آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلاميد. نادية مصطفى

آسيا الوسطى والقوقاز بين القوى الإسلامية الكبرى وروسيا

أنماط ومحددات التطور التاريخي للتفاعلات الدولية إطار مقترح للتحليل السياسي للتاريخ

الإطار النظري: أهمية الموضوع، الإشكاليات، ومقترب التحليل

1- منذ نهاية الثمانينيات وخلال المرحلة الأخيرة من عملية تفكك الاتحاد السوفييتي قفزت إلى الاهتمام “جمهورياته الإسلامية” الست في آسيا الوسطى والقوقاز. وبذا ترددت على الأسماع وبطريقة لم تكن معهودة (إلا في دوائر متخصصي تاريخ المناطق أو الأنثروبولوجيا والجغرافيا البشرية والأقليات) أسماء: أوزبكستان، تركستان (تركمانستان)، كازاخستان وطاجكستان، قرقيزيا، أذربيجان. وأخذت التحليلات والتساؤلات تدور حول هذه الجمهوريات “الإسلامية” بعد أن كانت ذاكرة الشعوب الإسلامية الأخرى قد فقدت الرابطة المباشرة مع نظائرها في هذه الجمهوريات. ولم يكن هذا الفقدان إلا نتيجة ضم هذه الشعوب وما كان يمثلها من كيانات سياسية إلى الإمبراطورية الروسية القيصرية ثم إلى الاتحاد السوفييتي “الشيوعي”، ومن ثم كان فقدان هذه الرابطة يعني انقطاعًا في حلقات تاريخ هذه المنطقة-باعتبارها إحدى مناطق “دار الإسلام” وبداية تاريخها الحديث- منذ ما يقرب من 125 عامًا بالنسبة لآسيا الوسطى وما يقرب من القرنين بالنسبة للقوقاز –باعتبارها جزءًا من “امبراطورية متعددة القوميات، التفت تارة برداء المسيحية الأرثوذكسية ثم التفت برداء الشيوعية”.
وهكذا، ومع تفكك الكيان السوفييتي أضحت آسيا الوسطى والقوقاز –والتي كانت مجالًا حكرًا تقريبًا على متخصصي العرقيات السوفييتية أو الأقليات المسلمة في العالم- أضحت من أكثر مناطق العالم إثارة للاهتمام بسبب شعوبها المسلمة ولقربها الاستراتيجي من “الشرق الأوسط” ومن جنوب آسيا شرقه وغربه-ولم يعد هذا الاهتمام مقصورًا على الأوضاع الراهنة ولكن كان يجب أن يمتد إلى عمق التاريخ. وبذا انفتحت صفحات كتاب قديم تتطلب إعادة القراءة والكتابة حتى يمكن فهم سطور الكتاب الجديد التي يختطها التاريخ الراهن لهذه الجمهوريات منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي المنهار.
وبالنظر إلى تيار من الأدبيات التي تسارعت وتدفقت –في مجال البحث والتحليل السياسي بصفة عامة والعلاقات الدولية بصفة خاصة- حول الأوضاع الراهنة لهذه الجمهوريات واحتمالاتها المستقبلية يمكن استخلاص اتجاه عام هو حرص هذه الأدبيات –بدرجة أو بأخرى- على التنويه إلى تاريخ هذه المنطقة قبل الحكم القيصري وخلاله ومن بعده حتى الآن. ولقد تعددت أبعاد هذه الإشارات وأهدافها بتعدد موضوعات هذه الدراسات. ولكن بالطبع لم يكن تحليل تاريخ هذه المنطقة غاية في حد ذاته فضلًا عن أن المؤلفات المعاصرة في التاريخ –وخاصة العربية منها- لم توجه الاهتمام الكافي لتاريخ هذه المنطقة وخاصة منذ نهاية القرن 10 هـ، 16م.
2- ومن هنا، يمكن أن نصل إلى هدف دراستنا وأهميتها: فالهدف هو تحليل سياسي لتاريخ هذه المنطقة لاستكشاف أنماط تطور التفاعلات بين الكيانات التي انقسمت بينها هذه المنطقة (والتي عرفت فقط منذ استقرار الهيمنة السوفييتية الشيوعية عليها في نهاية العشرينيات من القرن الحالي تقسيمها الراهن إلى “جمهوريات”) وبين دول إسلامية أخرى وبين دول غير إسلامية وهي روسيا بالأساس.
ولهذا، يجب أن نتساءل: ما هذه الأطراف وما المرحلة التي سيمتد إليها التحليل وكيف يمكن أن يتم هذا التحليل؟ وقبل هذا كله يجب أن نتساءل: ما الدافع لمثل هذا التحليل؟ وقبل هذا وذلك أيضًا، نتساءل ما العلاقة المنهاجية بين التحليل السياسي ودراسة التاريخ؟
وأعتقد أن نقطة البداية في تحديد منهاجية الدراسة –أو على الأقل مسارها- هي الإجابة عن السؤالين الأخيرين والسؤال الأول: ما العلاقة بين التحليل السياسي ودراسة التاريخ؟ يلقي بنا في غمار التحليل النظري. أما السؤال الثاني: ما الدافع لمثل هذا النمط من التحليل فيما يتصل بموضوع الدراسة؟ فهو يلقي بنا في غمار إشكاليات الأوضاع لهذه الجمهوريات وخاصة ما يتصل بشبكة تفاعلاتها الدولية.
وعلى ضوء توظيف الإجابة عن هذين السؤالين، يمكن أن نحدد ملامح وأبعاد إطار التحليل التاريخي: منظوره، كيفية تحديد الأطراف موضع الاهتمام، المدى الزمني للتحليل، محاوره وموضوعاته وما تثيره من إشكاليات تاريخية.
1- أبعاد العلاقة بين التحليل السياسي الدولي وبين دراسة التاريخ بصفة عامة والإسلامي بصفة خاصة[1]:
1- تعد منهاجية التاريخ الدبلوماسي من أقدم وأخصب مناهج دراسة العلاقات الدولية وهي تنتمي إلى ما يسمى “المدرسة التقليدية” في هذا المجال الدراسي. وفي المقابل كان بناء النماذج واستخلاص الأنماط والقواعد العامة- بأساليب منهجية أخرى- من أهم أهداف مناهج ما يسمى “المدرسة العلمية” في مجال دراسة العلاقات الدولية، ومن أهم اقترابات هذه المدرسة “التحليل النظمي” الذي ينطلق من أسس وقواعد النظرية العامة للنظم. ومن ثم كانت دراسات النظام الدولي-بأبعادها النظرية والتطبيقية- في صميم هذا التيار “غير التقليدي أو العلمي” في دراسة العلاقات الدولية. ولكنه لم يقطع الصلة بالتاريخ الذي يمثل أحد أهم مجالات “المدرسة” التقليدية؛ فلقد أضحى للمادة التاريخية توظيف علمي مزدوج الأبعاد: من ناحية دراسة التطور التاريخي للعلاقات الدولية ولكن على أساس التمييز بين عدة نظم دولية تاريخية بالاستعانة بالأبعاد النظرية لدراسة النظام الدولي، ومن ناحية أخرى: توظيف المادة التاريخية كوسيلة لتحقيق عدة أهداف بحثية من أهمها اختيار افتراضات علمية نظرية تمت صياغتها كأساس لبناء نظري أو لتعميق فهم أوضاع راهنة من خلال اكتشاف ما تمثله من اتصال أو انقطاع مع أنماط سابقة (تاريخية) من التفاعلات الدولية.
2- وبدون الدخول في تفاصيل منهجية –لا موضع لها هنا- فيكفي الإشارة إلى الملاحظات التالية حول كيفية توظيف دراسة التاريخ وأهدافه في بحثنا هذا. من ناحية: يعد تاريخ آسيا الوسطى والقوقاز جزءًا من التاريخ الإسلامي، وكان التاريخ الإسلامي هو التاريخ الذي أسقطته أو أهملته دراسات المنظور الغربي في العلاقات الدولية والتي اهتمت بتوظيف التاريخ على المستويين السابق توضيحهما. ولا تهدف هذه الدراسة بالطبع إلى المساهمة في تأصيل هذا النقص (أو التقصير أو الإهمال) فهذه عملية متشعبة الأبعاد وإن كانت تمثل ضرورة أكاديمية وعلمية لا مفر منها –بالنسبة لعلم العلاقات الدولية[2]- في وقت تزايد فيه اتضاح وتبلور ملامح تيار كبير من الدراسات التي تتمحور حول “أبعاد إسلامية” لعلوم اجتماعية شتى وتتنوع مسميات هذا التيار (مثلًا: منظور إسلامي، رؤية إسلامية…).
ومن ناحية أخرى: فيما يتصل بتاريخ آسيا الوسطى والقوقاز ووضعهما بين روسيا وبين قوى أخرى في العالم الإسلامي، فإن هدف الدراسة مزدوج الأبعاد أولهما: التعريف بأساسيات التاريخ السياسي الاقتصادي لهذه المنطقة وبانعكاساته الدولية بصفة خاصة على نحو يساعد على علاج سقوط تاريخ هذه المنطقة –كجزء سابق من ديار الإسلام- من الذاكرة المسلمة المعاصرة، فهي منطقة من عدة مناطق أخرى حكمها المسلمون في مراحل تاريخية شتى ثم آلت إلى مصائر متنوعة وقدمت نماذج مختلفة حول التفاعل بين المسلمين وغير المسلمين، أحاط بكل منها ظروف متميزة (مسلمو الأندلس، أسبانيا، إمارات الزيلع الإسلامية في شرق أفريقيا والحبشة، مسلمو البلقان والصرب، مسلمو الهند)، وثانيهما: أن هذا العلاج لن يتم بمنهاجية التاريخ الدبلوماسي ولكن من خلال استخلاص وتحديد مجموعة أنماط التفاعلات التاريخية ومحدداتها على نحو يساعد ليس فقط على إحياء الذاكرة المسلمة، ولكن على نحو يساعد أيضًا على تعميق فهم الأحداث الراهنة وما يقترن بها من توقعات واحتمالات مستقبلية وهو الأمر الذي يحتل الآن –كما سبقت الإشارة- اهتمامًا مكثفًا من دوائر عدة انطلاقًا من أغراض متنوعة. وهذا يقودنا إلى قدر أكبر من التفصيل عن الجزئية التالية:
2- منطلق الحاجة لهذا النمط من التحليل التاريخي: نحو فهم أفضل لجذور إشكاليات الأوضاع الراهنة “للجمهوريات الإسلامية”:
1- إضافة إلى دافع إحياء الذاكرة المسلمة حول كثير من الحقائق التاريخية المهمة أو المجهلة، فإن دافعًا آخر –نحو الاهتمام باستخلاص الأنماط والقواعد العامة- ينبع من طبيعة الإشكاليات التي يطرحها مضمون عدد من الدراسات حول الأوضاع الراهنة للجمهوريات الإسلامية.
فهذه الدراسات مليئة بالتوقعات والاحتمالات وتبدو أنها تحمل من التساؤلات أكثر مما تحمل من المعلومات أو التحليلات. ويرجع هذا في جانب كبير منه إلى فقدان الصلة المباشرة بالمصادر الأصيلة عن الواقع الراهن من ناحية، كما يرجع أيضًا من ناحية أخرى إلى الضباب الذي أحاط بتاريخ هذه المنطقة (خلال مرحلة الحكم الشيوعي وكذلك القيصري) والتجهيل الذي أحاط بالمراحل السابقة من هذا التاريخ (كجزء من التاريخ القيصري). ومع ذلك فإن تفكك الاتحاد السوفيتي حمل معه إلى السطح وبكل قوة التساؤل حول حقيقة ما يسمى “الإسلام السوفيتي” وهو التساؤل الرئيس الذي يتفرع عنه –بعد ضبطه كما سنرى- مجموعة الإشكاليات الراهنة. ولا يتأتى الفهم الحقيقي والصحيح مع موسكو ثم روسيا ثم الاتحاد السوفييتي ولكن دون أن يذوب الإسلام أو ينتهي كديانة أو هوية لشعوب هذه المناطق، بعبارة موجزة يمكن القول: إن توجه الدراسة نحو التاريخ لاستقراء مدلولات تطوره بأدوات التحليل السياسي- إنما ينطلق من أبعاد الوضع الراهن الداخلية والخارجية.
2- ومن واقع القراءة النقدية والتراكمية لبعض الدراسات[3] يمكن أن نستخلص مجموعات ثلاث من الإشكاليات، الأولى عامة تدور حول درجة الأهمية النسبية للمنطقة في قلب التفاعلات الدولية الراهنة. وتتصل الثانية بالأوضاع السياسية-الاجتماعية الاقتصادية الداخلية في هذه الجمهوريات والعلاقات فيما بينها. أما المجموعة الثالثة فهي تتعلق بوضع المنطقة بين جمهورية روسيا الاتحادية (وريثة الاتحاد السوفييتي، وروسيا القيصرية) وبين مجموعة من الدول الإسلامية الكبرى وخاصة تركيا وإيران وبعض الدول العربية مثل السعودية ومصر. والجدير بالذكر هنا –قبل التفصيل في مضمون هذه الإشكاليات- هو أن كلًا منها تتضمن اتجاهات ومقولات مختلفة حول نفس الموضع. كما أنها لا تنفصل عن بعضها البعض حيث تتداخل تأثيراتها.

(أ) المجموعة الأولى:

الأهمية النسبية للمنطقة في التفاعلات الدولية الراهنة، وهي التفاعلات المقترنة بإعادة تشكيل النظام الدولي السائد وكذلك إعادة تشكيل النظم الإقليمية الفرعية ونمط تفاعلاتها مع القوة العالمية السائدة الآن. مما لا شك فيه، أن هذه النظم الإقليمية تختلف فيما بينها من حيث درجة هامشية أو مركزية وضعها من هذه التفاعلات، كما أن كل نظام منها قد اختلفت أهميته النسبية من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطوره التاريخي (وهذه قضية ذات أبعاد نظرية مهمة في أدب التحليل النظمي للعلاقات الدولية) وبالنسبة لآسيا الوسطى والقوقاز، فبعد أن فقدا وضعهما كأقاليم مستقلة مختلفة بالنسبة للدور بصفة عامة وكأقاليم إسلامية بصفة خاصة. وهنا تثور المقابلة بين احتمالين: استمرار الهامشية، ومن ثم العودة من جديد إلى مجال نفوذ دول أخرى مجاورة (روسيا، إيران، تركيا)، أو تكوين قطب جديد جيواستراتيجي- إسلامي يكون مبعثًا لتوازنات وتفاعلات جديدة تمثل إضافة للعالم الإسلامي وليس عبءً جديدًا عليه. وينطلق كل من الاحتمالين من مبررات وأسانيد محتملة نظرًا لحداثة الوضع الراهن للجمهوريات؛ أي كجمهوريات مستقلة منذ سنوات قليلة فقط.
بالنسبة للاحتمال الأول الذي يقول بهامشية هذه المنطقة فيبرره البعض انطلاقًا من عدة دلالات جغرافية (وقوع المنطقة على أطراف العالم الإسلامي حيث كانت تخومًا للدول الإسلامية المتعاقبة، فضلًا عن جغرافيتها الخاصة التي تجعلها منطقة معزولة طبيعيًا عن الأقاليم المجاورة)، ومن عدة دلالات تاريخية على أساس أن منطقة آسيا الوسطى لم يكن لها منذ نهاية القرن 10هـ- 16م أهمية استراتيجية إقليمية إلا إذا ارتبطت بمراكز القوة الإسلامية في القلب الإسلامي في غربها، كذلك يبرر البعض الآخر هذا الاحتمال بعدة اعتبارات سياسية- اجتماعية راهنة ألا وهي مصاعب عملية بناء الدولة –بعد الاستقلال- سواء في مجال الأمن أو التنمية الاقتصادية أو الإصلاح السياسي وذلك نظرًا لتعقد التكوينات العرقية والاجتماعية والسياسية بحيث ستواجه المنطقة مشاكل مهمة تحول دون بروزها كفاعل مؤثر بقدر ما ستجعلها موضوعًا للتفاعلات بين أطراف أخرى تتنافس على اكتساب النفوذ في هذه المنطقة. هذا ويجد فريق ثالث مجموعة أخرى من الاعتبارات وهي طبيعة ودرجة “إسلامية” آسيا الوسطى والقوقاز، تلك المناطق التي تعرضت لأساليب “الروسنة” و”السفيتة” وعواقبها على الهوية الإسلامية بحيث تتضاءل معها احتمالات توجه حكومات المنطقة لدعم العلاقات مع الدول الإسلامية أو لدعم توجه إسلامي لسياساتها الداخلية بصفة خاصة.
والاحتمال الثاني: يقول بأن هناك فرصًا وإمكانيات في بقاء هذه المنطقة مع الدول الإسلامية الكبرى المجاورة بحيث يمكن تكوين نواة لنظام إقليمي إسلامي. وينطلق هذا الاحتمال بالأساس من “الصحوة الإسلامية” في هذه المنطقة والتي جذبت إليها الأنظار منذ الثورة الإسلامية في إيران، والتي أفرزت توقعات واحتمالات عن كيف يمكن أن يصبح الإسلام عاملًا موحدًا بين مسلمي آسيا الوسطى وغرب آسيا والشرق الأوسط.

(ب) المجموعة الثانية:

إشكاليات الأوضاع السياسية -الاقتصادية- العرقية الداخلية في الجمهوريات والعلاقات فيما بينهم. ويرتهن بها مستقبل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وعلاقات أطرافها وما إذا كان يمكن أن يمثلوا -كما تحذر بعض الآراء المتطرفة- “تهديدًا إسلاميًا للغرب”.
فعلى الصعيد الاقتصادي: تبرز مؤشرات تدني مستوى التطور الاقتصادي بالمقارنة بالجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى، وكذلك تدني مستوى التعليم والعناية الصحية إلى جانب ارتفاع مستوى الاعتماد الاقتصادي على هذه الجمهوريات. ولذا تثور التساؤلات حول أنماط التنمية ونماذجها التي يمكن أن تتبناها الجمهوريات الإسلامية.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي: تثور قضيتان متداخلتان: قضية العلاقة بين القومية والإسلام، وقضية طبيعة الدول –بعد الاستقلال الجديد- إسلامية أم علمانية أم ديمقراطية. وتطرح هاتان القضيتان مجموعتين من الأسئلة:
1- ما هي طبيعة ودرجة إسلامية شعوب هذه المنظمة التي أضحت مشاعر التمايز القومي تسودها بعد أن كان العامل العرقي –القومي- كعامل للتمايز- غير قائم حتى ما قبل الحكم الشيوعي وفي القيصري إلى حد ما؟ ما وضع الإسلام الآن بعد أكثر من ثلاثة قرون من العزلة من القلب الإسلامي؟ ما وضعه كديانة وكتيار سياسي، وما طبيعة الصحوة الإسلامية هل هي صحوة تدين فقط أم صحوة سياسة أيضًا، وإلى أي حد يمكن أن تؤثر على مسار الأوضاع؟
2- ما هي الاتجاهات السياسية والأيديولوجية الأساسية في الجمهوريات؟ ما هي طبيعة السلطات القائمة فيها وطبيعة قوى المعارضة السياسية التي تواجهها، ما هي قضايا الصراع السياسي حول السلطة وخاصة بين الصفوة المدنية والصفوة الأصولية؟ وهل تلعب الأيديولوجية دورها في تحديد اختيارات هذه القوى المختلفة وخاصة في مجال السياسة الخارجية”؟
بالنسبة للقضية الأولى: تطرح الدراسات الإشكاليات التالية؛ من ناحية: افتقاد شعوب هذه المنطقة المعرفة الحقيقية للإسلام. فالغالبية العظمى لا يعرفون أركان الإسلام وكيف تؤدي فرائضه، ومن ثم لا يمكن اعتبارهم حملة “التهديد الإسلامي”. ولكن من ناحية أخرى، يتحدث البعض الآخر عن عملية بلورة الشخصية المستقلة لمسلمي آسيا الوسطى والقوقاز من خلال ارتباطهم بإحياء التاريخ الإسلامي للمنطقة والتمسك بالقيم الثقافية الإسلامية، أي الحياة بأسلوب إسلامي من الناحية الثقافية والاجتماعية، كما يتحدث عن الصحوة الإسلامية بمعنى تزايد أعداد المساجد والمدارس الدينية ونسبة ممارسة الشعائر الدينية أو بمعنى وجود تيارات سياسية إسلامية قوية تطالب بإقامة حكم على النسيج الإسلامي. وأخيرًا يشير فريق ثالث أنه من الخطأ اعتبار أن مسلمي آسيا الوسطى “شعب سوفيتي” يتكلم لغات شرقية وليس روسية. لأنهم يمثلون مجتمعات حافظت على هويتها بدرجة أساسية. فالبرغم من أساليب الروسنة والسفتية ضد معتنقي الإسلام إلا أن المسلمين ظلوا يشعرون بهويتهم كمسلمين ويحافظون عليها، ولذا فإنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي ظهرت عملية إحياء إسلامي ممتدة وأضحى “الإسلامي” إلى جانب “العرقية” عامل تأكيد للهوية فهو ليس مجرد معتقدات بيئية ولكنه أسلوب حياة وحضارة تميز المسلمين عن الروس الذين لم يعترف المسلمون أبدًا بشرعية حكمهم لهم.
والقضية الثانية: تبين أن الشيوعيين –بعد تغيير مسميات أحزابهم- مازالوا يسيطرون على السلطة وأدواتها مما يثير أكثر من علامة استفهام حول مستقبل دولة إسلامية أو حكم إسلامي في هذه الجمهوريات، ولكن من ناحية أخرى هناك إلى جانب ما يسمى “الإسلام الرسمي” تنظيمات سياسية إسلامية معارضة (من أهمها حزب النهضة الإسلامي) تختلف في توجهاتها بين “الأصولي الإسلامي” وبين “التحديثي الإسلام” وجميعها تجد جذورها في مرحلة مقاومة التوسع الروسي خلال القرن 19 بصفة خاصة.
وتتقاطع مع قوى المعارضة الإسلامية قوى معارضة أخرى إما ذات توجهات قومية أو ديمقراطية وجميعها ترفض أيضًا استمرار حكم الشيوعيين السابقين.
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية بين الجمهوريات الإسلامية: بقدر ما كان الاشتراك في رابطة الإسلام منطلقًا لتوقعات حول اتجاهات تعاونية إيجابية بين هذه الجمهوريات بقدر ما كانت الاختلافات العرقية-القومية تثير توقعات أكبر حول آثارها السلبية المحتملة على العلاقات بين هذه الجمهوريات، وخاصة قضايا الحدود الاصطناعية التي تقسم القومية الواحدة بين أكثر من جمهورية. وذلك في ظل التقسيمات السياسية لشعوب هذه المنطقة بين عدة جمهوريات بحيث اقترن بالمفهوم القومي- العرقي انعكاسات سياسية، وهو الأمر الذي لم يكن قائمًا من قبل، وإن لم يحل دون اندلاع صراعات على القيادة المهيمنة بين هذه الشعوب في التاريخ الإسلامي لهذه المنطقة. إذن، كيف كانت الصورة في البداية قبل الحكم الروسي والحكم السوفييتي؟
ولهذا كله- وحيث أن الحالة الراهنة –تعد محصلة لعملية تاريخية ممتدة بينت أن الإمبراطورية الروسية ظلت متعددة القوميات وكذلك الاتحاد السوفييتي الذي ورثها حيث لم تندمج أو تذب الهويات القومية المتعددة ولم يضع الإسلام، لهذا كله نتساءل ما مدلولات الخبرة التاريخية؟

(جـ) المجموعة الثالثة:

من الإشكاليات تتصل بمستقبل العلاقات بين هذه الجمهوريات وبين دول أخرى: روسيا الاتحادية من جانب، وبعض الدول الإسلامية من جانب آخر، لا تنفصل هذه العلاقات عن تأثير قوى أخرى من خارج المنطقة ومن خارج جوارها وخاصة القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تدير عملية إعادة تشكيل النظم الإقليمية الفرعية على ضوء التوازنات والعالمية الجديدة وهي العملية التي لابد وأن تؤثر على نمط التفاعلات الراهنة والمستقبلية بين هذه الجمهوريات وبين هذه القوى الأخرى.
وعلى حين تهتم بعض الدراسات بتوجه سياسات هذه القوى نحو الجمهوريات الإسلامية وأدوات هذه السياسات ومحدداتها، فإن الغائب الحاضر في هذه التحليلات هو توجه هذه الجمهوريات ذاتها (حكومات وشعوبًا) نحو هذه القوى المختلفة، وأثر عامل الدين على التوجه نحو روسيا بصفة خاصة. فمن الواضح أن الطموح الروسي الاتحادي يرتبط الآن بنشاط متزايد للكنيسة الأرثوذكسية الروسية مما قد يولد الكثير من المقاومة لدى شعوب هذه الجمهوريات بل ولدى شعوب بعض الجمهوريات والمناطق ذات الحكم الذاتي داخل جمهورية روسيا الاتحادية. وهي التي فقدت استقلاليتها –ككيانات إسلامية- قبل آسيا الوسطى والقوقاز بفترة طويلة (كما سنرى).
ومن ناحية أخرى، في حين تبرز بعض الدراسات فرص تركيا بالمقارنة بإيران، فإن دراسات أخرى تحذر من مخاطر استقطاب المنطقة بين النموذجين التركي والإيراني. هذا، فضلًا عن إشارة تحليلات أخرى إلى تزايد فرص التوجه نحو روسيا وضعفه وتراجعه بالنسبة للعرب.
هذا، وتنبني هذه التوقعات المختلفة على تحليلات لطبيعة مصالح هذه القوى الاقتصادية منها والسياسية والاستراتيجية لدى هذه الجمهوريات. كما تنبني على تحليل آخر لطبيعة أدوات وقدرات كا منها في الاستجابة لمطالب هذه الجمهوريات. كما تنبني أيضًا وبدرجة كبيرة وواضحة على الروابط التاريخية والعرقية والثقافية. وبالنسبة لهذا العامل الأخير ترجح كفة تركيا وذلك إذا أضفنا إليه طبيعة السلطة القائمة في هذه الجمهوريات والتي يمكن أن تنجذب نحو نموذج علماني-ولو ديمقراطي- مثل تركيا أكثر من احتمال اتجاهها نحو نموذج أصولي إسلامي مثل النموذج الإيراني.
وبدون الدخول في تفاصيل هذه الأبعاد –فهذا ليس موضوعنا- يكفي القول هنا أنها تدور في نطاق إحدى حلقات تطور تاريخ العلاقة بين هذه المنطقة وبين القوى المجاورة. فإن التقاطع والتداخل بين تفاعلات هذه الفواعل حول المنطقة ومعها ليس مستحدثًا ولكنه قديم ويمثل معطً هامًا وأساسيًا في تاريخ هذه المنطقة في عصوره المتتالية، وكان من أهم العوامل المؤثرة على مصيرها ومسارها كموضوع لتفاعلات الغير أو كفاعل مؤثر على الغير. ومن ثم يجب محاولة استخلاص خطوط كبرى له وأنماط عامة منه يمكن أن تلقي الضوء على مجموعة من الاتجاهات الراهنة والتي تتلخص كالآتي:
أولها: استمرار حرص روسيا الاتحادية- وبالرغم من توجهها الأساسي الآن نحو الغرب– على الحفاظ على روابط مع هذه الجمهوريات وذلك في وقت مازالت معظمها (وخاصة على مستوى القيادة) تتجه ببصرها نحو رابطة كومنولث الدول المستقلة. ويثير هذا الحرص الروسي الاهتمام بتجديد السياسة الروسية التوسعية ولو في إطار تنافس تقليدي ينطلق من تقاليد السياسة الخارجية الروسية القيصرية باعتبارها أحدى القوى الأوروبية الكبرى.
ثانيها: دأب تركيا –بمساندة من الغرب ومن الولايات المتحدة بصفة خاصة. على مناوئة النفوذ الإيراني وتقديم نموذج يربط بين آسيا الإسلامية والغرب ويحقق مصالح تركيا لدى الطرفين بل ولدى العرب أيضًا.
ثالثها: محاولة إيران أن تمد جسورها شرقًا لتكسر حد العزلة المفروضة حولها ولتدعم أركان دور إقليمي أكثر نشاطًا من الدور المتعثر الذي حاولت ممارسته على حساب الجانب العربي.
رابعها: تخبط العرب –وخاصة السعودية ومصر. وعدم تبني مسلك واضح الأهداف والرؤى تجاه هذه المنطقة وذلك تحت تأثير وطأة أعباء إعادة تشكيل المنطقة العربية ذاتها وتحويلها إلى نظام شرق أوسطى في ظل عواقب أزمة الخليج الثانية منذ 1991، ثم شرق أوسط كبير بعد احتلال العراق.
خامسها: حرص الغرب بقيادة الولايات المتحدة على منع إيران من تحقيق أية مكاسب في آسيا ومنع تدعيم أبعاد الصحوة السياسية الإسلامية ومنع تحقيق أية خطوات نحو تكوين كتلة وسط آسيوية – عربية – تركية أو وسط آسيوية- إيرانية – باكستانية – تركية. ولقد كان الاستعمار الروسي من قبل للمنطقة هو منطلق عزلها عن القلب الإسلامي.
ولهذا كله؛ نتساءل ما هي أنماط التفاعلات التاريخية بين هذه الأطراف وكيف تتقاطع بدورها مع المجموعتين السابقتين من الإشكاليات؟ ولكن كيف نقترب من الخبرة التاريخية لاستقصاء مدلولاتها؟ هذا يقودنا إلى الجزئية التالية في هذا الإطار النظري.
3- إطار التحليل التاريخي: الأبعاد والصعوبات
(أ) تتلخص أبعاد هذا الإطار فيما يلي: التراكم العلمي ومنظوره، كيفية تحديد الفواعل المعنية، الإشكاليات التاريخية المطروحة، المدى الزمني ومحاور التحليل:
1- أن الدراسات التي استخلصنا من مضمونها الإشكاليات الراهنة السابق توضيحها قد اقتربت من تاريخ المنطقة بصور مختلفة سواء مجرد مقدمة تعرض لتطور احتلال روسيا لأجزاء المنطقة، أو تشير إلى هامشية وضع المنطقة في التفاعلات الدولية منذ نهاية القرن 16م توطئة للحديث عن استمرار هذه الهامشية الآن ولكن دون توقف عند السياق التاريخي السابق أو التالي للقرن 16 م أو عدّه كجزئية منقطعة الاتصال بما قبلها أو بعدها من تحليل لخصائص الأوضاع الراهنة ومع ذلك فهي تقدم “خلاصة عامة” يستدعي كل منها فى ذاته وقفة تفصيلية للمناقشة نظرًا لما تتسم به عمومية سريعة وشديدة تثير اللبس حول أمور مثيرة للجدل[5].
ومع الاعتراف بأن محدودية الجزئيات التاريخية في هذه الدراسات إنما يرجع إلى أنها قد تأثرت بما تزامن معها من تطورات، إلا أنه يجب الإشارة إلى أن هدف هذه الدراسة وإطارها إنما في عملية التراكم العلمي في مجال توظيف التحليل الذي جرى إهماله من قبل في سياق إهمال التاريخ السابق في الاستعمار الروسي.

ولكن من ناحية أخرى، فإن إطار هذا التحليل التاريخي سيتحدد على ضوء اعتبارين أساسيين. أنه سيتم من منظور التحليل السياسي النظمي وليس التاريخي السردي الوصفي، ومن خلال منظور إسلامي للتاريخ. ودون تفصيل في ضوابط هذا المنظور[6] يكفي القول إنه ينطلق من قضية وحدة الأمة ومصلحتها وقضية الضوابط الإسلامية للعلاقة مع غير المسلم في وقت القوة والضعف ووقت الحرب والسلم. هذا، وتكتسب قضية تحديد المنظور الذي تقترب خلاله من الموضوع أهمية خاصة لعدة اعتبارات من أهمها: الاختلافات بين منظور السلطات القائمة (الشيوعية) في هذه الجمهوريات وبين منظورات القوى المسلمة المتنافسة على النفوذ في هذه الجمهوريات. بعبارة أخرى، هناك اختلافات في إجابة جميع الأطراف المعنية –على مستوى الشعوب والحكومات- على السؤال الثاني: ما هي درجة انطلاق التوجهات من الإسلام كرابطة مشتركة؟ هذا وستتضح أكثر أهمية قضية تحديد المنظور عند صياغة الإشكاليات التاريخية التي سيتم على ضوئها استخلاص أنماط التفاعلات ومحدداتها.
2- ولكن كيف يتم تحديد الفواعل التي دارت بينها التفاعلات موضوع الاهتمام؟ إن تركيا وإيران والدول العربية من ناحية، وروسيا الاتحادية من ناحية أخرى، والجمهوريات الإسلامية الست نفسها من ناحية ثالثة هم ورثة فواعل أساسية مرت بتطورات عميقة عبر عدة عصور. بالطبع ليس الهدف هنا هو التأريخ لهذا التطور بتفاصيله ولكن الهدف هو مجرد التوقف عند بعض الملاحظات التي تساعد على تسهيل متابعة التحليل التاريخي فالأمر ليس بالهين بالنسبة لغير المتخصص في تاريخ هذه المناطق وخاصة الآسيوية الوسطى والقوقاز[7].
وستلقي هذه الملاحظات الضوء على مغزى وطبيعة عنوان الدراسة.
الفاعل الروسي: لم يدخل الروس المسيحية إلا في نهاية القرن العاشر م وكانت إمارة موسكو هي نواة الإمبراطورية القيصرية الروسية التي بدأ تكوينها في نهاية القرن الخامس عشر مع القيصر إيفان الثالث الذي حرر أوروبا والتي أخذت دفعة قوية مع بطرس الأكبر مؤسس دولة روسيا الحديثة منذ نهاية القرن السابع عشر م.
الفواعل الإسلامية: إن تحديدها أكثر صعوبة وخاصة منذ نهاية القرن السابع هـ (بل ومنذ بداية العصر العباسي حيث بدأت التعددية السياسية الدولية الإسلامية ثم تزايدت مع العصر العباسي الثالث) ففي بداية التاريخ الإسلامي: في عصر دولة المدينة والخلافة الراشدة، ثم في عصر الدولة الأموية كانت هناك دولة إسلامية واحدة قادها العرب وانتقل مركزها من المدينة التي دمشق ومع بداية العصر العباسي -وبالرغم من استمرار العرب في قيادة الدولة الإسلامية- إلا أنه بدأت التعددية محدودة في أول الأمر ثم اتسعت في نطاقها مع قرب نهاية العصر العباسي. وفي نفس الوقت اقترنت التعددية بانتقال قيادة المسلمين إلى “الترك”بعد أن ضعف دور العرب، فبعد العصر العباسي جاء عصر المماليك (وإن ظل مركز القوة الإسلامية خلاله في الشرق العربي أيضًا) ثم جاء عصر الدولة العثمانية. ولقد ظهر خلال هذا العصر الأخير مركزا قوة إسلاميان آخران هما الدولة الصفوية والدولة المغولية في الهند. وهذه الأطراف المركزية الكبرى ضمت في نطاقها أطرافًا فرعية متعددة. كما أن كلا منها قد مر بعدة مراحل من النمو والقوة والضعف، ولقد كان لتزامن بعضها مع البعض مغزى كبير (مثلًا: تزامن بداية إمارة عثمان ونموها الإقليمي مع أزهى عصور المماليك في حين تزامن أزهى عصور القوة العالمية العثمانية مع عصر تدهور المماليك وبداية الدولة الصفوية…).
وعلى ضوء هذه الملاحظة، يجدر الإشارة إلى تركيز الدراسة على الفواعل الإسلامية المركزية في العصور المختلفة: أي دولة المدينة ثم الخلافة الراشدة ثم الدولة الأموية ثم الدولة العباسية في القرون الهجرية السبعة الأولى، ثم المماليك والدولة العثمانية والدولة الصفوية (ثم التاجارية) في القرون الستة التالية الهجرية أي حتى نهاية القرن 19م.
الفواعل في آسيا الوسطى والقوقاز: يبدو الأمر بالنسبة لتحديدهم أكثر صعوبة وتعقيدًا وتداخلًا. ويشرح تلك الحالة ما ننقله عن أحد أساتذة التاريخ[8] “بأن الدراسات التاريخية والانثربولوجية والديموجرافية من عالم آسيا الوسطى ستبقى معقدة ومبهمة في بعض الأحيان نظرًا لتشابك عناصرها القديمة… واتساع ذلك العالم في الجغرافيا الآسيوية، ثم كيفية وصول الإسلام إلى تلك الأعماق في العصور الوسطى على مدى ستة قرون، ناهيكم من أساليب اتصالات العرب بتلك الأقاليم القصية (بلاد السند) في ما وراء النهر عبر عالم إيران الشاسع، فضلًا عن معرفة تلك الارتباكات التاريخية التي أحدثتها الاحتياجات المغولية والتي أثرت كثيرًا على طبيعة الإنسان والتطور التاريخي التصاعدي للعالم القديم”.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات التالية[9]:
فمن ناحية: وبداءة يجب الإشارة إلى أن الوجود الإسلامي في الاتحاد السوفييتي السابق لا يقتصر على آسيا الوسطى (وهو ما عرف ببلاد ما وراء النهر أو تركستان السوفيتية) والقوقاز فقط.
ولكن هناك وجود إسلامي غير مستقل الآن –أي في نطاق جمهوريات أو مناطق حكم ذاتي داخل جمهورية روسيا الاتحادية أساسًا (في تتارستان “خان قازان سابقًا” وداغستان، الباشكير، الشيشان، الأنجوش) أو في داخل جمهورية أوكرانيا (تتار القرم المسلمين) وهم يمثلون على التوالي ما تبقى من مسلمي حوض نهر الفولجا والأورال (شمال بحر قزوين) وغرب سيبيريا ومن مسلمي القرم من التتار. ويرجع هذا الوجود إلى أن انتشار الإسلام لم يقتصر على وسط آسيا فقط ولكن امتد إلى جنوب بلاد الروس. ولقد توسعت روسيا القيصرية في هذه المناطق أول ما توسعت وكان الكيانات المسلمة في هذه المنطقة –دورها ووضعها في التفاعلات الإسلامية- الروسية مثل نظرائها في آسيا الوسطى والقوقاز (كما سنرى) إلا أنها فقدت استقلالها منذ وقت مبكر بالمقارنة بالآخرين وهي تضم ما يقرب من 20% من مسلمي الاتحاد السوفيتي السابق في مقابل 80% و20% في آسيا الوسطى والقوقاز على التوالي.
بعبارة أخرى يجب أن نميز بين ثلاثة أنساق نوعية: آسيا الوسطى، القوقاز، جنوب روسيا وشمال القوقاز (حوض الفولجا، الأورال، غرب سيبيريا) وهي تختلف من حيث توقيت وطريقة دخول انتشار الإسلام ومن حيث توقيت التوسع الروسي القيصري ومن حيث درجة تعرضها لعواقب التنافس بين القوى الإسلامية الكبرى المجاورة.
ومن ناحية أخرى: أن القومية بمعناها الحالي والتي يقوم عليها تقسيم العالم الآن إلى ما يسمى “الدول-القومية” لم تكن معروفة في تاريخ المنطقة من قبل. فإن التقسيم الجغرافي السياسي الحالي (إلى جمهوريات مستقلة) لم يكن موجودًا قبل الحكم الشيوعي، وكان المفهوم الجغرافي وليس العرقي أو القومي هو الأساس في تقسيم هذه المناطق. إلى خانات أو إمارات تقوم عليها أسر أو قبائل وتتسع حدودها أو تنكمش وفقًا لحالة قوتها بالمقارنة بجيرانها. فلقد كان هناك انتشار وتداخل عرقي بين شعوب هذه الكيانات. فمثلًا بخاري (في أوزبكستان الحالية) وخوسند (في طاجكستان الحالية) كانتا من أكبر وأغني المدن في تاريخ آسيا الوسطى. وكلاهما كانت تضم شعوبًا مختلفة كذلك بجانب أذربيجان تعكس مفهومًا جغرافيًا. فلم يكن هناك شعب أذري لأنهم كانوا يعرفون أنفسهم كأتراك أو كمسلمين. وكان الروس يسمونها التتار لأنهم ورثة القبيلة الذهبية. كذلك لم يكن هناك أمة-أوزبك بالمعنى الموجود الآن. ولكن كان هناك جماعة تنحدر من قبائل ترجع إلى المغول الذين جاءوا المنطقة في القرن 7هـ وامتزجت بسكان المنطقة الأصليين –استطاعوا بعد ذلك أي الأوزبك- أن يقيموا في نهاية القرن 15 م (9هـ) مملكة حاولت في ظل الشيبانين أن توحد أسيا الوسطى تحت قيادتها ولكنها فشلت في نهاية القرن 16م. وبالمثل بالنسبة لما يعرف الآن بالتركمان أو الطاجك أو الكازاخ. بعبارة أخرى فإن التعريف الحالي لهذه القوميات لم يكن إلا عملية مصطنعة لتحقيق أهداف كسر الشعور لدى مسلمي “الإمبراطورية القيصرية ثم الشيوعية بالانتماء إلى كيان أكبر هو الأمة المسلمة أو الأمة التركية. فلم يكن هناك من قبل حدود سياسية تقسم هذه الشعوب وتفصلها بعضها من بعض، بل لم يكن هناك وجود لدول محددة ودائمة وثابتة بمعنى الدول الآن- ولكنها كانت مجموعة من الأقوام المتجاورة في مساحة ممتدة وعميقة، وحقيقة يتحركون ضد بعضهم البعض في تنافس ولكن يشعرون بهوية مشتركة منهم مسلمون وينحدر معظمهم من أصل واحد وهو الترك ولقد تداخل معه بعد ذلك العنصر المغولي. ولهذا فإن مسلمي الانساق الفرعية الثلاثة ينتمون إلى ثلاث مجموعات عرقية: التركستانية (الأوزبك- الكازاخ، الأذربين التركمان، التتار) وتمثل 85% والإيرانية وأكبرهم الطاجيك وتمثل 8.4% وأخيرًا مجموعة الايبرو –قوقازية مثل الشيشان والأنجوش وتمثل 6.6% (وفقًا لأرقام ما قبل الانهيار السوفيتي عن تعداد مسلميه) بعبارة أخيرة قبل العهد الشيوعي لم يكن هناك القومية القائمة على العرقية ولم تبدأ في التبلور في المنطقة إلا مع أساليب الروسنة ثم السفيتة. فكانت الشعوب شديدة الامتزاج ولم يكن العرق هو معيار الهوية التي تميز عن الغير: فكان الجميع يشعرون بأنهم أما مسلمون أو أعضاء في قبيلة أو عائلة ممتدة أو سكان مدينة كبيرة أو أقليم جغرافي. وكانت آسيا الوسطى مجالًا حضاريًا إيرانيًا-تركيا خصبًا اختلط فيه الترك مع الفرس ثم مع المغول وتأثروا ببعضهم البعض منذ قدوم العنصر التركي إلى المنطقة في القرن السادس الميلادي ثم استقراره وانتشاره منذ القرن الثامن م ثم إفرازه بعد ذلك لموجات هجرة بشرية كثيفة نحو الغرب كان من أهمها السلاجقة والعثمانيون. فإذا كان التاريخ الأول القديم للترك قبل بداية التاريخ الإسلامي غير معروف لأن العنصر التركي مارس أدوارًا عدة في التاريخ السياسي البشري للمناطق التي استوطنها مع بداية الفتح الإسلامي ثم خلال مراحل الحكم الإسلامي العربي لهذه المناطق. ولقد كان دخول الأتراك الإسلام عاملًا مؤثرًا على دولة العرب وعلى ما بعدها كما سنرى:
هذا، ولقد تعرضت شعوب هذه المنطقة بعد الفتح الإسلامي لعدة مصادر من التهديد لأمنها ووجودها كان أخطرها الهجمة المغولية في القرن السابع هـ، الثالث عشر م، والهجمة الروسية ابتداءً من منتصف القرن 10هـ، 16م.
3- ينطلق التحليل التاريخي للتفاعلات بين هذه الفواعل من مجموعة من الإشكاليات التاريخية التي تثير تساؤلات حول أنماط هذه التفاعلات ومحدداتها وبصورة أو بأخرى سنرى كيف تستدعي هذه الإشكاليات الجذور التاريخية لموضوعات وقضايا الإشكاليات الراهنة السابق عرضها. وهي تتلخص كالآتي[10]:
ما هي مصادر التهديد –غير المسلمة- التي تعرضت لها هذه الأنساق الفرعية الثلاثة؟
وما وضع الروس بين هذه المصادر قبل وبعد الامبراطورية القيصرية؟ كيف تم التفاعل بين مسلمي هذه الأنساق وبين هذه المصادر وخاصة الروسية؟ وهل أثر المسلمون على الروس متى وكيف؟ وكيف أثر الروس على المسلمين وما هو وضع العامل الديني لدى الطرفين؟
– وبغض النظر عن هامشية الموقع الجغرافي بالنسبة للعالم الإسلامي فهل كانت المنطقة طوال تاريخها الإسلامي هامشية الوضع والتأثير في التفاعلات الإسلامية؟ ألم يظهر على صعيدها ومنها مراكز قوة أثرت في مراكز القوى الأخرى الإسلامية أو في علاقاتها مع القوى غير المسلمة؟ ومتى ولماذا أدخلت مرحلة العزلة منذ القرن العاشر هـ، السادس عشر م؟
– تناوب العرب (الخلافة الراشدة، الأمويون، العباسيون) والترك (المماليك والعثمانيون) قيادة المسلمين وحمل راية نشر الإسلام والدفاع عنه. كما لعب الفرس دورهم في هذه المراحل المتتالية: إذن كيف أثرت جميع هذه القوى على الانساق الفرعية الثلاثة لمسلمي آسيا وكيف تأثرت بها (حضاريًا وأمنيًا)؟ كيف لعبت هذه القوى دورها في نشر الإسلام أولًا في المنطقة ثم في الدفاع عن هذا الجزء من دار الإسلام ضد مصادر التهديد الروسية (العسكرية أولًا ثم الحضارية)؟ وما هي العوامل التي حالت دون منع هذا التهديد؟
– ما وزن وما طبيعة المقاومة الذاتية من شعوب هذه المنطقة للتهديدات (ابتداءً من استيعاب المغول ووصولًا إلى مقاومة الهدف النهائي للروسنة والسفيتة)؟ كيف أثرت عملية المقاومة هذه –خلال التوسع الروسي وبعده على الاتجاهات الفكرية والسياسية الإسلامية والتي تمثل الجذور للاتجاهات الراهنة السياسية.
– كيف أثرت أدوار القوى الأوروبية الكبرى على التفاعلات بين مصادر التهديد المغولية، الروسية وبين المنطقة وبين القوى الإسلامية الأخرى؟ هل كانت هذه الأدوار متغيرًا أساسيًا في هذه التفاعلات؟ كيف ولماذا؟
4- وعلى ضوء مناقشة الأطراف الأساسية في التفاعلات وعلى ضوء الإشكاليات السابقة يمكن القول أن المدى الزمني للدراسة قد تحدد بناء على اعتبارات معينة ولتحقيق أهداف محددة ترتبط بمنطق الدراسة وبهدفها الأساسي.
فإذا اقتصرنا على الفترة الممتدة من نهاية القرن التاسع هـ، الخامس عشر م حتى نهاية القرن 13هـ، 19م فهذا يعني انطلاقنا من عامل فقط هو بداية روسيا القيصرية ونهايتها. ونكون بذلك أيضًا قد اسقطنا ما يقرب من سبعة قرون من الحكم الإسلامي للمنطقة والسابقة على بداية التهديد الروسي من ناحية ومن قبله بثلاثة قرون التهديد المغولي من ناحية أخرى. وهذا الإسقاط لهذه القرون التسعة تقريبًا يسقط معه جانبا كبيرا ومهما من التفاعلات ذات المغزى الكبير بالنسبة لوضعية ودور هذه المنطقة في العالم الإسلامي، وخاصة بالنسبة لتفاعلاتها مع العرب وبالنسبة لتأثيرات العصر المغولي. ولهذا؛ فإن الدراسة ستنقسم إلى ثلاث مراحل أساسية تنقسم كل منها -وخاصة الثانية والثالثة- إلى عدة مراحل فرعية تبين التطور في نمط التفاعلات بين الأطراف المعنية وذلك في ظل التطورات التي مر بها كل منهم. هكذا يكتمل مغزى عنوان الدراسة الذي لم يحدد روسيا بالقيصرية، كما لم يسم فواعل إسلامية بعينها حيث تناوبت التوجه نحو المنطقة والتأثير عليها والتأثر بها عدة فواعل اختلف الوزن النسبي لكل منهم في مرحلة أو أخرى من المراحل الثلاث –كما سنرى- هذا وبالرغم من أهمية الأبعاد الحضارية والداخلية إلا أن محور الدراسة يدور حول أنماط تفاعلات دولية.
ب- وأخيرًا، تبقى مسألة صعوبات إعداد مثل هذه الدراسة وهي تنبع من جانب كبير منها من طبيعة المصادر العلمية ومدى توافرها. وفي هذا الصدد، نقتبس عن أحد أساتذة التاريخ[11]. هذا الموضوع “البكر” في الحياة العلمية والثقافية العربية المعاصرة… فهو تاريخ قومي غائب في خضم أبرز التطورات التاريخية والحضارية التي شهدتها شعوب أخرى في العالم… ومما يزيد من غرابة الموضوع واحتجاب تطوراته: غياب معلومات كاملة عنه على مدى أكثر من سبعين سنة وأن ما كتب عنه حتى يومنا هذا من النزر اليسير عدا الكتابات الروسية… وحتى ذاك… تنقصه المعلومات المؤكدة والنزيهة والحرة عن عالم يجمع مختلف البدائل… ولقد انتبه (عند نهاية هذا القرن) المئات من المؤرخين والمحررين والصحفيين والمراقبين السياسيين بأن العالم اليوم يتطلب معرفة سريعة وأكيدة لعالم مجهول يترقبهم يومًا بعد آخر… وأن ما كتب عن عالمي آسيا الوسطى والقوقاز التأليف الاستشراقية والغربية لا يتناسب وحجم ما كتب عن عوالم إيران والأناضول والهند والصين أو الوطن العربي والأفريقي… ولم يكتب حتى يومنا هذا أي مختص عربي في شئون عالمي آسيا الوسطى والقوقاز (اللهم عدا ما كتبه بعض المؤرخين عن التيموريين وسمرقند وأرمينيا وأذربيجان). وتكاد تكون الثقافة العربية محرومة في معلوماتها من كل من العالمين المذكورين اللذين اهتم بهما كثيرًا العرب القدماء… يمكنني القول بأن مصادر معلومات منطقة آسيا الوسطى هي قليلة، ليس بالعربية فحسب، بل وحتى في اللغات الأجنبية الرئيسية الأخرى مقارنة بالمواريث المرجعية من المصادر والمعلومات من المناطق الآسيوية الأخرى[12].
وبغض النظر الآن عن أسباب ومبررات هذا التجاهل أو الإهمال العربي لهذه المنطقة
-ليس فقط منذ الاحتلال الروسي لها بل وقبل ذلك أيضًا- فإن الصعوبة الأكبر هي أنه حتى المتوافر من هذه المصادر التاريخية –العربية والأجنبية ينصب جانب كبير منه على الجغرافيا البشرية والجغرافيا التاريخية، وعلى التاريخ الحضاري بحيث لا نجد إلا النذر اليسير والمتناثر فيما يختص بالعلاقات بين الكيانات السياسية في هذه المنطقة بعضها ببعض أو علاقتها بالغير من المسلمين وغير المسلمين. ومن ناحية أخرى كان نصيب التفاعلات مع العرب- بالمقارنة بالتفاعلات مع العثمانيين أو الصفويين في مرحلة التوسع الروسي القيصري –معدومًا تقريبًا. فهل يرجع هذا إلى ضم الدولة العثمانية للمنطقة العربية منذ مطلع القرن 16م؟ والمجال الأساسي الذي توافرت بصدده عديد من الدراسات بالعربية وغيرها هو الخاص بأساليب الحكم الروسي والحكم السوفيتي لهذه المناطق أي الدراسات التي تناولت شعوب هذه المناطق كأقليات إسلامية. ومن ثم فإن تحقيق أهداف التحليل التاريخي في هذه الدراسة تتطلب الاستعانة بمصادر عن تواريخ الفواعل الأخرى التي تفاعلت مع هذه المنطقة والتي سبق تحديدها، وخاصة المملوكية والعثمانية والصفوية وقبلهم دول الخلافة العربية.

أولًا: المرحلة الأولى

التفاعل الإيجابي المتبادل بين العرب وأتراك آسيا من الفتح الإسلامي والحكم العربي وانعدام التهديد الروسي وحتى الهجمة المغولية وحكم المسلمين المغول للروس.
يمكن أن نلخص الأنماط العامة للتفاعلات ولحالة الأطراف المعنية وتطورها خلال القرون الهجرية الستة الأولى على النحو التالي:
1- بداية خط عام من الحركية والمبادرة العربية نحو الشرق لفتح بلاد ما وراء النهر ونشر الإسلام ونحو الشمال لفتح بلاد تفقاسيا وتحققت هذه الأهداف على مراحل.
2- الإسهام الفاعل لمفكري وفقهاء وعلماء آسيا الوسطى المسلمة في الإنجاز الحضاري الإسلامي الضخم الذي تحقق خلال القرون الستة الهجرية الأولى. كما كانت بعض القوى الآسيوية المسلمة مصدر حركية ومبادرة عسكرية أضافت لقوة مركز الخلافة الإسلامية في وقت الخطر.
3- انعدام مصدر التهديد الخارجي غير المسلم من الجوار في وقت انغماس الروس في حالة التفكك البربرية والهمجية.
وفيما يلي بعض التفصيل حول هذه الأنماط التي تبين في مجموعها كيف أن المنطقة لم تكن طوال تاريخها الإسلامي- هامشية الأهمية.
من ناحية: الحركية والمبادرة العربية الإسلامية نحو المنطقة[13] فنجد أن الإسلام لم ينتشر دفعة واحدة في كل أرجاء هذه الرقعة الكبيرة الممتدة من آسيا الوسطى إلى القوقاز إلى جنوب الروسيا. ولقد استغرقت هذه العملية فترة ممتدة وصلت في بعض المناطق حتى قرن 11هـ، 17م (كما سنرى بعد ذلك كما تمت بواسطة الجيوش الدعاة من التجار ومن ثم فإذا كان العرب الفاتحون قد حملوا راية الإسلام إلى هذه المناطق إلا أن البعض الآخر أكمل العملية وبأدوات أخرى. وتبين بعض المصادر الاستشراقية الصعوبات الشديدة التي واجهت هذه العملية في بدايتها أي مع جيوش الفاتحين العرب الأول في القوقاز في عهد الخليفة عمر بن الخطاب نحو بلاد ما وراء النهر في عهد الأمويين. وإذا كان الأمويون قد بدأوا تحركهم في منتصف القرن الأول الهجري إلا أنه توقف لفترة بسبب عدم الاستقرار الداخلي بعد معاوية بن أبي سفيان ولم يتحقق الفتح الأموي الحقيقي لبلاد ما وراء النهر إلا في نهاية القرن الأول على يد القائد بن مسلم الباهلي (88هـ- 96هـ، 706م- 714م) الذي وصلت جيوشه إلى حدود الصين، وخلال العهد العباسي استطاع العباسيون أن يوثقوا صلاتهم بأتراك آسيا الوسطى عن طريق الجيوش والدعاة في نفس الوقت وفي القرن 4هـ، 10م أضحى الإسلام ديانة آسيا الوسطى التي أصبحت منذ ذلك الوقت واحدة من ازهى المراكز الحضارية في دار الإسلام. وظل المسلمون يحكمون هذه المناطق التي فتحوها في القرنين الأول والثاني الهجريين سواء في ظل الأمويين أو العباسيين وذلك حتى القرن 6هـ، 12م حين جاءت الهجمة المغولية. هذا ولقد استمر عهد السيادة العربية على آسيا الوسطى كاملة حتى القرن 4هـ، 10م حين بدأ انتقال حكمها المباشر إلى شعوبها التي انقسم وتنازع حكامهم مما سهل مهمة المغول بعد قرنين.
هذا، وإلى جانب دور الجيوش العربية وحكامهم انتشر الإسلام على يد التجار والدعاة من الصوفية من العرب وغيرهم وخاصة في الأورال وسيبيريا وشمال القوقاز والفولجا طوال القرون التالية –في ظل العصر المغولي أو تحت تأثير العثمانيين (كما سنرى في المرحلتين التاليتين) بل أن الغزو الروسي لأراضي المسلمين منذ منتصف القرن 16م وحتى نهاية 19م لم يوقف التقدم في انتشار الإسلام. ولقد تم هذا الانتشار على طول ما يعرف بطريق الفراء (حوض الفولجا والأورال وسيبريا) وما يعرف بطريق الحرير (من البحر الأسود غربًا حتى الصين شرقًا).
ومن ناحية ثانية: اسهام المنطقة الحضاري والعسكري في بناء القوة الإسلامية وحمايتها:
فلم يكن العطاء –في هذه المرحلة الأولى من تاريخ المنطقة كجزء من الدولة الإسلامية- عطاءً من جانب واحد ولكنه كان عطاءً متبادلًا، فلقد كان هناك حركية ومبادرة أيضًا من جانب مسلمي آسيا الوسطى من ناحية ودعم القوة العسكرية الجهادية للدولة الإسلامية من ناحية أخرى.
على الصعيد الحضاري: كان مسلمو آسيا الوسطى والقوقاز والفولجا والقرم يحتفظون بعلاقات وثيقة مع العالم الإسلامي ويتقاسمون نفس التاريخ والثقافة ولعبت مدن هذه المناطق الكبرى دورًا في تطور ونمو ثقافة وتاريخ وعلوم دار الإسلام. فلقد كانت هذه المنطقة التي تمثل قطب الجناح الإيراني –التركي من دار الإسلام منطلق مدن ومراكز زاهرة للحضارة والعلم[14] هذا وتجمع المصادر على أهمية نصيب مسلمي آسيا الوسطى في إثراء تراث المسلمين في كل مجالات العلوم الأصولية-الفقهية وغيرها وتشهد على ذلك أسماء مثل البخاري والترمذي، النسائي “الحديث” الزمخشري والنسقي “التفسير” التفتازاني والجرجاني “البلاغة وإعجاز القرآن” الفارابي، ابن سينا “الفلسفة” البيروني والسرخسي (الفقه) وأبو زيد البلخي وبنو موسى بن شاكر “في الجبر والهندسة والحساب”[15].
وعلى صعيد العسكري: بعد أن قوى إسلام اتراك آسيا الوسطى زحفوا غربًا وجنوبًا على السلطة في المركز العربي تدريجيًا في وقت تراخت فيه هذه السلطة وقوتها فلقد قامت على أيديهم في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي عدة دول قوية كان من أشهرها دولة سلاجقة الروم (بعد السامانيين والغزنويين في خراسان وبخارى) ثم الدولة التيمورية والعثمانية (في مرحلة تالية من هذا التاريخ)، ولقد كان هذا الزحف في مجموعة ذا تأثير إيجابي على مصلحة الأمة في مجموعها، واضافة إلى القوة الإسلامية في مواجهة مصادر التهديد المسيحية والتي تمثلت في البيزنطيين ثم الصليبيين في هذه المرحلة. كيف[16].
اعتنق الأتراك السلاجقة الإسلام بعد هجرتهم من تركستان إلى بخاري في أواخر القرن الرابع هـ ودخلوا في خدمة الدولة الغزنوية في إيران وأفغانستان والهند ولكن ما لبثوا أن اسقطوها ودخلوا عاصمتها خراسان 1037م. وبذا، تأسست الدولة السلجوقية. ثم أخذت في التوسع بعد ذلك في الأراضي الإسلامية موحدة الممالك المتعددة في غرب آسيا في إمبراطورية واحدة حتى وصلت في منتصف قرن 11م، 5هـ (447هـ- 1055م) إلى مشارف العاصمة العباسية ولقد أظهروا ولاءهم للخليفة العباسي فملَّكهم الأخير على ما ملكوه من بلاد. وعقب نصرة الخليفة على تمرد ضده دعا للخليفة الفاطمي –اعتبر السلاطين السلاجقة أنفسهم ورثة الخلافة العباسية وقدموا لها سندًا قويًا في مرحلة خطيرة شهدت إرهاصات الإعداد للحملات الصليبية من ناحية وفي وقت تراجعت فيه من ناحية أخرى قوة الدولة العباسية عن مركز القوة العالمية الذي سبق ووصلت إليه من قبل في مواجهة البيزنطية والإفرنج في المشرق والمغرب الإسلامي. ولهذا اضحت الدولة السلجوقية مركزًا جديدًا من مراكز الصمود الإسلامي بعد أن عملوا بهمة على استعادة ما فقدته الدولة العباسية وعلى نحو أثر أيضًا على علاقاتها بالقوى الإسلامية الأخرى (الفاطمية) والقوى غير الإسلامية (البيزنطيون ثم الصليبيون) وبعبارة أخرى كان السلاجقة عامل تأثير هام على تفاعلات القوى الإسلامية (العباسية- الفاطمية) وعلى التفاعلات الإسلامية –المسيحية (العباسية- البيزنطية- الصليبية).
بالنسبة لمحور الدولة البيزنطية (الصليبية)، فلقد تزامن أزهى عصورها مع العصر العباسي الثالث المتدهور ولذا انتقلت من الدفاع إلى الهجوم على دار الإسلام ومن ثم استعادت ما كانت فقدته أثناء حركة الفتوح الإسلامية الكبرى في آسيا الصغرى. ولقد جاء توسع السلاجقة في البداية على حساب الممتلكات البيزنطية في آسيا الصغرى والقوقاز (أذربيجان، أرمينيا، بلاد الكرج) ولم تستطع هجمات البيزنطية المضادة القضاء على الدولة السلجوقية حتى كانت موقعة ملاذكرد الشهيرة 1071م التي انتصر فيها السلاجقة انتصارًا باهرًا على البيزنطيين ولم يؤثر هذا الانتصار على علاقات القوى بين الشرق الإسلامي والشرق المسيحي فقط ولكنه أثر أيضًا على علاقات القوى بين الشرق المسيحي والغرب المسيحي فبقدر ما اندفع السلاجقة بعد ذلك في التوسع شمالًا نحو البحر الأسود وجنوبًا نحو البحر المتوسط والشام فإن الغرب المسيحي أدرك أن الدولة البيزنطية لم تعد قادرة على لعب دور حارس البوابة الشرقية للعالم المسيحي ضد التوسع الإسلامي لما كان الغرب المسيحي أما أن يدعم هذا الحارس أو أن يقوم بدوره ومن هنا بدأت فكرة الحروب الصليبية.
هذا، ولقد ساعد الحملات الصليبية عند بدايتها مجموعة الإمارات المسيحية التي تكونت في جنوب آسيا الصغرى (الرها وأنطاكية وطوروس) وسنحت الفرصة لإحياء أرمينيا الكبرى وذلك في المدى الذي لم يمتد إليه توسع السلاجقة والذي تركز في وسط وشمال آسيا الصغرى. وساعد أيضًا على نجاح الصليبيين فقدان السلاجقة لقوتهم قرب نهاية القرن 5هـ، 11م وانقسام دولتهم إلى خمس ممالك متنافسة مستقلة في آسيا الصغرى والأناضول. ومع ذلك لم يستطع البيزنطيون القضاء عليهم نظرًا لما حاق بهم أيضًا من ضعف. وفي نفس الوقت كانت الساحة الأوروبية تشهد مبادرات إعداد الحملات الصليبية الأولى وبذا بدأت دورة جديدة من الصراع الإسلامي/المسيحي وساهم أتراك آسيا السلاجقة بدورهم في إرساء جذوره وفي التصدي لمراحله الأولى ولكن دون قدرة فاعلة على استئصال خطورته منذ البداية. حيث أن السلاجقة بعد انتصارهم على الحملة الأولى توالت هزائمهم أمام الحملات التالية واضحت الأراضي الإسلامية مفتوحة أمام الصليبيين دون مقاومة حقيقية. أما بالنسبة لمحور علاقات القوى الإسلامية وخاصة في مواجهة الفاطميين في مصر، فلقد حمل الدور السلجوقي مضامين سلبية نظرًا لما اقترن به من صراعات وانقسامات حالت دون تجميع قوى السلاجقة والفاطميين في مواجهة البيزنطيين ثم الصليبيين. وظهر ذلك واضحًا على ساحة الشام وجنوب آسيا الصغرى فإذا كان مجئ الفاطميين إلى الشرق قد أوقف حركة الاسترداد البيزنطي نحو الشام عند انطاكية وهي الحركة التي بدأت في ظل ضعف الخلافة العباسية وقبل بداية دور السلاجقة إلا أن بوادر الضعف قد بدأت تدب في أوصال الفاطمية في نفس الوقت الذي انكشف فيه الستار عن دور السلاجقة ضد البيزنطيين وبدلًا من التعاون ضد العدو المشترك القديم وضد الخطر الصليبي الجديد الزاحف اندلع الصراع بين الفاطميين والسلاجقة حول الشام مما أدى إلى تفتيتها وضعف قدرتها على مقاومة الهجمة الصليبية بل أن الفاطميين –انطلاقًا من سوء تقدير لحجم مدى وهدف وطبيعة الزحف الصليبي الجديد- فكروا في التحالف معه ضد السلاجقة لدعم النفوذ الفاطمي في الشام. وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام الصليبيين نحو الشام وبيت المقدس الذي سبق وفاوض الفاطميون الصليبيين على أن يكون لهم وكان هذا التطور في الزحف الصليبي منطلقًا لتغير في الموقف الفاطمي[17].
ومن ناحية ثالثة: لم يحظ بهذا العطاء المتبادل بين أتراك آسيا وعرب المشرق مصدر تهديد إقليمي نابع من الروس. فلم تكن أحوالهم في هذه المرحلة تسمح أن يكونوا مصدر تهديد خطير يقارب أو يشابه الخطر البيزنطي أو الصليبي.
ولقد احتوت المصادر العربية الإسلامية التاريخية (ابن فضلان، المسعودي، ابن بطوطة)[18] وصفًا لحالة الروس الهمجية البربرية الوثنية والتي شاهدها رحالة وسفراء عرب مسلمون من خلال قرن 2هـ، 8م أي اعتناق الروس المسيحية الأرثوذكية بعد اعتناق أحد ملوكهم لها في نهاية قرن 10م[19] ولكن كيف نمط العلاقة مع مسلمي الجوار الآسيوي؟
وحتى بداية قرن 8هـ، 14م أي حتى إسلام المغول الذين حكموا الروس (كما سنرى في المرحلة التالية) لم يكن هناك تفاعلات منتظمة وعميقة بين هذين الطرفين. ومن ثم، لم يكن بعد العامل الإسلامي قد اضحى بُعدًا مؤثرًا على تاريخ هذه المنطقة من دار الإسلام.
ولكن من ناحية أخرى، ومنذ اعتناق المسيحية أضحت روسيا تمثل جناح أوروبا الشرقي- مثلما كانت أسبانيا تمثل جناحها الغربي- المتاخمين لدار الإسلام المعادي ولقد صاغت كتب التاريخ الروسية والسوفيتية صورة محددة للدور الروسي منذ ذلك الحين (كوريث لدور الإمبراطورية البيزنطية) وهو أن روسيا قد ضحت بنفسها لتنقذ أوروبا. فتلك الأخيرة استطاعت أن تبني حضارتها تحت حماية الروس لها من خطر الإسلام “والبرابرة الآسيويين” في حين اضطرت موسكو –وفقًا لهذه المصادر التاريخية أيضًا- أن تسلك طريق الاستبداد والتسلطية والوحشية لتؤدي هذه المهمة. وتتعرض هذه الصورة لانتقادات بعض المصادر الغربية أيضًا على أساس أن الحقيقة كانت مخالفة. لأنه حين بدأ الروس الاتصال بأسيا في القرن التاسع م كان الإسلام قد دخل إلى شمال القوقاز ومملكة البلغار (حوض الفولجا) وتركستان (لما وراء النهر) جميعها بجنوب شرق القوقاز، وكان الروس هم البرابرة وليس المسلمون الذين كونوا مجتمعات حضرية متقدمة وذات مستويات مرتفعة من التطور السياسي والحضاري في هذه المرحلة. ومن ثم وفي بداية القرن 10م كانت الحدود بين “الحضارة” وبين البربرية هي تقريبًا الحدود الفاصلة بين الشعب الأوروبي السلافي (الروس) وبين مناطق المسلمين ولقد كان الروس في نظر المسلمين خطرة بدائية متوحشة ولقد ذاقوا بعض هذه الخطورة حين هجم الروس في منصف قرن 10 وعلى القوقاز المسلمة ودمروا مدنها الزاهرة. هذا ولقد تبني العرب –بعد أن وصلوا بفتوحهم إلى المدى الذي ظل يمثل لآلاف السنين حدود دار الإسلام في مواجهة الغرب –تبنوا استراتيجية تستهدف التصدي للتهديد من الشمال وذلك باستخدام عدة أدوات مثل إقامة رؤوس حربة عسكرية في أراضي العدو لتكون نقاط ارتكاز لنشر الإسلام، تشجيع التجار ومساندة الدعاة الصوفية، وأخيرًا دور الدول القوية التي أسسها الأتراك المسلمون الذين وفدوا في هجرات كثيفة نحو الغرب في القرنين 10-12م. هذا، ولم يكن الروس مصدر التهديد الوحيد للمسلمين وللسيادة العربية في المنطقة خلال القرون الهجرية الستة الأولى. فكان هناك تحدي الأتراك الخرز وهم يهود أقاموا دولتهم في شمال القوقاز واستمرت ثلاثة قرون تحول دون اختراق الفتح العربي لصفوفهم بل ويهددون الوجود العربي المسلم في جنوب شرق بحر قزوين. ولقد دمر الروس من “كييف” دولة الخزر 965م وحتى اختفت تمامًا في 1030م ثم بدأ بعد ذلك خلال القرنين 11، 12م درجة من التوازن الثقافي السياسي بين ورث الخزر وبين الروس من بعد أخذهم عن تقاليد البيزنطية وبالمثل فإلى جانب الحملات والحملات المضادة العسكرية بين الروس والأتراك المسلمين أخذت تنمو تبادلات دبلوماسية وثقافية. وأخيرًا كان تهديد المغول أكثر التهديدات خطورة للإسلام في آسيا كما كان نقطة تحول خطيرة في تاريخ المنطقة والعالم الإسلامي انتقلت معه وبعده إلى نمط مختلف من التفاعلات[20].

ثانيًا: المرحلة الثانية

العصر المغولي[21] آسيا الوسطى والقوقاز والفولجا والقرم بين الروس والعرب والفرس وبين إيلخانات المغول قبل وبعد إسلامهم.
بدأت هذه المرحلة مع أكثر مصادر التهديد الوثني خطورة على العالم الإسلامي برمته وجاء هذا الخطر من تخوم العالم الإسلامي الغربية في بداية القرن السابع هـ وامتد العصر المغولي إلى ما يقرب من القرون الثلاثة (7، 8، 9هـ- 13، 14، 15م) ومن ثم تنتهي هذه المرحلة مع بداية مصدر التهديد المسيحي القادم من تخوم العالم الإسلامي الشمالية وهو الروس وخلال هذه القرون الثلاثة قدمت التفاعلات بين الروس (وبين الغرب المسيحي بصفة عامة) من ناحية وبين المغول الوثنيين من ناحية أخرى وبين مراكز القوة الإسلامية الكبرى في هذه المرحلة (المملوكية والعثمانية) من ناحية ثالثة، قدمت أنماطًا واضحة من التفاعلات المتداخلة[22] والتي تبين حركية ودرجة عمق ومحورية تأثير أحداث هذه المنطقة على التفاعلات الدولية في مجموعها وعلى تفاعلات الأنساق الفرعية الإسلامية-المسيحية، والإسلامية- الإسلامية المختلفة، وهي السمات التي فقدتها المنطقة بعد ذلك منذ نهاية القرن 10هـ، 16م.
1- والعامل المؤثر الأساسي في تفاعلات هذه المرحلة هم المغول ومن الضروري فهم هذا العامل في حد ذاته حتى يمكن تقدير تأثيراته وهذا الفهم ضروري حتى يمكن –كما يقول بعض مؤرخي التاريخ الإسلامي[23]– إزالة كثير من الغموض والنقص بل والقصور والتجاهل الذي أحاط بالتأثير المغولي حيث اقتصر الأمر على مجرد الاهتمام بالحديث عن الأثر المدمر الحضاري فما هي إذن طبيعة هذا العامل وكيف تطور.
– حقيقة جاء المغول الوثنيون من خارج دار الإسلام واجتاحوا آسيا الوسطى والقوقاز وإيران وروسيا وشرق أوروبا إلا أنهم وبعد ما يقرب من نصف القرن من بداية تحركهم (1219م) من أقصى شرق آسيا أي بعد توقف زحفهم عند القلب الإسلامي استقروا وأسلموا –على مراحل- وامتزجوا بأهل هذه المناطق مما كان له الأثر على حضارتها وثقافتها من ناحية وعلى موازين القوى والعلاقات فيما بين كياناتها السياسية وبينها وبين الأطراف المجاورة بل أن المرحلة التي خضع فيها الروس لحكم المسلمين مباشرة هي مرحلة حكم التتار (المغول) المسلمين لبلاد الروس لمدة تزيد عن القرنين، هذا ويجدر الإشارة إلى أن هذا التأثير قد تحقق من خلال عدة أطراف مغولية وعبر موجتين: الموجة الأولى خلال القرن السابع الهجري، فبعد الهجمة الأولى بنصف قرن انقسمت الامبراطورية العظمى التي كونها جنكيز خان إلى أربعة ممالك. مغول إيران (الإيلخانيون)، مغول القبيلة الذهبية في الشمال والتي تركزت في حوض الفولجا جنوب روسيا، مغول آسيا الوسطى (مملكة جغطاي) ثم أخيرًا مغول الصين في أقصى الشرق، ويهمنا بصفة خاصة أمر الممالك الثلاثة الأول فلقد لعب كل منهم دوره في العلاقات المملوكية-المغولية، والمملوكية الصليبية في الشام أو المملوكية الأفرنجية والمغولية الروسية ولقد تباين تأثير كل من هذه الأطراف المغولية الثلاثة على هذه العلاقات نظرًا لطبيعة العلائق فيما بينهم وبدون الدخول في تفاصيل تطور انتشار الإسلام بين هذه الاجنحة الثلاثة. وهو الأمر الذي لم يكن هينًا أو سهلًا أو سريعًا أو متطور العلائق بينهم يكفي الإشارة إلى الأمور الثلاثة التالية: أولها سبقت القبيلة الذهبية المملكتين الأخيرتين في الدخول إلى الإسلام، وكان ذلك في العقد الأول والنصف الثاني من القرن 7هـ، 13م. وتلاها إيلخانية فارس في العقد الأخير من هذا القرن، ثانيهما: كانت القبيلة الذهبية هي التي حكمت الروس لمدة قرنين كما كانت حليفًا قويًا للماليك ضد الصليبيين وضد مغول فارس، وثالثهما: كانت القوى المغولية الثلاثة متعادية وتتنازع على حدود الأقاليم بينهم كما تبنت سياسات خارجية متنافسة أثرت في أنماط تفاعلاتهم مع المماليك والقوى المسيحية كما سنرى. ولقد انقسمت القبيلة الذهبية والإيلخانية في فارس إلى إمارات متعددة ومتنافسة خلال قرن 8هـ، 14م.
– أما الموجة الثانية: فلقد كان مبعثها آسيا الوسطى التي كان مغولوها الأخيرين في الدخول للإسلام. فلقد كانت موطن تيمورلنك المغولي المسلم الذي بدأ اجتياح العالم الإسلامي مرة أخرى بعد ما يزيد عن القرن ونصف من الموجة الأولى، لقد أعاد توحيد ممالك المغول بعد تفككها لفترة قصيرة حيث سرعان ما تفككت إمبراطوريته بعد موته في أوائل القرن الخامس عشر ميلاديا الثامن هجريا، وبقدر ما كان للزحفة المغولية آثارها العميقة المباشرة وطويلة الأجل بقدر ما كن أيضًا للزحفة المغولية الثانية أثارها أيضًا على توازن القوى الإسلامية، وعلى العلاقات الإسلامية- المسيحية وخاصة على مصير روسيا وبداية تخلصها من الحكم الإسلامي التتري.

2- ومن الممكن تقسيم أنماط التفاعلات تحت تأثير العامل المغولي في موجتيه إلى مجموعتين من الأنماط:

1- المجموعة الأولى:

تتصل بمستويين لتأثير المغول الأثر المباشر على علاقات القوى الإسلامية –الإسلامية وعلى علاقات القوى الإسلامية-المسيحية (غير الروسية) وذلك من خلال أنماط تفاعل ممالك المغول مع القوى الإسلامية والمسيحية على حد سواء، كما تتصل بأثر المغول غير المباشر طويل الأجل على التوازن العام بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.
– ونبدأ بالأثر طويل الأجل: فهو يتصل بأثار الهجمة المغولية على وزن الحضارة الإسلامية (لما لحق بها من دمار) بالمقارنة بوزن الحضارة الغربية التي انبعثت وسادت بعد ذلك وبالرغم من أن معظم التحليلات الغربية التي تصدت لدراسة هذه الأثار قد أجمعت على شدة وقعها المدمر على مستقبل المنطقة وتكوينها إلا أنها اختلفت حول تكييف درجة سلبية أو إيجابية هذا الأثر بالنسبة للقدرات الإسلامية في مواجهة الغرب المسيحي في القرون التالية على الهجمة ففي حين يرى البعض أن غزو المغول هو المسئول عن تدهور الحضارة الإسلامية بالمقارنة بالحضارة الغربية حيث أن المسلمين لم ينهضوا بعده أبدًا بسبب انهيار الرخاء الاقتصادي وبسبب الجمود والشلل الفكري وانتهاء الإبداع فإن هناك اتجاه آخر يبين أن أثر المغول ليس العامل الوحيد والحاسم المجمع على تأثيره على تدهور المسلمين. وكانت أراء المستشرق الروسي ف. بارتولد هي نواة هذا الاتجاه الثاني. ويرفض هذا الاتجاه المبالغة في الأضرار التي لحقت بالعالم الإسلامي من جراء الغزو المغولي على أساس أن الخلافة العباسية كانت قد تدهورت من قبله بفترة كافية، وعلى أساس أن المغول قد اعتنقوا الإسلام ومن ثم أضحوا –باعتبارهم ثاني أضخم هجرة بعد الأتراك –بمثابة عنصر تقوية وليس عنصر إضعاف للقوة السياسية والعسكرية للإسلام وخاصة على ضوء الجهود التي بذلها المغول- بعد إسلامهم واستقرارهم لانهاض حياة المدن من جديد.
– أما عن الآثار المباشرة للموجة الأولى فهي تتصل بمجموعة من التفاعلات بين المماليك مركز القوة الإسلامية في المشرق منذ منتصف القرن 7هـ وبين القبيلة الذهبية وبين مغول فارس وبين الصليبيين في الشام وهي تفاعلات متداخلة مثلت معضلة هامة في العلاقات الدولية تحت هذه المرحلة فخلال العقود الأخيرة للقرن 7هـ، 13م تداخلت بقوة الحروب المملوكية المغولية، والمملوكية الصليبية وكذلك تداخلت شبكة التحالفات التي قام بها طرف إسلامي (المماليك) مع أطراف إسلامية (القبيلة الذهبية) أو غير إسلامية (البيزنطيون وبعض ممالك المتوسط الأفرنجي) في مواجهة طرف وثني (مغول فارس) أو مسيحي (صليبيو إمارات الشام) وذلك خدمة لأصل الجهاد. وليس هنا بالطبع مجال الدخول في تفاصيل مبررات هذه التحالفات والتحالفات المضادة وتطوراتها ولكن يكفي الإشارة إلى الملاحظات التالية: أولًا: كان مغول فارس (الدولة الإيلخانية) بمثابة العدو الرئيسي للمماليك واستمر الصدام بينهم وتكرر حتى بعد اعتناقهم الإسلام. هذا ولقد تحالفوا منذ هولاكو مع الصليبيين في الشام وبعض المماليك الأفرنجية ومملكتي أرمينيا والكرج المسيحيتين في جنوب آسيا الصغرى ضد المماليك. وإذا كان العالم المسيحي قد بدا مستعدًا لأن يغض الطرف عن جرائم المغول ضد ابناء دينهم من الروس طالما أن التعاون معهم سيؤدي إلى تدمير ما بقي من قوة الإسلام، فلقد تصوروا أيضًا أنه يمكن تحويل المغول إلى الديانة المسيحية ومن ثم كسبهم إلى جانب المعسكر الصليبي لكسر شوكة الإسلام ولحماية الإمارات الصليبية الباقية في الشام. ولقد استمر هذا التحالف المشترك ضد مصر المملوكية طوال النصف الثاني من قرن 7هـ حتى أتمت مصر تصفية الإمارات الصليبية في الشام، وحتى دخول مغول فارس الإسلام في 1295م. فمنذ ذلك الحين دخلت العلاقات المملوكية المغولية (الإيلخانية) مرحلة هدوء نسبي وحتى تم التصالح في بداية الربع الثاني من القرن 14م انتهى الخطر مع تفكك الدولة الإيلخانية في الربع الثاني من هذا القرن.
ثانيًا: على عكس مغول فارس رأت القبيلة الذهبية أن آمالهم ومصالحهم تتحقق بالتحالف مع المماليك وفي نفس الوقت كان هذا التحالف –بالنسبة للمماليك- أساسًا من أسس مواجهة التحالف الصليبي مع مغول فارس أعداء القبيلة الذهبية ولقد تمكنت هذه السياسة المملوكية من تحقيق أهدافها وساعد عليها منذ البداية سرعة دخول القبيلة الذهبية في الإسلام. كما ساعد عليها طبيعة العلاقة بين الأطراف المغولية، وطبيعة العلاقة بين الصليبيين والمغول، وطبيعة العلاقة بين الصليبيين والمماليك الأوروبية، فإلى جانب العداء من القبيلة الذهبية ومغول فارس كان دخول الأخيرين الإسلام ضربة للمخطط الصليبي لحصار المسلمين بين أوروبا وآسيا المسيحيتين ولقد تعددت التفسيرات الاستشراقية لأسباب تحول مغول فارس إلى الإسلام. ولكن كان أكثرها شيوعًا هو أن نجاح المماليك ضد الصليبيين ودعم تحالفهم مع القبيلة الذهبية هو الذي دفع مغول فارس لتغيير حساباتهم والتحول نحو الإسلام. هذا ولقد أخذ التحالف المملوكي مع القبيلة الذهبية يفقد أهميته تدريجيًا منذ بداية الربع الثاني من القرن 8هـ، 14م مع التدهور في الدولة الإيلخانية،مع ظهور العثمانيين وبداية سيطرتهم على الطرق التجارية بين القبيلة وبين الدولة البيزنطية ولقد أدى هذا الظهور إلى إعادة توجه القبيلة نحو الشمال والشرق أي نحو إمارة موسكو (كما سنرى) وفي نفس الوقت انشغل المماليك بأعداء جدد (الحصار الصليبي البحري على مصر خلال قرن 14، 15م) وكانت مواجهتهم تحتاج إلى أنماط جديدة من التفاعلات ومن الحلفاء.
– هذا ولقد كان للموجة الثانية من الهجمة المغولية مع تيمورلنك أثارها المباشر أيضًا على التفاعلات الإسلامية- الإسلامية والتفاعلات الإسلامية-المسيحية فمن ناحية: استطاع تيمور لنك أن يعيد الوحدة في إمبراطورية المغول الكبرى وذلك بعد إتمام السيطرة على آسيا الوسطى وتوحيد إماراتها (782هـ- 788هـ) وبعد القضاء على الدولة الإيلخانية في فارس (1385م- 1386م) وسقوط بغداد (795هـ- 1393م) وبعد هزيمة القبيلة الذهبية 1380م وهي المتداعية منذ 1359م كما اتم السيطرة على الهند 1399م (800هـ- 801هـ) وبذا لم يبقَ أمامه في قلب العالم الإسلامي إلا العثمانيون والمماليك. ويقدم صدامه مع هاتين القوتين نموذجًا على أنماط التفاعل التنافسية بين مراكز قوة إسلامية ثلاثة: مغولية، تركية عثمانية وتركية مملوكية وبدون الدخول في تفاصيلها يكفي القول أن كلا من القوتين العثمانية والمملوكية قد اندحرت أمام تيمورلنك ولم تسعَ الدولتان إلى التعاون في مواجهته ويرجع ذلك إلى داية جذور العلاقة التنافسية بينهما والتي انفجرت بعد ذلك في عداء صريح ولقد استفاد تيمورلنك من هذا التنافس ليتجنب خطورة الصدام مع القوتين في آن واحد ولذا وبعد أن وجه تيمورلنك ضربته للمماليك في الشام اتجه نحو آسيا الصغرى ووجه ضربته القاصمة للسلطان العثماني بايزيد الثاني في معركة انقرة 802هـ- 1402م وذلك في وقت حاسم وحرج من عملية إتمام السيطرة العثمانية على الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى (ورثة السلاجقة) ومن فتوحهم في أوروبا (معركة نيكوبوليس 1396م).
ومن ناحية أخرى: كان لهجمة تيمورلنك وما ارتبط بها من تفاعلات ومدلولات بالنسبة لعلاقات القوى المسيحية الإسلامية على مستويين أحدهما مباشرة يبرز مرة أخرى مدى حرص القوى المسيحية على التحالف مع أطراف مغولية –ولو مسلمة هذه المرة- والتي تهدد قوى قلب من العام الإسلامي التي تخوض كل منها زمام المواجهة مع العالم المسيحي. فلقد أشارت بعض المصادر التاريخية إلى مراسلات إمبراطور القسطنطينية وملك أسبانيا وملك بريطانيا مع تيمورلنك تحرضه على العثمانيين وتعرض عليه المساعدة أو تهنئه بانتصار انقرة. ومع ذلك فلم يتضح في أي مصدر تاريخي ما يدل على قيام أي نوع من التحالف بين تيمورلنك وبين أي من هذه القوى –خاصة البيزنطية- التي كانت حريصة على إجهاض قوة العثمانيين. لماذا لم يحدث هذا التحالف؟ سؤال يطرح نفسه ولا يقل عنه أهمية سؤال آخر: ماذا كان سيحدث في حالة تحالف تيمورلنك المسلم مع المماليك والعثمانين في مواجهة القوى المسيحية؟ سؤال يمكن أن يلقي الضوء على احتمالاته بالنظر إلى المستوى الثاني من آثار هجمة تيمورلنك على علاقات القوى المسيحية الإسلامية وهي الآثار طويلة الأجل غير المباشرة. فمن ناحية كان للهجمة آثار اقتصادية سلبية على القوة المملوكية حيث كان انهاك موارد الشام ومصر بداية مسلسل الضعف الاقتصادي المملوكي الذي تجسد بعد ذلك في نهاية قرن 15م، 9هـ ظل آثار ما سمي “حركة الكشوف الجغرافية” وهي الكشوف التي اندفعت إليها أوروبا لتستبدل طريق التجارة الدولية الذي سيطر عليه المماليك واحتكروه عند ازدياد أهميته عقب التوتر الذي أصاب الطريق البرى عبر آسيا من جراء حروب تيمورلنك، ومن ناحية أخرى: ادى الصدام العثماني مع تيمورلنك إلى آثار وخيمة على القوة العثمانية على نحو لم يؤد فقط إلى تأخر نمو هذه القوة بل دمر عناصرها الأساسية في وقت حاسم من الفتوح العثمانية في أوروبا مما أوقف موجة جديدة من هذه الفتوح ولمدة تزيد عن النصف قرن تقريبًا استغرقها العثمانيون في عملية إعادة بناء دولتهم ومن ناحية ثالثة: كان للهجمة آثارها أيضًا بالنسبة لمصير روسيا وهذا يقودنا إلى الجزئية التالية.

ب- المجموعة الثانية:

من أنماط التفاعل محورها روسيا، وهي تنقسم بدورها إلى مستويين:
من ناحية: هناك الأنماط المتصلة بالآثار المباشرة للموجتين المغوليتين في قرن 7هـ ونهاية 8هـ فلقد ادمج المغول روسيا وآسيا الوسطى وفارس وشرق أوروبا والأناضول إلى ممالك أربع كانت روسيا ضمن مملكة القبيلة الذهبية وهي التي غزت أراضيها الروس (632هـ- 635هـ) ومع دخول هذه القبيلة للإسلام –كما سبق ورأينا- حكم المسلمون المغول الإمارات المسيحية الروسية في المساحة الممتدة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود ومن شبه جزيرة القرم وعلى طول حوض الفولجا. وإذا كان خطر مغول فارس والتحالف مع المماليك قد شغل موجة القبيلة الذهبية نحو الغرب والجنوب فإن تغير التحالفات –مع نهاية قرن 13م- كما رأينا أعادت التوجه نحو الشمال والشرق مرة أخرى وخاصة نحو إمارة موسكو التي شهدت منذ بداية قرن 14م (بداية صحوتها التي تجسدت نتائجها بعد قرنين تقريبًا) لقد اقترنت هذه الصحوة ببداية التفكك والضعف الذي أخذ يدب في أوصال القبيلة الذهبية وكان قضاء تيمورلنك على دولتهم في نهاية قرن 14م اندلاع التنافس بين الإمارات التي انقسمت بينها من أهم العوامل التي ساعدت على نهاية الحكم المغولي الإسلامي لروسيا في نهاية القرن 15م، وهذه الإمارات أو الخانات كانت ثلاثًا أساسًا وهي القرم وقازان وأستراخان ولقد لعبت إمارة موسكو المسيحية (التي تدفع الجزية) دورًا هامًا في لعبة التحالفات والتحالفات المضادة التي قامت بين هذه الإمارات المتنازعة على النفوذ. فلقد أخذت خلال قرن 9هـ، 15م تضرب خانات المغول الثلاثة بعضهم ببعض حيث كان بعضهم يلجأ للروس في مواجهة الآخر. ولكن ونظرًا للنزاعات بين القوى الأوروبية الثلاثة الكبرى في شرق أوروبا في هذه المرحلة-لتوانيا-وبولندا وروسيا- فظل الخطر الذي يحيق بخانات المغول محدودًا حتى تمكنت روسيا القيصرية من التفوق والإعلان عن التبدل الجذري في الأدوار المهيمنة على المنطقة في نهاية القرن 15م. هذا ويحيط بهذه المرحلة من التاريخ الروسي أهمية خاصة نظرًا للتأثير المغولي فلقد أرجع معظم المؤرخين الروس إلى هذا التأثير المغولي حالة التخلف الثقافي الروسي وسمات الدكتاتورية وعدم المساواة في الحياة السياسية الروسية. ولكن ترى مصادر أخرى[24] حديثة أن التأثير المغولي يكمن في موضع آخر وهو: احترام الروس العميق للتفوق السياسي للتتار مما ولد في المقابل عقدة نقص ممتدة الأثر حتى الآن يرجع إليها الطابع الفريد للعلاقات الروسية –المسلمة كما يرجع إليها كره الروس للمسلمين بصفة عامة وللتتار –الترك المسلمين بصفة خاصة.
ومن ناحية أخرى: هناك مستوى التفاعلات التي تداخلت فيها الأدوار العثمانية. فلقد تزامن قرنًا الحكم المغولي المسلم للروس مع مرحلة نشأة إمارة عثمان وتوسعها الإقليمي في الأناضول وفي شرق أوروبا. وكان لسقوط القسطنطينية من ناحية ثم توسع الدولة العثمانية نحو القرم من ناحية أخرى انعكاساتها على العلاقات مع روسيا، فلقد أحدث سقوط معقل الارثوذكسية المسيحية 1458م أصداء بعيدة المدى لدى إمارة موسكو النامية ووقع في روع الروس أنهم أصحاب التراث البيزنطي والثقافي ولذا يجب عليهم الدفاع عن العقيدة الارثوذكسية ضد الإسلام ومن جانب آخر اتجه محمد الفاتح شرقًا وشمالًا نحو البحر الأسود حيث اصطدم مع خانات القرم 1474م حتى دخلت هذه المنطقة دائرة النفوذ العثماني ولقد أدى التوسع العثماني على حساب ورثة القبيلة الذهبية إلى تضييق المسافة بين مناطق الاحتكاك مع الروس وهي المسافة التي ضاقت أكبر بعد ذلك مع تطور التوسع الروسي نحو الجنوب ونحو الشرق على حساب إمارات قازان وأستراخان والقرم منذ منتصف القرن 16م. هذا ولقد اتسمت العلاقات العثمانية الروسية بأنها علاقات سلمية ودية بعد تخلص الروس من حكم التتار المسلمين 1480م ولا يمكن رصد نمط التدخل العثماني في التفاعلات الروسية مع الخانات المغولية الثلاثة في هذه المرحلة وهو الأمر الذي تغير بعد ذلك حين تبلور الصدام العثماني-الروسي حول هذه الإمارات والقوقاز.

ثالثًا: المرحلة الثالثة

آسيا الوسطى والقوقاز والفولجا والقرم، بداية العزلة وانعدام المبادرة: بين تطور التوسع الروسي القيصري وبين توازنات القوى الروسية-الأوروبية وتوازنات القوى العثمانية –الصفوية (القاجارية).
تمتد هذه المرحلة أربعة قرون (16، 17، 18، 19م) وهي المرحلة التي شهدت توسعًا روسيا تدريجيًا حتى تم احتلال أراضي مسلمي آسيا.
ولقد تشكلت تفاعلات هذه المرحلة –ومنطلقها كما سنرى هو الطرف الروسي الذي أخذ زمام المبادرة والحركة- تحت تأثير شبكة معقدة ومتداخلة من التوازنات الإقليمية والعالمية وهي التوازنات بين القوى الإسلامية الكبرى المجاورة (غير العربية) والتوازنات بينهم وبين القوى الأوروبية –بما فيها روسيا- المتنافسة على استعمار العالم الإسلامي منذ بداية الهجمة الأوروبية الحديثة عليه منذ نهاية قرن 15م، والتوازنات بين روسيا –كدولة أوروبية حديثة- وبين القوى الأوروبية الكبرى المناوئة للتوجه الروسي للتوسع نحو شرق أوروبا بل ووسط آسيا أيضًا. ولقد ساهمت هذه المحددات في تشكيل مجموعة من أنماط التفاعلات عبر ثلاثة مراحل فرعية تطور خلالها التوسع الروسي القيصري على حساب الانساق الفرعية الثلاثة لمسلمي وسط آسيا وغيرها، ويوضع هذا التطور كيف أضحت روسيا –وعلى عكس المرحلتين السابقتين- عامل تأثير مباشر وعميق على العلاقات بين هذه الأنساق الفرعية وبين مراكز القوى الأخرى في العالم الإسلامي. كما تبين كيف أضحت روسيا عاملًا مؤثرًا وخطيرًا في عملية استنزاف قوى هذه المراكز (العثمانية، الصفوية) الذين بادروا أيضًا بتوسعاتهم نحو هذه الأنساق.
وفيما يلي بعض التفصيل حول أهم أنماط التفاعلات ومحدداتها خلال هذه المراحل الثلاث[25].
أولًا: التوسع الروسي على حساب ورثة القبيلة الذهبية (1552م- 1605م) في ظل مراقبة عثمانية وعجز الأوزبك والتحالف مع الصفويين:
1- بعد تحرير إمارة موسكو من حكم التتار المسلمين في 1480م على يد ايفان الثالث بدأت بعدما يقرب من النصف قرن –من نموها وتدعيم قوتها- التوسع شرقًا وجنوبًا على حساب الإمارات التتارية المسلمة المجاورة في الفولجا والاورال والقرم وقاد هذا التوسع في البداية ايفان “الرهيب” حفيد إيفان الثالث. ولقد جسد فكرة الترابط العضوي بين الدين والدولة، وبين المسيحية الأرثوذكسية وبين القومية الروسية. ولذا سعى إلى توسيع مجال المسيحية الأرثوذكسية الروسية ولقد استولى على قازان 1552 وعلى استراخان 1557 ولم يبق إلا القرم وفي حين تذكر العديد من المصادر العربية وأن حرب الإبادة ضد التتار المسلمين ووضعهم أمام خياري الهجرة أو التنصير قد بدأت مع ايفان الرهيب إلا أن بعض المصادر الغربية[26] أشارت إلى روح التسامح الديني التي طبقها ايفان في أراضي المسلمين التي احتلها. ويعتبر هذا المصدر أن هذه الظاهرة فريدة في هذه المرحلة وفي تاريخ روسيا القيصرية بعد ذلك ولم تتكرر إلا مع كاترين الثانية فمع استمرار التوسع الروسي حتى نهاية 16م شرقًا في شمال بحر قزوين وفي وسط وأدني حوض الفولجا وفي غرب سيبيريا ثم جنوبًا في شمال القوقاز (الداغستان) أضحى المسلمون رعايا من الدرجة الثانية. ومن ثم كانت هذه بداية ظهور مشكلة “القوميات في روسيا القيصرية ثم السوفيتية” وهي المشكلة التي لم يمكن حلها طوال ما يزيد عن القرون الثلاثة سواء بتصفية المسلمين أو طردهم من أراضيهم (كما حدث في الأندلس) ولقد أدى التوسع الروسي في هذه المناطق جنوب وشرق روسيا –إلى فقدانها نهائيًا كجزء من دار الإسلام، ولذا كانت –بعد سقوط الأندلس (الذي تزامنت آخر خطواته (سقوط غرناطة) مع بداية إمارة موسكو المستقلة) ثاني أخطر تراجع للإسلام واستقطاع من أراضيه مؤشرًا على بداية الزحف الأوروبي المسيحي المنظم على العالم الإسلامي.
2- إذن كيف كان رد فعل القوى الإسلامية الفاعلة المجاورة؟ هنا نميز محورين العثماني-القومي، الإيراني-الأوزبكي.
فمن ناحية وفقًا لمصادر غربية[27] ذات تفسيرات خاصة (تحتاج المناقشة) فإن مقاومة المسلمين للتوسع الروسي في بدايته –لم تأخذ طابع الجهاد أو “الحرب المقدسة” ضد المسيحيين حيث أن جيران موسكو لم يروا في ايفان الرهيب إلا واحدًا منهم أي “خان ابيض” وريث الأمبراطورية المغولية ومن ثم فإن تحركه شرقًا كان في نظرهم بمثابة توحيد لهذا الجزء العربي من الإمبراطورية ولذا فإن حكام آسيا الوسطى من الأوزبك الشيبانين (الذين فشلوا في توحيد آسيا الوسطى في نهاية 16م في دولة واحدة) لم يولوا –مع العثمانيين- إلا اهتمامًا ضئيلًا فقط خان القرم حاول مقاومة هذا التوسع خوفًا من اختلال توازن القوى الذي كان دائمًا لصالح التتار المسلمين حتى نهاية القرن 15م. وأن كان قد فشل في انقاذ قازان استراخان إلا أنه نجح في رد الهجوم الروسي على القرم ذاتها 1584م وذلك بمساعدة المحميات العثمانية في كييف وأزوف. وهي الحاميات التي قامت منذ امتداد النفوذ العثماني إلى هذه المنطقة في عهد محمد الفاتح –كما سبقت الإشارة.
ولكن ما أن تدعم التقدم الروسي جنوبًا نحو شمال القوقاز عند نهاية القرن 16م إلا وبدأ العثمانيون يشعرون مع تتار القرم بخطورة الوضع واستطاع العثمانيون بالتحالف مع خان القرم وحاكم الداغستان أن يتصدوا للتوسع الروسي نحو القوقاز وأن لم يحولوا دون تدعيم أركان التوسع السابق في الفولجا وعبر سيبيريا وفي شمال القوقاز. وهو التدعيم الذي انطلق منه بعد ذلك التوسع الروسي في القوقاز خلال القرن 19م. ومع ذلك فلقد اهتم العثمانيون وتتار القرم بتدعيم نشر الإسلام في شمال القوقاز وهو الأمر الذي حقق نجاحًا كبيرًا بحيث اضحى شمال القوقاز قاعدة في مقاومة التوسع الروسي بعد ذلك خلال قرن 19.
وهنا لابد أن يطرح التساؤل التالي: إذا كان العثمانيون قد استطاعوا بالاتجاه جنوبًا نحو المنطقة العربية في بداية 10هـ، 16م ثم بتدعيم نفوذهم فيها ونشره حتى بداية النصف الثاني من نفس القرن –إذا كانوا قد استطاعوا بهذا التوسع حماية المنطقة من خطر الالتفاف البرتغالي من الجنوب وخطر الهجوم الأسباني من الشمال فلماذا لم يتجه العثمانيون شرقًا وشمالًا ولحماية الإمارات المسلمة ورثة القبيلة الذهبية في نهاية القرن 165م أي بعد أن كان قد تدعم وانتشر النفوذ العثماني على العرب؟
يرى أحد كبار المؤرخين الأتراك[28] أن العثمانيين حين دخلوا في علاقات دبلوماسية وتجارية مع موسكو (1492م- 1496م) وحين ساندوا تحالف موسكو والقرم ضد إثارة القبائل العظمى (التي انتهت في بداية 16م، وحين استجاب السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني لطلب الروس بأن يحول العثمانيون دون هجوم القرم عليهم، أن العثمانيين بفعلهم هذا كله طوال القرن 16م (خلال انشغالهم مع العرب وحوض المتوسط) إنما ساهموا في ظهور موسكو وحين اكتشفوا خطورتها على مصالحهم حول البحر الأسود والقوقاز كان الأوان قد فات. فلقد بدأت منذ منتصف القرن 16م عدة أوضاع حالت دون تركيز العثمانيين على الخطر الروسي النامي وهي مشاكل الصراع العثماني الأسباني في حوض المتوسط والذي حسمته معركة ليبانتو 1571م، باستنزاف القوى في الصراع الصفوي الذي تفجر بقوة، ناهيك عن بداية المشاكل الداخلية بعد انتهاء عصر السلاطين العظام ولذا ترك العثمانيون مهمة التصدي للتوسع الروسي إلى إمارة القرم أساسًا، وهذه لم تكن تخشى من الروس فقط ولكن كانت تخشى أيضًا من تدعيم النفوذ العثماني وتمركز قواتها على أراضيها.
ومن ناحية أخرى: فإن الدور الإيراني ظهر فيما يتصل بالقوقاز وآسيا الوسطى، فكانت القوقاز هي الحد الفاصل بين ورثة القبيلة الذهبية وبين إيلخانات فارس ومن ثم ساحة الصراع بينهما ومع انهيار دولة إيلخانات فارس في نهاية القرن 14م انقسمت إلى إمارات صغيرة ضعيفة –كما سبق وأشرنا- ودخلت هذه المنطقة دائرة الصراع العثماني الصفوي حيث تناوب الصفويون والعثمانيون السيطرة على أرجاء متفرقة منها حتى اقترب الروس من شمالها.
ولقد استطاعت الدولة العثمانية أن تمد نفوذها إليها خلال الربع الأخير من القرن 10هـ، 16م، وتزامن ذلك مع بداية مرحلة نمو وازدهار الدولة الصفوية مع الشاه عباس الكبير (1588م- 1627م) الذي أعاد تنظيم الدولة على أسس جديدة حتى تمكن من مواجهة التحديات العثمانية وتحديات الشيبانيين الاوزبك. وبالفعل فلقد استطاع أن يأمن جانب الأوزبك وأن يحيد خطر العثمانيين في البداية وأن يعقد صلحًا معهم يقبل بمقتضاه وضعهم في القوقاز وذلك قبل أن ينتقل إلى مرحلة الهجوم بعد ذلك أي بعد أن تبلورت نتائج إصلاحاته على قوة الدولة.
وفي المقابل ظهر نمط من التحالف الضمني أحيانًا أخرى بين الروس والصفويين ضد اعدائهم المشتركين أي العثمانيين والأوزبك الشيبانيين، ولقد كان لهذا التحالف عاقبة خطيرة مزدوجة الأبعاد بالنسبة لوضع آسيا الوسطى. فمن جانب ادى الوجود الروسي الجديد في شمال بحر قزوين إلى تقسيم العالم السني التركي إلى شقين منفصلين فلقد انقطعت الصلة المباشرة بين ترك الغرب (العثمانيون وتتار القرم) وبين ترك الشرق في آسيا الوسطى بقيادة الشيبانين الأوزبك وكان ذلك بمثابة بداية العزلة السياسية والاقتصادية الكاملة لآسيا الوسطى بعد إغلاق طريق الحرير ومن ثم بدأت مرحلة ممتدة من التدهور في كل المجالات المادية والفكرية والتي مهدت وساعدت على الانقضاض الروسي في القرن 19م ومن جانب آخر نجح الصفويون في توجيه ضربات للازوبك سواء خلال مرحلة نشأة الدولة الصفوية أو خلال مرحلة إعادة بنائها مع الشاة عباس الكبير الذي تصدي لتوسع الشيبانيين الأوزبك غربًا (سيطرتهم على خراسان) (1519- 1592) وقضى على شوكتهم بعد استعادته خراسان وبذا أجهض آخر محاولات توحيد إمارات آسيا الوسطى في دولة واحدة تحت قيادة الأوزبك. وبالنظر إلى تأثير هذين البعدين: الروسي والصفوي أغلق الطريق نهائيًا أمام أي دور إقليمي لفواعل هذه المنطقة وهو الدور الذي لا يتحقق ولا يفرز اثاره –كما اتضح لنا من خبرة الخوارزميين، وكذلك السلاجقة والتيموريين- إلا إذا امتد غربًا وجنوبًا نحو فارس، ومنها إلى قلب العالم الإسلامي أو غربًا وشمالًا نحو آسيا الصغرى وشرق أوروبا.
وهكذا ومنذ نهاية القرن 16م –وبعد أن فشلت توازنات القوى الإسلامية- الإسلامية في حماية أول مجموعة من أراضي مسلمي آسيا من التوسع المسيحي الأوروبي-أضحي وضع آسيا الوسطى هامشيًا في التاريخ العالمي فلم يعد لدويلاتها التي ورثت الشيبانيين القوة الكامنة لإعادة بناء امبراطورية جديدة أو الموارد اللازمة لمقاومة التهديد الروسي.
ثانيًا: جمود التوسع الروسي في أراضي المسلمين: القوقاز مسرحًا للصراع العثماني-الصفوي- الروسي (1605م- 1770م)
توقف التوسع الروسي في آسيا لمدة ما يقرب من القرنين حيث توجهت السياسة الروسية القيصرية نحو التوسع غربًا لفتح نافذة على أوروبا وهو الهدف الذي أُرسيت دعائمه على يد بطرس الأكبر منذ نهاية القرن 17 م وخلال النصف الأول من القرن 18م ومن ثم أضحت روسيا الحديثة أحد أهم أركان التوازنات الأوروبية- الأوروبية خلال القرن 18، 19.
1- وخلال هذه المرحلة تدعم باستمرار وعمق النفوذ الروسي على مسلمي الفولجا والأورال وغرب سيبيريا وتطورت أساليب الروسنة لهذه المناطق (موجات من هجرة الروس للاستقرار في هذه الأراضي لاستيعاب المسلمين وتصفيتهم) فمنذ حكم أول قياصرة آل رومانوف وحتى كاترين الثانية عامل الروس الإسلام بعداء شديد واتخذت إجراءات عديدة لتصفيته كلية في هذه المناطق. وكان عصر بطرس الأكبر وخلفائه خلال النصف الأول من القرن 18م يمثل أسوأ فترات اضطهاد المسلمين والعداء للإسلام وكان من أهم عواقبه تدفق هجرات تتار الفولجا المسلمين نحو وسط آسيا وسيبريا. وفي نفس الوقت حدث تقدم روسي بين الأورال والشواطئ الشمالية لبحر قزوين نحو غابات سيبيريا وذلك على حساب المسلمين الكازاخ. فلقد استعانوا بالروس ضد المغول البوذين ولكن سرعان ما تحولت الحماية إلى احتلال حقيقي ويستمر لشمال وسط آسيا منذ ذلك الوقت.
2- ومن ناحية أخرى: ظلت روسيا تتخذ موقفًا دفاعيًا على طول حدودها الجنوبية في مواجهة تتار القرم والتوسع العثماني نحو أوكرانيا ومن ثم تحاول –حتى عصر كاترين الثانية- الهجوم على شمال القوقاز. ولكن حاولت الوصول دائمًا إلى البحر الأسود مما كرر جولات الصدام مع العثمانيين وتتار القرم حتى اخذت قوتهم في الضعف منذ أواخر القرن 17م، وبذا أخذ الروس زمام المبادرة والهجوم حتى كانت الجولة الفاصلة التي قننتها معاهدة كيتشوك كاينارجي الذي فقدت بمقتضاها القرم نهائيًا كجزء من دار الإسلام. ولكن في نفس الوقت استمر نشر الإسلام وتدعيمه على جبال القوقاز مما ساعد على وقف التقدم الروسي حتى القرن 19.
3- ومن ناحية ثالثة: ظلت القوقاز ساحة للصراع العثماني- الصفوي الروسي دون حسم نهائي حتى القرن 19.
فبعد أن أثمرت إصلاحات الشاه عباس الكبير بنتائجها الإيجابية في دعم القوة الصفوية انتقل من مهادنة العثمانيين إلى مرحلة الهجوم، وتمكن الشاه من استعادة الأراضي التي سبق وسيطر عليها العثمانيون (فيريز) ثم استولى على بغداد للمرة الثانية (1623م- 1638م) ولقد حدثت هذه الجولة من الصراع العثماني الصفوي في وقت خطير من تطورات الجبهة الأوروبية –العثمانية ومن ثم كانت من أهم أسباب استنزاف القوى العثمانية وتعرقل توسعها نحو فينا وبالرغم من استعادة العثمانيين لبغداد- بعد وفاة الشاه عباس الكبير- إلا أنهم تخلوا عن أذربيجان 1639م. ولقد ساد الهدوء الجبهة الصفوية-العثمانية في معظم الأحيان بعد ذلك حتى سقوط الدولة الصفوية وذلك نظرًا للنزاعات الداخلية في هذه الدولة ونظرًا لبداية الانتكاسات العثمانية على الجبهة الأوروبية.
وعلى صعيد آخر امتدت الأطماع الروسية نحو إيران في وقت خطر من ضعف وتدهور الدولة الصفوية قبل سقوطها على يد الأفغان. فبعد أن نجح الشاه عباس في بناء شبكة تفاعلات قوية مع الدول الأوروبية، وبعد أن أحجمت روسيا عن الطمع في أراضيه تزايد الخطر الروسي في بداية القرن 18م وتداخل مع التحرك العثماني. فلقد استغل بطرس الأكبر القلاقل الداخلية وتقدم نحو إيران واستولى على بعض الأراضي التي يسيطر عليها الصفويون (داغستان القوقازية) تحت ادعاء إنقاذ دولهم من الأفغان. هذه الأطماع الروسية المتجددة أدّت إلى تحريك مخاوف العثمانيين ومع استنجاد بعض اقاليم القوقاز اتجهت الدولة العثمانية للعمل على ضم إيران نهائيًا واطاحت الجيوش العثمانية أقاليم فارس الغربية وبذا أضحت منطقة القوقاز ميدانًا مباشرًا للصراع العثماني الروسي ولكن توصل الطرفان إلى اتفاق 1724 لتقسيم شمال وغرب فارس بينهما بحيث اضحت مناطق بحر قزوين من نصيب روسيا وأذربيجان وهمدان وكرمنشاه من نصيب العثمانيين.
ولكن وفي المرحلة الانتقالية بين سقوط الصفوية في يد الأفغان وإعلان القاجارية (1722- 1795) والتي قاد فارس في بدايتها نادرخان استطاع أن ينتصر على الروس وعلى العثمانيين في مناطق احتكاكهم في القوقاز واستطاع استعادة ما فقدته فارس لصالح لطرفين. وذلك في نفس الوقت الذي تصاعد فيه الصراع العثماني- الروسي حول البحر الأسود والذي انتهى بفقدان القرم.
وهكذا ظلت القوقاز ولمدة ما يقرب من القرنين مساحة لصراع لم يحسم نهائيًا لصالح أي من الأطراف الثلاثة المتصارعة وذلك بسبب التداخل الشديد بين طبيعة التوازنات العثمانية-الصفوية والتوازنات العثمانية الروسية، والصفوية الأوروبية.
ثالثًا: القفزة الروسية الكبرى في آسيا: من احتلال القرم إلى إتمام احتلال القوقاز وآسيا الوسطى في ظل الضعف العثماني والمنافسة البريطانية والترقب الإيراني (1774- 1900م).
كانت معاهدة كيتشوك كاينارجي 1774 ذات مغزى كبير بالنسبة للتحول في ميزان القوى العثمانية الأوروبية بصفة عامة والعثمانية –الروسية بصفة خاصة، فلقد كانت أول استقطاع من الممتلكات العثمانية من أراض ذات شعب مسلم فلقد أنهت المعاهدة الحماية العثمانية على القرم واضحت خان القرم رسميًا دولة مستقلة ولكن تحت حماية روسية حتى اتمت روسيا ضمها نهائيًا 1783. ومع أساليب الروسنة المستمرة في القرم فقدت دار الإسلام للابد هذه المنطقة كما فقدت الفولجا والاورال.
ثم بدأ الغزو الروسي لشمال القوقاز 1783 (الداغستان والشيشان) ولقد واجه مقاومة عنيفة قادتها الطرق الصوفية النقشبندية ولذا استغرقت روسيا ما يقرب من القرن في إتمام الاستيلاء على هذه المنطقة الصغيرة والسيطرة عليها ولقد كان استسلام آخر قادة النقشبندية (الإمام الشامل) 1856 بمثابة انتهاء لحروب القوقاز.
وعندئذ اندفعت روسيا في عملية منظمة للاستيلاء على آسيا الوسطى ولكنها واجهت مقاومة ضئيلة. فلقد كانت بخاري كييفًا، خوقند، وهي الإمارات الكبرى الباقية قد فقدت من فترة قوتها السياسية ورخائها الاقتصادي بحيث لم يعد في مقدورها مواجهة قوات الإمبراطورية الروسية القيصرية ولقد استغرقت عملية الاستيلاء ما يقرب من النصف قرن منذ 1855 وحتى 1990 ولقد سقطت المدن الكبرى على التوالي شمكنت 1855، طشقند 1965، بخاري 1868، كييفًا 1873، خوقند 1870، تركستان (1873-1774) ثم الجزء الشرقي من جبال الباير 1900.
ولقد حققت العملية أهدافها في ظل أوضاع عثمانية وصفوية سهلت الطريق أمامها وكذلك في ظل توافر الدوافع الروسية للتوجه بعمق نحو الجنوب وصولًا إلى آسيا الوسطى.
بالنسبة للدوافع الروسية: فنجد أنه تأكد لروسيا عند منتصف الخمسينيات فشل مشروعاتها الأوروبية: أي إسقاط الدولة العثمانية واقتسام ممتلكاتها ومن ثم توطيد النفوذ الروسي في البلقان ولقد ساهم في هذا الفشل توازنات القوى الأوربية المناوئه للدور الروسي الجديد ومن ثم التي ساهمت في الحفاظ على تماسك كيان “رجل أوروبا المريض” ما يقرب من القرن ولقد كانت حرب القرم (1854-1856) ثم الحرب الروسية التركية 1875 وما تلاهما من مؤتمرات أوروبية مؤتمر باريس 1856 ومؤتمر برلين 1878 الساحتين اللتين تأكد عليهما فشل هذه المشروعات ما دفع بروسيا نحو آسيا.
أما بالنسبة لتأثير وضع الدولتين العثمانية والقاجارية: فلقد دخلت الدولة العثمانية في هذه الفترة المرحلة النهائية من ضعفها والتي عرفت بالمسألة الشرقية (1774- 1923) ولقد تركز اهتمامها خلالها على البلقان والوطن العربي أي الجناحين الأوروبي والعربي اللذين تكالبت عليهما القوى الاستعمارية المتنافسة الكبرى لاستقطاعهما –كل في توقيته وبالأسلوب الأمثل (استقلال البلقان أولًا ثم استعمار العرب) أما الدولة القاجارية (1795- 1925) فلقد تكونت في فارس معلنة بداية مرحلة جديدة من السياسات في ظل تكالب القوى الاستعمارية كل وسط آسيا وكان الطرفان الأساسيان المتنافسان حول وسط آسيا هما روسيا وبريطانيا. وإذا كان التهديد الروسي لفارس قد ارتبط –كما رأينا- بالتطور في مخططات التوسع القيصري منذ بطرس الأكبر بحيث ظلت روسيا طوال ما يقرب من الثلاثة قرون (ولكن بدرجة متزايدة منذ نهاية القرن 18م) مصدر التهديد الأساسي لإيران فإن بريطانيا كانت في البداية مصدر مساندة لحكام فارس في مواجهة العثمانيين أحيانًا أو الأفغان والبرتغاليين في أحيان أخرى ثم في مواجهة روسيا خوفًا من اقتراب النفوذ الروسي من الهند –بعبارة أخرى استطاعت فارس- كما استطاع العثمانيون –توظيف التنافسات الأوروبية وخاصة البريطانية- الروسية لخدمة مصالحها إلا أن هذا التوظيف انقلب ليصبح خطوة البداية في اختراق النفوذ الأجنبي الأوروبي وكان لهذا الاختراق مدلولات سلبية بالنسبة لعلاقة إيران مع جيرانها من مسلمي آسيا الوسطى فلقد كان للعامل الروسي ثم التنافس الروسي البريطاني تأثيرها على قدرة إيران على التصدي للتنافس الأوروبي حول وسط آسيا وتعرضت هذه القدرة لتأكل متزايد مع تزايد المشاكل الداخلية للدولة القاجارية فمع التدخل الروسي العميق في الشئون الداخلية وقعت هذه الدول في أوائل القرن العشرين فريسة الاتفاق البريطاني الروسي 1907 على اقسام مناطق النفوذ في وسط آسيا وإيران.
وفي المقابل استمر الصراع الصفوي-العثماني طوال القرن 19 ولكن ليس بنفس الحدة والتكرار السابقين ولقد كان للعلاقات الروسية بالطرفين انعكاساتها المستمرة على هذا الصراع، وحين تزايد الخطر الروسي على كليهما لم تتحالف الدولتان المسلمتان في حرب كل منهما مع روسيا 1826، 1828 والتي انتصرت فيهما روسيا على إيران والدولة العثمانية على التوالي.
وهكذا وبعد أن تأثر التنافس العثماني-الإيراني حول القوقاز بالمتغير الروسي انتهى الدور الإيراني في آسيا الوسطى التي كانت دائمًا وبالرغم من الروابط العرقية- بعيدة عن مجال الحركة العثمانية المباشرة.

الخاتمة

محصلة التطور في وضع المنطقة بين محددات هذا التطور وبين عواقب الحكم القيصري: أين كان العالم الإسلامي وما هو نمط رد فعل شعوب هذه المنطقة؟
1- انطلاقًا من الإشكاليات التاريخية التي تم صياغتها في مقدمة الدراسة، وعلى ضوء التحليل في متن الدراسة يمكن أن نستخلص مجموعة من الملاحظات حول محددات تشكيل أنماط التفاعلات التي تضمنها هذا المتن.
* شهدت عصور التاريخ الإسلامي حتى القرن 7 هـ- حركية وبمبادرة من الجناح التركي- الإيراني –للعامل الإسلامي وكانت هذه الحركية ذات أثار إيجابية مباشرة حضارية وعسكرية في البداية ثم ذات أثار سلبية في أحيان أخرى إذا كانت الحركية الحضارية قد ساهمت في البناء الحضاري الإسلامي الشامخ الذي أرسى حتى القرن 5هـ فإن الحركية العسكرية تجسدت في عصر أزمة الإسلام في القرنين 6، 7هـ حيث كانت المنطقة مبعث دعم لمراكز قوة إسلامية في مواجهة أعداء الإسلام وذلك عند ضعف دور حاملي راية الإسلام من العرب فلقد جاءت هذه الحركية في نهاية العصر العربي في التاريخ الإسلامي (دولة الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية) أي العصر الذي قاد المسلمين خلاله العرب.
* وإذا كانت المنطقة قد تلقت الضربة الأولى لأحد أهم مصادر التهديد للإسلام في القرن 7 هـ وهم المغول الوثنيون إلا أنها استوعبتهم بعد إسلامهم بحيث انطلق منهم هذه المرة مصدر تهديد آخر (تيمورلنك) لمراكز القوة في القلب الإسلامي حملت معها من أضرار التنافس على القيادة أكثر مما حملت معها من إضافة لقوة الأمة في مجموعها ومع ذلك فلقد جاء من بين ثنايا الحركية ذات التأثير السلبي ومضات ضوء حققت أثارًا إيجابية طويلة الأجل كان من أهمها مساندة القبيلة الذهبية للمماليك ضد الصليبيين والإفرنج، وكذلك هجرة قبيلة عثمان من وسط آسيا تحت وطأة الهجمة المغولية الأولى واستيطانها منطقة التخوم بين السلاجقة والبيزنطين لتصبح بعد ذلك أقوى دولة إسلامية بل اقوى دولة في العالم في مرحلة من مراحل تطورها.
ومن ناحية أخرى شهدت عصور تالية من التاريخ الإسلامي –التي قاد المسلمين خلالها العنصر التركي (المماليك، العثمانيون) انهاء حركية ومبادرة آسيا الوسطى والقوقاز بصفة عامة نحو الجناح العربي من الإسلام بصفة خاصة ومن ثم دخولها مرحلة عزلة وهامشية في الدور الفاعل.
2- لم يكن العامل الجغرافي –بالطبع- وراء هذا الوضع ولكنه كان نتاج تفاعل عدة مجموعات من العوامل التي ساهمت في تقليص مصادر القوة السياسية والاقتصادية في هذا المنطقة. وهي تتلخص كالآتي:
من ناحية: ظهور قوة إقليمية مجاورة (الدولة الصفوية) اقترن نموها بالتوجه شرقًا بل كان أحد علامات قوتها هو النجاح شرقًا بتحجيم مصادر التهديد من آسيا الوسطى التركمانية ثم مد النفوذ الإيراني إليها. وعلى العكس تمكن السلاجقة من النمو والاتساع غربًا على حساب الدولة الغزنوية بعد ضعفها.
من ناحية ثانية: انقسام المنطقة -وخاصة بعد تمزق امبراطورية تيمورلنك في نهاية 15م- إلى خانات عدة متنازعة ولقد تزامن فشل آخر محاولات توحيدها بقيادة الأوزبك الشيبانيين مع إعادة بناء قوة الدولة الصفوية مع الشاه عباس الكبير.
من ناحية ثالثة: ظهور قوة إقليمية مجاورة –غير مسلمة- ذات توجهات معادية وهي روسيا القيصرية ولقد توافرت لها موارد النمو والتوسع الإقليمي وكذلك فرصه ودوافعه على نحو مثَّل تدريجيًا حاجزًا وعازلًا بين هذه المنطقة من الجناح الآخر من ديار الإسلام وخاصة الدولة العثمانية.
ومن ناحية رابعة: لم تستطع قدرات الدولة العثمانية أن تحول دون توطد أركان هذه العزلة فلقد كانت توجهاتها الأوروبية والعربية تشغل صميم استراتيجيتها العالمية. ولقد وصلت إلى مرتبة أقوى القوى الكبرى ومركز التفاعلات العالمية نتيجة هذه الاستراتيجية التي تزامن تنفيذها مع دخول آسيا الوسطى والقوقاز بداية العزلة في القرن 16م ولقد تشكل التوجه المتقطع العثماني نحوها بمحصلة التوازنات الأوروبية-العثمانية، الصراع العثماني-الصفوي، لذا لم يحل الدور العثماني دون التوسع الروسي القيصري نحو هذه المنطقة. وإن كان قد ساهم في تأخر إتمام السيطرة الروسية على القوقاز ومن ثم على آسيا الوسطى –نحو القرنين فلقد كان التوجه الروسي غربًا وشمالًا نحو أوروبا يصطدم دائمًا بالحاضر العثماني فكانت الدولة العثمانية عقبة أمام تحقيق أهداف السياسة الأوروبية وذلك بسبب طبيعة التوازنات الأوروبية-الأوروبية، والأوروبية العثمانية سواء في آخر مراحل القوة العثمانية أو مراحل ضعفها, ومع ذلك فلقد كان الصراع العثماني الصفوي –وهو من أخطر الصراعات في التاريخ الإسلامي بمثابة الحجر الذي قوض احتمالات التنسيق والتعاون الإسلامي في مواجهة روسيا وكان هو الحجر الذي وظفته القوى الأوروبية –بصور شتى من مراكز القوة الإسلامية المختلفة ولمد السيطرة على كافة ارجاء العالم الإسلامي وليس آسيا المسلمة فقط.
3- كانت العلاقات الإسلامية-الإسلامية عملة ذات وجهين من حيث التأثير والتأثر بالتفاعلات الآسيوية المسلمة:-
من ناحية: أثرت الفواعل الآسيوية-التركية والمغولية في مرحلة الحركية على علاقات القوى بين الدول الإسلامية- كان هناك تأثير السلاجقة على توازن القوى العباسي-الفاطمي، وتأثير المغول على علاقات القوى المملوكية- العباسية وتأثير دولة تيمورلنك على العلاقات العثمانية-المملوكية-العباسية وتأثير دولة تيمورلنك على العلاقات العثمانية-المملوكية وتأثير الشيبانيين الأوزبك على العلاقات الصفوية العثمانية.
ولكن من ناحية أخرى تأثر مصير أتراك آسيا ومغولها المسلمين (في مرحلة العزلة) بنمط العلاقات الإسلامية الإسلامية وخاصة الصراعية منها. وهنا نشير إلى الصراعات بين الخانات ورثة القبيلة الذهبية وإلى الصراع العثماني الصفوي، والصراع العثماني مع خان القرم، والصراع الصفوي-الشيباني الأوزبكي. وكانت هذه الصراعات من أهم العوامل التي ساعدت على اقتطاع أراضي مسلمي آسيا الأتراك والمغول من دار الإسلام للابد كما حدث لبعضها (حوض الفولجا والقرم والاورال) أو مؤقتًا كما هو الوضع بالنسبة لآسيا الوسطى والقوقاز.
4- كان المتغير الأوربي دائمًا بمثابة الحاضر الغائب في التفاعلات موضع الاهتمام، فمن ناحية كانت دوافع هذا المتغير ومحصلة تأثيراته في غير صالح الأمة الإسلامية في مجموعها ابتداء من تحريض ملك أرمينيا للمغول ضد العباسيين، إلى سعي الافرنج للتحالف مع مغول فارس ضد المماليك ثم مع تيمورلنك ضد العثمانيين إلى التلاعب الأوروبي بالصراع الصفوي-العثماني وبالصراع العثماني الروسي وكان الهدف الأساسي هو الالتفاف حول القلب الإسلامي وتفريغه من فاعليته وكذلك عزل منطقة وسط آسيا من هذا القلب لأن الاتصال والتعاون بينهما سبق وأوجد (في عصر السيادة العربية) كتلة إسلامية ممتدة الأطراف كانت مبعث تحول حضاري وعسكري وخطير لعالم المسيحية ومن ناحية أخرى أثر المتغير الأوروبي بمعنى التوازنات الأوروبية-الأوروبية-على السياسات الروسية بصفة خاصة، فكان تحطيم مكانة روسيا في أوربا وفي آسيا في حرب القرم وما بعدها حتى مؤتمر برلين 1878 دافعًا للتوسع في آسيا.
5- وعن عواقب السيطرة الروسية القيصرية على الهوية الإسلامية وعن طبيعة رد الفعل الذاتي لمسلمي المنطقة تجاه أساليب هذه السيطرة فهذان بعدان مرتبطان بقضية واحدة ذات مدلولات هامة بالنسبة لجانب كبير من تفاعلات شعوب المنطقة وأنظمتها مع شعوب وانظمة الدول الإسلامية الأخرى: كيف؟
من ناحية: بالرغم من كل أساليب الروسنة والسفيتة طيلة ثلاثة قرون ما زال الإسلام يمثل عنصر الهوية الأساسي لشعوب هذه المنطقة.
فمهما قيل عن الآثار المدمرة للهجمة المغولية على المجال الحضاري التركي-الإيراني في وسط وشمال غرب آسيا المسلمة فسرعان ما استطاعت شعوب هذه المناطق تجاوز الأزمة وإعادة الإعمار واستيعاب المغول بعد إسلامهم وبالرغم من محاولات الديانات الأخرى استيعابهم.
ومهما قيل عن عواقب النزاعات ما بين الإمارات أو الخانات الإسلامية-الإسلامية ومهما قيل عن أبعاد سلبية للنفوذين البويهي والسلجوقي على الخلافة العباسية العربية، ومهما قيل عن الدولة العثمانية التوسعية في القوقاز والقرم فلقد كانت جميعها تفاعلات بين أطراف إسلامية ذات أسباب مختلفة تتصل بالتنافس السياسي ولكنها لا تهدد بمحو أو اضعاف الهوية الإسلامية لشعوب هذه المناطق وذلك على عكس ما تعرضت له هذه الشعوب على يد الروس القياصرة منذ 1552 وحتى 1900 على يد الروس الشيوعيين بعد ذلك.
هذا ولقد أفاضت الدراسات التاريخية المعاصرة والحديثة (قبل انهيار الاتحاد السوفيتي) عن تاريخ هذه المنطقة في عرض وتحليل أساليب الحكمين القيصري والشيوعي في التعامل مع الشعوب المسلمة وبهدف تصفية الإسلام. وبعبارة أخرى تصبح هذه الدراسات في نطاق دراسات الأقليات الإسلامية[29].
لسنا هنا في معرض الدراسة التفصيلية لهذه الأساليب أو عواقبها ولكن يهمنا بالأساس طبيعة رد الفعل المسلم تجاهها ونتائجه؟
وكما سبق وطرحنا محدودية نجاح القوى الإسلامية في حماية أراضي آسيا المسلمة من الروس فيبقى هنا أن نتساءل ماذا فعلوا بعد إتمام الاستقطاع من ديار الإسلام لحماية مسلمي هذه الأراضي من خطر داهم أي ذوبان الهوية وضياعها؟
هنا يمكن القول أنه بالرغم مما وقع من تسويات بعد أكثر من قرنين من الحكم الروسي فإن هناك استمرارًا في الحفاظ على الهوية واستمرارًا في الوجود الإسلامي في هذه الأراضي وكان ذلك نتاج نوع من الدفاع الذاتي عن النفس من جانب شعوب هذه المناطق أكثر منه نتاجًا عن مساعدة شعوب وحكومات الدول الإسلامية التي كانت قد وقعت بدورها في براثن استعمار ولو من نوع آخر، ومن ثم فطبيعة هذا الدفاع تمثل جذورًا هامة ذات امتدادات الآن في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية في الجمهوريات الست الإسلامية. بعبارة أخرى: وعلى عكس الأندلس بعد الاسترداد المسيحي لها فإن الإسلام في آسيا الوسطى والقوقاز- بل وفي تترستان والبشكير والشاشان في قلب روسيا الاتحادية وفي القرم في قلب أوكرانيا عايش الغزو الروسي.
ولذا فلقد ظل دائمًا الحزام الجنوبي الشرقي لروسيا القيصرية جزءًا فعليًا –إن لم يكن قانونيًا- من دار الإسلام بما فيها من شعوب حافظت على انتمائها للإسلام إلى الكثافة السكانية والبعد الجغرافي عن مركز القوة المعادية (موسكو) فقط ولكن يرجع للمقاومة العنيدة والحاسمة لشعوب هذه المناطق وصراعها للحفاظ على هويتها وعدم ذوبانها أو القضاء على ركيزة هذه الهوية أي الركيزة الدينية.
أولًا ومن أهم صور هذه المقاومة المسلحة “ضد الحكم الكافر” والتي قادتها الحركات الصوفية وبدأت هذه المقاومة منذ بداية التوسع الروسي أي منذ منتصف القرن 16م وذلك في بلاد التتار ثم امتدت واستمرت خلال القرون 17، 18، 19 في حوض الفولجا والأورال وبلاد الكازاخ وكذلك القوقاز، إذا كان التتار المسلمون أحفاد جنكيزخان، ورثة القبيلة الذهبية هم الذين بدأوا المقاومة فإن الحركات الصوفية قادتها بصفة خاصة في القرن 18، 19 في القوقاز أولًا حتى نهاية القرن 19 ثم في آسيا الوسطى ولقد حازت مقاومة الطريقة النقشبندية اهمية كبيرة، ولقد ساندتها الدولة العثمانية بصورة أساسية وكانت مقاومة “الإمام شامل” أمام الدغستان والتي استمرت 35 عامًا (1824-1859) من أطول وأشرس عمليات المقاومة الإسلامية ضد التوسع الروسي، وكانت هزيمتها تعني اتمام السيطرة الروسية على القوقاز، هذا ولقد كانت القوقاز أيضًا مركز المقاومة شديدة للحكم البلشفي بعد قيام الثورة الشيوعية 1917.
ثانيًا: الصراع الفكري والاجتماعي للحفاظ على الإسلام “في ظل الحكم الروسي على جميع أراضي المسلمين التي لم تعد جزءًا من دار الإسلام واجه المسلمون واقعًا جديدًا يهدد باجتثاث جذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية، ولقد اتخذت المقاومة ضد هذا التهديد اتجاهات مختلفة صنفتها المراجع المعنية بالموضوع كالآتي: المحافظون المعتدلون، التحديثيون الليبراليون، المحافظون الراديكاليون. وتلخص استجابة الاتجاه الأول في رد فعل دفاعي سعى لإبعاد الجماعة المسلمة الروسية وعزلتها عن كل تيارات صلاحية سرت في العالم الإسلامي في نهاية قرن 18 ولقد اختفى هذا الاتجاه في اوائل القرن العشرين، وبقي الاتجاهان الآخران اللذان انقسم بينهما مسلمو هذه المنطقة حتى الآن.
وكان للاتجاه التحديثي الليبرالي أهداف سياسية إلى جانب الأهداف الثقافية والروحية يعتدون فيها بأساليب التحديث العربية ولكن في ظل الحفاظ على قيم وإطار الإسلام. وهم في هذا سايروا نظائرهم في الدولة العثمانية سواء من العرب أو الأتراك المصلحين ولكنهم اختلفوا معهم حيث أن القضية بالنسبة للمسلمين الروس كانت قضية البقاء وليس الوصول إلى السلطة. أما المحافظون الراديكاليون وعلى عكس المحافظين المعتدلين –فلقد انغمسوا في السياسة وفي الجهاد على أساس أنه لا يكفي أن ينعزلوا ليحافظوا على دينهم ولكن هذا الحفاظ يقتضي جهاد الغزاة الكفار وطردهم من أراضيهم ومن ثم إقامة دولة إسلامية تحكم بشرع الله.
ثالثًا التعاون مع الحكم الروسي: وجاءت تلك الاستجابة من جانب بعض الصفوات التتارية أو القوقازية أو التركستانية وظهر منهم من مثلوا ما يسمى “الإسلام الرسمي” في روسيا ثم في الاتحاد السوفيتي.
والجدير بالذكر أن هذه الاتجاهات الفكرية الثلاثة –والتنظيمات التي انبثقت عنها- قد فقدت بصفة عامة الصلة مع المسلمين في الدول الإسلامية الأخرى. ولقد أطلق على المسلمين تحت الحكم الروسي القيصري “المسلمون المنسيون” وبذا وصلت التدرجية في تهميش وضع هؤلاء المسلمين إلى أقصاه حيث اكتملت الحلقات الاقتصادية والسياسية والفكرية لعزلهم عن باقي العالم الإسلامي بعد أن كانوا يمثلون في مرحلة حيزًا من قلبه وحاضرته ولم تكن مشاركة مسلمي العالم ودولهم في الحفاظ على بقائهم مبشرة أو فعالة سواء بسبب تدهور أوضاع هؤلاء أيضًا أو سواء بسبب الستار الحديدي عقب الثورة البلشفية ومع ذلك تشير المراجع المعنية بالموضوع إلى قناة هامة –خلال النصف الثاني من القرن19- للاتصال بين مسلمي الإمبراطورية الروسية وبين الدولة العثمانية وهي قناة المعلمين والكتب التركية والتي انتقلت من خلالها الأفكار التحديثية لمصلحي عصر التنظيمات من الأتراك الجدد إلى الصفوة المثقفة المسلمة تحت الحكم الروسي ولقد تبلور على صعيد هذه الصفوة وخاصة التركستان فكر قوميّ طورانيّ ولقد ساهم العديد منهم الذين هاجروا إلى تركيا (قبل الثورة البلشفية) في إحياء الفكرة الطورانية لتحل محل “العثمنة” أو الوحدة الإسلامية. أما المجموعة التي هاجرت إلى إيران –وهي ذات الفكر الاشتراكي فلقد ساهمت في بلورة الحركة الدستورية الإيرانية الحديثة، بعبارة أخرى منذ 1883 وحتى 1920كان هناك تأثير متبادل بين الإصلاحيين الليبراليين التحديثيين من المسلمين الروس والترك والإيرانيين والعرب. ولقد استمر هذا التأثير –ولكن الأهداف مختلفة وفي إطار مغاير- خلال العقد الأول بعد اندلاع الثورة البلشفية. وعلى ضوء الشعارات التي أطلقتها هذه الثورة اعتقد مسلمو الإمبراطورية الروسية أن أوان الاستقلال قد حان بل واعتقد الكثيرون في أنحاء الدول الإسلامية المستعمرة أنه قد حان أيضًا أوان الاستقلال عن الدول الاستعمارية الكبرى. وكانت بعض القيادات البلشفية تعتقد أن الانتصار النهائي للثورة لن يتحقق إلا بمساعدة الشرق وبعد أن نشط الشيوعيون العرب والأتراك والإيرانيون وتعاونوا مع من عرفوا “الشيوعيون الوطنيون المسلمون” في روسيا لنشر الشيوعية في الشرق الأوسط اتضحت النوايا الحقيقية للبلاشفة الروس تجاه مسلمي الإمبراطورية الروسية السابقة. الذين دخلوا في ذاكرة الشعوب المسلمة الأخرى دائرة النسيان.
وهاهم قد عادوا من جديد إلى قلب الاهتمام فكيف إذن تساعد مدلولات الخبرة التاريخية على حسن فهم إشكاليات الوضع الراهن واحتمالاته؟
*****

الهوامش:

(*) نشر هذا البحث ضمن: مصطفى علوي (محرر)، ندوة الوطن العربي وكومنولث الدول المستقلة (دراسة في العلاقات العربية بجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق) (القاهرة 26-28 يونيو 1994)، معهد البحوث والدراسات العربية.

[1] د.نادية محمود مصطفى: “مدخل إسلامي لدراسة التطور في وضع ودور العالم الإسلامي في النظام الدولي: مشاكل وضوابط التعامل مع التاريخ الإسلامي”، (في): د.نادية محمود مصطفى، د.ودودة بدران، د.علا أبو زيد: “تطور وضع الدولة الإسلامية في النظام الدولي” (دراسة نظرية من واقع خبرة التاريخ الإسلامي الجزء الثالث من مشروع “العلاقات الدولية في الإسلام”، المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن (تحت النشر).
[2] ولقد تم هذا بالفعل في أحد المشروعات البحثية الجماعية وسيعتمد جانب كبير من متن هذه الدراسة على الأبواب الأربعة الأولى من الجزء الثالث من هذا المشروع المشار إليه في البند السابق.
[3]لا تدعي الدراسة القيام بتوثيق تفصيلي أو ممتد للدراسات في هذا المجال خلال الأربع سنوات الماضية. ولكن يمكن الإشارة إلى النماذج التالية:
– د. محمد السيد سليم: “مستقبل الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز “مستقبل العالم الإسلامي، العدد 5، شتاء 1992.
– إيمان يحيى: “مستقبل الجمهوريات الإسلامية السوفيتية”، في: مرجع سابق.
– د.مصطفى علوي: “الانعكاسات الإقليمية والدولية لاستقلال الجمهوريات الإسلامية الجديدة في آسيا الوسطى والقوقاز”، الفكر الاستراتيجي العربي.
– د.نيفين عبد الخالق مصطفى: “مستقبل الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز وبناء نظام إقليمي إسلامي، بحث مقدم إلى مؤتمر الدولي عن “المسلمون في آسيا الوسطي والقوقاز: الماضي والحاضر والمستقبل، جامعة الأزهر- مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي بالاشتراك مع قسم اللغة الفارسية-كلية الدراسات الإنسانية 28-30/8/1993.
– أحمد ناجي: “تركيا والجمهوريات الإسلامية السوفيتية المستقلة”، السياسة الدولية، عدد 110، السنة 27، أكتوبر 1992.
– Center for Political Research and Studies: “Russia, Central Asia, and the Arabs (a Background Paper)Prepared for a Seminar on “Russie, CA., and The Arabs. Cairo 26-29/4/1993. pp 19-21.
– George I. Mirsky: Central Asia, s Emergence. Current-History- October- 1992.
– R. K. Ramazani: Iran’s Foreign Policy: Both North and South. Middle East Journal. Vol. 46 No. 3, Summer 1992.
– Olivier Roy: la recomposition de l’asie centrale soviétique.
[5]من هذه المقولات عن “الأبعاد التاريخية للاوضاع الجيوسياسية الحالية” أن تاريخ ثلث المجتمعات يتميز بالمجابهة العنيفة مع الإمبراطورية الروسية، أن المسلمين قد تمتعوا بحرية دينية واسعة نسبيًا وأكدوا ذواتهم القومية في فترتين زمنيتين فقط فترة كاترين الثانية، السنوات الأولى من الحكم البلشفي في روسيا، أن الحركات السياسية القومية الإسلامية قد ظهرت في أوائل القرن الحالي، أن مؤسسات الدولة الحديثة لم تظهر في تلك المجتمعات الإسلامية إلا في فترة الحكم الشيوعي انظر: إيمان يحيى، مرجع سابق، ص 134-138.
[6]د.نادية محمود مصطفى: مرجع سابق.
[7]تم استخلاصها من واقع المصادر التاريخية التي سيتم الإحالة إليها بعد ذلك.
[8]د.سيار الجميل: “التكوينات التاريخية لجمهوريات آسيا الوسطى”، في: المستقبل العربي، مارس 1994، ص 41.
[9]تم الاستعانة في هذا التحديد بعدة مصادر: د. محمد سليم: مرجع سابق، د. سيار الجميل: مرجع سابق
– G. Mirsky: Op. Cit.
[10]تم صياغة هذه الإشكاليات –ومن ثم تحديد المدى الزمني للدراسة على ضوء القراءة الأولى للمادة التاريخية من واقع مجموعة المصادر التي سيتم الإحالة إليها تباعًا.
[11]د.سيار الجميل: مرجع سابق، ص42.

[12]المرجع السابق: ص 40-42.
[13] انظر التفاصيل في: توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: د.حسن إبراهيم حسن، د. عبد المجيد عابدين، إسماعيل النحراوي، النهضة المصرية، القاهرة، 1970، ص 242- 243، 273- 290.
– Alexandre Bennigsen and Marie Broxup, The Islamic Threat to the Soviet State, St. Martin ‘s Press, New York, 1983. pp. 1-2.
– انظر أيضًا حول هذه المرحلة:
– د.علا أبو زيد: الباب الأول: الدولة الأموية دولة الفتوحات (41هـ- 132هـ): الفصل الأول: المبحث الثالث (المد الإسلامي في الجبهة الشرقية)، الفصل الثاني- المبحث الثالث (الانحسار الإسلامي في الجبهة السوفيتية).
الباب الثاني: الدولة العباسية بين التخلي عن سياسات الفتح من منطلق القوة إلى اقتصاد إرادة الهجوم إلى فقدان القدرة على الدفاع إلى السقوط: الفصل الثاني: العصر العباسي الثاني (المبحث الأول والمبحث الثاني) (في): د. نادية محمود مصطفى (وآخرون): مرجع سابق.

[14]A. Bennigsen, M. Broxup: Op. Cit. p.3.

[15]محمد الغزالي: الإسلام في وجه الزحف الأحمر، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1966، ص119، ص210.

[16]انظر التفاصيل التحليل السياسي لهذه التطورات في: د.علا أبو زيد: الدولة العباسية من التخلي عن سياسات…، الفصل الثالث (العصر العباسي الثالث من الهجمة الصليبية إلى المغولية 447هـ- 656هـ، 1055م- 1258م، في: د. نادية محمود مصطفى، ود. نجلا أبو زيد، ودودة بدران: مرجع سابق، ومن المصادر الثانوية التاريخية حول هذا الجانب: انظر (فضلًا عن المصدر السابق).
– رمضان: الصراع بين العرب وأوروبا.
– د.عبد الملك ماجد: العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى: مكتبة الجامعة العربية، بيروت، ط1، 1966.
– محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام.
– فايد حماد محمد عاشور: “جهاد المسلمين في الحروب الصليبية”، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985.
– حامد زيان غانم زيان: “الصراع السياسي والعسكري بين القوى الإسلامية زمن الحروب الصليبية، دار الثقافة والتوزيع، القاهرة، 1983.
– محمود شاكر: “التاريخ الإسلامي، التاريخ الإسلامي-العصر الأموي، العصر العباسي”، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1407-1987م، ص 2-3.

[17] نقلًا عن د.سيار الجميل: مرجع سابق، ص 48، د.محمد عبد القادر أحمد: مرجع سابق، ص 19.
[18] ) حول انتشار المسيحية بين الروس انظر: توماس ارنولد: مرجع سابق.
[19]Alexander Bennigsen, Marie Broxup: op. cit. pp 5-7, 55-60.
[20] تستخدم المغول والتتار كمترادفات أحيانًا ومع ذلك فإن للمصطلحين معان محددة في أطر معينة، انظر أبعاد هذه التفرقة في: توماس أرنولد: مرجع سابق، ص 248-249.
[21] يعتمد هذا الجزء أساسًا على مضمون المصدر التالي:
– د.نادية محمود مصطفى: الباب الثالث: “العصر المملوكي”: من تصفية الوجود الصليبي إلى بدايات الهجمة الأوروبية الثانية (656هـ- 923هـ)، الفصل الأول: “الدور المملوكي تصفية الوجود الصليبي والتصدي للمغول”، المبحث 1، 312 ص 13-25، الفصل الثاني “تطور العلاقات المملوكية الأفرنجية وبداية الفتوح العثمانية” المبحث 1، ص 31، 32، المبحث 2، ص 69- 70، الفصل الثالث: “تطور توزيع القوى الإسلامية مع بداية خطر أوروبي جديد”، المبحث 1، ص 90-98، المبحث 2، 3، ص 112-118، المبحث 4، ص 127- 130، في: نادية محمود مصطفى، د. علا أبو زيد، د.ودودة بدران: مرجع سابق.
– ومن المصادر الثانوية التاريخية حول هذا الجانب انظر (نقلًا عن المصدر السابق): محمود شاكر: مرجع سابق، جـ4، ص 135-177.
– د.رجب محمد عبد الحليم: انتشار الإسلام بين المغول، دار النهضة العربية، بيروت، 1986.
– برتولد شبولر: العالم الإسلامي في العصر المغولي، ترجمة خالد أسعد عيسى، مراجعة وتقديم د. سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1402هـ- 1982م، ص 19-104.
– توماس أرنولد: مرجع سابق، ص 247-275.
– د.نظير حسان سعداوي: “والحرب والسلام زمن العدوان الصليبي، النهضة المصرية، القاهرة، 1961.
– د.سعيد عبد الفتاح عاشور: الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، دار النهضة، القاهرة.
– د.فايد حامد عاشور: “العلاقات السياسية بين المغول والمماليك في الدولة المملوكية الأولى، دار المعارف، القاهرة، 1974.
– وليم موير: تاريخ دولة المماليك في مصر 1260- 1517، ترجمة محمود عابدين وسليم حسن، مطبعة المعارف بالفجالة، مصر، ط1، 1322 هـ، 1924م.
– د.علي حون: العثمانيون والروس، المكتب الإسلامي، بيروت، 1982.

[22] ) محمود شاكر: مرجع سابق، ص 131-134.
[23] A.Bennigsen, M. Broxup: Op.Cit. p.3.
[24] (يعتمد هذا الجزء أساسًا على مضمون المصدر التالي:
– د.نادية محمود مصطفى: الباب الرابع: “من القوة والهيمنة العثمانية العالمية وبداية الاستعمار الأوروبي الكشفي إلى المسألة الشرقية والاستعمار التقليدي للعالم الإسلامي”، الفصل الأول: نظام القوة والنهضة الإسلامية: الدور العثماني العالمي (1517-1571)، ص 241-245، الفصل الثاني: “نظام المرحلة الانتقالية من الهيمنة العثمانية إلى الدور الأول من المسألة الشرقية، (في): د.نادية محمود مصطفى، د.علا أبو زيد، ود.ودودة بدران: مرجع سابق.
– ومن المصادر الثانوية التاريخية حول هذا الجزء انظر (نقلًا عن المصدر السابق):
– د.أحمد الخولي: “الدولة الصفوية”، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1981، ص 95.
– د.محمد عبد اللطيف هريدي: الحروب العثمانية-الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوروبا، دار الصحوة، القاهرة 1408هـ- 1987م.
– Bertold Spuler: “Center Asia: The Last Centuries of independence. In J.Kissling et. al. (eds): The Muslim World (111). The Last Great Muslim Empires. Brill, Leiden, E J. 1969.
– Helmut Braun: “Iran Under the Safairds and in the 18th Century”, in: Op. Cit.
A Lambton: “Persia: The Breakdown of Society in P.M.

[25] (Holt et el. Eds: The Cambridge History of Islam, Vol.1: The Central Islamic Lands, Cambridge University Press, 1970, pp. 430-468.
Bertold Spuler: Central Asia from the 16th century to the Bussian – Conquests, in: Op. Cit., pp. 468-480.

[26] A. Bennigsen, M. Broxup: Op. Cit. pp 9-25, pp. 62-80, pp 88-95.

[27] Ibid: pp. 10-11.

[28] Halil Inalcik: The Turkish Impact on the Development of Modern Europe in Karpated: The Ottoman State and ist Place in World History. Leiden, E. J. Brill, 1974. p53.
[29] انظر على سبيل المثال وليس الحصر:
– محمود شاكر: المسلمون تحت السيطرة الشيوعية (بيروت، المكتب الإسلامي- 1982).
– الأقليات المسلمة في العالم، كتاب الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، 1986 المجلد الأول، أفضل الرابع، المسلمون في الاتحاد السوفيتي –والصين، ص 433-511.
– د. عبد الشافي غنيم عبد القادر، د. رأفت غنيمي الشيخ: قضايا إسلامية معاصرة 1980، ص 168-177.
– A. Bennigsen, M. Broxup: Op. Cit. pp. 18-54.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق