك العنصر السياسي، على اعتبار أن أغلب الأنظمة العربية تحرم التعرض للسخرية من شخص الحاكم على اعتبار أنه “شخصية مقدسة”. في حين أن الكاريكاتير، وباقي فنون الرسم والصورة، تجد حقلها الخصب في المجتمعات الغربية، وأن الصورة ترعرعت ونضجت في رحم الكنيسة[23].

وهنا يشير هذا الاتجاه إلى أن الغرب قد تفطّن، بعد أن كان في السابق ملجأ للعديد من المنفيين والمعارضين الدينيين، إلى خطر الجالية الإسلامية المتزايدة التي صارت تشكل تهديدا لمستقل ثقافاته، ومستقبل القيم الاجتماعية التي ناضل الغرب من أجلها والمتمثلة في قيم الاختلاف والحرية بما تتضمنه من حرية الفكر والاعتقاد؛ إذ إن المسلم في الغرب يعتبر نفسه، دائما، حاملا لمشروع حضاري إسلامي، والحال أنه في كل ذلك ينفي كل مبادئ اختلاف الهوية والثقافة، وينفي أن يكون الآخر على جانب من الصواب وعلى درجة من الحقيقة [24].

وفي هذا الإطار، فإن بعض الوافدين إلى فرنسا (كجزء من الكل) لم يفهموا جوهر العلمانية الفرنسية التي تفصل بين الدين والدولة، وهي عجلة التطور. وبدلا من الاستفادة من العلمانية الفرنسية التي تحترم الأديان وتعتبرها نشاطًا إنسانيًا فرديًا بين الكائن وربه، يقوم المتطرفون بإشعال نار الفتنة والقتل[25].

بالتالي، فمما لا شك فيه، أن فرنسا تعاني أزمة هوية بسبب مشاكل الاندماج لدى جزء كبير من ذوي الأصول المهاجرة. وهناك مَنْ يفهم أن العلمانية تعني الإلحاد، ويصل الحد بالمتطرفين أنهم ينظرون إلى فرنسا كبلد استعماري مسيحي منذ انخراطها في الحرب ضد المتطرفين والإرهابيين[26]. هكذا يتحدث معتنقو هذا الاتجاه الأول.

الاتجاه الثاني– وتعبر عنه نخب فرنسية رسمية وفكرية وليس فقط عربية أو إسلامية، ولديهم انتقادات لتطبيقات مفاهيم الديمقراطية العلمانية وحرية التعبير الراهنة في الخبرة الفرنسية. وهذا بالتبعية اتجاه رافض للرسوم ولدفاع ماكرون عنها. وفي هذا الإطار جدير أن نلفت إلى أن بعض المنشقين عن حزب “الجمهورية إلى الأمام” في منتصف مايو 2020 قد صرحوا بأن تصرفات الرئيس الفرنسي التي وصفوها بأنها “ملكية” وتتناقض مع الكثير من المعايير الديمقراطية وبخاصة الفرنسية، كانت أحد أبرز أسباب الانشقاق[27]. حيث تُطرح تساؤلات من قبيل: ألا يتجاوز الرئيس بمواقفه تجاه الإسلام والمسلمين مقتضيات قانون 1905 الذي أعلن فرنسا جمهورية علمانية؛ أي دولة محايدة منفصلة عن الديانات؟ ألا تحيي فرنسا بذلك الإمبريالية الثقافية وتصنع محاكم تفتيش جديدة، في وقت لا تدخر فيه جهدا لنشر وإشاعة الفرنكوفونية على طول العالم العربي والإسلامي لمحو ثقافته[28]؟

فسياسات ماكرون –تبعا لأصحاب هذا الرأي- تضرب العلمانية في مقتل، فهو يمارس اضطهادًا ضد أقلية معينة، كما أن ما يقوم به ماكرون لا يؤدي سوى إلى مزيد من الانقسام وليس هوية واحدة. إن هجمة ماكرون وحكومته ضد الإسلام والإساءة لمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم تكشف عن حالة من فقدان المنطق والاتساق في مواجهة المسلمين[29]. ذلك لاسيما أن ماكرون ذاته سبق وأن عبر عن رؤيته للعلمانية؛ حيث أكد أنه “لا يمثل أي دين مشكلة في فرنسا في وقتنا الحالي. وإذا كان ينبغي أن تكون الدولة محايدة، وهو ما يأتي في صلب العلمانية، فعلينا واجب ترك كل شخص يمارس دينه بكرامة”.

وبشأن الإسلام خاصة، وخلال لقائه بأنور كبيبش، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، قبل أيام فقط من انطلاق الجولة الأولى من سباق الرئاسة، صرح “ماكرون” بأن “الدولة الفرنسية والأقلية المسلمة تقاتلان على جبهة مشتركة ضد التطرف الإسلامي”، وشدد في بيان له على “أهمية احترام التقاليد العلمانية الفرنسية”، لكنه قال إنها “لا ينبغي أن تستخدم لاستهداف المسلمين”[30]. كما شدد ماكرون –في مواضع أخرى– على رفضه أي نوع من أنواع العنصرية، مشيرًا إلى وجوب تساوي الفرص في التعليم وسوق العمل للجميع، مهما كانت أصولهم وتوجهاتهم الدينية. وكان من بين تصريحاته آنذاك ما أثار جدلا واسعا، حيث سبق أن قال إن فرنسا ارتكبت أخطاء في بعض الأحيان باستهدافها المسلمين بشكل غير عادل[31].

برنامج “ماكرون” المترافق مع خطابه المنفتح هذا كان قد تزامن معه الدعوة إلى تدريس الشؤون الدينية في المدرسة، وإن كان طالب بتكوين الأئمة في الجامعات الفرنسية، ودعا لإغلاق المساجد التي تدعو للتطرف والإرهاب، كما طرح فكرة إعادة هيكلة الجمعيات الإسلامية في فرنسا، والتي يعتبرها غير ممثلة بشكل جيد. واللافت في هذا الإطار، أن برنامجه هذا لقي ترحيبا من مسلمي فرنسا، الذين منحوه أصواتهم بقوة في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وهي أصوات ما كان ليتمكن من الوصول للمنصب دونها[32].

وبشأن شعارات حرية التعبير التي دومًا ما ترافق مثل تلك الأزمات، فيرى هذا الاتجاه أن حرية التعبير وفق هذه الرؤية التي يروج لها ماكرون وداعمو الرسوم لا يحكمها سوى تصور عنصري يعتبر السخرية من اليهود معاداة للسامية، بينما السخرية من الإسلام حرية تعبير[33]. وليس أدل على ذلك من أن ماكرون استدعى السفير التركي لأن أردوغان أساء له، بينما يرفض المطالبة بعدم الإساءة لنبي الإسلام، بل يبدو الأمر وكأن ماكرون يشرعن الإسلاموفوبيا[34].

ويرصد هذا الاتجاه كيف أنه في إطار الثقافة الأوروبية نفسها وعلى مستوى النخب، لم يلقَ ماكرون تأييدًا حقيقيًا، رغم تأكيد الجميع على حرية التعبير، وذلك لتناقضاته، وخطورة سياساته على السلم المجتمعي الأوروبي ككل. فالمجتمع السياسي في فرنسا، لم يبد دعما كافيا لماكرون، بل بالعكس من ذلك، اشتدت الانتقادات الموجهة إليه على خلفية محاولته الهروب إلى الأمام، وافتعال عدو خارجي، لخلق جبهة داخلية قوية تسنده، بعد أن أظهرت أسهمه في سوق السياسة انخفاضًا كبيرًا (كما سنرى في تناول الجزئية المتعلقة بدلالات التسييس)[35].

وخارج فرنسا، في ألمانيا مثلا، كانت المستشارة ميركل واضحة تماما حينما صرحت بوقوفها ضد نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله علسه وسلم، وأن الحرية تنتهي عندما تبتدئ حرية الآخرين. وكذلك فعل رئيس الوزراء الكندي، فهم ينطلقون من الثقافة الحقوقية نفسها، لكنهم يدركون أن الحرية تمارس ضمن مقومات الاستقرار والتوازن الاجتماعي، وأنه في اللحظة التي تكون الحرية مربكة لهذا التوازن والاستقرار الاجتماعي، يصير تقييدها واجبا[36].

ويركز هذا الاتجاه على الموقف الفرنسي من الحجاب لإثبات التناقض القيمي بشأن العلمانية والحريات، حيث إنه في فرنسا، بلد الحرية والمساواة والإخاء، يواجه الحجاب الإسلامي رفضا قويا باعتباره شكلا من أشكال الاضطهاد للنساء ورمزا للتخلف، مع أن الحجاب ليس خاصا بالمسلمين فقط؛ فما السر وراء معاداته في فرنسا خاصة؟

هذا السؤال طرحته الصحفية الإنجليزية أندي جرمان المنتمية للثقافة الأوروبية بحثًا عن الأسباب التي تجعل الفرنسيين منزعجين من ارتداء الحجاب الإسلامي أكثر من غيرهم. وقد تساءلت: ألا يشكل فرض نوع معين من اللباس على المرأة ممارسة للقمع والتضيق عليها؟ مشيرة إلى أن قطعة القماش الصغيرة هذه هزت فرنسا بأكملها؛ إذ رأى فيها البعض تحديا سافرا للعلمانية، في حين اعتبرها آخرون رمزا لاضطهاد المرأة وقمعها. وترى الصحفية الإنجليزية أنه لا يخلو الأمر من نفاق؛ لأن من يخشون على المرأة من الاضطهاد هم أنفسهم الذين يريدون إجبارها على ارتداء زي يخالف إرادتها؛ ما يدل على أن الموقف من الحجاب الإسلامي لا يتعلق بقضية حقوقية ودفاع عن المرأة بقدر ما يتعلق بالإسلاموفوبيا[37].

وبين هذا الاتجاه وذاك هناك من يحاول التعامل مع الإشكالية بالقول إن: هناك من المسلمين أنفسهم من يعتبرون أن العلمانية هي التي تمكّن الدولة من التغاضي عن الإسلاموفوبيا والعنصرية الممنهجة؛ بهدف خلق مجتمع موحد يجمعه المنطق. وانطلاقاً من هذه الرؤية، لا يمكن أن تخضع البلاد للقوانين الإلهية، بل يجب أن تكون الدولة حَكَماً محايداً يقدّر جميع الأديان على قدم المساواة ولا يتدخل في ممارستها. وبالمثل، لا يجب أن تفرض أي طائفة معتقداتها أو ممارساتها على طائفة أخرى. ولكن غالباً ما يُساء فهم العلمانية أو يتم تحريفها من بعض المتطرفين بالغرب، وبالتالي تساعد هذه المغالطات المتطرفين على الجانب الآخر على أن يظهروا بصورة المدافعين في نهاية المطاف عن دين إسلامي يتعرض للهجمات[38].

أين المشكلة إذن؟ هل تأخذ عمقها في بعدها الفكري، أم القانوني، أم الحقوقي؟ إنها كل ذلك، فالإسلام أصبح جزءً لا يتجزأ من النظام الأوروبي (ولوضع الإسلام والمسلمين أهمية خاصة في إطاره). والحرية لم يعد من الممكن ممارستها في فرنسا من غير مراعاة قواعد هذا التوازن؛ ومنها وجود الإسلام في مربع المعادلة[39].

فماذا حقق ماكرون إذن للقيم الأوروبية والفرنسية خاصة؟ ثمة تناقض يبدو واضحًا على الجانب القيمي، تناقض تخلقه بعض الحسابات السياسية قصيرة المدى (كما سنرى)..

ثانيًا- من الفكري والقيمي إلى السياسي:

وفق ما أشير فيما سبق، يبدو أن الأمر لا يقف عند اختلاف في تفسيرات بعض المفاهيم من قبيل العلمانية وحرية التعبير (لاسيما لدى الاتجاه الرافض لتصريحات ماكرون والرسوم الكاريكاتورية)، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى التوظيف لحسابات سياسية داخلية وخارجية تؤدي إلى تناقضات قيمية فادحة، كما حدث في محطات تاريخية عدة في المواجهة بين الغرب والإسلام، وقد سبق تناول ذلك أيضًا.

وتجدر الإشارة بداية أن التسييس في فرنسا قد امتد إلى ساحات العلم والأكاديميا، على سبيل المثال على موقع أوريان 21 الفرنسي، جاء مقال الباحث لوران بونفوا من المعهد الفرنسي للبحث العلمي؛ ليوضح بعض ما اعتبر أنه تضخيم لظواهر هامشية في كتاب بعنوان “استعادة الأراضي التي غزاها الإسلام” للكاتب برنار روجييه، مبديًا أسفه لوضع البحوث في خدمة ما وصفه أنه أيديولوجيا بدائية. وأشار الباحث في بداية مقاله إلى أن الدعاية الإعلامية التي سبقت ورافقت نشر الكتاب، وظفت أخبار العنف التي حدثت في باريس وزادت من نشاطها في الذكرى الخامسة للهجمات على تشارلي إيبدو، لتعطي انطباعا بإلحاح وأهمية الكتاب في هذا النوع من الظروف. وأوضح الكاتب أن اختيار عنوان لهذا الكتاب يستحضر الفتوح الإسلامية في سياق توترات سياسية بالغة الخطورة، ومن قبل ناشر يدّعي أنه أكاديمي، يعد عملا لا يمت إلى البحث العلمي بصلة[40].

يتجاهل هذا النهج العام -بحسب الباحث- وضع المسلمين في المجتمع الفرنسي، والصعوبات الموروثة من التاريخ الاستعماري؛ بحيث يصبح رفض المجتمع من قبل البعض بالنسبة له نتيجة حتمية لأيديولوجيات إسلامية قائمة على المناورة. وكأن التفكير في الروابط بين ما يحدث و”ما بعد الاستعمار” غير مقنع وضرب من محاكمة النوايا. وفي هذا السياق، فإن أي تعبير سياسي أو إعلامي يأتي مما يسمى الهوامش الإسلامية كمكافحة التمييز، يصبح مشتبها فيه بالتواطؤ، بمن في ذلك عدد من المثقفين اليساريين، وكأن “هناك صلات عضوية بين حركات إنهاء الاستعمار والحركات الجهادية”[41].

وبالتطبيق على موضوع الدراسة، ومدى حضور التوظيف السياسي للأبعاد القيمية، نجد أن السياق السياسي الفرنسي قد استحوذ على جانب كبير من التحليلات التي تناولت الأزمة الأخيرة، حيث اُعتبر أن ماكرون يغازل، في لعبة مكشوفة، أنصار اليمين واليمين المتطرف؛ بإشعال الموضوعات الشائكة. فالإسلام بمثابة حائط قصير، يستطيع من خلال الهجوم عليه، تعويض التدني الكبير في شعبيته[42].

ذلك علمًا بأن أصول ماكرون السياسية أتت من “الحزب الاشتراكي الفرنسي”؛ أي إنه ليس يمينيا بحكم نشأته السياسية، لكن براجماتيته دفعته للخروج من عباءة “اليسار”، والدخول في مربع “الوسط”، والترشح من خلاله. هذه السمة السياسية التي أسماه الاشتراكيون بموجبها “بروتس الجديد، تعني أنه بإمكانه أن يعيد صياغة أفكاره، وأن يعيد توجيهها، ولو باتجاه اليمين، وهو ما حدث بالفعل على نحو ما نرى[43].

وفي مقارنة بين خطاب “ماكرون” في الحملتين الرئاسيتين فيما يتصل بمسائل الإسلام والمسلمين، نجد أن حملة “ماكرون” الانتخابية الماضية استهدفت أصوات المسلمين، وهي أصوات صارت محسومة لصالحه في الجولة الثانية من الانتخابات بعد أن كانت أصوات مسلمي فرنسا قد تشتت خلال الجولة الأولى من انتخابات 2017، حيث زاد انفتاح خطاب ماكرون بعد تأهله للدور الثاني من الانتخابات بعد تصدر الدور الأول بنسبة ضئيلة بلغت 23.86% من الأصوات متقدما على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن التي حلت في المرتبة الثانية بنسبة أصوات بلغت 21.43%. ومن ثم فقد استبشر قطاع واسع من المسلمين بوصول ماكرون للحكم، وكان أول تعليق إسلامي على فوز ماكرون من المسجد الكبير في العاصمة الفرنسية “باريس”، والذي ذكر بيانه “أن فوز ماكرون على لوبان هو علامة على المصالحة بين الأديان في البلاد”[44].

من ثم فعلى صعيد تقييم مدى انتخابية طرح ماكرون الراهن، فإن قراءة مواقف ماكرون من المهم أن تأتي ضمن سياق الإعلان عن نتائج استطلاع للرأي، أظهر أن زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبان ستكون منافسته الرئيسية، لو أجريت الانتخابات الرئاسية حاليا. وذهب ذات الاستطلاع أبعد من ذلك، حيث توقع فوزها بالرئاسة في الجولة الأولى من الانتخابات[45].

ذلك أن ماكرون يواجه العديد من الأزمات الداخلية؛ على رأسها: احتجاجات السترات الصفراء، والتداعيات الاقتصادية لوباء كورونا، مع العلم أن التدهور في شعبية ماكرون ليس وليد اليوم، أو لأسباب تتعلق مباشرة بالمسلمين، حيث إن التدهور بدأ في سبتمبر من العام 2017 عندما صدر قانون العمل والذي يُرى أنه مثل المسمار الأول في نعش شعبية ماكرون. فمع وجود بنود اعتبرها العديد من الفرنسيين مجحفة بحقهم، وتهدد مستوياتهم المعيشية، استمرت شعبية الرئيس في التدهور ليزيد من تدهورها، فرض مزيد من ضرائب القيمة المضافة على السيارات التي تستخدم الديزل والتي أُقرت في نوفمبر من العام 2018؛ وهو ما زاد من رقعة الاحتجاجات الشعبية في البلاد ليفجر ما عرف باسم “احتجاجات ذوي السترات الصفراء”[46].

وحتى يحول ماكرون سهام النقد عن استهدافه، عزف اللحن الذي يطرب أنصاره في اليمين المتطرف وهو محاربة ما أسماه تارة التشدد الإسلامي وتارة أخرى الإرهاب الإسلامي[47]. ففي حديثه الذي أعقب انتهاء ما يعرف بالحوار الوطني لتقديم حلول ناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي فجرت حركة السترات الصفراء، أدلى الرئيس الفرنسي بتصريحات استقبلت بكثير من الاستغراب والاستنكار بشأن ما أسماه تهديد الإسلام السياسي لقيم الجمهورية الفرنسية، متوعدا بمحاربته دون هوادة. واعتبرت انتقادات ماكرون للدين الإسلامي حينها أمرا غير مسبوق في حدّتها وصرامتها منذ توليه الحكم، خاصة أن هذه الانتقادات جاءت منفصلة عن أي سياق، لأنها كانت ضمن حوار ماكرون أمام ملايين الفرنسيين لاقتراح حلول للمشاكل التي تعانيها فرنسا.

حينها استنكر الحاج التهامي بريز رئيس “اتحاد مسلمي فرنسا” في منطقة باريس – وتنضوي تحته أكثر من ثلاثمائة جمعية إسلامية- تصريحات ماكرون، معتبرا أنها تهدف للاستهلاك الإعلامي وللتغطية على المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها فرنسا، حسب وصفه. وقال التهامي إن المنظمات الإسلامية الفرنسية ترفض أن يتحول المسلمون إلى كبش فداء للحكومة الفرنسية بسبب عجزها عن تقديم حلول للمشاكل التي يعانيها الفرنسيون في كل القطاعات[48].

ومن ثم فمع تكرار التصريحات المعادية للإسلام، يصطاد الرئيس الفرنسي عصفورين بحجر واحد، فعلاوة على استجداء أصوات المتطرفين، يعمل على تصدير الأزمة أو بالأحرى الأزمات التي تحاصر فرنسا، بالتأكيد على أن الإسلام مصدر مشاكل العالم بأسره، ولفرنسا التي تضم جالية إسلامية كبيرة، نصيبها الأوفر. هكذا ينقلب فشل السياسات الداخلية، معبرا عنها باحتجاج السترات الصفراء، والأزمة الاقتصادية الخانقة جراء تفشي وباء كورونا، وإفلاس السياسة الخارجية في مالي وليبيا وسوريا، إلى مجرد انعكاس لأزمة “الإسلام”[49]!

أي إنه في ضوء هذه التعقيدات التي تواجه ماكرون، بدت أصوات المسلمين غير أولوية في اللحظة الراهنة، لاسيما في ضوء السلوك التصويتي لمسلمي فرنسا في الانتخابات البلدية في يونيو 2020[50]. وبالرغم من أن حزب “الجمهورية إلى الأمام” الذي ينتمي إليه الرئيس الفرنسي كان نصيبه في هذه البلديات متعثرا، إلا أنه بالنسبة للمسلمين حمل دلالة أساسية، حيث تأكد لـ”ماكرون” خسارته أصوات المسلمين في البلديات التي يتركز وجودهم فيها مثل “مارسيليا” و”ليون” و”ليل” و”باريس”، وحتى في المناطق الصناعية التي يتركز فيها المسلمون ضعيفو المؤهلات القادمون من الغرب الأفريقي. فبدلا من البحث في أسباب ذلك كان كيل الاتهامات.

أيضًا هناك حديث عن الدوافع النفسية لتصريحات ماكرون المعادية للإسلام، في إشارة إلى ما أبدته نتائج أحد استطلاعات الرأي من أن “ماكرون” يمارس سلوكا “لينا” أمام ظواهر التشدد الإسلامي والهجرة، ولا يخفى أن استخدام استطلاع رأي لهذه المفردة “Soft” قد يكون مدفوعا لاستدراج الرئيس الفرنسي للانتقال لهذا المربع، ودفعه لتبني هذا الموقف من المواطنين الفرنسيين من أصول مسلمة، خاصة وقد أدرك أنه قد خسر تأييدهم الانتخابي[51]

وإن كان ذلك على صعيد التوظيف السياسي من قبل ماكرون، فإن هناك وجها آخر للتوظيف السياسي تطرقت إليه بعض التحليلات، حيث تحفيز “القاعدة” و”داعش”: فالوجه المقابل لليمين المتطرف هو ذلك المتعلق بإرهاب “القاعدة” و”داعش”. حيث إن كلا النمطين من التطرف يتغذّيان على المحفزات ذاتها، وفي هذا السياق تبرر “القاعدة” و”داعش” عملياتهما الإرهابية بسياسات الدول الغربية، وخطاب القيادات الغربية المعادي للمسلمين.

في مثل هذا السياق، يرجح أن يمنح خطاب الرئيس الفرنسي محفزات للتنظيمات المتطرفة لإكساب خطابها المزيد من الزخم، والحصول على المزيد من المؤيدين[52].

ثالثًا- الجاليات المسلمة: إذن دمج أم إقصاء؟

لكن ماذا عن تداعيات هذا كله على مستقبل المجتمع الفرنسي، والذي يشكل المسلمون جزءًا غير بسيط منه على نحو ما أشير؟ ماذا عما هو أبعد من ماكرون بحساباته العقدية والسياسية والنفسية؟ ماذا إذن عن أوضاع الجالية المسلمة في فرنسا جراء كل ذلك؟

رغم أن الحديث عن أوضاع المجتمع الإسلامي في فرنسا وتعديل هذه الأوضاع يثور في فرنسا قبيل الحملات الانتخابية الرئاسية الفرنسية منذ عقود مضت، وبرغم أنه مثّل ملمحًا رئيسًا في الخطاب السياسي لأكثر من رئيس فرنسي، إلا أن “ماكرون” تحت ضغوط تراجع شعبيته، وتحت طائلة المدّ اليميني الأوروبي، يتجه نحو ترسيخ المخاوف (على الجانبين الفرنسي والإسلامي) عبر مجموعة من الخطابات والسياسات[53].

فقد أبدى ماكرون رغبة في التقارب مع الجالية الإسلامية على نحو ما ذكر، وكان من أبرز مواقفه التصريحات حول الاستعمار الفرنسي التي جعلته يكسب ود قطاع واسع من أبناء الجالية المغاربية وخاصة الجزائرية، وأدت لتعرضه لعاصفة من الانتقادات من منافسيه بعد أن وصف الاستعمار الفرنسي بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، وقوله: “كان الأمر وحشيا حقا وهو جزء من الماضي، يجب أن نواجهه حتى نعتذر أيضًا لمن تضرروا” [54].

لكن التحول في خطاب وتوجهات ماكرون –على نحو ما سلف- مثل إعلان ماكرون عزم فرنسا محاربة ما أسماه “الانفصالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام موازٍ وإنكار الجمهورية الفرنسية”، وهي -وفق تحديد ماكرون- “أيديولوجيا تدعي أن قوانينها يجب أن تعلو على قوانين الجمهورية”[55]، هذا الإعلان كان له تداعياته لدى جانب كبير من الجالية المسلمة في فرنسا.

وإن كان من المعلوم أن افتعال الصراعات بين قيم الجالية الإسلامية وتلك الخاصة بالجمهورية الفرنسية لم تكن وليدة فترة حكم ماكرون، فقد سبق لجاك شيراك أن شكل “لجنة ستازي” عام 2003، وكانت ضرورة حظر الرموز الدينية في الفضاء العام، من بين أهم توصياتها، في قرار ظاهره “حماية العلمانية”، وباطنه سياسة عنصرية إقصائية؛ مغلفة بشعار التسامح والاندماج وقيم المواطنة والجمهورية.

لم يتأخر ماكرون في اتخاذ النهج ذاته، فبعد ثمانية أشهر من حكمه؛ وبالتحديد في فبراير 2018، أعلن عن مساعيه لإزالة اللبس أو ما يعتبره سوء فهم كبير بين الإسلام وقيم الجمهورية، تعزّزت هذه المساعي بإصدار معهد مونتاني، بداية سبتمبر 2018، تقريرا حول الموضوع أعده الأكاديمي حكيم القروي؛ مستشار الرئيس الفرنسي في قضايا المسلمين بفرنسا، بعنوان “صناعة الإسلاموية” (la fabrique de l’islamisme) الذي تلقى مسلمو فرنسا مقترحاته بالاستغراب، وتوصياته بالكثير من الاستهجان.

عاد الرئيس الفرنسي لإثارة النقاش بشأن الإسلام والجالية المسلمة في فرنسا، في فبراير 2020، حيث كشف عن جملة من التدابير، مقدما معالم استراتيجيته الجديدة (والسالف التفصيل بشأنها)، ضد “الانفصال الإسلامي”، الذي يتعارض مع قيم الحرية والمساواة وقيم الجمهورية ووحدة الأمة الفرنسية.

استعاد ماكرون هذه الخطة؛ في تصريحه الأخير، بأسلوب هجومي أكثر فجاجة هذه المرة، مؤكدا أن ولادة “الإسلام الفرنسي” ستكون على يديه، بعدما باءت جهود الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدار 30 عاما بالفشل. علمًا بأن المصطلح؛ في حد ذاته، ليس وليد اليوم، بل يعود إلى عام 1990؛ مع الرئيس فرانسوا ميتران ووزير داخليته بيير جوكس، الذي شكل حينها “مجلس تفكيري حول إسلام فرنسي”(CRIF)[56]. ليترافق مع تصريحات ماكرون إعلان لوزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان عن إجراءات تستهدف الجالية المسلمة مثل إغلاق السلطات لـ 73 مسجدًا ومدرسة خاصة ومحلا تجاريا منذ مطلع العام الجاري؛ بذريعة مكافحة الإسلام المتطرف[57].

فقد جرى الإعلان عن حل بعض الجمعيات الإسلامية المرخص لها قانونيا كجمعية بركة سيتي، وجمعية ائتلاف الشيخ ياسين، وتم غلق مسجد بونتان، وكذلك فرض رقابة شديدة على بعض الأشخاص والهيئات. ويعلق على ذلك عضو اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (فيدرالية مسلمي فرنسا) ورئيس الفيدرالية الوطنية للتعليم الإسلامي الخاص، مخلوف مامش: لست هنا في إطار توجيه الاتهام أو تبرئة هذه الجمعيات والشخصيات التي تخضع للمراقبة، هذا من اختصاص الدولة. إنما نقول إن أي أمر لا بد أن يكون شفافا وفي إطار ما يسمح به القانون حتى لا يفهم على أنه سياسة موجهة ضد المسلمين ويخلق جوًّا من الكراهية داخل المجتمع[58].

وقد اختلفت الآراء حول تقييم هذا التوجه وأثره في وضع الجاليات المسلمة بفرنسا، فعلى جانب هناك اتجاه يعتبر أن ما يتخذه ماكرون من إجراءات وما يعبر عنه من مواقف يدخل في إطار المواجهة مع الإسلام السياسي وليس موجها ضد الجالية المسلمة. ويؤكد أصحاب هذا التوجه أن فرنسا الجمهورية الخامسة تحمي الحريات، ولطالما احترمت القوانين ونبذت العنف؛ فبالتالي فرنسا لا تخلط بين الإسلام بصفته ديناً وحق العبادة والتعبد، وبين قوى سياسية تتلبس بالدين؛ وتتخذ من مساجد وجمعيات إنسانية ستاراً لها لتخفي أنشطة إرهابية لدرجة التهديد بتدمير الجمهورية الخامسة في فرنسا. ذلك حتى إن وزير داخليتها جيرالد دارمانان طالب السلطات المحلية بوضع المساجد في مدينتي بوردو وبيزييه تحت حماية الشرطة بعد تلقيها تهديدات، وبعد تلقيها رسائل كراهية في إطار الأحداث الأخيرة[59].

ومن ثم فهذا الاتجاه يقدم قراءة لبيان الحكومة الفرنسية؛ لا تعتبره شرعنة تمييز ضد المسلمين بوصفهم أقلية تعيش في فضاء الجمهورية الخامسة، لكنه محاولة لتحصين فرنسا من تسلل قوى الإسلام السياسي الذين أفسدوا الحياة السياسية في ليبيا وسوريا واليمن والعراق ومصر[60]. ذلك حيث يرون أن أخطر ما في جريمة مقتل المدرس الفرنسي هو دلالتها الكاشفة عن استمرار خطر التنظيمات الإرهابية التي تمارس العنف وتحرض عليه، حيث تحدث وزير الداخلية الفرنسي عما وصفها بأنها “فتوى ضد المدرس” صدرت من بعض الأشخاص المشتبه بهم، ومن بينهم الناشط الإسلامي المتطرف عبد الحكيم الصفريوي، الذي يرأس “جماعة الشيخ ياسين”، ليقترب الوزير بذلك من وضع الإصبع على الجرح أو المروج الحقيقي والأهم للفكر المتطرف الذي يُترجمه بعض المتطرفين إلى جرائم إرهابية على أرض الواقع[61].

حيث انخراط عدد من المسلمين الأوروبيين، وأبناء الجالية المسلمة في فرنسا بتنظيمات إرهابية وتم توجيههم نحو تنفيذ مثل تلك العمليات في بلدانهم وهو ما استوجب ضرورة إيجاد آلية للتعامل مع هذا الإشكال وإعادة دمجمهم ثانية باعتبارهم مواطنين أوروبيين[62]. هذا لاسيما أنه وفق هؤلاء: “المسألة باتت مسألة شبكة متكاملة من المساجد وقاعات الرياضة والجمعيات التي تغطي أحياء بأكملها في كل أرجاء فرنسا وباتت تشكل مجتمعا مضادا يفصل ما بين الحلال والحرام”. ليستشهد أصحاب هذا الاتجاه بما قالته عضو مجلس الشيوخ الفرنسي، جاكلين أوستاش برينيو: “يجب التحرك سريعا، لأنّ كلّ مناطق فرنسا صارت متأثرة اليوم، باستثناء غرب البلاد، بأفكار الإسلام السياسي المتطرفة، وإلا ففي غضون أعوام قليلة، قد تخرج بعض هذه المناطق والأحياء في نزعات انفصالية عن الجمهورية” [63].

وفي هذا الإطار يشار إلى أن الباحث ميشيل أوبوان تحدث في مقالة بعنوان “الإسلام السياسي وغزو الأحياء” في 9 نوفمبر 2019 عن أن أحياء تتجاوز الألف في فرنسا تعرضت للانعزال الجغرافي والثقافي؛ وهو الوضع الذي استغلته الأيديولوجيا الإسلاموية الحركية.

وبالتالي يؤيد هذا الاتجاه سياسات ماكرون انطلاقًا من أنه بات من الضروري إيجاد كيان بديل يمثل الجاليات المسلمة في دول الغرب، يمثل العقيدة الدينية المعتدلة التي يتبناها معظم المسلمين، وليست لديه أي أطماع أو طموحات حزبية أو سياسية، يستطيع صناع القرار الأوروبيون التعاون معه في خدمة الجاليات المسلمة في هذه الدول[64]. فضلا عن منع وجود أي حواجز بين المسلمين  وباقي المواطنين الفرنسيين، وعدم مواصلة عيشهم في أوروبا باعتبارهم أقليات غير قابلة للاندماج، لهم أسلوب حياتهم في المأكل والمشرب والملبس، في إطار رفض الآخر[65]

ومن التفسيرات التي يقدمها هذا الاتجاه لوضع الجاليات المسلمة في الغرب، أن العديد من المهاجرين المسلمين، الذين استقروا في أوروبا وأمريكا، هم ذوو درجة ضعيفة معرفيا، وهم في غالبيتهم أيدٍ عاملة، لم يتمكنوا من الاندماج بسبب ضعف الآليات الثقافية التي يحملونها؛ وهو ما يقوي من الصراع ويدفعهم إلى العيش بعيدا عن الحياة العامة واختلافاتها. لذلك يشتغلون على شكل جمعيات أو مؤسسات خيرية هدفها هو نشر الدين والدفاع عن حقوق ممارسة الشعائر وبناء المساجد[66].

على الجانب المقابل هناك اتجاه آخر يرفض تلك التصريحات والسياسات ويحذر من تداعياتها السلبية على الجالية المسلمة بفرنسا، والمجتمع الفرنسي والأوروبي برمته، خاصة مع ما قد تثيره من استفزاز لقطاعات غير واعية (حادث مقتل المدرس الفرنسي مثلا)؛ وهو ما قد توظفه جماعات متطرفة بالفعل، فتتحول الأشباح إلى حقائق قاسية.

أيضًا بدلا من الاقتصار على توجيه أصابع الاتهام إلى المسلمين يجدر الالتفات إلى ما تشهده الأحياء الفقيرة في الضواحي الباريسية والتي يمثل المهاجرون غالبية سكانها، وما ترمز إليه من فشل السياسة الفرنسية على مدار عقود في دمج هؤلاء في المجتمع الفرنسي، وتركهم يعيشون في مجتمعات هامشية، بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية سواء كانت الإسلام أو غير الإسلام. وقد بدا ماكرون معترفا بالمسؤولية عن ذلك، في خطابه؛ إذ اعتبر أن السلطات تتحمل قسما من المسؤولية، في تطوير ظاهرة “تحول الأحياء إلى جيتوهات”، وقال: “قمنا بتجميع السكان بموجب أصولهم، لم نعمد إلى إحلال ما يكفي من الاختلاط، ولا ما يكفي من تمكينهم من التدرج الاقتصادي والاجتماعي”[67].

أيضًا من مآخذ هذا الاتجاه أن خطوات الحكومة الفرنسية تبدو أحادية، بينما يجب إيلاء الاهتمام لمواقف الهيئات الإسلامية المعنية، خاصة أنه قد أعربت عدة هيئات وجمعيات ممثلة للمسلمين، عن مخاوفها من أن تسهم تصريحات الرئيس الفرنسي وسياساته الراهنة وخطته المرتقبة، في انتشار خطاب الكراهية ودفع البعض إلى الخلط بين الدين الإسلامي وتصرفات المتطرفين[68]. فقد أصبح المسلمون يستشعرون في تغير السلوك السياسي للدولة اتجاههم أن شيئا غير عادي ينتظرهم، ليس فقط من ماكرون، بل من جانب من النخب التي تتحكم في بنية السياسة الفرنسية[69].

في هذا الإطار قال عضو اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (فيدرالية مسلمي فرنسا) ورئيس الفيدرالية الوطنية للتعليم الإسلامي الخاص، مخلوف مامش، إن “مسلمي أوروبا اليوم في أزمة حقيقية بسبب تنامي الشعور بالكراهية ضد الأجانب، وخاصة المسلمين، ولانتشار فكر التطرف والغلو الذي تغذيه الصراعات والتصريحات اللامسؤولة من بعض أبناء جلدتنا”، منوِّها إلى أن “اليمين المتطرف سيقوى ولربما سيصل إلى الحكم في العديد من الدول الأوروبية”. لاسيما أنه قد جرت العادة أنه كلما كانت هجمات إرهابية في فرنسا يتم إلقاء اللوم على المسلمين وكأنهم مسؤولون عن هذه الأحداث في حين أن المسلمين مستهدفون كبقية المواطنين[70].

ومن ثم يجب على الحكومة الفرنسية ألا تضع المسلمين الفرنسيين كلهم في موضع الاتهام، وبالتالي السماح بالتطاول على الإسلام ونبيه “صلى الله عليه وسلم”؛ فالشاب الشيشاني المتهم بقتل المدرس يعبر عن سلوك فردي نتيجة الاستفزاز الذي زاد عن الحد، وليس اتفاقا جنائيا من جماعة أو حزب أو حتى الشعوب المسلمة. فلم يحدث أن أعلن المسلمون في فرنسا أو خارجها الحرب على الفرنسيين وقطع رءوسهم؛ وفي المقابل تتخذ الحكومة الفرنسية ذاتها بقيادة أكبر رأس فيها مواقف معادية للمسلمين[71].

أيضًا من أبرز الانتقادات للتوجهات الفرنسية الراهنة تجاه الجاليات المسلمة، ليس فقط الجانب الإجرائي، وإنما مضمون التصريحات أيضًا الذي يقوض من فكرة الدمج والتعددية؛ لأنه يستبطن رسالة سلبية من قبل السلطة وتصويرها للمسلمين كأفراد لا ينتمون للمجتمع ومنظومته القيمية والثقافية[72].

يأتي ذلك في إطار أطروحة “أسطورة تعريب أوروبا” التي تقوم على تغذية ادعاء كاذب مفاده أن مسلمي أوروبا يشاركون في حرب ثقافية تستهدف قلب منظومة القيم الأوروبية؛ وبالتالي يجب على المسيحيين البيض القتال لإنقاذ حضارتهم. وهذه وإن كانت نظرية متهورة، فإن الجانب الرصين فيها يدور غالبيته حول ما بات يُعرف بـ”الانفصالية الإسلامية”، وهذه الأخيرة نفسها كانت من الأفكار التي تُتَدَاول في الهامش لكنها انتقلت من هناك وأصبحت مؤخرا ضمن الأفكار المتداولة في التيار السائد، فصارت تؤثر في سياسات اليسار واليمين في فرنسا وخارجها[73].

وفي مثل هذا السياق، ربما يتم إكساب محفزات التطرف والإرهاب المزيد من الزخم[74]. ويعتبر أصحاب هذا الاتجاه أن ما مرت به فرنسا من أحداث أخيرة خلال الشهرين الماضيين بمثابة خطر كبير على السلم المجتمعي داخل فرنسا، وكان آخرها الهجوم بسكين على أسرة مسلمة مكونة من تسعة أفراد، من قِبل مهاجمين يمينيين، وسط إطلاق إهانات عنصرية وعبارات نابية عن العرب والمسلمين. إن هذه الأحداث تنم عن عدم رشد الحكم الفرنسي؛ إذ يعد الرئيس ماكرون مسئولا مباشرا هو وإدارته عن سير الأحداث وسط تصريحاته العدائية للإسلام[75].

ذلك خاصة إذا أخذنا في الاعتبار بعض المؤشرات الإحصائية: فعلى سبيل المثال في عام 2019 أعلن المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا، عن ارتفاع حاد في الهجمات ضد المسلمين بفرنسا بنسبة 54% مقارنة بالعام الذي قبله. وقال عبد الله زكري رئيس المرصد التابع للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، أن عدد هجمات الاعتداء على المسلمين في البلاد خلال العام الماضي ارتفع إلى 154 اعتداء، مشيرا إلى أن عام 2018 شهد مئة اعتداء ضد المسلمين. وقال زكري حينها: يجب أن يكون المسلمون في فرنسا قادرين على ممارسة دينهم بحرية مثل معتنقي الديانات الأخرى[76].

أيضًا يشير تقرير صادر عام 2020 عن وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” عن اتجاهات الإرهاب في أوروبا خلال عام 2019، إلى تعرض التجمعات المسلمة لعدد من الهجمات الإرهابية وعمليات العنف التي تورط فيها عناصر محسوبة على اليمين المتطرف في أوروبا[77].

ولا شك أنه تزداد الخطورة في حال فوز أحزاب اليمين المتطرف الذي يكن كل العداء للمسلمين والعرب، سيناريوهات مرعبة قد تتحول إلى الأسوأ في أي لحظة إذا لم تتدارك فرنسا الأمر وتكرس ثقافة تعايش حقيقي بعيدا عن الشعارات[78].

رابعًا- خطاب ماكرون حول الإسلام: الجدل بشأن الأبعاد الخارجية

تجاوز الجدل حول مدى توظيف ماكرون للإسلام حدود المشاكل والأزمات الداخلية، نحو الخارج، فهناك اتجاه يرى أن المسألة ليست توظيفا لأغراض سياسية خاصة بماكرون، حيث يقترن على سبيل المثال الرفض الفرنسي للأئمة الأتراك بتوجهات دول أوروبية تتصاعد شكوكها حيال دور سياسي مشبوه لهؤلاء الأئمة. وتجلت مخاوف أوروبا في فبراير 2015 عندما وافق برلمان النمسا على مشروع قانون ينص على إخلاء البلاد من الأئمة الأتراك العاملين في مساجد تابعة لفرع الاتحاد الإسلامي التركي “ديتيب” بالنمسا، والامتناع عن استقبال أئمة جدد من تركيا[79].

ويرصد هذا الاتجاه بعض الإشكاليات التي يسببها وجود الأئمة الأجانب، فرغم ما يقال عن التطلع الفرنسي نحو إدماج المسلمين والتعامل معهم من منطلق كونهم مواطنين أوروبيين من الدرجة الأولى ثم أنهم مسلمون، إلا أن هناك عدة عقبات تعرقل تنفيذ هذا الهدف لعل أبرزها أن تنفيذ هذا الهدف يعني ضمنيا الحيلولة دون ممارسة دول بعينها (الممولة) تأثير على الجالية المسلمة من خلال مؤسساتها وأئمتها، وهذا أمر مستبعد لاسيما في ظل العلاقات التي تجمع فرنسا بتلك الدول كالمغرب والجزائر وتركيا وقطر. ومن ناحية أخرى نجد فإن فكرة إعادة تأهيل أئمة وخطباء جدد ستتطلب وقتا ومجهودا[80].

وهناك اتجاه آخر يرى أن المسألة تتصل بتنافسات وصراعات فرنسا الخارجية، خاصة أنه من المعلوم أن فرنسا توجد في الدرجة المتوسطة للخطر الإرهابي، وأن درجة الخطر هبطت بست درجات كما يفيد بذلك مؤشر الإرهاب العالمي 2019، ومع ذلك تصور التعبيرات الإعلامية الفرنسية التهديد الإرهابي الذي يستهدف البلد، كما ولو كانت فرنسا في وضع آخر غير ما تكشفه هذه المؤشرات التي تستقي معطياتها من الإحصائيات الأمنية الرسمية التي توفرها الدول، فيبدو الأمر كما لو كانت فرنسا صاحبة رسالة عالمية[81].

فما التفسير؟

تعرضت فرنسا لخسائر متلاحقة في الملفات الحيوية، والتي تشير إلى أن النفوذ الفرنسي العالمي يتراجع أمام التغيرات الجديدة؛ وذلك على أكثر من مستوى:

أولا- تصاعد التمرد والثورة في المستعمرات الفرنسية بدول الساحل وغرب إفريقيا لانتشار حالة الوعي بسبب مواقع التواصل ووسائل الإعلام الحديثة، والذي ظهر بوضوح في ثورة مالي، وهذا يشكل تهديدا للوجود الفرنسي في هذه المنطقة[82].

ثانيًا- المعركة مع تركيا، التي اصطدمت مع باريس في أكثر من ملف (ليبيا واليونان ونيجريا…)، كما شرعت منذ سنوات في مزاحمتها داخل مستعمراتها بإفريقيا[83]. حيث الصعود التركي الذي أدى إلى تراجع نفوذ فرنسا في ليبيا ويشكل بديلا مفضلا لباقي الدول الإسلامية الراغبة في التخلص من التبعية لفرنسا[84]. فقد أدت المواجهات مع تركيا في شرق المتوسط إلى أن تفلتت دول غرب شمال أفريقيا من القبضة الفرنسية، حيث اتجهت تونس نحو الولايات المتحدة للهرب من ضغوط فرنسا، فيما اتجه الجيش الجزائري نحو تكثيف التعاون العسكري مع تركيا، والذي لم يلبث أن تحول إلى تعاون تجاري باتجاه تعميق الحضور المزدوج للبلدين في القارة الأفريقية[85]. وتنبع خطورة صعود تركيا بالنسبة لفرنسا في قوتها العسكرية المتطورة، خاصة الأسلحة الذكية وأجيال الطائرات المسيرة، التي تم اختبارها بنجاح في ليبيا ومن قبل في إدلب بسوريا وأخيرا في أذربيجان[86].

ويجيد ماكرون الجدل بين الداخلي والخارجي، حيث استدعى خطابه الأخير معطيات الصراع القائم بين فرنسا وتركيا، والخلافات بينهما حول ملفات شرق المتوسط والأزمة الليبية والمعارضة الفرنسية للسياسة التركية في الشرق الأوسط عامة[87]، وفي الوقت ذاته تعهد الرئيس الفرنسي بوضع حد لما أسماه “التدخل التركي” في شؤون فرنسا و”الانفصالية الإسلامية”، مشددا على أنه “لا يمكن تطبيق القوانين التركية على أراضي فرنسا”. وفي كلمة ألقاها يوم 18 فبراير الماضي في مدينة ملوز شمال شرق فرنسا المعروفة بالحضور القوي للجالية التركية، قال ماكرون: “على تركيا أن تدرك أن باريس لا تقبل أن يقوم أي بلد بدعم متشددين لهم توجهات انفصالية في الجمهورية الفرنسية” [88].

أيضًا تتسق هذه التصريحات الفرنسية مع التقارب الفرنسي الإماراتي حول عدد من القضايا، برز التعاون فيها بشكل جلي؛ إذ قامت الإمارات بدعم وتمويل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وقدمت له شحنات أسلحة نقلت عبر طائرات فرنسية. كما شهدت العلاقات الإماراتية والفرنسية من جهة، والتركية من جهة أخرى، واحدة من أكبر الأزمات بسبب دعمت الجهة الأولى لليونان في أزمة شرق المتوسط، ومسألة الترسيم البحري للمناطق الاقتصادية[89]. وفي هذا الإطار برز موقف الإمارات كداعم لماكرون في وجه الأصوات الرافضة للسياسات الفرنسية تجاه الإسلام والمسلمين، التي اعتبرت أبوظبي أن من يقف وراءها هم “فئة متطرفة” في إشارة إلى حركات الإسلام السياسي. ويشار في هذا الصدد أنه قد سبق للإمارات عبر قادتها أن قاموا بالتحريض على الجاليات الإسلامية في أوروبا، حيث كان وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد طالب المسؤولين الألمان بعدم التغافل عن الشباب المسلم في المساجد الألمانية، ونصح بتشديد الرقابة عليهم، في الوقت الذي كانت تدعو فيه أبوظبي للتسامح بين الأديان والتآخي بينها.[90]

خامسًا- جدوى المقاطعة الاقتصادية:

واقعيًا لا يمكن اعتبار أن المقاطعة لم تقل شيئا، ورغم الإصرار من القادة الفرنسيين على الاستمرار في الإساءة ودعمها، لم تحتمل فرنسا حملة المقاطعة للمنتجات الفرنسية في الدول العربية والاسلامية، وخرجت وزارة الخارجية الفرنسية ببيان تطالب فيه بوقف المقاطعة. ورغم الغطرسة في صياغة البيان واتهام المسلمين المقاطعين بأنهم أقلية متطرفة، فإن مجرد صدوره يعكس قوة الشعوب المسلمة في إيصال رسائلها[91].

تبعَ البيان تغريدة للرئيس الفرنسي على تويتر يدعو فيها للنقاش العقلاني واحترام الخلاف بروح السلام! ورغم أنه بدأها بأنه ثابت على موقفه، فإن كتابة التغريدة باللغة العربية يؤكد أن رد الفعل الإسلامي كان لافتًا[92].

ومع ذلك فقد تباينت الآراء في تقييم جدوى المقاطعة:

اتجاه يؤيد المقاطعة: انطلاقًا من أن هذه الرسوم لا علاقة لها بحرية التعبير بل هي إساءة تستحق التوقف، ولا شك أن المقاطعة لها دور فعال في مواجهة تلك التصرفات والتصريحات الاستفزازية المؤيدة لها، حيث من شأنها رفع نسبة البطالة في فرنسا، خاصة مع تنوع السلع الفرنسية المستخدمة في العالم الإسلامي مثل: زيوت العربيات، العطور، منتجات الألبان. أيضًا هناك بُعد سيكولوجي يؤكد عليه مؤيدو المقاطعة، حيث استشعار المسلمين بأنهم قد أدوا مسئوليتهم، كما أنه يرسل رسالة نفسية إلى الطرف الآخر[93].

ذلك لاسيما أنه في التاريخ الحديث قد نجح سلاح المقاطعة في مساعدة شعوب عدة على التحرر من الاستعمار الأجنبي والتدخلات الخارجية، فقد ساعدت المقاطعة الهندية الواسعة للسلع والمنتجات البريطانية في مساعدة الشعب الهندي على وضع نهاية للاحتلال البريطاني، حيث شهر الزعيم الهندي المهاتما غاندي سلاح المقاطعة الاقتصادية في وجه الاحتلال[94].

لكن مؤيدي المقاطعة يضعون شرط أن تكون هذه المقاطعة وفق خطط زمنية وتدعمها الحكومات العربية والإسلامية[95].

وفيما بدا وكأنه خطوة إلى الوراء من وجهة نظر هذا الاتجاه، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب انتشار حملات المقاطعة على قناة الجزيرة ليقول إن الأخبار التي نقلت أنه يدعم الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم “مضللة ومقتطعة من سياقها”، مؤكدا أنه “يتفهم مشاعر المسلمين إزاء هذه الرسوم”[96].

اتجاه يرفض المقاطعة: وينطلق من أن تلك الدعوى بسبب الرسوم تخالف قيمة حرية التعبير التي يؤمن بها الإسلام ذاته، كما أنها تؤصل لصورة مغلوطة عن المسلمين، وكأنهم لا يقبلون الرأي الآخر، ومن ثم فالمقاطعة لن تسهم سوى في ترسيخ تلك الصورة، خاصة بعد حادث مقتل المدرس الفرنسي؛ ومن ثم قد يتسبب الأمر في مزيد من الضرر للمسلمين بفرنسا. أيضًا تُتهم هذه الفكرة بأنها عاطفية، خاصة أن المنتجات الفرنسية في عداد المنتجات الكمالية[97].

وفي هذا الإطار برز البُعد الديني نوعا، حيث ظهر قول لبعض المشايخ بضرورة إذن ولي الأمر بالمقاطعة[98].

خاتمة: هل هي حقًا أزمة إسلام؟

عود على بدء، “الإسلام في أزمة”، تلك هي العبارة التي أشعلت الغضب الإسلامي، ربما بما يفوق أثر الرسوم. ذلك أن توجيه النقد إلى الإسلام ذاته كدين أمر غير مقبول بخلاف توجيه النقد إلى أحوال المسلمين. رغم ذلك هناك من داخل العالم الإسلامي من أيد رأي ماكرون ليعتبر أن الإسلام في أزمة لأن الدولة الإسلامية قد ابتلعته منذ زمن بعيد[99].

أيضًا هناك من يرى أنّ ماكرون لا يسيء إلى الدين الإسلامي ولا يتناول أصوله العقائدية وإنّما يصف الواقع الإسلامي المعيش من خلال الفاعلين فيه عبر مشاريع دينية/سياسية قائمة على الراديكالية والتي يمثّل مشروع الخلافة الداعشية أبرز تجلياتها[100].

وبالتالي، هذا الاتجاه يرى أن الاحتجاجات التي تعم الشارع العربي/الإسلامي وأن يصبح الغضب تجاه التصريحات والرسوم كبرى القضايا التي ينتفض من أجلها الشارع العربي/الإسلامي، فهنا تحمل المسألة دلالات “الكارثية”، وتكشف عن مآزق العقل العربي الإسلامي، بل وبؤسه أيضا[101]. وبين من يرى أنها بالكلية أزمة إسلام ولا يرى داعيا لرد الفعل هذا، وبين من يدعو إلى ردود فعل عنيفة، يأتي خطر تضييع الفرص. نعم فإن في الأزمات فرصا للوقوف على حقائق الأمور ومواجهة الأطراف المعنية جميعها في لحظات صحوتها على وطأة الأزمة.

فبعيدًا عن الجدالات الفكرية، يجب إدراك أن خطورة الوضع الراهن تنبع من التفاعلات العنيفة “العشوائية” على الجانبين، حيث الهجمات العشوائية على المسلمين بأوروبا، وفي المقابل يبدو أن كافة الهجمات من قبل مسلمين متطرفين هي أمثلة على تحركات جهادية مستقلة بلا قيادة؛ حيث لم يزعم أي من منفذي الهجمات أنه يتصرف باسم منظمة إرهابية، بما يعني أننا صرنا بصدد إرهاب أكثر عشوائية[102].

لكن يمكن القول إن التعامل مع ظواهر الإسلاموفوبيا، فضلا عن إدراك العموميات، يجب أن يراعي خصوصية كل حالة، فطالما كان الاستغراق في العموميات وتوجيه الاتهامات لطرف وتبرئة آخر هو السائد. وذلك يأتي على مستويين؛ الأول: أسباب تفاقم الظاهرة في الحالة موضع التناول، المستوى الثاني: مقترحات الحل بما يناسب تلك الحالة.

فبشكل عام هناك أزمة نماذج الحداثة التي ظهرت بعد عصر الأنوار، وما صاحبها من أزمات سياسية واقتصادية وثقافية واجهت العالم، بما حفز كل أنواع الخوف والبحث عن كبش فداء لاتهامه بتحمل مسؤولية كل الشقاء، الإسلاموفوبيا هي أحد أشكال كره الأجانب الملازم لهذا النوع من المخاوف[103].

وإن العوامل التي شجعت نمو الإسلاموفوبيا في فرنسا أو في أوروبا أو في بلدان أخرى من قارات أخرى بعيدة، مازالت تزداد حدة يوماً بعد يوم. سواء تعلق الأمر بتأثيرات منطق الليبرالية الفائقة التي تُفرض على الدول وعلى المجتمعات، أو سواء تعلق الأمر -أيضاً- بالأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات السبعينيات وما ارتبط بها من الآثار الاجتماعية، ومنها خسارة الوظائف، وتراجع الخدمات العامة. وقد شجعت هذه الظروف من الانطواءات على الهوية، وكان هذا الأساس لكل أشكال كراهية الأجانب[104].

ويمكن مما سبق تناوله بالتقرير استخلاص الأسباب التالية بالنسبة للإسلاموفوبيا في فرنسا:

  • ثقافيًا وفكريًا: هناك خصائص معينة للعلمانية الفرنسية تخلق العداوات بينها والإسلام، إلى درجة أن اعتبرت تلك النسخة من العلمانية تعاني أزمة ذاتية، وأنها خرجت عن الإطار المتعارف عليه للعلمانية من حيث الحياد تجاه الأديان، وذلك باتخاذها مواقف عدائية تجاه الإسلام. يزيد من حدة الأزمة طبيعة الثقافة الفرنسية الشيفونية التي لا تقبل الاختلاف بسهولة، بل تريد أن تصبغ الجميع بصبغتها، وفي فترة الاستعمار (سياسات الفرنسة) خير دليل.
  • اقتصاديًا: الأزمات المالية والاقتصادية العالمية المستمرة، التي تركت آثارها على الاقتصاد الفرنسي، فضلا عن السياسات الاقتصادية للحكومة الفرنسية التي وجدت رفضًا شعبيًا تجلى في حركة السترات الصفراء، فكان من الضروري أن تجد الحكومة وسيلة للإلهاء تمثلت في إطلاق التصريحات المتتالية عن الخطر الإسلامي الذي يواجه فرنسا، وفي الوقت نفسه توجه أصابع الاتهام إلى الجالية المسلمة في فرنسا باعتبارها عبئًا اقتصاديًا.
  • سياسيًا: انطلاقًا من الأسباب السابقة، وغيرها واجه ماكرون تراجعًا في شعبيته في مقابل ارتفاع نسبة التأييد لليمين المتطرف، فأراد بالهجوم على الإسلام وتأييد الرسوم المسيئة لنبيه “صلى الله عليه وسلم” أن ينتزع بعضا من مؤيدي منافسيه.
  • خارجيًا أيضًا استخدم ماكرون الهجوم على الإسلام في إطار تصفية حساباته مع تركيا من خلال مسألة الأئمة –على نحو ما أشير.

 

 

 

المقترحات:

بالنسبة لفرنسا: 

  • على ماكرون التعامل بجدية مع قضية الحكم الرشيد للمسلمين وإدراك قضاياهم في جميع أنحاء العالم، واعتبار ذلك جزءًا من السياسة الخارجية الفرنسية. وعليه، فإن فشل ماكرون في إعطاء الأولوية لقضايا الحكم الرشيد يجعل حديثه عن وجود أزمة لدى المسلمين أقلّ إقناعا[105].
  • إنشاء كيانات ثقافية يشرف عليها معتنقو الإسلام من الفرنسيين لتعريف الجاليات بطبيعة الثقافة الفرنسية، وإيصال الصورة الحقيقية للإسلام للفرنسيين، بما يؤدي إلى بناء جسور تواصل. على سبيل الثمال يشير الموسيقار الفرنسي تيوفيل دي فالنسبورغ الملقب بتيوفيل أحمد إلى أهمية الإسلاموفيليا (حب الإسلام)؛ وهو مصطلح قائم على نشر قيم الدين الإسلامي ومرتبط -في معظم الأحيان- بالانبهار بالحضارة الإسلامية، وأنه يمكن أن يستخدم مضادا أو ترياقا لموجة “الإسلاموفوبيا” (الخوف من الإسلام) المتصاعدة في الغرب.
  • يتحدث الفيلسوف الفرنسي عبد النور بيدار عن تحسين الحالة المتدهورة عموما للمجتمع الفرنسي، خاصة الشباب، حيث إن الشباب عموما والشباب المسلمين المهاجرين خاصة لا يجدون لأنفسهم مكانًا؛ ذلك أن الشباب من أصل مهاجر يصعب عليهم ترسيخ احترام الذات والثقة بالنفس (تحقيق الذات) في مجتمع يحكم عليه مسبقا بعدم الأهلية للثقة ويعتبره غريبا عنه[106]. ويؤكد بيدار أيضًا ضرورة إعادة بناء الرواية عن شعار الحرية والمساواة والإخاء الذي لم يعد سوى كذبة –وفقًا له- بالنسبة للعديد من المواطنين الفرنسيين[107].

وبالنسبة للجاليات المسلمة:

  • ضرورة الانخراط في الحركة السياسية والاجتماعية في فرنسا، والتعامل بمنطق “جماعات المصالح” في الدفاع عن مصالحهم الحياتية والعقدية، فلا يجب أن يستسلم مسلمو فرنسا لضغوط الواقع الاقتصادي–الاجتماعي، ويزيدوا من تقوقعهم على هامش مدن فرنسا؛ إذ إن “ذهنية الجيتو” تعزز الانغلاق الثقافي، وتزيد من إمكانيات “شيطنة” التجمعات الإسلامية[108].
  • إيجاد حائط صدٍّ تجاه تسلل التنظيمات المتطرفة إلى الشباب المسلم؛ سواء بمراعاة الظروف الاقتصادية للفئات الأكثر فقرا، من خلال كيانات تؤسسها الجاليات، أو بتقديم التوعية الثقافية بصحيح الإسلام.

وبالنسبة إلى العالم الإسلامي:

  • اعتبار مسألة وضع المسلمين بفرنسا والمسائل الثقافية عامة، رقمًا أساسيًا في المحادثات الاستراتيجية مع فرنسا، فبشكل عام تراجع الثقافي على أجندة العلاقات الثنائية بين الدول لصالح العسكري والسياسي، على نحو عزز من فكرة الصدام الحضاري.
  • وعلى مصر بوجه خاص أن تستعيد دورها الثقافي فيما يتعلق بالدعوة الإسلامية من خلال تعزيز دور الأزهر، لاسيما أن أئمته يحظون بثقة ومصداقية لا يجدها غيرهم.

*****

الهوامش 

[1] محمد طيفوري، “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، قنطرة، 16 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:    https://cutt.us/XWNpm

[2] لورانس بيندنر، هوغو ميشيرون, وهارون ي. زيلين، الإرهاب في فرنسا: اتجاهات جهادية جديدة وقديمة، معهد واشنطن، 13 نوفمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/TyLIh

[3] جريمة ذبح مدرس التاريخ الفرنسي: إدانة واسعة وتحريض يميني، العربي الجديد، 17 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/seu4i

[4] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، عربي 21، 3 نوفمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/vcuC7

[5] لورانس بيندنر, هوغو ميشيرون, و هارون ي. زيلين، الإرهاب في فرنسا: اتجاهات جهادية جديدة وقديمة، مرجع سابق.

[6] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق.

[7] المسلمون في فرنسا.. بين تحدي الاضطهاد والإساءة للإسلام، مجلة البيان (نقلا عن إسلام ويب)، 2 ديسمبر 2012، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/1PIYV

[8] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، المعهد المصري للدراسات الاستراتيجية، 29 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/1aBPt

[9] مؤرخ فرنسي: الإسلاموفوبيا متجذرة باﻟﻐﺮب وقودها الدين واﻟﺤﺮوب اﻟﺼليبة، 20 مارس 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/44FsJ

[10] محسن الكومي، مكيدة ماكرون : هل أصبح المسلمون عبئا على فرنسا أم أنهم لا يقرأون التاريخ ؟، المركز الديمقراطي العربي، 25 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/Q3Z4S

[11] ماهي دوافع الرئيس الفرنسي لانتقاد “النزعات الانعزالية” للمسلمين؟، بي بي سي عربي، 4 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/MFCGC

[12] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، المعهد المصري للدراسات الاستراتيجية، 28 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/0yTrm

[13] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق..

[14] ماكرون: الإسلام السياسي تهديد للجمهورية الفرنسية، الجزيرة، 25 أبريل 2019، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/6NdGV

[15] نهال أحمد، “سيادة العلمانية”.. سياسة “ماكرون” في مواجهة التطرف، المركز العربي للبحوث والدراسات، 1 مارس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/NFArF

[16] برنامج نقطة حوار، حملة مقاطعة السلع الفرنسية: هل دخل ماكرون في صدام مع العالم الإسلامي، بي بي سي عربي، 27 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/7Y5Uh

[17] المرجع السابق.

[18] فرنسا ترسم طريقا متشددا في مواجهة الانفصالية الإسلاموية، العرب، 15 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/H9A0n

[19] المرجع السابق.

[20] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 8 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/rIXnh

[21] خالد سليكي، بؤس العقل الديني من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة، هسبرس، 31 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/EHSCv

[22] لورانس بيندنر, هوغو ميشيرون, و هارون ي. زيلين، الإرهاب في فرنسا: اتجاهات جهادية جديدة وقديمة، مرجع سابق.

[23] خالد سليكي، بؤس العقل الديني من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة، مرجع سابق.

[24] المرجع السابق.

[25] د. شاكر نوري، الإرهاب والعلمانية في فرنسا، العين، 1 نوفمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:https://cutt.us/GeG3A

[26] المرجع السابق.

[27]وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، امرجع سابق.

[28] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

[29] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[30] المرجع السابق.

[31] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

[32] المرجع السابق. لاسيما أن الخبراء يصفون النتائج التي حققها ماكرون في الجولة الأولى من الانتخابات بأنها ضعيفة وغير مسبوقة في تاريخ فرنسا، وبلغ الأمر حد القول بأن “الحظ” هو أول العوامل التي أدت لنجاح “ماكرون”؛ علاوة على أنه واجه المتطرفة “لوبان” في الجولة الثانية بخطاب منفتح

[33] برنامج نقطة حوار، مرجع سابق.

[34] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق.

[35] المرجع السابق.

[36] المرجع السابق.

[37] ميديا بارت: الحجاب ونفاق باريس.. كيف هزت قطعة قماش كيان فرنسا؟، الجزيرة، 1 أبريل 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/i2whl

[38] لورانس بيندنر, هوغو ميشيرون, و هارون ي. زيلين، الإرهاب في فرنسا: اتجاهات جهادية جديدة وقديمة، مرجع سابق.

[39] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق.

[40] نقاش فرنسي لأفكار عنصرية.. الدعاية غير العلمية في كتاب “استعادة الأراضي التي غزاها الإسلام”، الجزيرة، 15 فبراير 2020، متاح عبر الرابط التالي:https://cutt.us/ScJbm

[41] المرجع السابق.

[42] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

[43] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

[44] المرجع السابق.

[45] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

[46] ماهي دوافع الرئيس الفرنسي لانتقاد “النزعات الانعزالية” للمسلمين؟، مرجع سابق.

[47] د.أحمد زكي، طوق نجاة ماكرون: التشدد الإسلامي أم هو الخوف من الإسلام، تبيان، 9 اغسطس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/q94Z3

[48] مسلمو فرنسا لماكرون: لسنا كبش فداء لمشاكلك مع السترات الصفراء، الجزيرة، 27 أبريل 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/s9bnA

[49] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

د.أحمد زكي، طوق نجاة ماكرون: التشدد الإسلامي أم هو الخوف من الإسلام، مرجع سابق.

[50] حول نتائج الانتخابات البلدية الفرنسية انظر: نتائج الانتخابات البلدية الفرنسية تنذر ماكرون وتستدعيه لمراجعة سياسته، الفهرس، 29 يونيو 2020، متاح عبر الرابط التالي:https://cutt.us/67Aey

[51]وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

[52] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مرجع سابق.

[53] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

[54] المرجع السابق.

[55] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟، مرجع سابق.

[56] محمد طيفوري، “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

[57] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[58] في مقابلة خاصة مع “عربي21”: فيدرالية مسلمي فرنسا: هذه أبعاد الأزمة.. وندعو للتهدئة، عربي 21، 9 نوفمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:https://cutt.us/u1cDK

[59] د.جبريل الصعيدي، فرنسا والمعركة مع الإسلام السياسي، الشرق الأوسط، 24 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/3PyX6

[60] المرجع السابق.

[61] أمل عبد الله الهدابي، رنسا في مواجهة جرائم التطرف والإرهاب، العين، 27 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/e2en1

[62] نهال أحمد، “سيادة العلمانية”.. سياسة “ماكرون” في مواجهة التطرف، مرجع سابق.

[63] فرنسا ترسم طريقا متشددا في مواجهة الانفصالية الإسلاموية، مرجع سابق.

[64] المرجع السابق.

[65] نهال أحمد، “سيادة العلمانية”.. سياسة “ماكرون” في مواجهة التطرف، مرجع سابق.

[66] خالد سليكي، بؤس العقل الديني من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة، مرجع سابق.

[67] ماهي دوافع الرئيس الفرنسي لانتقاد “النزعات الانعزالية” للمسلمين؟، بي مرجع سابق.

[68] المرجع السابق.

[69] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق.

[70] في مقابلة خاصة مع “عربي21”: فيدرالية مسلمي فرنسا: هذه أبعاد الأزمة.. وندعو للتهدئة، مرجع سابق.

[71] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[72] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مرجع سابق.

[73] نهال أحمد، “سيادة العلمانية”.. سياسة “ماكرون” في مواجهة التطرف

[74] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مرجع سابق.

[75] محسن الكومي، مكيدة ماكرون : هل أصبح المسلمون عبئا على فرنسا أم أنهم لا يقرأون التاريخ ؟، مرجع سابق.

[76] حيدر شريف، هل تتجه فرنسا نحو حرب أهلية أو دينية بسبب اضطهاد المسلمين؟، الحراك، 20 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:https://cutt.us/EQXbk

[77] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مرجع سابق.

[78] حيدر شريف، هل تتجه فرنسا نحو حرب أهلية أو دينية بسبب اضطهاد المسلمين؟، مرجع سابق.

[79] فرنسا ترسم طريقا متشددا في مواجهة الانفصالية الإسلاموية، مرجع سابق.

[80] نهال أحمد، “سيادة العلمانية”.. سياسة “ماكرون” في مواجهة التطرف، مرجع سابق.

[81] بلال التليدي، الأبعاد الفكرية في موقف فرنسا من الرسوم المسيئة للإسلام، مرجع سابق..

[82] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[83] “إسلام فرنسي” ودفاع عن قيم العلمانية؟ ماكرون والإسلام.. أزمة دولة لا أزمة ديانة، مرجع سابق.

[84] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

[85] المرجع السابق.

[86] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[87] محمد بسيوني عبد الحليم، صراع هوياتي: الدلالات الخطرة لخطاب “ماكرون” حول الإسلام، مرجع سابق.

[88] فرنسا ترسم طريقا متشددا في مواجهة الانفصالية الإسلاموية، مرجع سابق

[89] دعم أبوظبي لماكرون في مواجهة الحملات الغاضبة ضد الإساءة الفرنسية للإسلام والرسوم، مركز الإمارات للدراسات والإعلام، 6 نوفمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/XDZ4a

[90] المرجع السابق.

[91] عامر عبد المنعم، ماكرون والحرب الملعونة ضد الإسلام، مرجع سابق.

[92] المرجع السابق.

[93] برنامج نقطة حوار، حملة مقاطعة السلع الفرنسية: هل دخل ماكرون في صدام مع العالم الإسلامي، مرجع سابق.

[94] المرجع السابق.

[95] المرجع السابق.

[96] صلاح الدين كمال، تصريحات ماكرون.. تراجع عن الإساءة أم مناورة لتجاوز الأزمة؟، عربي 21، 31 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/2R2oX

[97] برنامج نقطة حوار، حملة مقاطعة السلع الفرنسية: هل دخل ماكرون في صدام مع العالم الإسلامي، مرجع سابق.

[98] المرجع السابق.

[99] خالد سليكي، بؤس العقل الديني من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة، مرجع سابق.

[100] هل حقّاً أساء ماكرون إلى الإسلام والنبيّ؟، 29 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/576F3

[101] خالد سليكي، بؤس العقل الديني من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة، مرجع سابق.

[102] لورانس بيندنر, هوغو ميشيرون, و هارون ي. زيلين، الإرهاب في فرنسا: اتجاهات جهادية جديدة وقديمة، مرجع سابق.

[103] روضة القدري، الإسلاموفوبيا في فرنسا، 26 ترجمة: جورج كتورة، المسبار، سبتمبر 2018، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/ogzte

[104] المرجع السابق.

[105] منصور سليمان، كيف نقرأ إساءة ماكرون للإسلام؟، الجزيرة، 22 أكتوبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/ixhPF

[106] فيلسوف فرنسي: لماذا كل هذا التخويف من الإسلام؟، الجزيرة، 1 أكتوبر 2019، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/kayNK

[107] المرجع السابق.

[108] وسام فؤاد، ماكرون والإسلام: الشيطنة والتخويف وتآكل الحريات، مرجع سابق.

 

فصلية قضايا ونظرات – العدد العشرون – يناير 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى